Полный текст (912 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
كتاب اللقطة
[١٢١٠] مسألة: إذا جاء طالب اللقطة وأعطى علامة العفاص والوكاء دفعت إليه بغير بينة، وقال أبو حنيفة والشافعي لا تدفع إلا ببينة؛ فدليلنا قوله ﷺ للذي سأله عن اللقطة: " اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها فادفعها إليه " وروي: " فإن جاء باغيها فادفعها إليه "، ولأن البينات تترتب في الأصول على حسب الأحوال المشهود فيها وما تدعو الحاجة إليه، فيجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها، وفي هذا الموضع تدعو الضرورة إلى ذلك لأن البينة لا تقوى على ما يضيع، ولا على صفة أموالهم في كل حال، فلو كلفناهم البينة لأدى إلى ترك انتفاع الناس بأموالهم.
[١٢١١] مسألة: يكره للملتقط بعد التعريف تملك اللقطة، فإن فعل ذلك جاز، وقال أبو حنيفة لا يحل للغني؛ فدليلنا قوله ﷺ : " فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها "، ولأن كل من صح أن يملك بالعوض صح أن يملك باللقطة كالفقير.
стр. 562
[١٢١٢] مسألة: فإذا ملكها أو تصدق بها بعد السنة ثم جاء صاحبها رد قيمتها، خلافاً لداود؛ لما روي أن علياً ﵁ وجد ديناراً على عهد رسول الله ﷺ ، فأمره رسول الله ﷺ أن يعرفه فلم يعترف، فأمره أن يأكله، فجاء صاحبه، فأمره بغرمه، ولأنه مال لمسلم لا يخاف عليه لو تركه التلف إذ له قيمة حيث وجده، فلم يجز له تملكه عليه بغير إذنه كسائر الأموال.
[١٢١٣] مسألة: إذا وجد شاة في فلاة أو بمفازة بحيث لا قرية يضمّها إليها جاز له أكلها، ولا غرم عليه، وقال أبو حنيفة والشافعي عليه غرمها، وذكر الشيخ أبو بكر أنّه رواية بعض المدنيين؛ فدليلنا على أنه لا غرم عليه قوله ﷺ وسئل عن ضالة الغنم فقال: " هي لك أو لأخيك أو للذئب "، وروي: " خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب " وهذا تنبيه يدل على أنها في حكم المتلفة، وذلك ينفي تعلق الضمان بها، ولأنّه لما جاز له أخذها [و] لم يكلف سوقها لم يجز أن يشترط عليه الضمان، ولأنّ الضمان إنما يكون في مَالَهُ قيمة حال وجوده بعد التعريف، فلم يبق إلا سقوط الضمان.
[١٢١٤] مسألة: حكم اللقطة في الحرم وغيره سواء، وقال الشافعي له أخذها ليعرفها ولا يملكها بعد السنة؛ ودليلنا قوله: " وإلأ فشأنك بها "،
стр. 563
فعم، ولأنه يأخذها ابتداء على وجه الأمانة فلا يختلف [الحكم] باختلاف الأماكن كالوديعة، ولأنها لقطة ملكت كلقطة الحل، ومعنى قوله ﷺ : " لا يحل لقطتها إلا لمنشد " يريد أنه لا يخفى صاحبها وقت الحج، فلا معنى لتمليكها مع أن المغلب وجود صاحبها.
[١٢١٥] مسألة: إذا تلفت اللقطة في يد الملتقط فلا ضمان عليه، وقال أبو حنيفة وزفر إن أشهد حين أخذها ليردها لم يضمن، وإن لم يشهد بذلك ضمنها؛ فدليلنا ما روي في بعض الحديث: " فإن جاء صاحبها فادفعها إليه، وإلا فهي عندك وديعة إن جاء صاحبها يومًا من الدهر أديتها إليه "، ولأن كل ما تلف وقد أخذ بإشهاد لم يضمنه، فإذا تلف وقد أخذ بغير إشهاد لم يضمنه، أصله الوديعة.
[١٢١٦] مسألة: إذا رد آبقاً على صاحبه، وكان ممن شأنه الخروج لطلب الإباق والتعيش بذلك لزمه جعل المثل وإن لم يشترط في الابتداء، وقال الشافعي يكون متطوعًا لا شىء له؛ فدليلنا ما روي أنه ﷺ جعل لمن جاء باَبق من خارج الحرم ديناراً، وروي: أربعين درهمًا، وهذا يفيد
стр. 564
أن له الجعل وإن لم يشترط، ولأنه فعل ما على صاحبه أن يفعله، وما لو امتنع منه لسفه به فصار بمنزلة من ضمن عين رجل رآه يعرف شيئاً لمن أخرجه، ولأنه لو لم يجعل له الرجوع عليه لأدى إلى تلف أموال الناس، ولكان من وجد آبقًا في طريق لم يأخذه إذا لم يكن وافق سيده عليه.
[١٢١٧] فصل: ولا فرق بين قليل المسافة وكثيرها في أن له جعل المثل من غير تقدير، وقال أبو حنيفة في مسافة ثلاثة أيام وأكثر أربعون درهمًا، وفيما قل بحسابه؛ فدليلنا أنّه عمل لم يشترط على مقدار الجعل فيه، فلم يكن له شيء مقدر، أصله الإجارة.
***
стр. 565
كتاب اللقيط
[١٢١٨] مسألة: لا يتبع الصبي أمه في الإسلام، خلافاً لابن وهب، وهو قول الشافعي؛ لأنه إسلام من غير من دخل في عهده الأب فلم يتبعها فيه كالخال والأجنبي، ولأنّ الأم مساوية له في حق لها تحت عهد الأب فلم يتبعها في الإسلام كالأخ أو العبد، ولأنّ كل شخص يتبعه الطفل إذا خلفه في دينه لم يتبعه في انتقاله كالعم، ولأن انتقال الأم من دين إلى دين لا يوجب انتقال الولد بانتقالها، أصله إذا انقلبت من اليهودية إلى النصرانية، ولأن كل معنى تبع الابن أباه في ابتدائه يتبعه في استدامته وانتقاله دون أمه، أصله عقد الذمة.
[١٢١٩] مسألة: اختلف أصحابنا في إسلام المراهق والمميز وإن قصر عن المراهق، فمنهم من يقول إن إسلامه يصحّ، فإن رجع عنه انتظر به البلوغ فإن أقام عليه قتل، وهو قول أبي حنيفة، ومنهم من يقول لا يكون إسلامه محققاً إلا بعد البلوغ، وهو قول الشافعي؛ فوجه الأول قوله ﷺ : " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه أو يمجسانه حتى يعرب عن نفسه "، ولأنّه ممّن يميز ويعقل ويعرف طريق النظر، فأشبه البالغ؛
стр. 566
ووجه الثاني أنّه غير مكلّف فلم يصحّ إسلامه بنفسه كالمجنون، ولأنّ كل من تبع غيره في الإسلام لم يصحَّ إسلامه بنفسه كالذي لا يميز.
[١٢٢٠] مسألة: المسلم والذمي في دعوى نسب اللّقيط سواء، وقال أبو حنيفة المسلم أولى؛ ودليلنا أن المسلم يساوي الذمي في السبب الذي يلحق به النسب وهو الفراش الثابت، أو شبهه، أو ملك اليمين، فساواه في تداعي النسب كالمسلمين.
[١٢٢١] مسألة: من أنفق على اللقيط، ولا مال له، فهو متطوّع، وكذلك لو كان له مال فأنفق عليه ولا يعلم بماله.
***
стр. 567
كتاب النكاح
[١٢٢٢] مسألة: النكاح مستحب وليس بواجب، خلافاً لداود؛ لقوله ﷺ : " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج " فقصر الأمر به على الشباب، فدل على انتفاء وجوبه، ولأن المقصود منه الوطء وليس بواجب فكان السبب أولى أن لا يكون واجباً، ولأنه عقد معاوضة فلم يجب ابتداء بالشرع كالبيع، ولأنه عقد يتوصل به إلى استباحة البضع كشراء الأمة، ولأنه عقد نكاح كالعقد على الأمة.
