← Фикх малики

Фикх малики · id 14245

الإشراف على نكت مسائل الخلاف

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (912 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ذلك على اليمين بالله، فدل على أن غيرها بخلافها، ولأن الاستثناء في حال المستقبل المترقب دون الماضي، لأنه حل عقد، والعقد لا يتناول الماضي، فإذا ثبت ذلك وكان قوله: أنت طالق، لفظ إيجاب وإيقاع، سواء أفرد أو علق بشرط، امتنع دخول الاستثناء عليه، لأنه لا مجال له في رفع ما قد وقع ووجب على ما بينا، ولأنه معنى يرفع حكم اليمين فلم يكن له تأثير في رفع الطلاق كالكفارة، ولأنه أضعف من الكفارة لأن كل يمين دخلها الاستثناء صح أن تدخلها الكفارة، وقد تدخل الكفارة فيما لا يدخله الاستثناء، ولأنه استثناء وقع جميعه في الحال والمال، كقوله: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلثاً. ودليلنا على أن اشتراطه لا يؤثر أنه لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون لنا طريق إلى العلم بوقوعه، أو لا طريق لنا إلى العلم به، فإن كان لنا طريق إلى العلم به، فيجب وقوف الحكم على وجوده، ومن قولهم أنه لا يقف أصلاً بل نقطع على انتفاء حكم اللفظ من غير تثبيت ولا ترقب، فإن اللفظ كأنه لم يكن، ولأن الاعتبار في حصول مشيئة الله في أفعال عباده ووقوعها، لأن ما شاءه منها كان وما لم يشأه لم

стр. 632

يكن، وإن كان لا طريق لنا إلى العلم بوقوعه وجب تنجز الطلاق، لأن تعليق الطلاق بما لا يعلم وقوعه من الشروط هزل، كقوله: أنت طالق إن كان الله تعالى خلق اليوم في السماء الرابعة ملك بألف جناح، أو في قعر بحر القلزم حوت طوله ألف ذراع، أو ما أشبه ذلك من والهزل. [١٣٦٢] مسألة: المريض المخوف عليه الذي لا يحتاج إلى استمتاع لا يجوز نكاحه، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه محجور عليه أن يخرج ماله على غير معاوضة فيما لا حاجة به إليه لحق الورثة، والنكاح يتضمن إخراج المال بالمهر والنفقة، ولأن كونه محجورًا عليه لحق الورثة يقتضي منعه أن يدخل عليهم وارثاً لأنه إخراجٌ لهم من بعض الميراث، ولأن كل ما يتعلق بإخراج الوارث عن الميراث فلا يجوز في المرض، أصله الطلاق، وهذا التعليل يمنع الميراث مع أبي حنيفة. [١٣٦٣] مسألة: المطلقة المبتوتة في المرض ترث عندنا، وقال الشافعي لا ترث؛ فدليلنا إجماع الصحابة، لأنه مذهب عمر، وعثمان، وعلي،

стр. 633

وأبي بن كعب، وابن الزبير، ولا مخالف لهم، ولأنه قد حجر عليه لحق ورثته، فلم يملك إخراجهم من الميراث، لأنه لو ملك ذلك لم يوقع الحجر عليه من أجلهم شيئاً، لأن ذلك يناقض استحقاق الحجر عليه، ولأنها فرقة في حال الغير يصرفه فيها من الثلث فلم تقطع الإرث، أصله الفرقة بالموت، ولأن التهمة معنى معتبر في باب الميراث ومنع ما قصدت به بدليل منع قاتل العمد من الميراث، والمطلق في المرض متهم باأنه قصد إخراجها من الميراث فعوقب بمنعه مما قصده. [١٣٦٤] فصل: لا فرق بين أن يكون الطلاق قبل الدخول أو بعده، ولا بين بقاء العدة وزوالها، ولا فرق بين أن تتزوج أو لا تتزوج، وقال أبو حنيفة لا ترث المطلقة قبل الدخول ولا بعد العدة في المدخول بها، وقال الشافعي في بعض أقاويله ترث وإن خرجت من العدة ما لم تتزوج. فدليلنا على أبي حنيفة أنها مطلقة في المرض ثبت لها حق الحجر عليه، فإذا مات من مرضه ذلك ورثته مع سلامة الحال، أصله إذا مات في العدة، ولأن الطلاق صادف سبب الإرث وهو ثبوت الحجر عليه من أجلها فخروجها من العدة بعد وجوبه لها لا يسقط كما لو مات ثم ارتدت، ولأن توريثها إنما ثبت عقوبة له لقصده الفرار منه فلم يتعلق ذلك بالعدة حسماً للباب. [١٣٦٥] فصل: ودليلنا على أنها ترث وإن تزوجت، خلافاً للشافعي، لأن الميراث إذا وجب لها بإخراجه إياها منه وثبوت حقها بالحجر عليه،

стр. 634

وهذا موجود مع تزويجها، فلم يكن لاعتبار التزويج معنى كما لم يكن في اعتبار العدة معنى. [١٣٦٦] فصل: إذا صح من مرضه ثم مات فلا ترثه، خلافاً لزفر في قوله ترثه ما كانت في العدة؛ لأنه إذا صح فقد زال الحجر عنه، وصار كمن طلق في الصحة ثم مرض فمات، ولأن المرض الذي لا يتصل بالموت جار مجرى الصحة يدل عليه أن ما تصرف فيه مما كان موقوفاً على الثلث ينفذ مع الصحة فكان كالمطلق في الصحة فيمرض ثم يموت في العدة فلا ترث، ولأنها قد أتت عليها حال قطعت إرثها، وهي حال صحة المطلق فلم يعد إرثها من بعد، كما لو ارتدت في العدة، ثم أسلمت فإنها لا ترثه. [١٣٦٧] مسألة، فصل: وإن سألته الطلاق وهو مريض فطفلها ورثته، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن عثمان ورث امرأة عبد الرحمن بن عوف لما طلقها في المرض، وقد سألته، ولأنه لما ثبت وجوب الميراث بالطلاق في المرض لأجل التهمة بإخراجها من الميراث، فلم يفترق الحكم بين إذنها وعدمه، لأن الإذن في باب سقوط الميراث غير معتبر، بدليل أن الوارث لو قال لست أحتاز له إرثاً لم يلتفت إلى قوله وورث، ولأن الإنسان قد يضيق على زوجته حتى تسأله الخلع، فحسم الباب بتوريثها في المرض على كل وجه، ولأنها مطلقة في المرض كالتي لم تسأل. [١٣٦٨] مسألة: إذا قال طلقي نفسك ثلاثاً فطلقت واحدة لم يقع، خلافاً للشافعي؛ لأنها أوقعت غير ما جعل إليها فلم يقع، كالوكيل إذا وكل في شيء ففعل غيره. [١٣٦٩] مسألة: إذا قال لها طلقي نفسك واحدة فطلقت ثلاثاً، وقعت

стр. 635

واحدة؛ لأنها فعلت ما أذن لها فيه كما لو اقتصرت فيه، والزيادة لغو، وحكى الأسفرائيني عنا أنا نقول لا يقع شيء، وهذه عادته في التحريف على الناس. [١٣٧٠] مسألة: إذا تيقن الطلاق وشك لم يعلم كم أوقع منه، وقال أنت طالق وشك في مراده من العدد، فإن لم يتحقق كان ثلاثاً، وقال أبو حنيفة والشافعي يكون واحدة؛ فدليلنا أنه قد تيقن التحريم وشك هل ترفعه الرجعة أم لا، فحصل شاكاً في هذه العين هل يمكنه أن يرفع أو لا يمكن، فيجب مع تيقن التحريم ثم تغليب حكم الأعلى من التحريمين، أصله إذا شك في إحدى امرأتين أيتهما أخته من الرضاعة مع تحقيقه ذلك في إحداهما، لأن التحريم مغلب في الأحوال، مثل أن يشك في شاة أنها مذكاة أو ذبح مجوسي، ولأن هذا مبني على أنه إذا طلق واحدة من نسائه وشكَّ في عينها أنه يحكم بجميع طلاقهن، فنقول: لأنه نوع من المقصود باللفظ بالطلاق فوجب إذا شك في عدده أو في عين مراده أن يحكم بإرادته بجميعه، أصله إذا طلق واحدة من نسائه وشك في عينها، ولأنه شك في أحد مقصودي اللفظ هل أراد به بعضه أو كله، فيجب أن يحكم بأنه أراد جميعه، أصله إذا قال لزوجاته وهن أربع أنتن طوالق، وشك هل أراد الأربع أو ثلاثاً منهن. [١٣٧١] مسألة: الطلاق معتبر بالرجال دون النساء، فالعبد يطلق اثنتين، كانت زوجته أمة أو حرة، وقال أبو حنيفة الطلاق معتبر بالنساء، فالحرة تطلق ثلاثاً كان زوجها حرًا أو عبدًا، وطلاق الأمة طلقتان كان زوجها حرًا أو عبدًا؛ فدليلنا أنه معنى ذو عدد فكان كماله ونقصانه معتبرًا بمن يفعله أو بمن يضاف إليه فعله، أصله العدة، وإن خفت أن يدخل عليه القسم في إحدى الروايتين زدت في العدة يقع به البينونة، وعبارة أخرى أنه

