← Фикх малики

Фикх малики · id 14245

الإشراف على نكت مسائل الخلاف

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (912 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

كتاب الحدود [الزنا] [١٦٦٩] مسألة: حد الزاني المحصن الرجم، خلافاً لداود في قوله: الجلد والرجم؛ لقوله ﷺ : «واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها». وروى جابر: أن النبي ﷺ رجم ماعزًا ولم يجلده، وكذلك الغامدية، ولأنه معنى يوجب القتل لحق الله تعالى فلم يوجب الجلد مع القتل كالردة، ولأنه حدّ بنفسه ولم يك بعض حدّ في السبب الذي هو حدّ فيه، أصله القطع في السرقة. [١٦٧٠] مسألة: ويجب في حدّ الزاني الذكر البكر تغريبه عاماً، خلافاً لأبي حنيفة في إسقاطه التغريب عنه؛ لقوله ﷺ : «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام»، وفي حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في الذي قال

стр. 737

للنبي ﷺ : إن ابني كان عسيفًا على هذا وزنى بامرأته، فذكر القصة، إلى أن قال: وجلد ابنه مائة وغربه عامًا. [١٦٧١] مسألة: لا تغرب المرأة، خلافاً للشافعي؛ لقوله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة"، ولم يذكر التغريب، ولأن التغريب في الرجل عقوبة له ليقطع عن ولده وأهله ومعاشه، وتلحقه الذلة بنفيه إلى غير بلده، وليس فيه ما في المرأة من الحاجة إلى المراعاة والحفظ ومنع السفر، والمرأة تحتاج في حفظها وصيانتها إلى أكثر من حاجة الرجل، ففي تغريبها تعريض للهتك الذي هو ضدّ الصيانة، ومواقعة مثل ما غربت من أجله، وذلك إغراء لا ردع وزجر، فامتنع لهذا التناقض إيجاب التغريب على المرأة. [١٦٧٢] مسألة: لا تغريب على عبد ولا أمة، خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ للظاهر، ولقوله ﷺ : «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، ثم إن زنت فليجلدها» ثم قال في الرابعة: «فليبعها ولو بضفير»، ففيه دليلان؛ أحدهما: أنه سئل عن حدّها فذكر الجلد، ولم يذكر التغريب، والثاني: أنّه كرر ذكر الجلد، فلو كان التغريب واجباً في حدّه لكان الأولى أن يذكره، ولأن التغريب على الحر لينقطع عن وطنه ومعاشه، وتلحقه الذلة، فيرتدع وينزجر، والعبد لا وطن له، ولا معيشة ينقطع عنها بتغريبه، ولأنه

стр. 738

لو كان التغريب واجباً عليه لكان على النصف من تغريب الحر. [١٦٧٣] مسألة: إذا وجدت شروط الإحصان في أحدهما ولم توجد في الآخر، ثبت الإحصان فيمن وجد فيه، كالحر يطأ الأمة زوجته، والمسلم يطأ زوجته الكتابية، والعاقل زوجته المجنونة، والبالغ يطأ الصبية المطيقة للوطء، وإن لم تبلغ؛ كل هذا يكون إحصاناً للواطىء دون الموطوءة، وكذلك عكسه يكون إحصاناً للموطوءة دون الواطىء، إلا في الصبي يطأ الكبيرة، فإنّه لا يكون إحصاناً لواحد عنهما، وقال أبو حنيفة: لا بد من اعتبار الطرفين؛ فدليلنا أنّه حر مكلّف وطىء زوجته بنكاح صحيح، ووطئها وطئاً مباحاً، فوجب أن يصير محصناً به، أصله إذا كانا كاملين. [١٦٧٤] مسألة: الإسلام من شرط الإحصان، خلافاً للشافعي؛ لأنّ الإحصان حكم شرعي وجب للفضيلة في الإسلام، فلم يثبت للكافر، لانتفاء الفضيلة في أحكام الكفر، ولأنه حدّ يعتبر فيه الإحصان فوجب أن يعتبر فيه الإسلام، أصله حد القذف، ولأنّ نقص الكفر أشدّ من نقص الرق لأن أصل نقص الرق هو الكفر، فإذا كان نقص الرق يمنع الإحصان فنقص الكفر أولى، لأن زيادة الحدود لزيادة الفضيلة، ونقص الكفر يمنع ذلك، ولأن من شروط الإحصان صحة النكاح الذي يطأ فيه، وأنكحة الكفار فاسدة. [١٦٧٥] مسألة: إذا زنى عاقل بمجنونة أو وطىء مجنون عاقلة على وجه الزنا وجب الحدّ على العاقل منهما، وقال أبو حنيفة: لا حد على العاقلة إذا وطئها المجنون؛ فدليلنا أنه إذا سقط الحدّ عن أحدهما لمعنى فيه لم يوجب ذلك سقوطه عن الآخر، أصله إذا كانت المجنونة الموطوءة، ولأنها طاوعته واطئاً كامل الوطء على وجه يحرم بغير شبهة، فوجب أن يلزمها الحدّ، أصله إذا كان الواطىء عاقلاً.

стр. 739

[١٦٧٦] مسألة: إذا حضر الإمام والشهود بموضع الرجم لم يجب على أحد منهم البداية بالرجم، وقال أبو حنيفة: إن كان الزنا ثبت بالاعتراف كان على الإمام أن يبدأ بالرجم ثم يتبعه سائر الناس، وإن كان ثبت ببينة بدأ الشهود، ثم الإمام، ثم سائر الناس؛ فدليلنا أنّه حدّ من الحدود لم يلزم الإمام مباشرة شيء منه بنفسه كالجلد والقطع، ولأنه قتل كالقصاص والقتل في الردة، ولأن شهادة الشهود بالحدّ لا توجب التبدئة بهم في فعله كحد القذف والشرب. [١٦٧٧] مسألة: لا يحفر في حدّ الرجم لأحدهما، خلافاً للشافعي في قوله: يحفر للمرأة؛ لقوله ﷺ : «فإن اعترفت فارجمها» ولم يأمر بالحفر لها، ولأنه إذا كان على وجه الأرض أتت الحجارة على جميع الأعضاء، فكان أسرع للتوفية وأقل للتعذيب، ولأنّها مرجومة في الزنا كالرجل. [١٦٧٨] مسألة: إذا شهدت بينة على رجل بأنه زنى، فإن الإمام يقيم عليه الحدّ الذي يجب عليه من رجم أو جلد من غير حاجة إلى حضور البينة، وحكي عن أبي حنيفة أنه يلزم الشهود أن يحضروا ولا يرجم المشهود عليه ولا يجلد إلا بحضورهم؛ فدليلنا قوله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما"، ولأن كل حق ثبت ببينة جاز استيفاؤه وإن لم تحضر البينة، كسائر الحقوق واعتباراً بحقوق الآدميين. [١٦٧٩] مسألة: إذا جاء على فراشه ووجد عليه امرأة فوطئها ظناً منه أنها زوجته أو أمته ثم بان له أنها أجنبية فلا حدّ عليه، وقال أبو حنيفة: عليه الحدّ إلأ أن يكون ليلة الزفاف زفت إليه امرأة وقيل هذه امرأتك. [١٦٨٠] مسألة: إذا أقر بالزنا مرة لزمه الحد، خلافاً لأبي حنيفة في

стр. 740

قوله: لا يلزمه إلا أن يقر أربع مرات في أربعة مجالس؛ لقوله ﷺ : «فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله»، والمقر منه مبد لصفحته، وقوله ﷺ : «واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» ولم ينط ذلك بتكرار الاعتراف، ولأنّ كل حق ثبت بالإقرار لم يفتقر إلى تكراره كسائر الحقوق، ولأنه إقرار من مكلّف بالزنا فلم يحتج إلى زيادة عليه، أصله إذا أقر أربعاً، ولأنه عدد زائد على حصول الإقرار كالخامسة. [١٦٨١] مسألة: في رجوعه عن الإقرار إلى غير شبهة روايتان؛ إحداهما: أنه يقبل، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، والأخرى: أنّه لا يقبل. فوجه قوله: إنّه يقبل، قوله ﷺ لماعز: «لعلك لمست» وهذا كالتلقين له للرجوع، وقوله: «هلا تركتموه»، وروي أنه ﷺ أتي بسارق فاعترف بالسرقة، فقال له: «ما إخالك سرقت»، ولا فائدة في هذا إلأ أنّه إذا قال لم أسرق قبل منه، ولأن ذلك مروي عن أبي بكر،

стр. 741

وعمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي هريرة، ولا مخالف لهم، ولأنه قتل هو حق لله لزمه بقوله فوجب إذا رجع أن يسقط عنه كالقتل بالردة، ولأنه قول إذا تم لزمه به حد الزنا فوجب أن يكون الرجوع عنه مسقطاً للحدّ، أصله رجوع الشهود، ولأنه رجوع عن الإقرار بالزنا كما لو كان إلى شبهة، ولأن ما يطرأ على الحدّ قبل استيفائه بمنزلة الموجود في ابتدائه كفسق الشهود، ولأن المقام على الإقرار تابع للابتداء وزوال الوجوب كحقوق الآدميين. ووجه قوله: لا يقبل، قوله ﷺ : «فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله»، وقوله: «فإن اعترفت فارجمها»، ولأنه أقر بحق على نفسه لزمه بإقراره، فلم يسقط عنه بإكذابه نفسه بحقوق الآدميين، وإن الإقرار معنى يلزمه به حد الزنا فوجب أن لا يؤثر فيه إكذابه له، أصله الشهادة، ولأنه معنى يوجب القتل تارة ولا يوجب أخرى، فوجب إذا حصل الإقرار

