← Фикх малики

Фикх малики · id 14245

الإشراف على نكت مسائل الخلاف

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (912 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

[فساد النكاح بفساد المهر] [١٢٩٠] مسألة: فهل يفسد النكاح بفساد المهر، فيه روايتان: إحداهما أنه لا يفسد، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، والثانية أنه يفسد. فوجه القول بأنه يفسد أن النكاح والمهر عقدان بدليل أنه يتأخر المهر عن العقد في المفوضة، وإذا كان كذلك ففساد أحد العقدين لا يوجب فساد الآخر، كالبيع والنكاح، ولأنه إذا عقد على خمر أو خنزير كان ذلك بمنزلة العقد بغير مهر أصلاً، لأن الخمر والخنزير لا يصلح تمليكهما أصلاً، فكان كمن لم يسم مهرًا أصلاً، وعدم تسمية المهر عند العقد لا تمنع صحته كالتفويض، ولأنه عقد لو صح المهر لصح، فوجب أن يصح وإن لم يصح المهر كالعقد على غير مغصوب. ووجه القول بأنه يفسد العقد قوله تعالى: " أن تبتغوا بأموالكم "، فأخبر أن من شرط الإباحة أن يبتغيها بالمال، وهذا ابتغاء بغير مال، ولأنه عقد معاوضة فوجب متى حصل العوض فيه خمرًا أو خنزيرًا أن لا يصح العقد، كسائر عقود المعاوضات، ولأن العوض في النكاح آكد، بدليل أنه يجب لحق الله تعالى، فكان فساد العقد بفساده أولى منه في سائر العقود. [مقدار أقل الصداق] [١٢٩١] مسألة: أقل الصداق محدود بربع دينار أو ثلاثة دراهم، وقال الشافعي لا حد له؛ ودليلنا أنه عضو محرم تناوله من أجل حق الله تعالى إلا بمال، فوجب أن يكون أقل ذلك المال بمقدار، أصله قطع اليد في السرقة، ولأنه مال يستباح به العضو فوجب أن يكون لأقله تقدير في الشرع، أصله ما تقطع به اليد، ولأن المهر في النكاح حق لله تعالى، بدليل أنهما إذا تراضيا على إسقاطه لم يجز، فإذا ثبت ذلك وجب أن يكون مقدرًا كالزكوات والكفارات.

стр. 597

[تمتيع المرأة عند الطلاق] [١٢٩٢] مسألة: متعة الطلاق مستحبة غير واجبة، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن الطلاق تأثيره الإسقاط لا الإيجاب، بدليل أنه إذا سمى مهرًا ثم طلق سقط نصفه ولم يلزمه شيء آخر، فلم يجب به شيء لأن ما كان واجباً قبله قد سقط فهو عن أن يجب به شيء آخر لم يكن واجبًا أبعد، ولأن الطلاق نوع من البينونة فلم يجب به متعة كالموت، ولأن كل امرأة لو ماتت لم يكن لها متعة، كذلك إذا طلقت، أصله إذا طلقت قبل الدخول وقد سمي لها، ولأنا لم نر في النكاح شيئاً وجب للمرأة بزوال العقد اعتبارًا بسائر الواجبات، ولأنها عطية غير معتبر بها على وجه، فلم تكن واجبة كالهبة والصدقة. [حكم الصداق في نكاح التفويض عند موت أحد الزوجين] [١٢٩٣] مسألة: إذا مات أحد الزوجين في نكاح التفويض قبل الدخول، توارثا، ولا صداق للمرأة، وقال أبو حنيفة يجب لها مهر المثل بنفس العقد، ويستقر وجوبه بالموت؛ فدليلنا أنه لا يجب بالعقد، أن كل من لم يجب لها بالطلاق شيء منه [لم] يجب جميعه لها بالعقد، أصله إذا تزوجها على دينار لما كان الزائد عليه لا يجب لها منه شيء بالطلاق لم يجب بالعقد، كذلك مهر المثل لما لم يجب لها بالطلاق شيء منه لم يجب لها بالعقد، ولأنها فوضت بضعها باختيارها فلم يجب لها المهر بالعقد، أصله ما زاد على مهر المثل. ودليلنا على أنه لا يستحق بالموت مهر المثل أنها امرأة فوضت بضعها

стр. 598

تفويضاً جائزًا ثم ماتت قبل الفرض والدخول فلم تستحق مهر المثل، أصله مع أبي حنيفة في الكتابية إذا فوضت بضعها ثم ماتت قبل الفرض والمسيس، ومع الشافعي إذا طلقها قبل الدخول، ولأنها بينونة لو كانت في الكتابية لم يجب لها مهر، فإذا كانت في المسلمة لم يجب لها مهر، كالطلاق قبل الدخول في المفوضة. [مقدار مهر المثل] [١٢٩٤] مسألة: ومهر المثل معتبر بأحوال المرأة في جمالها، ومالها، وشرفها، دون نساء عصبتها، وقال أبو حنيفة يعتبر نساء قرابتها من العصبة وغيرهن، وقال الشافعي يعتبر نساء عصبتها فقط؛ فدليلنا أن صداق المثل يقل ويكثر ويختلف باختلاف ما ذكرناه في النساء من المال والجمال، لأن الإنسان يرغب في جمال المرأة فيرغب ويبذل أكثر من بذله فيمن دونها في المال والجمال لرفقه بمالها وانتفاعه به، فكان ما ذكرناه هو المعتبر دون مهر نساء العصبة، ولأن مهر المثل بدل من منافع البضع، والإبدال إنما يقوم بحسب اختلاف الأغراض والمنافع وماله يراد ذلك الشيء، كالبيوع، لأن الأثمان تختلف بالقلة والكثرة، فكذلك النكاح. [متى يستقر ملك الزوجة للصداق ؟] [١٢٩٥] مسألة: لا يستقر ملك الزوجة على الصداق إلا بالدخول، وما لم يدخل فهو مراعى، فلا يستحق بمجرد العقد، وقال الشافعي إذا سمي فإنها تملكه بمجرد العقد ملكا مستقرًا؛ فدليلنا أنه لو كان ملكها عليه

стр. 599

مستقرًا لم يجز أن يسقط بعد ثبوته، ألا ترى أنه إذا دخل بها فقد وجب لها وجوبًا مستقرًا لا يسقط بوجه، فقد ثبت أنها لو ارتدت قبل الدخول أو اختارت نفسها بعد العتق لسقط صداقها، فعلم أن ملكها لم يكن مستقرًا عليه. [متى ينقد الزوج الزوجة صداقها؟ والاختلاف في قبضه] [١٢٩٦] مسألة: إذا كان العرف جارياً في بعض البلاد بأن الزوج ينقد الصداق قبل الدخول كما كان بالمدينة، ثم اختلفا في قبضه، فإن كان قبل الدخول فالقول قولها وإن كان بعد الدخول فالقول قوله، وقال أبو حنيفة والشافعي القول قولها في الحالين؛ ودليلنا قوله تعالى: " وامر بالعرف "، ولأن الزوج أقوى سبباً بعد الدخول لشهادة العرف له، والعرف أصل يرجع إليه في اختلاف المتداعيين إذا لم يكن ما يرجع إلى غيره، كالنقد والسير والحمولة، فكذلك ها هنا. [اختلاف الزوجين في قدر الصداق] [١٢٩٧] مسألة: إذا اختلفا في قدر الصداق فإن كان قبل الدخول تحالفا وتفاسخا، وإن كان بعده فالقول قول الزوج، وقال الشافعي القول قولها قبل الدخول وبعده، وهذه المسألة مبنية على اختلاف المتبايعين، وقد ذكرناه، ولأنها لما سلمت نفسها من غير إشهاد عليه كان ذلك رضا منها بأمانته.

стр. 600

[مسائل مختلفة حول الصداق] [١٢٩٨] مسألة: يكره أن يكون المهر منافع يستأجر عليها كتعليم القرآن والحديث وبناء دار وما أشبه ذلك، ويصح إذا عقد عليه، وقال أبو حنيفة لا يصح ذلك إن كان الزوج حرًا، ويجوز إن كان عبدًا؛ فدليلنا قوله ﷺ : " قد زوجتكها بما معك من القرآن "، وفي طريق أخرى: " زوجتكها على أن تعلمها عشرين آية "، ولأنها منفعة معلومة من غير معرفة فجاز أن يكون مهرًا، أصله العبد إذا تزوجها على خدمة نفسه. [١٢٩٩] مسألة: إذا طلقت البكر قبل الدخول فللأب أن يعفو عن النصف الواجب لها، وهو الذي بيده عقدة النكاح، وقال أبو حنيفة والشافعي ليس له العفو، والمراد بالآية الزوج؛ ودليلنا قوله تعالى: " وإن طلفتموهن من قبل أن تمسوهن " إلى قوله: " عقدة النكاح "، ففيه أدلة: أحدها أن ابتداء الخطاب بالمواجهة وهو للأزواج، وقوله تعالى: " أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح " كناية للغائب فيجب أن يكون المراد به غير من وجه بالخطاب، وإذا ثبت ذلك لم يبق إلا قوله، والثاني أن قوله: " أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح " يفيد أن يكون الذي بيده في الحال، والزوج ليس بيده بعد الطلاق شيء، والثالث أن حقيقة العطف عود على المعطوف عليه في الشيء الذي أريد بالعطف، وقد ثبت أن قوله: " إلا أن يعفون "

