← Фикх малики

Фикх малики · id 14245

الإشراف على نكت مسائل الخلاف

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (912 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

شريكان في العمل بأيدهما فلا يجوز تفاضلهما في الربح اعتبارا بالشركة المنفردة، ولأنه قد ثبت أن رجلين لو دفعا إلى رجل مالا قراضا على أن لأحدهما الثلث وللآخر السدس وللعامل النصف لم يجز، والعلة فيه تفاضلهما في شركة، هما متساويان في أصلها، كذلك في مسألتنا. [١١١٩] مسألة: إذا غصب منه دنانير أو دراهم ثم ردها عليه، فقال لست أريد قبضها ولكن اعمل بها قراضا جاز ذلك، وقال بعض أصحاب الشافعي لا يجوز؛ فدليلنا أن الشيء المغصوب باق على ملك صاحبه وهو في يد الغاصب يتمكن من التصرف فيه، فصح أن يقارضه عليه كالوديعة سواء. [١١٢٠] فصل: ويزول عنه بذلك ضمان الغصب، خلافا للشافعي في قوله إنه مضمون عليه إلا أن يدفعه، أو يدفع ما يشتر به إلى ربه؛ لأنه ممسك للمال بأمر مالكه فزال الضمان عنه بالغصب، كما لو قال هو عندك وديعة، ولأن هذا مبني على أن يجوز رهن المغصوب فيسقط ضمان الغصب. [١١٢١] مسألة: ولا يجوز في القراض المطلق أن يبيع بنسيئة، إلا إذا أذن رب المال، خلافا لأبي حنيفة؛ لأنه بالنسيئة قد أخرج المال عن يده، وذلك خلاف مطلق العقد، ولأن المالك إنما رضي بتصرفه في المال على أن يكون في يده، لا على أن يجعله في ذمة غيره، فإذا خالف ضمن كسائر التعدي. [١١٢٢] مسألة: يجوز في القراض المطلق أن يسافر به ما لم ينه عنه، وعن أبي حنيفة رواية أنه لا يجوز؛ ودليلنا أن القراض يقتضي التصرف في المال على العادة في طلب تنميته، والعادة جارية بالتجارة سفرا وحضرا، فإذا أطلق الإذن فقد دخل على العادة، فيتضمن ذلك التصرف كل ما يعتاد مثله، ولا يلزم عليه النسيئة، لأنا لا نمنعها للعادة، لكن إن لرب المال أن يمنعه ولا يأذن له في إخراج المال عن يده إلى ذمة غيره، ولأن من

стр. 527

السلع ما قد جرت العادة بأنه لا يشترى إلا في السفر ولا ينمى المال إلا فيه، وإلا أن يحمل إلى المواضع المقصودة به، فإذا ثبت أن له أن يشتري تلك السلعة ثبت له أن يسافر بها لأن تنميتها لا تحصل إلا به. [١١٢٣] مسألة: لا يجوز أن ينضم إلى القراض عقد شركة، وقال أصحاب الشافعي يجوز ما لم يشترطا تفاضلاً في الربح، ودليلنا أن عقد القراض مستثنى من الأصول الممنوعة فلا يجوز إلا بقدر ما وردت الرخصة به، ولأنه لما لم يجز أن ينضم إليه عقد إجارة، فكذلك لا يجوز أن ينضم إليه عقد شركة. [١١٢٤] مسألة: لا يجوز أن يقارضه على أن يستدين على مال القراض ويكون الربح بينهما، ولا يجوز ذلك للعامل، وقال أبو حنيفة يجوز بإذن برب المال ولا يجوز بغير إذنه، ودليلنا أن ذلك قراض وعقد شركة، وقد منعناه، ولأن عقد شركة الوجوه عندنا باطلة لو انفردت، فإذا انضمت إلى القراض كان أولى بالبطلان، ولأنه لو قال لو ابتداء استدن وأتجر على أن يكون الربح بيننا نصفين لم يجز، لأنها مضاربة بغير مال فكذلك إذا انضم إليه مال، لأن قدر ما يستدين ليس لرب المال رأس مال فيه، ولأنه لو دفع إليه مائة نقداً وعرضاً بمائة قراضاً لم يجز مع كون العرض مالاً مجملاً، فإذا قال استدن بمائة كان بالمنع أولى، ولأن كل ما لو انفردت المضاربة به لم يجز، فكذلك إذا انضم إلى رأس ماله، أصله القرض. [١١٢٥] مسألة: لا ينفرد ملك العامل للربح إلا بالمفاصلة، وقال أبو حنيفة بالظهور، وهو أحد قولي الشافعي، ودليلنا أنه لو خسر بعد الربح لجبر رأس المال من الربح قبل المفاصلة، ولو كان ملكه متقررا على أن الربح لم يجبر به كما لو كان بعد المفاصلة، ولأنه لو كان رأس المال ألفين، فاشترى به عبدين، قيمه كل واحد ألفان، فأعتق العامل أحدهما، لم يعتق، لأنه لا يملك فيهما شيئاً، والعلة فيه أن المقاسمة لم تحصل، فلم يلتفت إلى الربح في هذه الحالة.

стр. 528

[١١٢٦] مسألة: للعامل إذا شخص بالمال أن ينفق في سفره منه ما يحتاج إليه لأجل السفر، والأظهر عند أصحاب الشافعي أنه ليس له ذلك؛ ودليلنا أن العامل إنما سافر بالمال طلبا للفضل لا تطوعا، فلو قلنا إنه لا يستحق النفقة لأذهبت نفقته بربحه وبأضعافه، ولأن ذلك يصير زيادة ينفرد بها رب المال، وذلك خلاف موضوع القراض، ولأن سفره لما كان لأجل المال وطلب تنميته صار كبعض كلف المال ومؤنة الأجراء. [١١٢٧] مسألة: لا يجوز التوقيت في القراض بأن يقارضه إلى مدة معلومة لا يفسخها قبلها، ولا على أنه إذا انقضت المدة انفسخ العقد، فلم يجز أن يبيع ما اشتراه من المتاع ولا أن يستأنف شراء غيره، ومتى وقع العقد على ذلك كان فاسداً، وقال أصحاب أبي حنيفة يجوز؛ ودليلنا أن القراض من العقود الجائزة لأنه كالوكالة وهو متضمن لمعناها، لأن المال للمالك، وإنما يتصرف العامل فيه لطلب الفضل فيه والنماء نيابة عن المالك، والقدر الذي يفترقان فيه أن التوكيل لا يتضمن شركة الوكيل للموكل في الربح، والقراض يتضمن ذلك، فإذا ثبت ذلك صح أنه من العقود الجائزة فيجب أن يكون ما أخرجه إلى اللزوم باطلاً لأنه يخرجه عن بابه وأصله، وتوقيته يقتضي اللزوم فوجب فساده. [١١٢٨] مسألة: وليس للعامل أن يبضع ولا يودع إلا من ضرورة فإن فعل من غير ضرورة ضمن، وقال أبو حنيفة له ذلك من غير ضرورة؛ ودليلنا أن رب المال رضي بأمانة العامل ونظره دون نظر غيره وأمانته، فكان العامل متعديا بتسليم المال إلى غيره وإخراجه عن يده، فوجب أن يضمن كالوكيل إذا وكل غيره فيما اؤتمن عليه ولم يؤذن له، ولأنه دفع إليه المال على وجه الأمانة ليكون في يده، فلم يجز له دفعه إلى غيره أصله المودع. [١١٢٩] مسألة: إذا شرط رب المال على العامل الضمان فالقراض فاسد، وقال أبو حنيفة العقد صحيح، والشرط باطل؛ فدليلنا أن القراض

стр. 529

عقد غرر مجوز مستثنى من الأصول، فلم يجز فيه إلا قدر ما ورد به الشرع، ولأن موضوعه على الأمانة، فإذا شرط فيها الضمان فقد عقد على خلاف موضوعه فوجب أن يفسد، أصله الصرف إذا شرط فيه ترك القبض، ولأن القراض موضوع على التساوي، فإذا شرط الضمان فذلك زيادة لا يقتضيها العقد، فوجب فساده كما لو شرط ربحا معلوما. [١١٣٠] مسألة: إذا باع رب المال سلعة من مال القراض وقف ذلك على إجازة العامل، وقال أبو حنيفة إذا كان بقيمتها فأكثر جاز، وإن كان بأقل فللعامل الخيار؛ فدليلنا أنه بائع لعين منع من بيعها لتعلق حق الغير فيها، فلم يجز بيعه إلا بإذن من له حق فيها، أصله بيع الراهن والمفلس والبيع بدون القيمة. [١١٣١] مسألة: إذا نهى رب المال العامل عن التصرف، وقد صار ديونا، فعليه التقاضي إلى أن ينض رأس المال فإن كان فيه فضل لزمه التقاضي وإن لم يكن فيه فضل لم يلزمه؛ ودليلنا أن العامل دخل على أن يكون العمل كله عليه، كان هناك ربح أم لا، فإذا تركه ديونا احتاج ربه إلى التقاضي وذلك زيادة من العامل عليه فلم يجز، لأنه معنى يتوصل به إلى توفية رب المال رأس ماله، فكان لازما للعامل دون رب المال، أصله إذا كان المال عروضا أن للعامل بيعها.