стр. 742

به أن لا يقبل رجوعه، أصله الإقرار بالقتل. [١٦٨٢] مسألة: إذا ظهر حمل بامرأة حرة أو أمة لا يعلم لها زوج، ولا سيد الأمة يقر بوطئها، وكانت مقيمة ليست بغريبة فإنها تحدّ، ولا يقبل قولها إنّها غصبت أو استكرهت أو إنّه من زوج إلأ أن يظهر ما يعلم به صدقها في الظاهر، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تحدّ إلا أن تقر أو تقوم بينة بالزنا؛ فدليلنا حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا كانت بينة أو كان الحمل أو الاعتراف، ولا مخالف له، ولأن في إسقاط الحد ذريعة إلى أن لا يقام حد في الزنا، لأن كل من وجد بها حمل أو شوهد معها من يطؤها ادعيا الزوجية فيصير لها طريق إلى إبطاله فلا يمكن إقامته، ولأن الاتفاق حاصل على أن الحدّ يوجب بشهادة الشهود، فإن ادعاءهما الزوجية غير مقبول حينئذ و [قد] علم أن الشهود إنّما يشهدون على الظاهر لا على الحقيقة والقطع، والظاهر في مسألتنا الزنا لأن الوطء ثابت بظهور الحمل، ولا أمارة على ما يدّعونه ولا علامة، فلا يجب ترك الظاهر بقولها. [١٦٨٣] مسألة: لا تقبل الشهادة في الزنا إلا أن يجيء الشهود في مجلس واحد ويشهدون، فإن شهد واحد منفرد ثم جاء الباقون فشهدوا بعد ذلك المجلس فإنّهم قذفة، وقال عبد الملك والشافعي: يحكم بشهادتهم مجتمعين ومفترقين؛ فدليلنا أن كمال العدد معنى لو لم ينضم إلى شهادة الشهود كانت قذفاً، فوجب أن يوجد معها عند إقامتها لا متراخياً عنها، أصله لفظ الشهادة.

стр. 743

[١٦٨٤] مسألة: لا يضرب في الحدّ إلا بالسوط، وعدد الضربات بالسّوط حق لا يجوز تركه، فإن كأن مريضاً أخر إلى برئه، وقال الشافعي: يضرب بأطراف النعال وعثكول النخل، ويضرب بالعذق الذي فيه مائة شمراخ ضربة واحدة؛ فدليلنا أن العمل جرى في الضرب بالسوط في الحدود من عهد النبي ﷺ والسلف، ولم يرد خلافه بعد استقرار الشرع وترتيبه، ولأنه ضرب في حدّ فلم يجز إلا بالسوط، أصله حدّ الصحيح، ولأن كل ما [لا] يجوز الضرب به في حدّ الصحيح القوي لم يجز في حدّ الضعيف كالضرب باليد والقصب، ولأن الغرض بالضرب بأن يرتدع مرتكب الكبيرة عن مثلها وينزجر، فذلك يقتضي أن يقرر بضرب من الأوجاع والآلام لردع مثله، وما ذكروه لا يقع به الردع، ولأن الزجر مما ينب عن الواجب، ولأن نوع ما يضرب به يعتبر في الصحيح القوي فلم يكن الضعف مؤثراً في إسقاطه، أصله عدد الضرب. [١٦٨٥] مسألة، فصل: ودليلنا على أن ضربة واحدة بمائة سوط، أو بعثكول النخل لا تجزىء قوله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة"، والجلدة اسم الضربة لا بما يقع الضرب به، ولأنه

стр. 744

حدّ واجب فلم يجز أن يجمع في ضربة واحدة كالصحيح. [١٦٨٦] مسألة: إذا استدخلت ذكر نائم كانت زانية ولزمها الحد، وقال أبو حنيفة: لا حد عليها؛ فدليلنا أنها فعلت ما حصل معه الذكر في فرجها، طائعة على وجه ولا شبهة في تحريمه، فوجب أن يلزمها الحدّ كما لو كان منتبهاً. [١٦٨٧] مسألة: حد اللّواط الرجم، ولا يراعى فيه الإحصان، وقال أبو حنيفة: لا حد [و] فيه التعزير، وقال الشافعي في البكر الجلد، والمحصن الرجم كالزنا؛ فدليلنا قوله ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به»، وقوله ﷺ : «الذي يعمل عمل قوم لوط، اقتلوا الأعلى والأسفل»، ولأنه إيلاج في فرج آدمي، فكان الرجم متعلّقاً به كالمرأة، ولأنه فرج يقصد الالتذاذ [به] غالباً كالقبل، ولأن الحد في الزنا إنّما وضع ردعاً وزجراً لئلا يعود إلى مثله، ووجدنا الطباع تميل إلى الالتذاذ بإصابة هذا الفرج كميلها إلى القبل، فوجب أن يتعلّق به من الردع ما يتعلق بالقبل، ولأنّ هذا أشدّ وأغلظ، ولأن استباحته لا تؤثر فيه على وجه لحرمته، والقبل يتعلّق به الاستباحة، فإذا وجب الحدّ في القبل كان هذا أولى.

стр. 745

[١٦٨٨] مسألة: ودليلنا أنه لا يراعى فيه الإحصان عموم الخبر، ولأن الإحصان يعتبر في الزنا، وهذا ليس بزنا بدليل أن العرب لا تسمي إتيان الرجل للرجل زنا، ومدّعي ذلك على أهل اللغة يعلم من نفسه أن الأمر بخلاف ما يدعيه، ولأن محل الزنا عندهم محل الحلال، وإنّما سمّي زنا لأنّه على غير الوجه المباح، وما لا يمكن محلاً للحلال على وجه، فلا يسمّى زنا كفرج البهيمة إذا أتيت أنّه ليس بزنا لم يعتبر فيه الإحصان. [١٦٨٩] مسألة: لا يثبت اللّواط إلا بأربعة شهود، وقال أبو حنيفة: يثبت بشاهدين، وبناه على أصله في أن الحدّ لا يجب فيه، فنقول: لأنه فرج يجب بالإيلاج فيه الغسل، فلم يثبت حكم العقوبة الواجبة بالإيلاج فيه بما دون الأربعة كفرج المرأة. [١٦٩٠] مسألة: يستحب للإمام إحضار طائفة من المؤمنين لإقامة الحدّ وهي أربعة فصاعدًا، وحكي عن عطاء وغيره ثلاثة، وقيل: اثنان؛ فدليلنا أن الأربعة يتعلق بهم فائدة لا توجد فيما دونهم، وهو أنه قد يرمي إنسان هذا المحدود بالزنا فيطالب بأن يحدّ له فيقيم الرامي البينة وهم الذين حضروا جلده، وهذا معنى يختص بالأربعة، فكان ما قلناه أولى. [١٦٩١] مسألة: إذا قامت بينة على رجل بزنا أو قذف أو شرب بعد مدّة طويلة من مواقعة الفعل، أقيم عليه الحد، ولا يؤثر في ذلك طول المدّة وقصرها، وكذلك الإقرار، وقال أبو حنيفة: لا يؤخذ بالبينة، ويحد بالإقرار إلا في الشرب فلا يحدّ أصلاً؛ فدليلنا على وجوب الحدّ قوله تعالى: "فاستشهدوا عليهن أربعة منكم"، ولم يفرق، وقوله: "ثم لم يأتوا بأربعة شهداء"، ولأنه قول يلزم به إقامة الحد على من نسب إليه الفعل لا تخرج بتأخيره فأشبه الإقرار، ولأنه حق من الحقوق يثبت بالشهادة فلم

стр. 746

يسقط بتأخيرها كالأموال، ولأن كل حق لم يسقط بتأخير الإقرار لم يسقط بتأخير الشهادة كسائر الحقوق، ولأن كل شاهد لم يحدّ في الزنا حدّ المشهود عليه، أصله مع قصر المدّة، وقد وافقنا أبو حنيفة في هؤلاء الشهود أنهم لا يحدون فيجب أن يحدّ المشهود عليه. [١٦٩٢] فصل: ودليلنا على أن إقراره بعد طول المدّة لا يسقط الحدّ، قوله ﷺ : «من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله»، ولأنه أقر بحدّ لله فلم يبطله طول المدّة كسائر الحقوق، ولأن وجدنا طول المدّة لا تأثير له في إسقاط شيء من الإقرار بسائر الحدود والحقوق، كذلك الشرب، واعتبارًا بقصر المدة. [١٦٩٣] مسألة: التوبة لا تسقط الحدّ في الزنا والسرقة والقذف والشرب وسائر الحدود، خلافاً للشافعي في أحد قوليه؛ لقوله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد"، "والسارق والسارقة فاقطعوا" الآية، ولم يفرق، وكذلك الأخبار، ولأنه أمر مستسر به فلم تسقط التوبة الحدّ الواجب فيه كالزندقة عندنا، وعند أبي حنيفة، ولأن الحد وضع لمعنى وهو تحصين الأنساب، فإذا أسقطنا الحد عن التائب فقد أزلنا الحكم المتعلّق به الغرض الذي أريد له، كالقصاص وضع للحياة بين الناس، ففي إسقاطه بالتوبة إضاعة الغرض المقصود له، ولأن التوبة إذا لم يفترق الحكم فيها بين القدرة عليه وعدمها، لم يسقط الحد كالقتل والقذف. [١٦٩٤] مسألة: إذا لم يكمل عدد الشهود في الزنا حدّ باقي الشهود، خلافاً لأحد قولي الشافعي؛ لإجماع الصحابة، لأن عمر جلد الثلاثة لمّا توقف زياد ولم يقطع، وقال لأبي بكرة: تب أقبل شهادتك، وروي عن

