Полный текст (912 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
ولأنّ القصاص مستحق على استحقاق الميراث، فوجب أن يثبت لجميع الورثة كسائر الحقوق.
[١٥٥٩] مسألة: إذا كان بعض العصبة أصاغر وبعضهم أكابر فولاية الدم للأكابر، خلافاً للشافعي؛ لقوله ﷺ : «إلا أن يعفو ولي المقتول»، وهذا يفيد كونه من أهل العفو، ولأنها ولاية مستحقة بالتعصيب، فلا مدخل للصغير والمجنون فيها كالإنكاح، ولا يلزم عليه الغائب لأن الغيبة لا تزيل ولايته.
[١٥٦٠] مسألة: إذا قتل رجل جماعة وجب عليه لجميعهم القود، وقال الشافعي: يقتل لأحدهم وتكون عليه الدية للباقين؛ وهذا مبني على ما قدمناه من أن المستحق بقتل العمد القود دون التخيير، وإن بنيناه على رواية التخيير فكذلك أيضاً، لأنه ﷺ جعل لهم أخذ الدية في الموضع الذي يمكن استيفاء القود وذلك مع الحياة.
[١٥٦١] مسألة: السراية عن القصاص غير مضمونة، خلافاً لأبي حنيفة، لأنها سراية عن قطع مباح غير مجتهد فيه، فلم تكن مضمونة كالإمام إذا حدّ رجلاً أو قطعه في السرقة، ولأنه قطع استحق عليه بسبب كان منه، فلم يضمن سرايته كالقطع في السرقة، ولأن كل فعل كان مضموناً في الابتداء كان ما سرى إليه مضموناً كقطع اليد ابتداء، وكل ما كان غير مضمون في الابتداء كان ما سرى إليه غير مضمون كالقطع في السرقة، فلما تبين أن القطع في القصاص ابتداء لا يضمن، كذلك ما سرى إليه.
[١٥٦٢] مسألة: إذا مات قاتل العمد سقط حق ولي الدّم، وقال الشافعي: تجب الدّية في ماله؛ فدليلنا أنه حق وجب استيفاؤه من عين فإذا تلفت ابتداء سقط الحق المتعلّق بها، أصله موت السارق قبل قطعه.
[١٥٦٣] مسألة: إذا اشترك العامد والمخطىء، والكبير والصغير في
стр. 702
القتل، فعلى العامد والبالغ القود، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا قود عليه؛ فدليلنا عموم الظاهر، ولأنه قاتل عمد فأشبه المنفرد، ولأنها شركة في قتل، فلم يؤثر في إسقاط الجنس الذي يجب به حال الانفراد، أصله إذا كانوا عامدين أو مخطئين، ولأنهما اشتركا في إتلاف النفس على صفتين مختلفتين، فوجب أن لا تؤثر شركة أحدهما الآخر في سقوط ما كان يجب عليه جنسه لو لم يشاركه، أصله وجوب الدية على المخطىء، ولأنه نوع من القتل فوجب أن تجب به حال الاشتراك الجنس الذي يجب به حال الانفراد، أصله الخطأ، ولأن كل ما لو انفرد بالقتل لزمه القود، فإذا شاركه فيه من لا قود عليه لم يسقط القود عنه، أصله مع الشافعي الأب والأجنبي.
[١٥٦٤] مسألة: عمد الصغير خطأ، وقال الشافعي: عمده عمد؛ فدليلنا أنه قتل لا يجب به قصاص ولا إثم، فلم يكن له حكم العمد كخطأ الكبير، ولأنه قتل من صغير كالخطأ.
[١٥٦٥] مسألة: لا يجب أخذ القصاص من جرح إلا بعد الاندمال، خلافاً للشافعي؛ لما روي أنه ﷺ نهى أن يستقاد من جرح حتى يندمل، ولأنه قد يؤول إلى النفس فيعاد القود ثانية، وذلك خروج عن المماثلة، ولأن المقتص له قد يموت قبل الجاني وربما تلف وبرىء الجاني فيكون ذلك سلفاً في القصاص، وذلك غير جائز.
[١٥٦٦] مسألة: لا تؤخذ يمنى بيسرى، خلافاً لابن شبرمة، لأنه طرف يختص باسم لا يفارقه مع اختلاف الصفات عليه، فلم يؤخذ بطرف
стр. 703
لا يشاركه في ذلك الاسم كاليد والرجل.
[١٥٦٧] مسألة: إذا قطع حر يد عبد لزمه ما نقص، وإن تلف الغرض المقصود منه، كان السيد مخيرًا بين أخذ ما نقص، أو تسليمه وأخذ القيمة كاملة، وقال الشافعي: على الجاني كمال القيمة، ولا يلزم السيد تسليم العبد؛ فدليلنا على أنّه يلزمه ما نقص إذا لم يكن قد أتلف الغرض المقصود منه، أنّها جناية على طرف أو قطع عضو، فلم يجب فيه ما يجب في إتلاف النفس على وجه التقدير، أصله الطرف الواحد، ولأنّ كل مقوم له لو قطع إحدى يديه لم يكن الواجب فيها ما يجب في نفسه، فكذلك إذا قطعت، أصله البهيمة.
[١٥٦٨] مسأله: الجناية على العبد فيما دون النفس يجب فيها ما نقصه من قيمته فقط، ولا يعتبر بقدرها من قيمة نفسه إلا في الجراح الأربع وهي المأمومة والجائفة والموضحة والمنقلة، وقال الشافعي: في اليد والعين وغير ذلك بقدرها من قيمته؛ فدليلنا أنّها جناية على مملوك يؤثر في نقصان القيمة وعدم المنفعة، فوجب أن يتقدر الواجب فيها بقيمة نفسه إذا تلفت، أصله الجناية على البهائم، ولا يلزم الجراح الأربع لأنها لا تؤثر لا محالة في نقصان القيمة وعدم المنفعة، لأنها قد تبرأ على غير نقص ولا عدم نقص.
[١٥٦٩] مسألة: إذا قتل عبد حرًا أو عبدًا، فولي الدّم بالخيار إن شاء قتله وإن شاء استرقه، فإن اختار استرقاقه فالسيد بالخيار بين أن يفتكه بأرش الجناية، أو تسليمه فيكون ملكاً لولي الدم، وقال الشافعي: يخير سيد العبد المقتول بين أن يقتل العبد أو يستبقيه، فإن استبقاه خير سيد القاتل بين أن
стр. 704
يفديه بالأرش أو يسلّمه للبيع، وإن كان الثمن بقدر الأرش أو دونه كان لولي الدم، وإن زاد عليه كان له منه بقدر أرش الجناية ويكون الباقي لسيده، ولا يكون لسيد المقتول تمليك، فدليلنا أن الجناية لا تخلو أن تكون متعلّقة برقبة العبد أو بمال السيد، وهذا القسم باطل لأنه يوجب أخذها من كل أموال السيد وأن لا تبطل بتلف العبد وذلك باطل، فيبقى القسم الأول وهو تعلقها برقبة العبد، وذلك يوجب استحقاق الرقبة بدلاً من أرش الجناية، لتعلّقها به، لأنّه ليس معنى [تعلقه] بالرقبة أكثر من أن حق المجني عليه قد انتقل إليها فكان له تملّكها.
[١٥٧٠] مسألة: إذا جرح رجلاً ثم قتله، أو قتله غيره دخل الجرح في القتل، إلا أن يكون مثل به قاصدًا لذلك، وقال أبو حنيفة والشافعي: يجرح ثم يقتل، إلا أن أبا حنيفة يقول ذلك فيه: إذا جرح رجلاً ثم قتله آخر، ويوافقنا فيه إذا جرح رجلاً فسرى إلى نفسه؛ فدليلنا قوله: «ما دون النفس يدخل في النفس»، لأن القتل يأتي عليه، لأنّ الغرض إما أن يكون للتشفي أو إبطال العضو الذي أبطله وأتلفه على المجروح، وأي ذلك كان محصوله فالقتل أبلغ؛ ومع أبي حنيفة قياسًا عليه إذا سرى إلى النفس، ولا يدخل عليه التمثيل لأنّ هناك غرضًا زائدًا وهو ردعه عمّا فعل.
[١٥٧١] مسألة: إذا وجب عليه القتل فقطع ولي الدّم يده ثم عفا أو لم يعف قطعت يده، خلافًا للشافعي؛ لأنّ الولي له أخذ النفس دون العضو فكان متعدياً بأخذه، وتحريره أن يقال: إنه قطع يد مكافىء له في الدم غير مستحق له قطعها فضمنها كالمبتدىء.
[١٥٧٢] مسألة: في شبه العمد روايتان؛ إحداهما: نفيه، والأخرى: إثباته، وهو قول أبي حنيفة والشافعي؛ فوجه النفي أن الله تعالى ذكر أنواع القتل فذكر العمد المحض والخطأ المحض، ولم يذكر زائدًا عليهما، ولأن
стр. 705
العمد معنى، وهو قصد الفاعل إلى الفعل، والخطأ معنى معقول، وهو ما يكون من غير قصد، وذلك ممتنع من الفعل الواحد، لأنهما صفتان متعاندتان.