[النظر إلى المرأة المخطوبة]
[١٢٢٣] مسألة: من أراد نكاح امرأة فله أن ينظر إلى وجهها وكفيها، خلافاً لمن منع ذلك جملة، ولمن أباحه إلى جميع جماعة البدن سوى السوأتين، ولأبي حنيفة في إباحة ظهر القدمين؛ لقوله ﷺ : " إذا أراد أحدكم أن يتزوج المرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها " فخصَّ ذلك دون غيره فسقط كل مذهب يخالفه.
стр. 568
[الولي]
[١٢٢٤] مسأله: لا يصحّ كون المرأة ولياً في عقد نكاح لا على نفسها ولا على غيرها، خلافاً لأبي حنيفة في قوله إذا بلغت عاقلة رشيدة جاز ذلك لها، ولداود في تفريقه بين البكر والثيب؛ لقوله تعالى: "وأنكحوا الأيامى منكم" فخص الرجال بالولاية، وقوله تعالى: "فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن" ففيه دليلان: أحدهما أن العضل هو المنع الذي لا خلاص منه، ولو كان لهن أن يعقدن لم يكن امتناع الأولياء عضلَا ً لهن، والثاني أن سبب ذلك [امتناع] معقل بن يسار من إنكاح أخته الذي طلقها، فنزلت هذه الآية، وقوله ﷺ : " لا نكاح إلا بولي "، وقوله ﷺ : " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل " قالها ثلاثاً، فأثبت للولي حقاً في العقد وغيرهم لا حق له، وقوله في آخر الخبر:
стр. 569
" فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له "، وروي: " الزانية تنكح نفسها بغير إذن وليها "، وقوله ﷺ : " لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح نفسها "، وهذه نصوص، ولأنها ناقصة بالأنوثة كالأمة، ولأنّ من طباع النساء شهوة النكاح والميل إلى الرجال والتسرع إلى ذلك، فلو جعلت العقود إليهن لتسرعن ولم يراعين كفاءة ولا حظاً في عاقبته، وفي ذلك ضرر بهن وبالأولياء، فمنعن منه، ودليلنا على داود خاصة أنها أنثى كالبكر، ولأن كل عقد نكاح لم يصحّ من البكر لم يصحّ من الثيب كالعقد على الصغيرة والمجنونة.
[١٢٢٥] مسألة: للأب إجبار البكر البالغ على النكاح، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله ﷺ : " تستأمر اليتيمة في نفسها "، فدلَّ على أن غيرها خلافها، ولأنه لا يفتقر إلى نطقها في عقد نكاحها مع القدرة عليه كالصغيرة، وإن شئت عللت بالبكارة وعدم البروز، ولأن ولاية الأب ثابتة عليها في المال عندنا وإن بلغت، والنكاح مبني على ذلك، ولأن كل ولاية يملك بها إنكاح الصغيرة جاز أن يملك بها إنكاح الكبيرة كولاية الكفاءة.
стр. 570
[١٢٢٦] مسألة: للأب إنكاح الثيب الصغيرة جبرًا، خلافاً للشافعي في قوله ليس له تزويجها بوجه حتى تبلغ؛ لعموم الخبر الظاهر، ولأنّ حال الصغيرة يثبت معها الإجبار، الآن ما لم يسقط بعقلها وبولاية عليه كالبكر، ولأن ولاية الأب ثابتة عليها في هذه الحال كالغلام، ولأنّ كل معنى لم يؤثر في سقوط الولاية عليها في المال لم يؤثر في إجبار الأب إيًاها على النكاح، أصله مجرد البلوغ، ولأنها ولاية ثابتة للأب على ولده الصغير، فلم يؤثر في إزالته ذهاب البكارة على أي وجه ذهبت، أصله ولاية المال، ولأنه عقد على منفعة يتضمّن عوضًا فجاز أن يملكه الأب على الثيب الصغيرة كالإجارة، ولأنه عقد يتضمّن عوضًا، فجاز أن يملكه الأب على الثيب الصغيرة كالبيع، ولأنّ الثيوبة التي تسقط الإجبار هي التي يثبت معها حكم الإذن كالكبيرة، ولأنها إحدى حالتي المرأة فلم ينفك عنها من جواز إنكاح الأب إياها كحال البكارة.
[١٢٢٧] مسألة: الثيوبة التي يرفع الإجبار بها هي التي تكون بوطء في نكاح، أو شبهة نكاح، أو ملك، أو شبهته، دون الزنا والغصب، وقال الشافعي يثبث الوطء بغير تفصيل؛ ودليلنا. أن المعنى الذي لأجله ارتفع إجبار الثيب بالنكاح أن الحياء الذي يكون في البكر، والانقباض، يزول عنها وتصير من أهل الاختيار، وهذا لا يوجد في المزني بها، لأن الحياء يغلب عليها أشدّ من غلبته على البكر لقبح ما ركبته، وللعار الذي لحقها لمّا زهد الناس فيها، فلم يرتفع الإجبار عنها، ولأن ذهاب البكارة إذا لم يحصل معها الإجبار فذهاب الحياء لا يزيل الإجبار كالطفرة والوثبة، ولأن البكارة
стр. 571
يتعلق بها حجران حجر في المال وإجبار التزويج، ثم ثبت [أن] ولاية المال لا تسقط عنها بهذا الفعل، كذلك الإجبار.
[١٢٢٨] مسألة: لا يزوج الصغيرة، ولا يملك إجبار البكر البالغ إلا الأب وحده، خلافاً لأبي حنيفة في قوله إن سائر العصبة في ذلك كالأب، وللشافعي في إثباته ذلك للجدّ؛ ودليلنا على أبي حنيفة قوله ﷺ : " لتستأمر اليتيمة " فعم، وفي حديث ابن عمر لمّا زوجه قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون أنّه ﷺ قال: " إنّها يتيمة وإنها لا تنكح إلا بإذنها "، فناط ذلك باليتم، وفسخ نكاحها، ولأنّ كلّ من لا يملك التصرف في مالها ببينة لا يملك إجبارها على النكاح كالأجنبي، ولأنّها ليست ولدًا له تنسب إليه على وجه، كالخال.
[١٢٢٩] فصل: ودليلنا على الشافعي ما قدمناه، ولأنه عصبة يحجبه الأب كالأخ، ولأنه عصبة يسقط من تمليك الإجبار فلم يملك هو الإجبار كالعمّ، ولأنّ كل من لا يملك الإجبار مع وجود الأب، فكذلك مع عدمه كابن الأخ، ولأنّ كل تعصيب لا يفيد حجب الأخ عن الميراث لم يفد في الإجبار كتعصيب العمومة، ولأنها ولاية تملك انتقالاً لَا ابتداء فلم يملك بها الإجبار كسائر الولايات.
[١٢٣٠] مسألة: وصية الأب على إنكاح البكر تصحّ ويملك الوصيّ
стр. 572
بها عقد النكاح بإذنها، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لحديث قدامة بن مظعون لمّا قال: أنا عمّها ووصي منها، فقال ﷺ : " إنها يتيمة لا تنكح إلا بإذنها "، موضع التعلّق أنّه ذكر السبب الذي اعتقد أنه يملك به أن يعقد، وهو كونه عمًا ووصيًا، فلم ينكر عليه، ولا قال ليس للوصي أن يعقد نكاحها، بل عدل إلى أن علّل منع العقد بمعنى يرجع إلى حالها وهو اليتم، لا إلى صفة الولي، فدل على ما قلناه، ولأنها ولاية كانت ثابتة للأب حال حياته فكان له نقلها إلى من يختار حال وفاته كولاية المال، ولأنها تولية من الأب في إنكاح من يلي عليه كالوكيل.
[١٢٣١] مسألة: النكاح الموقوف على الإجازة، كإنكاح الولي وليته قبل استئذانها ثم يعلمها فتختار أو ترد، وكذلك الأب في ابنه الكبير، وما أشبه ذلك، فيه روايتان: إحداهما أنه لا يصحّ جملة، وهو قول الشافعي، والأخرى أنّه يجوز إذا علمت بقرب ذلك من غير تراخ شديد، وعند أبي حنيفة أنه يجوز على كل وجه.