стр. 636

معنى ذو عدد ثلاث ينقصه الرق إلى اثنين، فكان اعتبار كماله ونقصانه بمن يفعله من الزوجين كالعدة، ولأن الطلاق ملك للزوج وكمال الملك ونقصانه معتبر بالملك لا بغيره، ولأنه ذو عدد يختلف بالرق والحرية في الكمال والنقصان فوجب أن يكون الاعتبار في كماله ونقصانه بحال من يؤخذ به كالحدود. [١٣٧٢] مسألة: إذا قال لها اختاريني أو اختاري نفسك، فقالت اخترتك لم تطلق، وهي زوجته كما كانت، وروي عن بعض الصحابة أنه قال: إذا اختارت زوجها تكون واحدة رجعية، فدليلنا ما روي عن عائشة قالت: خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه ولم نعده طلاقاً، ولأن فائدة هذا القول أن اختيارها لنفسها ضد اختيارها له، فإذا كان اختيارها لنفسها يكون فراقاً كان اختيارها له اختيار الإقامة معه. [١٣٧٣] مسألة: إذا قالت اخترت نفسي وقالت: أردت واحدة أو اثنتين، فإن كانت مدخولاً بها لم يقبل قولها، وكانت ثلاثاً، وإن كانت غير مدخول بها قبل منها إن ادعته، وقال أبو حنيفة اختيارها نفسها واحدة بائنة، وقال الشافعي إن قالت اخترت نفسي إذا كان في مقابلة قوله: اختاري، كان موضوعاً للفراق فلا معتبر بإرادتها؛ لأن هذا القول لما فهم منه الفرقة وجب أن يكون في إحدى الجهتين فرقة، ولا تقف على أن تكون تنوي هي الفرقة كخيار المعتقة؛ ودليلنا على أبي حنيفة أن اختيار النفس إذا أطلق اقتضى ظاهره أن لا يكون له عليها سبيل ولا يملك منها شيئاً بوجه، وأنه قد جعل لها أن تخرج عنه ما يملكه منها أو يقيم معها فإذا أخرجت البعض لم يكن هو الذي أراده، وكانت كمن جعل له أن يختار شيئاً فاختار غيره، ولأن من أصلنا أن البينونة لا تقع إلا بالواحدة في المدخول بها إلا بالخلع.

стр. 637

[١٣٧٤] مسألة: إذا ملكها وقال: أمرك بيدك، فقالت: طلقت نفسي واحدة، كانت رجعية وإن كانت مدخولاً بها، وقال أبو حنيفة تكون واحدة بائنة؛ ودليلنا أنه ملكها إيقاع الطلاق على حد ما كان هو يملكه، فلما كان لو أوقع الواحدة لوقعت رجعية فكذلك إيقاعها بالتمليك، ويفارق الخيار لأنه يقتضي قطع العصمة، والتمليك لا يقتضي ذلك. [١٣٧٥] مسألة: إذا قال: لست لي بامرأة، وأراد الطلاق، كان طلاقاً، وكذلك قوله: والله ما أنت لي بامرأة، وقال أبو حنيفة في الأولى مثل قولنا، وفي الثانية أنه لا يكون طلاقاً، وقال أبو يوسف في الكل: ليس بطلاق؛ فدليلنا أن قوله: لست لي بامرأة، يحتمل أن يكون، لأنه قد طلقها فإذا أراد به الطلاق كان على ما أراد، وجرى مجرى قوله: لا نكاح بيني وبينك ولا خلاف بيننا أنه يكون طلاقاً إذا أراد به الطلاق. [١٣٧٦] مسألة: الزوج لا يهدم ما دون الثلاث، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: " الطلاق مرتان " ثم قال: " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره "، فأخبرنا أن الطلقة الثالثة تحرم رجوعها إليه إلا بعد زوج، ولم يفرق أن يكون تخلل الثلاث تطليقات إصابة زوج أو لم يتخللها، ولأن كل إصابة لم تكن شرطاً في الإباحة لم تهدم النكاح ولم تغير حكمه، أصله الوطء بملك اليمين، ولأنها بانت قبل استيفاء طلاق الملك فوجب إذا عادت أن يعود بما بقي من الطلاق، أصله إذا عادت قبل التزويج أو بعده وقبل الإصابة، ولأن كل زوج لم يكن شرطاً في رجوع المطلقة إلى المطلق، كان وجوده وعدمه سواء في

стр. 638

ذلك الحكم، أصله الزوج الثاني بعد الطلاق الثالث. [١٣٧٧] مسألة: إصابة الزوج بعد الطلاق الثلاث شرطاً في عودها إلى الأول، خلافاً لابن المسيب وغيره؛ لقوله ﷺ للتي سألته عن عودها إلى الأول قبل إصابة الثاني؟ قال: " لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك "، ولأن الغرض بذلك عقوبته على ما فعل وردعه أن يعود لمثله، وذلك إنما يحصل بالوطء دون مجرد العقد. [١٣٧٨] مسألة: لا تحل بالوطء في نكاح فاسد، خلافاً لأحد قولي الشافعي لقوله تعالى: " حتى تنكح زوجاً غيره "، المراد النكاح الصحيح، ولأن الطلاق لا يتناول الفاسد، ولأنه وطء لم يصادف شيئاً صحيحاً أو لم يصادف نكاحاً صحيحاً، كالوطء بشبهة، ولأن الوطء بالملك أقوى من الوطء في النكاح الفاسد، لأن هذا وطء مباح بإجماع، وفي النكاح الفاسد ليس بمباح، فإذا لم تقع الإباحة به كانت بأن لا تقع بالفاسد أولى. [١٣٧٩] مسألة: لا تحل بوطء المراهق، خلافاً للشافعي؛ لأنه لم يبلغ كالصغير، ولأنه إيلاج ممن لا يجب الحد بوطئه، ولا النفقة لزوجته فلم يقع به الإحلال كوطء الصغير. [١٣٨٠] مسألة: إذا تزوجها بقصد إحلالها للأول فالنكاح فاسد لا تحل به، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله ﷺ : " لعن الله المحلل والمحلل له "،

стр. 639

وروي: " المستحل والمستحل له "، وقوله: " ألا أخبركم بالتيس المستعار، هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له "، وروى ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ عن المحلل؟ فقال: " لا إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة، ولا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق العسيلة "، ولأنه عقد محظور حظرًا استحق به عاقده والمعقود له اللعن والوعيد، فوجب أن يكون باطلاً، أصله شراء الخمر. [١٣٨١] مسألة: إذا وطئها الثاني وطئاً محرماً، مثل أن يطأها حائضاً أو محرمة، أو صائمة، أو ما أشبه ذلك، لم تحل للأول، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه شرط في إباحتها للأول لا يقوم غيره مقابلته، فلم تقع به الإباحة متى وقع على وجه محرم في الشرع لحق الله تعالى، اعتبارًا بالعقد، ولأنه وطء على وجه ممنوع بالشرع لحق الله تعالى فلم يقع به الإحلال، أصله الوطء في النكاح الفاسد. [١٣٨٢] مسألة: لا يقع الإحلال بوطء السيد، خلافاً لبعض الشافعية لقوله تعالى: " حتى تنكح زوجًا غيره "، ولأنه وطء بغير نكاح فلم يقع به الإحلال كالوطء بشبهة. [١٣٨٣] مسألة: المطلقة الرجعية ما لم يراجعها محرمة، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنها جارية إلى البينونة، فوجب أن تكون محرمة، أصله إذا أسلمت الكتابية بعد الدخول بها، ولأن وجود الطلاق يوجب التحريم كالخلع، ولأنه طلاق كالذي قبل الدخول.

стр. 640

[١٣٨٤] مسألة: إذا وطىء، أو قبل، أو لمس للذة ونوى به الرجعة كانت رجعة، وقال أبو حنيفة تكون رجعية ولو لم ينو، وقال الشافعي لا تصح الرجعة إلا بالقول. ودليلنا أن كل قول مباح ثبت به رد المرأة إلى العقد المبيح للوطء واستصلاح ما انثلم منه، فجاز أن يكون الوطء قائمًا مقامه فيه، أصله قول البائع قد اخترت رد هذه الأمة إلى ملكي، ولأنه تصرف لا يكون مباحًا إلا مع البقاء على الملك المبيح له، فجاز أن يقع به الرد إلى الملك، أصله القول، ولأنه ملك أزاله عنه وثبت له حق رده إليه بالقول، فجاز أن يثبت الرد به بالفعل، أصله ملك البائع، ولأنه استصلاح لما تشعب من عقد النكاح يزول بالقول، فجاز أن يزول بالوطء، أصله خيار المبيعة، ولأن الرجعة تراد لاستبقاء النكاح، ووجدنا الوطء آكد في باب البقاء على النكاح وتبقيته على الملك من القول، بدليل أن المولي إذا طلق امرأته التي آلى منها، ثم راجعها بالقول كانت الرجعة معتبرة بالوطء، فإن وقع بقيا على النكاح وزال وقوع البينونة بمضي العدة، وإن لم يطأ لم تصح الرجعة، فكذلك الطلاق قبل الدخول يوجب البينونة لعدم الوطء، وبعده لا يوجب ذلك لوجود الوطء، فإذا ثبت ذلك ثم كانت الرجعة تصح بالقول، كانت بأن تصح بالوطء أولى. [١٣٨٥] فصل: ودليلنا على أبي حنيفة قوله ﷺ : " وإنما لامرىء ما نوى"، ولأنه استباحة بضع كالنكاح، ولأنه معنى يقع به الارتجاع فاحتاج إلى نية كالقول. [١٣٨٦] مسألة: الإشهاد على الرجعة مستحب وليس بواجب، خلافاً للشافعي؛ لأنه حق للزوج بدليل أن له أن يراجع بغير رضاها، ومن له حق فلا يلزمه الإشهاد على استيفائه كسائر الحقوق من الديون وغيرها، ولأنه