ووجه الإثبات قوله ﷺ : «ألا إن في قتل العمد والخطأ قتيل السوط والعصا مائة من الإبل، أربعون منها خلفة» ٤ فأثبت شبه العمد، ولأن وصفه بذلك يفيد أنّه أخذ شبهاً من العمد، وشبهاً عن الخطأ، فلم يكن له حكم أحدهما على التجريد، وشبهه بالعمد قصد القاتل إلى الضرب بما لا يقتل مثله غالباً، وشبهه بالخطأ أنه لم يقصد القتل، فوجب أن يثبت له حكم منفرد عن حكم يخصهما.
[١٥٧٣] مسألة: دية العمد المحض أرباع، وقال الشافعي: أثلاث كدية المغلظة؛ فدليلنا قوله: «في النفس مائة من الإبل»، وظاهره يفيد أدنى ما يتناوله الاسم، ولأنه أحد نوعي القتل معتبر بنفسه لا بغيره، فلم يجب في ديته الحوامل كالخطأ.
[١٥٧٤] مسألة: دية الخطأ أخماس: بنات مخاض، وبنات لبون، وبنو لبون وحقاق وجذاع، وقال أبو حنيفة: إنها أخماس إلا أن خمسًا منها
стр. 706
بنو مخاض دون بني لبون؛ فدليلنا ما روى سليمان بن يسار أن النبي ﷺ أوجب دية الخطأ أخماساً، فذكر عشرين بني لبون، ولأنه شيء لا يجب في الزكاة أصلاً فلم يجب في الدية كالثنايا، ولأنّه أنقص من بنات مخاض كالفصلان.
[١٥٧٥] مسألة: دية العمد حالة في مال الجاني، وقال أبو حنيفة: مؤجلّة كدية الخطأ؛ فدليلنا قوله ﷺ : «وإن شاءوا عفوا وأخذوا الدّية» وإطلاق ذلك يقتضي التعجيل، ولأنها دية عمد محض فوجب فيها مال، وكان حالاً كدية الجائفة والمأمومة، ولأن كل حيوان يجب بقطع أطرافه عمدًا أرش معجل، وجب أن يكون البدل الذي يجب في قتله عمدًأ معجلاً كسائر الحيوان من العبيد وغيرهم.
[١٥٧٦] مسألة: اختلف في الدية المغلظة، فقال ابن القاسم: تكون في مال الأب حالة، وقال أشهب وعبد الملك: تحملها العاقلة؛ فوجه الأول أنه قتل غير خطأ محض، فلم تحمله العاقلة كالعمد، ووجه الثاني أنها دية من قتل لا قود فيه كدية الخطأ.
стр. 707
[١٥٧٧] مسألة: لا تغلظ دية الخطأ إذا قتل في الحرم أو في الشهر الحرام أو قتل ذا رحم محرم، خلافاً للشافعي؛ لأنه قتل خطأ محض، كالقتل في غير هذه المواضع والأوقات.
[١٥٧٨] مسألة: إذا قتل في الحل ثم التجأ إلى الحرم اقتص منه في الحرم، وقال أبو حنيفة: لا يقتل في الحرم، ولكن يلجأ إلى أن يخرج منه، ثم يقتص منه؛ فدليلنا عموم الظواهر، ولأنه قصاص وجب عن جناية، لو كان في الحرم لوجب استيفاؤه في الحرم كالجناية على الأطراف، ولأن كل موضع كان محلاً للاقتصاص إذا وجب القصاص فيه، كان محلاً له إذا وجب في غيره كالحل، ولأنّ كل سبب يستحق به القتل والأطراف لم يكن للحرم تأثير في تأخيره لمن التجأ إليه كحقوق الله تعالى من رجم الزاني وقطع السارق.
[١٥٧٩] مسألة: الدية من الورق اثنا عشر ألف درهم، وقال أبو حنيفة: عشرة آلاف؛ فدليلنا أن عمر قومها اثني عشر ألفاً بمحضرٍ من الصحابة، فلم ينكر عليه أحد، وقد ذكر بعضهم أنه ورد مرفوعاً، ولأنّه تقويم للورق فيما طريقه الحد والإتلاف فوجب أن يكون الدينار باثنى عشر كالقطع.
[١٥٨٠] مسألة: الواجب على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل
стр. 708
الورق اثنا عشر ألف درهم مقدر لا يتغير ولا يعتبر في ذلك بقيمة الإبل، وقال الشافعي: الواجب من ذلك قيمة الإبل كانت ألف دينار أو أقل أو أكثر، وكذلك في الورق؛ فدليلنا أن عمر قوم الدية على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفاً، ولم يخالف عليه أحد، ولأنه نوع مال يجوز إخراجه في الدية، فكان أصلاً بنفسه كالإبل، ولأن الدّية معنى جعلت الإبل فيه أصلاً، فكان الذهب والورق فيه أصلاً كالزكاة.
[١٥٨١] مسألة: ولا يؤخذ في الدية إلا الإبل والذهب والورق، وقال أبو يوسف ومحمّد: يؤخذ من أهل البقر مائتا بقرة، ومن أهل الغنم ألف شاة، ومن أهل الحلل مائتأ حلّة يمانية؛ فدليلنا ما روي أنّه ﷺ قضى في النفس مائة من الإبل، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم قومت الإبل بالذهب والفضة، ولم يقوموها بغيرهما فسلمناه للإجماع، ولأنه نوع من العروض فأشبه العبيد والعقار.
[١٥٨٢] مسألة: وعنه في أشراف الإذنين روايتان؛ إحداهما: أن فيهما الدية، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، والأخرى: أن فيهما حكومة؛ فوجه الدّيه ما روي: «في الأذن خمسون»، ولأنهما عضوان منهما اثنان في البدن كاليدين، ووجه الحكومة أن نفعهما غير كامل لأن السمع يحصل مع عدمهما، وأكثر ما فيهما أن يحوشا الصوت إلى السمع لأن جمالهما غير ظاهر، كما قال أبو بكر الصديق ﵁: تغطيهما العمامة
стр. 709
والقلنسوة.
[١٥٨٣] مسألة: ولا دية في إتلاف شيء من الشعور، وقال أبو حنيفة: تجب في أربعة في اللّحية وشعر الرأس والحاجبين وأهداب العينين؛ فدليلنا أنّه إتلاف شعر فلم يضمن بدية كشعر الصدر، ولأنّه معنى لا تألم بقطعه، فلم يضمن بالدّية كالشارب.
[١٥٨٤] مسألة: إذا ترامى الجرح إلى إتلاف شيء آخر، فإن كان من جنسه تداخل وكان فيه أرش ما ترامى إليه، مثل الموضحة تصير منقلة، فيكون على الجارح أرش منقلة فقط، وإن تلف به ما ليس منه، مثل أن يقطع يده فيذهب عقله أو عيناه، فله دية اليد ودية العقل، وقال أبو حنيفة والشافعى في القديم: تدخل دية اليد في دية العقل؛ فدليلنا أنّه أتلف عضوًا فيه منفعة كاملة، وذهب بإتلافه منفعة يجب فيها الدّية، أو تلف به ما يجب [فيه] دية منفصل منه، فوجب أن يجتمع له العقلان كما لو قطع ذكره فذهبت عيناه أو شلّت يده.
[١٥٨٥] مسألة: في كل واحدة من الشفتين نصف الدية، وروي عن زيد بن ثابت أن في العليا ثلث الدية، وفي السفلى ثلثيها؛ فدليلنا أنهما عضوان يجب فيهما دية كاملة، فإذا لم يجب في الباقي منهما الدية كاملة، كان فيه نصف الدّية كاليدين.
[١٥٨٦] مسألة: في السن خمس من الإبل، ومقدّم الفم والأضراس سواء، وحكي عن عمر ﵁، أنه قال: في الثنايا خمس من
стр. 710
الإبل، وفي الأضراس بعير؛ فدليلنا قوله ﷺ : «وفي السن خمس من الإبل»، والاسم يعم الجميع، وروى بعضهم من طريق ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «الأصابع والثنية والضرس هن سواء، والأسنان هن سواء، هذه كهذه»، ولم أر له إسنادًا، ولأنه سن يمضغ بها كالثنايا.
[١٥٨٧] مسألة: إذا ضربت السن فاسودت، ففيها ديتها، وقال الشافعي: حكومة؛ فدليلنا أنّها إذا اسودت فقد بطلت منفعتها، والدّية تجب بذهاب المنفعة، وإن بقي العضو كاليد الشلاء والعين القائمة.
[١٥٨٨] مسأله: وفي لسان الصبي الدّية، وقال أبو حنيفة: إذا لم تعلم صحته ففيه حكومة؛ فدليلنا قوله: «في اللّسان الدية» فعم، ولأن الأصل الصحة، فوجب البناء عليه.