стр. 747

علي أن أربعة جاؤوا يشهدون عنده بالزنا على رجل فشهد الثلاثة، وقال الرابع: رأيتهما تحت ثوب واحد، فحدّ علي ﵁ الثلاثة، ولأنهم أدخلوا عليه المعرة بإضافة الزنا إليه بسبب لم تسقط حصانته فكانوا قذفة، أصله لو قذفوه ابتداء، ولأن العدد شرط معتبر في الشهادة، فوجب أن يكون الاختلال به يثبت له حكم القذف، أصله لفظ الشهادة. [١٦٩٥] مسألة: إذا شهد أربعة على رجل أنّه زنى بامرأة، فشهد كل واحد أنه زنى بها في زاوية من زوايا هذا البيت غير الزاوية التي يشهد بها صاحبه، لم يحد المشهود عليه، وقال أبو حنيفة: يحد، فدليلنا أنّ الشهادة لم تكمل على فعل واحد، لأنّ زناه في هذه الزاوية فعل غير زناه في الزاوية الأخرى، فلم يجب الحد بذلك، كما لو شهد كل واحد منهم أنّه زنى في وقت غير الوقت الذي شهد به الآخر، ولأنّ كمال العدد إذا كان معتبرًا في الفعل المشهود به ولم يوجد ها هنا على كل فعل إلا واحد فلا فرق بين وجود الباقين وعدمهم، لأنّ من بقي ليس يشهد على ذلك الفعل، وإنما يشهد على أفعال أخر، فهو كما لو شهد أربعة أنّهم رأوه يزني بأربعة نساء، كل واحد يشهد أنّه راه يزني بامرأة غير المرأة الأخرى فلا حد عليه. [١٦٩٦] مسألة: إذا شهد أربعة ظاهرهم العدالة على رجل بالزنا، فزعم المشهود عليه أنّهم عبيد، فالبينة عليه دونهم، وقال أبو حنيفة: البينة على الشهود؛ فدليلنا أن أصل الناس الحرية، والرق طارىء، لأنه إنما يكون بسبب يطرأ فينتقل به عن الأصل، فعلى مدّعيه إقامة البينة، ولأن من تعلّق برجل وزعم أنّه عبده والرجل ينكره، فعلى المدعي لرقه البينة ولا يكلّف المنكر إقامة البينة على أنه حر لأنه متعلّق بالأصل، كذلك في مسألتنا. [١٦٩٧] مسألة: إذا شهد أربعة على امرأة بالزنا فقالت: أنا رتقاء أو عذراء، ونظر إليها النساء، فعليها الحدّ، ولا يقبل قول النساء في ذلك. وقال الشافعي: إذا شهد أربع عدول من النساء أنها عذراء فلا حدّ عليها؛

стр. 748

فدليلنا أن شهادة النساء لا مدخل لها في إثبات الحدود، ولا في إسقاطها فلو قبلت في هذا الموضع لسقط الحد بها، ولأنها شهادة من النساء تؤدي إذا قبلت إلى إسقاط الحد فيما لا مدخل لهن فيه في غير هذا الموضع، فلم يسقط الحدّ بها، أصله إذا شهدت بفسق الشهود. [١٦٩٨] مسألة: إذا شهد شاهدان على رجل أنه زنى بامرأة ببغداد وشهد آخران أنه زنى بها بالبصرة، فلا حدّ عليه، لأن الشهادة لم تكمل على فعل واحد، وعلى الشهود الحدّ، على ما بيناه، وقال أبو حنيفة: لا حدّ عليهم؛ فدليلنا أن الشهادة لم تكمل بدليل أن الحدّ لا يلزم المشهود عليه، فصار بمنزلة أن شهد شاهدان بالزنا من غير أن يشهد معهما غيرهما. [١٦٩٩] مسألة: إذا قتل رجل رجلاً في دار وادعى أنه دخل ليسرق وأنه لم يتمكن من إخراجه لزمه القود ولم يقبل دعواه، كان الرجل معروفاً بالسرقة أم لا، وقال أبو حنيفة: إذا كان معروفاً بالسرقة فلا قود عليه؛ فدليلنا قوله ﷺ : «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين»، ولم يفرق، ولأن كل من لم يكن معروفاً بما قرن به أقيد به قاتله، فكذلك إذا كان معروفاً به، أصله لو قتله وادعى أنه زنى بامرأته وكان الرجل محصناً، فإن القود يلزمه كان الرجل المقتول مشهوراً بالزنا أم لا. [١٧٠٠] مسألة: يضرب في الحد الظهر وما يقاربه، وقال أبو حنيفة والشافعي: يضرب سائر الأعضاء ويتقي الوجه والفرج، وزاد أبو حنيفة: الرأس؛ فدليلنا أن في ضرب كل عضو إفساد ذلك العضو وإتلافاً للنفس إن كان مقتلاً كالبطن والحلق والأضالع، وليس الغرض بالجلد إفساد الأعضاء ولا إتلاف النفس، ولا موضع يؤمن هذا فيه إلا الظهر وما قاربه، فوجب أن يكون هو محل الضرب؛ ولأن أبا حنيفة يوافقنا في التعزير أنّه لا يستوفى له سائر الأعضاء، فكذلك الجلد، بعلّة أنه ضرب يقصد به الردع دون الإتلاف والإفساد.

стр. 749

[١٧٠١] مسألة: يجرد الرجل في ضرب الحدود كلها، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجرد في ضرب القذف خاصة؛ فدليلنا قوله تعالى: "فاجلدوهم ثمانين جلدة"، وذلك يقتضي مباشرة أبدانهما، ولأنّه جلد حدّ كالزنا. [١٧٠٢] مسألة: يضرب قاعدًا ولا يقام، خلافاً لمن قال إنّه يقام؛ لقوله تعالى: "فاجلدوهم" ولم يأمر بأن يقاموا، ولأنه شخص وجب حدّه فلم يستقم عليه القيام كالمرأة. [١٧٠٣] مسألة: الضرب في الحدود كلّها سواء، وقال أبو حنيفة: الضرب في الزنا أشدّ منه في القذف والشرب، وأشدّها التعزير؛ فدليلنا أنّها حدود جلد فوجب تساويها في الصفة لتساويها في الجنس والمقصد بها. [١٧٠٤] مسألة: إذا وجب عليه الرجم أقيم عليه ولم يؤخر، وذكر الإسفرائيني عن بعض أصحابهم أنه إن كان ثبت باعترافه لا ببينة لم يرجم في شدّة الحر ولا البرد؛ فدليلنا قوله ﵇: «فان اعترفت فارجمها» ولم يفصل، ولأنه معنى ثبت الرجم به كالبينة. [١٧٠٥] مسألة: إذا وجب الرجم على حامل أخرت حتى تضع الحمل، ويؤخذ للصبي من يرضعه، فإن لم يوجد له من يرضعه أخرت حتى تفطمه، وحكي عن أبي حنيفة أنّها ترجم ولا تنظر بعد الولادة؛ فدليلنا

стр. 750

قوله ﷺ للغامدية: «ارجعي فارضعيه حتى تفطميه»، وفي «الموطأ»: أنه ﷺ قال للّتي أخبرته أنها زنت وهي حامل: «اذهبي حتى تضعي»، فلما وضعت جاءته، فقال لها: «حتى ترضعي»، فلما أرضعته جاءته، فقال: «حتى تستودعيه» ولأنّه لما لم يجز رجمها وهي حامل، لأن في ذلك إتلافه، كذلك مع عدم من يرضعه، ولأنّ في ذلك إتلاف المولود. [١٧٠٦] مسألة: يقام الحد على العبد والأمة إذا زنيا، تزوجا أو لم يتزوجا، وحكى أهل الخلاف عن ابن عباس أنهما إن لم يكونا تزوجا فلا حدّ عليهما؛ فدليلنا قوله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما"، وروي أنه ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ فقال: إن زنت فاجلدوها، ولم يفرق، ولأنّه مسلم مكلف كالحر، ولأنّه سبب موجب للجلد فلم يؤثر فيه التزويج كالقذف والشرب [و] اعتبارًا بهما إذا تزوجا. [١٧٠٧] مسألة: حدّ الأمة والعبد على النصف من حدّ الحر، خلافاً لمن قال إنه كحد الحر؛ لقوله : "فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب"، ولأنّ الحدود مبنية على التفاضل، بدليل أن حدّ الحر البكر مائة، وإذا كان محصناً كان حدّه الرجم لفضيلته بالإحصان،

стр. 751

فإذا ثبت أنه مبني على التفاضل، نظر فإن كان يتبعض وجب تبعيضه، وإن كان لا يتبعض سقط أصلاً، كالشهادة والميراث، والرجم لا يتبعض فوجب أن يسقط عن العبد جملة. [١٧٠٨] فصل: والعبد والأمة في ذلك سواء، وقال داود: حد العبد مائة، وحدّ الأمة خمسون؛ فدليلنا أنّه ناقص بالرق كالأمة، ولأن كل حدّ لزم إناث جنس لزم ذكورهم مثله، أصله الرجم والقطع، ولأن الأنوثية والتذكير لا يؤثر في اختلاف مقادير الحدود أصله الأحرار. [١٧٠٩] مسألة: إذا وطىء ذات محرم منه بالملك عالماً بتحريم ذلك لزمه الحدّ، وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه: لا حدّ عليه؛ فدليلنا أنّه وطىء مع العلم بالتحريم من لا تحل له بحال، فلزمه الحد أصله الحرة. [١٧١٠] مسألة: إذا تزوج ذات محرم له ووطئها عالماً بالتحريم لزمه الحدّ، وقال أبو حنيفة: لا حدّ عليه وليس بزنا؛ فدليلنا أنّه يسمّى فاحشة بدليل قوله تعالى: "ولا تتكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً"، وكذلك زوجة الأب غير الأم، فإذا ثبت أنه فاحشة، وقد قال تعالى: "ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن"، وقال النبي ﷺ : «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» الحديث، وروى البراء قال: أمرني النبي ﷺ أن أمضي إلى رجل نكح امرأة أبيه لأضرب عنقه، ولأنه وطىء أمه مع معرفة عينها فوجب أن يلزمه