стр. 641

رفع للتحريم تعلق بالبضع مع بقاء حكم العقد فأشبه كفارة الظهار، ولأنه معنى حرم به الوطء دون العقد. ولأنه حق من حقوق النكاح فلم يفتقر إلى الإشهاد كالإيلاء والظهار، ولأن هذا مبني على ما قدمناه من أن الرجعة تحصل بالوطء وذلك لا يمكن الإشهاد عليه. [١٣٨٧] مسألة: إذا ارتجعها فلم تعلم حتى تزوجت، فإن دخل بها الثاني فقد استقر نكاحه، وإن لم يدخل بها ففيها روايتان: إحداهما أن الأول أحق بها، فالكلام في ذلك وفي إسلام الكافر مبني على مسألة الوليين، وقد تقدم بيانها. [١٣٨٨] مسألة: إذا تزوج أمة فطلقها فلما انقضت عدتها ادعى أنه كان راجعها فأقر السيد بذلك، والأمة منكرة، فلا يقبل من الزوج إلا ببينة، ولا ينفعه إقرار السيد، وقال أبو يوسف ومحمد القول قول السيد؛ فدليلنا أنها دعوى رجعة بغير بينة فلم يقبل على الأمة كالحرة، ولأن الرجعة لا تثبت بدعوى من له العقد على المدعى عليها، كالحرة إذا ادعى الزوج أنه راجعها واعترف الولي بذلك، ولأن انقضاء عدتها يوجب تحريمها في الظاهر ولا يصدق الزوج فيما يوجب إباحته بغير عقد مجرد. [١٣٨٩] مسألة: إذا ارتدت الرجعية فراجعها حال ردتها لم يصح، وقال المزني يصح؛ فدليلنا أن بالردة قد بانت، والرجعة لا تصح مع البينونة كما لو خرجت العدة، ولأن الرجعة أضعف من النكاح، وإذا كان الأقوى لا يصح مع الردة كان الأضعف أولى. ***

стр. 642

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الإيلاء [١٣٩٠] مسألة: الإيلاء الشرعي الذي يتعلق به الوقف أن يحلف أن لا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر، فإن حلف على أربعة أشهر فأقل فليس بمول إيلاء يوجب وقفه، وحكي عن ابن عباس أنه لا يكون مولياً إلا بأن يحلف على التأبيد أو يطلق من غير أن يوقت بمدة، وعن الحسن وابن أبي ليلى أنه يكون مولياً بأن يعين وقتاً ما وإن قل، وقال أبو حنيفة يكون مولياً إذا حلف على أربعة أشهر، ولا يحتاج إلى زيادة عليها. فدليلنا على ابن عباس قوله تعالى: " للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر" فعمَّ، ولأنه ممتنع من وطء زوجته زيادة على مدة التربص بيمين منعقدة كالحالف على التأبيد. [١٣٩١] فصل: ودليلنا على الحسن وابن أبي ليلى أنه إذا حلف على يوم يصير بعد مضيه ممتنعاً بغير يمين فكان كالمبتدىء للامتناع بغير يمين.

стр. 643

[١٣٩٢] فصل: فأما أبو حنيفة فالخلاف معه في موضعين: أحدهما أن الأربعة مضروبة له عندنا وليست بمحل يوجب الفيء، وعنده أنه محل للمعنى، والثاني أن بعد مضيها لا تبين إلا بعد أن يوقف، فإما فاء أو طلق، وعنده أنها تطلق بنفس مضي المدة؟ ودليلنا على الموضعين قوله تعالى: (للذين يولون من نسائهم " الآية، ففيها أدلة: أحدها: أنه تعالى أضاف مدة التربص إلى الزوج وجعلها حقاً له، وما كان حقاً للإنسان لم يكن محلاً لوجوب حق عليه، كالآجال في الديون وغيرها. والثاني: أن الله تعالى أضاف الفيء وجعل الطلاق إلى المولي، فقال: " وإن عزموا الطلاق " فدل أنهما متعلقان بفعله، وعندهم لا تأثير لفعله في وقوع الطلاق حتى لو نسي الفيء وانقضت المدة لوقع الطلاق. والثالث: قوله تعالى: " وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم " فاقتضى ذلك أن تكون عزيمة الطلاق واقعة على وجه يسمع، وعندهم أن عزيمة الطلاق ترك الوطء مدة التربص، وذلك لا يتأتى فيه السماع، ولأنها يمين بالله فلم يلزم بها الطلاق، أصله إذا حلف على أقل من أربعة أشهر فلا بد من تعيين ما يحلف به، ولأنه لفظ لا يقع به ولا ببعضه طلاق معجل فلم يقع به طلاق مؤجل، أصله إذا حلف: لا وطئها شهرًا، ولأنها مدة ضربت بالشرع لم يتقدمها فرقة، فلم يكن مضيها بينونة، أصله مدة العنة. [١٣٩٣] مسألة: لا معتبر في الأجل بالنساء، وقال أبو حنيفة يضرب للمولي من الحرة أربعة أشهر، وللمولي من الأمة شهران؛ ودليلنا أن مدة التربص حق للزوج على ما بيناه، والحقوق معتبرة بمن جعلت له كالطلاق

стр. 644

وغيره، وتحريره أن يقال: لأنه معنى وضع حقاً للشخص [فليس] للرق تأثير في نقصانه فكان الاعتبار لمن هو حق له، كالطلاق، ولأنه أجل مضروب للزوج لدفع الضرر المتعلق بالوطء عن زوجته، فلم يعتبر في مقداره بالنساء، أصله مدة العنة. [١٣٩٤] مسألة: أجل العبد في الإيلاء شهران، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي: لأنه معنى يتعلق به حكم البينونة فوجب نقصانه عن الحر فيه، كالطلاق، فإنها مدة مضروبة متعلقة بالنكاح تتعلق بها البينونة فوجب أن يؤثر الرق على نقصانها كالعدة. [١٣٩٥] مسألة: كل يمين لزمه بها حكم أو دخل عليه بالحنث فيها ضرر فالإيلاء يصح بها، خلافًا للشافعي في قوله لا يكون مولياً إلا في الحلف بالله؛ لقوله تعالى: " للذين يولون من نسائهم "، والإيلاء الحلف، والظاهر عام، ولأنها يمين يلزمه بها حكم أو يلحقه فيها ضرر كاليمين بالله تعالى. [١٣٩٦] مسألة: إذا وقف بعد مضي المدة فامتنع من الفيء والطلاق، طلق الحاكم عليه، وقال الشافعي في أحد قوليه لا يطلق الحاكم عليه ولكن يحبسه ويضيق عليه حتى يطلق بنفسه؛ فدليلنا أنها مدة يرفعها الوطء يتعلق بها الفرقة فكان للحاكم مدخل في تلك الفرقة، أصله مدة العنة، ولأنه طلاق مستحق عليه لإزالة ضرر، فجاز أن يليه الحاكم عند امتناعه منه، أصله طلاق المعسر بالنفقة، ولأنه حق تدخله النيابة يثبت لمعنى يتعلق به إزالة ضرر فإذا امتنع منه جاز أن ينفذه الحاكم كقضاء الدين. [١٣٩٧] مسألة: إذا طلق بنفسه أو طلق الحاكم عليه، فإن الطلاق رجعي، ما لم يكن بعدمه، ما لم يكمل الثلاث، وقال أبو ثور يقع بائناً؛

стр. 645

فدليلنا أنه طلاق مجرد صادف اعتدادًا قبل استيفاء العدد، فكان رجعياً، أصله غير المولي. [١٣٩٨] مسألة: لا تملك المرأة أن تطلق نفسها بعد مضي المدة، خلافاً لقوم؛ لقوله تعالى: " فإن عزموا الطلاق " فأضافه إلى الأزواج، ولأن المرأة ليست تملك الطلاق، وإنما تملكه بتمليك، ومضي المدة لا يقع به تمليك. [١٣٩٩] مسألة: رجعة المولي معتبرة بالوطء، فإن وطء صحت، وإن لم يطأ حتى انقضت المدة بانت منه، ولا يضرب له أجل ثان؛ وقال الشافعي يضرب له أجل ثان ودليلنا قوله تعالى: " تربص أربعة أشهر "، فأوجب وقفاً واحدًا ومدة محصورة، ولأنه إنما طلق عليه لإزالة الضرر فيجب أن يعتبر الرجعة بما يزول به الضرر، ولو كان له أن يرجع ولا يطأ أو يضرب له مدة ثانية لكان الإضرار باقياً، وذلك لا سبيل له إليه، ألا ترى إلى الخلع يقع فيه الطلاق بائناً، لأن الغرض ببذل العوض انقطاع العصمة، فلو كان له الرجعة لم يستفد ببذله شيئاً. [١٤٠٠] مسألة: إذا حنث بالوطء في مدة التربص فعليه الكفارة إن كانت يمينه تكفر، وقال الشافعي في القديم لا كفارة عليه، فدليلنا أن يمينه لما تناولت بأن لا يطأ فيها صار بوطئه فيها حانثاً، أصله إذا حلف ألا يطأ يوماً، ولأن الحلف بما يأثم به لا ينفي عنه الكفارة، أصله إذا حلف ألا يصلي ولا يصوم. [١٤٠١] مسألة: إذا حلف ألا يطأها حتى تفطم ولدها لم يكن مولياً،