[١٥٨٩] مسألة: في عين الأعور الدية كاملة، وقال أبو حنيفة والشافعي: نصف الدية؛ فدليلنا أنه إجماع الصحابة، وروي عن عمر،
стр. 711
وعلي، وعثمان، وابن عمر، ولا مخالف لهم، ولأن الدّية تجب بذهاب المنفعة أو بذهاب العضو، ووجدنا منفعة البصر تكمل لذي العين الواحدة أو تقارب الكمال له، لأنه يدرك بها ما يدرك بها ذو العينين أو قريباً منه، فإذا تلفت عليه فقد أتلف جميع منفعة البصر فكان كذهاب العينين.
[١٥٩٠] مسألة: المرأة تساوي الرجل في أرش الجراح فيما دون ثلث الدّية، فإذا بلغ ثلث الدّية كان فيه بحسابه من ديتها، وقال أبو حنيفة والشافعي: في كل جراحها بحسابه من ديتها؛ فدليلنا أن ذلك إجماع أهل المدينة، وقد قال سعيد بن المسيب لربيعة لما عارضه: أعراقي أنت؟ قال: لا، قال: هى السنة، وروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وروي مرفوعاً من طريق عمرو بن
стр. 712
شعيب عن أبيه عن جدّه عن النبي ﷺ ، ولأنه إتلاف لآدمي موجبة نقص عن ثلث الدّية، فوجب مساواة الأنثى للذكر فيه، أصله دية الجنين، ولأن كل فرض مقدر من المال وجب بالموت، فإن الأنثى تساوي الذكر في اليسير منه، أصله السّدس في حق الأخوة للأم.
[١٥٩١] مسألة: في ذكر الخصي حكومة، وقال الشافعي: فيه الدية؛ فدليلنا أنّ منفعته ناقصة، لأنه لا ينزل ووطؤه ناقص، ولزوجته الخيار إذا تزوجته فلم يستحق به كمال الدّية.
[١٥٩٢] مسألة: في اليد الشلاء حكومة، خلافاً لداود، لأنها مفقودة المنفعة كالعين القائمة، ولأنها ميتة والميت إذا أزيل عن موضعه لم يجب فيه شيء كما لو قطع يد ميت.
[١٥٩٣] مسألة: لا تقطع اليد الشلاء بالصحيحة، خلافاً لقوم؛ لأنه عضو صحيح فلم يؤخذ بميت لا منفعة فيه كالعين الصحيحة بالقائمة.
[١٥٩٤] مسألة: دية اليهودي والنصراني نصف دية المسلم، وقال الشافعي: ثلث، وقال أبو حنيفة: مثل دية المسلم؛ فدليلنا على أبي حنيفة أن الدّيات موضوعة على التفاضل في الحرم، فدليلنا أن النساء لما كانت حرمتهن أخفض من حرمة الرجال نقصت دياتهن عن ديات الرجال، والكافر أخفض حرمة من المسلم للنقص المانع من قبول شهادته وموارثته ونكاحه المسلمات والإسهام له في الغنيمة، وغير ذلك، فلذلك يجب أن ينقص عنه في الدّية، ولأنها بدل عن النفس فكان الكفر مؤثرًا في نقصانه
стр. 713
كالقصاص، ولأنّه نقص يؤثر في القصاص فوجب أن يؤثر في نقصان بينه وبين من تكمل ديته كالرق، ولأن نقصان الكافر عن المسلم أكثر من نقص الأنوثية، وإذا كان نقص الأنوثية يمنع التساوي في الدّية فنقص الكافر أولى.
[١٥٩٥] مسألة: ودليلنا على الشافعي أنّ كل نوع نقص ديته عن دية الحر المسلم الذكر، نقصت إلى النصف أصله النساء، ولأنّه جزء تنقص الدية إليه فلم يجز أن يقصر عن النصف كالربع.
[١٥٩٦] مسألة: دية المجوسي ثمانمائة درهم، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنها كدية المسلم؛ لأن عمر بن الخطاب ﵁ حكم بذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكر عليه أحد، وكان يكتب به إلى عمّاله، ولأن كل جنس لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم فلا يجب بإتلافهم ما يجب بإتلاف المسلم كالوثني والمرتد.
[١٥٩٧] مسألة: من لم تبلغه الدعوة إذا قتل قبل أن يعرض عليه الإسلام فيمتنع، قد قال أبو حنيفة: لا يضمن، وقال الشافعي: يضمن ديته، ولست أحفظ فيها شيئاً عن أصحابنا في هذا الوقت، ولكن عندي أنه لا يضمن؛ لأنه على أصل الكفر لم يثبت له عقد ذمة بحقن دمه، فكان كالذي بلغته الدعوة، ولأن عرض الإسلام عليه إنّما هو لدخوله فيها يحقن دمه، فكان كعرض التوبة على المرتد،. وقد ثبت أن من قتل مرتدًا قبل عرض التوبة عليه أنه لا يضمنه، فكذلك هذا.
[١٥٩٨] مسألة: إذا قتل الحر عبدًا خطأ فقيمته في ماله دون عاقلته خلافاً للشافعي في قوله: إنها على العاقلة؛ لأنه إتلاف مال فلم تحمله العاقلة كالجناية على البهائم.
стр. 714
[١٥٩٩] مسألة: جناية أم الولد على سيدها، خلافًا لأبي ثور في قوله: إنّها في ذمتها تتبع بها إذا أعتقت؛ لأن الجناية في الأصل متعلقة برقبتها، والسيد هو السبب في منع تسليمها بوطئه الذي اكتسبت منه حرمة الاستيلاد، فوجب أن يكون أرش الجناية [عليه]، كما لو جنى عبد فأعتقه سيده لكان الأرش على السيد.
[١٦٠٠] مسألة: إذا اصطدم الفارسان فماتا، فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر، وقال الشافعي: على كل واحد نصف دية صاحبه؛ فدليلنا أن كل واحد قاتل لصاحبه قتل خطأ، فكانت ديته مستحقة على عاقلته كالمفرد.
[١٦٠١] مسألة: تجب دية الخطأ على العاقلة مؤجلة في ثلاث سنين، وقال قوم: تجب حالة؛ فدليلنا أنّ ذلك روي عن عمر، وعلي ولا مخالف لهما، ولأنها مواساة للجاني فوجب تخفيف ذلك عمّن يحملها عنه، وكانت في الأصل من الإبل، وقد تكون وقت الوجوب حوامل، ولا يجوز أن يكلفوا إخراج حوامل في السّنة الثانية لوابن، فوجب تأجيلهم لثلاث سنين ليحصل ما تكمل به الدية.
[١٦٠٢] فصل: وعنه في بعض الدّية روايتان؛ إحداهما: أنها تنجم اعتبارًا بالدية، والأخرى: حالة اعتبارًا بما دون الثلاث.
[١٦٠٣] مسألة: ويدخل الأب والابن في تحمل العقل، خلافاً للشافعي؛ لأن تحمّل العاقلة عن القاتل لحصول النصرة من جهتهم، بدليل أن ذلك لما امتنع في النساء والصبيان لم يحملوا العقل، والأب والابن أبلغ
стр. 715
في هذا من جميعهم، ولأن العقل معتبر فيه التعصيب وذلك في الأب والابن أقوى منه في غيرهما، وذلك أن كل معنى اعتبر فيه التعصيب دخل فيه الأب والابن كولاية النكاح والميراث.
[١٦٠٤] مسألة: لا تعقل العاقلة من قتل نفسه عمدًا، ولا خطأ، خلافاً لمن قال: تحمل عنه الخطأ؛ لأنّها جناية منه على نفسه فلم يستحق بها شيء على غيره كالعمد والجناية على المال، ولأن تحمّل العاقلة عنه هو على طريق المواساة والتخفيف عنه فيما يلزم بجنايته لغيره، وذلك ممتنع في الإنسان أن يستحق شيئاً على نفسه بجنايته فتودى عنه.
[١٦٠٥] مسألة: قال ابن القاسم: والجاني داخل مع العاقلة، وقال أصحابنا: هذا استحباب وليس بقياس، لأنه لا يجب عليه إذا قتل نفسه وعاقلته المسلمون شيء يتحمّله عنه المسلمون، وقال أبو حنيفة: يدخل القاتل مع العاقلة على ظاهر قول ابن القاسم؛ ودليلنا أن النبي ﷺ قضى بالدّية على العاقلة، وذلك يوجب أن يكون جميعها عليهم، ولا يجوز أن يكون الإنسان عاقلة نفسه، لأن ذلك تناقض، لأن كل عزم وجب بالقتل يستوي قليله وكثيره في تحمله طردًا وعكسًا، ألا ترى أن دية العمد لمّا [لم] تحملها العاقلة حمل الجاني جميعها، وكذلك الثلث وأعلى من دية الخطأ لمّا حملته العاقلة وجب أن تحمل جميعه.
[١٦٠٦] مسألة: العاقلة العصبة، كانوا أهل ديوان أم لا، وقال أبو حنيفة: أهل الديوان عاقلة مقدّمون على المتناسبين؛ فدليلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 716
قضى بالدية على العاقلة، وهي العصبة، ولم يكن في وقته ديوان، ولا في عهد أبي بكر، وإنّما دونت الدواوين أيام عمر، فلا يجوز تغيير ما قضى به، ولأنه نسخ، والنسخ بعد موته غير جائز، ولأنّ تحمّل العاقلة إما أن يكون للنصرة أو للموارثة، وأي ذلك كان فلا مدخل للديوان فيه، ولأنه حق يتعلق بالتعصيب مع وجوده كالإرث.
