Полный текст (912 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
الدّار، وكأنه أراد بالتعيين إعلام من حضر وغاب بأن هذه العين هي المحلوف عليها، لئلا يظن أن النسبة إلى ملك فلان هي صفة لليمين، وإذا كان كذلك فالعين باقية وإن زال الملك فيجب أن يحنث، ولأنه علّق يمينه بغير عينها وأضافها إلى شخص، فوجب أن لا تنحل بزوال إضافتها عمّن أضيفت إليه، أصله زوجة فلان وصديقه إذا حلف ألا يكلّمه، وأن التعيين والإضافة إذا اجتمعتا ولم يكن بدّ من تقديم أحدهما كان التعيين أولى لأنّه نص لا يحتمل، لأنّ العين تبقى مع اختلاف الأحوال عليها، وتنقل الأملاك عنها، والإضافة محتملة للملك والإجارة والتعريف وغيره فكانت مراعاة التعيين أولى.
[١٧٦٢] مسألة: إذا حلف أن لا يسكن، أو أن لا دخل دار فلان، فابتاع فلان داراً بعد يمينه فدخلها أو سكنها حنث، وقال أبو يوسف: لا يحنث؛ فدليلنا أن اليمين مطلقة لم تقيد بدار يملكها في الوقت أو بعده، فيجب تناولها للجميع، ولأنه دخل داراً يملكها المحلوف عليه، فأشبه ما كان يملكه وقت اليمين، ولأن اليمين منعقدة على مضاف إلى ملك فلان فاستوى في ذلك ما يملكه حال اليمين وبعده كالطعام، ووافقنا أنّه إذا حلف لا أكل طعاماً لفلان أنّه يحنث بأكل ما يشتريه فلان بعد اليمين.
[١٧٦٣] مسألة: إذا حلف لا يدخل داراً فرقى على سطحها أو وقف على سورها أو دخل بيتاً فيها شارعاً إلى الطريق حنث في جميع ذلك، وقال الشافعي: لا يحنث إلا بأن يدخل شيئاً من عرصتها، ولهم في السطح المحجَّر وجهان؛ ودليلنا أن سطح الدّار من الدار، لأن الدار اسم للعرصة بعلوها، لأنّ اسم الدار ما أحاط بعلوها وهو سورها وأغلق عليه بابها، وهذا موجود في العلو والسفل، ولأن من على سطح الدار يسمّى بأنه في الدّار، ألا ترى أنه يحسن أن يقول الرجل لم أبرح اليوم من داري، وهو في
стр. 772
سطحها، وأن يقول لمن رآه في سطحه لم دخلت داري، ولأن من حلف لا يصلّي في الدّار أو في المسجد فصلى في سطحهما فإنّه يحنث، وكذلك من سرق من السّطح فإنّه هتك الحرز ولزمه القطع كمن سرق من العرصة، ولأنّ من باع داراً أو أطلق دخل العلو في البيع كدخول السفل، فإذا ثبت بما ذكرناه كون السطح من الدار وجب أن يحنث بدخوله إليه كالسّفل، ولأنّ العلو حدّ جهتي الدار كالسفل.
[١٧٦٤] مسألة: إذا حلف ألا أدخل دار فلان فدخل داراً يسكنها بكراء حنث، وقال الشافعي: لا يحنث إلا بأن يدخل ملكه؛ فدليلنا أنّه دخل داراً تضاف إلى المحلوف عليه عرفاً، فوجب أن يحنث، أصله إذا كانت ملكاً له، يبين ذلك أنّه إذا قيل هذه دار فلان، وفلان في داره، لم يفهم من ذلك إلا الدار التي يسكنها سواء كانت ملكاً أو مستأجرة.
[١٧٦٥] مسألة: إذا حلف لا أدخل داراً مبنية، فخربت وصارت طريقاً لم يحنث بدخولها، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن الدار في عرف التخاطب اسم للعرصة والبناء وما أحاط به السور المحوط عليها، فإذا زال البناء عنها زال الاسم بزواله فسقطت اليمين، ولأنها صارت على صفة ينتفي عنها الاسم مع الإطلاق فانتفى عنها مع التعيين، أصله لو بنيت مسجداً أو حمامًا، ولأنها دار حلف على الامتناع من دخولها، إذا خربت وزال رسمها لم يحنث، أصله إذا حلف على دار مطلقة، ولأنه حلف على الامتناع من دخول عرصة مبنية مسماة باسم، فإذا زال بناؤها وخربت لم يحنث بدخولها، أصله لو قال: لا دخلت هذا البيت فدخله بعد أن خرب.