стр. 646

وقال أبو حنيفة يكون مولياً إذا كان بينه وبين الفطام أربعة أشهر، وعند الشافعي أنه يكون مولياً أيضاً على اختلاف بين أصحابه في تخريج المسألة على قوليه؛ ودليلنا أن الإيلاء هو الامتناع من وطء الزوجة على وجه الضرر وقصد منع حقها، لا لغرض سواه، فإذا بان له قصد صلاح الولد خرج عن أن يكون قاصدًا للضرر كما لو حلف ألا يطأها وهي مريضة حتى تبرأ. [١٤٠٢] مسألة: إذا آلى من صغيرة لا يوطأ مثلها مدة تنقضي قبل بلوغها حد الوطء فلا حكم لإيلائه، وقال أبو حنيفة تضرب له المدة في وقت اليمين فإن فاء فيها بالقول سقط عنه حكم الإيلاء، وإلا بانت منه بعد انقضائها؛ فدليلنا أن المولي هو الممتنع من وطء الزوجة على وجه الإضرار ومنعها، وذلك ممتنع في الصغيرة التي لم تبلغ الوطء، فلم يلزمه فيها حكم الإيلاء. [١٤٠٣] مسألة: إذا ترك وطء الزوجة مضارًا، ودام ذلك ولكن بغير يمين، كان له حكم المولي، خلافا لأكثرهم؛ لقوله تعالى: " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف "، وقوله: " ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا "، ولأن الذي لأجله وجب ضرب المدة للحالف ووقفه بعدها هو امتناعه من وطئها المدة التي هي غاية ما يصبر النساء عن الوطء في مثلها مع قصد الإضرار وانتفاء الأعذار، وهذا موجود في مسألتنا، فوجب حسم الباب بإجرائه مجرى الحالف. [١٤٠٤] مسألة: إيلاء الخصي أو الذي قد بقي من ذكره ما لا يقدر أن يطأ به، أو الشيخ الفاني، كل ذلك لا حكم له، وللشافعي قولان: أحدهما أن الإيلاء منهم ينعقد ويصح؛ ودليلنا ما قدمناه أن المولي هو الذي يقصد الإضرار بزوجته بالامتناع من وطئها بعقد يمين أو بغير عقد يمين بعد

стр. 647

أن يعلم ضرره، وهذا معدوم في العاجز عن الوطء، فلم يتعلق به حكم الإيلاء. [١٤٠٥] مسألة: إذا قال أنت طالق لأفعلن كذا، أو إن لم أفعل كذا، فيمنع من وطئها حتى يفعل، فإن لم يفعل على وجه يعلم به قصد الإضرار، وأنه لا عذر له في تركه دخل عليه الإيلاء، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يدخل عليه الإيلاء، ولا يمنع من وطئها؛ فدليلنا على كونه مولياً مبني على منعه من الوطء، ووجه ذلك أنه في الظاهر على حنث، لأن الحنث هو مخالفة اليمين، واليمين هي بأن يفعل، فالمخالفة ألا يفعل، وهو في الحال غير فاعل فكان حانثاً إلأ أنه لا يتحقق عليه الحنث ما دام الفعل ممكنًا، لكن منع الوطء لجواز أن لا يبر فيتبين أنه كان في الحال حانثاً، فإذا صح ذلك تعلق الإيلاء بامتناعه، لأن الموجب لامتناعه هو اليمين الذي يحنث فيها متى لم يفعل المحلوف عليه، فإذا تبين ضرره بالامتناع وجب وقفه، وثبت عليه حكم الإيلاء. [١٤٠٦] مسألة: يصح الإيلاء من الأجنبية ولا يفتقر إلى شرط التزويج، فإن تزوجها وقد بقي من مدته أكثر من أربعة أشهر وقف لها، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يصح الإيلاء في الأجنبية؛ ودليلنا قوله تعالى: " للذين يولون من نسائهم تربص أربعة أشهر "، وهذا مول من امرأته، والطاهر لم يفرق بين الإيلاء بعقد قبل الزوجية أو بعدها، ولأنه ممنوع من وطء زوجة زيادة على أربعة أشهر بيمين يتعلق عليه بها حكم شرعي، فكان بذلك موليًا، أصله مع أبي حنيفة إذا أضاف إلى حال الزوجية، ومع الشافعي إذا آلى منها بعد العقد. [١٤٠٧] مسألة: إذا ظاهر من زوجته ولم يكفر على وجه الإضرار دخل عليه الإيلاء، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه حصل ممتنعًا من وطء

стр. 648

من يتوقف لها، بيمين لا يتخلص منها إلا بالكفارة أكثر من أربعة أشهر، فوجب أن يكون مولياً، أصله إذا ابتدأ الإيلاء من غير ظهار. [١٤٠٨] مسألة: لا يصح إيلاء الكافر، وفائدة ذلك أنه لا يؤاخذ بعد إسلامه بوقف ولا بكفارة إن حنث، وقال أبو حنيفة والشافعي يصح، ودليلنا قوله تعالى: " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف "، وقوله ﷺ : " الإسلام يجب ما قبله "، ولأنه ممن لا يصح منه التقرب بالإعتاق، فلم يصح منه الإيلاء كالمجنون، ولأن أنكحتهم فاسدة عندنا، والوطء في النكاح الفاسد غير مستحق عليه، فلم يجب وقفه لأجله. ***

стр. 649

كتاب الظهار [١٤٠٩] مسألة: الظهار يصح من العبد، خلافاً لمن منعه؛ لقوله تعالى: " الذين يظهرون منكم من نسائهم " فعم، ولأنه نكاح صحيح فصح فيه الظهار كنكاح الحر. [١٤١٠] مسألة: لا يصح ظهار الكافر، خلافًا للشافعي؛ لقوله تعالى: " الذين يظهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم "، ثم عطف ببيان الكفارة فكان العطف خاصًا فيمن بين في الآية الأخرى، ولأن ذلك مبني على أصلنا في فساد نكاحه. [١٤١١] مسألة: يلزم الظهار في كل أمة يجوز وطؤها، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: " والذين يظهرون من نسائهم " فعم، ولأنه فرج محلل له فصح ظهاره منه كالزوجة، ولأنه لفظ يتعلق بتحريم البضع دون رفع العقد فصح في الأمة، أصله اليمين بالله، ولأنه أحد نوعي استباحة الفرج فلحق الظهار فيه كالنكاح. [١٤١٢] مسألة: إذا شبه امرأته بابنته، أو أخته، أو عمته، أو غيرهن من المحرمات عليه من النسب كان ظهارًا، خلافاً لأحد قولي الشافعي أنه لا

стр. 650

يكون مظاهرًا إلا بالأم والجدة؛ لأنها محرمة على التأبيد كالأم، ولأنها جهة من النسب متأبّدة التحريم كالأمومة. [١٤١٣] مسألة: لا فرق بين أن يكون تحريم المشبه بها أصلياً أو طارئاً، خلافاً للشافعي في قوله إن الظهار لا يكون إلا في التشبيه في التحريم الأصلي، لأنها حال تشبيهه الزوجة بها، فحرمت تحريمًا مؤبدًا، كالأصلية التحريم. [١٤١٤] مسألة: إذا قال أنت علي كرأس أمي أو يدها أو غير ذلك من أعضائها كان ظهارًا، وقال أبو حنيفة إن شبهها بعضو لا يحل له النظر إليه كان ظهارًا، وإن كان بعضو يحل له النظر إليه لم يكن ظهارًا، وللشافعي قول مثل قولنا، وقول إنه لا يكون مظاهرًا إلا بالظهر وحده؛ فدليلنا أنه عضو من أمه شبه امرأته به فكان ظهارًا، أصله الظهر. [١٤١٥] مسألة: إذا شبه عضوًا من امرأته بظهر أمه، ولم يشبه جملتها، كان ظهارًا، وقال الشافعي في أحد قوليه إنه لا يكون مظاهرًا إلا بأن يشبه جملتها؛ فدليلنا أن كل موضع لحقه الظهار كالجملة، ولأنه إنما يلزمه حكم الظهار بتشبيهه امرأته المحللة بالفرج المحرم عليه مؤبدًا، وهذا موجود فيه إذا شبه بعضها، لأن بعضها في الشرع في جواز الاستمتاع بمثابة كلها، ولأنه لفظ يقتضي تحريم الوطء، فإذا علق بعضو سرى إلى الجملة، أصله الطلاق. [١٤١٦] مسألة: إذا قال أنت علي كأمي أو مثل أمي أو أنت أمي، ولا نية له، كان ظهارًا، وقال أبو حنيفة والشافعي إذا لم تكن له نية فلا حكم له؛ فدليلنا أنه أطلق تشبيه امرأته من أمه، فلم يخل من وجوب تحريم به، أصله إذا ذكر الظهر.

стр. 651

[١٤١٧] مسألة: إذا قال: أنت حرام كظهر أمي كان ظهارًا ولم يكن طلاقاً، وقال أبو يوسف ومحمّد والشافعي: إن نوى به الطلاق كان طلاقاً؛ فدليلنا أنّه قد وجد في لفظه صريح الظهار، وهو قوله: أنت علي كظهر أمي، فوجب أن لا يكون طلاقاً، أصله إذا أفرد عن لفظ التحريم، ولأنه شبه فرجاً محللاً له، بفرج محرم عليه مؤبدًا، فصار مظاهرًا كما لو لم يذكر التحريم. [١٤١٨] مسألة: إذا شبه امرأته بأجنبية فإن ذكر الظهر كان ظهارًا على كل وجه، فإن لم يذكر الظهر فمن أصحابنا من يقول يكون ظهارًا، ومنهم من يقول يكون طلاقاً، وقال أبو حنيفة والشافعي بالأجنبية لا يكون ظهارًا ولا طلاقاً بوجه؛ فدليلنا أنه شبه فرجاً محلّلاً له بفرج محرم عليه، فكان مؤثرًا في التحريم كذوات المحارم. [١٤١٩] مسألة: قال ابن القاسم: إذا قال أنت علي كظهر أمي أو غلامي كان مظاهرًا، وقال الشافعي لا يكون له حكم؛ فدليلنا أنه شبه امرأته بظهر ذي محرم منه كالأم. [١٤٢٠] مسألة: إذا تظاهرت المرأة من زوجها لم يكن لها حكم، وقال أبو يوسف عليها كفارة يمين؛ فدليلنا أن معنى الظهار تحريم الوطء بالقول، فلم يصحّ من النساء، كالطلاق، ولأنها يمين يحرم بها الوطء بالقول فلم يصح من المرأة كالإيلاء، ولأنه قول من غير الزوج المالك للوطء كالأجنبي، ولأن كل من لم يكن له أن يطلّق بحال، لم يكن له أن يظاهر كالأجنبية. [١٤٢١] مسألة: إذا وقَّت الظهار بمدّة بعينها تأبّد وبطل التوقيت، وقال الشافعي في أحد قوليه يخرج عن أن يكون ظهارًا أصلاً، وقال أبو حنيفة يتوقَّت بتوقيته فإذا انقضت المدة بطل حكمه، فدليلنا على الشافعي أنه لفظ