[١٦٠٧] مسألة: الفقير الذي لا فضل عنده يواسي منه فلا مدخل له في تحمّل العقل، وقال أبو حنيفة: له مدخل فيه؛ فدليلنا أنّ تحمّلها هو على طريق المواساة، فلم يكن للفقير [مدخل] فيها كالزكاة.
[١٦٠٨] مسألة: قال الشيخ أبو بكر: يجيء على أصولنا أن يعتبر وجوب الدّية على العاقلة من يوم الموت لا من يوم الحكم، وقال أبو حنيفة: من يوم الحكم؛ فدليلنا قوله تعالى: " ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلّمة إلى أهله "، وذلك يوجب أن يكون من يوم القتل، ولأنه غرم لزم بقتل الخطأ فوجب أن يكون من يوم القتل، أصله الكفارة، ولأنه مال يجب بحلول أجل، فوجب أن يكون ابتداء أصله من يوم وجوبه، كالدين المؤجل.
[١٦٠٩] مسألة: ليس فيما يؤخذ من كل واحد قدر مؤقت، وإنما هو على حسب ما يمكن ويسهل ولا يضر، وقال أبو حنيفة: يسوي بين جميعهم فيؤخذ من ثلاثة دراهم إلى أربعة دراهم، وقال الشافعي: يفضل الغني على المتوسط فيكون على الغني نصف دينار وعلى المتوسط ربع
стр. 717
دينار؛ فدليلنا على أبي حنيفة أنّه مال مأخوذ على وجه المواساة، فوجب أن يكون موقوفًا على كثرة المال وقلته اعتبارًا بالزكاة، وعلى الشافعي أنّه لما وجب على الغني دون الفقير ولم يرد نص تقدير فلم يبق إلا الاجتهاد، فصار كنفقة الأبوين وغير ذلك ممّا طريقه المواساة.
[١٦١٠] مسألة: إذا مات واحد من العاقلة بعد توظيف الدية وقبل حلول الأجل، قال ابن القاسم: يكون ما وظف عليه في ماله، وهو قول الشافعي إلا أنّه يراعى أن يموت بعد الأجل، وقال أصبغ: يسقط بموته، وهو قول أبي حنيفة؛ ووجه الأول أمه مال مستقر في الذمة فلم يسقط بالموت كالدين، وهذا كالتوظيف قد استقر، وهذا هو دليلنا على أنّه لا اعتبار بموته بعد الأجل. ووجه الثاني أن وجوبه مراعى غير مستقر، بدليل أنّه لو أعدم بعد التوظيف لم يستحق عليه شيء فكذلك بالموت، ولأنه كان في معنى هبة، أصله لم يقبض جتى مات الواهب أو استحق ماله.
[١٦١١] مسألة: تحمل العاقلة من الدية الثلث فأكثر، وقال الشافعي: تحمل القليل والكثير؛ فدليلنا ما روى ربيعة أن النبي ﷺ عاقل بين قريش والأنصار، فجعل على العاقلة ثلث الدية فصاعدًا، ولأنّ حمل العاقلة لذلك هو على وجه التخفيف والمواساة لئلا يجحف الأداء بمال الجاني، وهذا إنّما يكون في الكثير دون القليل، لأن الدرهمين والدينارين لا مشقة غالبة في تكليفهما، وإذا ثبت ذلك احتيج إلى الفصل بين القليل والكثير، ولا فصل إلا ما قلناه.
ولأنّه قد روي في مواضع كثيرة دون اعتبار نصف العشر على ما
стр. 718
يقوله أبو حنيفة، ولأن ما لا يحتمل ضمانه الأب والابن لا يحتمله الأخ والعم كضمان المال، ولأنها جناية على ذكر سبب للنفس ولا يعادل نفسًا فلا تتحملها العاقلة أصله الجناية على البهيمة.
[١٦١٢] مسألة: إذا كان بعض عاقلته معه في بلده وبعضهم في إقليم آخر، لم يعقل عنه من ليس معه في إقليمه، وضم إليه أقرب القبائل إليه ممن يجاور موضعه، وقال أبو حنيفة: يحمل الجميع عنه؛ فدليلنا أن من قرب منه أقرب إلى نصرته ممّن بعد، فكانوا أولى بتحمّل العقل، ولأنّ من بعد منه قد يكونون متفرقين في البلاد يتعذر الوصول إليهم، فيضر ذلك بولي الدم فكانوا في حكم المعدومين كالأولياء، ولأن ذلك يؤدي إلى أن تؤدى الدّية من نوعين من المال وذلك غير جائز.
[١٦١٣] مسألة: جناية الذمي على أهل جزيته الذين في كورته، وقال أبو حنيفة: إن كانت لهم معاقل وإلا فهي في مال الجاني، وقال الشافعي: إذا لم ينسبوا إلى أب كانتساب العرب لم يتعاقلوا؛ فدليلنا ما روي أنه ﷺ قضى بالدّية على العاقلة، وذلك يقتضي أن لا بدّ من عاقلة، فإذا ثبت ذلك لم يبق إلا ما نقوله، ولأنها دية وجبت بقتل خطأ، فلم يستحق في ذمة القاتل كالمسلم، ولأنهم يتناصرون بالجزية ويتوالون بها فكانت كالنسب.
[١٦١٤] مسألة: الذي يجيء على أصولنا أن المولى الأسفل لا يعقل، وقال الشافعي: يعقل؛ ودليلنا أنه معنى يعتبر فيه التعصيب فلم يدخل فيه المولى الأسفل كالميراث والولاية في النكاح لأنّ ذوي الأرحام أقرب إلى النصر من المولى الأسفل ولا يدخلون في العقل، فكان هذا أولى بأن لا يدخل فيه.
стр. 719
[١٦١٥] مسألة: إذا صال الفحل على إنسان فله دفعه عن نفسه، فإن أدى إلى قتله فلا ضمان عليه، ووافقنا أبو حنيفة في أن له دفعه عن نفسه وخالفنا في الضمان، فقال: يضمن البهيمة، ويضمن من الآدميين من كان غير مكلّف كالصبي والمجنون، عبدين كانا أو حرين، ولا يضمن العبد البالغ المكلّف. ودليلنا قوله تعالى: " ما على المحسنين من سبيل "، وهذا محسن بالدفع عن نفسه، ولأنه إتلاف أدى إليه دفع مباح فلم يجب به ضمان، أصله إذا صال علمه عبد أو حر فدفعه فتلف.
[١٦١٦] مسألة: إذا عض أصبع رجل فجبذ أصبعه من فيه فانقلعت أسنان العاض ضمنها، وقال يحيى بن عمر وغيره: لا يضمنها، وهذا هو النظر، لأنّه إتلاف أدى إليه دفع جائز كصول الفحل، والعلّة فيهما واحدة.
[١٦١٧] مسألة: السائق والقائد والراكب ضامنون لما وطئت الدابة جناية الدابة إذا كان ذلك بسبب من فعلهم، وإن نفحت بيدها أو رجلها ابتداء، لا بسببهم فلا ضمان عليهم، وقال أبو حنيفة: يضمن السائق على كل حال، وأما القائد والراكب فيضمنان ما أتلفت بفيها أو يدها، ولا يضمنان ما أتلفت برجلها أو ذنبها، وقال الشافعي: جناية الدابة ويد صاحبها عليها كجنايته يضمن على كل حال؛ فدليلنا قوله ﷺ : «العجماء جرحها جبار»، ولأنها جناية من بهيمة ابتداء لا صنع لصاحبها فيها ولا وقعت بتفريط منه فلم يلزمه ضمان، أصله إذا أنفرت عن يده؛ وعلى أبي حنيفة عموم الخبر، ولأنها جناية من دابة لسبب منه فلزمه ضمانها كالجناية بالفم واليد.
[١٦١٨] مسألة: إذا مال الحائط وخيف وقوعه، فإذا تقدّم إنذار
стр. 720
إلى صاحبه، وأشهد عليه، ضمن ما تلف به، وقال أشهب: إذا بلغ من شدة الخوف إلى ما لا يؤمن معه الإتلاف تعلّق الضمان على صاحبه، أشهد عليه أو لم يشهد وهذا هو الصحيح، وقال الشافعى: لا ضمان عليه على كل وجه؛ فدليلنا أنّه متعدّ بتبقيته لتعرضه للتلف، فأشبه أن يحفر بئرًا أو يضع حجرًا في الطريق فيعثر به الناس أو ينصب حبالة.
[١٦١٩] مسألة: من اتخذ في داره كلبًا عقورًا، يعلم أنه يعقر، فتلف به إنسان فهو ضامن، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا ضمان عليه؛ فدليلنا أنّه أمسك سبعًا يعدو على الناس ويفترسهم عالم به، فلزمه ضمان ما تلف به، كالذئب والفهد، ولأنه حيوان يتلف به الناس وأموالهم فكان بإمساكه ضامنًا كالجنايات.