стр. 601

المراد به النصف الواجب للمطلقات فسقط عن الزوج، فلما عطف بحرف "أو" كان حقيقته عفوًا عن ذلك النصف، وفي حمله على الزوج حمل له على العفو عن نصف آخر، وذلك خلاف الظاهر، والرابع أن في حملها على ما قلناه سلامتها من التكرار [أو] في حملها على الزوج تكرار، لأنه قد توجه ثبوت الخطاب إليه بالعفو بقوله: " وأن تعفوا أقرب للتقوى "، فكان ما قلناه أولى، والخامس أن الله تعالى ندب إلى العفو من كلا الطرفين، فندب إلى الأزواج بقوله: " وأن تعفوا أقرب للتقوى " ولم يفصل، لأنهم يملكون أنفسهم، ثم لما ندب النساء وكن ينقسمن إلى ثيب يملكن أنفسهن ولا حجر عليهن، وإلى أبكار يولَّى عليهن، خاطب الثيب بإيقاع العفو منهن وامتنع ذلك في الأبكار، فعدل إلى الأولياء المالكين أمورهن، وهم الآباء، ومتى جعلناه للأزواج أخرجنا الأبكار من حيز من يندب إلى العفو، ولأنهن أحد نوعي الزوجات فجاز أن يلحقهن الندب إلى العفو عن نصف الصداق كالثيب، ولأنها أحد الزوجين فلحقها العفو عمومًا كالزوج، ولأنه ولي يملك الإجبار فجاز له العفو عن صداق من يملك إجبارها، أصله السيد في أمته. [١٣٠٠] مسألة: للأب أن يزوج البكر بأقل من صداق مثلها إذا راه نظرًا، خلافاً للشافعي؛ لأن الأب لما كان هو الناظر لها والقيم بمصلحتها، وكان غير متهم عليها في إسقاط حقها، وكان المقصود من النكاح العفة والصلاح دون المتاجرة والأرباح، جاز له إنكاحها بمهر مثلها وأقل وأكثر، لأنه لا يمنع أن يرى ذلك حظاً بأن يختار لها من يحسن عشرتها ويلحقها من بره وحسن معاملته ما يوفي على قدر ما يحط من صداق المثل، إذا كان هذا المعنى فهو المقصود بالعقد، ولأنا قد دلَّلنا على أن له العفو عن

стр. 602

نصف الصداق في حقها، فنقول كل من جاز له العفو عن نصف صداقها جاز له إنكاحها على دون صداق مثلها كالأمة. [١٣٠١] مسألة: إذا وهبت له صداقها ثم طلقها قبل الدخول فلا شيء له عليها، وقال الشافعي في أحد قوليه يرجع عليها بنصف قيمته؛ فدليلنا قوله تعالى: " فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون " فبين أن الزوج يستحق النصف بحيث تستحق المرأة النصف، لأنه قرن ذلك بالحال التي تملك فيها العفو، وذلك لا يكون إلا مع بقاء الصداق على ملكها، ولأن كل امرأة لم يحصل لها بالطلاق نصف الصداق من جهة الزوج لم يستحق الزوج عليها نصفًا آخر، أصله إذا لم يسم صداقاً، ولأن الصداق بهبتها إياه قد صار ملكاً له، فلو استحق عليها بكل النصف لكان قد حصل له البدل والمبدل، وذلك خلاف الأصول. [١٣٠٢] مسألة: إذا أسلمت نفسها قبل قبض الصداق ودخل بها لم يكن لها أن تمتنع بعد ذلك من التسليم، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنه تسليم يستقر به البدل فوجب أن يسقط حكم الامتناع كتسليم السلعة في البيع. [١٣٠٣] مسألة: الصحيح من المذهب أن الخلوة لا توجب إكمال المهر، فإن ذلك لا يجب إلا بالوطء، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم "، وهذا مطلق قبل المسيس، ولأنها خلوة تعرَّت عن الإصابة لم يجب لها استقرار المهر، أصله إذا خلا بها وهو صائم أو محرم، ولأنه طلاق قبل الإصابة فوجب أن لا يكمل به الصداق، أصله إذا طلق من غير خلوة، ولأن الوطء يتعلق به أحكام كثيرة كالحد والحصانة والتحليل للزوج الأول والغسل، ووجدنا الخلوة لا يتعلق بها شيء من ذلك، فكذلك يجب أن لا يتعلق بها كمال المهر، ولأن كل ما لا يجب به المهر في النكاح

стр. 603

الفاسد لم يستقر في النكاح الصحيح، أصله اللمس لغير لذة. [١٣٠٤] مسألة: إذا حصلت الخلوة فادعت أنه وطىء، فأنكره، فالصحيح من المذهب أن القول قولها، لأن ذلك مما لا يمكن لها الإشهاد عليه، والتوثق بإحضار البينة فيه، والأصول موضوعة على أن ما تعلق بالزوجة مما هذه سبيله أن القول قولها في حصوله، لأن الضرورة تدعو إلى ائتمانها عليه، وإن آل إلى إسقاط حق الزوج وإيجاب شيء عليه كالعدة، ولأن التمكين إذا حصل ووقع الاختلاف في الفعل فالقول [قول] مدعي إثباته دون نافيه، كالعنين إذا أمكن من زوجته وادعى أنه أصاب وأنكرت، ولأن العرف شاهد بما تدعيه، لأن الغالب من حال الرجل إذا خلا بزوجة جديدة وكان صحيحاً سليم الحواس أنه يطأ، فكان القول قول من يشهد له العرف، ولأن المتداعيين إذا قوي سبب أحدهما بشهادة العرف له أو لغير ذلك مما يقوى على خصمه، فإن اليمين في جهته، أصله صاحب البينة. [١٣٠٥] مسألة: يجوز أن يتزوجها على عبد مطلق، أو وصيفة، أو جهاز بيت، ويكون لها الوسط من ذلك، وقال الشافعي لا يجوز ذلك؛ ودليلنا قوله ﷺ : "ما تراضى عليه الأهلون جاز"، ولأن النكاح لما لم يكن العوض مقصودًا فيه بدليل أنه [لا] يفسد بفساده،

стр. 604

ويحل صحة العقد [مع] عدم ذكره، جاز أن يسقط تعيينه وصفته إن كان هناك طريق يوصل إليه غيره، وبذلك فارق البيع لأن الغرض منه المعاينة والمكايسة [بـ] دليل أن الإخلال بذكره عند العقد مفسد له. [١٣٠٦] مسأله: إذا اشترت بالصداق جهازًا أو ما يصلحها ويصلح زوجها مما جرى من العرف في موضعها بأن المرأة تتجهز به للرجل، ثم طلقها قبل الدخول، فله نصف ما اشترت، ولا يلزمها أن تغرم له عينًا، وقال أبو حنيفة والشافعي عليها أن ترد له نصف العين التي قبضت منه؛ فدليلنا أن العرف إذا كان جارياً في موضعها بأن المرأة تتجهز للرجل وأنه يلتمس ذلك منها، فعليه دخلا، فكأنها فعلت ذلك بأمره، لأنه قد علم أنها تتصرف فيه، فكان كما لو صرح فقال: قد أذنت لك أن تشتري بصداقك جهازًا، ولو فعل ذلك لم يكن له إلا نصف ما اشترته فدليلنا على وجوب تجهيز المرأة للزوج إذا كان العرف عندهم جارياً بذلك، فدليلنا قوله تعالى: " وامر بالعرف "، ولأنه ﷺ أخذ صداق فاطمة ﵍ فصرفه في جهازها من طيب وفرش وغير ذلك، ولأن علياً ﵁ قضى بذلك في قضية ارتفع إليه فيها فقضى على الأب بوجوب تجهيز ابنته وقال

стр. 605

الزوج لما طلق فطلب نصف ما دفع، فقال: آخذ صوفاً وخرقاً وقد أعطيت دراهم؟ قال: أنت أضعت مالك، ولم يخالف عليه أحد. [القسم بين الزوجات] [١٣٠٧] مسألة: القسم بين الزوجات للحرة والأمة سواء، وعنه رواية أخرى أنه يفضل بينهما، وهو قول أبي حنيفة والشافعي؛ فدليلنا على التسوية قوله ﷺ : " من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقة مائل " ولأنها مساوية لها في الزوجية فوجب مساواتها لها في القسم كالحرة، ولأن نقصها عن رتبتها لا يوجب نقصانها عنها في القسم كالذمية. [١٣٠٨] مسألة: إذا تزوج امرأة وعنده غيرها، فإن كانت بكرًا كان له أن يقيم عندها سبعًا ولا يقضي، وإن كانت ثيبًا فثلاثًا ولا يقضي، وقال أبو حنيفة يقضي باقي نسائه؛ فدليلنا ما روى أنس أن رسول الله ﷺ قال: " للبكر سبع وللثيب ثلاث " فأضاف ذلك إليهما فاقتضى ذلك اختصاصهما به، وقوله ﷺ لأم سلمة: " ليس لك على أهلك هوان إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن، وإن شئت ثلثت عندك ودرت " فأخبر أن الثلاث لا تقضى في حق الثيب، ولأن القسم مستحق على قدر حصول الاستمتاع للزوج من المرأة، ومعلوم أن الجديدة أوفر في ذلك من غيرها، للعادة بأن النفس تتوق إليها أكثر، فكان ذلك حقاً لها على سائر نسائه.