стр. 752

الحدّ، أصله الوطء المبتدأ، ولأن هذا عين لا يستقر له عليها نكاح أبدًا بعد عقده عليها كالعقد على الغلام، فلمّا كان وطء الغلام بعد أن عقد عليه وقبله بمنزلة واحدة، فكذلك الأم، ولأنه وطء محرم بالإجماع مع جميع أسبابه لم يصاحب ملكًا فوجب أن يكون زنا يلزم به الحدّ، أصله إذا قال: استأجرتك بهذه الدراهم لأزني بك. [١٧١١] مسألة: إذا استأجر امرأة على أن يزني بها فوطئها فعليه الحد، وقال أبو حنيفة: لا حد عليه؛ فدليلنا أنه وطء محرم بدواعيه غير مختلف فيه، فإذا تعمّده مع العلم بتحريمه وانتفاء سبب الإباحة لزمه الحد، أصله إذا استأجرها لتخبز له أو تطبخ فوطئها. [١٧١٢] مسألة: للسيد أن يقيم حدّ الزنا على عبده وأمته، وقال أبو حنيفة: ليس له ذلك ولا يقيم الحد إلا الإمام؛ فدليلنا قوله ﷺ : «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم»، وقوله: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، ثم إن زنت فليجلدها، ثم إن زنت فليبعها ولو بضفير»، ولأن له أن يجبرها على النكاح بحق الملك كالإمام، ولأن كل من ملك تزويج شخص بغير قرابة ولا تولية جاز أن يملك إقامة الحدّ عليها كالإمام. [١٧١٣] مسألة: لا يقام على الذمية، حد زنا، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: "واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم"، فدل على

стр. 753

أن من عداهن بخلافهن، ولأن كل من لم يحدّه في الخمر لم يحدّه في الزنا كأهل الحرب والمجانين. [١٧١٤] مسألة: إذا دخل مسلم دار الحرب فزنى بحربية أو غيرها فعليه الحدّ، وقال أبو حنيفة: لا حد عليه إلا أن يكون على الجيش أمير مصر من الأمصار؛ ودليلنا قوله تعالى: "والزانية والزاني فاجلدوا"، ولأنه مسلم زنى فوجب أن يحد كما لو زنى في دار الإسلام، ولأنه موضع زنى فيه فلزمه الحد كسائر البقاع، ولأنه حدّ وجب لله، فلم تؤثر دار الحرب في إسقاطه كالقتل بالردة، واعتبارًا به إذا كان في عسكر المسلمين، وعلى الجيش أمير. [١٧١٥] مسألة: إذا اغتصب حرة فوطئها فلها الصداق، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنها حرة وطئها من يؤخذ بالجناية عليها وطئاً لا يلزمها به حد، فإذا لزمه الحدّ لزمه المهر، كالوطء بشبهة، ولأن هذا الوطء يتعلّق به حقان، حق لله تعالى، وحق لآدمي، فجاز أن يجبا جميعاً كقتل المحرم صيدًا مملوكاً. [١٧١٦] مسألة: من أتى بهيمة فلا حد عليه، وللشافعي ثلاثة أقاويل؛ أحدها: مثل هذا، والآخر: أنه يقتل بكرًا كان أو ثيباً، والثالث: أنّه كالزنا يجلد إن كان بكرًا ويرجم إن كان محصناً؛ فدليلنا: «لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث»، ولأنه جنس لا يتعلّق به التكليف، فلم يتعلق بالإيلاج فيه الحدّ كالجمادات، ولأنه وطء لا يتعلق بجنسه الرجم كالوطء فيما دون الفرج، ولأن كل جنس لا يصح منه الزنا فلا يصحّ حكم لوطئه في باب الحدّ، عكسه الآدمي، ولأنه معنى يوجب الحدّ في الآدمي فلم يوجبه في البهائم كالقذف والقتل، وهذه العلّة أصح من كل ما تقدّم. [١٧١٧] فصل: لا تقتل البهيمة سواء كانت ممّا يؤكل لحمها أو ممّا

стр. 754

لا يؤكل، وقال الإسفرائيني: إن كانت ممّا يؤكل فلا خلاف على مذهبهم أنها تذبح، وإن كانت ممّا لا يؤكل فعلى وجهين؛ فدليلنا نهيه ﷺ عن ذبح الحيوان إلا لمأكله، وهذا ينفي ذبحه للوطء، ولأن الإتلاف الواجب بالوطء لا يكون إلا لبني آدم، وإذا استحال ذلك في البهائم استحال وجوب الإتلاف. [١٧١٨] فصل: وإذا ذبحت جاز أكلها إذا كانت ممّا يؤكل، ولأصحاب الشافعي وجهان؛ ودليلنا قوله تعالى: "أحلت لكم بهيمة الأنعام"، وقوله: "قل لا أجد في ما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه" الآية، ولأنّه أولج فيها جزءًا منه كأصبعه، ولأنه فعل في حيوان مباح الأكل فلم يمنع أكله إذا ذبح مع كمال حياته، أصله ركوبه وضربه. [١٧١٩] مسألة: إذا وطىء امرأة فأفضاها، فعليه الصداق مع قدر الشين، وإن كان في أجنبية فإن طاوعته فلا شيء عليه، وإن غصبها ففيه بقدر الشين مع الصداق كالزوجة، وذكر بعض من عمل مسائل الخلاف من أصحابنا عن ابن وضاح عن أصحاب مالك أن عليه الدّية، وذكر ابن أبي زيد في كتابه عن بعض العلماء أن فيه ثلث الدية كالجائفة، ولم يذكر أن القائل من أصحابنا أو غيرهم، هذا كلّه إذا لم تمت، فأما إن ماتت فقال ابن القاسم: عليه الدية على عاقلته، وذكر بعض أصحابنا عن سحنون أنّه لا شيء عليه، وقال أبو حنيفة في الزوجة يستقر المهر، ولا شيء عليه في الإفضاء بوجه، وقال في الأجنبيه: إن كان بولها لا ينحبس فدية كاملة بلا حكومة، وإن كان ينحبس فدية الجائفة، وقال أصحاب الشافعي: في الزوجة

стр. 755

عليه المهر ودية كاملة للإفضاء إن كان بولها ينحبس، وإن كان لا ينحبس فدية وحكومة. فدليلنا على أبي حنيفة في الزوجة أن عليه أرش الإفضاء في الجملة وعنده لا شيء عليه أصلاً، أنها جناية تنفك عن الوطء فوجب أن لا يدخل أرشها في الوطء، أصله إذا وطئها وقطع يدها، والجناية هي رفع الحاجز الذي يصير فيه المسلكان واحدًا، والوطء ينفك عن هذا لا محالة، لأنّه إنما يؤتى من شدّة تقصيه ومبالغته ولو ترفق لم يكن إفضاء، ولأن تثبيت الدّية والحكومة الواجبة بالإفضاء غير سبب المهر، ولأن المهر يجب بالوطء الذي هو استمتاع، والدّية أو الحكومة تجب لأجل الجناية، فلم يتداخلا كالصيد المملوك إذا أتلفه المحرم، لأن الجزاء لا يدخل في القيمة لاختلاف سببهما، ولأنه إتلاف لو حصل من غير الزوج لضمن أرشه، فوجب إذا حصل من الزوج أن يضمنه، أصله سائر الجنايات، ولأنه إفضاء حصل من وطء، فأشبه الإفضاء من وطء شبهة. [١٧٢٠] مسألة، فصل: ووجه قول ابن القاسم: إن فيه بقدر الشين، فلأنّه لم يرد فيه تقدير، ولا فيه إبطال منفعة عامة، فوجب أن يكون فيه قدر الشين كسائر الجنايات التي لم يرد تقدير في أرشها؛ ووجه القول إن فيه الدّية أنه عضو من الجسد وينفرد بمنفعة مقصودة كاملة، فوجب أن يتعلّق بإتلافه الدّية كالعين واليد والذكر، ولأنه عضو يجب الحدّ فيه بالزنا فوجب أن يتعلّق فيه بإبطال منفعته الدية كالذكر، ولأنه فرج له حرمة كالذكر، وهذا هو القياس. [١٧٢١] فصل: ودليلنا على الشافعي قوله: إن البول إذا لم يستمسك فلها مع الدّية حكومة، أن العضو إذا تعلّق ببعضه حكومة على انفراد سقط مع وجود الدّية، كما لو قطع الكف لكان فيه الدّية، ولا يجب له حكومة، لأنه لو انفرد عن الأصابع لكان فيه حكومة.

стр. 756

ووجه القول إنّها إذا ماتت فيه الدّية أنّه قاتل خطأ، لأن سبب القتل هو فعله. فوجه القول بأنه لا شيء فيه، لأن الوطء فعل مباح له مأذون فيه، فإذا آل إلى الموات فلا شيء فيه، لأن الإذن فيه ينفي الضمان، والأول أصحّ، والله أعلم. [١٧٢٢] مسألة: إذا زنى بجارية الابن فلا حدّ عليه، خلافاً لداود؛ لقوله ﷺ : «أنت ومالك لأبيك»، وحقيقة هذه الإضافة للملك، فلمّا ثبت أنّها ليست بملك ففي ثبوت أحكام الملك، ومن أحكامه انتفاء الحدّ بالوطء فيه، ولأن له فيها شبهة ملك بدليل أنه لا يجوز له تزويجها، وكل من لا يجوز له تزويجها بشبهة الملك، فلا يحدّ بوطئها، كالأمة بين شريكين يطؤها أحدهما. * * *