[١٧٦٦] مسألة: إذا حلف ليقضينه حقه في غد فقضاه اليوم لم يحنث، وقال الشافعي. يحنث؛ فدليلنا أن المفهوم من ذلك في عرف التخاطب إنّما هو الحلف على تعجيل أداء الحق والإسراع به، فكل ما كان أعجل كان أدخل في البر، ولأنه لم يؤخر قضاءه عن الوقت الذي حلف عليه، كما لو قضاه فيه، ولأنّهم يوافقون أنّه لو حلف أن يصلّي غدًا وصلى اليوم أنه لا يحنث، لأن مفهوم ذلك المبادرة إلى الطاعة وفعل الخير،
стр. 773
كذلك في مسألتنا المفهوم قضاء تعجيل الحق.
[١٧٦٧] مسألة: إذا حلف ليقضينه حقه في غد فمات صاحب الحق قبل غد، فيقضي الورثة أو الوصي أو السلطان ولا يحنث، فإن لم يفعل ذلك حتى انقضى الأجل حنث، وقال أبو حنيفة: يحنث بموت الطالب قبل دفع الحق إليه، سواء قضى ورثته أم لا؛ فدليلنا أن قصد الحالف أن يبرىء ذمته من الحق الذي عليه بفعل من جهته، وتسمية صاحب الحق على وجه الشرط لكن لأنه يستحقه في الحال فإذا استحقه الورثة برىء بدفعه إليهم، لأنهم يقومون مقام الميت في براءة من له ذمة من له عليه الحق بدفعه إليهم، ولأن اليمين إذا علقت على فعل لا يمكن إلا بشرط قد علقت به على الشرط، لأنها لا تنعقد على محال، وإذا ثبت ذلك وكان قضاؤه مشروطاً ببقائه لم يحنث بموته قبل القضاء فكان كقوله: والله لآكلنَّ هذا الطعام في غد، فيحترق قبل الغد أنه لا يحنث، لأنّ الحلف على أكله مشروط ببقائه، ولأن الدفع قد وجد من الحالف إلى من يقوم مقام المحلوف عليه في استحقاق المقبوض، فوجب أن يبرأ بالدفع إليه، كما لو دفعه إلى وكيله في حياته.
[١٧٦٨] مسألة: إذا حلف ليقضينه حقه فباعه سلعة تساوي دون قيمة الحق لم يبر، وقال أبو حنيفة: يبر؛ فدليلنا أنه لم يوفه حقه ولا ما يقوم مقامه، فأشبه ما لو دفع إليه بعض حقه بعينه.
[١٧٦٩] مسألة: ولو قضاه زيوفاً أو ستوقاً لم يبر، قبل صاحب الحق أو رد، وقال أبو حنيفة: يبر بالزيوف ولا يبر بالسّتوق؛ فدليلنا ما قدمناه أن الوفاء لم يحصل له لا من حهة المثل ولا القيمة، فأشبه أن يكون له عشرة فيعطيه تسعة، ولأنه قضاه مغشوشة بدلاً من فضة بوزنها فلم يبر أصله الستوق.
стр. 774
[١٧٧٠] مسألة: إذا علق يمينه بفعل شيء بعد حين أو دهر أو زمان، فذلك سنة، وعند أبي حنيفة: أن الحين ستة أشهر، وقال الشافعي: ليس له حدّ فبأي شيء فسَّره قُبِلَ منه، وإن لم يفسّره كان كمن حلف مطلقاً؛ فدليلنا عليه عرف التخاطب ينفي ما قاله، أنّ القائل إذا قال: ما رأيت زيداً منذ حين، أو منذ دهر، أنّه يقصد بذلك ببعيد الزمان ولم يرد به منذ يوم أو يومين، وكذلك إذا قال: لي حين ما فعلت كذا، فالذي يسبق إلى الوهم عند سماعه أنّه قد بعد عهده به فصحّ ما قلناه، ودليلنا على أبي حنيفة أن الحين قد ثبت في الشرع أنه سنة لقوله تعالى: "تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها"، وإطعام الثمرة يكون كل سنة فوجب تعليق الاسم به، ودليلنا على أن الدهر سنة أنّه لفظ موضوع للتبعيد فأشبه الحين.