[١٦٢٠] مسألة: من حفر بئرًا في فنائه، أو أحدث شيئًا له أن يحدثه ثم تلف به إنسان أو بهيمة لم يضمن، وقال أبو حنيفة: يضمن، وحكي أنه فرق بين أن يجلس في آخر المسجد منتظرًا للصلاة وبين أن لا يجلس لانتظار الصلاة، فقال في الأولى: لا يضمن إن عثر به غيره فتلف، وفي الثاني: يضمن؛ فدليلنا أنه لم يحصل منه إتلاف بمباشرة، ولا عن سبب تعدى به فلم يضمن، ولأن هذه أسباب الضمان، ولأنه سبب مباح فلم يضمن به ما تلف، أصله إذا أحدث في ملكه.
[١٦٢١] مسألة: إذا ضرب بطن امرأة فألقت جنينًا ميتاً ففيه دية، خلافاً لمن حكي عنه أنه لا شيء فيه؛ لما روي أن رسول الله ﷺ قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بغرة عبد أو وليدة.
стр. 721
[١٦٢٢] مسألة: إذا ماتت المرأة ثم خرج الجنين بعد موتها من بطنها ميتًا فلا شيء فيه، خلافاً للشافعي في إيجابه الغرة؛ لأن تلف الجنين بتلف الأم، فوجب أن يكون تابعاً لها، وأن لا حكم له كالذكاة، وأن تلفه قبل الانفصال عنها كتلف بعض من أبعاضها، لأنه ما دام معها فهو في حكم الجزء منها فيكون تابعًا لا حكم له.
[١٦٢٣] مسألة: دية الجنين لجميع ورثته، وحكي عن الليث إن صحّ، أنها للأم وحدها؛ فدليلنا قوله تعالى: " فدية مسلمة إلى أهله "، فعم المقتولين والأهل، ولأنها دية نفس آدمي مقتول، فكانت لجميع ورثته كدية الكبير.
[١٦٢٤] مسألة: لا كفارة في الجنين إذا سقط ميتًا، خلافًا للشافعي؛ لأنا لا نعلم أنه كان حيًا، بدليل أنّه لا يحكم له بحكم الحي ما دام حملاً، ولو علمنا أنه كان حيًا لأوجبنا فيه الدية كاملة كما نوجبها فيه إذا استهل صارخًا بعد طرحه ثم مات، ولأن الأرش الواجب فيه مقدّر تقدير أرش الأحياء، فلم تجب الكفارة فيه كالعضو.
[١٦٢٥] مسألة: في جنين الحرة عشر دية أمه، وكذلك في جنين الأمة عشر قيمة أمه إذا كان من غير سيدها، وعند أبي حنيفة أن ما يجب في الجنين معتبر به بنفسه لا بأمه، فإن كان الجنين ذكرًا حرًا ففيه نصف عشر دية نفسه، وإن كان أنثى حرة فعشر ديتها، وإن كان رقًا فنصف عشر قيمته إن كان ذكرًا وعشرها إن كان أنثى، وفي جنين الحرة لا يحصل بيننا وبينه خلاف في المذهب، ولكن نختلف في التعليل، وإنّما الخلاف في الجنين الرق؛ فدليلنا أنه جنين فارق أمه ميتًا بجنايته وهي حية فلم يختلف حكم ضمانه بالذكورية والأنوثية، أصله جنين الحرة.
* * *
стр. 722
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب القسامة
[١٦٢٦] مسألة: الحكم بالقسامة واجب، خلافًا لابن علية وغيره؛ لما روي أن القسامة كانت في الجاهلية فأقرها رسول الله ﷺ ، في قصة الأنصاري لقوله: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم أدفعه إليكم بذمته»، وقوله: «أتقسمون وتستحقون دم صاحبكم»، ولأنّ في ترك الحكم بها إضاعة الدماء، لأنّ من يريد قتل غيره إنما يتعمد به المواضع الخالية التي يأمن فيها أن يراه إنسان في الغالب، فلو لم يحكم فيها باللّوث لم يشأ من يريد قتل غيره، ولا يؤخذ به، إلا وفعل ذلك من غير
стр. 723
تعذر، وفي ذلك هدر الدماء.
[١٦٢٧] مسألة: يبدأ بالأيمان أولياء الدّم، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله ﷺ في قصة الأنصاري: «تحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟» قالوا: لم نحضر. قال: «فتبريكم يهود بخمسين يميناً»، ففيه دليلان؛ أحدهما: أنه بدأ بعرضها على الأولياء، والأخرى: أنّه نقلها إلى المدّعى عليهم بعد نكول الأولياء، وعندهم أن الأيمان تتوجه عليهم ابتداء. وروي: «البينة على المدّعي واليمين على من أنكر وهو المدّعى عليه إلا في القسامة»، ولأن اليمين تجب في الأصول على أقوى المتداعيين سبباً، والأولياء ها هنا أقوى سبباً باللّوث الذي يغلب معه الظن صدق دعواهم، فوجب كون اليمين في جنبتهم.
[١٦٢٨] مسألة: يستحق بها الدم، خلافًا لأحد قولي الشافعي؛ لقوله: «تحلفون خمسين يميناً وتستحقون دم صاحبكم»، وروي: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم يدفع إليكم برمته»، ولأنّها حجة ثبت بها كل عمد فجاز أن يستحق بها قتل من يثبت عليه، أصله الشهود.
[١٦٢٩] مسألة: إذا قال المقتول دمي عند فلان عمدًا، فذلك لوث يوجب القسامة، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: " إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة " إلى قوله: " فقلنا اضربوه ببعضها "، فالقصة معروفة في
стр. 724
الذي قتل عمدًا، ورمي أهل قرية بقتله، فسألوا موسى ﵇ فأمر الله تعالى أن تذبح بقرة ويضرب ببعضها، فإنّه يحيا ويخبر بقاتله، ففعلوا ذلك فحيي، فقال: قتلني فلان ابن أخي، فصار ذلك أصلاً في قبول قول المقتول وتأثيره في الحكم بدمه، لما روي أن القسامة كانت في الجاهلية وأقرها النبي ﷺ ، وظاهر هذا يفيد أنه أقر جميعها إلا ما قامت الدلالة عليه، والعرب كانت تقسم مع قول المقتول، ولأن اللّوث معنى ينضم إلى دعوى الأولياء فيقوى به صدقهم، ومعلوم أن غالب أحوال المسلمين عند الموت والإشراف عليه، أنهم لا يتزودون للقاء الله قتل النفوس المحرمة والزيادة في ارتكاب الآثام والمعاصي، بل الغالب منهم ضدّ هذا، من الإقلاع عن المآثم والثوب والتخوف ورد المظالم، فإذا كان كذلك، كان هذا من أقوى ما يؤيد قول المقتول، ويغلب معه في الظن صدقه، ولأنه ليس أحد أعدى للإنسان من قاتله، فالتهمة منفية عنه في الكذب على غيره وتبرئته.
[١٦٣٠] مسألة: إذا وجد المقتول في محلّة قوم، لم يكن ذلك لوثًا سواء كانوا أعداءه، أو غير أعدائه، وقال أبو حنيفة: يكون لوثاً إذا كان به أثر، وحكي عنه: أنه إن خرج الدم من أذنيه كان لوثاً، وإن خرج من أنفه لم يكن لوثاً؛ فدليلنا أنّ الغالب من حال من يقتل غيره أن يبعده عنه ويتعمّد لذلك في غير موضعه وبحيث لا يلحقهم فيه تهمة، وبقاؤه في موضع مقتولاً يقوي التهمة فيه أن يكون قاتله من غيرهم، فإنه طرحه بينهم لتزول التهمة عنه في موضعه، واعتباراً به إذا لم يكن به أثر.
[١٦٣١] مسألة: إذا ادعى بعض ولاة الدم القتل وأنكر ذلك الباقون سقطت القسامة في العمد، خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ لأن القسامة مبنية على غالب الظن دون الحقيقة، وتكذيب أحدهم لبقيتهم
стр. 725
يضعف دعواهم ويوقع شبهة، فلم تكن معه قسامة.
[١٦٣٢] مسألة: إذا نكل ولاة الدم عن القسامة وردت الأيمان على المدّعى عليه فنكل، لم ترد على أولياء الدّم، خلافاً للشافعي في قوله: إنّها ترد؛ لأنها يمين وجبت فلم يستحق بالنكول عنها ردًا، أصله في دعوى المال إذا وجبت اليمين للمدّعي مع شاهده فردها على المدّعى عليه فنكل، أنّها لا ترد على المدعي، فكذلك لو لم يكن معه شاهد فنكل المنكر ورد اليمين على المدّعي فنكل لم يرجع إلى المنكر.
[١٦٣٣] مسألة: تقسّط الأيمان على أولياء الدم، خلافاً للشافعي في قوله: يحلف كل واحد خمسين يميناً؛ لقوله ﷺ : «تحلفون خمسين يميناً»، وقوله: «تبريكم يهود بخمسين يميناً»، فلم تجب القسامة أكثر من خمسين يميناً.