فوجه المنع قوله ﷺ : " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل " فسقط قول من زعم أنه موقوف، ولأنه عقد تقدم على شرط من شروط جوازه ولا يتم إلا بحصوله فلم يصحّ، أصله العقد على من لها زوج قبل أن تبين منه، ولأنّه نكاح لا يملك الزوج التكلّف من إيقاع إطلاقه فكان باطلاً كالعقد على المعتدة، ولأنه نكاح واقف على إجازة فلم يصحّ، أصله قوله: زوجتك ابنتي إن شاء زيد، ولأنّه لو كان تحته أربع نسوة فتزوج
стр. 573
بخامسة أو، وقف نكاحها على طلاق إحدى الأربع، لم يقف وكان باطلاً، كذلك في مسألتنا.
ووجه الجواز حديث الخنساء أن ابنها زوجها وهي كارهة فخيرها رسول الله ﷺ ، ولأن العقد يقف على الإجازة فجاز أن يقف على الفسخ، لأن حقها ثابت في الإجازة كثبوته في الفسخ، ولأنه تعبير بالبيع في أصله بعلة أنه عقد معاوضة ليس من شرطه التقابض في الحال، ولأن الوصية تصح على الإجازة من الموصى له، فكذلك النكاح بعلة أنه عقد تمليك يتضمن إيجاباً وقبولاً، ولأن الملتقط يتصدق باللقطة بعد انقضاء السنة ويكون موقوفاً على إجازة المالك، كذلك النكاح؛ والأول أصح وأقيس.
[١٢٣٢] مسألة: فسق الولي لا يزيل ولايته، خلافًا للشافعي؛ لقوله تعالى: "وأنكحوا الأيامى منكم" فعم، ولأنه عصبة حر مسلم عاقل بالغ، وإن شئت قلت من يملك أن يزوج نفسه جاز أن يكون ولياً في عقد النكاح، كالعدل، ولأن الفسق لا يؤثر في المقصود بولاية النكاح فلم يكن مانعاً منها.
[١٢٣٣] مسألة: ينعقد النكاح من غير إشهاد، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: "وأوفوا بالعقود"، ولأنه عقد من العقود فلم
стр. 574
يكن الإشهاد شرطاً في انعقاده كسائر العقود، ولأنه معنى يقصد به التوثق فلم يكن شرطاً في انعقاد النكاح كالرهن والكفالة، ولأن كل شخص لا يحتاج إليه في إيجاب ولا قبول، لم يكن حضوره شرطاً في انعقاد النكاح كالزوجة وسائر الأجانب، ولأن كل شخص لم يحتج إلى حضوره في عقد البيع مع حضور الموجب والقابل، لم يحتج إلى حضوره في عقد النكاح كالفاسق.
[١٢٣٤] مسالة: التراضي بكتمان النكاح يبطل العقد، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله ﷺ : " أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالغربال "، وروي أنه ﷺ نهى عن نكاح السر، ولأن الزنا لما كان يقع مستسرًا مكتتمًا وجب أن يقع النكاح على خلافه وإلا كان ذريعة إلى إباحته، لأن كل من وجد مع امرأة ادّعى أنها زوجته وأن شهوده غيب، فوجب حسم الباب فيه.
[١٢٣٥] مسألة: للسيد إجبار عبده على النكاح، خلافاً للشافعي؛ لقوله تعالى: "والصالحين من عبادكم وإمائكم" ولم يشترط إذنهم، ولأنه مملوك له بيعه كالأمة، ولأنه عقد على منفعة فكان للسيد إجبار من يملكه عليه كالإجارة، ولأن كل ما لا يملكه العبد من نفسه من التصرف إلا بإذن سيده، كان للسيد تملكه عليه، أصله خدمة الغير.
[١٢٣٦] مسالة: لا يجبر السيد على إنكاح عبده إذا طلب العبد ذلك، خلافاً للشافعي؛ لأنه مملوك كالأمة، ولأنه قد يكثر الوطء فيؤدي إلى
стр. 575
ضعفه ونقص خدمته، ولأنه عيب فيه ينقص ثمنه يوجب الرد لمبتاعه، فلم يجبر السيد عليه كسائر ما يوجد فيه هذا المعنى، ولأن القصد من النكاح الوطء وهو اللذة، ولا يجبر السيد عليه كاللباس الفاخر والطيب.
[١٢٣٧] مسألة: إذا غاب الأب عن البكر غيبة قريبة غير منقطعة، وعلم منها خبره، فلا يجوز إنكاح ابنته البكر إلا بإذنه، خلافاً لأحد وجهي الشافعية. لقوله ﷺ : " تستأمر اليتيمة في نفسها " فدل على أن ذات الأب بخلافها، ولأن حق الولاية والإجبار ثابت له، وما قرب من الغيبة في حكم الحضر، فلم يكن لأحد الافتيات عليه كما لو كان حاضرًا، ولأن الأب لو أمسك عن إنكاحها لم يكن لأحد الافتيات عليه إلا بعد تكرر ذلك منه والعلم منه بعضلها.
[١٢٣٨] مسألة: إذا قالت له أمته: أعتقني على أن أتزوجك، ويكون عتقي صداقي، فأعتقها على هذا الشرط، فالعتق واقع وهي بالخيار إن شاءت تزوجته وإن شاءت لم تتزوجه ولا شيء عليها، ولا يكون عتقها إن تزوجته صداقها، بل يكون لها صداق مستأنف، وبهذا كله قال أبو حنيفة والشافعي إلا في موضع واحد، فإن الشافعي يقول إذا كرهت نكاحه، عليها قيمتها له، وحكي عن الأوزاعي أنها تجبر على أن يتزوجها، وعن أحمد بن حنبل العتق يقع بعقد النكاح في الحال.
فدليلنا على الأوزاعي أنا لو ألزمناها النكاح بالشرط كنا قد ألزمنا ذمتها ذلك، والعقود لا تثبت في الذمم، ولأنه سلف في النكاح فلم يصح، أصله لو قال رجل لرجل أسلفك هذا الألف على أن تزوجني ابنتك عليها.
ودليلنا على أحمد أن العتق إزالة الملك، وإزالة الملك عن الشيء لا يتضمن ملكه واستباحته بوجه آخر، اعتبارًا بالأصول كلها، ولأن الشرط لا يخلو من أن يكون على أن يعتقها على أن يتزوجها، فذلك استئناف تزويج بعد العتق، فلا يجب أن يقع مع العتق، أو على أنه إذا أعتقها صارت زوجة
стр. 576
فذلك باطل لأنها إنما تحصل زوجة بأن يعقد عليها نكاحاً، والعتق ليس بعقد نكاح، ولأن عقد النكاح إيجاب وقبول، ولم يحصل منهما قبول إلا قبل إمكان ذلك، لأنها ما دامت أمة له فلا يصح كونها زوجة، وإذا كان كذلك لم تكن زوجه بالقبول قبل حال الإمكان كما لو عقد على معتدة. ودليلنا على الشافعي أنها لم تتلف عليه شيئاً، لأنه هو المتكلف على نفسه حين عاوض على ما لا يلزم الوفاء به.
[١٢٣٩] مسألة: الأخ للأب والأم أولى بالنكاح من الأخ للأب، خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ لأنه قوة للتعصيب يسقط في الميراث، فكدلك في ولاية النكاح كالأخ مع الإبن.
[١٢٤٠] مسألة: تملك ولاية التزويج بالبنوة، خلافاً للشافعي؛ لقوله ﷺ لعمر بن أبي سلمة: " قم فزوج أمك "، ولأنه معنى يفيد التعصيب في المواريث فوجب أن يفيده ذلك في ولاية النكاح، كالأخؤة والأبوة، ولأن البنوة توجب الولاية على من يكون ابناً له، أصله إذا كان ابن عمها، ولأن كل حكم ثبت للابن الذي هو من ابن العم ثبت للابن الذي ليس من ابن العم، أصله الميراث، ولأن كل ذكر كان عصبة في الميراث كان عصبة في عقد النكاح، أصله الأخ والعم.