[١٧٧١] مسألة: إذا حلف لا أشرب من دجلة أو الفرات فإنه كحلفه لا أشرب من مائها فيحنث متى شرب منه كرعاً أو بآلة، وقال أبو حنيفة: لا يحنث إلا بالكرع؛ ودليلنا أنه يطلق عليه أنه شارب منها، كما لو كرع، يُبيِّن ما قلناه قولهم: أهل بلد فلان يشربون من دجلة، وأراضي بلد كذا تشرب من دجلة، وإن علم أن ذلك بآلة أو غير آلة، ولأنه حصل شارباً من مائها فوجب أن يحنث كما لو صرح به، ولأن الأيمان محمولة على العرف، وذلك هو الشرب على ما جرت العادة به، ولأن دجلة لما لم يصحّ شرب أرضها كان الماء مضمرًا في اليمين كما لو صرح به، ولأنّه أضاف الماء المحلوف عليه إلى قرار مخصوص، فوجب أن يحنث متى شرب منه بآلة، أصله إذا حلف: لا أشرب من هذه البئر.
[١٧٧٢] مسألة: إذا حلف على زوجته لا خرجت إلا بإذنه، فأذن لها من حيث لم تعلم فخرجت بعد إذنه وقبل علمها حنث، وقال الشافعي: لا
стр. 775
يحنث؛ فدليلنا أن الإذن حكم من أفعال أحكام المكلّفين يتعلّق بقائل ومقول له، فوجب إذا فعل عارياً من علم فأعله بثبوت ذلك الحكم له أن لا يحكم لفاعله بأنه فعله على ذلك الوجه، أصله الأمر والنهي، ولأن من حلف على امرأته ألا تخرج إلا بإذنه فمفهوم ذلك منعها من الافتيات عليه وزجرها من اعتقادها أنّها لا تلزم مراعاة إذنه وقصرها على التصرف بين أمره ونهيه فقط، وإذا كان هذا هو الغرض وكان ذلك لا يوجد إلا مع علمها بالإذن كان مضموماً إليه ومشروطاً معه، فإذا وقع عارياً منه وجب أن يحنث به، ولأن الخروج وجد منها على الصفة التي كان عليها قبل الإذن من اعتقاد الافتيات عليه فأشبه أن تخرج قبل إذنه.
[١٧٧٣] مسألة: إذا قال مماليكي أو رقيقي أحرار، دخل في ذلك عبيده ومدبروه ومكاتبوه وأم ولده الكامل والمتبعض، وللشافعي في المكاتب قولان أصحهما عند أصحابه أنّه لا يعتق؛ فدليلنا أن المكاتب سمّي عبدًا بدليل قوله ﷺ : «المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم»، فإذا دخل [في] ذلك، دخل في قوله: عبيدي، ولأن العتق مبني على التغليب والسراية، والمكاتب حكمه حكم العبيد، إلا في قدر ما توجبه الكتابة من وجوب عتقه بالأداء، ولأنه يملك مباشرة مكاتبته بالعتق، بأن يقول ابتداء أنت حر، فوجب أن يدخل في عموم اسم المماليك كالمدبر وأم الولد ولأنه عقد حرية فلم يمنع حصوله للعبد من دخوله على هذا القول، أصله التدبير، ولأن الاستيلاد آكد من الكتابة، لأنه ثابت فعلاً ولا يتطرق الفسخ إليه، ثم هو مع تأكده يدخل في الاسم فالمكاتب أولى.