стр. 606

[حكم الحكمين] [١٣٠٩] مسألة: إذا بعث الحاكم الحكمين عند حصول الشقاق بين الزوجين فعلا ما يريانه من صلاح وطلاق أو خلع، ولا يعتبر رضا الزوجين، وكان ذلك حكماً لا وكالة، وقال أبو حنيفة يكون وكالة يفتقر إلى رضاهما، ودليلنا قوله تعالى: " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها " فخاطب غير الزوجين، ولأن الخطاب الوارد بالأحكام وتنفيذها ينصرف إلى الأئمة والحكام دون أهل الخصومات، ولأن تسميتهما بأنهما حكمان ينفي كونهما وكيلين، وقول علي ﵁ للحكمين: أتذريان ما عليكما، إن رأيتما أن يصلحا أصلحتما، وإن رأيتما أن يفرقا فرقتما، ولم يشترط رضا الزوجين، ولأن للحاكم مدخلاً في إيقاع الفرقة بين الزوجين لإزالة الضرر كالطلاق على المولي، والمعسر بالنفقة والمهر، وغيره، فإذا كان له ذلك في إزالة الضرر عن أحدهما، كان بأن يكون في حقهما أولى. ***

стр. 607

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الخلع [١٣١٠] مسألة: الخلع جائز مع التراضي واستقامة الحال، وقال داود لا يجوز إلا بشرط الخوف ألا يقيما حدود الله؛ فدليلنا قوله تعالى: " فإن طبن لكم عن شيء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئا " فعم الفدية وغيرها، ولأن كل حال جاز أن يطلق فيها بغير عوض جاز أن يطلق فيها بعوض، كحال السخط، ولأن [كل] طلاق وقع حال الغضب وقع حال الرضا، أصله الطلاق المبتدأ بلا عوض، ولأنها معاوضة تصح حال الخصومة، فصحت في غيرها كالبيع. [١٣١١] مسألة: الخلع طلاق، خلافاً للشافعي في قوله إنه فسخ؛ لحديث حبيبة أن رسول الله ﷺ قال لها: " أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم، فدعا ثابتاً، فقال: أو يطيب ذلك لي يا رسول الله؟ قال: " نعم " قال: قد فعلت، فقال لها رسول الله ﷺ : " اعتدي " ثم التفت إليه وقال: " هي واحدة " وروى

стр. 608

سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ جعل الخلع تطليقة، ولأن كل فرقة تعلقت بإرادة الزوجين لا عن غلبة فإنها لا تكون فسخًا، بل تكون طلاقاً، أصله إذا تزوج عليها فطالبته بالفراق، عكسه الملك والرضاع، ولأن الزوج يأخذ العوض على ما يملك، وهو إنما يملك الطلاق دون الفسخ. [١٣١٢] مسألة: يصح الخلع من غير حاجة إلى سلطان، خلافاً لما يحكى عن الحسن وابن سيرين؛ لأنه معاوضة كالنكاح. [١٣١٣] مسألة: يجوز الخلع بقدر المهر، وبأقل وبأكثر، خلافاً لأحمد وإسحاق في قولهما لا يجوز إلا بقدر المهر؛ لقوله تعالى: " فلا جناح عليهما فيما افتدت به " فعم، ولأنه عوض يصح تملكه فجاز الخلع عليه كالصداق. [١٣١٤] مسألة: الخلع المطلق يقطع الرجعة، خلافاً لأبي ثور في قوله إنه إن كان بلفظ الطلاق لم يقطعها، وإن كان بلفظ الخلع قطعها؛ لأنه طلاق بعوض فأشبه لفظ الخلع، ولأن المرأة إنما تبذل العوض لإزالة الضرر عنها، وكل فرقة لإزالة الضرر فإنها تقتضي قطع ما يعيدها إليه من

стр. 609

ثبوت الرجعة عليها، وإعادتها إلى الضرر، ولأنها تعجز عن إقامة حقوق الله تعالى في ذات زوجها، فلم تستحق ذلك كالفرقة بإعسار النفقة، وفي الإيلاء. [١٣١٥] مسألة: إذا بذلت له عوضًا على طلاقها فأجابها بشرط أن له الرجعة، ففيها روايتان: إحداهما أنه يصح، ويكون له الرجعة، ويكون له البدل عوضًا من الطلاق، والأخرى أنه يكون خلعًا ولا رجعة له، وهو قول أبي حنيفة، وقال الشافعي الخلع باطل والطلاق واقع، والرجعة ثابتة، ويرد العوض عليها، وقال المزني الخلع صحيح وتسقط الرجعة، ويكون له عليها مهر المثل. فدليلنا أولاً على أنه لا يثبت له الرجعة أنه طلاق بعوض فلم يكن فيه رجعة، أصله إذا أعطته مالاً على أن يخالعها ولم تشترط الرجعة، ولأن العوض إنما يبذل على إزالة العصمة وقطعها، وفي ثبوتها إبطال هذا المعنى. ووجه إثباتها أن البذل يكون ها هنا في نقصان عدد الطلاق بالشرط الذي أجابت عليه فخرج عن أن يكون خلعاً، وإذا خرج عن أن يكون خلعاً ثبتت الرجعة. ودليلنا على الشافعي في قوله إن الرجعة ثابتة والعوض غير مستحق، هو أن العوض إذا حصل في مقابلته معوض تصح المعاوضة عليه صح ولم يمتنع، وقد رضيت المرأة أن يكون العوض في مقابلته نقصان عدد الطلاق فخرج عن أن يكون خلعاً. [١٣١٦] مسألة: ولا يلحق المختلعة طلاق، خلافاً لأبي حنيفة في قوله إنها يلحقها ما دامت في العدة؛ لأنها فرقة لا يملك بها الرجعة

стр. 610

بحال فلم يصح ورود الطلاق على المرأة في هذه الحال، كالطلاق الثلاث واللعان، ولأنها مطلقة لا رجعة عليها كالمطلقة قبل الدخول، ولأن كل من لا يلحقها طلاقه إذا أوقعه بعوض، لم يلحقها بغير عوض كالمطلقة قبل الدخول، أو بعد انقضاء العدة، ولأن كل من لا يطلق باللفظ الذي يعم به النساء فكذلك لا يلحقها الطلاق مع التعين، أصله الأمة، ولأنها أجنبية منه بدليل انتفاء خصائص النكاح عنها كالإيلاء والظهار والنفقة بالزوجية، ولأن كل من طلقها بقوله: أنت خلية أو برية وحرام، لم يلحقها بأي لفظ كان فهي كالأجنبية. [١٣١٧] مسألة: إذا علق طلاقها بصفة مثل أن يقول: إذا دخلت الدار فأنت طالق، ثم بانت منه بخلع أو بطلاق رجعي، وخرجت من العدة، أو بما دون الثلاث، ثم تزوجها ووجدت الصفة في النكاح الثاني، فإن اليمين تعود عليه ما لم تبن بالثلاث، وللشافعي ثلاثة أقوال: أحدها مثل قولنا، والآخر أن النكاح المحلوف فيه إذا زال لم تعد اليمين، والثالث أنها تعود أبداً؛ فدليلنا أنها تعود في نكاح ثان إذا بانت بدون الثلاث أن الحالف إذا علق يمينه ولم تحصل الزوجة التي حلف عليها، فلو أبطلنا اليمين لزوال ملكه لكنا قد أحللناه بمقتضى يمينه، ولأنه إذا تزوجها ثانية عاد ما كان يملك من الطلاق الأول، فيجب أن يعود بصفاته، ومن صفاته أنه محلوف به، ولأن كل حال يملك فيها إيقاع طلاق الملك الذي حلف به تعلق بها حكم اليمين أصله إذا استدام النكاح الذي حلف به. [١٣١٨] فصل: ودليلنا على أن اليمين لا تعود بعد الطلاق الثلاث أن ما استحدث من الطلاق الثلاث في النكاح الثاني لم يكن في ملكه حال الطلاق ولا مضافاً إلى ملكه، فلم يثبت حكمه في النكاح الثاني، أصله إذا

стр. 611

قال لأجنبية إذا دخلت الدار فأنت طالق، ولأنها يمين بطلاق زال عن ملكه قبل وجود الصفة التي حنث بها زال حكمها اعتبارًا بموت المرأة، ولأنه طلاق لا يملكه حال العقد ولا علق اليمين بحصول الزوجية التي يملك حصولها فلم يحنث حال حصول ملكه، أصله إذا تزوج غير المحلوف بطلاقها ثم وجدت الصفة. [١٣١٩] مسألة: عقد الطلاق قبل النكاح يلزم إذا عين وخص، ولا يلزم إذا أطلق وعم، وقال أبو حنيفة يلزم في الموضعين، وقال الشافعي لا يلزم في الموضعين، فدليلنا على لزومه مع التعيين أنه أضاف الطلاق إلى حال يملك فيها ابتداء إيقاعه فصح ذلك اعتبارًا به إذا أضافه حال الملك، ولأن الاعتبار لا يخلو أن يكون بحال العقد، أو بحال وجود الصفة، أو بهما، ولا يصح الاعتبار بحال العقد، لأنه يوجب أن ينعقد الطلاق وإن كانت حال الإضافة لا يملك الإيقاع فيها، كقوله: إذا بنت مني فأنت طالق، لأنها لا يوجب إذا قال لامرأة عنده: إذا بنت مني وتزوجتك فأنت طالق، وعندهم أن ذلك لا يؤثر فلم يبق إلا الإعتبار حال وجود الصفة. [١٣٢٠] مسألة: ودليلنا على أنه لا يلزم مع الإطلاق قوله تعالى: " لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم "، ولأنه سد على نفسه طريق استباحة البضع فلم يلزمه، لأن في ذلك تعريض نفسه للزنا، وما أدى إلى ذلك ممنوع، أصله الحرة إذا عدم مهرها يجوز له أن يتزوج بأمة، لأته متى لم يبح له ذلك خاف العنت. [١٣٢١] مسألة: إذا قال لها: إن تزوجتك فأنت طالق، وتزوجها ودخل بها، فلها المهر المسمى، وقال أبو حنيفة لها مهر ونصف، فدليلنا أنه لا يخلو بهذا الوطء أن يكون زانياً أو واطئاً بشبهة العقد الأول، فلو كان زانياً لوجب عليه الحد، وذلك ليس بقول لأحد، لأن الحد والمهر لا يجتمعان عندهم، وإن كان واطئاً بشبهة العقد وجب أن لا يلزمه إلا مهر