стр. 757

كتاب القذف [١٧٢٣] مسألة: التعريض بالقذف يوجب الحدّ، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا حد فيه؛ ودليلنا أنه لفظ يفهم منه القذف فوجب أن يكون قذفاً، أصله التصريح، فإن منعوا أنّه يفهم منه القذف أحالوا المسألة، لأنّ الخلاف فيما يفهم منه ما يفهم بالتصريح، فإذا لم يفهم ذلك فلا خلاف أنه لا حد فيه، ولا يكون تعريضاً كما لو قال له: يا زان، فقال له: أنعم الله صباحك، أو أنت سخي كريم، أو ما أشبه ذلك من الكلام الأجنبي عمّا هما فيه، ويبين ما قلنا أن عرف التخاطب ينفي ما قالوه، لأن أهل اللّغة يسمّون التعريض لما يفهم منه معنى التصريح وإن كان صريح هذا التعريض ضدّه، ولذلك أخبر الله تعالى عن قوم شعيب أنهم قالوا: "إنك لأنت الحليم الرشيد"، وأرادوا ضدّ ذلك، وهو الذي يفيد عرف التخاطب، لأنا إذا رأينا اثنين يتسابان وأحدهما يقاتل صاحبه ويطلب أن يزري عليه ولا يرضى بمقابلته على ما يورده إلا أن يبالغ فيه، فقال أحدهما للآخر: يا زان أو أن الأبعد ابن زانية، فقابله بأن قال: ما أنت بزان أو ما أمه إلا العفيفة التي لا يعلم أنها زنت ولا اكتسبت فاحشة، وشوهد في وجهه من الأمارات والعلامات ما يعلم معه أن هذه غرضه، أن هذه أدخل فيما رميت به الأخرى منهما، فيعقل ذلك من شاهد الحال كما يعقل الفرق بين قول القائل: أشهد أن لا إله إلا الله، اعتبارًا، وبين من يقولها تعظيمًا، وبين أن

стр. 758

يقولها تعجبًا عند طروء حادث، وبين أن يقولها في الأذان، أو حكاية لقول قائل، ومن دفع هذا علم قصده للمعاندة فلا وجه لكلامه، ولأنّهم قد وافقونا على أنّه لو قال أردت به القذف أنه يكون قذفًا، فلولا أنه يعقل منه وإلا لم يكن له حكم ذلك إلا بالإرادة. [١٧٢٤] مسألة: إذا قال له: يا زان، ثم أقام بينة أنه زنى حال كفره لزمه الحدّ، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا حدّ عليه؛ فدليلنا قوله تعالى: "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء"، وهذا لم يأت ببينة على زنا، لأنّ الزنا في الكفر ليس بزنا، ولأنه قذف مسلماً حرًا عاقلاً محصناً لم يحكم عليه بزنا في الإسلام، فوجب أن يلزمه الحدّ، أصله إذا كان مسلم الأصل. [١٧٢٥] مسألة: إذا قال لها: رأيتك تزني حال الإحصان في كفرك لزمه الحد وإن أقام البينة، وقال الشافعي: لا حدّ عليه؛ فدليلنا الظاهر، ولأنه رماها حال الإحصان فوجب أن يلزمه الحد كما لو رماها بالزنا في وقتها. [١٧٢٦] مسألة: إذا قال له يا لوطي فعليه الحدّ، وقال أبو حنيفة: لا حدّ عليه وبناه على أن اللّواط لا يجب به حدّ؛ فدليلنا أنه رماه بفاحشة موجبة للحد والغسل فكان به قاذفاً كالزنا، ولأنه رماه بوطء آدمي لا تصحّ استباحته إياه بوجه، فأشبه أن يرميه بوطء ذات محرم منه. [١٧٢٧] مسألة: يكره للابن أن يحد أباه في القذف وإن حقق المطالبة كان له ذلك، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: "والذين يرمون المحصنات" الآية، ولأنه قاذف لمحصن بالزنا، فلزمه الحدّ متى لم يثبت صدقه ببينة أو اعتراف، أصله الأجنبي. [١٧٢٨] مسألة: حد العبد في القذف أربعون، وذكر عن عمر بن عبدالعزيز أنّه ثمانون، وإليه ذهب بعض المتأخرين؛ فدليلنا أنّه حدّ يتبعض

стр. 759

فكان العبد فيه على النصف من الحر كحد الزنا. [١٧٢٩] مسألة: المسلم إذا سب النبي ﷺ قتل ولم تقبل توبته، وفي الكافر إذا قال أنا مسلم روايتان، وقال أبو حنيفة والشافعي: تقبل توبته؛ فدليلنا أنّ ذلك علم على ارتداده بدليل قوله تعالى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما"، فأخبر أن الإيمان لا يحصل لمن شك هل حكم بالصواب أم لا، فكان بأن لا يحصل لمن سبه وتظاهر بذلك أولى، ولأن أبا بكر ﵁ سبه رجل، فقام من حضر فشهر سيفه ليضرب عنقه فقال له أبو بكر: ما الذي أنت صانع؟ فقال: أقتله لسبه إياك، فقال: ليس ذلك إلا لرسول الله ﷺ ، ولم يخالف عليه أحد، ونفرض الكلام في قذفه فنقول: لأن القذف للإحصان تأثير فيه تعلق به الحدّ، فيجب أن يكون منه ما يتعلّق به الحدّ القتل كالزنا، ولأن حدّ القذف مبني على حسب حرمة المقذوف، وحرمة النبي ﷺ أعظم من حرمة أمته فلا يبقى إلا القتل. [١٧٣٠] مسألة: اختلف عنه في حد القذف هل هو من حقوق الله تعالى أو من حقوق الآدميين، والصحيح أنه من حقوق الآدميين؛ بدليل أنّه يورث عن المقذوف، وحقوق الله تعالى لا تورث، ولأنّه لا يستحق [إلا] بالمطالبة كسائر حقوق الآدميين. [١٧٣١] مسألة: إذا أقر أنه زنى بامرأة بعينها وأنكرت حد للزنا

стр. 760

والقذف إن كان ممّن يحد قاذفها، وكذلك لو اقرت أنه زنى بها فلان، وحكي عن أبي حنيفة أنّها إذا أنكرت حد للقذف ولم يحدّ للزنا، وعن الأوزاعي ضدّ هذا، وهو أنه يحدّ للزنا دون القذف؛ فدليلنا أنه يحد للزنا قوله ﷺ : «إن اعترفت فارجمها»، وقوله: «من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله»، ولأنه مكلف أقر على نفسه بالزنا فوجب أن يلزمه الحدّ، أصله إذا لم يعين، أو إذا صدقته، ولأنه أقر على نفسه بالزنا ولم يرجع فوجب أن يلزمه الحد أو القطع، وادعاء شركتها فيه لم يؤثر تصديقها له وإنكارها أصله لو قال: سرقنا أو شربنا جميعاً، ولأن الأصول موضوعة على أن من أقر على نفسه وعلى غيره قُبِلَ إقراره على نفسه ولم يقبل على غيره. [١٧٣٢] فصل: ودليلنا على أن عليه حد القذف عموم الظاهر، ولأنه أجنبي قاذف لمن يحد قاذقها، فإن لم يعترف ولم يُقِمْ بينة حدّ، كما لو قذفها مطلقاً أو برجل آخر. [١٧٣٣] مسألة: وإذا قال أشهدني فلان، أو أخبرني، أو يقول لك يا زان، أو إنك زان، فإنه يحد إلا أن يقيم بينة على ما ادعاه من إخبار من أخبره بذلك، فتنتقل المطالبة، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا حد عليه ولا بينة؛ فدليلنا أن لفظ الرمي قد وجد منه، فإذا عزاه إلى غيره وجب أن يثبت ذلك وإلا أخذ به، ولأنه يصير بمنزلة من لم يعزه إلى أحد، ولأنه ألحق المعرة بالمقذوف، إذا لم يتخلص منه لزمه الحد، أصله إذا أضافه إلى نفسه، ولأنه لو لم يحد لبطل ما في إيجاب الحد بالقذف من صيانة الأعراض وانتفاء الهتك عنها لأنه لا يشاء من يريد هتك عرض إنسان إلا أَضَافَهُ إلى غيره ليزول عنه الحد ويثبت له ما يريده.

стр. 761

[١٧٣٤] مسألة: إذا قذف جماعة بكلمة واحدة أجزأهم منه حدّ واحد، خلافاً للشافعي؛ لقوله تعالى: "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة"، ولم يفرق بين اللّفظ والألفاظ، ولأنه لفظ واحد بالقذف، فلم يجب به إلا حدّ واحد، أصله إذا كان المقذوف واحدًا. [١٧٣٥] مسألة: إذا قذف محصناً في الطاهر ففسق المقذوف، سقط الحدّ عن القاذف، وقال أبو حنيفة: لا يسقط؛ فدليلنا أن الحكم بالعفة من طريق الظاهر، والفسق أمر مستبطن، فإذا بان الفسق منه قدح ذلك في ظاهر عفته، فصار شبهة يسقط الحدّ عن قاذفه بذلك الزنا. [١٧٣٦] مسألة: إذا قذفه مرة ثانية] قال ابن القاسم: يحد، وقال الشيخ أبو بكر: لا يحد، وهو قول الشافعي؛ فوجه الأول عموم الظاهر، واعتباراً بالرمي الأول، ووجه الثاني أنه قد ثبت كذبه لعجزه عن البينة وإقامة الحد عليه، فإذا قذف ثانية بما قد عرف كذبه به لم يلزمه الحدّ كما لو قذف صغيرة لا يتأتى منها الزنا. [١٧٣٧] مسألة: إذا قال لأجنبية زنيت مكرهة أو مغصوبة لزمه الحدّ، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه قد عيرها بذلك فلا يقبل منه عذر في سقوط الحد عنه، لأنّ المعرة لا تزول إلا بأن يحدّ القاذف أو تقوم البينة فيتخلّص من القذف، وقوله وأنت مغصوبة ندم وتطريق إلى سقوط الحد. * * *

стр. 762

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الأيمان [١٧٣٨] مسألة: تجب الكفارة بالحنث في اليمين على أي وجه كان، من كونه طاعة أو معصية أو مباحاً، خلافاً لمن قال إنه إذا كان الحنث طاعة فلا كفارة فيه، لقوله ﷺ : «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير وليكفر»، وهذا خاصٌ في مسألتنا، ولأنّ المخالفة قد وجدت منه، فأشبه كون الحنث معصية أو مباحاً. [١٧٣٩] مسألة: إذا قال إن فعل كذا فهو يهودي أو نصراني، لم يكن ذلك يميناً، ولا كفارة عليه إن فعل، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنّها يمين تعرت عن اسم الله تعالى وصفاته، فلم يلزم بالحنث فيها كفارة، أصله قوله والنبي والكعبة، ولأنه حلف بالبراءة من متبرأ منه فأشبه حلفه بالبراءة من النبي ﷺ وغيره من المحدثين، ولاأنه حلف بمعنى يوجب القتل فأشبه قوله هو زان محصن، أو جاحد للصلاة، أو ساب للنبي، أو برىء منه، ولأنه إخبار عن أنه بالحنث يحصل على صفة اعتقاد يوجب الفسق فلم