стр. 652

يحرم به الوطء فلم يخرج عن بابه بتوقيته كالطلاق، ولأنه قد وجد منه تشبيه الفرج المحلّل بالمحرم، فأشبه الإطلاق؛ ودليلنا على أبي حنيفة قوله تعالى: " والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا "، وهذا مظاهر عائد، ولأنّه لفظ يتعلق به تحريم البضع في الشرع فوجب أن لا يتوقَّت بوقت بعينه كالطلاق. [١٤٢٢] مسألة: إذا ظاهر من أجنبية بشرط التزويج صحّ، وثبت حكمه، وقال الشافعي لا يصحّ وبناه على أصله في الطلاق؛ ودليلنا قوله تعالى: " والذين يظهرون من نسائهم " ولم يفرِّق بين أن يكون الظهار قبل التزويج بشرط وجوده أو بعده، ولأن ذلك مبنيّ على أصلنا في الطلاق، وقد ذكرناه. [١٤٢٣] مسألة: إذا قال لأجنبية إن تزوجتك فأنت طالق وأنت عليَّ كظهر أمي وأنت طالق، فذلك سواء ويلزمه الظهار والطلاق إن تزوجها، وقال أبو حنيفة يلزمه الطلاق ولا يلزمه الظهار؛ فدليلنا قوله : " والذين يظهرون من نسائهم " وقد ثبت أن الظهار بشرط وجود النكاح داخل المظاهر، فإذا ثبت ذلك فهو عام في المنفرد وفيما ينضم إليه عقد طلاق، ولأنَّ العقدين مضافان إلى حال الزوجية فيجب لزومهما كما لو قال إن تزوجتك فأنت طالق وأنت علي كظهر أمي، ولأنه ظهار بشرط حصول التزويج وبقائه فوجب أن ينعقد ويلزم كما لو أفرده من عقد الطلاق، ولأنَّ الواو للجمع والاشتراك فتقديره؛ إذا تزوجتك، فهذان العقدان يلزمان فيك. [١٤٢٤] مسألة: إذا ظاهر من امرأته ثم طلَّقها ثلاثاً، ثم عادت إليه بنكاح جديد فإنَّ الظهار يعود عليه، وقال الشافعي لا يعود الظهار؛ فدليلنا

стр. 653

عموم الظاهر، ولأن زوال الملك الذي ظاهر فيه، لا يوجب زوال حكم ما وجب قبل زواله، بل يعود على حكم الملك، أصله لو ظاهر من زوجته الأمة، ثم ابتاعها فإنَّه لا يجوز له أن يطأها حتى يكفِّر. [١٤٢٥] مسألة: إذا ظاهر من أربع نسوة بكلمة واحدة لزمه كفارة واحدة وقال الشافعي لكل واحدة كفَّارة؛ فدليلنا قوله تعالى: " والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة " فعم كل مظاهر من نسائه بأنَّ عليه رقبة وأحدة، ولأنه ظهار واحد بكلمة واحدة فوجب أن يلزم به كفارة واحدة، أصله إذا كان المظاهر منها واحدة، ولأنه يمين يوجب الكفارة بمخالفته فوجب إذا علق بجماعة نسوة أن يجزىء فيه كفارة واحدة، أصله إذا قال: والله لا وطئتكن، لأنها يمين واحدة تناولت أشياء فأجبرت منها كفارة واحدة، أصله إذا قال: والله لا كلّمت زيدًا وعمرًا. [١٤٢٦] مسألة: إذا قال لواحدة من نسائه أنت عليَّ كظهر أمي، ثم قال لأخرى: وأنت عليَّ مثلها، أو كهي، أو شريكتها، فإنه يكون مظاهرًا منهما جميعًا ويلزمه لكل واحدة كفارة، نوى أو أطلق، وقال الشافعي إن نوى التظاهر من الثانية كان مظاهراً وإن أطلق لم يكن مظاهرًا إلا من الأولى فقط، ودليلنا أن الواو للعطف وحكم العطف حكم المعطوف عليه، واعتبارًا به لو جمعهما في لفظ واحد، كما لو قال: اضرب زيدًا، ثم قال: وعمرًا مثله، كان كقوله اضربهما. [١٤٢٧] مسألة: إذا كرر الطهار من زوجته ينوي بكل كلمة استئناف ظهار، كان عليه لكل كلمة كفارة، وإن لم ينو استئنافاً فكفارة واحدة، كان ذلك في مجلس أو مجالس، وقال أبو حنيفة لكل ظهار كفارة إلا أن يكون في مجلس واحد، وقد يزيد التكرار فيكون عليه كفارة واحدة، وقال

стр. 654

الشافعي إن والى ذلك فكفارة واحدة، وإن أخر فلكل لفظة كفارة. فدليلنا على أبي حنيفة أنّه كرر لفظ الظهار من غير قصد الاستئناف فلم يكن له حكم، أصله إذا كان في مجلس واحد وأراد التكرار. ودليلنا على الشافعي قوله تعالى: " والذين يظهرون من نسائهم " والظهار هو هذا القول المقصود به المظاهرة، فإذا وجد تعلّق عليه الحكم، ولأنّه لفط يوقع تحريماً في الزوجة للزوج دفعة فإذا كرر على وجه الإستئناف وجب أن يتعلّق بكل لفظة حكم على الإنفراد كالطلاق، ولأنه لفظ يتعلق به سبب يؤدي إلى الكفارة، فإذا أعاده مستأنفاً تعلقت به كفارة مستأنفة، أصله اليمين. [١٤٢٨] مسألة: الكفارة في الظهار لا تجب إلا بالعود، خلافًا لما يحكى عن مجاهد أنها تجب بنفس التلفظ بالظهار من غير اعتبار معنى زائد؛ لقوله تعالى: " ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة " فأوجب الكفارة في الظهار بشرط حصول العود، ولأن الظهار يمين والكفارة تجب باليمين إذا حصلت فيها المخالفة وهو الحنث، فكذلك يجب أن يكون في الظهار ولا يكون مخالفًا إلا بالعود، ولأنه لفظ يقصد به تحريم وطئها فلم تجب الكفارة بمجرده كالإيلاء. [١٤٢٩] مسألة: اختلف الناس في العود ما هو على عدّة مذاهب، فالظاهر من مذهبنا أنه العزم على الوطء، وقال في «الموطأ»: العزم على الوطء والإمساك، واختلف أصحابنا في الوطء هل يخرج على قوله أنه عود أم لا، على طريقين: إحداهما أنّه عود على بعض الروايات، والأخرى أنه ليس بعود رواية واحدة، والظاهر الذي عليه نناظر أنّه العزم على الوطء، وهو المحكي عن أهل العراق، ومنهم من يقول العود، وهو أن لا يستبيح

стр. 655

وطأها إلا بكفارة، وعند الشافعي أن العود هو أن يمسكها زوجة بعد الظهار مع القدرة على الطلاق، وقال داود العود هو تكرار لفظ الظهار؛ ودليلنا على أن العود هو العزم ويدخل فيه الكلام على الشافعي، وهو أنّه إذا ثبت بما نذكره أن معنى العود المراد بالظهار ليس براجع إلى الموافقة على ما يقوله داود، وإنما يرجع إلى المخالفة، وجب أن يكون متى عزم على الوطء فقد حصلت به المخالفة لأن موجب الظهار ومقصوده تحريم الوطء لا رفع العقد، فمتى قام على ذلك فليس بعائد وإذا عزم على الوطء فقد خالف مقتضى الظهار الذي هو التحريم للوطء، ولأنّ قوله تعالى: " ثم يعودون لما قالوا " يقتضي أن يكون العود متراخياً على الظهار وأن يكون ذلك من شرط كونه عودًا أو من صفات جوازه لأن موضوع "ثم" التراخي، وفي القول بأنه الإمساك عقيب الظهار إيجاب إيصاله به، وذلك خلاف الظاهر، لأنّ في رجوع العود إلى الإمساك ضرباً من التناقض، لأن نفس الظهار يفيد الإمساك بدليل أن القصد إلى الظهار لا يصحّ إلا مع البقاء على النكاح، وما كان حاصلاً عليه لم ينتقل عنه، فلا يصحّ وصفه بحصول عود عليه، لأن العود إلى الشيء يتضمّن أنه قبل العود على خلافه، وإنما يصحّ ذلك على ما نقوله من أنّه العزم على الوطء، ولأن العود لما كان هو الإمساك لم يجز أن ينتفي بالطلاق الرجعي، لأنه لا ينافي العود إلا الإمساك، وما لا ينافي الشيء لا يسقط به، ولأن قوله تعالى: " ثم يعودون لما قالوا " يقتضي إحداث فعل من جهته ومرور الزمان من غير أن يطلق لا يوجد فيه المعنى، ولأن مجرد عقد الظهار إذا كان لا يوجب الكفارة إلا بمعنى طارىء عليه من جهته وجب أن يكون إحداث فعل منه من مخالفته وهتك حرمته حادثة، فكل ذلك معدوم في ترك إيقاع الطلاق فلم يجب