стр. 612

واحد كسائر الأنكحة الفاسدة إذا وطىء فيها، ولأنه واطىء بشبهة عقد فلم يجب به مهر زائد على المسمى كالوطء في عدة طلاق رجعي، ولأنه عقد يعقبه وطء يستند إليه، فلم يجب به مهر ونصف اعتبارًا بالمهور كلها. [١٣٢٢] مسألة: إذا خالعها بما لا يصلح أن يكون عوضًا كالخمر، والخنزير وقع الطلاق بائنًا، ولم يستحق عليها عوضًا، وقال أبو حنيفة يقع رجعياً ولا يستحق عوضًا، وقال الشافعي يصح الخلع، ويثبت عليها مهر المثل، ولا رجعة له. فدليلنا عليه أن الطلاق معنى يصح أن يوقع بغير بدل يفوت بنفس وقوعه ولا يمكن الفسخ فيه، فإذا وقع على ما لا يصح أن يكون بدلاً لم يستحق به بدلاً، أصله العتق، ولأنه إزالة ملك إلى غير مالك بما لا يصح المعاوضة عليه، فلم يستحق بها عوضًا، أصله كما لو قال لعبده إن جئتني بزق خمر فأنت حر، فجاءه به فإنه يعتق ولا يستحق عليه بدلاً، ولأن مهر المثل مقدار لم يقع التراضي عليه في الخلع فلم يلزم بفساد العوض فيه، أصله ما زاد على مهر المثل، ولأن كل معنى لم يجب في الخلع مع صحة العوض لم يجب مع فساده، أصله المهر المسمى، ولأن ثبوت البدل في الخلع لا يتعلق به حق الله تعالى، بدليل جواز التراضي على إسقاطه، فمتى صح العقد برضاه من غير بدل معلوم، صار كأنه طلق بلا عوض، ولأن وجوب مهر المثل لا يخلو أن يكون بدلاً عن العوض أو عن البضع، ولا يجوز أن يكون بدلاً عن العوض لأن كل بدل كان قائمًا يكون العوض قيمته لا غير، ومهر المثل ليس بقيمة للخمر، وإن كان بدلاً عن فوات البضع لا يصح، لأن خروج البضع من ملك الزوج لا قيمة له، وتبنى المسألة على هذا الموضع وهو أن خروج البضع من ملك الزوج لا قيمة له، فدليلنا عليه أن الذي يتلف به استباحته وتلك الاستباحة لا تقوم في حق مثلها كالمريض يطلق فلا يقوم البضع عليها في الثلث، فلو كان له قيمة لقوم عليها كما لو أعطاها شيئاً من ماله، ولأنها لو ارتدت بعد الدخول لم

стр. 613

يلزمها شيء للزوج، فلو كان لخروج بضعها عن ملكه قيمة لوجب أن تضمنها كما تضمن قيمة ما استهلكت، ولأن قاتلها لا يلزمه لزوجها قيمة البضع، فلو كان له قيمة لضمنها كسائر ماله. ودليلنا على أبي حنيفة أنه طلاق أوقعه على وجه الخلع فكان بائناً كما لو صح العوض. [١٣٢٣] مسألة: إذا خالعها على أن تكفل له ولده مدة معلومة، فماتت قبل انقضائها، لم يرجع عليها بشيء، وفيه رواية أخرى أنه يرجع عليها، وللشافعي قولان. فوجه نفي الرجوع أن الخلع عقد على منفعة متعلقة بعين، فإذا فقدت العين لم يقم غيرها مقامها كما لو استأجر دابة بعينها فماتت، ولأن استيفاء المنفعة يتعلق بوجود العين فإذا تلفت فلا وجه للرجوع إلا أن يكون عن قيمة البضع، وقد بينا فساد ذلك. ووجه الرجوع أنها منفعة لها قيمة فإذا تلفت العين المتعلقة بها استحق قيمتها أو نقول: فلم يتلف الحق بتلفها كالدابة المعينة إذا ماتت. [١٣٢٤] مسألة: إذا قالت له طلقني بألف درهم، أو على ألف درهم فذلك سواء، وقال أبو حنيفة في قوله: بألف، يستحق العوض، وعلى ألف، يكون الطلاق رجعيًا ولا شيء له، فدليلنا على أنهما سواء إذا قالت: اخلعني على ألف درهم، فمفهوم هذا كون الألف بدلاً وعوضًا في الخلع، فكان كقولها بألف، ولأنه لو قال لامرأتيه: أنتما طالقتان على ألف فقبلت إحداهما دون الأخرى طلقت، وكان عليها ما يصيبها من الألف، فدل على ما قلناه، ولأن لفظة "على" [في] العرف مستعمل على البدل، [مثل]

стр. 614

احمل لي هذا الطعام إلى منزلي على ألف فحمله، أنه يستحق الألف، كقوله احمل لي بألف. [١٣٢٥] مسألة، فصل: إذا قالت له اخلعني بالطلاق الثلاث بألف أو على ألف، فطلقها واحدة، قال ابن المواز يكون خلعًا ويستحق جميع الألف، وعندي أنَّ النظر أن الخلع يقع ولا يستحق شيئاً من الألف، وقال الشافعي: يستحق ثلث الألف. فوجه قول ابن المواز أن الغرض بالخلع انقطاع العصمة، وذلك حاصل بما دون الثلاث وإذا كان كذلك استحق جميع الألف، كما لو طلق ثلاثاً. ووجه ما اخترناه أنها إذا قالت طلقني ثلاثاً بألف، فطلقها واحدة، لم يحصل غرضها، لأن غرضها زوال العصمة بجميع ما يملكه من الطلاق لا ببعضه، فإذا لم يحصل الغرض لم يستحق العوض، كما لو قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً فطلقت واحدة، لم يقع، لأنه لم يجعل إليها ذلك. فدليلنا على الشافعي أنه لم يحصل لها غرضها الذي بذلت العوض عليه، فلم يستحق شيئاً منه، كما لو ابتدأ فقال: أنت علي كظهر أمي، وأنت طالق واحدة رجعية. [١٣٢٦] مسألة: يجوز عندنا الخلع على الغرر والمجهول، كالآبق، والشارد، والثمرة التي لم يبد صلاحها، وعبد لها لم يصفه، وبما في بطن الناقة والشاة، وبما تلد غنمها العام، أو تحمل ثمرتها، ويقع الطلاق بائناً وله المطالبة بذلك، فإن سلم أخذه وإلا فلا شيء له، وقال أبو حنيفة يجوز على الغرر والجنين، ولا يجوز على المعدوم مثل ما يحمل نخلها من ثمرة أو تلد ماشيتها، وقال الشافعي لا يصح إلا على ما يجوز أن يكون عوضاً في البيع والإجارة.

стр. 615

ودليلنا قوله تعالى: " فلا جناح عليهما فيما افتدت به "، ولأن الحمل والغرر يصح أن يملك بالوصية والهبة، فجاز أن يكون بدلاً في الخلع كسائر الأعيان، ولأن جهالة قدر الحمل وصفته ليس بأكثر من جهالة مهر المثل، وقد أجازاه، فخالفنا، ولأن الخلع طريقه طريق الهبة والصلة، بخلاف عقود المعاوضات فكأنه بذل لها الصداق ثم وهبت له غررًا مجهولاً. [١٣٢٧] مسألة: يصح الخلع من الأجنبي للزوج، خلافًا لأبي ثور؛ لأن الأجنبي من أهل المعاوضات يصح منه البدل في غير الخلع، فصح في الخلع كالزوجة ولأنه لما كان للزوج أن يطلق بغير شيء كان له أن يطلق بعوض على أجنبي كالخلع. [١٣٢٨] مسألة: وإذا خالعته المريضة بقدر ميراثه منها جاز، وقال ابن نافع عن مالك يجوز بالثلث كفه، وقال الشافعي إن خالعته بقدر مهر مثلها جاز، وكان من رأس المال، وإن كانت زيادة عليه كانت الزيادة في الثلث؛ فدليلنا عليه أن اعتبار مهر المثل في هذا الموضع لا معنى له، ولأنه ليس في معاملته ما يقوم به لما قد بيناه، لأن خروج البضع من ملك الزوج لا قيمة له فيما تبذله المرأة في مقابلته، إنما هو فيما لا قيمة له، وذلك يكون في الثلث كالهبة. [١٣٢٩] مسألة: إذا خالعها بعد الدخول ثم تزوجها في عدتها بصداق مسمى ثم طلقها قبل أن يدخل بها استحقت نصف ذلك المسمى، وقال أبو حنيفة لها جميعه؛ فدليلنا قوله تعالى: " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم "، ولأنه طلاق في نكاح لم تمس فيه فلم تستحق به كمال المهر، أصله المتزوج ابتداء.