[١٧٧٤] مسألة: إذا حلف لا فعل شيئاً، يميناً مطلقة غير مقيدة ففعله
стр. 776
ناسياً حنث، خلافاً للشافعي؛ لأن إطلاق اليمين تعم جميع الوجوه التي يقع الفعل عليها، كما لو أخبر عن انتفاء وقوع الفعل منه لانضم العمد والسهو، ولأنّ كل زيادة في اليمين صحّ اشتراطها وأمكن انفكاك اليمين منها، فإن اليمين لا تتعلق بها إلا بالشرط، كقوله: لا دخلت الدّار راكباً، كذلك قوله عامداً، ولأنه حصل منه الفعل باختياره من غير إكراه كالقاصد، ولأن الفعل وقع منه على وجه منفرد بإضافته إليه فأشبه العمد، ولأن البر في مقابلة الحنث، وقد ثبت أنه لو حلف أن يفعل شيئاً ففعله ساهياً فإنه يبر وإن كان من غير قصد، فكذلك يجب إذا حلف ألا يفعله ففعله سهوًا أن يحنث.
[١٧٧٥] مسألة: ولا يحنث بالإكراه، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن الفعل لا ينفرد بالإضافة إليه، فلم يتناوله يمينه كما لو سحب.
[١٧٧٦] مسألة: إذا حلف لا أفعل شيئاً فأمر غيره ففعله، حنث إن لم ينو توليته بنفسه، أي فعل كان ممّا تصحّ فيه النيابة، وفصل أبو حنيفة بين بعض الأفعال وبعض، والظاهر من مذهب الشافعي أنّه لا يحنث إلا أن يليه بنفسه؛ فدليلنا أن الفعل إذا كان ممّا يصحّ فيه النيابة فالإطلاق مشترك بين توليته بنفسه وبين وقوعه بالنيابة، ولأنّ الإنسان يطلق القول بأنه قد اشترى طعاماً أو ثوباً وإن كان قد استناب غيره فيه، كما يطلق ذلك إذا تولاه بنفسه على حدّ واحد، وإذا كان ذلك كذلك وجب أن يحنث به، وتحريره أن يقال: لأن الفعل المحلوف عليه قد وقع على وجه يضاف إليه على الإطلاق فأشبه أن يليه بنفسه.
[١٧٧٧] مسألة: إذا حلف لا يبيع فباع بيعاً فاسداً أو حرامًا حنث، خلافاً للشافعي؛ لأن الاسم يطلق عليه في اللغة فأشبه ما يقتضيه الشرع،
стр. 777
ولأنّ الاسم إذا كان له مقتضى في اللغة والشرع ولم يتبين الحالف قصده تعلّق الحكم على اللغة، لأن الشرع طارىء عليها، أو تكون اليمين معلّقة على الجميع، إذ لا وجه لتخصيص بعض ما يصلح أن يراد به مع إطلاق اليمين دون بعض.
[١٧٧٨] مسألة: إذا حلف لا آكل رؤوساً أو لحماً أو ما أشبه ذلك، فإن كانت له نية وإلا حنث بأكل ما يتناوله الاسم، ولا يعتبر عرف الفعل إذا لم يقارنه عرف التخاطب، والاعتبار بالسبب مع النية إذا لم يكن له نية اعتبر السبب ليستدل به على النية لا له في نفسه، وعند أبي حنيفة والشافعي: أنّه يراعى عرف الفعل، وقال أبو حنيفة في الرؤوس: يحنث بأكل رؤوس الغنم والبقر دون الإبل وغيرها، وقال الشافعي: وبالإبل أيضاً، وهو قول أشهب، والكلام في موضعين: أحدهما: أنه إذا لم يكن له نية وكان هناك سبب جرى اليمين عليه، فيعتبر عندنا بالسبب ليستدل به على النية، ولا يرجع فيه إلى النفوس، فمن كانت له حالة كحال الحالف، وعند المخالف لا يراعى ذلك، والموضع الآخر: إذا عريت النية والسبب أجري الاسم على موضعه في اللغة أو عرفها، وعندهم يقصر على عرف الاستعمال.
فدليلنا على الفصل الأول، أن النية إذا كانت معتبرة في الأيمان، وكانت أملك باليمين من لفظها ثم عدمت، وهناك طريق الوصول إليها وجب اعتباره وإلا كان ذلك إسقاط مراعاتها.