стр. 763

يلزم به كفارة، كقوله: هو قدري أو مبتدع. [١٧٤٠] مسألة: لا كفارة في اليمين الغموس، خلافً للشافعي؛ لقوله تعالى: "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان"، فأخبر أن المؤاخذة بالكفارة لا تكون إلا في يمين منعقدة والغموس وقعت محلولة غير منعقدة، بدليل أنّ المنعقدة ما أمكن حلّه لأنه في مقابلة المحلول، والغموس واقعة على وجه واحد فلا يتصور ذلك فيها، وقوله: "واحفظوا أيمانكم"، يريد مراعاتها ليؤدي الكفارة بالحنث فيها، وذلك يقتضى أن تكون اليمين ممّا يمكن حفظها ومراعاتها بأن تعلّق بما يتأتى به البرُّ والحنث، وهو لا يتأتى في الغموس، ولأنها يمين لا يتأتى فيها برٌّ ولا حنث، فلم تجب بها كفارة كاللّغو، ولأنّ الكفارة معنى ترفع حكم اليمين، فلم تتعلق بالحلف على المعاصي، كالاستثناء، ولأن معنى الحنث وقوع المحلوف عليه مخالفاً لما حلف به عليه، وذلك يقتضي بعد اليمين على وقوعه ليصحّ وصفه إذا وقع، بالحنث أو بالبرِّ، ومتى تأخرت اليمين عنه فقد وقع عارياً من الحكم له بأحدهما من بعد، ولأن كل ما يبطل العقد بطروه عليه، فإنه يمنع انعقاده إذا قارنه، أصله الردة والرضاع. [١٧٤١] مسألة: إذا قال أقسم، أو أقسمت، فإن قال: بالله، لفظاً،

стр. 764

أو لله، كان يميناً، وإن لم يلفظ به ولا نواه؛ فليست بيمين، والظاهر من مذهب الشافعي أنّه ليس بيمين على كلِّ وجهٍ، وعند أبي حنيفة أن هذه الألفاظ مجردها لا يتعلّق محلوف بمخصوص، فلم تكن أيماناً؛ لأنه لفظ يمين عري عن أسماء الله وصفاته لفظاً ونية كقوله: والنبي والكعبة، ولأن الكفارات تجب في لفظٍ له حرمة، والحرمة للمقسم به، وأما لفظ القسم من غير ذكر مُقسمٍ به فلا حرمة له، ودليلنا على الشافعي قوله تعالى: "وأقسموا بالله جهد أيمانهم"، فسمَّى القسم يميناً، ولأنه قسم علق على اسم الله تعالى فأشبه إذا علّقه به نطقاً، ولأن القسم كناية عن اليمين، وما كان كناية عن الشيء كان مقارنة النية كالصريح، أصله كناية الطلاق. [١٧٤٢] مسألة: العهد والميثاق يمين مع الإطلاق، خلافاً للشافعي؛ لقوله تعالى: "وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد تؤكيده"، فسمى العهد يميناً ونهى عن نقضه بعد توكيده، وأن العهد يمين في عرف الشرع واللغة، بدليل أنه يعقل من إطلاق قول القائل: علي عهد الله، ما يفهم من قوله: والله، أنه بمثابة قوله: حلفت بالله، ولأنّه قسم بعهد الله كما لو نواه. [١٧٤٣] مسألة: إذا قال عليه عهد الله وميثاقه وكفالته، ثم حنث، فأراد الاستئناف، أو أطلق، فعليه لكل واحد كفارة، وإن أراد التأكيد فكفارة واحدة، وقال الشافعي: إن نوى اليمين فعليه لكل واحد كفارة واحدة؛ فدليلنا أن كل واحد من هذه الصفات إذا انفرد كان يميناً، فإذا جمعها وفصل بينها بواو القسم كانت أيماناً، كقوله: والله الرحمن الرحيم، إلا أن يريد التأكيد. [١٧٤٤] مسألة: إذا حلف بحق الله فإنها يمين تكفر، خلافاً لأبي

стр. 765

حنيفة؛ لأنّها يمين في عرف اللغة والشرع، لأن كل أحد يعقل عن قصد الحالف بها ما يعقل من قوله: وعزة الله وقدرة الله، فوجب أن يكون يميناً، ولأن حق الله صفة لذاته، لأنّ معناه استحقاقه على عباده [طاعته]، وذلك قديم غير محدث، لأنه تعالى لم يزل موصوفاً بأنه مستحق على من يخلقه طاعته وعبادته. [١٧٤٥] مسألة: أمانة الله يمين، خلافاً للشافعي؛ لأنّها من صفة الذات يوصف بها الأمين المؤتمن، لم يزل تعالى موصوفاً به، فصار كقوله: وعظمة الله وقدرته. [١٧٤٦] مسألة: إذا حلف بالمصحف ثم حنث فعليه الكفارة، خلافاً لأصحاب أبي حنيفة والشافعي، أما أصحاب أبي حنيفة فبنوه على أصله، في القول على أصلهم، بخلق القرآن من قال ذلك منهم، وأما أصحاب الشافعي فقالوا: إن المصحف هو الورق والحبر والجلد وكل ذلك مخلوق؛ فدليلنا أن المفهوم من إطلاق ذلك الحلف بالقرآن المكتوب في المصحف، والقرآن غير مخلوق، فوجب أن يكون يميناً. [١٧٤٧] مسألة: إذا حلف بعلم الله فذلك يمين، وقال أصحاب أبي حنيفة: ليس بيمين؛ فدليلنا أن علم الله صفة من صفات ذاته، فأشبه قدرته وعظمته. [١٧٤٨] مسألة: إذا قال أسألك بالله لتفعلن كذا، قال ابن القاسم: ليس بيمين، أراد اليمين أو لم يردها، وقال أصحاب الشافعي: إن أراد اليمين كانت يميناً؛ فدليلنا أن هذه اللفظة لم يتقرر لها عرف شرعاً ولا لغة، موضوعها استدعاء الفعل على وجه المسألة، وذلك ليس من اليمين في شيء، ولأنّ ذلك بمثابة قوله: أطلب منك وألتمس ذلك فليس بيمين. [١٧٤٩] مسألة: لغو اليمين أن يحلف على شيء يظنه على ما حلف

стр. 766

عليه، ثم يتبين له أنه بخلافه، سواء قصده أو لم يقصده، وقال الشافعي: إن قصد فليس بلغو؛ فدليلنا أن من حلف على علمه أو غلبة ظنه فلم يوجد منه استخفاف لحرمة اليمين ولا جرأة وإقدام على التغرير بها، لأنه علّقها على وصف مراعى مطابق لها وهو علمه أو غلبة ظنه، ومطابقة اليمين له انعقادها على ذلك الوجه، فإن كان على ما حلف عليه فقد بر وإن كان بخلافه فلا شيء عليه، لأنّ اليمين لم تنعقد على شيء، لأنها وقعت محلولة مفارقة للحنث. [١٧٥٠] مسألة: في تقديم الكفارة على الحنث روايتان؛ إحداهما: الجواز، وهو قول الشافعي، والأخرى: المنع، وهو قول أبي حنيفة. فوجه الجواز قوله ﷺ : «فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير»، وروي: «فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه»، وروى عبد الرحمن بن سمرة أنّ النبي ﷺ قال له: «إذا حلفت فرأيت غيرها خيرًا منها فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير»، وهذا نص، ولأنه كفر عن يمينه بعد عقدها فأشبه أن يكفر بعد الحنث، ولأنه معنى يرفع حكم اليمين، فلم يقف ثبوت حكمه على وجوب الحنث، أصله الاستثناء، ولأنّ الكفارة أقوى من الاستثناء بدليل أنه يرفع اليمين منفصلة ومتصلة. ووجه المنع أنه حق في مال يتعلق بسبب لحق الله فلم يجز تقديمه عل وقت وجوبه كالزكاة، واعتباراً بسائر الكفارات، ولأنه لم يحنث فلم يكن للكفارة حكم كما لو أخرجها قبل اليمين، ولأن الحنث هو الموجب

стр. 767

للكفارة فلا يجوز أن يؤخذ من غير وجوبها. [١٧٥١] فصل: إذا قلنا إنه جائز فلا فصل بين الصيام وغيره، وقال الشافعي: لا يجوز تقديم التكفير بالصيام؛ فدليلنا أنه أحد أنواع كفارات اليمين للإعتاق والإطعام، ولأن كل حال جاز أن يكفر يمينه فيها بالعتق جاز أن يكفر بالصيام، أصله بعد الحنث. [١٧٥٢] مسألة: الاستثناء في اليمين غير واجب، خلافاً لقوم؛ لأنّه يحل اليمين كالكفارة، ولأنه لو كان واجباً لم يجز لأحد أن يعقد يميناً، وذلك خلاف الإجماع. [١٧٥٣] مسألة: لا يجوز الاستثناء إلا متصلاً باليمين غير متراخ، وحكي عن ابن عباس جواز تراخيه، فقيل عنه: إلى سنة، وقيل: إلى غير غاية، وحكي عن قوم أنه يجوز ما دام في مجلسه؛ ودليلنا على منع ذلك من طريق اللّغة: أن العرب لا تستعمله إلا متصلاً بدليل أنهم إذا سمعوا مورده متراخياً عن أصله استقبحوا ذلك منه، هذا هو المألوف من خطابهم وعُرْفِهِمْ أن القائل إذا قال: ادع لي عبيدي، ثم قال بعد زمان إلا فلاناً، عدوه هاذيًا غير محصل، فدل على ما قلناه، ولأن الاستثناء لما كان غير مستقل بنفسه ولا مفيدًا بانفراده بل متعلّقاً بما تقدّمه، لم يحسن إفراده عنه وقطعه منه كما لم يحسن الابتداء به، ولأنه جار عندهم مجرى الشرط والتقييد وخبر المبتدأ، ولأن ذلك يؤدي إلى أن لا يوثق من أحد بوعد ولا أمر ولا خبر، وهذا على طريقة من يمنع تأخير البيان، ودليلنا على المسألة أن الكلام إذا اتصل آخره بأوله حصلت به الفائدة، وبني

