← Фикх малики

Фикх малики · id 14245

الإشراف على نكت مسائل الخلاف

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (912 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

[١٤٦٠] مسألة: يلتعن في النكاح الفاسد، كان هناك نسب ينفيه أم لا، وقال أبو حنيفة لا لعان فيه على كلِّ وجه، وقال الشافعي إن كان هناك نسب ينفيه لاعن وإلا لم يلاعن، فدليلنا على أبي حنيفة أنَّه نكاح يثبت به الفراش فجاز اللّعان فيه كالصحيح، ودليلنا على الشافعي أنّه أحد موجبي اللعان يوجب في النكاح الصحيح، فوجب أن يوجبه في النكاح الفاسد كنفي النسب. [١٤٦١] مسألة: إذا قذف امرأته وأمها بالزنا حدّ لهما جميعًا، وله أن يلاعن الزوجة ويسقط عنه حدّها، وليس له الخروج عن حدّ الأم إلا بالبينة، ولا يتعلّق أحد الحدّين بالآخر، وأيهما حدَّ لها لم يسقط حدّ الأخرى إذا كان بألفاظ متفرِّقة؛ وقال أبو حنيفة إذا حدّ للأم سقط حدّ البنت، وإن لاعن البنت لم يسقط حدّ الأم؛ فدليلنا: أنهما حقان واجبان بالقذف فلم يسقط أحدهما باستيفاء الآخر، كما لو لاعن الابنة فإنه لا يسقط حق الأم، لأنهما حقان مقصودان لآدميين فلم يسقط حق أحدهما باستيفاء الآخر كالديون. [١٤٦٢] مسألة: إذا لاعنت المرأة قبل الزوج لم يعتدّ بذلك، خلافًا لأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: " ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله " وهذا يقتضي أن يكون العذاب قد وجب عليها بلعان الزوج حتى تدرأه باللعان. [١٤٦٣] مسألة: من أحكام اللعان ما يتعلق بلعان الزوج وحده، من ذلك هو وجوب الحدّ عليها وانتفاء النسب، ومنها ما يفتقر إلى لعانهما وهو الفرقة والتحريم المؤبد، وقال الشافعي كل ذلك يتعلق بلعان الزوج وحده؛ فدليلنا على أن الفرقة لا تقع بلعانه وحده، أنّ هلال بن أمية لما

стр. 667

التعن دعا رسول الله ﷺ بها، فلمّا التعنت فرق بينهما، فذكر الحكم وسببه، ولأنَّ اللّعان لم يكمل [فلا] فرقة، أصله إذا لم يكمل من الزوج، ولأنه لعان من أحد الزوجين، فكان له تأثير في الفرقة كلعان الزوج. [١٤٦٤] مسألة: تقع الفرقة بنفس الفراغ من التعانهما من غير حاجة إلى حكم حاكم به، وقال أبو حنيفة لا تقع إلا بحكم الحاكم؛ فدليلنا أنّه ﷺ نفى اجتماعهما عند حصول التسمية لهما، وذلك حاصل وإن لم يحكم به حاكم، ولأن النسب لا يتعلّق بلعانها لأنها هي تثبته باللعان وهو ينفيه، فلا معنى لحكم الحاكم. [١٤٦٥] مسألة: فرقة اللّعان فسخ، وقال أبو حنيفة طلاق؛ وفائدة ذلك عنده أنّها غير مؤبدة فلذلك كان طلاقاً؛ فدليلنا على أنّه فسخ أنه معنى غالب يوجب الفرقة فكان فسخاً كالرضاع. [١٤٦٦] مسأله: إذا وقعت الفرقة باللعان ثم أكذب نفسه حدّ ولحق به النسب، ولم يزل التحريم، وحكي عن بعض التابعين أنّها تعود زوجة، وقال أبو حنيفة يجوز له العقد عليها؛ فدليلنا قوله ﷺ : «لا سبيل لك عليها»

стр. 668

ولأنّه تحريم لا يرتفع بزوج وإصابة، فوجب أن يكون مؤبدًا كالرضاع، ولأن اللعان قد وجد منهما جميعاً، فأشبه أن يستمر عليه ولا يكذب نفسه. [١٤٦٧] فصل: وحكى أهل الخلاف عن عثمان الليثي أنه لا تقع الفرقة باللّعان وأنهما على الزوجية؛ فدليلنا قوله ﷺ : «أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها» وروي أنه فرق بين المتلاعنين، ولأنه لما قطع به النسب الذي هو أقوى من الفراش كان بأن يقطع الفراش أولى. [١٤٦٨] مسألة: إذا حكم الحاكم بنفي النسب أو بغير ذلك من أحكام اللعان قبل تمام الالتعان لم ينفذ حكمه، وقال أبو حنيفة ينفذ إذا كان الزوج قد أتى بأكثر ألفاظ اللعان؛ فدليلنا قوله تعالى: " ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله " إلى قوله: "والخامسة" فنص على أن الحدَّ لا يسقط عنها إلا أن تأتي بالعدد المذكور، فمن قال إنه يسقط بدونه فقد خالف الظاهر، ولأنه معنى ذو عدد يتخلَّص به من القذف فوجب ألا يتخلّص ببعض عدده كالبينة. [١٤٦٩] مسألة: إذا قذف امرأته برجل بعينه يحدّ قاذفه، لاعن امرأته وحد للرجل، وقال الشافعي إذا التعن سقط عنه حدّ الرجل؛ فدليلنا أنه قذف شخصين يحد قاذفهما، فتخلّصه من قذف واحد لا يسقط حد الآخر، أصله إذا قذفه بأجنبية. [١٤٧٠] مسألة: إذا قذفها برجل ولم يسمّه لاعنها ولم يحد عن الرجل، وقال الشافعي في أحد قوليه لا يسقط حدّ الرجل؛ فدليلنا أن حدّ القذف لا يجب استيفاؤه إلا بالمطالبة، فإذا لم يسم المقذوف لم تصحّ

стр. 669

المطالبة، فلم يجب الحدّ إذا عين المزني بها ولم يعينه، ولأنّه قد يكون قاذفًا من لا حدّ في قذفه، ولأنه لو قال رأيت رجلاً يزني لم يحدّ قاذفه. [١٤٧١] مسألة: إذا قذفها بالزنا فصدّقته حدّت، ولم يلزمه حدّ القذف، فإن كان هناك نسب ينفيه لاعن، وإن لم يكن نسب لم يلاعن، وقال أبو حنيفة لا حدّ عليها لأنَّ عنده الاعتراف بالزنا مرة لا يوجب الحدّ، قال ولا يلاعن الزوج، لأنه يقول إن اللّعان إذا تعذر من جهة المرأة سقط عن الزوج؛ فدليلنا على أنّه يلاعن أنه محتاج إلى اللّعان لدفع النسب بعد تصديقها، كحاجته إليه قبله فكان له اللّعان في الحالين. [١٤٧٢] مسألة: تلاعن من نفي الحمل وإن عري عن القذف، خلافاً للشافعي؛ لأنه رماها بوطء لو كان له ولد لحق به، فكان له تحقيق ذلك باللّعان كما لو ضامه القذف، ولأن به ضرورة إلى نفي النسب موجودة وهو أصل ما وضع له الحد، ولا ضرورة به إلى القذف، لأن الدعوى تتم مع عدمها [و] كل ما صحت الدعوى مع فقده لم يكن وجوبه شرطاً، كسائر ما تستغنى الدعوى عنه. [١٤٧٣] مسألة: إذا أتت بولدين توأمين فنفاهما ثم مات أحدهما قبل الالتعان كان له أن يلتعن وينفي نسبهما، وقال أبو حنيفة لا يصحّ نفي نسب الميت ويلحق به، وإذا لحق به نسب الميت لحق به نسب الحي، فدليلنا أن به حاجة إلى نفي نسب الميت كحاجته إلى نفي نسب الحي، لأن النسب لا يبطل بالموت، يبين ذلك أنه قد يموت الميت عن ولد