ودليلنا على الفصل الثاني، أن مراعاة عرف الاستعمال في الفعل
стр. 778
دعوى لا فصل بين مدعيها وبين مدّعي غيرها إذا لم يرجع إلى عرف التخاطب، ولأنّه يختلف باختلاف المواضع واختلاف عرف أهلها.
[١٧٧٩ - مسألة]: إذا حلف لا آكل لحماً حنث بأكل الكبد والفؤاد والطحال والكرش، وقال الشافعي: لا يحنث؛ فدليلنا أن اللحم اسم عام يتناول جميع ما في بطن الحيوان مما يعبر عنه بغير اسمه الخاص، فلا يخرجه أن يكون من جملته ولأنه جار مجراه على وجه البيع وفي تحريم التفاضل، فكذلك في البيع، ولأنّه يتخذ لكثرة ما يتخذ له اللحم من الطبخ والقلي مع اشتمال الحيوان عليه فكان كاللّحم.
[١٧٨٠] مسألة: إذا حلف لا آكل لحماً حنث بأكل الشحم، أي شحم كان، إلا أن يكون له نية، ولو حلف لا آكل شحماً لم يحنث بأكل اللحم، وقال أبو حنيفة: إذا حلف لا آكل لحماً فأكل من شحم يكون على اللحم حنث، فإن أكل من شحم البطن لم يحنث؛ فدليلنا أنّه من شحم الحيوان [فوجب] أن يدخل في اليمين، أصله شحم البطن.
[١٧٨١] مسألة: إذا حلف لا يأكل فاكهة أو تمراً، أصلاً، حنث بأكل الرطب والعنب والرمان، وقال أبو حنيفة: لا يحنث؛ فدليلنا أنّ عرف التخاطب جار بتسمية هذه الأشياء فواكه، فيجب أن يحنث بأكلها كالتين والعنب.
[١٧٨٢] مسألة: إذا حلف لا يكفل عن فلان بمال فتكفل بوجهه، حنث إن لم يشترط البراءة من المال، وقال أبو حنيفة. لا يحنث؛ فدليلنا
стр. 779
أن الكفالة بالنفس تتضمّن غرم الملك، بدليل أنّه لو لم يأت به لغرم، وإذا كان كذلك فقد حصل الشرط الذي علّق الحنث به فوجب أن يحنث، ولأنه مال يلزم غرمه بحق كفله، فوجب أن يحنث متى تكفَّل بما يتضمّنه في يمينه إذا حرم على نفسه إن جاء يتكفل بالماء، أصله إذا نص على المال.
[١٧٨٣] مسألة: إذا حرَّم على نفسه طعاماً أو شراباً أو لباساً أو أمة أو شيئاً من المباحات سوى الزوجة، فلا حكم لذلك ولا كفارة يمين ولا غيرها، وقال أبو حنيفة: إذا أطلق حمل على الأكل والشرب دون اللّباس، فيلزمه كفارة يمين، وقال زفر: يحمل على كل شيء حتى الحركة والسكون؛ فدليلنا قوله تعالى: "لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم"، وقوله تعالى: "قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل ءالله أذن لكم أم على الله تفترون"، فوصف ذلك بأنه افتراء [على] وجه الزجر عن فعله، فدل أنه لا كفارة فيه، ولأنه حرم على نفسه مباحاً له نهي عن تحريمه كاللّباس والطيب، ولأن كل ذات لا يصحّ فيها الطلاق أو الإعتاق فلا يتعلق بتحريمها حُكْمٌ كاللّباس.
[١٧٨٤] مسألة: إذا حلف ليشربن الماء الذي في الكوز وليس فيه الماء، أو ليقيلن فلاناً وقد مات قبل يمينه، فلا تنعقد يمينه، وسواء عندي علم أو لم يعلم، وقال أبو يوسف: يحنث؛ فدليلنا أنه حلف على مُحَالٍ فلم ينعقد يمينه، أصله لو حلف على ماض، ولأن الانعقاد لا يكون إلا فيما يتأتى فيه البر والحنث، وذلك لا يمكن في هذا الموضع.