[١٢٤١] مسألة: الابن وابن الابن مقدمان على الأب في ولايته في النكاح، خلافاً لأبي حنيفة أو بعض أصحابه؛ لأن تعصيبه أقوى بدليل أن الأب يصير معه من ذوي الفروض، وإذا كان تعصيبه أقوى وجب أن يكون مقدماً عليه، كالأخ للأب والأم مع الأخ للأب.
стр. 577
[١٢٤٢] مسألة: الأخ وابن الأخ مقدمان على الجد في ولاية النكاح، خلافاً للشافعي؛ لأنهما أقوى تعصيباً منه، لأن الأخ يدلي بالبنوة والجد يدلي بالأبوة، ولأن الأخ يقول أنا ابن أبيك، والجد يقول أنا أبو أبيك، وقد بينا أن تعصيب البنوة مقدم على تعصيب الأبوة.
[١٢٤٣] مسألة: إذا حضر العصبة الأقرب والأبعد، ولم يتشاحوا في العقد، فأيهم عقد جاز، وقال الشافعي لا يصح عقد الأبعد مع الأقرب؛ ودليلنا أنهما عصبة لا تملك الإجبار فصح أن يعقد أحدهما مع الآخر كالمتساويين في القرب.
[١٢٤٤] مسألة: إذن البكر صماتها، وحكى الأسفراييني عن أصحابه أن لهم وجهين: أحدهما مثل قولنا، والآخر أن هذا في الأب والجد، فأما في سائر الأولياء فإن إذنها لا يكون إلا بالقول؛ ودليلنا قوله ﷺ : " والبكر تستأذن وإذنها صماتها "، وقوله: " تستأذن اليتيمة في نفسها فإن سكتت فقد أذنت " فهذا نصٌّ في موضع الخلاف، ولأن الإذن الذي هو بالقول لا يختلف باختلاف الأولياء، فكذلك الصمات، ولأن السكوت إنما جعل إذناً في حقها لأنها تستحي أن تتكلم ويغلب عليها الحياء، ويكره أن تسرع بالنطق إلى الإجابة فيظن منها محبة لذلك، وهذا لا يختلف باختلاف الأولياء.
[١٢٤٥] مسألة. إذا اتفق أولياء امرأة على نكاح من يقصر عنها في
стр. 578
الكفاءة جاز، خلافاً لمن قال لا يجوز أن يثبت، والأسفراييني حكى عن عبد الملك بن الماجشون صاحبنا أن الكفاءة شرط في صحة النكاح لا يجوز الاتفاق على تركها، وهذا تقويل للرجل ما لم يقل؛ والدليل عليه أن المنع منه لإلحاق العار، وذلك حق لها وللأولياء لا يتعلق به حق لله تعالى، فإذا اتفقا على إسقاطه جاز، كالنقصان من مهر المثل.
[الكفاءة]
[١٢٤٦] مسألة: الكفاءة عندنا الدين، والحرية، والسلامة من العيوب الموجبة للرد، وهي الجنون والجذام، والبرص، والجب، والعنة، والاعتراض، والإعسار ينافي الكفاءة، ومحمد بن الحسن أخرج الدين من الكفاءة، وأبو حنيفة أسقط اليسار، وهو أحد قولي الشافعي، واعتمد أصحاب الشافعي على الصناعة، وفيها نظر يجب أن تكون من الكفاءة. ودليلنا على اعتبار الدين قوله تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، وقوله ﷺ : " إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فأنكحوه " ولأن من لا دين له ناقص في العادة يلحق العار به.
ودليلنا على اعتبار المال أن في عدمه إضرارًا بها، لأنه إما أن يأكل مالها، أو لا ينفق عليها، فتحتاج إلى مطالبته بالطلاق، وذلك نقص في العادة. ودليلنا على اعتبار الحرية أن العبد أنقص حرمة من الحر، فيلحق الأولياء العار يكون وليتهم تحته.
стр. 579
وأما اعتبار السلامة من العيوب فلأنها نقص يوجب الخيار على ما سنذكره.
[١٢٤٧] مسألة: مهر المثل ليس من شرط الأكفاء، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن كل من لم يكن له اعتراض في جنس المهر فكذلك في مقداره، كالأجانب، ولأن كل عوض عليها في جنسه فكذلك في قدره، كالأثمان في البيوع، ولأنه عقد على معاوضة فلم يكن عليه اعتراض في قدره، كإجارتها نفسها للخدمة.
[الإذن لوليين بالتزويج واختلافهما]
[١٢٤٨] مسألة: إذا أذنت لوليين فزوجاها، ثم علم الأول بعد دخول الثاني، ثبت عقد الثاني وانفسخ عقد الأول، وقال أبو حنيفة والشافعي عقد الأول ثابت على كل حال.
ودليلنا أنه إجماع الصحابة، لأنه مروي عن عمر والحسن ومعاوية، وذكره بعض أصحابنا عن علي ﵁، فأما حديث عمر فروي أنه قضى في الوليين ينكحان المرأة ولا يعلم أحدهما بصاحبه أنها للذي دخل بها، فإن لم يدخل بها أحدهما فهي للأول؛ وروي أن موسى بن طلحة أنكح زيد بن معاوية أخته فاطمة بنت طلحة، وأنكحها يعقوب بن طلحة الحسن بن علي، فلم يمكث إلأ ليلتين حتى جمعها الحسن، وكان موسى أنكحها لزيد قبل أن ينكحها يعقوب فقال معاوية: امرأة جمعها زوجها فدعوها، ولا يصح ما يذكرونه عن على من خلاف ذلك، ولو صح لحملناه على أنه رجع عنه إلى الرواية الأخرى، ولأن المرأة لما كانت
стр. 580
مضطرة إلى الإذن لوليها في العقد عليها، لأنها لا يجوز لها العقد بنفسها، واتفق على أن لها أن تأذن لواحد ولجماعة ولا يلزم كل واحد التوقف عن أن يعقد حتى يعلم هل عقد الآخر أم لا، كان كل واحد يعقد على من لا يتحقق أنه لا زوج لها، بل يجوز أن يكون لها زوج، وكذلك المفقود يقدم على من يجوز أن يكون لها زوج مع وجود الأمارة المؤدية لذلك وهو الإذن للولي الآخر في الإنكاح، ووجدنا الأصول مبنية على أن عقد الإنسان على من يشك في أن لها زوجاً أم لا، مع عدم الأمارة المقتضية للشك ممنوع وذلك العقد على من شك في تحريمها عليه وأنها لا تحل له بذلك العقد شيئاً يمكن حضوره وضبطه، فلولا أن في مسألتنا يثبت النكاح في حكم، وإلا لم يجز أن يباح للولي إيقاعه ولا للمتزوج استباحته، كما أن نكاح المعتدة والمحرمة لما لم يكن لها وجه يثبت معه لم يجز الإقدام عليه، وإذا ثبت ذلك لم يبق إلا ترجيحه بالوطء لأن أحدًا لم يرجحه بغيره.
[الولي يزوج نفسه من وليته]
[١٢٤٩] مسألة: يجوز للولي أن يزوج نفسه من وليته، كانت الولاية بنسب أو ولاء أو حكم، وقال الشافعي ليس له ذلك، إلا الإمام الأعلى فله فيه قولان؛ ودليلنا قوله تعالى: " وأنكحوا الأيامى منكم " ولم يفرق، وقوله ﷺ : " لا نكاح إلا بولي "، ولأن رسول الله ﷺ أعتق صفية
стр. 581
وتزوجها، ولأنه ولي كالإمام، ولأنه عقد على امرأة يجوز له إنكاحها فأشبه عقده عليها من أجنبي.
[انعقاد النكاح على صفة مقصودة في الزوجين]
[١٢٥٠] مسألة: إذا عرفت المرأة الرجل بصفة مقصودة، أو عرفها الرجل، فكانت على خلافها ثبت لها الخيار، ولم يبطل العقد، وقال الشافعي في أحد قوليه يبطل العقد؛ فدليلنا أنها صفة لا يفتقر صحة العقد إلى وجودها، فلم يبطل النكاح لعدمها كتسمية المهر.