стр. 670

فيلحق بالزوج وإن لم ينف الميت عنه، وإذا كان كذلك ثبت حاجته إلى نفي نسبه فكان له أن يلاعن. [١٤٧٤] مسألة: إذا نفى الولد باللّعان ثم مات الولد، فاعترف به بعد موته، فإن كان الميت ترك ولدًا أو ولد ولدٍ لحق به، فإن لم يترك ولدًا ولا ولد ولدٍ حدّ ولم يلحق به، وقال الشافعي يلحق به ويستحق ميراثه كما لو كان حياً، فدليلنا أن إقراره يتضمّن شيئين: أحدهما كذبه، وهو معنى لا يتهم فيه فضرب الحد، والآخر استحقاق ميراثه منه مع انتفاء الحاجة إلى الإقرار، فلم يقبل للتهمة وانتفاء الحاجة، ويفارق ذلك إذا كان هناك ولد للميت. لأن به حاجة إلى الإقرار بنسبه. [١٤٧٥] مسألة: إذا شهد أربعة بالزنا على امرأة لم تقبل شهادة الزوج عليها ويلاعن ويحد الثلاثة، وقال أبو حنيفة يقبل إذا لم يكن قد تقدم منه قذف لها ويحد للمرأة؛ فدليلنا قوله تعالى: " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم "، الآية، وقوله ﷺ لهلال: «ألك بينة وإلا حد في ظهرك»، ولو كان يجزيه ثلاثة مع شهادته لم يكلفه أربعة، ولأنها بينة في الزنا لم تتم إلا بالزوج، فوجب أن لا يحكم بها كما لو قذفها ثم شهد عليها بعد القذف. [١٤٧٦] مسألة: إذا قالت امرأة لزوجها أو لأجنبي: يا زانية بلفظ التأنيث، أو قاله أجنبي لأجنبي، فلا نعرف فيها نصاً، وقال من أدركناه من

стр. 671

شيوخنا يجب أن يكون قذفاً، خلافاً لأبي حنيفة وأبي يوسف؛ فدليلنا أن اللّفظ إذا فهم معناه لم يضر دخول اللّحن والغلط في اللّفظ من موجبه، أصله لو لحن فيه فقال: أنت زانياً، وقد ذكر عنهم أنّهم يسلّمون أن قول الرجل للمرأة يا زان، قذف، فنقيس عليه قول المرأة للرجل يا زانية، ولأن أشد ما في ذلك أن يكون تعريضاً، وذلك يوجب الحدّ عندنا، ولأن له وجهاً صحيحاً يعبر عنه بهذه العبارة وهو أن يريد يا نسمة زانية. [١٤٧٧] مسألة: إذا بانت منه زوجته بالطلاق الثلاث أو بالخلع، ثم قال: رأيتها تزني في عدتها، فله أن يلاعن، كان هناك حمل أو لم يكن، وقال الشافعي: له أن يلاعن إن كان هناك نسب ينفيه، فإن لم يكن نسب فليس له أن يلاعن، وقال أبو حنيفة ليس له أن يلاعن على كل وجه. فدليلنا على الشافعي أنه قد يأتي من أهل الزنا ولد يخاف أن يلحق به إن لم ينفه، ولأنه قذفها بشرط حصل وحكم الفراش ثابت في الماء والنسب، فجاز له تحقيقه باللعان، أصله إذا كان هناك نسب. ودليلنا على أبي حنيفة أنه قذف هو محتاج إليه فجاز له تحقيقه باللّعان كما لو قذفها قبل الطلاق، ولأنه قذفها بزنا في حال لو أتت بولد للحق به فكان له تحقيقه باللّعان، أصله الزوجة. [١٤٧٨] مسألة: إذا ظهر بالمرأة حمل والزوج حاضر فلم ينفه حتى وضعت، أو قبل أن تضع وقد سكت عن نفيه بعد علمه به، لم يكن له أن يلاعنها ويلحق به إلا أن يكون له عذر في سكوته، وقال أبو حنيفة له أن ينفيه بعد الوضع بيوم أو يومين؛ فدليلنا على أنّه لا يلاعن، أن العرف يكدذبه لأنه ليس لسكوته وجه يحمل عليه إلا الرضا، لأنه لو أراد نفيه لم يسكت عنه، فلمّا سكت عنه وهو قادر على نفيه ولا عذر له في سكوته كان كاعترافه به. [١٤٧٩] مسألة: إذا قال لها: يا زانية، فقالت بك زنيت، فذلك صريح في القذف، فإن كانت أجنبية حدت للزنا وحدّت للقذف ولا حدّ عليه، وإن كانت زوجة فكذلك أيضاً، ولا لعان على الزوج، وقال الشافعي

стр. 672

ليس ذلك بصريح في القذف، فإن أرادت به القذف كان قذفاً، وللزوج أن يلاعن؛ فدليلنا أن قولها: بك زنيت تصديق منها له بأنّها زنت وادعاء عليه أنّه زنى كما لو قالت: زنيت وزنيت أنت. [١٤٨٠] مسألة: الأمة تصير فراشاً بوطئه وبإقراره بالوطء، فإذا أتت بولد لستة أشهر من يوم وطئها أو أقر بوطئها ثبت نسبه منه، إلا أن ينفيه فيدّعي الاستبراء، وقال أبو حنيفة لا تصير فراشاً بحال ولا يلحق به ولدها إلا أن يقر بنسبه؛ فدليلنا حديث سعد وعبد بن زمعة لما اختصما إلى رسول الله ﷺ في ابن وليدة زمعة، فقال سعد: أخي عهد إلي فيه، وقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فقضى به رسول الله ﷺ لعبد بن زمعة، وقال: «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، ولأن الوطء بالملك سبب يثبت به تحريم المصاهرة، فجاز أن تصير به المرأة فراشاً كعقد النكاح، ولأنّه وطء لا يجب به الحدّ على الواطىء بحال، صادف من ليست بفراش فجاز أن يثبت به الفراش كالوطء في النكاح الفاسد. [١٤٨١] مسألة: إذا عقد على امرأته فأتت بولد لا يمكن أن يكون منه لم يلحق به، وقال أبو حنيفة إمكان الوطء غير معتبر في لحوق النسب، والمعتبر حصول العقد وكون الزوج ممن يمكنه الوطء؛ فدليلنا أنها أتت بولد لا يمكن أن يكون منه، فوجب أن لا يلحق به كالصغير. * * *

стр. 673

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب العدة [١٤٨٢] مسألة: الأقراء المعتد بها في العدة الأطهار؛ وقال أبو حنيفة الحيض؛ فدليلنا قوله تعالى: " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " وفيه أدلة: أحدها: أن القرء في اللغة اسم للطهر والحيض، والمراد أحدهما فيجب إذا قعدت ما ينطلق عليه الاسم أن يجزيها، وإن شئت بنيته على الأخذ بأوائل الأسماء كما فعلنا ذلك في نظائره من الأبوين والشفقين. والآخر: أنه بصيغة التذكير، لأن جمع المؤنث، ما دون العشرة، بغير هاء، وذلك يفيد أنه جمع قرء وهو طهر لا حيض. والثالث: أن إطلاق الأمر والاخبار على الفور، ولا يمكن ذلك إلا على الوجوب [على] ما نقوله أن يطلّقها طاهرًا فتعتدّ عقيب الطلاق، أو حائضاً فعقيب الحيض.

стр. 674

وقوله تعالى: " فطلقوهن لعدتهن " أي في حال يعتددن فيها، وعندهم أن حال الطهر ليست بحال عدة، وقوله ﷺ في حديث ابن عمر: «مره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلّق وإن شاء أمسك، فتلك العدّة التي أمر الله بها أن تطلّق لها النساء»، وهذا نص، ولأنّه حيض كالذي يطلّق فيه، ولأنه زمان يجوز إيقاع الطلاق فيه فوجب أن يكون معتدًا فيه، أصله الحمل. [١٤٨٣] مسألة: إذا تأخر حيضها لا لعارض فإنها تجلس غالب مدّة الحمل، وهو تسعة أشهر، ثم ثلاثة، والعدّة هي الثلاثة الأشهر التي بعد التسعة وإن حاضت قبل السنة ولو بيوم حسب ما مضى قرءًا، وإن تمّت السنة من غير حيض حلّت، وقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد تمكث أبدًا حتى براءة رحمها قطعًا؛ فدليلنا أن ذلك مروي عن عمر بن الخطاب، ولا مخالف له، وروي أنه قال: أيما امرأة طلّقت فحاضت حيضة أو حيضتين، ثم رفعتها حيضتها، فإنها تنتظر تسعة أشهر، فإن بان بها حمل فذاك، وإلا اعتدت بعد التسعة بثلاثة أشهر ثم حلّت، ولأن الغرض من ذلك العلم ببراءة الرحم، وقد بطل أن يراعى فيه اليقين والقطع، لأن ذلك يوجب أن تجلس أقصى مدة الحمل، وأن لا يحكم ببراءة رحمها بمضي الثلاثة الأقراء، ومضي الثلاثة الأشهر لمن قد قاربت البلوغ، وذلك باطل، فلم يبق إلا الاعتبار بالظاهر وقد حصل. [١٤٨٤] مسألة: الصبي الذي لا يجامع مثله إذا مات وامرأته حامل فإنها تعتدّ بالشهور دون وضع الحمل، وفائدة ذلك أنّها إن وضعت قبل مضي أربعة أشهر لم تحل حتى تمضي الشهور، وقال أبو حنيفة تعتدّ بوضع