стр. 616

[١٣٣٠] مسألة: يجوز خلع الأب عن ولده الصغير، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه إخراج ملك عنه بالعوض فجاز إذا كان فيه الحظ كالبيع، ولأنه لما ملك إنكاحه ابتداء ملك إزالة النكاح عنه بعوض كالبيع، واعتبارًا بالصغيرة، ولأن المصلحة قد تكون له في ذلك، والأب غير متهم عليه. [١٣٣١] مسألة: خلع الأمة إذا كانت مأذونة جائز إذا كان خلع مثلها وكان حظاً، ويكون في مالها دون رقبتها، ودون مال السيد، وإن كانت غير مأذونة، فإن أجازه السيد جاز، وإن رده مضى الطلاق واسترد المال من الزوج ولم يتبعها الزوج بعد العتق، وقال أبو حنيفة يتبعها الزوج إذا عتقت، وإن أذن لها السيد لزمها وبيعت فيه؛ ودليلنا على أنه لا تتبع به إذا كان بغير إذن السيد أن للسيد إذا كان له فسخه عنها كان ذلك كحكم الحاكم يفسخه، كالعبد إذا نكح بغير إذن السيد ففسخه فإنَّ النكاح لا يلزم بعد عتقه، ولأن السيد يملك منع التصرف في ذمة عبده، كما يملك منعه التصرف في ماله، فإذا كان له فسخ العوض في مالها فكذلك في ذمتها؛ ودليلنا على أنه إذا كان بإذن السيد فلا تباع، أن المعاوضة إذا وقعت بمراضاة لم تقع في رقبة العبد كالبيع، ولأنه خلع على مال فلم يتعلق بمال غير من بذله كخلع الحرة، ولأن رقبة الأمة ملك السيد فلا تباع في خلع الزوج كسائر أموال السيد. [١٣٣٢] مسألة: إذا قال خالعتك على ألفين، وقالت بألف، فإن كانت له بينة وإلا فيمينها، وقال الشافعي: يتحالفان ويكون عليها مهر المثل؛ فدليلنا قوله ﷺ : " اليمين على المدعى عليه "، ولأن التحالف موضع الفسخ، وذلك لا يمكن في هذا الموضع، ولأن إيجاب مهر المثل يؤدي إلى أن يأخذ الزوج أكثر مما يدعي.

стр. 617

[١٣٣٣] مسألة: إذا قال لها كنت قد خالعتك أمس بألف ولم تقبلي، وقالت كنت قد قبلت، فالقول قولها، وقال أبو حنيفة القول قول الزوج؛ فدليلنا أنه أقر لها بإيجاب في عقد معاوضة، فكان القول قولها في القبول، أصله لو قال كنت بعتك بالأمس عبدي بألف فلم تقبلي، وقالت كنت قبلت، كان القول قولها. ***

стр. 618

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الطلاق [١٣٣٤] مسألة: الطلاق في الحيض محرم ويلزم إذا وقع، خلافاً لابن علية وبعض أهل الظاهر والرافضية؛ لحديث ابن عمر ﵁ أنه طلق امرأته حائضًا، فقال النبي ﷺ : " مره فليراجعها حتى تطهر"، والرجعة تتضمن نفوذ الطلاق، وفي حديث الليث بن سعد: " فإن كنت طلقتها ثلاثاً فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك " ولأن كل حال تصح الزوجية فيها يصح إيقاع الطلاق فيها كالطهر، ولأنه إزالة ملك مبني على التغليظ والسراية فليس يختص بزمان دون زمان كالعتق. [١٣٣٥] مسألة: إذا طلق في الحيض طلاقاً رجعياً أجبر على

стр. 619

ارتجاعها، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار"، وطلاقها حال الحيض إضرارٌ بها لأنه يطول عليها العدة فيجب إزالته، ولا طريق إلى ذلك [إلا] بالارتجاع، وقوله ﷺ : " مره فليراجعها " وهذا أمر، وهو على الوجوب، ولأن الرجعة إذا تعلقت بضرر كانت تابعة له في الثبوت والانتفاء، ألا ترى أن المعسر بالنفقة إذا طلق عليه فارتجع فإن مراجعتها معتبرة بيسره، فإن دام إعساره لم تصح، فإن في إثباتها إضرارًا بها، كذلك المولي، فإذا قد ثبت ذلك وجب في هذا الموضع إذا كان في منع الرجعة لخوف ضررٍ بها أن يزال بارتجاعها لزوال الضرر عنها. [١٣٣٦] مسألة: والجمع بين الطلاق الثلاث في كلمة واحدة بدعة، ويلزم إن وقع، وقال الشافعي هو مباح ليس بممنوع، وقال بعض أهل الظاهر لا يقع أصلاً، وبعض المبتدعة يذهب إلى أنه يقع به واحدة. ودليلنا على أنه بدعة قوله تعالى: " فطلقوهن لعدتهن " الآية، فأمر بالطلاق للعدة، وقرنه بما دل به على أن المراد به الطلاق الرجعي، لقوله تعالى: " لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا "، أي ندمًا، فيكون للمطلق طريق إلى تلافيه بالارتجاع، ثم وصفه بما يقتضي الإثم، وهو قوله تعالى: " ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه " فدل على ما قلناه؛

стр. 620

وحديث الحسن عن ابن عمر أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو أطلقها ثلاثاً؟ قال: " إذا بانت منك، وعصيت ربك "، وحديث محمود بن لبيد الأنصاري قال: أخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جمعًا، فقام غضباناً فقال: " تلاعبٌ بكتاب الله وأنا بين أظهركم " وهذا كالنص، ولأنه بين هذا الغضب لهذا الفعل الذي هو الجمع بين الثلاث في كلمة واحدة، ولأنه سبب يحرم البضع بفعله من غير حاجة فوجب كونه ممنوعًا، أصله الظهار، ولأن الجمع بين الثلاث يتعلق به الندم في الغالب، وله مندوحة عنه فكان المنع متعلقاً به كالطلاق في الطهر الذي تمسُّ فيه، ولأن الطلاق يتضمن وقتاً وعددًا، فإذا جاز أن يؤثر المنع في الوقت لحق المرأة، وهو أنه يطول عليها فمنع من ذلك ليزيل الضرر عنها، جاز أن يؤثر في العدد لحق الزوج، وهو الندم الذي يلحقه ليزول الضرر برفعه. [١٣٣٧] فصل: ودليلنا على لزومه قوله تعالى: " لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا "، يعني الندم الذي يمكن تلافيه بالرجعة، فأمرنا أن نطلق ما نملك معه الرجعة لئلا يلحقنا ندم عليه، فلا يكون لنا سبيل إلى تلافيه، فلولا أنه يقع إذا أوقعناه على هذا الوجه وإلا لم يكن لهذا القول معنى، لأن ما يحدث يمكن تلافيه بالرجعة على قول من يقول يقع واحدة،

стр. 621

أو لا يؤثر على قول من يقول لا يقع جملة، ولقوله تعالى: " وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقذ ظلم نفسه " وهذا موضوعه الزجر عن الفعل والردع عنه، فلولا أنه واقع وإلا لم يصفه بأنه ظالم نفسه لأنه كان يكون لغوًا، واللاغي لا يقال له ذلك، وحديث ركانة أنه طلق امرأته البتة، فقال له رسول الله ﷺ : " ما نويت؟ " فقال له: واحدة، فقال: " الله " قال: الله، قال: " هو ما نويت " فلو كان ما زاد عليها غير واقع لم يكن لإحلافه معنى، وحديث الحسن عن ابن عمر، وقد ذكرناه أنه طلق امرأته فقال: يا رسول الله أرأيت لو أني طلقتها ثلاثاً أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: " لا، كانت تبين منك وتكون معصية "، وهذا نص، وروى ابن المسيب أن رجلاً من أسلم طلق امرأته ثلاثاً جمعًا، فقيل له: إن لك عليها رجعة، فدخلت امرأته على رسول الله ﷺ وأخبرته أنه طلقها ثلاثاً في كلمة واحدة، فقال: " قد بنت منه، ولا ميراث بينكما "، ولأن كل ملك يزول بإزالته مفترقاً فإنه يزول بإزالته مجتمعًا، أصله إعتاق العبيد، ولأن الزوج يملك بالعقد الطلاق الثلاث فلا يخلو أن يكون ملك إيقاعها متفرقة، أو مجتمعة، أو كيف شاء من جمع أو تفريق، فلو كان لا يملك إلا مفترقاً لم يجز أن يملك غير المدخول بها لامتناع تفريق الثلاث عليها في العقد الواحد، فدل أنه ملكه مجتمعاً ومفترقاً، ولأن الطلاق تابع للنكاح بدليل أنه لا يثبت حكمه قبل وجوده، وقد ثبت جواز العقد على أربع نسوة بعقد واحد، وعقود متفرقة، وكذلك يجب إيقاع الثلاث بلفظ واحد وبثلاثة ألفاظ؛ ودليلنا