стр. 530

كتاب المساقاة وكراء الأرض [١١٣٢] مسألة: المساقاة على النخل جائزة، خلافا لأبي حنيفة؛ لحديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر على الشطر من تمر وزرع، ولأنه مال لا ينمى بنفسه وإنما ينمى بالعمل عليه، فإذا لم تجز إجارته جاز العمل عليه ببعض نمائه، كالدنانير والدراهم. [١١٣٣] مسألة: وتجوز في الكرم والشجر والأصول التي لها ثمرة، وقال الشافعي في الجديد لا تجوز إلا في النخل والكرم؛ ودليلنا أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر على ما فيها من زرع ونخل، فعم، ولأنه أصل له ثمرة، فجازت المساقاة عليه كالنخل والكرم، ولأن المعنى الذي له جازت في النخل والكرم أن المالك قد يعجز عن تعهده والقيام عليه بالسقي والتنقية، فجازت المساقاة عليه لهذه الضرورة، وهذا موجود في سائر الأصول. [١١٣٤] مسألة: المساقاة على ثمرة موجودة جائزة، وقال الشافعي في الجديد لا تجوز؛ ودليلنا أن المساقاة إنما جازت لحاجة الثمرة إلى السقي والتنقية، وضرورة المالك إلى استنابة غيره، وهذا يستوي فيه حال عدمها

стр. 531

ووجودها، لأن ذلك إذا جاز في المعدوم كان في الموجود أولى. [١١٣٥] مسألة: إذا كان العامل لصا أو ظالما لم يفسخ العقد لذلك ولم يمنع، ولكن يتحفظ منه، وحكي عن الشافعي أنه يقال له أقم غيرك مقامك؛ ودليلنا أن عقد المساقاة قد لزم، وكون العامل سارقا فسق، لم يوجب فسخ العقد كما لو فسق بغير السرقة، ولأن ذلك لا يوجب تعذر السقي ولا منع القيام على الثمرة، وإنما يقتضي ضررا ولا يمنع استيفاء المنافع فلا يفسخ لأجله السقي، أصله إذا كان ظالما وانتصف من معاملته، ولأن من أكرى رجلا دارا فوجده ينقب ويسرق لم يجز له فسخ الكراء، وقيل له تحفظ منه، فكذلك المساقاة. [١١٣٦] مسألة: الجداد في المساقة على العامل، خلافا لمحمد بن الحسن في قوله إنها عليه وعلى المالك؛ لأنه من مصالح الثمرة وخدمتها لا يبقى له أثر بعدها، فكان على العامل كالإبار والسقي. [١١٣٧] مسألة: إذا اختلفنا في جزء العامل بعد عمل العامل، فالقول قول العامل مع يمينه إذا أتى بما يشبه، وقال الشافعي يتخالفان ويتفاسخان وللعامل أجرة المثل؛ ودليلنا أن اليمين تجب على أقوى المتداعيين سببا، وها هنا العامل أقوى سببا لتسليم الحائط والعمل فيه، ولأن ذلك كاختلاف البائع والمشتري في الثمن بعد قبض السلعة، وقد ذكرناه. [١١٣٨] مسألة: لا تجوز المزارعة، وصفتها أن يدفع الرجل أرضه إلى رجل ليزرعها، الداخل ببذر من عنده ويكون الزرع بينهما، وحكي عن ابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد بن الحسن جوازه؛ ودليلنا قوله ﷺ : (من

стр. 532

كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه ولا يكريها بثلث ولا ربع) ولأنه زارع في أرض منفردة، ببعض ما يخرج منها ولم يجز أصله إذا شرط أحدهما لنفسه زرعا منفردا، ولأن ذلك ككراء الأرض ببعض ما يخرج منها، وطعام بطعام متأخر. [١١٣٩] مسألة: كراء الأرض للزرع يجوز بالعروض كالحيوان والذهب والفضة، ولا يمنع إلا بنوعين: أحدهما الطعام سواء كان مما يخرج منها كالحنطة والشعير، أو مما لا يخرج منها كاللبن والعسل، والنوع الآخر ما يخرج منها طعاما كان أو غيره كالقطن والزعفران والكتان وغير ذلك، وحكي عن الحسن وطاوس أنه لا يجوز كراؤها بحال، ولا أظن الحكاية ثابتة، وقال أبو حنيفة والشافعي يجوز أن تكرى بكل ما يصلح أن يكون ثمنا للمبيع، والخلاف في موضعين: أحدهما في كرائه بالطعام لأنه عندهم جائز سواء كان من نوع ما يخرج منها أو من غيره، بعد أن لا يشترط أن يكون من زرع تلك الأرض، والآخر ما يخرج منها من غير الطعام؛ فدليلنا على أنه لا يجوز بالطعام حديث رافع أن رسول الله ﷺ قال: (من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه ولا يكريها بثلث ولا ربع ولا بطعام مسمى) فعم، ولأنه طعام فأشبه إذا شرط ما تنبته، ونكتة المسألة أنه يحصل من طعام إلى أجل وابتاع منه عسلا أو لبنا بما تخرجه أرضه إلى أجل طعام بطعام متأخر ومجهول لأن المالك كأنه باعه بهذا الطعام ما تنبته أرضه وجزءاً بيع إلى أجل.

стр. 533

ودليلنا على منع كرائها بغير الطعام مما تنبته أنه مما يخرج منها، فأشبه إذا شرط الثلث والربع مما تنبته. [١١٤٠] مسألة: إذا اكترى أرضا ليزرعها حنطة جاز أن يزرعها شعيرا أو ما ضرره كضرر الحنطة أو أقل، وقال داود ليس له أن يزرع إلا الحنطة؛ ودليلنا أنه زرع لا يضر بالأرض زيادة على الضرر المشترط فأشبه أن يزرعها حنطة، ولأن تعيين ما يزرع في الأرض هو لتقدير المنفعة لا لكونه شرطا، بدليل أنه لو لم يزرعها مع التمكين للزمته الأجرة. *****

стр. 534

كتاب الإجارة [١١٤١] مسألة: جواز الإجارة في الجملة مجمع عليه إلا ما يحكى عن ابن علة والأصم، وهؤلاء لا يعد أهل العلم خلافهم خلافا، فدليلنا قوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾، وقوله تعالى: ﴿على أن تأجرني ثماني حجج﴾، فنص على جواز الإجارة وأخذ الأجرة، وقوله ﷺ : (أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)، ولأن بالناس حاجة إلى تلك المنافع وأخذ الأعواض عليها فجاز ذلك كالأعيان، ولأن هذا إجماع من السلف قبل خرق هؤلاء المبتدعة. [١١٤٢] مسألة: عقد الإجارة جائز لازم من الطرفين، ليس لأحدهما فسخه بعد عقده، إلا أن يكون عيب في المعقود عليه يمنع استيفاء المنفعة، وقال أبو حنيفة للمكتري الفسخ إذا اكترى جمالا للحج ثم مرض وبدا له، وكذلك إذا اكترى دارا ليسكنها فبدا له وأراد السفر، أو اكترى دكانا ليتجر فيه فاحترق متاعه؛ فدليلنا قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾، ولأنه عقد

стр. 535

معاوضة محضة، فلم يكن لأحدهما فسخه بمعنى في العاقد كالبيع، ولأن كل منع لا يملك به المكري فسخ الإجارة لم يملك به المكتري، أصله غلاء الأجرة أو رخصها، ولأن الأصول موضوعة على أن كل ما كان لأحد المتعاقدين فسخه بوجه، كان للآخر أن يفسخ بمثل ذلك الوجه، كعقد الشركة والوكالة والقراض، وكذلك البيوع إذا وجد أحدهما بأحد العوضين عيبا كان له الفسخ، فكذلك في مسألتنا، ولأن عزم المكتري على السفر إذا اكترى دارا أو عزمه على المقام إذا اكترى جمالا للحج كان ذلك عذرا لا يتضمن نقصانا في المعقود عليه، ولا يمنع استيفاء المنافع فلا يملك به الفسخ، كالمكري إذا عزم على المقام وقد اكترى جمالا أو دارا. [١١٤٣] مسألة: الأجرة في الإجارة لا يستحق تسليمها بمجر العقد، ولا تسليم العين المستأجرة، خلافا للشافعي؛ لقوله ﷺ : (أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه) وذلك حث على تعجيلها وقت استحقاقها، ومنع تأخيرها عنه، فلو كانت مستحقة بمجرد العقد لكان أمرا بتأخيرها، وذلك ينافي المقصود بالخبر، ولأنه عوض في عقد معاوضة محضة، فلم يلزم تسليمه بمجرد العقد دون تسليم المعقود عليه، كالأثمان بالبيوعات. [١١٤٤] مسألة: لا تنفسخ الإجارة بموت أحد المتعاقدين إذا لم يتعذر استيفاء المنافع، خلافا لأبي حنيفة؛ لقوله ﷺ : (من ترك مالا أو حقا فلورثته) وهذه الإجارة متروكة للميت فيجب أن تكون لورثته، وهذا ينفي الفسخ، ولأنه عقد معاوضة فلم ينفسخ بموت أحد المتعاقدين إذا لم يعد بتلف المنفعة أو يتعذر استيفاؤها أصله البيع، ولأنه عقد تعلق بمنفعة تستوفى