[الكفارة في القتل]:
[١٦٣٤] مسألة: لا كفارة على قاتل عمد، خلافاً للشافعي؛ لقوله تعالى: " ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة "، فدل على أن العمد خلافه، ولأنه غرم يجب بقتل الخطأ فلم يجب بقتل العمد، أصله الدية، ولأنه معنى موجب للقتل فلم يوجب على فاعله كفارة، أصله الزنا مع الإحصان، ولأن القتل لو تعلّقت به كفارة لم يتعلق به قود، ألا ترى أن قتل الخطأ لما لزمت به كفارة لم يلزم به قود.
[١٦٣٥] مسألة: تجب الكفارة والدية في قتل الخطأ على أي وجه كان، في دار الحرب والإسلام، وقال أبو حنيفة: إذا أسلم في دار الحرب
стр. 726
وأقام بها حتى قتل فعليه الكفارة ولا دية عليه، فإن دخل دار الإسلام ثم عاد ودخل في تجارة وقد أسلم في دار الإسلام ثم قتل في دار الحرب فعليه الدية والكفارة، وعنه في الأسير روايتان، وقال الشافعي: إذا قتل المسلم في دار الحرب خطأ ففيه الكفارة ولا دية فيه، سواء كان قد أسلم وأقام بدار الحرب، أو كان قد دخل دار الإسلام ثم عاد إليهم للإقامة أو للتجارة أو كان أسيرًا؛ فدليلنا قوله تعالى: " ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة " فعم، ولأنه مؤمن قتل خطأ كما لو قتل في دار الإسلام.
[١٦٣٦] مسألة: وإن قتل في دار الحرب عمدًا وجب فيه القود، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا قود فيه على التفصيل الذي قدّمناه عنهما؛ فدليلنا عموم الظواهر والأخبار التي ذكرناها، ولأنه مسلم قتله مكافىء لدمه عمدًا محضًا فوجب القود به كما لو قتل في دار الإسلام، ولأن اختلاف الأمكنة لا تأثير لها في إسقاط القود أو الدية كغير دار الحرب.
[١٦٣٧] مسألة: الصبي والمجنون إذا قتلا خطأ لزمهما الكفارة، وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليهما؛ فدليلنا عموم الظاهر، لأن الصبي والمجنون من أهل الإسلام قتلهما خطأ، فوجب أن يتعلق به الكفارة كقتل البالغ.
[١٦٣٨] مسألة: إذا اشترك جماعة في قتل مؤمن فعلى كل واحد كفارة كاملة، وحكي عن الليث أن عليهم كفارة، وذكره بعض الشافعية؛ فدليلنا قوله تعالى: " ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة " فعم، ولأنّه قاتل لو كان عمدًا لزمه القود، فإذا كان مخطئاً لزمته كفارة كاملة كالمنفرد.
[١٦٣٩] مسألة: تجب الكفارة بالسبب المتعدّي به، وهو أن يحفر بئرًا بحيث لا يجوز له أو ينصب حجرًا في الطريق ويتلف به إنسان، وقال أبو حنيفة: لا كفارة لذلك؛ فدليلنا أنه سبب يضمن به دية النفس، فجاز أن
стр. 727
يضمن به الكفارة كالجرح، ولأنه كل من عقل عنه دية النفس المؤمنة، جاز أن تلزمه الكفارة، أصله إذا رمى صيدًا بسهم فأصاب إنسانًا.
[١٦٤٠] مسألة: لا كفارة في قتل الذمي، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: " ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة "، واعتبارًا بالحربي والمستأمن لعلّة نقصه بالكفر.
[١٦٤١] مسألة: يستحب الكفارة في قتل العبد ولا تجب، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه حيوان يجب بإتلافه القيمة كالبهيمة.
[١٦٤٢] مسألة: إذا عجز عن الإعتاق والصوم كانت الكفارة في ذمته. وقال الشافعي في أحد قوليه: يطعم؛ ودليلنا قوله تعالى: " فتحرير رقبة مؤمنة " " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين "، وذلك يفيد أنه جميع ما يجب فيها.
[السحر]:
[١٦٤٣] مسألة: السحر له حقيقة، خلافاً لمن نفاه؛ لقوله تعالى: " ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر "، فجعلهم كفرة بتعليمه فثبت أن له حقيقة.
[١٦٤٤] مسألة: إذا عمل السحر بنفسه كفر بذلك ووجب قتله، ولا يقبل قوله: لَسْتُ أعتقد إباحته، وقال أبو حنيفة: يكفر ولا يقتل إذا عمل ما لا يقتل به، وزاد أبو حنيفة فقال: وإن قتل بسحره لم يقتل إلا أن يتكرر ذلك منه؛ فدليلنا على أنّه يكفر به قوله تعالى: " كفروا يعلمون الناس السحر " " وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر "،
стр. 728
[أي] بتعليمه، فإنّك إذا علمته صرت كافرًا، وقوله تعالى: " وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر "، وظاهره أنهم كفروا بذلك، ولأن الآلام التي تصل إلى الحيوان وتضرهم من أفعال الله تعالى، وهو المنفرد بالقدرة عليه، فمتى اعتقد الإنسان أن ذلك من فعل نفسه، وأنه قادر عليه، صار اعتقاده لذلك كفرًا، كاعتقاده أنّه قادر على اختراع الأجسام، فإذا ثبت أنه كفر، وجب قتل فاعله، لقوله ﷺ : «لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد إيمان» و «حدّ السّاحر ضربة بالسيف»؛ ودليلنا أنه يقتل وإن لم يتكرر منه الفعل عموم الخبر، ولأن كل فعل أوجب القتل تكراره أوجبه ابتداؤه، أصله القتل بالسلاح، ولأنّ كل فعل وجب به القتل فلا فرق بين تكرره وانتفاء تكرره كالزنا مع الإحصان والقتل.
[١٦٤٥] مسألة: لا تقبل توبة الساحر، بناءًا على ما نقوله في الزنديق وسنذكره.
[الزنديق]:
[١٦٤٦] مسألة: الزنديق الذي يسر الكفر ويظهر الإسلام لا تقبل توبته، خلافاً للشافعي؛ لقوله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه»، ولأنّ التوبة
стр. 729
من المعصية المستسر بها لا تقبل كالتوبة من الزنا والقتل، ولأنا لا نصل إلى صدق توبته، لأنّ معه ظاهرًا ينفيها وهو استسراره بالكفر فأشبه من تاب مكرهًا، أو معه صليب يقبله، ولأن عادتهم جارية تغير الأسماء وقلب اللغة عمّا ينقلهم به فيها، فيصير متى أجابنا عن استتابة بلفظ التوبة ولفظها عبارة في تواصفهم حتى كمن خوطب بشيء فأجاب عن غيره.
[الردة]:
[١٦٤٧] مسألة: تقتل المرتدّة، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله: «من بدّل دينه فاقتلوه»، ولأنه شخص مرتد كالرجل، ولأنّ كل معصية أباحت دم الرجل بعد حظره فإنها تبيح دم المرأة، كالقتل والزنا مع الإحصان.
[١٦٤٨] مسألة: يستتاب المرتد، خلافاً لمن حكي عنه أنه لا يستتاب؛ لحديث عمر بن الخطاب ﵁ لما بلغه أن رجلاً ارتدّ فقتل قبل أن يستتاب فقال: هلا حبستموه ثلاثاً فأطعمتموه كل يوم رغيفاً، فإن تاب وإلا قتلتموه، اللهم لم آمر، ولم أرض إذ بلغني، ولا مخالف له، ولأن من قبلت توبته عرضت عليه كسائر الكفار، ولأنه يجوز أن تكون عرضت له شبهة تزول عنه بالاستتابة.
стр. 730
[١٦٤٩] مسألة: يستتاب ثلاثاً، خلافاً لأحد قولي الشافعي: أنه يستتاب في الحال؛ لحديث عمر الذي رويناه، ولأن الغرض بالتوبة زوال شبهة لعلّها أن تكون عرضت له فتزول ويعود إلى الإسلام، وذلك يقتضي أن يمهل مدّة ما.
[١٦٥٠] مسألة: إذا تاب قبلت توبته، خلافاً لمن قال: لا تقبل توبته؛ لقوله تعالى: " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف "، وقوله: " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده "، ولحديث عمر الذي رويناه، ولأنّه قد تاب من كفر مظهر، كالكافر الأصلي.
[١٦٥١] مسألة: وعرض التوبة واجب على ظاهر المذهب، وقال أبو حنيفة: لا تجب، وهو أحد قولي الشافعي؛ فدليلنا حديث عمر، ولأنه ممّن عرف الإسلام فيمكن أن يعرض له شبهة فتزول بتقريره واستتابته.
[١٦٥٢] مسألة: إذا اجتمع المرتدّون، ونصبوا راية، وقاتلونا، وقتلوا، وأتلفوا أموالاً، ثم تابوا، لم يؤخذوا بشيء من ذلك، خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ لأن أبا بكر الصدّيق ﵁ والصحابة لم يأخذوا ممّن رجع من أهل الردة بشيء ممّا قتلوا أو أتلفوا، ولأنّه فئة ممتنعة قاتلت على تأويل بدين كأهل الحرب.