стр. 675

الحمل؛ فدليلنا أنّه حمل لا يمكن أن يكون منه، فلم ينقض به العدّة عنه كما لو حملته بعد وفاته ولأنها معتدة من وفاة ممّن لا يجامع مثله، فوجب أن يكون عدّتها بالشهور كالحامل. [١٤٨٥] مسألة: إذا كانت حاملاً بولدين فوضعت واحدًا لم تنقض العدّة إلا بوضع الآخر، وقال عكرمة تنقضي العدة بوضع الأول؛ فدليلنا قوله تعالى: " أن يضعن حملهن " وهذه لم تضع الحمل، وإنّما وضعت بعضه، ولأن العدّة إنما تراد لبراءة الرحم، وما لم تضع الثاني فالرحم مشغولة غير برية فلم تنقض العدّة، ولأن العدّة بالشهور وبالأقراء وبوضع الحمل، ثم قد ثبت أنها تعتد بثلاثة أشهر كوامل، كذلك بثلاثة أقراء كوامل، فكذلك بوضع الحمل الكامل. [١٤٨٦] مسألة: إذا طلّقها فأتت بولد لستة أشهر فأكثر من وقت انقضاء عدّتها ودون أربع سنين لحق بالزوج، وقال أبو حنيفة لا يلحق به؛ فدليلنا أنّها أتت به بعد زوال فراش النكاح وقبل حدوث فراش آخر يمكن أن يكون منه، فوجب أن يلحق به، أصله إذا أتت به دون ستة أشهر من وقت انقضاء العدة. [١٤٨٧] مسألة: إذا خلا بزوجته على أنّه لم يصبها فعليها العدة، وقال الشافعي لا عدّة عليها؛ فدليلنا أن الخلوة تقتضي الوطء، وهي الغالب من حال من يخلو بزوجته، والوطء يوجب العدة وكمال المهر، فإذا قال لم أطأ، وساعدته على ذلك، لم يسقط حق الله الواجب بظاهر الحال، باتفاقهما على إسقاطه. [١٤٨٨] مسألة: إذا طلقها أو مات عنها وهو غائب، فابتداء العدّة من وقت الطلاق والموت، لا من وقت سمعت بها، وذكر عن علي بن أبي

стр. 676

طالب ﵁ أن العدة من وقت العلم به، وعن عمر بن عبد العزيز أنه إن ثبت ذلك بالبينة فالعدة من وقت الطلاق أو الموت، وإن ثبت بسماع فالعدّة من وقت السماع؛ فدليلنا قوله تعالى: " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " ولم يفرق، ولأنها عدّة عن طلاق أو موت فكانت من وقت حصول موجبها كالحاضر. [١٤٨٩] مسألة: عدة الأمة قرءان، وقال داود ثلاثة أقراء، فدليلنا أن ذلك مبني على أن طلاق العبد اثنان، وقد قدمناه، ولأنه ذو عدد ثلاث من أحكام النكاح فكان في الرق ناقصًا عن الحرية كطلاق العبد. [١٤٩٠] مسألة: إذا مات عن حامل اعتدت بالوضع دون الشهور، وروي عن علي وابن عباس رضوان الله عليهما أنّها تعتد بأقصى الأجلين؛ فدليلنا قوله تعالى: " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " ولم يفرق، وروي أن سبيعة الأسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر فقال لها رسول الله ﷺ : «قد حللت فانكحي»، ولأنه يعلم بوضع الحمل

стр. 677

براءة رحمها كذوات الأقراء، ولأن الأشهر عدّة بنفسها فلا تجتمع مع الحمل فيصيران عدّة واحدة، أصله في حق المطلقة. [١٤٩١] مسألة: لا نفقة للمتوفى عنها إذا كانت حاملاً، وذكر عن قوم من السلف أن لها النفقة في تركة الميت؛ فدليلنا أنها معتدة من وفاة، فوجب أن لا تستحق النفقة كالحائل، ولأن ذلك لو وجب لكان الولد يستحق النفقة في حقوق الورثة، وذلك باطل كما لو وضعت. [١٤٩٢] مسألة: إذا كانت المتوفى عنها المدخول بها ممن تحيض، فاعتدت بالشهور، فلا بدّ من حيضة إذا لم تكن عادتها تأخير الحيض، وقال أبو حنيفة يبريها مضي المدة من غير حيض؛ فدليلنا أنها بائن من ذوات الحيض لم يتيقن براءة رحمها فلم تبرأ إلا بالحيض أو بالتربص الدال على براءة الرحم القائم مقام الحيض، أصله المطلّقة، ولأن تأخير الحيض عن عادته من غير عارض أو سبب يعرف ريبة ولا يجوز النكاح مع الريبة. [١٤٩٣] مسألة: المعتدّة إذا انقضت عدّتها ثم حدث لها ريبة قبل أن تنكح فحكمها كالتي حدثت بها الريبة في العدّة لا يجوز لها أن تتزوج، فإن تزوجت فالنكاح باطل، خلافاً لبعض الشافعية؛ لأنها نكحت مع الريبة كما لو وجد بها ريبة في العدّة، ولأنا لو صححنا النكاح كان يكون موقوفاً على العلم بالحمل، فإن بان الحمل تبينا أنه كان باطلاً وإلا كان صحيحاً، فالنكاح لا يقع موقوفاً على العلم ببراءة رحم المنكوحة. [١٤٩٤] مسألة: المطلقة البائن لها السكنى دون النفقة، وقال أبو حنيفة لها النفقة والسكنى. [١٤٩٥] مسألة: وقال أحمد بن حنبل لا سكنى لها؛ فدليلنا أنّه لا نفقة لها قوله تعالى: " وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن

стр. 678

حملهن " فدل على أنّها إذا كانت حائلاً فلا نفقة لها، وحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله ﷺ أخبرها أن لا نفقة لها، وهو في «الموطأ»، ولأنها بانت عن زوج كالمتوفى عنها، ولأنه نوع من البينونة كالموت، ولأن النفقة في مقابلة التمكن من الاستمتاع، وقد زال ذلك بالبينونة. [١٤٩٦] مسألة: فصل: ودليلنا على وجوب السكنى قوله تعالى: " أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم "، وهذا عائد على المطلقات خاص في المبتوتات، ولأنها معتدّة عن طلاق فكان لها السكنى كالرجعية. [١٤٩٧] مسألة: وللمتوفى عنها زوجها السكنى، خلافاً لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي؛ لقوله ﷺ : «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله»، ولأنّ البينونة لا تنفي وجوب السكنى كالطلاق. [١٤٩٨] مسألة: إذا طلّقت أمة فاعتدّت بعض عدتها ثم أعتقت فإنّها تمضي على عدة الأمة، ولا تنتقل إلى عدة الحرة وإن كان الطلاق بائناً أو رجعياً، وقال أبو حنيفة إن كان رجعياً انقلبت إلى عدّة الحرة، وإن كان

стр. 679

بائناً لم تنتقل؛ فدليلنا أنها أمة معتدة عن طلاق فلم تتغير عدّتها مع بقاء زوجها، كالتي لم تعتق، ولأنها معتدة عن طلاق فلم ينتقل اعتدادها ما دامت معتدّة عنه، أصله الطلاق البائن، ولأن الاعتداد بالحيض طريقه الاستبراء من غير مراعاة زمان، فإذا لزم الأمة ثم طرأ العتق في أثنائه فلم يتغير حكمه كالأمة المستبرأة. [١٤٩٩] مسألة: إذا أسقطت المطلقة مضغة أو علقة فإن عدتها تنقضي به، وقال أبو حنيفة لا تنقضي به عدّتها إلا بأن يتبين شيء من خلقه؛ فدليلنا أنّه أول خلق الآدمي مستحيل من النطفة، فوجب إذا ألقته أن تنقضي به عدّتها كما لو بان فيه تخطيط، ولأنّه ينطلق عليه اسم الحمل والإسقاط فوجب أن تنقضي به العدّة كالولد. [١٥٠٠] مسألة: المبتوتة في المرض عدتها عدّة المطلقات إذا مات زوجها، وقال أبو حنيفة عدّتها أقصى الأجلين؛ فدليلنا قوله: " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء "، وقوله: " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن "، ولأنها مبتوتة في المرض كالمبتوتة في الصحة ولأن مرض الزوج لا تأثير له في زيادة العدّة ولا نقصانها، لا في حق المرأة ولا الزوج، بدليل أنها لو خرجت من العدة قبل موته لم يلزمها عدّة أخرى، ولو طلقها وهي مريضة لم يجب عليها من العدّة إلا ما يجب على الصحيحة، فكذلك إذا مات عنها وهي في العدّة. [١٥٥١] مسألة: الأمة الزوجة إذا دخل بها ولم تبلغ المحيض فعدتها من الطلاق ثلاثة أشهر، وكذلك الآيسة كالحرة، وللشافعي ثلاثة أقاويل: منها شهران، ومنها شهر ونصف، فدليلنا قوله تعالى: " واللاتي يئسن من