стр. 536

من عين، فلم ينفسخ بموت أحد المتعاقدين أصله الرهن، ولأنه عقده على أمته للخدمة عقد معاوضة من مالك على منفعة ماله، فلم ينفسخ بموت المالك كعقدة النكاح عليها. [١١٤٥] مسألة: إذا قال آجرتك هذه الدار على حساب كل شهر بدينار، ولم يذكر المدة جاز، خلافا للشافعي في قوله إن العقد باطل؛ لأن المنافع متقدرة بتقدير الأجرة فكلما استوفى جزءا من المنفعة استحق في مقابلته بقسطه من الأجرة فلم يحتج إلى ضرب المدة إلا في اللزوم. [١١٤٦] مسألة: اشتراط الخيار في الإجارة جائز، خلافا لأصحاب الشافعي، وسواء كانت معينة أو في الذمة، لأنه عقد مقصود به المعاوضة المحضة فجاز اشتراط الخيار فيه كالبيع. [١١٤٧] مسألة: لا يحتاج إلى وصف الراكب في كراء الدواب، خلافا للشافعي؛ لأن أجسام الناس متقاربة في الغالب غير متفاوتة فلم يحتج إلى رؤيته ولا وصف. [١١٤٨] مسألة: إذا أكراه مطلقا فطالبه المكري بالمشي للرواح إن كانت العدة جارية بذلك لزمه إلا أن يشترط أو يكون لا يطيق المشي، ولأصحاب الشافعي وجهان: أحدهما لا يلومه؛ فدليلنا أنهما إذا أطلقا العقد فقد دخلا على العرف، فلزمهما كالنقد وصفة المسير وغيره. [١١٤٩] مسألة: عقد الإجارة هو عقد على المنفعة دون الرقبة، خلافا لأحد وجهي أصحاب الشافعي؛ لأن العقد هو على ما في مقابلة العوض وذلك هو المنفعة دون نفس الرقبة، ألا ترى أن له التصرف في المنفعة بالبيع والهبة وليس له أن يتصرف في الرقبة، ولأنا نتفق على أن عقد الإجارة يصح بلفظ البيع مثل أن يقول بعتك داري شهرا يريد الإجارة

стр. 537

والمعاوضة على المنافع، فلو كان العقد قد تناول الدار لكان بيعا فاسدا لأن البيع لا يتوقت. [١١٥٠] مسألة: إذا اكترى دابة من بغداد إلى واسط، فتعدى بها إلى البصرة، فالكراء لصاحبها من بغداد إلى واسط واجب، وما زاد على ذلك فصاحبها بالخيار إن شاء أخذ كراء المثل من واسط إلى البصرة وإن شاء ضمنه القيمة يوم التعدي، وقال أبو حنيفة لا أجرة عليه لأنه غاصب، والمنافع عنده لا تضمن بالغصب وقال الشافعي إن لم يكن صاحبها معها ضمنها وإن كان معها فسلمت فليس له أجرة المثل؛ فدليلنا على وجوب الكراء للزيادة أن هذا ليس بغاصب. وإنما هو متعد ابتداء، وليس كل من تعد غصبا دون أن يضامه اعتقاد إمساكها وأنه لا يردها إلى يد مالكها، فأما إذا اعتقد أنه يركبها ويردها فليس بغاصب، وإنما هو متعد على المنافع فلزمته الأجرة؛ ودليلنا على أنه إن أراد التضمين كان له، أنه متعد بإمساكها حابس لها عن أسواقها فكان لصاحبها تضمينه إياها. [١١٥١] مسألة: إجارة المشاع جائزة، خلافا لأبي حنيفة في قوله لا تجوز إلا من الشريك؛ لأن كل معاوضة جاز أن يعاوض عليها الشريك جاز أن يعاوض عليها الأجنبي، أصله البيع، ولأن كل معنى لا يمنع العقد على المنافع من الشريك لم يمنع العقد عليها من غيره، أصله الغلاء والرخص والشركة في شقص آخر، ولأنه عقد إجارة على ملك له معروف يمكن تسليمه إلى المستأجر فجاز ذلك، أصله المقسوم، ولأن كل صفة لم تمنع البيع لم تمنع الإجارة لكل ما يجوز بيعه، أصله الحيوان. [١١٥٢] مسألة: إذا اكترى دابة إلى موضع معلوم وسلمها إلى المكتري ومضت مدة لو أراد الانتفاع بها أمكنه، فقد استقرت عليه

стр. 538

الأجرة، خلافا لأبي حنيفة في قوله لا تستقر؛ لأنه قد وجد التمكين من استيفاء المنفعة المعقود عليها، فحل ذلك محل استيفائها في استقرار الأجرة، كما لو أخذ دابة وسلمها إليه فامتنع من ركوبها ومشى إلى الموضع وهو يقودها خلفه، فإن الأجرة تستقر عليه بلا خلاف، كذلك في مسألتنا. [١١٥٣] مسألة: الكراء الفاسد إذا قبضت العين فعليه أجرة المثل سواء استعملها أو لم يستعملها، وقال أبو حنيفة إن لم يستعملها فلا أجرة عليه؛ ودليلنا أن كل ما لو تلف في يده من عقد صحيح كان من ضمانه، أصله الأعيان، ولأنها عين قبضت على وجه الإجارة فكان تلف المنفعة فيها مضمونا بالبدل، أصله الإجارة الصحيحة، ولأن تلف المنافع في العين المقبوضة على وجه الإجارة يوجب بدلها على من تلف في قبضه، أصله إذا استوفاها بنفسه. [١١٥٤] مسألة: إذا استأجر رجلان حانوتا أحدهما قصارا والآخر حدادا ولم يمكن اجتماعهما فيه، فإن تراضيا بالمهاياة وإلا أكراه الحاكم عليهما، ولا يكون لأحدهما أن يقعد في موضع يضر بالآخر، ولا يجبران على المهاياة، وقال أبو حنيفة إما أن يقعد أحدهما في موضع والآخر في موضع آخر، أو يتهايياه؛ ودليلنا أنه لما لم يكن سبيل إلى استيفاء المنفعة في حال واحدة لم يكن لأحدهما أن يجبر الآخر أن ينفرد بالانتفاع، لأن ذلك يضر به فلم يبق إلا أن يؤاجر عليهما، لأن القصار يقول عملي متصل، ولا يمكنني تركه يوما، وعمله يوما، فلا يلزمني المهاياة، وهذه حجة صحيحة. [١١٥٥] مسألة: تجوز الإجارة في القصاص في النفس وما دونها،

стр. 539

وقال أبو حنيفة تجوز فيما دون النفس، ولا تجوز في النفس؛ ودليلنا قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ وإذا كان مكتوبا ولم يكن صاحب الدم ممن يحسن أن يستوفيه لنفسه، ولا يلزم غيره أن ينوب عنه بغير عوض، لأنه ليس من فروض الكفايات، فلم يبق إلا الاستئجار عليه، ولأنه قصاص أبيح أخذه، فجاز أخذ العوض على استيفائه لصاحبه، أصله ما دون النفس، ولأنه إتلاف نفس مباح إتلافها، فجازت الإجارة عليه، كذبح الشاة، ولأن كل فعل لو استوفاه صاحبه بنفسه أو متطوع عليه لجاز، فكذلك إذا استأجر عليه، أصله سائر الأعمال المباحة. [١١٥٦] مسألة: الأجرة في القصاص على المقتص له، خلافا للشافعي في قوله إنه على المقتص منه؛ لأنه ليس على المقتص منه أكثر من التخلية بين نفسه وبين صاحب الدم، فلم تكن الأجرة عليه، كما لو باع ثمرة على رؤوس النخل لم يلزمه أجرة لمن يقطعها. [١١٥٧] مسألة: إذا قال له إن خطت هذا القميص اليوم فلك درهم. فلا يجوز والعقد فاسد، وإن عمله فله أجرة المثل، وقال أبو حنيفة الشرط الأول جائز، والثاني فاسد، فإن خاطه اليوم فله الدرهم وإن خاطه غدا فله أجرة المثل، وقال أبو يوسف ومحمد الشرطان جائزان؛ فدليلنا أن هذا من باب بيعتين في بيعة، مثل قوله إن هذا الثوب بعشرة نقدا أو بخمسة عشر إلى أجل، فقد وجب بأحد الثمنين، فإن منعوا ذلك دللنا عليه بالخبر، وهو نهيه ﵇ عن بيعتين في بيعة، وإن سلموا قلنا إنه