[انعقاد النكاح بلفظي الهبة والبيع]
[١٢٥١] مسألة: ينعقد النكاح بلفظ الهبة والبيع، وكل لفظ تمليك يقتضي التأبيد دون التوقيت، وقال الشافعي لا ينعقد إلا بلفظين، أنكحتك أو زوجتك؛ ودليلنا قوله تعالى: " وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي " فخطبها رجل فقال رسول الله ﷺ : " قد ملكتها بما معك من القرآن " ولأنه لفظ تمليك لا يقتضي توقيتاً، فأشبه لفظ النكاح والتزويج، ولأنه عقد معاوضة فجاز أن ينعقد بأكثر من لفظين كالبيع.
стр. 582
[الجمع بين أكثر من أربع نسوة]
[١٢٥٢] مسألة: لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع نسوة، ولولا أن هذا قد ذكر في الخلاف لما كان يجب أن نذكره؛ والدليل عليه قوله تعالى: " مثنى وثلاث ورباع "، وقوله ﷺ لغيلان وعنده عشر نسوة " اختر أربعاً "، وروي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس فقال له النبي ﷺ : " فارق إحداهن ".
[حق العبد في أن يجمع بين أربعاً]
[١٢٥٣] مسألة: للعبد أن يجمع بين أربع، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع "، فعم، ولأنه يجوز له الجمع بين اثنتين فجاز بين أربع كالحر، ولأنه كل عدد جاز للحر الجمع بينه جاز للعبد كالاثنتين، ولأن طريقه الملاذ فاستوى الحر والعبد فيه، فلم ينقص العبد فيه عن الحر كالأكل واللباس، ولأنه نوع جمع، منه ما يحل في النكاح ومنه ما يحرم، فجاز أن يحل للعبد منه ما يحل للحر، أصله الجمع بين الأقارب وذوات المحارم، ولأنه نوع جمع، يحرم على العبد منه ما يحرم على الحر، فجاز أن يحل له ما يحل للحر منه، أصله ما ذكرناه.
[متى يجوز العقد على أخت المطلقة]
[١٢٥٤] مسألة: إذا بانت المرأة من الرجل جاز له العقد على أختها
стр. 583
وعلى كل من يحرم عليه الجمع بينها وبينها وإن لم تخرج من العدة، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنها أجنبية منه بدليل انتفاء الموارثة بينهما ولحوق الطلاق بها، وأنها لا نفقة لها، ولا يلحقها إيلاء ولا ظهار، فكانت كالخارجة من
العدة، ولأنه نوع من البينونة فوجب أن يرتفع به عن الزوج كل جمع حرم بعقد النكاح، أصله الطلاق قبل الدخول، أو نقول فجاز معه تزويج الأخت أو خامسة سواء، أصله ما ذكرنا، ولأنها حال لا يلحقها منه طلاقه فجاز له العقد على أختها، أصله لو ارتدت أو ماتت.
[زنا المرأة لا يفسخ العقد]
[١٢٥٥] مسألة: إذا زنت المرأة لم ينفسخ النكاح، خلافاً لما يحكى عن الحسن؛ لقوله ﷺ للسائل وقال له إن امرأته لا ترد يد لامس، فقال: "طلقها"، فقال: إني أحبها، فقال: "أمسكها"، ولأن كل معنى لو أقر به الزوج لم ينفسخ نكاحه، فكذلك إذا ثبت بغير إقراره، أصله إذا أقر بأنها كانت زوجة أخيه أو أمة لأبيه ولم يمسها، عكسه إذا أقر بأنها كانت زوجة لأبيه.
[كراهة التزوج بالزانية]
[١٢٥٦] مسألة: يكره التزويج بالزانية المشهورة بذلك، ويجوز بعد الاستبراء من الزاني وغيره، خلافاً لمن منعه؛ لقوله تعالى: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء "، ولأنه وطء لم يحرم الموطوءة من الواطىء كوطء الشبهة.
[١٢٥٧]، مسألة: لا يجوز تزويج الزانية إلا بعد الاستبراء، وإن حملت
стр. 584
فحتى تضع الحمل، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يلزمهما استبراء؛ فدليلنا قوله ﷺ : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره "، ولأنه لا يلحق بالمتزوج فلم يجز له العقد، أصله الحمل الذي يلحق من النسب.
[ما يحرم من الجمع بين النساء]
[١٢٥٨] مسألة: لا يجوز الجمع بين الأختين في الملك في استباحة الوطء، خلافاً لداود، لقوله تعالى: " وأن تجمعوا بين الأختين " فعم، ولأنها صارت فراشاً للرجل فلم يجز له استباحة أختها ما دامت فراشاً كما لو تزوجها، ولأنه أحد طرفي استباحة الوطء كالنكاح.
[١٢٥٩] مسألة: لا يجوز الجمع بين المرأة وعمتها ولا خالتها، خلافاً لمن لا يعتد به، لثبوت السنة بتحريمه، وانعقاد الإجماع عليه من أهل الأعصار، لأنهما امرأتان لو خلقت كل واحدة ذكرًا لم يجز له أن يتزوج الأخرى، فلم يجز له الجمع بينهما، كالأجنبي.
[١٢٦٠] مسألة: يجوز الجمع بين المرأة وامرأة أبيها، خلافاً لمن منعه، للظاهر، ولأنهما أجنبيتان، فأشبهت امرأة أخيها، ولا يلزم عليه العكس، لأنه لا يتصور عليه من الطرفين.
[المحرمات من النساء وغير المحرمات]
[١٢٦١] مسألة: تحرم أم المرأة بنفس العقد الصحيح من غير اعتبار
стр. 585
بالوطء، وروي عن علي ﵁ أنهن لا يحرمن إلا بالوطء؛ ودليلنا قوله تعالى: " وأمهات نسائكم "، فلم يشترط وطئاً، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: " إذا تزوج الرجل المرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها فله أن يتزوج بابنتها، وليس له أن يتزوج أمها"، ولأن العقد معنى تصير به المرأة فراشاً، فوجب متى وجد أن تكون أم الزوجة حراماً معه، أصله الوطء.
[١٢٦٢] مسألة: تحرم الربيبة إذا دخل بأمها، وإن لم تكن في حجر الزوج، خلافاً لداود؛ لقوله ﷺ : " أيما رجل نكح امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها حرمت عليه أمها ولم تحرم عليه ابنتها " ولم يعتبر الحجر، ولأن كل امرأة تحرم عليه إذا كانت في حجره، فإنها تحرم وإن لم تكن في حجره كحلائل الأبناء، ولأن الحجر لا تأثير له في التحليل والتحريم بدليل سقوط اعتباره في كل المواضع والظاهر خرج على الغالب.
[١٢٦٣] مسألة: القبلة واللمس للذة كالوطء في باب تحريم الربيبة وكل من يحرم بالصهر، خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ لأنه نوع من الاستمتاع واللذة بالمباشرة، كالوطء.
[١٢٦٤] فصل: النظر للذة، قال ابن القاسم هو كالقبلة في التحريم للصهر، وقال غيره يحتمل وجهين؛ فدليلنا على أنه يحرم أنه نوع من
стр. 586
الاستمتاع واللذة لا تباح إلا مع العقد، فأشبه القبلة، ووجه النفي أنه التذاذ بغير مباشرة كالفكر.
[١٢٦٥] مسألة: فى تحريم المصاهرة بالزنا روايتان: إحداهما ثبوته، وهو قول أبي حنيفة، والثانية نفيه، وهو قول الشافعي.
فوجه إثباته أن كل تحريم تعلق بالوطء الحلال تعلق بالحرام، كالتحريم في الوطء بشبهة نكاح فاسد لأنه وطء حرام، ولأنه استمتاع كالحلال.
ووجه نفيه ما روي: " لا يحرم الحلال الحرام "، ولأنه معنى لا يثبت به الفراش على وجه، فلم يجب تحريم المصاهرة كاللواط، ولأنه وطء يتعلق به وجوب الحد كاللواط، ولأن الزنا لا حرمة له في نفسه فلم ينشرها إلى غيره، ألا ترى أن النسب لا يثبت به وهو أقوى من الصهر.