стр. 680

المحيض من نسائكم " إلى قوله: " واللائي لم يحضن " فعم، ولأنها طريقة العلم ببراءة الرحم تستوي فيه الحرة والأمة كوضع الحمل. [١٥٠٢] مسألة: عدّة المستحاضة من الطلاق سنة إذا عدمت التمييز، وللشافعي أقاويل: منها أنّها تبقى أبدًا لا تخرج من العدّة حتى تيأس من المحيض؛ فدليلنا، أن ما قلناه مروي عن عمر، ولا مخالف له، ولأنّ الغرض أن تعلم براءة رحمها في الظاهر والغالب دون القطع، وذلك يحصل بجلوسها غالب مدة الحمل وبالثلاثة الأشهر بعده. [١٥٠٣] مسألة: على الصغيرة إذا مات زوجها أو طلقها العدّة، وقال داود لا عدّة عليها؛ فدليلنا عموم الطاهر من قوله تعالى: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً " " واللاتي لم يحضن "، ولأن طلاق الزوج أو موته يوجب عدّة كالبالغ. [١٥٠٤] مسألة: إذا مات المسلم عن الكتابية ففي عدّتها روايتان: إحداهما الشهور كعدّة المسلمة، والأخرى استبراء رحمها. فوجه الأولى عموم الطاهر، ولأنه نوع من البينونة كالطلاق، ولأنّها زوجة للمسلم مات عنها كالمسلمة، ولأن كل عدّة لزمت المسلمة لزمت الكتابية كوضع الحمل. ووجه الثانية أن تربصها يتعلّق به حقان، حق النسب وهو العلم ببراءة الرحم، وحق الله تعالى وهو ما زاد على ذلك إلى آخر الشهور، والكفار لا يؤخذون بحقوق الله تعالى المتجردة عن حقوق الآدميين.

стр. 681

[١٥٠٥] مسألة: إذا تزوجت في العدّة ووطئها الثاني، فهل تتداخل العدّتان؟ أم لا؟ روايتان، فإذا قلنا إنهما تتداخلان، وهو قول أبي حنيفة، فوجهه أن الغرض الذي له ترادان هو العلم ببراءة الرحم، وذلك يحصل مع التداخل، أصله إذا حملت، وإذا قلنا لا تتداخلان، وهو قول الشافعي، فوجهه أنّه وطء له حرمة فوجب استيفاء عدّته كالأولى. [١٥٠٦] مسألة: إذا أذن لزوجته في الحج فأحرمت ثم طلقها أو مات، مضت على إحرامها ولم ترجع إلى منزلها، خلافاً لأبي حنيفة في قوله إنها تقيم على عدّتها؛ لقوله تعالى: " وأتموا الحج والعمرة لله "، ولأن الحج أسبق من العدة وينوب عن مقامها في منزلها، ولأنه يمنع النكاح والوطء فكان أولى. [١٥٠٧] مسألة: الإحداد واجب على الزوجة المتوفى عنها، وحكي عن بعضهم أنّه غير واجب؛ فدليلنا، أنه ﷺ سئل عمن مات زوجها فاشتكت عينها هل تكتحل؟ فقال: "لا"، ولأن الزينة والطيب داعيان إلى النكاح فمنعت منه كالمحرم، ولأنها لما منعت من التصريح بالخطبة في العدّة وكان التطيب والزينة أبلغ في الدعاء إلى النكاح منه كان أولى بالمنع. [١٥٠٨] مسألة: لا إحداد على مطلّقة، خلافاً لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي؛ لأنّها معتدة عن طلاق كالرجعية.

стр. 682

[١٥٠٩] مسألة: على الصغيرة الإحداد، خلافاً لأبي حنيفة؛ للخبر ولأنّها زوجة، فلزمها الإحداد بموت زوجها كالبالغ. [١٥٠٩] مسألة: على الأمة الزوجة الإحداد، خلافاً لقوم؛ للخبر وهو أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن ابنتي توفي زوجها وقد اشتكت عينها أفأكحلها؟ قال: «لا» مرتين أو ثلاثاً، وهذا نقل الحكم مع سببه، ولأن الإحداد يلزم لحق الله تعالى من غير إبطال لحق السيد، فأشبه الإمتناع من التزويج، ولأن الأمة من أهل العبادات، فالإحداد عبادة يتعلّق بها حق الله وحق الزوج وحق النسب، فوجب أن يكون لازماً لها كاستبراء الرحم، ولأنها زوجة كالحرة. [١٥١١] مسألة: الصحيح أن على الكتابية الإحداد، خلافاً لأبي حنيفة وبعض أصحابنا؛ لعموم الخبر، واعتباراً بالمسلمة. [١٥١٢] مسألة: إذا رفعت امرأة المفقود أمرها إلى الإمام، سأل عنه وفحص عن خبره، فإذا اجتهد فلم يقف له على خبر، ضرب لها أجل أربع سنين من وقت انتهى إليه افتقاده، ثم تعتدّ عدة المتوفى، وتتزوج بعدها إن شاءت، وقال أبو حنيفة والشافعي تجلس أبدًا؛ فدليلنا إجماع الصحابة لأنه روي عن عمر وعثمان أنه يضرب لها أجل أربع سنين، ثم يفرق

стр. 683

بينهما، وروي مثله عن علي، ولا نعرف مخالفاً لهم، وروي عن خلق كثير من التابعين، ولأنه لما كان الخيار ثابتاً لها في الفرقة مع العنّة والإيلاء ولم يكن فيهما إلا فقد الوطء دون فقد العشرة والنفقة، كان في مسألتنا الجامعة لفقد كل ذلك أولى. [١٥١٣] مسألة: أم الولد إذا توفي سيدها استبرأت بحيضة، وحكي عن عمرو بن العاص ﵁ أنها تعتدّ أربعة أشهر وعشرا، وقال أبو حنيفة عدتها ثلاثة قروء كالحرة؛ فدليلنا أنه وطء بالملك فلم يجب له عدّة زائدة على الاستبراء كالأمة، ولأنها ليست بزوجة فيلزمها عدّة الزوجات كالأمة. [١٥١٤] مسألة: إذا قال المطلّق: قد راجعتك، فقالت قد انقضت عدتي، فالقول قولها إن كان قد مضى زمان يمكن ذلك فيه، وقال أبو يوسف ومحمد: القول قول الزوج؛ فدليلنا أن المرأة مؤتمنة على ذلك لقوله تعالى: " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن "، ولأن ذلك لا يوصل إلى العلم به إلا من جهتها، فكان القول قولها، ولأنها لو قالت: لم تنقض عدتي، وقال الزوج بل انقضت فإن القول قولها، فكذلك إذا ادعى الزوج بقاءها وأدعت هي زوالها، لأن ذلك دعوى في العدد. [١٥١٥] مسألة: في أكثر الحمل ثلاث روايات، الصحيح منها أربع سنين، وقال أبو حنيفة أكثره سنتان، وقال داود لا يكون الحمل أكثر من تسعة أشهر؛ فدليلنا على أبي حنيفة ما روي أن عمر بن الخطاب ضرب

стр. 684

لامرأة المفقود أجلاً أربع سنين ولم يكن ذلك إلا أنّه غاية الحمل، وروي مثله عن عثمان وعلي، ولا مخالف لهم، ولأن بالمدينة كان مستفيضاً عندهم أن نساء الماجشون كن يلدن لأربع سنين، ولأن ما زاد على السنتين لو لم يكن مدة للحمل لم يلحق به إذا ادعاه وأكذبته، [و] في لحوقه به دليل على أنّه من مدّته، فدليلنا على داود ما ذكرناه. [١٥١٦] مسألة: إذا عجزت المكاتبة جاز له وطؤها، ولا حاجة به إلى الإستبراء، خلافاً للشافعي؛ لأنها لم تزل عن ملكه فلم يحتج إلى استبرائها كالأمة. [١٥١٧] مسألة: لا يجوز العقد على حامل من زنا حتى تضع حملها، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن "، ولأنه حمل لا يلحق به، فلم يجز العقد له على الحامل به، أصله إذا كان لاحقاً لغيره. ***

стр. 685

كتاب الرضاع [١٥١٨] مسألة: لبن الفحل يحرم، خلافاً لقوم؛ لقوله ﷺ : «يحرم من الزضاع ما يحرم من الولادة»، وعن عائشة قالت: جاء عمّي من الرضاعة فاستأذن علي، فأبيت أن آذن له، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك؟ فقال: «إنّه عمك فأذني له» فقلت: إنّما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فقال: «إنّه عمك فليلج عليك» وذلك بعد أن ضرب علينا الحجاب، ولأنه تحريم يثبت بالنسب فوجب أن يثبت مثله بالرضاع كالأمومة. [١٥١٩] مسألة: تحرمم المصة الواحدة، وقال الشافعي لا يحرم إلا خمس رضعات، وقال قوم ثلاث رضعات؛ فدليلنا قوله تعالى: " وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ". وقوله ﷺ : «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة»، ولأن كل معنى أوجب حرمة يقتضي تحريماً مؤبداً، فإنّه يعتبر وجود تحريمه من غير عدد، أصله العقد والوطء، واعتباراً بالخمس، بعلّة أنّه ارتضاع من لبن له تأثير في التحريم من مدّة الحولين.