стр. 540

عقد معاوضة جعل العوض فيه أحد بدلين مختلفين لا يدري ما يستحق منهما فأشبه ما ذكرناه، ولأنه أحد العوضين في عقد الإجارة فلم يجز أن يأخذ شيئين مختلفين يختلف العوض فيهما، أصله إذا عقداه على أنه قد وجب عليه أن يخيط هذا القميص بدرهم، أو يبني هذا الحائط بدرهمين، فدليلنا على أبو حنيفة أنه أحد البدلين المشروطين في عقد الإجارة، فوجب أن يكون فاسدا يجب به أخذ المثل كالبدل في الشرط الثاني. [١١٥٨] مسألة: إذا ركبه أو اغتل في الإجارة الفاسدة فعليه أجرة المثل، وقال أبو حنيفة عليه الأقل من المسمى وأجرة المثل؛ فدليلنا أن المنافع أحد نوعي المعاوضات كالأعيان، وقد ثبت أنه لو ابتاع بيعا فاسدا فأتلفه، أن عليه قيمته كذلك الإجارة، ولأنها منفعة استوفيت بعقد فاسد مقصود بالمعاوضة، فوجب أن يلزم أجرة المثل كما لو كانت أقل من المسمى. [١١٥٩] مسألة: إذا اكترى دابة بعينها أو في الذمة بدينار، وشرط النقد جاز أن يعطيه الدينار دراهم، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يجوز ذلك؛ ودليلنا أن الأجرة واجبة بالعقد وإنما لا يستحق بدلها إلا بالشرط، فإذا وجد الشرط صار الأداء مستحقا فيكون كأنه أعطى دراهم عن دنانير مستحقة عليه في الحال، فجاز كما لو كان له على رجل دينار حال فأعطاه به دراهم لجاز. [١١٦٠] مسألة: إذا أبرأ المؤاجر المستأجر من الأجرة أو وهبها له أو تصدق بها عليه قبل قبضها جاز ولم تبطل الإجارة، سواء كان في دابة معينة أو في الذمة، كانت الأجرة معينة أو في الذمة، وقال أبو يوسف الإجارة ثابتة والهبة باطلة؛ فدليلنا أنه عقد معاوضة لا يدخل في تأخير القبض فيه الربا فجاز الإبراء من العوض فيه قبل قبضها كالبيع.

стр. 541

[١١٦١] مسألة: يجوز أن يستأجر الظئر، وغيرها من كل أجير، بمنفعته وكسوته، ويكون له ما يكون لمثله من الوسط، ووافقنا أبو حنيفة في الظئر وحدها، وقال الشافعي لا يجوز لا في الظئر ولا في غيرها؟ فدليلنا أن الأغراض في المنافع يقوم العرف فيها مقام التسمية والاشتراط، أصله نفقة الزوجة، وصفة ركوب الراكب، فكذلك عقد الإجارة، ولأنه لمّا جاز أن تكون المنفعة مجهولة ويرجع إلى الوسط ويقتنع في معرفتها بالعرف، فكذلك بدلها؛ ودليلنا على أبي حنيفة أنّه عقد إجارة يصح بالطعام والكسو ة كالظئر. [١١٦٢] مسألة: أجرة القسّام على قدر الرؤوس دون الأنصباء، ومن أصحابنا من يقول بقدر الأنصباء، وهو قول الشافعي؛ فدليلنا أن صاحب النصيب القليل يساوي صاحب الكثير فيما يستحقً به القاسم عليهما أجرة القسم، وهو تمييز حقه من حق شريكه، فيجب أن يتساويا في الأجرة لتساويهما في المعنى الذي به يستحق عليهما، ولأنها أجرة وجبت لإقرار حق بين مشاركين يتساويان في العمل فيها فوجب أن يستحق الأجرة عليهما بالتساوي أصله إذا كانت أنصباؤهم متساوية. [١١٦٣] مسألة: إذا أذن لامرأته أن تؤاجر نفسها ظئرًا، لم يكن له وطؤها إلآ برضا المستأجر، ولو آجرت نفسها بغير إذنه كان مخيرًا بين الفسخ أو الوطء، فإن لم يختر الفسخ، فالمستأجر بالخيار بين أن يرضى بالإجارة على أن الزوج يطأ أو يفسخ، وقال أبو حنيفة إذا أذن لها فله وطؤها في منزله وليس له وطؤها في منزل القوم؛ ودليلنا أن المنفعة إذا لم تسلم للمستأجر أو أسلمت له بنقص أو عيب فله الرضا وله الفسخ، ووطء الظئر عيب عند الناس لأنهم يكرهونه، ولأنًه ضرر وعيب في اللبن مفسد له، وربما حملت على الرضاع فاستحال اللبن وذلك ضرر بالطفل،

стр. 542

فكان له فسخ الإجارة، ولأنها مستأجرة على الرضاع لم يرض مستأجرها برضاعها مع الوطء فكان له الخيار، أصله المطلقة إذا تزوجت ودخل بها، فإن لأبي الولد نزعه منها، والله أعلم. [١١٦٤] مسألة: يجوز أن يستأجره على أن يبني له حائطًا، والآجر واللّبن من عند الأجير، وقال أبو حنيفة الإجارة فاسدة؛ ودليلنا أنّه ليس في هذا أكثر من أنّه جمع بين عقد بيع وإجارة، وذلك لا يمنع الصحّة، كما لو اشترى منه دارًا، واكتراه للخدمة فيها شهرًا والعوض في الجميع مائة درهم، ولأن اشتراط ما تتم به الصفقة التي يستأجر عليها الصانع إذا كان معروفاً مباحاً لا يمنع صحة العقد، أصله إذا استأجره على أن يصبغ له ثوباً والصبغ من عند الصبّاغ أو يكحل بكحل من عنده أو يخيط له قميصاً بخيوط أو إبرة من عنده. [١١٦٥] مسألة: إذا اكترى منه دابة بدراهم فأعطاه بها دنانير، ثم اَنفسخت الإجارة بموت الدابة المعينة أو غيره؛ رجع بما وزن وهي الدنانير، ولو أعطاه بالدراهم عوضاً رجع بالدراهم، وقال أبو حنيفة يرجع بما وقع العقد عليه دون وزن؛ فدليلنا أنه قبض على طريق البدل لا القيمة، لأن الدنانير والدراهم يقوم بعضها مقام بعض فكان كما لو أعطاه النوع الذي عقد عليه أنه يرجع بما وزن، ولأنها دراهم قبضها على أجرة شيء مستأجر، فإذا انفسخت الإجارة وجب ردّ ما قبض، أصله إذا كان هو المعقود عليه. [١١٦٦] مسألة: يجوز أن يستأجر طريقاً من دار رجل للممرّ فيه، وقال أبو حنيفة لا يجوز؛ فدليلنا أنها منفعة معلومة يجوز بدلها بغيرعوض، فجاز للمالك أن يؤاجر عليها، أصله الركوب والحمل. [١١٦٧] مسألة: إذا اَستأجر أرضاً ليغرس فيها وانقضت مدّة

стр. 543

الإجارة، فالمالك مخيّر بين أن يأخذه بالقلع، ولا يلزم المالك شيء من أجرة القلع، [أ] وْ يعطيه ثمن الغراس مقلوعاَ، أو يبقيه في الأرض ويكونا شريكين، وقال الشافعي ليس للمؤاجر أن يطالبه بقلع الغرس إلأ بعد أن يعطيه أرش القلع؛ فدليلنا أن الإجارة تقتضي تسليم الأرض بعد إنقضاء مدّّتها فارغة من تعلّق حق المستأجر بها وبقاء ما يشغلها، أصله إذا كان فيها متاع للمستأجر، ولأن حق المستأجر بالانتفاع مع بقاء مدة حقّ الإجارة دون ما زاد عليها، وفي تبقية الغرس بعد المدّة إيجاب زيادة على المدّة، ولأنّ فائدة حصر المدة رفع يده منها بعد زوالها. [١١٦٨] مسألة: يجوز استئجار دار يسكنها بسكنى دار أخرى، وقال أبو حنيفة لا يجوز ذلك إلا أن تكون المنافع من جنسين؛ فدليلنا أنهما منفعتان فيجوز عقد الإجارة على كل واحدة منهما بالانفراد، فجاز العقد على إحداهما بالأخرى، أصله إذا كانا من جنسين، ولأن عقود المعاوضات ضربان أعيان ومنافع، فاذا كانت الأعيان يجوز بيع إحداهما بالأخرى من جنس وجنسين، فكذلك المنافع. [١١٦٩] مسألة: إذا اكترى دارًا أو دابة جاز أن يكريها من مالكها، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن كل مملوك جاز أن يملك لغير من ملكه جاز أن يملك لمن ملكه، أصله الأعيان، ولأنّه عقد على منفعة يصحّ أن يملكها مالكها بعوض، فجاز أن يملكها من يصح أن يملك مثلها، أصله العقد عليها من الأجنبي. [١١٧٠] مسألة: إذا استأجر أرضاً ليزرعها شعيراً فزرعها ما ضرره أكثر، فلربها كراء الشعير وقيمة الزيادة بالضرر، وقال الشافعي له كراء المثل بجميع المدة؛ فدليلنا أنه يتناول من المنفعة زيادة على القدر المعقود عليه