стр. 768

بعضه على بعض، وإذا انفرد عنه بعض منه لا يفيد بنفسه لم يكن حكم، يُبيِّن ذلك أن القائل: لزيد علي عشرة دراهم إلا دانقًا يحكم بأن له تسعة وخمسة دوانق، ولو كان سكت ثم قال بعد مهلة طويلة، أو من الغد: إلا دانقاً لكان ذلك غير مؤثر، وكان الإقرار بالعشرة المسكوت عنها ثابتاً مستقرًا، فبطل ما قالوه. [١٧٥٤] مسألة: إذا حلف لا يلبس حلياً فلبس خاتماً حنث، وقال أبو حنيفة: لا يحنث؛ فدليلنا أن الخاتم من حلي الرجال لغة وشرعاً، فوجب وقوع الحنث به. [١٧٥٥] مسألة: إذا حلف ليتزوجن على امرأته لم يبر إلا بشرطين؛ أحدهما: أن يتزوج من يشبه أن يكون نظيرًا لها، والآخر: أن يدخل بها، وقال أبو حنيفة والشافعي: يبر بالتزويج الصحيح فقط؛ فدليلنا أن مطلق اليمين إذا كان لها مقصد صحيح في العرف منصرف إلى ذلك المقصد، وفي العادة أن الحالف بذلك يقصد الغيرة والغيظ، وذلك لا يقع إلا بما ذكرناه، لأنه إن تزوج بمن لا يجري مجراها وضع من نفسه وشتمها به وعاد بضد ما قصده باليمين من مغايرتها ومغايضتها، لأن مجرد العقد لا يحصل معه هذا المعنى فدل على ما قلناه. [١٧٥٦] مسألة: إذا حلف بقصد قطع المن عنه فقال: والله لا شربت لك الماء، فإنه متى انتفع بشيء من ماله بأكل أو شرب أو عارية أو ركوب أو غير ذلك حنث، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يحنث إلا بما تضمنه لفظ يمينه وهو الماء؛ ودليلنا أن المفهوم من هذا القول قطع المن عنه من طريق التنبيه دون الاقتصار على ما نص عليه، فوجب تعلّق اليمين بجميع ذلك، كقوله تعالى: "فلا تقل لهما أف"، لما كان المقصود منه التنبيه على منع الأذى تعلّق النهي بجميعه دون ما نص عليه من القول: «أف»، وإذا

стр. 769

ثبت أن ما ذكرناه هو معقول الكلام والمقصود به، قلنا: لأنه لفظ يفهم منه الامتناع من الانتفاع بشيء من ماله، فأشبه إذا لفظ به، ولأن التنبيه مدلول اللّفظ ومفهومه، فوجب أن يتعلّق حكم الحلف به، أصله المنطوق، ولأنّ الزيادة على اللفظ أحد الوجهين الذين يصحّ أن يراد به، فجاز أن ينتقل اللفظ إليه في حكم اليمين بالعرف أو غيره من القرائن كالنقصان. [١٧٥٧] مسألة: إذا حلف لا يأكل هذا الرغيف حنث بأكل بعضه، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه لفظ مقصود به المنع من فعل، فوجب أن يتعلّق المنع بالجملة والأبعاض، أصله النهي، لأن الحالف يقصد منع نفسه كما أن الناهي يقصد منع غيره، ولأنها عين تعلقت بجملة تعلّقاً مطلقاً فوجب أن يتعلق بكل جزء منها وأن تكون المخالفة في الجزء كالمخالفة في الكل، أصله إذا حلف ليأكلن هذا الرغيف. [١٧٥٨] مسألة: إذا حلف لا يأكل من طعام اشتراه فلان، أو لا لبس ثوباً اشتراه فلان، فاشترى فلان وغيره طعاماً أو ثوباً فأكل منه أو لبس حنث، وقال الشافعي: لا يحنث إلا بما انفرد فلان بشرائه، وقال أبو حنيفة: يحنث في الطعام ولا يحنث في الثوب؛ فدليلنا أنه قد أكل من طعام اشتراه فلان، فأشبه ما ينفرد بشرائه، ولأن لشراء فلان حالين: حال ينفرد بها، وحال يشارك فيها، فإذا أطلق ولم يقيد كان محمولاً على الأمرين، ولأنّه قد تعلّق باليمين شيئان مشترٍ ومشترى ثم قد ثبت أنه لو اشترى الطعام وغيره فأكل منه حنث، فكذلك إذا اشتراه هو وغيره، ولأنّه أضافه إلى مشتر له كما إذا قال: لا أشرب لبناً حلب من هذه الشاة، فقد أضاف اللبن إلى حلبها ثم قد ثبت أنه لو شرب منه وقد خلط بلبن غير ما به يحنث، فكذلك الطعام إذا اشتراه هو وغيره. [١٧٥٩] مسأله: إذا حلف لا يسكن داراً هو فيها فخرج لوقته لم

стр. 770

يحنث، وحكي عن زفر: أنه يحنث؛ ودليلنا أن يمينه على سكنى مستأنفة ومستدامة، وذلك معدوم مع خروجه فلم يحنث. [١٧٦٠] مسألة: الاعتبار في ذلك بأن ينتقل بنفسه وبأهله وبولده ومن كان معه في الدار ساكناً لسكناه، وما لا بدّ له، من رحل ومتاع يصحبه حيث [يقيم] إلا ما لا خطر له كالمسمار والوتد وما أشبه ذلك، وقالى الشافعي: الاعتبار أن ينتقل ببدنه فقط؛ فدليلنا أن السكنى في عرف التخاطب اسم لكون الإنسان في الموضع بما جرت العادة بأن يصحبه، بحيث يقيم ممّا لا بد له منه، فيجب متى حلف أن لايسكن في موضع أن لا يبقى له شيء له خطب في الوصف له بأنّه ساكن، لأن يمينه أن لا يسكن يقتضي الانتقال الذي يحصل به ساكناً فمتى بقي شيء من ذلك حنث، لأن اسم السكنى لم ينتف عنه، لأنّ الأغراض والمقاصد معتبرة في الأيمان، بدليل من حلف لا يسبح في نهر وغيره، أن لا ينزل في ماء كثير يخاف على نفسه منه، فإنّه يحنث متى سبح في دجلة، أو البحر، وإن كان لا يسمّى نهراً، وإذا ثبت ذلك فالحالف لا يسكن هذه الدار، لا بدّ أن يكون غرضه كراهة الإقامة في المواضع أو قطع العلائق مع صاحبها، إن كانت بأجرة وأية ذلك كان فيقتضي أن يتعلق يمينه بالانصراف لم يبر. [١٧٦١] مسألة: إذا حلف لا يسكن دار فلان هذه، فإن اليمين متوجهة إلى عين الدار، فعلى أي وجه سكنها حنث، بقيت في ملك فلان أو خرجت عنه، وإن أطلق لم يحنث بخروجها عن ملكه، وقالى أبو حنيفة: لا يحنث في الموضعين؛ ودليلنا أنه إذا قال: دار فلان هذه، فالتعيين ليس بشرط لليمين، وإنّما هو مبالغة في التعريف وإبانة عن المقصود [في] عين

стр. 771

الدّار، وكأنه أراد بالتعيين إعلام من حضر وغاب بأن هذه العين هي المحلوف عليها، لئلا يظن أن النسبة إلى ملك فلان هي صفة لليمين، وإذا كان كذلك فالعين باقية وإن زال الملك فيجب أن يحنث، ولأنه علّق يمينه بغير عينها وأضافها إلى شخص، فوجب أن لا تنحل بزوال إضافتها عمّن أضيفت إليه، أصله زوجة فلان وصديقه إذا حلف ألا يكلّمه، وأن التعيين والإضافة إذا اجتمعتا ولم يكن بدّ من تقديم أحدهما كان التعيين أولى لأنّه نص لا يحتمل، لأنّ العين تبقى مع اختلاف الأحوال عليها، وتنقل الأملاك عنها، والإضافة محتملة للملك والإجارة والتعريف وغيره فكانت مراعاة التعيين أولى. [١٧٦٢] مسألة: إذا حلف أن لا يسكن، أو أن لا دخل دار فلان، فابتاع فلان داراً بعد يمينه فدخلها أو سكنها حنث، وقال أبو يوسف: لا يحنث؛ فدليلنا أن اليمين مطلقة لم تقيد بدار يملكها في الوقت أو بعده، فيجب تناولها للجميع، ولأنه دخل داراً يملكها المحلوف عليه، فأشبه ما كان يملكه وقت اليمين، ولأن اليمين منعقدة على مضاف إلى ملك فلان فاستوى في ذلك ما يملكه حال اليمين وبعده كالطعام، ووافقنا أنّه إذا حلف لا أكل طعاماً لفلان أنّه يحنث بأكل ما يشتريه فلان بعد اليمين. [١٧٦٣] مسألة: إذا حلف لا يدخل داراً فرقى على سطحها أو وقف على سورها أو دخل بيتاً فيها شارعاً إلى الطريق حنث في جميع ذلك، وقال الشافعي: لا يحنث إلا بأن يدخل شيئاً من عرصتها، ولهم في السطح المحجَّر وجهان؛ ودليلنا أن سطح الدّار من الدار، لأن الدار اسم للعرصة بعلوها، لأنّ اسم الدار ما أحاط بعلوها وهو سورها وأغلق عليه بابها، وهذا موجود في العلو والسفل، ولأن من على سطح الدار يسمّى بأنه في الدّار، ألا ترى أنه يحسن أن يقول الرجل لم أبرح اليوم من داري، وهو في