[١٢٦٦] مسألة: إذا زنا بامرأة فأتت بابنة، كره للزاني بأمها أن يتزوجها ولا تحرم عليه، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله ﷺ : " الولد للفراش وللعاهر الحجر"، فقيد أنه لا حكم لفعله لأنها أجنبية منه، بدليل أن سائر أحكام الولادة المختضة بها من لحوق النسب ووجوب النفقة والولاية
стр. 587
في البدن والمال والشهادة لا تثبت في هذا الموضع، كذلك تحريم النكاح.
[١٢٦٧] مسألة: يجوز نكاح حرائر أهل الكتاب، خلافاً لمن منعه؛ لقوله تعالى: " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "، ولأن كل جنس أكلت ذبائحهم جازت مناكحتهم كالمسلمين، عكسه المجوس.
[١٢٦٨] مسألة: لا يجوز نكاح المجوسيات، ولا غيرهن من أنواع الشرك الذين لا كتاب لهم، خلافاً لأبي ثور في إجازته ذلك في المجوس، وهو أحد وجهي الشافعية على قولهم إنهم أهل كتاب؛ لقوله تعالى: " ولا تنكحوا المشركات حتي يؤمن "، فعم، وقوله: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب "، فدل أن غيرهن خلافهن، ولأنهن غير متمسكين بكتاب كعبدة الأوثان.
[١٢٦٩] مسألة: لا يجوز للحر نكاح الأمة إلا لعدم الطول وخشية العنت، والطول صداق الحرة، وقال أبو حنيفة إذا لم تكن تحته حرة جاز أن يتزوج أمة، ولا يراعى صداق الحرة، ولا خيفة العنت؛ فدليلنا قوله تعالى: " ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح " الآية، ففيه دليلان: أحدهما أنه نص على اعتبار خشية العنت، ومخالفنا يسقطه، والآخر أنه شرط عدم الطول والسعة في المال، يقال فلان ذو طول أو سعة أو يسار، وقال تعالى: " استأذنك أولوا الطول منهم " يريد السعة والمكنة، ولأنه حر مستغن عن استرقاق ولده كالذي تحته حرة.
[١٢٧٠] مسألة: إذا عدم الطول وخشي العنت فتزوج أمة، ثم وجد
стр. 588
الطول، لم ينفسخ النكاح، خلافاً للمزني؛ لأن المال لا يتأبَّد، لأنه غاد ورائح، وكل معنى لا يتأبد فإنه إذا منع ابتداء النكاح لم يمنع استدامته أصله العدة والإحرام، ولأنه شرط في جواز نكاح الأمة فلم ينفسخ العقد بارتفاعه، أصله خشية العنت.
[١٢٧١] مسألة: وللحر أن يتزوج أربعًا من الإماء إذا عدم الطول وخاف العنت، خلافاً للشافعي في قوله ليس له أن يتزوج إلا أمة واحدة؛ لقوله تعالى: " فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات "، فعم، ولأنهن جنس أبيح نكاحهن فجاز الجمع بين أربع منهن كالحرائر.
[١٢٧٢] مسألة: وللعبد أن يتزوج أمة وإن كان تحته حرة، وقال عبد الملك لا يجوز، وهو قول أبي حنيفة؛ ودليلنا أنها مساوية في الحرمة؛ فلم يكن وجود نكاح غيرها مانعًا من نكاحها كالحرة مع الحرة.
[١٢٧٣] مسألة: لا يجوز للحر ولا للعبد أن ينكح الأمة الكتابية، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن "، وقوله تعالى: " من فتياتكم المؤمنات "، فشرط فيهن الإيمان فانتفى الجواز مع عدمه، ولأن الإيمان شرط منصوص عليه في جواز نكاح الأمة فوجب اعتباره، أصله عدم الطول وخشي العنت، ولأن تجويزه يؤدي إلى أحد أمرين ممنوعين وهما: أن يكون ولده مملوكاً للكتابي، أو يباع عليه ولا يبقى على ملكه، فكلاهما غير جائز، ولأن في الأمة الكتابية نقصين يؤثران في منع النكاح، وهما الكفر والرق، فإن اجتماعهما في المرأة مانعاً من نكاحها كالمجوسية، ولأنها أمة كافرة كالمجوسية.
[١٢٧٤] مسألة: لا فرق بين الحر والعبد في ذلك، خلافاً لبعض
стр. 589
الشافعية؛ لأن كل امرأة لم يجز للحر نكاحها بحال فكذلك العبد، أصله الحرة المجوسية والوثنية. [١٢٧٥] مسألة: لا يجوز للأب أن يتزوج أمة ولده، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن له شبهة في ماله فكان كمن تزوج أمة نفسه، ولأن كل أمة لو وطئها عالماً فحملت صارت أم ولد له، لا يجوز له أن يتزوجها، كأمة عبده، ولأن كل أمة لو وطئها عالماً فحملت صارت أم ولد له، فلا يجوز له التزويج بها كأمة نفسه.
[الخطبة على الخطبة]
[١٢٧٦] مسألة: إذا خطب رجل امرأة فانعمت له، أو وليها، وحصل منهما على وعد وثقة وتراكن، ولم يبق بعد إلا العقد أو ما قرب منه، لم يجز لغيره أن يخطبها، فإن خطبها أو عقد له فالنكاح فاسد على ظاهر المذهب، وللشافعي في تحريم الخطبة في هذه الحال قولان، وفي العقد إذا وقع قول واحد أنه لا يفسخ؛ فدليلنا على التحريم نهيه ﷺ أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولأن في ذلك ذريعة إلى الإفساد على الناس والإضرار بهم، فوجب منعهم؛ ودليلنا على فساد العقد الخبر، والنهي يقتضي الفساد، وما ذكرناه من الإضرار فيجب حسم الباب بانفساد ما يعقد على هذا الوجه، عقوبة لفاعله وقطعاً للإضرار.
[حكم الكافر إذا أسلم وعنده أكثر من أربع نسوة]
[١٢٧٧] مسألة: إذا أسلم الكافر وتحته أكثر من أربع نسوة اختار أربعاً وفارق البواقي، كان عقده عليهن في حال أو في عقود، لا نبالي اختار
стр. 590
الأوائل أو الأواخر إذا كن ممن يجوز إقرارهن تحت المسلم وقال أبو حنيفة إن كان تزويجهن في عقد واحد بطل نكاح الجميع، وإن كان في عقود فنكاح الأواخر باطل، ودليلنا حديث غيلان أنه أسلم وتحته عشر نسوة فأسلمن معه فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعاً، ففيه دليلان: أحدهما إثبات الخيار، وعند المخالف لا خيار، لأن نكاح الأواخر باطل عنده، وكذلك لو كان في عقد فلا ينتفي موضع الخيار، والاخر لم يسأل هل عقد عليهن في عقد أو عقود، فدل أن الحكم لا يختلف. وروي عن الحارث بن قيس قال: أسلمت وتحتي ثمان نسوة، فقال ﷺ : " اختر منهن أربعاً "، وروى الضحاك بن فيروز عن أبيه قال: قلت يا رسول الله، إني أسلمت وتحتي أختان، قال: " طلق أيتهما شئت "، ولأن كل امرأة جاز له ابتداء العقد عليها في الإسلام، جاز له البقاء بعد
стр. 591
الإسلام معها على نكاح الشرك، أصله الأوئل، ولأن من أصلنا أن نكاح الكافر فاسد وإنما يصحح منه لهم الإسلام العقود ويعفى عن صفاتها، و [لو] منعنا [التمسك] بالأواحر لفساد عقدهن لمنعنا الجميع.
[حكم أنكحة الكفار]
[١٢٧٨] مسألة: أنكحة الكفار فاسدة وإنما يصحح الإسلام ما لو ابتدؤوه بعده جاز، وقال أبو حنيفة والشافعي هي صحيحة؛ ودليلنا أن صحة النكاح مفتقرة إلى شروط منها ولي، ورضا المرأة، وأن لا تكون في عدة، وأنكحتهم خالية من هذا، فوجب فسادها، ألا ترى أن أنكحة المسلمين إذا عريت منه كانت فاسدة، فأنكحة أهل الشرك أولى، وتحريره أن يقال نكاح عار من ولي وبرضا المزوجة فكان فاسدًا كنكاح المسلم، ولأن كل عقد لو وقع في الإسلام لكان فاسدًا كذلك إذا وقع في الكفار، أصله العقد على ذوات المحارم.