стр. 686

[١٥٢٠] مسألة: لا يحرم رضاع الكبير، خلافاً لما روي عن عائشة ﵂، فدليلنا قوله تعالى: " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة "، وقوله تعالى: " وفصاله في عامين "، وقوله ﷺ : «الرضاعة من المجاعة» و «لا رضاع إلا ما أنبت اللّحم وأنشر العظم». [١٥٢١] مسألة: وفيما زاد على الحولين خلاف، لما روى ابن عبد الحكم أن الأيام اليسيرة في حكم الحولين، وروى ابن القاسم شهرين، وروى عبد الملك شهرًا ونحوه، وقال محمد بن عبد الحكم لا يحرم ما زاد على الحولين بوجه، وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة ستة أشهر؛ فدليلنا [على] أن الزيادة اليسيرة معتبرة قوله ﷺ : «إنّما الرضاعة من المجاعة» ومعلوم أن الطفل لا يستغني بالطعام بعد يوم أو يومين من فطامه، فكان ذلك كرضاعه في الحولين، ولأنه إرضاع مع المجاعة إليه كالحولين؛ ودليلنا على أبي حنيفة أنها مدّة زائدة على الحولين فيستغنى فيها بالطعام فلم يؤثر إرضاعه فيها كالسنة. [١٥٢٢] مسألة: الإرتضاع من الميتة يوجب التحريم، خلافاً للشافعي؛ لقوله ﷺ : «الرضاعة من المجاعة»، وقوله: «لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء»، ولأنه لبن آدمية وصل إلى جوف المرضع في مدّة الحولين

стр. 687

كاللبن المأخوذ بحال الحياة، ولأنّها إحدى حالتي المرأة كالحياة. [١٥٢٣] مسألة: إذا استهلك اللّبن في ماء أو مائع أو دواء، وغلب، فشربه صبي لم يثبت به حكم الرضاع، خلافاً للشافعي؛ لأنّ استهلاكه في الماء يبطل حكمه، ويجعل الحكم للماء، ولأنه لا يقع عليه اسم اللّبن، ولهذا لا يجب به [الحنث إذا حلف لا يشرب لبنا وشربه] فأشبه الماء الخالص، ولأن تعلّق تحريم المناكحة باللبن كتعلق وجوب الحدّ بشرب الخمر، ثم قد ثبت أن النقطة من الخمر إذا استهلكت في الماء فإنّه لا يتعلّق بشربه حدّ، وكذلك اللّبن. [١٥٢٤] مسألة: إذا فصل قبل الحولين واستغنى بالطعام، ثم أرضع في الحولين لم يحرم، وقال الشافعي يحرم ما دام في الحولين؛ فدليلنا قوله ﷺ : «إنما الرضاعة من المجاعة» وقوله: «الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم»، وكل هذا تعلّق الرضاع بالحاجة إليه، ولأنه رضاع لمستغن عنه بالطعام كما لو كان بعد انقضاء المدّة. [١٥٢٥] مسألة: الوجور يحرم، خلافاً لداود؛ لأنه صفة لوصول اللبن إلى الجوف كالإرضاع. [١٥٢٦] مسألة: الحقنة باللبن لا تحرم، خلافاً لبعض أصحابنا وأحد قولي الشافعي؛ لأنه وصول اللّبن إلى الجوف بحيث لا يحصل به تغذ بحال كرضاع الكبير.

стр. 688

كتاب النفقات [١٥٢٧] مسألة: الإعتبار في نفقات الزوجات بحال الزوجين معاً، يفرض لها كفايتها على ما يرى من قدرها وقدره في العسر واليسر، وليست بقدر محدود، وقال الشافعي هي مقدّرة لا اجتهاد فيها، معتبرة بحال الزوج وحده، فعلى الموسر مدّان، وعلى المتوسط مذ ونصف، وعلى المعسر مدّ؛ فدليلنا قوله تعالى: " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف "، وذلك ينفي التقدير، وقوله ﷺ لهند، وقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» فردها إلى ما تعلمه كافياً لها من غير تحديد، ولأنّ النفقة في مقابلة الإستمتاع وما تبذله من ذلك غير محدود فكذلك العوض عنه. [١٥٢٨] مسألة: إذا لم يكفها خادم واحدة وكانت حاله تحتمل، أخدمها خدمة مثلها، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: " وعاشروهن بالمعروف " ولأنّه لما وجب إخدامها بالواحدة لحاجتها إليها، كذلك إذا احتاجت إلى الزيادة عليها، ولأنه نوعٌ من المؤنة يلزمه لها

стр. 689

فكان الواجب منه قدر كفايتها إذا احتملت حاله كالكسوة. [١٥٢٩] مسألة: إذا تزوج الكبير بصغيرة لا يوطأ مثلها فلا نفقة لها، خلافاً للشافعي في أحد قوليه؛ لأن الإستمتاع يتعذر منها لقصورها عن بلوغه، فلم تستحق العوض عليه، ولأنه لو وجبت النفقة لها لكان يجب لها بنفس العقد وذلك باطل اعتبارًا بالناشز، ولأنّ البدل إذا كان في مقابلته مبدل فإن تعذر تسليم البدل يمنع وجوب تسليم المبدل، سواء كان بتفريط أو بعذر كالبيع. [١٥٣٠] مسألة: الصغير إذا تزوج الكبيرة فلا نفقة عليه إن كان مثله لا يطأ، وقال الشافعي في أحد قوليه يلزمه؛ لأنّ النفقة عوض من الإستمتاع فإذا كان الزوج ممّن لا يتأتى منه الإستمتاع لقصوره فلا نفقة عليه، ولأنها لما عقدت على نفسها لمن لا يتأتى منه الإستمتاع لا لعارض فقد رضيت بترك النفقة، لأنها قد علمت أنّ الزوج لا يحصل له عوضها. [١٥٣١] مسألة: النفقة بالزوجية تسقط بالنشوز، وحكي عن ابن عبد الحكم أنّها لا تسقط؛ فدليلنا أن النفقة في مقابلة التمكين من الإستمتاع فإذا منعته لم تستحق بدله، كالأجرة في مقابلة المنفعة، والثمن والمثمن. [١٥٣٢] مسألة: إذا أعسر بالنفقة ثبت لها المطالبة بالفراق، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: " وعاشروهن بالمعروف "، وقوله تعالى: " فإمسأك بمعروف أو تسريح بإحسان "، وقوله ﷺ : «تقول امرأتك أنفق علي أو طلقني» وهذا إخبار عما لها أن تفعله، ولأن النفقة في مقابلة

стр. 690

الإستمتاع، فلمّا كان إذا نشزت لا نفقة لها بمنع الإستمتاع، فكذلك إذا لم يجد النفقة من جهته فلها مفارقته، ولأنه لما كان لها مفارقته في الإيلاء والعنة وضررهما أيسر من ضرورة عدم النفقة، فكان في عدم النفقة أولى. [١٥٣٣] مسألة: الإعسار بالصداق قبل الدخول يوجب لها الفرقة إذا طالبت بذلك، خلافًا لأبي حنيفة؛ لاتفاقنا على أنها لها أن تمنع نفسها حتى تقبض الصداق، كما للبائع أن يمنع إقباض السلعة حتى يقبض الثمن، ولأن في منع المفارقة إضرارًا بها، لأنها إما أن تلزم الرضا بذمته أو انتظاره إلى أن يتبين [اليسر] وكل ذلك ضرر، ولأن سبب تعذر الإستمتاع إذا كان من جهته وآل إلى الضرر ثبت لها الخيار كالعنة والإيلاء. [١٥٣٤] مسألة: لا يلزم الأم إنفاق على الولد، وقال الشافعي يلزمها عند عدم الأب والجد؛ فدليلنا أن كل من لا يلزمها إرضاعه في بعض الأوقات إلا بعوض، لم يلزمها الإنفاق عليه كالأجنبية، ولأن الإنفاق على شخص إذا وجب على إنسان، لم ينتقل إلى غيره من الأقارب اعتبارًا بالعم والخال أنه لا يلزمه نفقة الولد بعد موت الأب. [١٥٣٥] مسألة: لا يلزم الجد النفقة على ولد الولد، خلافاً للشافعي؛ لأنّه قد حال بينه وبين من تلزمه له النفقة فلم تنتقل إليه بعد موته كالأخ، وكذلك الخلاف في وجوب نفقة الجد على ولد ولده، ولأن النفقة على الأقارب لا تجب انتقالاً، وإنما تجب ابتداء اعتبارًا بغير الوالدين وا لمولودين. [١٥٣٦] مسألة: لا تجب النفقة لغير الوالدين دنية والأولاد دنية، وقال الشافعي تجب عليه لكل ذي رحم محرم منه كالأخوة والأخوات وغيرهم؛