[١٦٥٣] مسألة: لا يسبى ولده الذي ولده في ردته، خلافاً للشافعي؛
стр. 731
لأن السبي لا يكون [إلا] في جنس يجوز إقرارهم على دينهم، وذلك معدوم في المرتدّين.
[١٦٥٤] مسألة: تصحّ ردة السكران، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن كل من صحّ طلاقه وقذفه صحت ردته، كالصاحي.
[١٦٥٥] مسألة: وإذا قتل المرتدّ أو مات على ردته كان ماله فيئًا غير موروث لورثته ولا لأهل الدين الذي انتقل إليه، خلافاً للأوزاعي وغيره في قولهم: إنّه يورث عنه، ولأبي حنيفة في قوله: يورث عنه ما اكتسبه قبل ردته ولا يورث ما اكتسب حال ارتداده؛ لقوله ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»، ولأنه مات كافرًا فلم يرثه مسلم كالكافر الأصلي، وعلى أبي حنيفة لأنه نوع من ماله فأشبه ما كسب حال ردته.
[١٦٥٦] مسألة: إذا انتقل الكافر من ملّة إلى ملّة أخرى، إلى الكفر، لم يعرض له إذا أدى الجزية، خلافًا للشافعي في قوله: إذا لم يسلم [قتل]؛ لأن الدين الذي انتقل إليه مما يجوز الإقرار عليه، فجاز أن يقر عليه بالانتقال كما لو كان عليه ابتداء، ولأنه لو كان يعقوبيًا فصار نسطوريًا لم يعرض له، لأنه انتقال من كفر إلى كفر، فكذلك انتقاله من النصرانية إلى اليهودية.
باب [في البغي]:
[١٦٥٧] مسألة: لا يؤخذ أهل البغي بما أتلفوه في القتال أو غيره من نفس أو مال على وجه التأويل، وقال أبو حنيفة: يضمنون، وهو قول
стр. 732
الشافعي الآخر؛ ودليلنا أن أهل الجهل وغيرهم، من فئات المسلمين، التي اقتتلت على تأويل الدين، لم يأخذ بعضهم بعضاً بقود ولا غرم ما أتلف من مال، ولأنها فئة امتنعت وأتلفت بتأويل فلم تضمن، أصله أهل الحرب إذا أتلفوا النفوس والأموال.
[١٦٥٨] مسألة: إذا نصب أهل البغي قاضيًا منهم تعرف أحكامه لم تنقض إذا أصاب وجه الحكم، وقال أبو حنيفة: إن كان منهم نقضت أحكامه؛ فدليلنا أن الفتن والحروب قد كانت في الصحابة والتابعين فلم تعرض إحدى الفئتين على الأخرى في ذلك، ولا تعرضت لنقض أحكامها، ولأنه قضى بما لو قضى به العادل، لم ينقض بولاية من أهل الإسلام كالعادل.
[١٦٥٩] مسألة: تجب الحدود في دار أهل البغي على من ركب أسبابها، خلافًا لأبي حنيفة في قوله؛ لأنه مرتكب لما يوجب الحدّ مع اعتزائه إلى الملة، فأشبه أهل العدل.
[١٦٦٠] مسألة: حد الحرابة على التخيير دون الترتيب، وهو موكول إلى اجتهاد الإمام، فله أن يقتله إن رآه حظًا ونظرًا وإن لم يكن قتل، وقال أبو حنيفة والشافعي: حدها على الترتيب، ولا يقتل ما لم يقتل، ولا يصلب ولا يقطع، فإن قتل ولم يأخذ مالاً قتل فقط ولم يقطع ولم يصلب، فإن أخذ المال ولم يقتل قطع، وإن قتل وأخذ المال؛ قال أبو حنيفة: الإمام مخير إن شاء جمع القتل [والقطع]، وإن شاء جمع القطع والصلب،
стр. 733
ثم قتل بعد الصلب.
وقال الشافعي: يقتلهم خنقًا ثم يصلبهم؛ فدليلنا على أنّه يقتل وإن لم يكن قتل قوله تعالى: " أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف " الآية، ولم يشترط أن يكونوا قتلوا، ولأنه خير بين هذه الحدود فدل على سقوط الترتيب، وروي أنه ﷺ قال: «من شهر سيفه بموضعه فقد وجب دمه».
[١٦٦١] مسألة: النفي المراد في آية المحاربين هو إخراجهم من البلد الذي كانوا فيه إلى غيره وحبسهم فيه، وقال أبو حنيفة: يحبسون في البلد نفسه، وقال الشافعي: نفيهم أن يهربوا، فإذا حصلوا بموضع أنفذ الإمام في طلبهم ليقيم عليهم الحد، هكذا يتبعهم أبدًا؛ ودليلنا أن معنى النفي الإخراج من الموضع المتوطن، ومنعهم من الإقامة فيه، واللام في قوله: " أو ينفوا من الأرض " للعهد، وهي الأرض التي كانوا فيها، وذلك لا يكون إلا بالحبس في غيرها لأنه إذا خلّي لم يؤمن عوده إليها، فوجب أن يحبس بحيث يتحقق أنه لا يعود إليها، ولأنه إذا هرب منه لا يخلو أن يكون في موضع من الأرض فلا معنى لذلك، ولأنه يرجع سرًا إلى
стр. 734
الموضع الذي كان فيه فتزول فائدة العقوبة بالنفي.
[١٦٦٢] مسألة: إذا رأى الإمام قطعه في أخذ المال فلا يراعى في ذلك نصاب السرقة، بل يقطعه وإن أخذ أقل منه، قطع للحرابة، وقال أصحاب الشافعي: لا يقطع فيما دون نصاب القطع؛ فدليلنا قوله تعالى: " أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف " ولم يفرق، ولأنّه أخذ المال على وجه الحرابة فأشبه الربع دينار، ولأنه لما [لم يعتبر فيه الحرز] لم يعتبر فيه النصاب، ولأنّ السرقة صفتها أن يؤخذ الشيء على وجه الإخفاء، وهذا لا يوجد في المحارب.
[١٦٦٣] مسألة: إذا رأى الإمام الجمع بين قتل المحارب وصلبه فإنّه يصلبه حيًا ثم يقتله، وقال الشافعي: يقتله على وجه الأرض ثم يصلب مقتولاً ثلاثة أيام؛ فدليلنا أن الصلب إنما أريد به الارتداع والانزجار، وذلك لا فائدة فيه بعد القتل، لأنه إذا صلب حيًا ثم قتل كان أبلغ في الردع ليرتدع به غيره ممّن يفعل كفعله، فإذا قتل فالردع حاصل بالقتل ولا يرتدع لما بعده.
[١٦٦٤] مسألة: إذا تاب المحارب قبل القدرة عليه سقط عنه جميع حدّ الحرابة، وذكر الإسفرائيني عن أصحابهم خلافًا في سقوط قطع يمينه، وأن منهم من لا يسقط. لأن العاقلة ودفع الإنسان عما في يده حرز فيكون أخذه على وجه السرقة لا الحرابة.
فدليلنا أن جملة القطع هو للحرابة وليس يتبعض فيكون بعضه للسرقة وبعضه للحرابة، فإذا كان كذلك سقط الجميع عنه، ولأن صفة السرقة أن تكون باستخفاء لا بمجاهرة.
[١٦٦٥] مسألة: إذا اجتمع المحاربون فقتل بعضهم وكان الباقون ردءًا
стр. 735
وأعواناً لم يباشروا القتل فإن جميعهم يقتلون، وقال الشافعي: لا يقتل إلا من باشر القتل؛ فدليلنا قوله تعالى: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا "، فعم، ولأنّ ذلك مبني على تخيير الإمام وقد ذكرناه، ولأنهم اشتركوا في الحرابة، فوجب أن يشتركوا في حكمها، كما لو قتلوا، ولأنه لما كان من حضر الوقيعة مشاركاً لمن قاتل في الغنيمة، قاتل أو لم يقاتل لأنهم ردء لهم وعون، فكذلك في المحاربة.
[١٦٦٦] مسألة: إذا عفا ولي الدّم عن المحارب، وقد أخذ قبل التوبة، فلا عفو له وينحتم قتله، خلافاً لمن يحكى عنه أن عفوه جائز؛ لقوله تعالى: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله " الآية، فخاطب الأئمة بذلك انحتامًا، ولأنه حق الله فلم يجز فيه عفو كحدّ الزنا والسرقة.
[١٦٦٧] مسألة: لا يراعى في القتل بالحرابة إذا قتل تكافؤ الدّماء، فيقتل المسلم بالذمي، والحر بالعبد، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يقتل إلا بمن يكافىء دمه؛ فدليلنا قوله تعالى: " أن يقتلوا "، فعم، ولأنه قتل وجد منه في الحرابة، كما لو كافأ في دمه.