стр. 544

فلزمه بقدر ما زاد، أصله إذا اكترى دابة من بغداد إلى حلوان فتقدّم عليها إلى الري، فإن الأجرة من بغداد إلى حلوان، وكراء المثل من الري إلى حلوان. [١١٧١] مسألة: يجوز أن يستأجر الرجل حائطاً يضع عليه خشبة مدّة معلومة إذا سمّاها، ووصف الخشبة، وكذلك ليبني عليه سترة إذا وصف قدر البناء، وقال أبو حنيفة لا يجوز؛ فدليلنا انّها منفعة مباحة يصح أن تستوفى من هذه العين، لو استوفاها المالك لصح، فجاز أن يعقد عليها الإجارة من غيره، أصله إذا استأجر سطحاً لينام عليه، ولأنها عين يصحّ فيها استيفاء المنافع، فصحت المعاوضة عليها، أصله البقعة. [١١٧٢] مسألة: يجوز أن يؤاجر الرجل داره من يتخذها مسجداً مدة معلومة ثم تعود إليه ملكاً، وقال أبو حنيفة لا يجوز، ولا أجرة له؛ فدليلنا أئها فعل قربة فجاز أن تستأجر الدار لمنفعة فيها، أصله إذا استأجرها لتكون مجلساً للحكم، ولأنه لو آجر نفسه للصلاة، لجاز فكذلك ملكه، ولأنه فعل مباح، فجاز أن يستأجر الدار ليفعل فيها كالسكنى. [١١٧٣] مسألة: لا يجوز أن يؤاجر الرجل نفسه ليحمل خمراً فإن فعل فالعقد فاسد ولا أجرة له، وقال أبو حنيفة يجوز وله الأجرة؛ فدليلنا قوله تعالى: "وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم وَالعُدُوَان" وهذا منه، ولأنّه عقد إجارة على فعل محظور فلم يجز، أصَله إذا اكترى غلاماً ليلوط به أو أمة ليزني بها. [١١٧٤] مسألة: إذا استأجر داراً ليسكنها شهراً ولم يسمه جاز، وكان

стр. 545

من حين العقد، وقال الشافعي لا يجوز إلا ان يشترط أن يكون أوله من هذا الوقت؛ فدليلنا أن العرف جار بأن يكون ذلك عقيب العقد، بدليل أنّه إذا تراخى عن ذلك لم يجز حتى يشترط، والعرف كالنطق. ] ١١٧٥ [مسألة: يجوز استئجار الدور والدواب أكثر من سنة، خلافاً للشافعي في أحد قوليه؛ لقوله تعالى: "إني أريد أن َأنكحك أحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج" وشرع من تقدم لازم لنا ما لم يقم دليل على نسخه عنا، ولأنها مدّة تَبقى المنافع إليها، ويمكن استيفاؤها منها كالسنة. [١١٧٦] مسألة: إذا اكترى داراً أو أرضاً عشر سنين بأجرة معلومة الجملة جاز، ولم يلزمه أن يعين قسط كل سنة، وقال الشافعي في أحد قوليه يلزمه أن يبين حصة كل سنة؛ ودليلنا أنها مدّة تجوز الإجارة إليها فوجب أن يكون ذكر الأجرة بجملتها مغنياً عن ذكر ما يقابل تفصيلها، أصله السنة والشهر، ولأنه بعض من جملة المدة المعقود عليها، فلم يحتج إلى بيان ما يقابله من الأجرة إذا قدّرت الجملة، أصله الأيام من الشهر والأسابيع من السنة. [١١٧٧] مسألة: إذا ضرب الدابة فعطبت فإن كان المكتري ضرب الدابة ضرب الناس وما جرت العادة به لم يضمن، وقال أبو حنيفة يضمن؛ فدليلنا أنهما دخلا على العرف، والعادة جارية لا بدّ للدابة من سوق وضرب بقدر الحاجة، فكان مأذوناً له فيه، فإذا عطبت به لم يضمن كما لو عطبت بالركوب والتحريك بالرجل. [١١٧٨] مسألة: يجوز أن يبيع الرجل داره أو دابته المستأجرة من المستأجر وغيره، إذا كان الباقي من مدّة الإجارة ما لا يكون أمداً يخاف

стр. 546

تغيرها في مثله، خلافاً لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي؛ لأنه ليس في بيعها إبطال حق المستأجر، لأن المشتري إنما يتسلّمها بعد انقضاء مدّة الإجارة، ولأنّ البيع لا يخلو ان يكون لحق المستأجر، أو لتأخر التسليم، او لاستحقاق المنفعة لغير المشتري؛ فإن كان لحقّ المستأجر فقد ذكرناه " وإن كان لتأخّر التسليم فلا يصحّ، لأن شراء الغائب وما في الذمة جائز، وإن تأخر التسليم عن العقد، وإن كان لتبقية المنفعة فلا يصحّ، لأنّه لو باعه دابة وشرط ركوبها يوماً أو يومين لجاز، ولأنّه عقد على منفعة فلم يمنع العقد على الرقبة، أصله إذا تزوّج أمة ثم ابتاعها. [١١٧٩] مسألة: إذا اكترى دابة وشرط أن يحمل عليها قدراً من الزاد معلوماً، فأكل بعضه، كان له أن يرد بقدر ما أكل، وقال الشافعي في أحد قوليه ليس له ذلك؛ فدليلنا أنه يستحق قدراً من المنافع فلم يسقط ذلك لغير مخصوصه، أصله إذا باع متاعه الذي اكترى الدابة من أجله، ولأنّه لو سرق منه لكان له إبداله، فكذلك إذا أكله، ولأنهم يوافقونا على أنه لو أكله لكان له أن يبدله فكذلك بعضه. [١١٨٠] مسألة: يجوز أن يكري البعير أو الدار المكراة بمثل ما أكراها به وأكثر، وأقل، وقال أبو حنيفة إن أحدث في الدار حدثاً مثل بناء أو تجصيص، جاز أن يكريها بأكثر ممّا اكتراها به، وإن لم يحدث فيها شيئاً لم يكن له؛ فدليلنا أن كل من ملك أن يكري بمثل ما أكرى فله أن يكري بزيادة، أصله إذا أحدث بناء أو تجصيصاً، ولأن كل من جاز أن يعقد على ما ملك باّكثر من العوض الذي يملكه به إذا كان قد استأنف فيه بناء، جاز له وإن لم يكن قد استأنف كالمبتاع. [١١٨١] مسألة: إذا استأجر شيئاً مدّة معلومة فانقضت، كان عليه ردها إلى المؤاجر، ومؤنة الردّ عليه، وقال أبو حنيفة لا يلزمه ردها إلاّ بعد

стр. 547

المطالبة ومؤنة الرد على المالك؛ فدليلنا أنّه عقد قصد به الإذن في الانتفاع مدّة، فإذا زالت المدّة وجب على المنتفع الرد ومؤنته عليه، أصله العارية.] ١١٨٢ [مسألة: الصناع ضامنون ما قبضوه من الأمتعة للعمل، وقال أبو حنيفة يضمن المشترك ولا يضمن الخاص، ولا نفرّق نحن بين الخاص والمشترك، وإنّما نفرق بين من يتسلم المتاع وبين من لا يتسلّمه، وللشافعي في المشترك قولان؛ فدليلنا إجماع الصحابة، لأن ذلك روي عن عمر وعلي وقال علي: لا يصلح الناس إلاّ ذلك، ولأن ذلك يتعلق به مصلحة الصناع وأرباب السلع، وفي تركه ذريعة إلى إتلاف أموال الناس، وكذلك إن كان بالناس ضرورة إلى الصناع، لأنه ليس كل أحد يحسن أن يخيط ويقصر ثوبه أو يطرزه، فلو قبلنا قول الصناع في الإتلاف لتسرعوا إلى دعوى ذلك ولحق أرباب السلع الضرر، لأنهم بين أمرين إما أن يدفع إليهم المتاع فلا يؤمن منهم ما ذكرناه، أو لا يدفعوه فيضر بهم فكان تضمينهم صلاحاً للفريقين، ولأنه قبض العين لمنفعة نفسه من غير استحقاق الأجر بعقد تقدم، فلم يقبل قوله في تلفها كالقراض والعارية. [١١٨٣] مسألة: ولا فرق بأن يعملوه بأجر أو بغير أجر، خلافاً لأبي حنيفة في قوله إنّهم يضمنون ما عملوه بأجر دون ما عملوه بغير أجر؛ لأنّه صانع فلم تقم له بينة على هلاك الشيء كما لو عمله بأجرة. [١١٨٤] مسألة: لا ضمان على من استؤجر لحمل شيء إذا ادّعى تلفه إلاّ في الطعام خاصة، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما إنّه لا ضمان