[١٧٨٥] مسألة: إذا حلف لا يتسرى، والتسري هو الوطء بملك اليمين، ولا يراعى أن يطلب بوطئه الولد، وقال أبو حنيفة: التسري أن يحصنها أو يطأ، والتحصين عندهم حفظها وصيانتها عن التبذل، وقال الشافعي: التسري طلب الولد، وهو الوطء والإنزال أحبل أم لم يحبل؛
стр. 780
فدليلنا أن التسري فعل مأخوذ من السّر وهو الجماع لأنه يستسر به، فإذا أريدت الجارية له أو فعل لها فقد حصل الاسم، ولا معنى لسلوك الأقيسة الشرعية في هذا، وإن رضوا به دخلنا معهم فيه؛ فدليلنا على أبي حنيفة أن نقول: إنّه وطىء بملك يمينه كما لو ضامه التحصين وطلب الولد، وعلى الشافعي خانة أق طلب الولد لو كان شرطاً لم ينطلق الاسم على المسنة التي يعلم أن مثلها لا يحمل في العادة.
[١٧٨٦] مسألة: إذا حلف ليضربن عبده مائة فضربه بضغث فيه مائة شمراخ ضربة واحدة لم يبر، وإن علم أن جميعه قد أصابه، وقال أبو حنيفة والشافعي: يبر؛ فدليلنا أنّ الأيمان محمولة على عرف التخاطب وعرف اللغة أن القائل إذا قال لعبده: اضرب فلاناً عشرة أو مائة سوط أن العدد ينصرف إلى الضربات دون أجسام الأسواط، بدليل أنه لو ضربه مائة ضربة بسوط واحد أنه يبر، ولا يحسن لومه ولا ذمه، وإذا ثبت ذلك فمتى ضربه بمائة شمراخ أو بمائة سوط ضربة واحدة لم يفعل موجب اليمين، فوجب أن يحنث ولأن المقصد من تكثير العدد في الحلف زيادة الإيلام والمبالغة فيه، فلم يجز أن يبر بضربة واحدة لأنّ ذلك ضدّ مقصود الحالف.
[١٧٨٧] مسألة: إذا قال: ثلث ماله لله، أو قال: إن أشفى الله مريضي فلله علي أن أتصدّق بثلث مالي فإن ذلك ينصرف إلى جميع أجناس الأموال المتمولة في العادة، من العين والعروض وغيرها، وقال أبو حنيفة: القياس هذا، ولكن الاستحسان أن ينصرف ذلك إلى الأموال التي تجب فيها الزكاة؛ فدليلنا أنه نوع مال يتمول في العادة فوجب أن ينصرف إطلاق النذر واليمين إليه، أصله ما تجب في عينه الزكاة، ولأنّ ما دون النصاب في انتفاء تعلق الزكاة جار مجرى ما لا تجب فيه الزكاة.
стр. 781
[١٧٨٨] مسألة: إذا حلف لا وهب له فتصدّق عليه، حنث، وقال أبو حنيفة: لا يحنث؛ فدليلنا أنّه تطوع بتمليكه العين أو منافعها بغير عوض، فوجب أن يحنث به، أصله إذا نحله أو أعمره، ولأن الهبة أعمر من الصدقة فتدخل فيها الصدقة وغيرها.
[١٧٨٩] فصل: وإن أعاره حنث، خلافاً للشافعي؛ لأنه تمليك شيء ينتفع به تبرعاً بغير عوض كالأعيان، ولأنه أحد نوعي ما ينتفع به فصحّ الوصف له بأنّه هبة كالأعيان.
[١٧٩٠] مسألة: ولو حلف لا وهب له، فوهب له فلم يقبله الموهوب له، حنث، وقال الشافعي: لا يحنث حتى يقبله؛ فدليلنا أن الهبة هو حصول التمليك بغير عوض، وقد وجد ذلك من المملّك فكان كما لو ضامه قبول الموهوب، ولأنّ الهبة بمعنى الإباحة، وقد اتفق على أنه لو حلف لا يبيح له شيئاً من ملكه، ثم قال: أبحت لك كل هذا الشيء من مالي، فإنّه يحنث وإن لم يقبله، كذلك الهبة.