стр. 656

تعلّق الكفارة به، ولأن الطلاق الرجعي لا ينافي البقاء على الملك، فلم يسقط حكم الظهار كالإيلاء. وأما أصحاب أبي حنيفة فالخلاف معهم في الكفارة هل يستقر وجوبها في الذمة؟ ودليلنا على وجوبها بحصول العود قوله تعالى: " ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة " ومفهوم هذه الصيغة هو أن العود إذا حصل وجبت الكفارة، ولأنّه تكفير بعتق فجاز أن يستقر وجوبه في الذمة كالعتق في كفارة القتل. ودليلنا على داود حديث أوس بن الصامت وسلمة بن صخر، وفيه إيجاب الكفارة من غير سؤال عن إعادة اللفظ، ولأنّه معنى يتعلق به وجوب الكفارة فلم يعتبر فيه إعادة اللفظ كاليمين، ولأنها كفارة تتعلّق بفعل من جهته فلم يعتبر تكراره كالقتل، ولأنها كفارة تجب بلفظ وشرط فوجب أن يكون ذلك الشرط هو مخالفة اللّفظ دون إعادته، أصله كفارة الإيلاء. [١٤٣٠] مسألة: الظهار يحرم جميع أنواع الاستمتاع من الوطء فما دونه، خلافاً للشافعي في أحد قوليه إنّه لا يحرم به ما دون الوطء؛ لقوله

стр. 657

تعالى: " من قبل أن يتماسا " ولم يفرق، وحديث ابن عباس أن رجلاً ظاهر من امرأته ثم وطئها قبل أن يكفر، فقال صلى الله عليه وسم: «اعتزلها حتى تقضي ما عليك»، ولأن كل لفظ حرم به جملتها لم يقف ذلك على الفرج دون غيره كالطلاق، أو لأنه لفظ وقع به تحريم في الزوجة فوجب أن يعم الوطء وغيره كالطلاق، ولأنه نوع من التلذذ بالاستمتاع، فوجب أن يحرم بالظهار كالوطء في الفرج، لأن الوطء إنّما حرم لتشبيه المرأة المحللة بالمحرمة، وهذا التشبيه لا يخص تحريم الوطء دون غيره من الاستمتاع. [١٤٣١] مسألة: إذا وطىء المظاهر قبل التكفير لم تسقط عنه الكفارة، خلافاً لقوم؛ لحديث ابن عباس في الذي ظاهر من امرأته ثم وطئها قبل أن يكفر، فقال ﷺ : «لا تقربها حتى تكفر»، ولأنه واقع الفعل المنهي عنه بالسبب المؤدي إلى الكفارة، فلم ينتف وجوبها، أصله الحنث في اليمين. [١٤٣٢] مسألة: فصل: ولا يلزمه كفارة أخرى، خلافاً لما يحكى عن مجاهد؛ لأنّه وطء بعد استقرار وجوب الكفارة فلم يجب به كفارة ثانية كالوطء الثاني. والثالث، ولأن كل معنى تعلّقت الكفارة فيه بوطء فإذا تلاه بوطء آخر بعد وجوب الكفارة بالوطء الأول لم تجب به كفارة أخرى، أصله الفطر في رمضان. [١٤٣٣] مسألة: إذا وطىء المظاهر في خلال صوم الشهرين استأنف، على أي وجه كان، سهوًا، أو عمدًا، ليلاً، أو نهارًا، وقال أبو حنيفة ينقطع التتابع بالوطء نهارًا ولا ينقطع في الليل إلا بالعمد، وقال الشافعي: الوطء

стр. 658

ليلاً لا يؤثر أصلاً سهوًا ولا عمدًا؛ فدليلنا عليه قوله تعالى: " فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا " شرط أن يأتي بهما قبل المسيس، وهذا الشرط يعود إلى جملتهما وأبعاضهما، ويمنع أن يقع المسيس فيهما أو قبلهما، ولأنه وطء في مدة الشهرين للتظاهر فيهما، فوجب أن يفسد التتابع كالوطء نهارًا، أو لأنه زمان حرم عليه الوطء فيه لأجل الصوم كالنهار. وأما أبو حنيفة فالخلاف معه في الوطء سهوًا بالليل، فدليلنا أنه وطىء في خلال الشهرين كالوطء نهارًا، ولأن كل زمان لو وطىء فيه عامدًا لقطع التتابع، فكذلك إذا وطىء فيه سهوًا كالنهار، واعتبارًا بالعمد. [١٤٣٤] مسألة: إذا كان في ملكه رقبة إلا أنه كان محتاجاً إليها لخدمة، أو لأنه لا يملك غيرها لزمه إعتاقها ولم يجزه الصيام، وقال الشافعي يجزيه الصوم، فدليلنا قوله تعالى: " فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا " " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين " وهذا واجد، ولأنه واجد لرقبة يجوز إعتاقها في الظهار فلم يجز له العدول إلى الصوم، أصله إذا كان مستغنياً عنها. [١٤٣٥] مسألة: إذا لم يكن في ملكه رقبة وكان معه ثمنها لزمه شراؤها، ولم يجز له الصوم، كان محتاجا إليها أو غير محتاج، وقال أبو حنيفة والشافعي إن كان محتاجاً إلى الثمن لم يلزمه وجاز له الصوم، وإن كان مستغنياً عنه لزمه؛ فدليلنا أنه واجد لثمن رقبة فأشبه المستغني عنه، ولأن القدرة على الثمن تقوم مقام القدرة على المثمن، كالقادر على شراء الماء بثمن مثله. [١٤٣٦] مسألة: الإطعام في كفأرة الطهار مقدّر بمدّ هشام، وهو مدّان بمدّ النبي ﷺ ، وقيل أقل من مدّين بيسير، وقال الشافعي تقديره مدّ بمدّ

стр. 659

النبي ﷺ ؛ فدليلنا قوله تعالى: " فإطعام ستين مسكينا " والإطلاق يقتضي الشبع، ولأنها فدية ينتقل فيها من صيام إلى طعام أبهمته في الظاهر، فوجب أن يلزم فيها زيادة على مدّ، أصله فدية الأذى. [١٤٣٧] مسألة: الاعتبار فيما يجزىء إخراجه في كفارة الظهار بحال الأداء دون الوجوب، مثل أن يظاهر ويعود فهو موسر فلا يعتق حتى يعسر فيجزىء عنه الصوم، وللشافعي ثلاثة أقوال فيما أخرجه أصحابه: أحدها مثل قولنا، والثاني أن الاعتبار بحال الوجوب، والثالث بأغلظ الأحوال، فدليلنا قوله ﷺ لأوس: «أعتق رقبة» ولم يستفصل، ولأنّ ما قالوه يؤدي إلى سقوط الكفارة، لأن الإعسار قد يمتدّ إلى آخر عمره فيموت والفرض باق عليه، وكذلك فيمن كان فرضه الصوم فلم يصم حتى هرم، ولأنّه لو حنث وعاد وهو عبد لكان فرضه الصوم، ولم يجز له الإعتاق، فلو لم يصم حتى عتق هو وقدر على الإعتاق للزمه الإعتاق ولم يجز له التكفير بالصوم، فعلم أن الاعتبار بوقت الأداء، ولأنه معنى له بدل من غير جنسه، فوجب أن يكون الاعتبار بحال فعله وأدائه، أصله الظهار. [١٤٣٨] مسألة: إذا دخل في الصوم لعدم الرقبة، ثم وجدها، مضى على صومه ولم يلزمه الإعتاق، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: " فمن لم يجد فصيام شهرين " فلم يفرق بين أن يجدها بعد ذلك أم لا، ولأنّه تلبس بصوم لزمه عند عدم مبدله، فإذا قدر على المبدل لم يلزمه العود إليه، كالمتمتع إذا قدر على الهدي وهو في صوم السبعة. [١٤٣٩] مسألة: إذا وطىء في خلال الإطعام استأنف، وقال الشافعي يبني في السهو ولا يبني في العمد، وقال أبو حنيفة يبني في الموضعين؛

стр. 660

ودليلنا أنه وطء في أثناء كفارة الظهار كالوطء في أثناء الصوم. [١٤٤٠] مسألة: لا يجزىء فيها إعتاق الكافرة، خلافًا لأبي حنيفة؛ لأنه تكفير بعتق، فلم يجز فيه غير المسلمة، أصله كفارة القتل، ولأن كل نقص في رقبة منع إعتاقها في كفارة القتل منع إعتاقها في الظهار، أصله قطع الأعضاء، ولأنها رقبة ناقصة بالكفر كالمرتدة والحربية، ولأنّ كل نقص دين منع الإعتاق في كفارة القتل منعه في الظهار كالارتداد. [١٤٤١] مسألة: يجزىء فيها الصغير، خلافاً لمن منعه؛ لقوله تعالى: " فتحرير رقبة " فأطلق، ولأنها رقبة مؤمنة سليمة تامة الملك كالبالغ. [١٤٤٢] مسألة: ولا يجزىء فيها المكاتب، خلافاً لأبي حنيفة في قوله إنه يجزىء إذا لم يكن قد أذى شيئا من نجومه؛ لقوله تعالى: " فتحرير رقبة " وذلك يقتضي ألا يتقدم فيها عقد بعتق غير المقصود وإلا لم يكن تحريرًا، ولأن عقد الكتابة يمنع إعتاقه في الظهار، أصله إذا أدَّى بعض النجوم، لأن عتقه مستحق على السيد لسبب غير الكفارة كالاستيلاد، أو لأنه سبب حرية يمنع البيع فلم يجز صرفه إلى الكفارة والتدبير. [١٤٤٣] مسألة: اذا اشترى من يعتق عليه، ونوى وقوعه عن كفارته، فلا يجزيه، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: " فتحرير رقبة " وذلك لا يتأتى في هذا الموضع، ولأن عتقه بالملك مستحق عليه لسبب متقدم على الملك فأشبه قوله: إن ملكتك فأنت حر، ولأنه عتق يقع بالملك من غير قصد إيقاعه فلم يجز في الظهار، أصله إذا ملكه بميراث، ولأن استحقاق العتق في الرقبة من جهة منع أن يجزىء من جهة أخرى، كأم الولد. [١٤٤٤] مسألة: إذا أعتق نصف عبدين فلا يجزيه، خلافاً للشافعي؛