стр. 691

ودليلنا أنها قرابة بعدت عن الولادة من الطرفين فلم تجب بها نفقة كابن العم. [١٥٣٧] مسألة: على الأم إرضاع ولدها إذا كانت زوجة أبيهم، إلا أن يكون مثلها لا يرضع لشرف وعز وعلوِّ قدر، أو لسقم وقلة لبن، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجب ذلك عليها في الحالين، وقال أبو ثور يجب ذلك عليها في الحالين. ودليلنا على أبي حنيفة والشافعي قوله تعالى: " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين "، ولا يجوز أن يكون المراد به الخبر، لأنّه لا فائدة فيه، فثبت أن المراد به الأمر، ولأن العرف جار بذلك في غالب أمور الناس أن المرأة تلي رضاع ولدها بنفسها من غير أن يكلّف زوجها أجرة، وما يجري العرف به فهو كالشروط، ولأنه لو كان لا يقبل من الرضاع غيرها للزمها إرضاعه، وما يستحق على الإنسان الجبر عليه لا يستحق عليه أجرة عكسه الأجنبية. ودليلنا على أبي ثور أن العرف جار بأن مثلها لا يرضع، ففي تكليفها خلاف العرف من حدّ ما دخلا عليه إضرار بها فلم يلزم. [١٥٣٨] مسألة: لا يسقط عن الأب نفقة الإبنة ببلوغها حتى تتزوج ويدخل بها زوجها، وقال أبو حنيفة والشافعي تسقط نفقتها ببلوغها؛ فدليلنا أن كل حال ثبت له فيها إجبارها على النكاح وجب نفقتها عليه كالصغيرة. [١٥٣٩] مسألة: يلزم الإبن النفقة على أبيه إذا كان معسراً وإن كان صحيحاً، خلافاً للشافعي في أحد قوليه إنه لا تلزمه النفقة له إلا إذا كان فقيراً زمناً؛ لقوله تعالى: " وبالوالدين إحساناً " واعتبارًا بكونه زمناً مع تأكده مع الأولاد.

стр. 692

[١٥٤٠] مسألة: إذا أسلمت المرأة نفسها وأمكنت من الإستمتاع والزوج قادر على ذلك استقرت لها النفقة من غير حاجة إلى فرض الحاكم، وقال أبو حنيفة لا تستقر لها إلا بفرض الحاكم؛ ودليلنا أنه حق مالي يجب في مقابلة الإستمتاع، فإذا أسلمت نفسها وأمكنت من بدلها لم ينتظر فرض الحاكم كالمهر، لأنه عوض على منفعة كالأجرة على الإجارة. [مبيت المبتوتة في بيتها] [١٥٤١] مسألة: لا يجوز لمبتوتة أن تبيت في غير بيتها حتى تنقضي عدّتها؛ خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ لأنها بائن كالمتوفى عنها. [الحضانة] [١٥٤٢] مسألة: إذا تزوجت الأم ودخل الزوج بها سقطت حضانتها، خلافاً لما يحكى عن الحسن؛ لقوله ﷺ : «أنت أحق به ما لم تنكحي» ولأنه يلحق الضرر بالصبي بكونه مع زوج أمه ويلحق أباه أيضاً فكان [له] إزالته عنه. [١٥٤٣] مسألة: الحضانة ثابتة للأم على البنت إلى أن يدخل زوج البنت بها، وقال الشافعي تنقطع حضانتها أيام بلوغ البنت؛ فدليلنا أن بلوغها لم يؤثر في سقوط إجبار الأب إياها عن النكاح، فلم يؤثر في سقوط الحضانة كحال الصغير، ولأنّ الإبنة محتاجة من الحفظ والمراعاة إلى

стр. 693

أكثر ممّا يحتاج إليه الإبن، وحاجتها إلى ذلك بعد البلوغ أكثر وأشدّ. [١٥٤٤] مسألة: إذا أراد الأب النقلة إلى بلد آخر فهو أحق بالولد، وكذلك لو أرادت الأم النقلة كان الأب أحق بالولد، وقال أبو حنيفة إذا أراد الأب النقلة فالأم أحق بهم، وإن أرادت الأم النقلة فإن انتقلت من قرية إلى بلد فهي أحق، وإن انتقلت من بلد إلى قرية فالأب أحق؛ فدليلنا أن كونه مع أبيه مصلحة متأبدة [وكونه مع أمه مصلحة] مؤقتة تزول عن قريب، ومراعاة المصلحة المتأبدة أولى، واعتبارًا به إذا أرادت الأم النقلة عن بلد إلى قرية. * * *

стр. 694

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الجنايات [١٥٤٥] مسألة: يقتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل ولا تراجع بينهما في الدّيات، وحكي عن عطاء أن الرجل إذا قتل المرأة خير وليها فإن شاء أخذ ديتها وإن شاء دفع إلى القاتل نصف دية رجل وقتله؛ فدليلنا قوله ﷺ : «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن شاءوا قتلوا» فعم، ولأنه شخص قتل مكافئاً له في دينه، فلم يكن له إلا القصاص كالرجلين. [١٥٤٦] مسألة: لا يقتل مسلم بكافر، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يقتل المسلم بالذمي؛ لقوله تعالى: " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا "، وقوله ﷺ : «المسلمون تتكأفأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ألا لا يقتل مسلم بكافر»، ولأنّه ناقص بالكفر

стр. 695

كالحربي والمستأمن، ولأنه حد لا يجب استيفاؤه إلا بالمطالبة، فلم يجب لكافر على مسلم كحدّ القذف. [١٥٤٧] مسألة: إذا قتل كافر كافرًا ثم أسلم القاتل لم يسقط القود عنه خلافاً لما يحكى عن الأوزاعي؛ لحديث ابن البيلماني أن رسول الله ﷺ أقاد مسلماً بكافر، ولا يمكن حمله إلا على هذا الوجه، ولأنه حق لآدمي طريقه الحد، فلم يسقط عنه كسائر الحقوق، ولأن الاعتبار بالحدود حال وجوبها لا حال استيفائها. [١٥٤٨] مسألة: لا يقتل حر بعبد، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله: يقتل حر بعبد غيره، ولداود في قوله: يقتل بعبد نفسه وعبد غيره؛ لقوله تعالى: " الحر بالحر والعبد بالعبد "، وروي عن عمرو بن زياد عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «لا يقتل حر بعبد» وهذا نص، ولأنه ناقص بالرق كما لو كان مملوكاً لقاتله، ولأنه نوع من القصاص فلم يستحقه العبد على

стр. 696

الحر كالأطراف، ولأن حرمة النفس آكد من حرمة الأطراف، ولأنه شخص لا يجب له القصاص من أطراف شخص، فكذلك من نفسه كالمسلم والمستأمن. [١٥٤٩] مسألة: إذا قتل الحر العبد فعليه قيمته بكمالها بالغة ما بلغت، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنها إن بلغت دية الحر وزادت نقصت عنها عشرة دراهم؛ لقوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم "، والمثل تارة من طريق الصورة وتارة من طريق القيمة، وأيهما كان فيجب بحق الظاهر وكماله، ولأنّه مملوك فوجب أن يضمن في إتلافه بكمال قيمته كالسلع، ولأنه متلف يرجع في ضمانه إلى القيمة، فوجب أن يضمن بكمالها كالبهائم، ولأنه سبب يضمن به العبد فوجب أن يضمن بكمال قيمته كاليد والعين، ولأنه متلف لا يتقدر أقل مثله فلم يتقدر أكثره، كسائر المتلفات، ولأنهأ قيمة للمملوك أتلفت، فوجب أن تجب بكمالها، أصله إذا نقصت عن دية الحر. [١٥٥٠] مسألة: إذا تعمّد الأب قتل ابنه قتل به، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لعموم الظاهر في إيجاب القصاص، ولأنهما شخصان متساويان في الحرمة والدين فكان القصاص جارياً بينهما كالأجنبيين، ولأنه بالغ عاقل تعمّد قتل حر مسلم غير مستحق الدم ظلمًا، فكان القود مستحقاً عليه كالأجنبي، ولأنه مكافىء لدمه؛ فدليلنا قوله ﷺ : «المؤمنون تتكافأ دماؤهم»، فإذا ثبت ذلك فكل شخصين تكافأت دماؤهما فالقصاص جار بينهما كالأجانب، ولأن القصاص حق من حقوق الآدميين فجاز أن يثبت للابن على الأب، أصله سائر الحقوق. [١٥٥١] مسألة: القصاص جار بين الرجل والمرأة في الأطراف من الطرفين، وقال أبو حنيفة: لا يقطع طرف أحدهما بطرف الآخر؛ فدليلنا