[١٢٧٩] مسألة: إذا أسلم المجوسي وتحته مجوسية قد دخل بها عرض عليها الإسلام. فإن أسلمت ثبتا على نكاحهما، وإن أبت وقعت الفرقة بينهما في الحال، ولم يقف على انقضاء العدة، وهو قول أشهب، وقال الشافعي لا تقع الفرقة إلا بانقضاء العدة، وهو قول أشهب، ودليلنا قوله تعالى: " ولا تمسكو بعصم الكوافر "، ولأنه مسلم تمسك بعصمة
стр. 592
مجوسية فأشبه ابتداء العقد عليها، ولأنه لا فصل بين اعتبار العدة وغيرها من الآجال، لأنه إما أن ينفسخ النكاح بإسلامه وإبائها، على ما نقوله، أو يبقى مستدامًا، فأما تعليقه بانقضاء العدة فلا معنى له.
[انفساخ النكاح بارتداد أحد الزوجين]
[١٢٨٠] مسألة: إذا ارتد أحد الزوجين بعد الدخول انفسخ النكاح في الحال، وذكر الشيخ أبو بكر عن مالك رواية أنه لا ينفسخ إلا بخروجها من العدة، وهو قول الشافعي؛ ودليلنا أن الارتداد معنى ينافي بقاء العقد على مسلمة، فوجب أن ينفسخ به النكاح في الحال، أصله قبل الدخول.
[١٢٨١] مسألة: إذا ارتدا معاً انفسخ النكاح قبل الدخول وبعده، وقال أبو حنيفة النكاح على حاله؛ فدليلنا أن حصول الردة يقتضي فسخ النكاح، أصله إذا ارتد أحدهما.
[أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا]
[١٢٨٢] مسألة: أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا فالإمام بالخيار إن شاء حكم بينهم وإن شاء تركهم، وللشافعي قولان: أحدهما مثل هذا، والآخر أنه يلزمه أن يحكم بينهم؛ فدليلنا قوله : " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم "، والتخيير ينفي الوجوب، ولأنهما كافران كالمستأمنين.
[حكم نكاح الشغار]
[١٢٨٣] مسأله: نكاح الشغار باطل، خلافاً لأبي حنيفة في قوله إنه صحيح، ولكل واحدة منهن مهر مثلها؛ لما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار، والشغار أن يزوج الرجل ابنته الرجل ويزوجه الآخر ابنته ولا مهر بينهما، وروي أنه ﵇ قال: " لا
стр. 593
شغار في الإسلام "، ولأنه ملك بضع ابنته لشخصين للرجل وابنته، فصار كما لو قال لرجلين زوجت ابنتي لكما، ولأنه عقد شرط فيه المعقود به لغير المعقود له، فلم يصح، أصله إذا قال بعتك عبدي هذا على أن يكون ملكاً لزيد، ولأنه عقد حصل فيه المعقود له معقودًا به، فلم يصح كما لو قال لعبد زوجتك ابنتي على أن تكون رقبتك مهرها.
[حكم نكاح المتعة]
[١٢٨٤] مسألة: نكاح المتعة باطل، خلافاً لمن أجازه؛ لما روي عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء، ولأن كل عقد معاوضة يصح تأبيده لم يصح توقيته كالبيع.
[العيوب التي يثبت بها الخيار]
[١٢٨٥] مسألة: خيار الفسخ في النكاح يثبت لكل واحد من الزوجين بوجود خمسة عيوب، ثلاثة منها قد يشتركان فيها، وهي الجنون والجذام والبرص، ونوعان ينفرد بهما أحدهما عن الآخر، ففي الرجل الجب والعنة أو الاعتراض، وفي المرأة الرتق أو القرن، وقال أبو حنيفة: لا خيار للزوج في شيء من ذلك بحال، وللمرأة الخيار في الجب والعنة؛ ودليلنا ما روي أن رسول الله ﷺ تزوج امرأة من بني بياضة فوجد بكشحها بياضاً، فقال: " إلحقي بأهلك "، وروي: " دلستم علي "، ولأنه روي عن عمر،
стр. 594
وعلي، وابن عباس أنهم أثبتوا الخيار بذلك، ولأن الرتق والقرن عيب يمنع المقصود من الاستمتاع فوجب أن يثبت به الخيار كالجب والعنة، ولأنه عقد معاوضة فكان وجود الجنون في المعقود عليه مثبتاً للخيار كالبيع.
[١٢٨٦] مسألة: إذا تزوجها سليمة ثم حدث بها عيب من بعض هذه العيوب فلا رد له، خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ لأن المعنى الذي أوجب الخيار له عند العقد وجود التدليس، وهذا معدوم في مسألتنا، ولأن المهر ليس بمبذول للاستدامة وإنما هو مبذول لأول مرة، والنفقة يمكنه إسقاطها بالطلاق.
[بيع الأمة المتزوجة]
[١٢٨٧] مسألة: إذا تزوج أمة فبيعت لم يكن ذلك طلاقاً، خلافاً لمن يحكى ذلك عنه من الصحابة أنه فسخ للنكاح؛ لأن عائشة اشترت بريرة فأعتقتها، فخيرها رسول الله ﷺ ، فلو كان النكاح قد بطل لم يثبت
стр. 595
التخيير، ولأنه تصرف من السيد في أمته فلم يفسخ به نكاحها كالتدبير والكتابة.
[عتق الأمة المتزوجة بحر]
[١٢٨٨] مسألة: إذا أعتقت تحت حر فلا خيار لها، خلافاً لأبي حنيفة؛ لما روي عن عائشة أنها أعتقت بريرة، فخيرها رسول الله ﷺ ، وكان زوجها عبداً، ولو كان حرًا ما خيرها، ولأنها حصلت مساوية له في الحرية، ولا خيار لها، أصله إذا تزوج كتابية فأسلمت، أو مجنونة فأفاقت، ولأن كل معنى لا يثبت الخيار لها عند ابتدائه إذا وقع العقد مطلقاً، لم يثبت لها إذا حصل في تضاعيفه، أصله إذا زوجت من أقطع أو أعمى.
[ثبوت الخيار بالعنة والاعتراض]
[١٢٨٩] مسألة: يثبت الخيار للمرأة بالعنة والاعتراض، خلافاً لداود؛ لإجماع الصحابة على ضرب الأجل له، روي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وغيرهم، ولأنه عيب يمنع المقصود بالعقد وهو الاستمتاع فوجب أن يثبت لها الخيار فيه، أصله الجب والخصاء.
стр. 596
[فساد النكاح بفساد المهر]
[١٢٩٠] مسألة: فهل يفسد النكاح بفساد المهر، فيه روايتان: إحداهما أنه لا يفسد، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، والثانية أنه يفسد.
فوجه القول بأنه يفسد أن النكاح والمهر عقدان بدليل أنه يتأخر المهر عن العقد في المفوضة، وإذا كان كذلك ففساد أحد العقدين لا يوجب فساد الآخر، كالبيع والنكاح، ولأنه إذا عقد على خمر أو خنزير كان ذلك بمنزلة العقد بغير مهر أصلاً، لأن الخمر والخنزير لا يصلح تمليكهما أصلاً، فكان كمن لم يسم مهرًا أصلاً، وعدم تسمية المهر عند العقد لا تمنع صحته كالتفويض، ولأنه عقد لو صح المهر لصح، فوجب أن يصح وإن لم يصح المهر كالعقد على غير مغصوب.
ووجه القول بأنه يفسد العقد قوله تعالى: " أن تبتغوا بأموالكم "، فأخبر أن من شرط الإباحة أن يبتغيها بالمال، وهذا ابتغاء بغير مال، ولأنه عقد معاوضة فوجب متى حصل العوض فيه خمرًا أو خنزيرًا أن لا يصح العقد، كسائر عقود المعاوضات، ولأن العوض في النكاح آكد، بدليل أنه يجب لحق الله تعالى، فكان فساد العقد بفساده أولى منه في سائر العقود.