[١٦٦٨] مسألة: المحارب في البلد وخارج البلد سواء في الحكم، وقال أبو حنيفة: لا يكون محاربًا بقطعه في البلد إلا أن يقطع في الصحراء والبرية البائنة عن البلد؛ فدليلنا قوله تعالى: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله" ولم يفرق، ولأنه قد وجد منه إخافة السبيل وقطع الطريق وقتله على أخذ المال فاستحق اسم المحارب وحكمه، كما لو كان في الصحراء، ولأن ارتكاب موجبات الحدود في الصحراء والبلد واحد كالزنا والقتل وشرب الخمر، ولأن كل حد يفعل في الصحراء جاز أن يجب به في المصر كحدّ الزنا والسرقة.
стр. 736
كتاب الحدود [الزنا]
[١٦٦٩] مسألة: حد الزاني المحصن الرجم، خلافاً لداود في قوله: الجلد والرجم؛ لقوله ﷺ : «واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها». وروى جابر: أن النبي ﷺ رجم ماعزًا ولم يجلده، وكذلك الغامدية، ولأنه معنى يوجب القتل لحق الله تعالى فلم يوجب الجلد مع القتل كالردة، ولأنه حدّ بنفسه ولم يك بعض حدّ في السبب الذي هو حدّ فيه، أصله القطع في السرقة.
[١٦٧٠] مسألة: ويجب في حدّ الزاني الذكر البكر تغريبه عاماً، خلافاً لأبي حنيفة في إسقاطه التغريب عنه؛ لقوله ﷺ : «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام»، وفي حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في الذي قال
стр. 737
للنبي ﷺ : إن ابني كان عسيفًا على هذا وزنى بامرأته، فذكر القصة، إلى أن قال: وجلد ابنه مائة وغربه عامًا.
[١٦٧١] مسألة: لا تغرب المرأة، خلافاً للشافعي؛ لقوله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة"، ولم يذكر التغريب، ولأن التغريب في الرجل عقوبة له ليقطع عن ولده وأهله ومعاشه، وتلحقه الذلة بنفيه إلى غير بلده، وليس فيه ما في المرأة من الحاجة إلى المراعاة والحفظ ومنع السفر، والمرأة تحتاج في حفظها وصيانتها إلى أكثر من حاجة الرجل، ففي تغريبها تعريض للهتك الذي هو ضدّ الصيانة، ومواقعة مثل ما غربت من أجله، وذلك إغراء لا ردع وزجر، فامتنع لهذا التناقض إيجاب التغريب على المرأة.
[١٦٧٢] مسألة: لا تغريب على عبد ولا أمة، خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ للظاهر، ولقوله ﷺ : «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، ثم إن زنت فليجلدها» ثم قال في الرابعة: «فليبعها ولو بضفير»، ففيه دليلان؛ أحدهما: أنه سئل عن حدّها فذكر الجلد، ولم يذكر التغريب، والثاني: أنّه كرر ذكر الجلد، فلو كان التغريب واجباً في حدّه لكان الأولى أن يذكره، ولأن التغريب على الحر لينقطع عن وطنه ومعاشه، وتلحقه الذلة، فيرتدع وينزجر، والعبد لا وطن له، ولا معيشة ينقطع عنها بتغريبه، ولأنه
стр. 738
لو كان التغريب واجباً عليه لكان على النصف من تغريب الحر.
[١٦٧٣] مسألة: إذا وجدت شروط الإحصان في أحدهما ولم توجد في الآخر، ثبت الإحصان فيمن وجد فيه، كالحر يطأ الأمة زوجته، والمسلم يطأ زوجته الكتابية، والعاقل زوجته المجنونة، والبالغ يطأ الصبية المطيقة للوطء، وإن لم تبلغ؛ كل هذا يكون إحصاناً للواطىء دون الموطوءة، وكذلك عكسه يكون إحصاناً للموطوءة دون الواطىء، إلا في الصبي يطأ الكبيرة، فإنّه لا يكون إحصاناً لواحد عنهما، وقال أبو حنيفة: لا بد من اعتبار الطرفين؛ فدليلنا أنّه حر مكلّف وطىء زوجته بنكاح صحيح، ووطئها وطئاً مباحاً، فوجب أن يصير محصناً به، أصله إذا كانا كاملين.
[١٦٧٤] مسألة: الإسلام من شرط الإحصان، خلافاً للشافعي؛ لأنّ الإحصان حكم شرعي وجب للفضيلة في الإسلام، فلم يثبت للكافر، لانتفاء الفضيلة في أحكام الكفر، ولأنه حدّ يعتبر فيه الإحصان فوجب أن يعتبر فيه الإسلام، أصله حد القذف، ولأنّ نقص الكفر أشدّ من نقص الرق لأن أصل نقص الرق هو الكفر، فإذا كان نقص الرق يمنع الإحصان فنقص الكفر أولى، لأن زيادة الحدود لزيادة الفضيلة، ونقص الكفر يمنع ذلك، ولأن من شروط الإحصان صحة النكاح الذي يطأ فيه، وأنكحة الكفار فاسدة.
[١٦٧٥] مسألة: إذا زنى عاقل بمجنونة أو وطىء مجنون عاقلة على وجه الزنا وجب الحدّ على العاقل منهما، وقال أبو حنيفة: لا حد على العاقلة إذا وطئها المجنون؛ فدليلنا أنه إذا سقط الحدّ عن أحدهما لمعنى فيه لم يوجب ذلك سقوطه عن الآخر، أصله إذا كانت المجنونة الموطوءة، ولأنها طاوعته واطئاً كامل الوطء على وجه يحرم بغير شبهة، فوجب أن يلزمها الحدّ، أصله إذا كان الواطىء عاقلاً.
стр. 739
[١٦٧٦] مسألة: إذا حضر الإمام والشهود بموضع الرجم لم يجب على أحد منهم البداية بالرجم، وقال أبو حنيفة: إن كان الزنا ثبت بالاعتراف كان على الإمام أن يبدأ بالرجم ثم يتبعه سائر الناس، وإن كان ثبت ببينة بدأ الشهود، ثم الإمام، ثم سائر الناس؛ فدليلنا أنّه حدّ من الحدود لم يلزم الإمام مباشرة شيء منه بنفسه كالجلد والقطع، ولأنه قتل كالقصاص والقتل في الردة، ولأن شهادة الشهود بالحدّ لا توجب التبدئة بهم في فعله كحد القذف والشرب.
[١٦٧٧] مسألة: لا يحفر في حدّ الرجم لأحدهما، خلافاً للشافعي في قوله: يحفر للمرأة؛ لقوله ﷺ : «فإن اعترفت فارجمها» ولم يأمر بالحفر لها، ولأنه إذا كان على وجه الأرض أتت الحجارة على جميع الأعضاء، فكان أسرع للتوفية وأقل للتعذيب، ولأنّها مرجومة في الزنا كالرجل.
[١٦٧٨] مسألة: إذا شهدت بينة على رجل بأنه زنى، فإن الإمام يقيم عليه الحدّ الذي يجب عليه من رجم أو جلد من غير حاجة إلى حضور البينة، وحكي عن أبي حنيفة أنه يلزم الشهود أن يحضروا ولا يرجم المشهود عليه ولا يجلد إلا بحضورهم؛ فدليلنا قوله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما"، ولأن كل حق ثبت ببينة جاز استيفاؤه وإن لم تحضر البينة، كسائر الحقوق واعتباراً بحقوق الآدميين.
[١٦٧٩] مسألة: إذا جاء على فراشه ووجد عليه امرأة فوطئها ظناً منه أنها زوجته أو أمته ثم بان له أنها أجنبية فلا حدّ عليه، وقال أبو حنيفة: عليه الحدّ إلأ أن يكون ليلة الزفاف زفت إليه امرأة وقيل هذه امرأتك.
[١٦٨٠] مسألة: إذا أقر بالزنا مرة لزمه الحد، خلافاً لأبي حنيفة في
стр. 740
قوله: لا يلزمه إلا أن يقر أربع مرات في أربعة مجالس؛ لقوله ﷺ : «فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله»، والمقر منه مبد لصفحته، وقوله ﷺ : «واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» ولم ينط ذلك بتكرار الاعتراف، ولأنّ كل حق ثبت بالإقرار لم يفتقر إلى تكراره كسائر الحقوق، ولأنه إقرار من مكلّف بالزنا فلم يحتج إلى زيادة عليه، أصله إذا أقر أربعاً، ولأنه عدد زائد على حصول الإقرار كالخامسة.
[١٦٨١] مسألة: في رجوعه عن الإقرار إلى غير شبهة روايتان؛ إحداهما: أنه يقبل، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، والأخرى: أنّه لا يقبل. فوجه قوله: إنّه يقبل، قوله ﷺ لماعز: «لعلك لمست» وهذا كالتلقين له للرجوع، وقوله: «هلا تركتموه»، وروي أنه ﷺ أتي بسارق فاعترف بالسرقة، فقال له: «ما إخالك سرقت»، ولا فائدة في هذا إلأ أنّه إذا قال لم أسرق قبل منه، ولأن ذلك مروي عن أبي بكر،
следующие страницы →