стр. 697

قوله تعالى: " والجروح قصاص "، ولأنّ كل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس، فكذلك فيما دونها كالرجلين والمرأتين، ولأنه نوع من القصاص كالنفس، ولأن حرمة النفس آكد. [١٥٥٢] مسألة: وتقتل الجماعة بالواحد، خلافاً لداود؛ لقوله ﷺ : «العمد قود كلّه»، وقوله: «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن شاءوا قتلوا» فعم، ولأنه إجماع الصحابة لأنه روي عن عمر وعلي وابن عباس، ولا مخالف لهم، ولأنّ كل حد وجب للإنسان على غيره إذا انفرد به وجب عليه وإن شارك فيه كحد القذف. [١٥٥٣] مسألة: تقطع أطراف الجماعة بطرف الواحد إذا اشتركوا في قطعه، وقال أبو حنيفة: لا تقطع، فدليلنا أنها جناية لو انفرد بها الواحد لزمه القصاص، فإذا أشترك فيها الجماعة جاز أن يلزمهم القصاص كالجناية على النفس، ولأن كل من لم يمنع جريان القصاص في النفس لم يمنع جريانه في الأطراف كالنسب والسن، فكذلك الاشتراك. [١٥٥٤] مسألة: ويجب القود من القتل بالمثقل، خلافاً لأبي حنيفة

стр. 698

أنّه لا قود إلا في القتل بالمحدّد؛ لقوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " الآية، وقوله تعالى: " فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به "، وسائر الظواهر والأخبار، وروى أنس: أن يهودياً رضخ رأس أنصارية فقيل: أقتلك فلان؟ قالت: لا، فقيل: وفلان؟ إلى أن ذكر لها اليهودي فأشارت: أي نعم، فأخذ فاعترف، فأمر النبي ﷺ فرضخ رأسه بين حجرين، ولأنها آلة يقصد بها القتل في الغالب فجاز أن يجب القود بها، أصله المحدّد، ولأنه تعمّد قتل مكافىء لدمه ظلماً، فأشبه أن يحرقه بالنار، ولأنّ في إسقاط ذلك ذريعة إلى التسرع إلى القتل. [١٥٥٥] مسألة: إذا أكره إنسان على قتل إنسان ظلماً، قتل المكرِه والمكرَه، ولا فصل بين إكراه الحر للحر والسيد لعبده، وقال أبو حنيفة: يجب القود أو الدية على الآمر دون المأمور، وعند الشافعي أن على الآمر القود، وفي المأمور قولان: أحدهما: أن عليه القود، والآخر: أنه لا قود وعليه نصف الدية، وقال زفر: يقتص من المأمور المباشر للقتل ولا شيء على مكرهه، وقال أبو يوسف: لا قود على واحد منهما، وعليهما الدّية. فدليلنا أن على المأمور القود قوله ﷺ : «لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث»، فذكر: «أو قتل نفس»، وسائر الأخبار، ولأنّه قتله ظلماً

стр. 699

لاستبقاء نفسه فلم يسقط عنه القود، أصله إذا خاف التلف بالجوع فقتله ليأكله، ولأنه قتل شخصاً مكافئاً له ظلماً بغير حق، فأشبه المبتدىء بالقتل، ولأن التلف بضرورة الجوع متحقق وبالإكراه مظنون، ثم في أشدّ الضرورتين يجب القود ففي أضعفهما أولى. ودليلنا على أن على الآمر القود، أنها مباشرة مع سبب ملجىء فوجب أن يتعلّق الحكم بالسبب، كما لو شهد شاهدان على رجل بالقتل فقتله الحاكم فإن الحكم يتعلق بهما. [١٥٥٦] مسألة: إذا أمسكه عامدًا على من يعلم أنه يقتله ظلماً عمداً، قتل الممسك والقاتل، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: " ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل "، والاستدلال فهذا مفروض في ذابح لا يقتل بالمذبوح، ولأنه أمسكه على من يعلمه قاتلاً له ظلماً بغير حق، فوجب أن يلزمه القود، أصله إذا أمسكه على نار حتى احترق. [١٥٥٧] مسألة: في الواجب بقتل العمد روايتان: إحداهما القود، وهو قول أبي حنيفة، والأخرى التخيير بين القود والدية، وهو قول الشافعي. فوجه الأولى، قوله ﷺ : «العمد قود كلّه إلا أن يعفو ولي المقتول»، ولأنه معنى موجب للقتل فلم يجب به مال كالزنا مع الإحصان، ولأنه أحد أنواع القتل فوجب أن يتعين موجبه من غير تخيير، أصله قتل الخطأ، ولأنه أحد بدلي النفس، فكان وجوبه مانعًا من وجوب البدل الآخر، أصله الدّية، ولأن الأصول موضوعة على أن كل متلف فإنّما يلزم متلفه مثله، ولا ينتقل إلى غير مثله إلا بالتراضي، أو بتعذر استيفاء المثل، كذلك في مسألتنا.

стр. 700

ووجه التخيير قوله ﷺ : «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين، إن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا عفوا وأخذوا الدية»، ولأنه قود سقط بالعفو فوجب أن تثبت الديه من غير رضا القاتل، أصله إذا عفا بعض الأولياء، ولأنّه أحد بدلي النفس فلم يقف وجوبه على رضا القاتل، أصله الدّية، ولأنّه مضمون تعذر فيه القود من غير عفو عن المال، فوجب أن يثبت فيه الدّية من غير رضا القاتل مع القدرة على الاستيفاء، كالأب إذا قتل ابنه على وجه الشبهة، ولأنّ الإنسان مأمور بإحياء نفسه منهي عن تعريضها للتلف متى، ولم يجبر على إعطاء الدية كان في ذلك توفية ماله بإهلاك [نفسه]. [١٥٥٨] مسألة: يرث القود عصبة المقتول دون من ليس بعصبة من النساء وسائر الأقارب، وعنه رواية أخرى: أن لهن مدخلاً في الدم إذا لم يكن في درجتهن عصبة. فوجه قوله: إنه لا مدخل لهن في الدم، أنّ ولاية الدم مستحقة بالنصرة ولسن من أهلها، فلم يكن لهن مدخل في الولاية المستحقة بها، ولأنهت لما لم يدخلن في العقل عنه فكذلك في ولاية دمه كذوي الأرحام. ووجه قوله: إن لهن مدخلاً فيه قوله ﷺ : «من قتل له قتيل فأهله بخير النظرين» فعم، وقوله: «يحلف خمسون منكم»، ولم يخص،

стр. 701

ولأنّ القصاص مستحق على استحقاق الميراث، فوجب أن يثبت لجميع الورثة كسائر الحقوق. [١٥٥٩] مسألة: إذا كان بعض العصبة أصاغر وبعضهم أكابر فولاية الدم للأكابر، خلافاً للشافعي؛ لقوله ﷺ : «إلا أن يعفو ولي المقتول»، وهذا يفيد كونه من أهل العفو، ولأنها ولاية مستحقة بالتعصيب، فلا مدخل للصغير والمجنون فيها كالإنكاح، ولا يلزم عليه الغائب لأن الغيبة لا تزيل ولايته. [١٥٦٠] مسألة: إذا قتل رجل جماعة وجب عليه لجميعهم القود، وقال الشافعي: يقتل لأحدهم وتكون عليه الدية للباقين؛ وهذا مبني على ما قدمناه من أن المستحق بقتل العمد القود دون التخيير، وإن بنيناه على رواية التخيير فكذلك أيضاً، لأنه ﷺ جعل لهم أخذ الدية في الموضع الذي يمكن استيفاء القود وذلك مع الحياة. [١٥٦١] مسألة: السراية عن القصاص غير مضمونة، خلافاً لأبي حنيفة، لأنها سراية عن قطع مباح غير مجتهد فيه، فلم تكن مضمونة كالإمام إذا حدّ رجلاً أو قطعه في السرقة، ولأنه قطع استحق عليه بسبب كان منه، فلم يضمن سرايته كالقطع في السرقة، ولأن كل فعل كان مضموناً في الابتداء كان ما سرى إليه مضموناً كقطع اليد ابتداء، وكل ما كان غير مضمون في الابتداء كان ما سرى إليه غير مضمون كالقطع في السرقة، فلما تبين أن القطع في القصاص ابتداء لا يضمن، كذلك ما سرى إليه. [١٥٦٢] مسألة: إذا مات قاتل العمد سقط حق ولي الدّم، وقال الشافعي: تجب الدّية في ماله؛ فدليلنا أنه حق وجب استيفاؤه من عين فإذا تلفت ابتداء سقط الحق المتعلّق بها، أصله موت السارق قبل قطعه. [١٥٦٣] مسألة: إذا اشترك العامد والمخطىء، والكبير والصغير في