[مقدار أقل الصداق]
[١٢٩١] مسألة: أقل الصداق محدود بربع دينار أو ثلاثة دراهم، وقال الشافعي لا حد له؛ ودليلنا أنه عضو محرم تناوله من أجل حق الله تعالى إلا بمال، فوجب أن يكون أقل ذلك المال بمقدار، أصله قطع اليد في السرقة، ولأنه مال يستباح به العضو فوجب أن يكون لأقله تقدير في الشرع، أصله ما تقطع به اليد، ولأن المهر في النكاح حق لله تعالى، بدليل أنهما إذا تراضيا على إسقاطه لم يجز، فإذا ثبت ذلك وجب أن يكون مقدرًا كالزكوات والكفارات.
стр. 597
[تمتيع المرأة عند الطلاق]
[١٢٩٢] مسألة: متعة الطلاق مستحبة غير واجبة، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن الطلاق تأثيره الإسقاط لا الإيجاب، بدليل أنه إذا سمى مهرًا ثم طلق سقط نصفه ولم يلزمه شيء آخر، فلم يجب به شيء لأن ما كان واجباً قبله قد سقط فهو عن أن يجب به شيء آخر لم يكن واجبًا أبعد، ولأن الطلاق نوع من البينونة فلم يجب به متعة كالموت، ولأن كل امرأة لو ماتت لم يكن لها متعة، كذلك إذا طلقت، أصله إذا طلقت قبل الدخول وقد سمي لها، ولأنا لم نر في النكاح شيئاً وجب للمرأة بزوال العقد اعتبارًا بسائر الواجبات، ولأنها عطية غير معتبر بها على وجه، فلم تكن واجبة كالهبة والصدقة.
[حكم الصداق في نكاح التفويض عند موت أحد الزوجين]
[١٢٩٣] مسألة: إذا مات أحد الزوجين في نكاح التفويض قبل الدخول، توارثا، ولا صداق للمرأة، وقال أبو حنيفة يجب لها مهر المثل بنفس العقد، ويستقر وجوبه بالموت؛ فدليلنا أنه لا يجب بالعقد، أن كل من لم يجب لها بالطلاق شيء منه [لم] يجب جميعه لها بالعقد، أصله إذا تزوجها على دينار لما كان الزائد عليه لا يجب لها منه شيء بالطلاق لم يجب بالعقد، كذلك مهر المثل لما لم يجب لها بالطلاق شيء منه لم يجب لها بالعقد، ولأنها فوضت بضعها باختيارها فلم يجب لها المهر بالعقد، أصله ما زاد على مهر المثل.
ودليلنا على أنه لا يستحق بالموت مهر المثل أنها امرأة فوضت بضعها
стр. 598
تفويضاً جائزًا ثم ماتت قبل الفرض والدخول فلم تستحق مهر المثل، أصله مع أبي حنيفة في الكتابية إذا فوضت بضعها ثم ماتت قبل الفرض والمسيس، ومع الشافعي إذا طلقها قبل الدخول، ولأنها بينونة لو كانت في الكتابية لم يجب لها مهر، فإذا كانت في المسلمة لم يجب لها مهر، كالطلاق قبل الدخول في المفوضة.
[مقدار مهر المثل]
[١٢٩٤] مسألة: ومهر المثل معتبر بأحوال المرأة في جمالها، ومالها، وشرفها، دون نساء عصبتها، وقال أبو حنيفة يعتبر نساء قرابتها من العصبة وغيرهن، وقال الشافعي يعتبر نساء عصبتها فقط؛ فدليلنا أن صداق المثل يقل ويكثر ويختلف باختلاف ما ذكرناه في النساء من المال والجمال، لأن الإنسان يرغب في جمال المرأة فيرغب ويبذل أكثر من بذله فيمن دونها في المال والجمال لرفقه بمالها وانتفاعه به، فكان ما ذكرناه هو المعتبر دون مهر نساء العصبة، ولأن مهر المثل بدل من منافع البضع، والإبدال إنما يقوم بحسب اختلاف الأغراض والمنافع وماله يراد ذلك الشيء، كالبيوع، لأن الأثمان تختلف بالقلة والكثرة، فكذلك النكاح.
[متى يستقر ملك الزوجة للصداق ؟]
[١٢٩٥] مسألة: لا يستقر ملك الزوجة على الصداق إلا بالدخول، وما لم يدخل فهو مراعى، فلا يستحق بمجرد العقد، وقال الشافعي إذا سمي فإنها تملكه بمجرد العقد ملكا مستقرًا؛ فدليلنا أنه لو كان ملكها عليه
стр. 599
مستقرًا لم يجز أن يسقط بعد ثبوته، ألا ترى أنه إذا دخل بها فقد وجب لها وجوبًا مستقرًا لا يسقط بوجه، فقد ثبت أنها لو ارتدت قبل الدخول أو اختارت نفسها بعد العتق لسقط صداقها، فعلم أن ملكها لم يكن مستقرًا عليه.
[متى ينقد الزوج الزوجة صداقها؟ والاختلاف في قبضه]
[١٢٩٦] مسألة: إذا كان العرف جارياً في بعض البلاد بأن الزوج ينقد الصداق قبل الدخول كما كان بالمدينة، ثم اختلفا في قبضه، فإن كان قبل الدخول فالقول قولها وإن كان بعد الدخول فالقول قوله، وقال أبو حنيفة والشافعي القول قولها في الحالين؛ ودليلنا قوله تعالى: " وامر بالعرف "، ولأن الزوج أقوى سبباً بعد الدخول لشهادة العرف له، والعرف أصل يرجع إليه في اختلاف المتداعيين إذا لم يكن ما يرجع إلى غيره، كالنقد والسير والحمولة، فكذلك ها هنا.
[اختلاف الزوجين في قدر الصداق]
[١٢٩٧] مسألة: إذا اختلفا في قدر الصداق فإن كان قبل الدخول تحالفا وتفاسخا، وإن كان بعده فالقول قول الزوج، وقال الشافعي القول قولها قبل الدخول وبعده، وهذه المسألة مبنية على اختلاف المتبايعين، وقد ذكرناه، ولأنها لما سلمت نفسها من غير إشهاد عليه كان ذلك رضا منها بأمانته.
стр. 600
[مسائل مختلفة حول الصداق]
[١٢٩٨] مسألة: يكره أن يكون المهر منافع يستأجر عليها كتعليم القرآن والحديث وبناء دار وما أشبه ذلك، ويصح إذا عقد عليه، وقال أبو حنيفة لا يصح ذلك إن كان الزوج حرًا، ويجوز إن كان عبدًا؛ فدليلنا قوله ﷺ : " قد زوجتكها بما معك من القرآن "، وفي طريق أخرى: " زوجتكها على أن تعلمها عشرين آية "، ولأنها منفعة معلومة من غير معرفة فجاز أن يكون مهرًا، أصله العبد إذا تزوجها على خدمة نفسه.
[١٢٩٩] مسألة: إذا طلقت البكر قبل الدخول فللأب أن يعفو عن النصف الواجب لها، وهو الذي بيده عقدة النكاح، وقال أبو حنيفة والشافعي ليس له العفو، والمراد بالآية الزوج؛ ودليلنا قوله تعالى: " وإن طلفتموهن من قبل أن تمسوهن " إلى قوله: " عقدة النكاح "، ففيه أدلة: أحدها أن ابتداء الخطاب بالمواجهة وهو للأزواج، وقوله تعالى: " أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح " كناية للغائب فيجب أن يكون المراد به غير من وجه بالخطاب، وإذا ثبت ذلك لم يبق إلا قوله، والثاني أن قوله: " أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح " يفيد أن يكون الذي بيده في الحال، والزوج ليس بيده بعد الطلاق شيء، والثالث أن حقيقة العطف عود على المعطوف عليه في الشيء الذي أريد بالعطف، وقد ثبت أن قوله: " إلا أن يعفون "
следующие страницы →