стр. 622

على أنه يقع للجميع ما ذكرناه، ولأن كل من لزمه حكم الثلاث متفرقات لزمه حكمها مجتمعات كالمطلق ثلاث نسوة بلفظ واحد. [١٣٣٨] مسألة: طلاق السنة واحدة، ولا يطلق في كل طهر [أكثر من] طلقة، فإن فعل فالأولى للسنة، والأخريان للبدعة، وقال أبو حنيفة طلاق السنة أن يطلق ثلاثاً، في كل طهر طلقة قبل الجماع؛ فدليلنا قوله تعالى: " فطلقوهن لعدتهن " وذلك يوجب أن يطلق طلاقاً يوجب عدة في حال تعتد منه، وهذا الطلاق الثاني والثالث لا يوجب عدة فكان موقعًا على خلاف المأمور به، ولأنه تعالى قال عقيبه: " لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا .. فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف "، وذلك يفيد ما دون الثلاث، لأن الثلاث لا رجعة فيها، ولا يمكن تلافيها، ولأنه أردف طلاقاً من غير ارتجاع فلم يكن للسنة، أصله إذا طلق في الطهر الواحد ثلاثاً، ولأنه طلاق لمدخول بها لا يوجب عدة فلم يكن للسنة، أصله ما ذكرناه، ولأنَّ المعنى الذي له لا يمكنه تلافيه بالرجعة، وهذا موجود في المطلق ثلاثاً في كل طهر تطليقة، لأن تفريقه لا يخرجه عن الندم. [١٣٣٩] مسألة: اليائسة والصغيرة المدخول بهما يطلقهما أي وقت شاء، وقال زفر إذا دخل بهما فلا يطلقهما حتى يفصل بين الجماع والطلاق بشهر؛ فدليلنا قوله تعالى: " فطلقوهن لعدتهن "، وقوله ﷺ في حديث ابن عمر: " ليطلقها طاهرًا من غير جماع، أو حاملاً قد استبان حملها "، فأباح طلاق الحامل لظهور الحمل، وذلك يقتضي أنه إذا جامعها وحملها

стр. 623

ظاهر فله أن يطلقها عقيب الجماع واحدة لا يفصل بين الحامل والحائل في ذلك، ونقيس عليها فنقول: لأنها ممن تعتد عقيب الجماع وتعرف عدتها، فجاز طلاقها في تلك الحال كالحائل، ولأنه فصل لا يستفاد به السلامة من طلاق في طهر جومع فيه أو لا يستفاد منه معرفة جنس العدة فلم يحتج إليه، أصله ما زاد على الشهر. [١٣٤٠] مسألة: إذا طلق واحدة للسنة، ثم ارتجعها، ثم أراد أن يطلقها في ذلك الطهر، فذلك له إذا لم يقصد الإضرار بها، وقال أبو يوسف ليس له ذلك، فدليلنا قوله تعالى: " فطلقوهن لعدتهن "، ولأنه طلاق يوجب عدة غير ملتبسة في طهر لزوجة كالمبتدأة. [١٣٤١] مسألة: إذا طلقها حائضًا، فراجعها، فطهرت، لم يطلقها حتى تحيض ثم تطهر، وحكى الكرخي عن أبي حنيفة أن له أن يطلقها في الطهر الذي يلي الحيض الذي طلقت فيه؛ فدليلنا قوله ﵇: " مره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلّق، وإن شاء أمسك ". [١٣٤٢] مسألة: إذا كانت له أربع نسوة فقالت له إحداهن: طلقني، فقال كل امرأة لي طالق، أو قال كل نسائه طوالق، فأطلق ذلك، طلقت السائلة وغيرها إلا أن يعلم من قصده أنه أراد غير السائلة، وحكى الأسفراييني عنا أن السائلة لا تطلق ويطلق من سواها، وأخطأ علينا في ذلك كعادته فيما يحكيه عنا وعن غيرنا، فنقول الآن قوله: نساؤه طوالق لفظ عام يتناول جميع نسائه، فوجب حمله على عمومه، أصله إذا قاله ابتداء.

стр. 624

[١٣٤٣] مسألة: إذا قال لها أنت طالق، ونوى ثلاثاً، كانت ثلاثاً، خلافاً لأبي حنيفة في قوله تكون واحدة؛ لأنها صيغة محتملة للعدد قابلة له، واللفظ إذا احتمل شيئاً فنوى به قُبِل من ناويه اعتبارًا بقوله أنت الطلاق، ولأنَّ قوله أنت طالق نعت اسم الفاعل من طلقت، فهي طالق، فهو كقولك: زيد ضارب وقاتل، ومعلوم أن ذلك يصحُّ للواحد والاثنين والثلاثة، فكذلك طالق، ولأن المطلّقة ثلاثاً تشارك المطلّقة واحدة في الوصف لها بأنها طالق، وإذا كان الاسم مستعملاً فيها فدلَّ على قبوله بعدد طلاقها، ولأن قوله: أنت طالق، نعت لمصدر محذوف تقديره أنت طالق طلاقاً، وذلك المصدر قابل للعدد باتفاقنا، وإظهاره كتركه، لأنه معلوم من اللفظ، فإذا كان المصدر قابلاً للعدد جاز أن يوصف نعتاً بما يصحّ أن يقبله لو أظهره، ولأن الاتفاق حاصل على أنه إذا قال: أنت طالق ثلاثاً طلقت ثلاثاً، وليس يخلو قولنا ثلاثاً من أن يكون تفسيرًا، أو بياناً لما أبهم من عدد قوله: أنت طالق، أو كلاماً مبتدأ، أو أن يكون لمجموعهما صيغة مبنية لإفادة الطلاق الثلاث؛ فإن كان تفسيرًا فذلك ما نقوله، لأنّه لو لم يحتمله لم يكن مفسّرًا له؛ وإن كان مبتدأ فذلك باطل، لأنه لو كان مبتدأ لامتنع إيقاعه على التي لم يدخل بها، لأنه يرد عليه بعد البينونة، ولأنه نصب على التمييز كقوله: عشرون درهمًا، ولأنه ليس بمستقل بنفسه فلم يكن مبتدأ، أو لأنه يوجب إذا قال أنت طالق اثنتين أن يطلق ثلاثاً، وكل ذلك يبطل أن يكون مبتدأ؛ وإذا كان لمجموعه صيغة مبنية فذلك شاهد لنا، لأن اسم الصيغة إذا صحّ بيان العدد المراد به قوله: أنت بائن لفظاً، صحّ

стр. 625

بيانه فيه كقوله: أنت بائن وأنت الطلاق، ولأنّ كل لفظ ملك الطلاق لو صرح فيه بالثلاث لصح استعماله فيه، فكذلك إذا أراد به أصله أنت بائن وأنت الطلاق ولأن كل لفظ ملكت المرأة به إيقاع الثلاث إذا جعل إليها فإن الزوج يملكه، أصله أنت الطلاق، ولأن كل منحصر يملك إيقاع الثلاث بالصريح ملكه بقوله أنت طالق البتة، أصله المرأة إذا وكلها الزوج. [١٣٤٤] مسألة: قد أكثر أصحاب الشافعي من ذكر الطلاق، وكنايته، ويرجعون في معنى الصريح أنه ما لا يحتاج في وقوع الطلاق به إلى نية، وأنّ الكناية ما لا يقع الطلاق به إلا بنية، وهذا إذا كان مراعى في أنه في معنى الصريح والكناية في اللغة؛ وفائدة الفرق بينهما في الاسم كلمناهم فيه، ولكن لا يتعلّق بالحكم وإن كان الغرض ما يفتقر من الألفاظ إلى نية، وما لا يفتقر إليها حصل الكلام في أعيان المسائل، إلا أنا نتكلم على ما أوردوه، فعندنا أن صريح الطلاق ما يتضمّن لفظ الطلاق إما بالإيقاع كقوله: أنت طالق، وبالإخبار عن فعل، مثل قوله: قد طلقتك، أو بوصفه بأنّها مفعولة بها كقوله: أنت مطلّقة، أو بوصفها بالمصدر كقوله أنت الطلاق، أو ما يتضمّن صريح الطلاق نطقاً، وما عداه كناية، مثل قوله فارقتك، وسرحتك، وبائن، وخلية، وبرية، وما أشبه ذلك، ومن أصحابنا من يقول كل هذا صريح، ويدخل معهم في أنّ الفرق بين الصريح والكناية ما يدّعونه، وهذا أقلّه علم باللغة وفوائد الكلام. وأصحاب الشافعي يزعمون أن الصريح من الألفاظ ثلاثة، وما عداهن

стр. 626

كناية، فالصريح عندهم: الطلاق، والفراق، والسراح، والكلام معهم في موضعين: أحدهما معنى الصريح والكناية، و [الثاني] هذه الألفاظ تفتقر إلى نية أو لا تفتقر إليها. ودليلنا على الفصل الأول، أن الصريح ما دل على معناه بنفسه، ولم يحسن أن يستفسر عنه بلفظه، والكناية ما يحسن ذلك فيه، وتبيين ذلك أن قوله: معي درهم، صريح في الدراهم، ولا يحسن أن يستفسر عنه هل أراد به الدراهم أم لا، لأنه صريح فيه، ولو قال معي شيء أو مال أو ما ينفق أو شيء منقوش، لحسن أن يقال هل هو درهم أو غيره، لأنّ ذلك كناية، وليس بصريح، ثم وجدنا قوله: أنت طالق، من هذا القبيل، أنه لا يحسن أن يقال: أيُّ شيء أردت بقولك أنت طالق، على أن يستفسر على جنس الشيء الموقع دون عدده، ولو قال قد فارقتك لحسن أن يقال أي فرقة أردت، وهل أردت فرقة الطلاق، أو فرقة عن شركة بينهما، أو فرقة المحاسبة، أو غير ذلك فصحّ ما قلناه. ودليلنا على الفصل الآخر، وهو قوله: قد فارقتك وسرّحتك، يفتقر إلى نية لأنّها كناية، أن كل لفظ يحسن أن يفسر بغير نطقه صلح أن يكون كناية عمّا يفسّر به، أصله قوله: أنت خلية أو برية، ولأنّه لفظ فرقة من غير نطقه عن الطلاق فكان كناية، أصله قوله: خليتك، ولأنه لفظ مستعمل في الطلاق وغيره من غير اختصاص فلم يكن صريحًا، أصله قوله: أنت خلية أو برية. [١٣٤٥] فصل: والكنايات الظاهرة مثل قوله: أنت خلية، وبرية، وحرام وبائن، وما أشبه ذلك، فإذا قال لها مبتدئاً أو مجيباً لها عن مسألتها إياه الطلاق، يكون طلاقاً ولا يقبل منه إن قال لم أرد به، وقال الشافعي: القول قوله في الموضعين؛ فدليلنا أن العرف جار بأن الناس يطلقون بهذه الكنايات كما يطلقون بالصريح، وعرف اللّغة والشرع جار بذلك، فإذا قال