стр. 661

لقوله تعالى: " فتحرير رقبة: والاسم لا يقع على المطلق، ولأن العبادة المتعلّقة برقبة لا يقوم نصف رقبتين مقامها، أصله إذا اشترك اثنان في أضحيتين، ولأنه لو أوصى أن يشتري رقبة فتعتق عنه لم يجز أن يعتق عنه نصف عبدين، كذلك في مسألتنا. [١٤٤٥] مسألة: يجوز عتق ولد الزنا، خلافًا لمن منعه؛ للظاهر، لأنه رقبة سليمة تامة الملك كالصحيحة النسب. [١٤٤٦] مسألة: لا يجوز فيها المعيبة، خلافًا لداود؛ لقوله تعالى: " ولا تيمموا الخبيث منه تتفقون "، وقوله تعالى: " ويجعلون لله ما يكرهون "، وقوله: " فتحرير رقبة " وهذا يقتضي [رقبة] كاملة، والمعيبة ناقصة، ولأن النقص نقصان، نقص في الدين ونقص في البدن، ثم قد ثبت أن نقص الدين يمنع الإجزاء، كذلك نقص الأعضاء. [١٤٤٧] مسألة: لا يجوز أقطع اليد أو الرجل أو أقطعهما في الكفارة، وقال أبو حنيفة يجزىء؛ فدليلنا أن قطع اليد عيب يضر بالعمل وينقص التصرف نقصاناً بائناً فأشبه قطع اليدين. [١٤٤٨] مسألة: لا يجزىء أقطع الأذنين، خلافاً لأصحاب الشافعي؛ لأنهما عضوان فيهما منفعة وهي حوش الصوت إلى السمع ودفع الضرر عنه، ولأن في ذهابهما ضرباً من التشوه بالخلق. [١٤٤٩] مسألة: الخرس يمنع الإجزاء، وإن كان معه صمم فهو أبين، خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ لأن فقد الكلام يجري مجرى فقد في البصر واليد والرجل، لأنه يضر بعلمه وينقص تصرفه وتقل رغبة الناس في استخدامه لصعوبة ما يلحقهم في إفهامه، مع أنه ليس كل أحد يفهم خطاب الأخرس ولا يحسن إشارته.

стр. 662

كتاب اللعان [١٤٥٠] مسألة: إذا قذف زوجته فادعى الرؤية وكانت ممّن يحدّ قاذفها لزمه الحدّ، وله التخلّص من ذلك باللّعان أو البينة. واللّعان حجة له يسقط بها عن نفسه ما لزمه من الحد، فإن امتنع منه لم يجبر عليه، وحد، فإن لاعن سقط الحدّ عنه ولزم المرأة؛ ولها أن تخلّص نفسها باللّعان، وقال أبو حنيفة الواجب بقذف الزوجة اللعان دون الحد، وإن لاعن الزوج وإلا حبس حتى يلتعن، فإذا التعن وجب عليها اللّعان، فإن التعنت وإلا حبست حتى تلتعن، والكلام في موضعين: أحدهما أن الزوج يحدّ للقذف بامتناعه من اللعان إذا طالبته المرأة بذلك، وعندهم يحبس ولا يحد، والاخر أن المرأة يلزمها الحدّ بالتعان الزوج إلا أن تسقطه عن نفسها باللعان، وعندهم لا حدّ عليها. فدليلنا على الفصل الأول قوله تعالى: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم " فعم، ولأنها حرة مسلمة عفيفة قذفها من لم يحقق قذفها، فوجب أن يحدّ لهأ، أصله الأجنبية. ودليلنا على الثاني قوله تعالى: " ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله " فذكر لعان الزوج، ثم عقبه بالإخبار عمّا يسقط عنها العذاب المتوجه عليها بلعانه بأن تلتعن، ولأنه معنى يخرج به القاذف عن

стр. 663

قذفه، فجاز أن يجب به حدّ كالبينة. [١٤٥١] مسألة: وللزوج أن يلاعن وإن قدر على إقامة البينة، خلافًا لقوم؛ لأن اللّعان يستفاد به ما لا يستفاد بالبينة من نفي الولد وزوال الفراش، والحاجة، داعية إليه مع وجود البينة، كما تدعو إليه مع عدمها فجاز في الحالين. [١٤٥٢] المسألة: اللّعان بين كل زوجين مكلفين، حرين كانا أو عبدين، متكافئين، أو أحدهما، عدلين أو فاسقين، وقال أبو حنيفة لا يصحّ إلا بين زوجين يكونان من أهل الشهادة، وذلك أن يكونا حرين مسلمين، وأما العبدان المحدودان في القذف فلا يجوز عنده لعانهما، وكذلك إن كان أحدهما من أهل الشهادة والآخر ليس من أهلها، والكلام في هذه المسألة في فصلين: أحدهما هذا والآخر هل اللعان يمين أو شهادة، فعندنا أنه يمين، وعنده أنها شهادة. فدليلنا على الفصل الأول: قوله تعالى: " والذين يرمون أزواجهم " فعم، ولأن كل زوج صحّ قذفه صحّ لعانه، أصله الحر، ولأن كل معنى صحّ أن يخرج به من القذف من كان من أهل الشهادة، صحّ أن يخرج به منه من ليس من أهلها، أصله البينة. ودليلنا على الفصل الثاني قوله ﷺ لما جاءت به على النعت المكروه: «لولا الأيمان لكان لي ولك شأن»، ولأنه بخلاف الشهادات في كثيرٍ من شروطها، منها دخول النساء فيه، ولا مدخل لهن في الشهادة على الزنا، وتكرار ألفاظه، ولعن الملتعن نفسه إن كان ما شهد به على خلاف شهادته، وجوازه من الفاسقين وإن لم يكونا من أهل الشهادة، وكذلك الأعمى، فدل على أنه يمين وليس بشهادة.

стр. 664

[١٤٥٣] مسألة: إذا قذف زوجته ولم يضف القذف إلى مشاهدة ففيها روايتان: إحداهما أنّه يلاعن، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، والأخرى ليس له أن يلاعن. فوجه الأول عموم الظاهر، ولأن كل معنى صحّ الخروج به عن القذف المضاف إلى مشاهدة صح الخروج به من القذف المطلق كالبينة، ولأنه قذف مضاف إلى الزوجة، فجاز تحقيقه باللّعان، أصله المضاف إلى الرؤية. ووجه الثانية أنّه معنى يتخلّص به من القذف فوجب أن يفتقر إلى مشاهدة كالشهادة. [١٤٥٤] مسألة: لعان الأخرس جائز إذا فهمت إشارته، خلافاً لأبي حنيفة في قوله لا يصحّ لعانه ولا قذفه؛ لعموم الظاهر، ولأنّ كل من صحّ نكاحه وطلاقه صحّ قذفه كالناطق، ولأنه حكم يفهم بالإشارة من جهته فجاز أن تقوم الإشارة فيه عند العجز مقام النطق كاليمين والإقرار. [١٤٥٥] مسألة: إذا قذف زوجته ولاعنها، فقذفها أجنبي بذلك الزنا لزمه الحدّ إلا أن يقيم البينة، وقال أبو حنيفة إن كان النسب لم يثبت أو ثبت ولكن مات الولد فلا حدّ عليه، وإن كان بقي النسب والولد باق فعليه الحدّ؛ فدليلنا قوله تعالى: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " وهذه محصنة، ولأن رمي الزوج لا يسقط حصانتها، ولأنّها محصنة يحد قاذفها كما لو نفي الولد. [١٤٥٦] مسألة: إذا قال لزوجته: زنيت قبل أن أتزوجك حدّ ولم يلاعن، وقال أبو حنيفة يلاعن عنها؛ ودليلنا قوله تعالى: " والذين يرمون المحصنات " فعم ولأنه قاذفها بزنا لو حملت منه لم يلحق به نسب، فلم يكن له أن يلاعن كما لو قذف أجنبية ثم تزوجها.

стр. 665

[١٤٥٧] مسألة: إذا أبان زوجته ثم قذفها بزنا أضافه إلى حال الزوجية، فإن لم يكن هناك نسب ينفيه حد ولم يلاعن، وإن كان هناك نسب وادعى أنه من ذلك الزنا فله أن يلاعن وينفيه، وحكي عن عثمان البتي أنّه يلاعن وإن لم يكن نسب، وقال أبو حنيفة ليس له أن يلاعن على الموضعين. فدليلنا على البتي أنه لا ضرورة به إلى هذا القذف لأنها ليست بفراش له، ولا هناك نسب ينفيه فيكون اللعان لأجله، فوجب أن يحد ولا يلاعن كقذفه لأجنبية. ودليلنا على أبي حنيفة أنه نسب يحتاج إلى نفيه، فجاز له نفيه باللّعان كقذفها بعد الطلاق. [١٤٥٨] مسألة: إذا نفى حمل زوجته على الشروط المعتبرة فيه فله أن يلاعنها قبل الوضع، خلافاً لأبي حنيفة في قوله لا يلاعن إلا بعد أن تضع؛ لعموم الظواهر، ولأن كل نسب جاز إسقاطه باللّعان بعد انفصال الولد جاز إسقاطه قبله كالفراش. [١٤٥٩] مسألة: إذا قذف امرأته بأنها وطئت في الدبر لزمه الحدّ، وله إسقاطه باللعان، وقال أبو حنيفة لا لعان عليه في ذلك، وبناه على أصله وأن الحدّ لا يجب باللواط ولا بإتيان المرأة في الدبر؛ فدليلنا على وجوب الحدّ بذلك أنّه فرج يجب بالإيلاج فيه الغسل، فجاز أن يجب به الحدّ كالفرج، فإذا ثبت أن الحد يلزم بالوطء فيه قلنا لأنّه فرج يجب بالإيلاج فيه الحدّ، إذا رماها بالفحش فيه كان له تحقيق ذلك باللعان، أصله القبل.