стр. 702

القتل، فعلى العامد والبالغ القود، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا قود عليه؛ فدليلنا عموم الظاهر، ولأنه قاتل عمد فأشبه المنفرد، ولأنها شركة في قتل، فلم يؤثر في إسقاط الجنس الذي يجب به حال الانفراد، أصله إذا كانوا عامدين أو مخطئين، ولأنهما اشتركا في إتلاف النفس على صفتين مختلفتين، فوجب أن لا تؤثر شركة أحدهما الآخر في سقوط ما كان يجب عليه جنسه لو لم يشاركه، أصله وجوب الدية على المخطىء، ولأنه نوع من القتل فوجب أن تجب به حال الاشتراك الجنس الذي يجب به حال الانفراد، أصله الخطأ، ولأن كل ما لو انفرد بالقتل لزمه القود، فإذا شاركه فيه من لا قود عليه لم يسقط القود عنه، أصله مع الشافعي الأب والأجنبي. [١٥٦٤] مسألة: عمد الصغير خطأ، وقال الشافعي: عمده عمد؛ فدليلنا أنه قتل لا يجب به قصاص ولا إثم، فلم يكن له حكم العمد كخطأ الكبير، ولأنه قتل من صغير كالخطأ. [١٥٦٥] مسألة: لا يجب أخذ القصاص من جرح إلا بعد الاندمال، خلافاً للشافعي؛ لما روي أنه ﷺ نهى أن يستقاد من جرح حتى يندمل، ولأنه قد يؤول إلى النفس فيعاد القود ثانية، وذلك خروج عن المماثلة، ولأن المقتص له قد يموت قبل الجاني وربما تلف وبرىء الجاني فيكون ذلك سلفاً في القصاص، وذلك غير جائز. [١٥٦٦] مسألة: لا تؤخذ يمنى بيسرى، خلافاً لابن شبرمة، لأنه طرف يختص باسم لا يفارقه مع اختلاف الصفات عليه، فلم يؤخذ بطرف

стр. 703

لا يشاركه في ذلك الاسم كاليد والرجل. [١٥٦٧] مسألة: إذا قطع حر يد عبد لزمه ما نقص، وإن تلف الغرض المقصود منه، كان السيد مخيرًا بين أخذ ما نقص، أو تسليمه وأخذ القيمة كاملة، وقال الشافعي: على الجاني كمال القيمة، ولا يلزم السيد تسليم العبد؛ فدليلنا على أنّه يلزمه ما نقص إذا لم يكن قد أتلف الغرض المقصود منه، أنّها جناية على طرف أو قطع عضو، فلم يجب فيه ما يجب في إتلاف النفس على وجه التقدير، أصله الطرف الواحد، ولأنّ كل مقوم له لو قطع إحدى يديه لم يكن الواجب فيها ما يجب في نفسه، فكذلك إذا قطعت، أصله البهيمة. [١٥٦٨] مسأله: الجناية على العبد فيما دون النفس يجب فيها ما نقصه من قيمته فقط، ولا يعتبر بقدرها من قيمة نفسه إلا في الجراح الأربع وهي المأمومة والجائفة والموضحة والمنقلة، وقال الشافعي: في اليد والعين وغير ذلك بقدرها من قيمته؛ فدليلنا أنّها جناية على مملوك يؤثر في نقصان القيمة وعدم المنفعة، فوجب أن يتقدر الواجب فيها بقيمة نفسه إذا تلفت، أصله الجناية على البهائم، ولا يلزم الجراح الأربع لأنها لا تؤثر لا محالة في نقصان القيمة وعدم المنفعة، لأنها قد تبرأ على غير نقص ولا عدم نقص. [١٥٦٩] مسألة: إذا قتل عبد حرًا أو عبدًا، فولي الدّم بالخيار إن شاء قتله وإن شاء استرقه، فإن اختار استرقاقه فالسيد بالخيار بين أن يفتكه بأرش الجناية، أو تسليمه فيكون ملكاً لولي الدم، وقال الشافعي: يخير سيد العبد المقتول بين أن يقتل العبد أو يستبقيه، فإن استبقاه خير سيد القاتل بين أن

стр. 704

يفديه بالأرش أو يسلّمه للبيع، وإن كان الثمن بقدر الأرش أو دونه كان لولي الدم، وإن زاد عليه كان له منه بقدر أرش الجناية ويكون الباقي لسيده، ولا يكون لسيد المقتول تمليك، فدليلنا أن الجناية لا تخلو أن تكون متعلّقة برقبة العبد أو بمال السيد، وهذا القسم باطل لأنه يوجب أخذها من كل أموال السيد وأن لا تبطل بتلف العبد وذلك باطل، فيبقى القسم الأول وهو تعلقها برقبة العبد، وذلك يوجب استحقاق الرقبة بدلاً من أرش الجناية، لتعلّقها به، لأنّه ليس معنى [تعلقه] بالرقبة أكثر من أن حق المجني عليه قد انتقل إليها فكان له تملّكها. [١٥٧٠] مسألة: إذا جرح رجلاً ثم قتله، أو قتله غيره دخل الجرح في القتل، إلا أن يكون مثل به قاصدًا لذلك، وقال أبو حنيفة والشافعي: يجرح ثم يقتل، إلا أن أبا حنيفة يقول ذلك فيه: إذا جرح رجلاً ثم قتله آخر، ويوافقنا فيه إذا جرح رجلاً فسرى إلى نفسه؛ فدليلنا قوله: «ما دون النفس يدخل في النفس»، لأن القتل يأتي عليه، لأنّ الغرض إما أن يكون للتشفي أو إبطال العضو الذي أبطله وأتلفه على المجروح، وأي ذلك كان محصوله فالقتل أبلغ؛ ومع أبي حنيفة قياسًا عليه إذا سرى إلى النفس، ولا يدخل عليه التمثيل لأنّ هناك غرضًا زائدًا وهو ردعه عمّا فعل. [١٥٧١] مسألة: إذا وجب عليه القتل فقطع ولي الدّم يده ثم عفا أو لم يعف قطعت يده، خلافًا للشافعي؛ لأنّ الولي له أخذ النفس دون العضو فكان متعدياً بأخذه، وتحريره أن يقال: إنه قطع يد مكافىء له في الدم غير مستحق له قطعها فضمنها كالمبتدىء. [١٥٧٢] مسألة: في شبه العمد روايتان؛ إحداهما: نفيه، والأخرى: إثباته، وهو قول أبي حنيفة والشافعي؛ فوجه النفي أن الله تعالى ذكر أنواع القتل فذكر العمد المحض والخطأ المحض، ولم يذكر زائدًا عليهما، ولأن

стр. 705

العمد معنى، وهو قصد الفاعل إلى الفعل، والخطأ معنى معقول، وهو ما يكون من غير قصد، وذلك ممتنع من الفعل الواحد، لأنهما صفتان متعاندتان. ووجه الإثبات قوله ﷺ : «ألا إن في قتل العمد والخطأ قتيل السوط والعصا مائة من الإبل، أربعون منها خلفة» ٤ فأثبت شبه العمد، ولأن وصفه بذلك يفيد أنّه أخذ شبهاً من العمد، وشبهاً عن الخطأ، فلم يكن له حكم أحدهما على التجريد، وشبهه بالعمد قصد القاتل إلى الضرب بما لا يقتل مثله غالباً، وشبهه بالخطأ أنه لم يقصد القتل، فوجب أن يثبت له حكم منفرد عن حكم يخصهما. [١٥٧٣] مسألة: دية العمد المحض أرباع، وقال الشافعي: أثلاث كدية المغلظة؛ فدليلنا قوله: «في النفس مائة من الإبل»، وظاهره يفيد أدنى ما يتناوله الاسم، ولأنه أحد نوعي القتل معتبر بنفسه لا بغيره، فلم يجب في ديته الحوامل كالخطأ. [١٥٧٤] مسألة: دية الخطأ أخماس: بنات مخاض، وبنات لبون، وبنو لبون وحقاق وجذاع، وقال أبو حنيفة: إنها أخماس إلا أن خمسًا منها
следующие страницы →