стр. 627

ذلك ابتداء فيجب أن يحمل على ما جرى به عرف الشرع، وظاهر المراد بهما، وكذلك إذا قال مجيباً عن مسألتها إياه الطلاق. [١٣٤٦] فصل: إذا نوى بشيء من هذه الكنايات الظاهرة أنت خلية، وبرية، وبتة، وبائن، وحرام، أنه أراد بها دون الثلاث لم يقبل منه في المدخول بها إلا أن يكون في خلع، ويقبل في غير المدخول بها إن ادعاه إلا في البتة فاختلف قوله فيها، وعند الشافعي أنه يقبل منه كل ما يدعيه في ذلك من أصل الطلاق وأعداده؛ فدليلنا أن قوله: أنت حرام، أو بائن، وبتلة، وبتة، وخلية، وبرية إيقاع طلاق يتضمن هذه الصفات، فكأنه قال: أنت طالق طلاقاً تبين به مني وبتت العصمة بيني وبينك، وتخلو به من زوجك، ويتبرأ به أحدهما من الآخر وهذا لا يكون في المدخول بها إلا ثلاثاً، فإذا ادعى أنه أراد دون الثلاث كان رجوعًا فيما أوقع فلم يقبل منه. [١٣٤٧] فصل: إذا قال: اعتدّي، وقال نويت ثلاثاً، قبل منه، وقال أبو حنيفة لا يكون إلا واحدة؛ فدليلنا أنه لفظ كناية عن الطلاق يصلح أن يكون عبارة عما أخبر أنه أراد به، فوجب صرفه إلى ما ذكرناه. [١٣٤٨] مسألة: إذا قال: أنا طالق منك، كان طلاقاً، وقال أبو حنيفة لا يكون طلاقاً؛ فدليلنا أن كل لفظ استعمل في الطلاق مضافاً إلى الزوجة كان طلاقاً، فكذلك إذا أضافه الزوج إلى نفسه، أصله قوله: أنا منك بائن، وأنا عليك حرام. [١٣٤٩] مسألة: إذا قال أنت مطلقة، كان صريحاً في الطلاق، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنه إخبار عن وقوع الطلاق عليها، كقوله: قد طلقتك. [١٣٥٠] مسألة: إذا كتب الطلاق بيده وأراد به الطلاق، كان طلاقاً، وقال الشافعي في أحد قوليه لا يكون طلاقاً فدليلنا أن الكتابة مواضعة يعتبر

стр. 628

بها عما في القلب، فجاز أن يقع بها الطلاق كاللفظ، ولأنها حروف تنبني على المراد، ولأنه عمل جارحة يفهم منه الطلاق كالنطق، ولأن الكتابة تسمى كلاماً في حق الغائب، ولأنه لو حلف: لا أكلمه، فكتب إليه حنث، وكذلك إشارة الأخرس بيان له. [١٣٥١] فصل: إذا طلق من غير لفظ ولا عمل جارحة، ففيها روايتان: إحداهما أنه لا يقع طلاقاً، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، والصحيح أن الطلاق يقع؛ ودليلنا عليه أن الطلاق فراق يفتقر إلى قصد القلب وانطوائه به عليه، وحد النطق به الإخبار عن وقوعه، فوجب إذا عدم ذلك ألا يؤثر كالإيمان والكفر، ولأنّا وجدنا الاعتقاد بمجرده له تأثير في تحريم الزوجة وفرقة الزوجية بدليل الكفر. وتحرير علة أصحابنا أن نقول لأن تحريم الزوجية معنى يتعلق به حق الله تعالى على التجريد، [ليس] للفظه تأثير في وقوع البينونة، فأشبه اعتقاد الكفر. [١٣٥٢] مسألة: لفظ الطلاق كناية في العتق، وكذلك كل لفظ صح مع استعماله في الطلاق فصح استعماله في العتق، وقال أبو حنيفة لا يصح استعمال شيء من ألفاظ الطلاق في العتق إلا قوله: لا سلطان لي عليك، ولا ملك لي عليك؛ فدليلنا أن كل لفظة صح استعمالها في الطلاق صح استعمالها في العتق، كقوله: لا سلطان لي عليك ولا ملك، ولأن الطلاق لفظ مبني على التغليب والسراية فجاز أن يكون في العتق كناية، دليله لفظ العتق في كنايته عن الطلاق. [١٣٥٣] مسألة: إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثاً، طلقت ثلاثاً، خلافاً لابن علية في قوله لا تطلق إلا واحدة؛ لحديث ابن عمر أنه قال: يا رسول الله، أرأيت لو كنت طلقتها ثلاثاً، قال: " كانت تبين منك

стр. 629

وتكون معصية "، ولم يفصل، ولأنها حال زوجية كبعد الدخول، ولأن قوله "ثلاثاً" تفسير لمراده بقوله: أنت طالق، بدليل أنه لو اقتصر على قوله أنت طالق، وقال: أردت به الثلاث لقبل منه، وإذا كان كذلك وجب وقوعه. [١٣٥٤] مسألة: إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، بألفاظ متناسقة، طلقت ثلاثاً، وقال أبو حنيفة والشافعي يقع واحدة، فدليلنا أن كل زوج ملك إيقاع الطلاق ثلاثاً عليها بلفظ واحد صح أن يوقعه بثلاثة ألفاظ متناسقة، كالمدخول بها، ولأن التناسق في حكم المجموع بلفظ واحد أن يوقعه بثلاثة ألفاظ متناسقة، والله أعلم. [١٣٥٥] مسألة: طلاق المكره غير واقع، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله ﷺ : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "، وقوله ﷺ : " لا طلاق في إغلاق " وقال أبو عبيد: الإغلاق الإكراه، ولأنه لفظ حمل عليه بغير حق فلم يلزم به طلاق، أصله إذا أكره على الإقرار بالطلاق، وهذه عبارة أصحابنا، وأسد منها عندي أن يقال: لأنه لفظ لو عري من الإكراه للزم به الطلاق، فإذا وجد مع الإكراه لم يلزم به، أصله لفظ الإقرار بالطلاق ولأن كل حال لم يثبت معها حكم الإقرار بالطلاق لم يثبث معها حكم إيقاعه كالصغير والمجنون، ولأنه معنى يؤثر في البينونة، فإذا وجد التلفظ مع الإكراه لم يكن له حكم، أصله الإرتداد، ولأن كل عقد ينفي الإكراه لزوم الإقرار به، كذلك ينفي لزوم إنشائه كالبيع.

стр. 630

[١٣٥٦] مسألة: طلاق السكران واقع، خلافاً للمزني وبعض أصحاب أبي حنيفة وداود؛ لأن أحكام المكلف متعلقة بأفعاله التي توجب أحكاماً عليه بدليل أنه يحد إذا زنا أو قذف أو شرب، فإذا ثبتت هذه الجملة قلنا: كل من يحد إذا وجد لفظ القذف منه فإن طلاقه واقع كالصاحي، ولأن كل حال لا يمنع حد القذف فلا يمنع نفوذ الطلاق كالصحو، ولأن كل حال لو ترك الصلاة فيها لزمه قضاؤها مع الإثم، فكذلك إذا طلق بمحل الصحو. [١٣٥٧] مسألة: إذا طلق إلى أجل آت لا محالة كمجيء السنة والشهر، وقع الطلاق منجزًا، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يقع إلا عند مجيء الأجل، فدليلنا أن كل توقيت لإباحة الوطء بأجل لا بد أن يأتي فإن الاستباحة تنتفي معه كالنكاح في المتعة. [١٣٥٨] مسألة: إذا قال: يدك أو رجلك أو شعرك طالق، طلقت، وقال أبو حنيفة لا تطلق إلأ أن يذكر عضوًا يعبر عن جملة البدن كالرأس والفرج؛ فدليلنا أنه عضو أو بعض من بدنها كالرأس والفرج، ولأنه مطلق لبعضها فوجب أن يسري إلى الجملة كالجزء الشائع. [١٣٥٩] مسألة: إذا طلق بعضها طلقت، خلافاً لداود؛ لأنه مكلف تلفظ الطلاق لزوجته، فثبت حكمه، أصله إذا أضافه إلى جملتها أو النصف. [١٣٦٠] مسألة: إذا قال: أنت طالق نصف تطليقة، طلقت تطليقة واحدة كاملة؛ لأنه تلفظ بنصف ما لا ينتصف مما ينبني على التغليب، فاقتضى التكميل كالعتق إذا قال: أنت حر نصف عمرك. [١٣٦١] مسألة: الاستثناء بمشيئة الله في الطلاق لا تؤثر، وكذلك اشتراطها، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ فدليلنا على أن الاستثناء بها لا يؤثر قوله ﷺ : " من حلف بالله ثم استثنى رجع غير حالف "، فقصر