стр. 772

سطحها، وأن يقول لمن رآه في سطحه لم دخلت داري، ولأن من حلف لا يصلّي في الدّار أو في المسجد فصلى في سطحهما فإنّه يحنث، وكذلك من سرق من السّطح فإنّه هتك الحرز ولزمه القطع كمن سرق من العرصة، ولأنّ من باع داراً أو أطلق دخل العلو في البيع كدخول السفل، فإذا ثبت بما ذكرناه كون السطح من الدار وجب أن يحنث بدخوله إليه كالسّفل، ولأنّ العلو حدّ جهتي الدار كالسفل. [١٧٦٤] مسألة: إذا حلف ألا أدخل دار فلان فدخل داراً يسكنها بكراء حنث، وقال الشافعي: لا يحنث إلا بأن يدخل ملكه؛ فدليلنا أنّه دخل داراً تضاف إلى المحلوف عليه عرفاً، فوجب أن يحنث، أصله إذا كانت ملكاً له، يبين ذلك أنّه إذا قيل هذه دار فلان، وفلان في داره، لم يفهم من ذلك إلا الدار التي يسكنها سواء كانت ملكاً أو مستأجرة. [١٧٦٥] مسألة: إذا حلف لا أدخل داراً مبنية، فخربت وصارت طريقاً لم يحنث بدخولها، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن الدار في عرف التخاطب اسم للعرصة والبناء وما أحاط به السور المحوط عليها، فإذا زال البناء عنها زال الاسم بزواله فسقطت اليمين، ولأنها صارت على صفة ينتفي عنها الاسم مع الإطلاق فانتفى عنها مع التعيين، أصله لو بنيت مسجداً أو حمامًا، ولأنها دار حلف على الامتناع من دخولها، إذا خربت وزال رسمها لم يحنث، أصله إذا حلف على دار مطلقة، ولأنه حلف على الامتناع من دخول عرصة مبنية مسماة باسم، فإذا زال بناؤها وخربت لم يحنث بدخولها، أصله لو قال: لا دخلت هذا البيت فدخله بعد أن خرب. [١٧٦٦] مسألة: إذا حلف ليقضينه حقه في غد فقضاه اليوم لم يحنث، وقال الشافعي. يحنث؛ فدليلنا أن المفهوم من ذلك في عرف التخاطب إنّما هو الحلف على تعجيل أداء الحق والإسراع به، فكل ما كان أعجل كان أدخل في البر، ولأنه لم يؤخر قضاءه عن الوقت الذي حلف عليه، كما لو قضاه فيه، ولأنّهم يوافقون أنّه لو حلف أن يصلّي غدًا وصلى اليوم أنه لا يحنث، لأن مفهوم ذلك المبادرة إلى الطاعة وفعل الخير،

стр. 773

كذلك في مسألتنا المفهوم قضاء تعجيل الحق. [١٧٦٧] مسألة: إذا حلف ليقضينه حقه في غد فمات صاحب الحق قبل غد، فيقضي الورثة أو الوصي أو السلطان ولا يحنث، فإن لم يفعل ذلك حتى انقضى الأجل حنث، وقال أبو حنيفة: يحنث بموت الطالب قبل دفع الحق إليه، سواء قضى ورثته أم لا؛ فدليلنا أن قصد الحالف أن يبرىء ذمته من الحق الذي عليه بفعل من جهته، وتسمية صاحب الحق على وجه الشرط لكن لأنه يستحقه في الحال فإذا استحقه الورثة برىء بدفعه إليهم، لأنهم يقومون مقام الميت في براءة من له ذمة من له عليه الحق بدفعه إليهم، ولأن اليمين إذا علقت على فعل لا يمكن إلا بشرط قد علقت به على الشرط، لأنها لا تنعقد على محال، وإذا ثبت ذلك وكان قضاؤه مشروطاً ببقائه لم يحنث بموته قبل القضاء فكان كقوله: والله لآكلنَّ هذا الطعام في غد، فيحترق قبل الغد أنه لا يحنث، لأنّ الحلف على أكله مشروط ببقائه، ولأن الدفع قد وجد من الحالف إلى من يقوم مقام المحلوف عليه في استحقاق المقبوض، فوجب أن يبرأ بالدفع إليه، كما لو دفعه إلى وكيله في حياته. [١٧٦٨] مسألة: إذا حلف ليقضينه حقه فباعه سلعة تساوي دون قيمة الحق لم يبر، وقال أبو حنيفة: يبر؛ فدليلنا أنه لم يوفه حقه ولا ما يقوم مقامه، فأشبه ما لو دفع إليه بعض حقه بعينه. [١٧٦٩] مسألة: ولو قضاه زيوفاً أو ستوقاً لم يبر، قبل صاحب الحق أو رد، وقال أبو حنيفة: يبر بالزيوف ولا يبر بالسّتوق؛ فدليلنا ما قدمناه أن الوفاء لم يحصل له لا من حهة المثل ولا القيمة، فأشبه أن يكون له عشرة فيعطيه تسعة، ولأنه قضاه مغشوشة بدلاً من فضة بوزنها فلم يبر أصله الستوق.

стр. 774

[١٧٧٠] مسألة: إذا علق يمينه بفعل شيء بعد حين أو دهر أو زمان، فذلك سنة، وعند أبي حنيفة: أن الحين ستة أشهر، وقال الشافعي: ليس له حدّ فبأي شيء فسَّره قُبِلَ منه، وإن لم يفسّره كان كمن حلف مطلقاً؛ فدليلنا عليه عرف التخاطب ينفي ما قاله، أنّ القائل إذا قال: ما رأيت زيداً منذ حين، أو منذ دهر، أنّه يقصد بذلك ببعيد الزمان ولم يرد به منذ يوم أو يومين، وكذلك إذا قال: لي حين ما فعلت كذا، فالذي يسبق إلى الوهم عند سماعه أنّه قد بعد عهده به فصحّ ما قلناه، ودليلنا على أبي حنيفة أن الحين قد ثبت في الشرع أنه سنة لقوله تعالى: "تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها"، وإطعام الثمرة يكون كل سنة فوجب تعليق الاسم به، ودليلنا على أن الدهر سنة أنّه لفظ موضوع للتبعيد فأشبه الحين. [١٧٧١] مسألة: إذا حلف لا أشرب من دجلة أو الفرات فإنه كحلفه لا أشرب من مائها فيحنث متى شرب منه كرعاً أو بآلة، وقال أبو حنيفة: لا يحنث إلا بالكرع؛ ودليلنا أنه يطلق عليه أنه شارب منها، كما لو كرع، يُبيِّن ما قلناه قولهم: أهل بلد فلان يشربون من دجلة، وأراضي بلد كذا تشرب من دجلة، وإن علم أن ذلك بآلة أو غير آلة، ولأنه حصل شارباً من مائها فوجب أن يحنث كما لو صرح به، ولأن الأيمان محمولة على العرف، وذلك هو الشرب على ما جرت العادة به، ولأن دجلة لما لم يصحّ شرب أرضها كان الماء مضمرًا في اليمين كما لو صرح به، ولأنّه أضاف الماء المحلوف عليه إلى قرار مخصوص، فوجب أن يحنث متى شرب منه بآلة، أصله إذا حلف: لا أشرب من هذه البئر. [١٧٧٢] مسألة: إذا حلف على زوجته لا خرجت إلا بإذنه، فأذن لها من حيث لم تعلم فخرجت بعد إذنه وقبل علمها حنث، وقال الشافعي: لا

стр. 775

يحنث؛ فدليلنا أن الإذن حكم من أفعال أحكام المكلّفين يتعلّق بقائل ومقول له، فوجب إذا فعل عارياً من علم فأعله بثبوت ذلك الحكم له أن لا يحكم لفاعله بأنه فعله على ذلك الوجه، أصله الأمر والنهي، ولأن من حلف على امرأته ألا تخرج إلا بإذنه فمفهوم ذلك منعها من الافتيات عليه وزجرها من اعتقادها أنّها لا تلزم مراعاة إذنه وقصرها على التصرف بين أمره ونهيه فقط، وإذا كان هذا هو الغرض وكان ذلك لا يوجد إلا مع علمها بالإذن كان مضموماً إليه ومشروطاً معه، فإذا وقع عارياً منه وجب أن يحنث به، ولأن الخروج وجد منها على الصفة التي كان عليها قبل الإذن من اعتقاد الافتيات عليه فأشبه أن تخرج قبل إذنه. [١٧٧٣] مسألة: إذا قال مماليكي أو رقيقي أحرار، دخل في ذلك عبيده ومدبروه ومكاتبوه وأم ولده الكامل والمتبعض، وللشافعي في المكاتب قولان أصحهما عند أصحابه أنّه لا يعتق؛ فدليلنا أن المكاتب سمّي عبدًا بدليل قوله ﷺ : «المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم»، فإذا دخل [في] ذلك، دخل في قوله: عبيدي، ولأن العتق مبني على التغليب والسراية، والمكاتب حكمه حكم العبيد، إلا في قدر ما توجبه الكتابة من وجوب عتقه بالأداء، ولأنه يملك مباشرة مكاتبته بالعتق، بأن يقول ابتداء أنت حر، فوجب أن يدخل في عموم اسم المماليك كالمدبر وأم الولد ولأنه عقد حرية فلم يمنع حصوله للعبد من دخوله على هذا القول، أصله التدبير، ولأن الاستيلاد آكد من الكتابة، لأنه ثابت فعلاً ولا يتطرق الفسخ إليه، ثم هو مع تأكده يدخل في الاسم فالمكاتب أولى. [١٧٧٤] مسألة: إذا حلف لا فعل شيئاً، يميناً مطلقة غير مقيدة ففعله
следующие страницы →