стр. 548

عليهم في الطعام وغيره؛ لأن عادتهم قد جرت بالتسرع إلى تناول الطعام لقلة مروءاتهم واتكالهم على مروءات الناس، وترفع أهل القدر والمروءة عن الكلام فيه والمطالبة به، فكانت المصلحة تضمينهم على ما ذكرنا في تضمين الصناع. [١١٨٥] مساْلة: إذا اختلف رب الثوب والخياط، فقال رب الثوب أمرتك بقميص، وقال الخياط بقباء، فالقول قول الخياط، وقال أبو حنيفة القول قول رب الثوب، وللشافعي أقاويل؛ فدليلنا أنّ اليمين في التداعي تجب على أقوى المتداعيين سبباً، والخياط أقوى سبباً، لأته مأذون له في التصرف، ومؤتمن عليه، فكأن القول قوله فيما يشبه، أصله ولي اليتيم إذا ادّعى النفقة، ولأن العرف والعادة مع الخياط، لأن العادة أن الصانع يفعل ما أمر به. والله أعلم. ***

стр. 549

كتاب إحياء الموات [١١٨٦] مسألة: الموات في الفلوات وحيث لا يتشاخ الناس فيها لا يفتقر إحياؤه إلى إذن الإمام،] وأما إن كانت بقرب العمران في حيث يتشاخ الناس فلا يجوز إلا بإذن الإمام [، وقال أبو حنيفة يفتقر إلى إذن الإمام في الموضعين، وقال الشافعي لا يفتقر إلى إذنه في الموضعين. فدليلنا على أبي حنيفة قوله ﷺ : "من أحيا أرضاً ميتة فهي له"، وقوله: "هذه الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم من بعد"، ولأنها عين لم يتقدم عليها ملك بحيث لا يستباح منها، فلم يفتقر تمليكها إلى إذن الإمام كالحطب والحشيش. ودليلنا على الشافعي أنّه إذا كان بالقرب من العمران يؤدي إلى التنازع والخصومة، وأن يقول من له بقربه ملك: أنأ أحق بهذا لأنه بقرب ملكي ولأنّي محتاج إليه لصلاح ملكي، فاحتيج إلى إذن الإمام لقطع الخصومة. [١١٨٧] مسألة: من أحيا أرضاً وتركها حتى دثرت وعادت إلى ما

стр. 550

كانت عليه، ثم أحياها اخر، فهي للثاني، وقال أبو حنيفة والشافعي هي للأول؛ فدليلنا قوله ﷺ : "من أحيا أرضاً ميتة فهي له " فعمّ، ولأنّه عين مباحة في الأصل عادت إلى الأصل، فأشبه الماء إذا أخذ من دجلة. [١١٨٨] مسألة: يجوز إحياء الذمي الموات، خلافاً للشافعي؛ لعموم الخبر، واعتبارًا بالاصطياد والاحتطاب. [١١٨٩] مسألة: للإمام أن يحمي المراعي إذا احتاج إليها لإبل الصدقة ورأى في ذلك مصلحة، خلافًا للشافعي؛ لقوله ﷺ : " لا حمى إلا لله ولرسوله ولأئمة المسلمين من بعده "، ولأن عمر حمى البقيع، ولانّ ذلك من مصالح إرفاق المسلمين العامة، فكان النظر فيه إلى الإمام. [١١٩٠] مسألة: إذا حفر بئرًا في موات لسقي ماشية، وبقربها كلأ لا يمكن الرعي فيه إلا بالشرب منها، لم يجز له منع ما زاد على قدر حاجته لنفسه وبهائمه، ولزمه إباحته لغيره ممّن يحتاج إليه بغير عوض، وقال قوم يلزمه بذله بالعوض، وقال بعض الشافعية يستحب له بذله ولا يلزمه على كل وجه. ودليلنا على أنّه يلزمه قوله ﷺ : " لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ "، وقوله: " لا

стр. 551

يمنع فضل بئر"، وقوله: " لا حمى إلا لله ولرسوله " ولو لم يلزمه إرسال فضل الماء لجعلنا له أن يحمي ذلك الموضع، إذ لا يتمكن من رعيه، فدليلنا على أنّه لا يستحق العوض فيه جميع ما ذكرناه. [١١٩١] مسألة: ما أفسدت البهائم من زرع وغيره في رعيها، فإن كان نهارًا فلا ضمان على أرباب الغنم إن لم يكونوا معها، وأن كان معها صاحبها ويقدر على حفظها ضمن، فإن كان ليلاً فأرسلها أو فلتت فإنّه ضامن، وقال أبو حنيفة إن كان صاحبها معها فلا ضمان عليه في ليل ولا نهار؛ ودليلنا حديث البراء أنّ ناقة له دخلت حائط رجل فأفسدت زرعًا له فقضى رسول الله ﷺ أن على أرباب الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل فهو ضمان على أهلها، وروي: " أن على أهلها ما أصابت بالليل "، ولأنّ العادة أن أرباب الزروع يحفظونها نهارًا، لأن المواشي تسرح للرعي، ولا يمكن أهلها الكون معها في كل موضع، وأن أرباب المواشي يحفظونها ليلاً ويمنعونها من السرح، فإذا أرسلوها ليلاً وفرطوا في حفظها ضمنوا بتفريطهم، وتحريره أن يقال إنّها بهيمة أتلفت زرعًا فكان الضمان ممن كان التفريط منه، أصله إذا كانت يد صاحبها عليها. وبالله التوفيق. ...

стр. 552

كتاب الحبس والوقف والهبات [١١٩٢] مسألة: الوقف يصح ويلزم في الحياة والممات من غير افتقار إلى حكم حاكم به، والمشهور عن أبي حنيفة منعه، وأنّه غير جائز ولا لازم، وأصحابه يحكون عنه في هذا العصر أنه جائز، ولكن لا يلزم إلا بأحد أمرين، إما أن يحكم به حاكم، أو بأن يوصي في مرضه أن يوقف بعد موته فيصح ويكون من ثلثه كالوصية، إلا أن يكون مسجدًا أو سقاية فإن وقف ذلك يصح ولا يحتاج إلى حكم حاكم به. فدليلنا قوله : "أوفوا بالعقود"، وحديث عمر أنه قال لرسول الله ﷺ : إني أصبت أرضًا بخيبر، وهي من أنفس مال أصبت، وإني أريد أن أتصدق به، فقال ﷺ : " حبِّس الأصل وسبل الثمرة " وكتب عمر به شرطه: هذا ما تصدق به عمر بن الخطاب، صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث، للفقراء والقربى وفي الرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل؛

стр. 553

ففيه أدلة: أحدها أن قوله: "حبس الأصل" يقتضي أن يجعله محبوسًا يقطع التصرف فيه بالبيع ونقله عما هو عليه، والثاني علمنا بأنَّ عمر قصد القربة ورجع إلى النبي ﷺ في كيفية ما يفعله، فلما قال: "حبس الأصل " لم يجز له العدول عن هذا، والثالث ما كتب به أنه لا يباع ولا يوهب؛ ولأنه إجماع الصحابة، لأنه قد فعله أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعائشة وزيد بن ثابت ورافع بن خديج وخالد بن الوليد وجابر وابن عمر

стр. 554

وأم سلمة وحفصة، ولم يحفظ عن أحد الامتناع منه، وبذلك احتج مالك على أبي يوسف حتى اضطره إلى ترك مذهب صاحبه والقول بمذهب مالك، ولأنه تحبيس عقار على وجه القربة فأشبه المسجد والمقبرة، ولأن كل ما جاز أن يلزم بالوصية بعد الوفاة جاز أن يلزم بقوله حال الحياة كالعتق، ولأنها جهة من جهات البر فجاز أن يلزم بغير حكم الحاكم، أصله الهبة والصدقة. [١١٩٣] مسالة: ويصح وقف المشاع، خلافاً لمحمّد بن الحسن؛ لحديث عمر أنه وقف مائة سهم، ولأن كل عرصة جاز بيعها جاز وقفها كالمقسوم. [١١٩٤] مسالة: رقبة الوقف على ملك الواقف، وللشافعي ثلاثة أقاويل: أحدها مثل هذا، والثاني ينتقل إلى الموقف عليهم، والثالث إلى الله تعالى؛ فدليلنا على أنه على ملك الواقف قوله ﷺ لعمر: "حبس الأصل وسبِّل الثمرة" وهذا يقتضي تبقيته على ما كان عليه، ولأنَّ المالك تصدق بالمنافع وألزم نفسه ذلك وليس في هذا إخراج الأصل عن ملكه كالعارية؛ ودليلنا على أنه لا ينتقل إلى الموقف عليهم ما ذكرناه من قوله: "حبس الأصل وسبل الثمرة" ففيه دليلان: أحدهما أن التحبيس ينفي نقل الملك، لأن من ملَّك غيره شيئاً لا يقال حبسه، والثاني: أنه لا فرق بينه وبين الثمرة، وقد ثبت أن الثمرة تخرج عن ملكه إلى ملك الموقف عليهم فدل على أن الأصل لا يكون ملكاً لهم، لأنه لو كان ملكاً لهم لم يجز فيه شرط المنع من البيع والهبة والتصرف، ولا صرفه إلى وجه آخر بعد موتهم، ولأنّه كان