стр. 666

[١٤٦٠] مسألة: يلتعن في النكاح الفاسد، كان هناك نسب ينفيه أم لا، وقال أبو حنيفة لا لعان فيه على كلِّ وجه، وقال الشافعي إن كان هناك نسب ينفيه لاعن وإلا لم يلاعن، فدليلنا على أبي حنيفة أنَّه نكاح يثبت به الفراش فجاز اللّعان فيه كالصحيح، ودليلنا على الشافعي أنّه أحد موجبي اللعان يوجب في النكاح الصحيح، فوجب أن يوجبه في النكاح الفاسد كنفي النسب. [١٤٦١] مسألة: إذا قذف امرأته وأمها بالزنا حدّ لهما جميعًا، وله أن يلاعن الزوجة ويسقط عنه حدّها، وليس له الخروج عن حدّ الأم إلا بالبينة، ولا يتعلّق أحد الحدّين بالآخر، وأيهما حدَّ لها لم يسقط حدّ الأخرى إذا كان بألفاظ متفرِّقة؛ وقال أبو حنيفة إذا حدّ للأم سقط حدّ البنت، وإن لاعن البنت لم يسقط حدّ الأم؛ فدليلنا: أنهما حقان واجبان بالقذف فلم يسقط أحدهما باستيفاء الآخر، كما لو لاعن الابنة فإنه لا يسقط حق الأم، لأنهما حقان مقصودان لآدميين فلم يسقط حق أحدهما باستيفاء الآخر كالديون. [١٤٦٢] مسألة: إذا لاعنت المرأة قبل الزوج لم يعتدّ بذلك، خلافًا لأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: " ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله " وهذا يقتضي أن يكون العذاب قد وجب عليها بلعان الزوج حتى تدرأه باللعان. [١٤٦٣] مسألة: من أحكام اللعان ما يتعلق بلعان الزوج وحده، من ذلك هو وجوب الحدّ عليها وانتفاء النسب، ومنها ما يفتقر إلى لعانهما وهو الفرقة والتحريم المؤبد، وقال الشافعي كل ذلك يتعلق بلعان الزوج وحده؛ فدليلنا على أن الفرقة لا تقع بلعانه وحده، أنّ هلال بن أمية لما

стр. 667

التعن دعا رسول الله ﷺ بها، فلمّا التعنت فرق بينهما، فذكر الحكم وسببه، ولأنَّ اللّعان لم يكمل [فلا] فرقة، أصله إذا لم يكمل من الزوج، ولأنه لعان من أحد الزوجين، فكان له تأثير في الفرقة كلعان الزوج. [١٤٦٤] مسألة: تقع الفرقة بنفس الفراغ من التعانهما من غير حاجة إلى حكم حاكم به، وقال أبو حنيفة لا تقع إلا بحكم الحاكم؛ فدليلنا أنّه ﷺ نفى اجتماعهما عند حصول التسمية لهما، وذلك حاصل وإن لم يحكم به حاكم، ولأن النسب لا يتعلّق بلعانها لأنها هي تثبته باللعان وهو ينفيه، فلا معنى لحكم الحاكم. [١٤٦٥] مسألة: فرقة اللّعان فسخ، وقال أبو حنيفة طلاق؛ وفائدة ذلك عنده أنّها غير مؤبدة فلذلك كان طلاقاً؛ فدليلنا على أنّه فسخ أنه معنى غالب يوجب الفرقة فكان فسخاً كالرضاع. [١٤٦٦] مسأله: إذا وقعت الفرقة باللعان ثم أكذب نفسه حدّ ولحق به النسب، ولم يزل التحريم، وحكي عن بعض التابعين أنّها تعود زوجة، وقال أبو حنيفة يجوز له العقد عليها؛ فدليلنا قوله ﷺ : «لا سبيل لك عليها»

стр. 668

ولأنّه تحريم لا يرتفع بزوج وإصابة، فوجب أن يكون مؤبدًا كالرضاع، ولأن اللعان قد وجد منهما جميعاً، فأشبه أن يستمر عليه ولا يكذب نفسه. [١٤٦٧] فصل: وحكى أهل الخلاف عن عثمان الليثي أنه لا تقع الفرقة باللّعان وأنهما على الزوجية؛ فدليلنا قوله ﷺ : «أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها» وروي أنه فرق بين المتلاعنين، ولأنه لما قطع به النسب الذي هو أقوى من الفراش كان بأن يقطع الفراش أولى. [١٤٦٨] مسألة: إذا حكم الحاكم بنفي النسب أو بغير ذلك من أحكام اللعان قبل تمام الالتعان لم ينفذ حكمه، وقال أبو حنيفة ينفذ إذا كان الزوج قد أتى بأكثر ألفاظ اللعان؛ فدليلنا قوله تعالى: " ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله " إلى قوله: "والخامسة" فنص على أن الحدَّ لا يسقط عنها إلا أن تأتي بالعدد المذكور، فمن قال إنه يسقط بدونه فقد خالف الظاهر، ولأنه معنى ذو عدد يتخلَّص به من القذف فوجب ألا يتخلّص ببعض عدده كالبينة. [١٤٦٩] مسألة: إذا قذف امرأته برجل بعينه يحدّ قاذفه، لاعن امرأته وحد للرجل، وقال الشافعي إذا التعن سقط عنه حدّ الرجل؛ فدليلنا أنه قذف شخصين يحد قاذفهما، فتخلّصه من قذف واحد لا يسقط حد الآخر، أصله إذا قذفه بأجنبية. [١٤٧٠] مسألة: إذا قذفها برجل ولم يسمّه لاعنها ولم يحد عن الرجل، وقال الشافعي في أحد قوليه لا يسقط حدّ الرجل؛ فدليلنا أن حدّ القذف لا يجب استيفاؤه إلا بالمطالبة، فإذا لم يسم المقذوف لم تصحّ

стр. 669

المطالبة، فلم يجب الحدّ إذا عين المزني بها ولم يعينه، ولأنّه قد يكون قاذفًا من لا حدّ في قذفه، ولأنه لو قال رأيت رجلاً يزني لم يحدّ قاذفه. [١٤٧١] مسألة: إذا قذفها بالزنا فصدّقته حدّت، ولم يلزمه حدّ القذف، فإن كان هناك نسب ينفيه لاعن، وإن لم يكن نسب لم يلاعن، وقال أبو حنيفة لا حدّ عليها لأنَّ عنده الاعتراف بالزنا مرة لا يوجب الحدّ، قال ولا يلاعن الزوج، لأنه يقول إن اللّعان إذا تعذر من جهة المرأة سقط عن الزوج؛ فدليلنا على أنّه يلاعن أنه محتاج إلى اللّعان لدفع النسب بعد تصديقها، كحاجته إليه قبله فكان له اللّعان في الحالين. [١٤٧٢] مسألة: تلاعن من نفي الحمل وإن عري عن القذف، خلافاً للشافعي؛ لأنه رماها بوطء لو كان له ولد لحق به، فكان له تحقيق ذلك باللّعان كما لو ضامه القذف، ولأن به ضرورة إلى نفي النسب موجودة وهو أصل ما وضع له الحد، ولا ضرورة به إلى القذف، لأن الدعوى تتم مع عدمها [و] كل ما صحت الدعوى مع فقده لم يكن وجوبه شرطاً، كسائر ما تستغنى الدعوى عنه. [١٤٧٣] مسألة: إذا أتت بولدين توأمين فنفاهما ثم مات أحدهما قبل الالتعان كان له أن يلتعن وينفي نسبهما، وقال أبو حنيفة لا يصحّ نفي نسب الميت ويلحق به، وإذا لحق به نسب الميت لحق به نسب الحي، فدليلنا أن به حاجة إلى نفي نسب الميت كحاجته إلى نفي نسب الحي، لأن النسب لا يبطل بالموت، يبين ذلك أنه قد يموت الميت عن ولد

стр. 670

فيلحق بالزوج وإن لم ينف الميت عنه، وإذا كان كذلك ثبت حاجته إلى نفي نسبه فكان له أن يلاعن. [١٤٧٤] مسألة: إذا نفى الولد باللّعان ثم مات الولد، فاعترف به بعد موته، فإن كان الميت ترك ولدًا أو ولد ولدٍ لحق به، فإن لم يترك ولدًا ولا ولد ولدٍ حدّ ولم يلحق به، وقال الشافعي يلحق به ويستحق ميراثه كما لو كان حياً، فدليلنا أن إقراره يتضمّن شيئين: أحدهما كذبه، وهو معنى لا يتهم فيه فضرب الحد، والآخر استحقاق ميراثه منه مع انتفاء الحاجة إلى الإقرار، فلم يقبل للتهمة وانتفاء الحاجة، ويفارق ذلك إذا كان هناك ولد للميت. لأن به حاجة إلى الإقرار بنسبه. [١٤٧٥] مسألة: إذا شهد أربعة بالزنا على امرأة لم تقبل شهادة الزوج عليها ويلاعن ويحد الثلاثة، وقال أبو حنيفة يقبل إذا لم يكن قد تقدم منه قذف لها ويحد للمرأة؛ فدليلنا قوله تعالى: " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم "، الآية، وقوله ﷺ لهلال: «ألك بينة وإلا حد في ظهرك»، ولو كان يجزيه ثلاثة مع شهادته لم يكلفه أربعة، ولأنها بينة في الزنا لم تتم إلا بالزوج، فوجب أن لا يحكم بها كما لو قذفها ثم شهد عليها بعد القذف. [١٤٧٦] مسألة: إذا قالت امرأة لزوجها أو لأجنبي: يا زانية بلفظ التأنيث، أو قاله أجنبي لأجنبي، فلا نعرف فيها نصاً، وقال من أدركناه من
следующие страницы →