стр. 631

ذلك على اليمين بالله، فدل على أن غيرها بخلافها، ولأن الاستثناء في حال المستقبل المترقب دون الماضي، لأنه حل عقد، والعقد لا يتناول الماضي، فإذا ثبت ذلك وكان قوله: أنت طالق، لفظ إيجاب وإيقاع، سواء أفرد أو علق بشرط، امتنع دخول الاستثناء عليه، لأنه لا مجال له في رفع ما قد وقع ووجب على ما بينا، ولأنه معنى يرفع حكم اليمين فلم يكن له تأثير في رفع الطلاق كالكفارة، ولأنه أضعف من الكفارة لأن كل يمين دخلها الاستثناء صح أن تدخلها الكفارة، وقد تدخل الكفارة فيما لا يدخله الاستثناء، ولأنه استثناء وقع جميعه في الحال والمال، كقوله: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلثاً. ودليلنا على أن اشتراطه لا يؤثر أنه لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون لنا طريق إلى العلم بوقوعه، أو لا طريق لنا إلى العلم به، فإن كان لنا طريق إلى العلم به، فيجب وقوف الحكم على وجوده، ومن قولهم أنه لا يقف أصلاً بل نقطع على انتفاء حكم اللفظ من غير تثبيت ولا ترقب، فإن اللفظ كأنه لم يكن، ولأن الاعتبار في حصول مشيئة الله في أفعال عباده ووقوعها، لأن ما شاءه منها كان وما لم يشأه لم

стр. 632

يكن، وإن كان لا طريق لنا إلى العلم بوقوعه وجب تنجز الطلاق، لأن تعليق الطلاق بما لا يعلم وقوعه من الشروط هزل، كقوله: أنت طالق إن كان الله تعالى خلق اليوم في السماء الرابعة ملك بألف جناح، أو في قعر بحر القلزم حوت طوله ألف ذراع، أو ما أشبه ذلك من والهزل. [١٣٦٢] مسألة: المريض المخوف عليه الذي لا يحتاج إلى استمتاع لا يجوز نكاحه، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه محجور عليه أن يخرج ماله على غير معاوضة فيما لا حاجة به إليه لحق الورثة، والنكاح يتضمن إخراج المال بالمهر والنفقة، ولأن كونه محجورًا عليه لحق الورثة يقتضي منعه أن يدخل عليهم وارثاً لأنه إخراجٌ لهم من بعض الميراث، ولأن كل ما يتعلق بإخراج الوارث عن الميراث فلا يجوز في المرض، أصله الطلاق، وهذا التعليل يمنع الميراث مع أبي حنيفة. [١٣٦٣] مسألة: المطلقة المبتوتة في المرض ترث عندنا، وقال الشافعي لا ترث؛ فدليلنا إجماع الصحابة، لأنه مذهب عمر، وعثمان، وعلي،

стр. 633

وأبي بن كعب، وابن الزبير، ولا مخالف لهم، ولأنه قد حجر عليه لحق ورثته، فلم يملك إخراجهم من الميراث، لأنه لو ملك ذلك لم يوقع الحجر عليه من أجلهم شيئاً، لأن ذلك يناقض استحقاق الحجر عليه، ولأنها فرقة في حال الغير يصرفه فيها من الثلث فلم تقطع الإرث، أصله الفرقة بالموت، ولأن التهمة معنى معتبر في باب الميراث ومنع ما قصدت به بدليل منع قاتل العمد من الميراث، والمطلق في المرض متهم باأنه قصد إخراجها من الميراث فعوقب بمنعه مما قصده. [١٣٦٤] فصل: لا فرق بين أن يكون الطلاق قبل الدخول أو بعده، ولا بين بقاء العدة وزوالها، ولا فرق بين أن تتزوج أو لا تتزوج، وقال أبو حنيفة لا ترث المطلقة قبل الدخول ولا بعد العدة في المدخول بها، وقال الشافعي في بعض أقاويله ترث وإن خرجت من العدة ما لم تتزوج. فدليلنا على أبي حنيفة أنها مطلقة في المرض ثبت لها حق الحجر عليه، فإذا مات من مرضه ذلك ورثته مع سلامة الحال، أصله إذا مات في العدة، ولأن الطلاق صادف سبب الإرث وهو ثبوت الحجر عليه من أجلها فخروجها من العدة بعد وجوبه لها لا يسقط كما لو مات ثم ارتدت، ولأن توريثها إنما ثبت عقوبة له لقصده الفرار منه فلم يتعلق ذلك بالعدة حسماً للباب. [١٣٦٥] فصل: ودليلنا على أنها ترث وإن تزوجت، خلافاً للشافعي، لأن الميراث إذا وجب لها بإخراجه إياها منه وثبوت حقها بالحجر عليه،

стр. 634

وهذا موجود مع تزويجها، فلم يكن لاعتبار التزويج معنى كما لم يكن في اعتبار العدة معنى. [١٣٦٦] فصل: إذا صح من مرضه ثم مات فلا ترثه، خلافاً لزفر في قوله ترثه ما كانت في العدة؛ لأنه إذا صح فقد زال الحجر عنه، وصار كمن طلق في الصحة ثم مرض فمات، ولأن المرض الذي لا يتصل بالموت جار مجرى الصحة يدل عليه أن ما تصرف فيه مما كان موقوفاً على الثلث ينفذ مع الصحة فكان كالمطلق في الصحة فيمرض ثم يموت في العدة فلا ترث، ولأنها قد أتت عليها حال قطعت إرثها، وهي حال صحة المطلق فلم يعد إرثها من بعد، كما لو ارتدت في العدة، ثم أسلمت فإنها لا ترثه. [١٣٦٧] مسألة، فصل: وإن سألته الطلاق وهو مريض فطفلها ورثته، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن عثمان ورث امرأة عبد الرحمن بن عوف لما طلقها في المرض، وقد سألته، ولأنه لما ثبت وجوب الميراث بالطلاق في المرض لأجل التهمة بإخراجها من الميراث، فلم يفترق الحكم بين إذنها وعدمه، لأن الإذن في باب سقوط الميراث غير معتبر، بدليل أن الوارث لو قال لست أحتاز له إرثاً لم يلتفت إلى قوله وورث، ولأن الإنسان قد يضيق على زوجته حتى تسأله الخلع، فحسم الباب بتوريثها في المرض على كل وجه، ولأنها مطلقة في المرض كالتي لم تسأل. [١٣٦٨] مسألة: إذا قال طلقي نفسك ثلاثاً فطلقت واحدة لم يقع، خلافاً للشافعي؛ لأنها أوقعت غير ما جعل إليها فلم يقع، كالوكيل إذا وكل في شيء ففعل غيره. [١٣٦٩] مسألة: إذا قال لها طلقي نفسك واحدة فطلقت ثلاثاً، وقعت

стр. 635

واحدة؛ لأنها فعلت ما أذن لها فيه كما لو اقتصرت فيه، والزيادة لغو، وحكى الأسفرائيني عنا أنا نقول لا يقع شيء، وهذه عادته في التحريف على الناس. [١٣٧٠] مسألة: إذا تيقن الطلاق وشك لم يعلم كم أوقع منه، وقال أنت طالق وشك في مراده من العدد، فإن لم يتحقق كان ثلاثاً، وقال أبو حنيفة والشافعي يكون واحدة؛ فدليلنا أنه قد تيقن التحريم وشك هل ترفعه الرجعة أم لا، فحصل شاكاً في هذه العين هل يمكنه أن يرفع أو لا يمكن، فيجب مع تيقن التحريم ثم تغليب حكم الأعلى من التحريمين، أصله إذا شك في إحدى امرأتين أيتهما أخته من الرضاعة مع تحقيقه ذلك في إحداهما، لأن التحريم مغلب في الأحوال، مثل أن يشك في شاة أنها مذكاة أو ذبح مجوسي، ولأن هذا مبني على أنه إذا طلق واحدة من نسائه وشكَّ في عينها أنه يحكم بجميع طلاقهن، فنقول: لأنه نوع من المقصود باللفظ بالطلاق فوجب إذا شك في عدده أو في عين مراده أن يحكم بإرادته بجميعه، أصله إذا طلق واحدة من نسائه وشك في عينها، ولأنه شك في أحد مقصودي اللفظ هل أراد به بعضه أو كله، فيجب أن يحكم بأنه أراد جميعه، أصله إذا قال لزوجاته وهن أربع أنتن طوالق، وشك هل أراد الأربع أو ثلاثاً منهن. [١٣٧١] مسألة: الطلاق معتبر بالرجال دون النساء، فالعبد يطلق اثنتين، كانت زوجته أمة أو حرة، وقال أبو حنيفة الطلاق معتبر بالنساء، فالحرة تطلق ثلاثاً كان زوجها حرًا أو عبدًا، وطلاق الأمة طلقتان كان زوجها حرًا أو عبدًا؛ فدليلنا أنه معنى ذو عدد فكان كماله ونقصانه معتبرًا بمن يفعله أو بمن يضاف إليه فعله، أصله العدة، وإن خفت أن يدخل عليه القسم في إحدى الروايتين زدت في العدة يقع به البينونة، وعبارة أخرى أنه
следующие страницы →