стр. 555

يجوز لهما أن يتقارا على فسخه، وذلك باطل، ودليلنا على أنه لا يجوز أن يكون انتقل إلى غير مالك أن كل ما لا يصح عتقه ولا بيعه، فلا بدّ له من مالك اعتبارًا بالحيوان والعروض. [١١٩٥] مسالة: وعنه في حبس الحيوان والسلاح روايتان: إحداهما اللزوم، والأخرى نفيه؛ فدليلنا على اللزوم قوله ﷺ في خالد: "إنه احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله" ولأنه أصل يبقى ويصح الانتفاع به كالعقار. [١١٩٦] مسالة: إذا وقف دارًا فخربت لم يجز بيعها، خلافاً لأحمد بن حنبل؛ لأن ذلك إبطال شرط الواقف في حقوق النظر، والثاني والثالث، واعتبارًا به إذا لم تخرب، ولأن العمارة تنتقل من مكان إلى مكان. [١١٩٧] مسالة: إذا وقف على نفسه لم يصح الوقف خلافاً لأبي يوسف؛ لأن من ملك شيئاً بجهة من الجهات لم يملك نقله إلى نفسه بغير تلك الجهة، أصله إذا وهب لنفسه شيئاً من ماله. [١١٩٨] مسالة: عقد الهبة يصح بالقبول والإيجاب، ويلزم من غير قبض، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: "أوفوا بالعقود"، وقوله ﷺ : " الراجع في هبته كالكلب يعود في قيئه " ولم يفرّق، ولأنه

стр. 556

عقد من العقود فلم يفتقر انعقاده إلى قبض المعقود عليه كسائر العقود، ولأنه تمليك عين في حال الحياة فوجب أن يلزم بمجرد الإيجاب والقبول، أصله البيع، ولأنه عقد إرفاق وتبرر فيجب أن يلزم بمجرد القول، أصله الوقف، ولأنها عطية فوجب أن تلزم بنفس القول وحصول صفة الإيجاب والقبول كالوصية، ولأنها هبة وجد فيها الإيجاب والقبول كالمقبوضة. [١١٩٩] مسألة: هبة المشاع والتصدق به جائز، كان مما ينقسم كالعقار، أو مما لا ينقسم كالعبيد والحيوان، وقال أبو حنيفة يجوز فيما لا ينقسم، ولا يجوز فيما ينقسم؛ فدليلنا قوله تعالى: "إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح" والعفو ها هنا ما يجب من النصف، فلم يفرّق بين أن يكون الصداق مما ينقسم أو مما لا ينقسم، وروي أنه ﷺ اشترى سراويل بأربعة دراهم، فقال للوازن: " زن وأرجح " وذلك هبة المشاع، ولأنَّ كل ما يجوز بيعه يجوز هبته كالمحوز، ولأن كل ما يصح أن يكون مقبوضًا في البيع صح في الهبة كالمنفرد، ولأن الإشاعة التي لا تمنع البيع لا تمنع الهبة، اعتبارًا بما لا ينقسم، ولأنه مشاع يجوز بيعه كالذي لا ينقسم، ولأن كل ما جاز هبة جميعه جاز هبة بعضه، كالمفرد ومما لا ينقسم، ولأن كل عقد جاز في مشاع لا ينقسم جاز فيما ينقسم كالبيع، ولأنه قد ثبت أن الرجلين إذا وهبا دارًا بينهما لرجل صح، وهذا هبة مشاع. [١٢٠٠] مسألة: العُمْرَى عندنا تمليك المنافع دون الرقبة، فإذا قال أعمرتك هذه الدَّار حياتك، وقال لعقبك أو لم يقل، فإنها تكون له مدّة حياته، فإذا مات أو انقرض عقبه إن ذكر العقب، عادت ملكًا للمعمر أو

стр. 557

لورثته إن كان قد مات، وقال أبو حنيفة والشافعي تكون ملكاً للمعمر فإن مات ولا وارث له تكون لبيت المال؛ ودليلنا أن تمليك الرقاب من حقّه أن يقع مطلقاً متى بدا غير مؤقت بوقت يزول بمجيئه، ألا ترى أنّه لو قال بعتك هذا العبد إلى مجيء زيد أو إلى رأس الشهر، لم يصح، فإذا ثبت ذلك وكان المالك قد علق التمليك بعمر المعطى، علم أنه لم يرد تمليك الرقبة فوجب حمله على ما يصح، وهو تمليك المنافع، لأن التوقيت يدخل فيها دون تمليك الأعيان، ولأنّ تمليك الرقاب لا يصح أن يتوقَّت، أصله إذا كان بعوض وهو البيع وغيره، ولانه أجلٌ علق التمليك بالانتهاء إليه، فلم يثبت به ملك الرقبة، كقدوم زيد، ولأنه تمليك معلق بعمره كتعلقه بعمر المملك، فوجب أن يرجع إلى المنافع دون الرقبة، أصله قوله: أسكنتك. [١٢٠١] مسألة: إذا قال هذه الدار وقفاً ولم يجعل لها وجهاً، فإنه يصحّ، وتُصْرف في وجوه الخير والبر، وقال الشافعي في أحد قوليه لا يصح؛ ودليلنا أن الإطلاق إذا كان له عرف حمل عليه، والعرف في الوقف أن المقصود منه القربة والبر، فإن عين هو ذلك الوجه تعين بتعينه، وإن لم يعين اكتفي عنه بالعرف، كما لو قال هذه الدار وقفٌ على المسجد الفلاني ولم يقل على بنائه أو على سراجٍ فيه، فإنه يصح ويصرف في مصالحه. [١٢٠٢] مسألة: يجوز أن ينحل الرجل بعض ولده ماله، ويكره أن ينحله جميع ماله، وأيّ ذلك فعل نفذ إذا كان في الصحة، وذهب أحمد بن حنبل وغيره إلى أن الهبة باطلة وترد، ودليلنا قوله تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى"، وقوله ﷺ : " لا يحلّ مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفسه " ولأن ذلك مروي عن أبي بكر،

стр. 558

وعبد الرحمن، ولا مخالف لهما، ولأنه رشيد صحيح وهب ماله من لو وهبه لغيره معه لجاز، فإذا أفرده به جاز، أصله إذا وهبه لأجنبي، ولأن في حال الصحة لا اعتراض لأحد عليه في ماله، وإنما الاعتراض حال المرض. [١٢٠٣] مسالة: يستحمب لمن أراد أن يهب أولاده التسوية بين الذكور والإناث، وحكي عن شريح وأحمد بن حنبل أن المستحب إعطاء الذكر مثل حط الأنثيين؛ ودليلنا قوله ﷺ : " ساووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مفضلاً لفضلت البنات " ولأنه لما استحب أن يساوي بينهم في أصل العطية كذلك في مقدارها. [١٢٠٤] مسألة: يجوز في الجملة للأبوين دنية أن يرجعا فيما وهبا لولدهما للصلب خاصة هبة لا على وجه الصدقة، وقال أبو حنيفة لا يجوز الرجوع في الهبة لذي رحم محرم؛ ودليلنا قوله ﷺ : " لا يحل لرجل يعطي عطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي لولده "، وليس فيه من طريق

стр. 559

الاعتبار شيء يتحرز منه. [١٢٠٥] مسألة: لا يملك الأجنبي الرجوع فيما وهب، وكذلك سائر الأقارب سوى الأبوين، وقال أبو حنيفة لهم الرجوع؛ فدليلنا قوله تعالى: "أوفوا بالعقود" وقوله ﷺ : " لا يحل لأحد أن يهب هبة ثم يرجع فيها إلا الأب فيما وهب ابنه "، وقوله: " الراجع في هبته كالراجع في قيئه " ولأنه لا ولادة بينهما، فلم يجز الرجوع في هبته كالأخ والعم. [١٢٠٦] مسألة: إذا وهب لولده الصغير وقبض له من نفسه، جاز إذا كان شيئاً معيناً، ولا يجوز فيما لا يعرف عينه إلا أن يضعها على يد غيره ويشهد عليها، فإن أمسكها بيده لم يصح، وقال أبو حنيفة يصح قبضه له فيما يعرف بعينه، وفيما لا يعرف؛ فدليلنا أن الأب قد يتلف الذهب والفضة أو يهلك بغير سببه فلا يمكن أن يشهد على شيء بعينه ويصير الابن مدعيًا فلا يمنع القبض شيئاً. [١٢٠٧]: إذا علم أن الواهب قد قصد بهبته الثواب كان له على الموهوب له ذلك، وإلا رد الهبة إليه، وقال الشافعي إطلاق الهبة لا يقتضي الثواب على شيء بوجه؛ ودليلنا أن العرف أصل يرجع إليه إذا لم يكن غيره، وقد علم أن العرف جار بأن الضعيف يهب لجاره الغني طلباً لمعروفه، وأن الواحد من خدم السلطان أو الملك العظيم يهب له متعرّضاً لمعروفه ونائله وتقرباً إليه، فلا وجه لجحد المعروف. [١٢٠٨] مسألة: والواجب على الموهوب له من الثواب قيمة الهبة،

стр. 560

وللشافعي في ذلك أربعة أقوال: أحدها مثل قولنا، والَاخر أنه يلزمه رضا الواهب، والثالث مقدار المكافأة على مثل تلك الهبة في العادة، والرابع أقل ما يقع عليه الاسم؛ ودليلنا على فساد اعتبار الرضا، هو أن الواهب قد لا يرضى بأضعاف قيمة الهبة [من] الموهوب له، وذلك لا يلزم، لأن فيه إضرارًا بالموهوب له إلا أن يرد الهبة [بعد أن] قد ثبت له منها حق التمليك، ولأنه عوض غير مقبوض، فلم يقف على رضا من يأخذ العوض كسائر المعاوضات، ولأن العوض في عقد المعاوضات على ضربين: مذكور فيجب ما ذكر كالثمن في المبيع، ومسكوت عنه يجب فيه قيمة المعوض كالمهر في التفويض؛ ودليلنا على فساد اعتبار العرف لأنّه لا عرف في ذلك، وإنما هو على حسب ما تسمح به نفس المكافىء وحلاوة الموهوب في نفسه؛ ودليلنا على أنه لا يعتبر أقل ما يقع عليه الاسم ما قدمناه أن العرف جار بأن الواهب يهب لطلب التقرب إلى الموهوب ونيل رفده لا ليخسر ويصير كمن وهب لغير عوض، وإذا بطل كل ذلك لم يبق إلا اعتبار القيمة. والله أعلم. [١٢٠٩] مسألة: هبة المجهول جائزة، خلافاً للشافعي؛ لقوله تعالى: "وإيتاء ذي القربى"، ولأنها هبة لما تصح هبة جنسه فأشبه المعلوم. ***

стр. 561

كتاب اللقطة [١٢١٠] مسألة: إذا جاء طالب اللقطة وأعطى علامة العفاص والوكاء دفعت إليه بغير بينة، وقال أبو حنيفة والشافعي لا تدفع إلا ببينة؛ فدليلنا قوله ﷺ للذي سأله عن اللقطة: " اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها فادفعها إليه " وروي: " فإن جاء باغيها فادفعها إليه "، ولأن البينات تترتب في الأصول على حسب الأحوال المشهود فيها وما تدعو الحاجة إليه، فيجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها، وفي هذا الموضع تدعو الضرورة إلى ذلك لأن البينة لا تقوى على ما يضيع، ولا على صفة أموالهم في كل حال، فلو كلفناهم البينة لأدى إلى ترك انتفاع الناس بأموالهم. [١٢١١] مسألة: يكره للملتقط بعد التعريف تملك اللقطة، فإن فعل ذلك جاز، وقال أبو حنيفة لا يحل للغني؛ فدليلنا قوله ﷺ : " فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها "، ولأن كل من صح أن يملك بالعوض صح أن يملك باللقطة كالفقير.

стр. 562

[١٢١٢] مسألة: فإذا ملكها أو تصدق بها بعد السنة ثم جاء صاحبها رد قيمتها، خلافاً لداود؛ لما روي أن علياً ﵁ وجد ديناراً على عهد رسول الله ﷺ ، فأمره رسول الله ﷺ أن يعرفه فلم يعترف، فأمره أن يأكله، فجاء صاحبه، فأمره بغرمه، ولأنه مال لمسلم لا يخاف عليه لو تركه التلف إذ له قيمة حيث وجده، فلم يجز له تملكه عليه بغير إذنه كسائر الأموال. [١٢١٣] مسألة: إذا وجد شاة في فلاة أو بمفازة بحيث لا قرية يضمّها إليها جاز له أكلها، ولا غرم عليه، وقال أبو حنيفة والشافعي عليه غرمها، وذكر الشيخ أبو بكر أنّه رواية بعض المدنيين؛ فدليلنا على أنه لا غرم عليه قوله ﷺ وسئل عن ضالة الغنم فقال: " هي لك أو لأخيك أو للذئب "، وروي: " خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب " وهذا تنبيه يدل على أنها في حكم المتلفة، وذلك ينفي تعلق الضمان بها، ولأنّه لما جاز له أخذها [و] لم يكلف سوقها لم يجز أن يشترط عليه الضمان، ولأنّ الضمان إنما يكون في مَالَهُ قيمة حال وجوده بعد التعريف، فلم يبق إلا سقوط الضمان. [١٢١٤] مسألة: حكم اللقطة في الحرم وغيره سواء، وقال الشافعي له أخذها ليعرفها ولا يملكها بعد السنة؛ ودليلنا قوله: " وإلأ فشأنك بها "،

стр. 563

فعم، ولأنه يأخذها ابتداء على وجه الأمانة فلا يختلف [الحكم] باختلاف الأماكن كالوديعة، ولأنها لقطة ملكت كلقطة الحل، ومعنى قوله ﷺ : " لا يحل لقطتها إلا لمنشد " يريد أنه لا يخفى صاحبها وقت الحج، فلا معنى لتمليكها مع أن المغلب وجود صاحبها. [١٢١٥] مسألة: إذا تلفت اللقطة في يد الملتقط فلا ضمان عليه، وقال أبو حنيفة وزفر إن أشهد حين أخذها ليردها لم يضمن، وإن لم يشهد بذلك ضمنها؛ فدليلنا ما روي في بعض الحديث: " فإن جاء صاحبها فادفعها إليه، وإلا فهي عندك وديعة إن جاء صاحبها يومًا من الدهر أديتها إليه "، ولأن كل ما تلف وقد أخذ بإشهاد لم يضمنه، فإذا تلف وقد أخذ بغير إشهاد لم يضمنه، أصله الوديعة. [١٢١٦] مسألة: إذا رد آبقاً على صاحبه، وكان ممن شأنه الخروج لطلب الإباق والتعيش بذلك لزمه جعل المثل وإن لم يشترط في الابتداء، وقال الشافعي يكون متطوعًا لا شىء له؛ فدليلنا ما روي أنه ﷺ جعل لمن جاء باَبق من خارج الحرم ديناراً، وروي: أربعين درهمًا، وهذا يفيد

стр. 564

أن له الجعل وإن لم يشترط، ولأنه فعل ما على صاحبه أن يفعله، وما لو امتنع منه لسفه به فصار بمنزلة من ضمن عين رجل رآه يعرف شيئاً لمن أخرجه، ولأنه لو لم يجعل له الرجوع عليه لأدى إلى تلف أموال الناس، ولكان من وجد آبقًا في طريق لم يأخذه إذا لم يكن وافق سيده عليه. [١٢١٧] فصل: ولا فرق بين قليل المسافة وكثيرها في أن له جعل المثل من غير تقدير، وقال أبو حنيفة في مسافة ثلاثة أيام وأكثر أربعون درهمًا، وفيما قل بحسابه؛ فدليلنا أنّه عمل لم يشترط على مقدار الجعل فيه، فلم يكن له شيء مقدر، أصله الإجارة. ***

стр. 565

كتاب اللقيط [١٢١٨] مسألة: لا يتبع الصبي أمه في الإسلام، خلافاً لابن وهب، وهو قول الشافعي؛ لأنه إسلام من غير من دخل في عهده الأب فلم يتبعها فيه كالخال والأجنبي، ولأنّ الأم مساوية له في حق لها تحت عهد الأب فلم يتبعها في الإسلام كالأخ أو العبد، ولأنّ كل شخص يتبعه الطفل إذا خلفه في دينه لم يتبعه في انتقاله كالعم، ولأن انتقال الأم من دين إلى دين لا يوجب انتقال الولد بانتقالها، أصله إذا انقلبت من اليهودية إلى النصرانية، ولأن كل معنى تبع الابن أباه في ابتدائه يتبعه في استدامته وانتقاله دون أمه، أصله عقد الذمة. [١٢١٩] مسألة: اختلف أصحابنا في إسلام المراهق والمميز وإن قصر عن المراهق، فمنهم من يقول إن إسلامه يصحّ، فإن رجع عنه انتظر به البلوغ فإن أقام عليه قتل، وهو قول أبي حنيفة، ومنهم من يقول لا يكون إسلامه محققاً إلا بعد البلوغ، وهو قول الشافعي؛ فوجه الأول قوله ﷺ : " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه أو يمجسانه حتى يعرب عن نفسه "، ولأنّه ممّن يميز ويعقل ويعرف طريق النظر، فأشبه البالغ؛
следующие страницы →