[١٧٩١] مسألة: قال ابن المواز: إذا حلف لا يبيع سلعته فباعها وشرط الخيار لنفسه لا يحنث، وقال محمّد بن الحسن: يحنث؛ فدليلنا أن الإيجاب لا يقع منه متنجزًا فلم يقع البيع، لأنه يملك الرجوع فيه وإبطاله، واليمين على البيع إنّما هي على الإيجاب الموضوع لإخراج الملك، وشرط الخيار يمنع إخراج الملك.
[١٩٧٢] مسألة: إذا حلف لا يكلمه فكتب إليه، حنث، وفي الإشارة والرسول روايتان، وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه: لا يحنث؛ فدليلنا أن المجاز إذا قارنه عرف التخاطب تعلقت اليمين به تعلقها بالحقيقة، كقولهم: الغائط، واسأل القرية، وما أشبه ذلك، وقد ثبت أن العرف إذا قال القائل: كلّمني زيد في أمر فلان، أو خاطبني في معناه، أو أرسلني، وقد
стр. 782
كلمت فلاناً، وفي بابك لا تفرق بين المشافهة والمكاتبة والمراسلة، وإن قوله: كلّمته وسألته وخاطبته محتمل لكل ذلك وإنه يصحّ تفسيره به، فصحّ أن يتعلق به اليمين، ولأن الأغراض المقصودة بالأيمان معتبرة فيها مع اللفظ، وقد علم بالعرف أن غرض الحالف على ترك كلام فلان إنما هو قطعه وهجرته، فانتظم ذلك الكلام وما يقوم مقامه، ولأن كل نوع وقع به إطلاقه حنث به في يمينه أن لا يكلمه كالنطق، ولأن الكناية موضوعة للإفهام وتعريف المعنى المراد فوقع الحنث بها على من حلف لترك الكلام كالنطق.
[١٧٩٣] مسألة: إذا حلف لا يكلّمه فسلّم على جماعة هو منهم حنث، علم أو لم يعلم، إلا أن يحاشيه بقلبه، وقال الشافعي: لا يحنث إذا لم يعلم؛ ودليلنا أن سلامه على الجماعة توجه إلى كل واحد منهم، بدليل أن الرد متوجه إلى جميعهم فصار مكلماً له، فوجب أن يحنث، ولأنه مكلّم له كما لو علم به.
[١٧٩٤] مسألة: ذكر محمّد بن عبد الحكم في «كتاب الإقرار» أن من أقر بأنه غصب رجلاً حليًا كان له أن يقر بما شاء من الحلي من ذهب أو ورق أو لؤلؤ أو جوهر وعقيق، فعلى هذا إذا حلف لا لبس حلياً حنث بلبس ذلك، وقال أبو حنيفة: لا يحنث وليس بحلي إلا أن يكون فيه ذهب؛ فدليلنا قوله تعالى: "وتستخرجوا منه حلية تلبسونها"، ولأن المرجع في ذلك إلى العرف ووجدنا الجواهر مسماة بالحلي ومعدودة من أفخره وأنفسه فكانت كالذهب.
стр. 783
[كفارة اليمين]:
[١٧٩٥] مسألة: الإطعام في كفارة اليمين بالمدينة مد، وبسائر الأمصار وسط من الشبع، وإن اقتصر على مدّ أجزاه، وقال أبو حنيفة: إن أخرج برًا فنصف صاع، وإن أخرج تمرًا أو شعيرًا فصاع؛ ودليلنا قوله تعالى: "من أوسط ما تطعمون أهليكم"، والأوسط ما بين الأقل والأكثر، فيقتضي غالب عادات الناس، فذلك دون الصاع ودون نصفه، ولأنه إطعام في كفارة كالفطر في رمضان.
[١٧٩٦] مسألة: الكسوة مقدّرة بأقل ما يجزىء به الصلاة، وقال أبو حنيفة والشافعي: أقل ما يقع عليه الاسم؛ لقوله تعالى: "من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم"، فعطف به عليه فانتفى بذلك أقل ما يقع عليه الاسم، ولأنّ إطلاق الكسوة لا يتناول المئزر وحده ولا المنديل بانفراده، ولأنه مصروف إلى المساكين في الكفارة، فوجب أن يكون مقدرًا، أصله الإطعام، ولأن الكسوة المقدرة تنصرف إلى الشرعية، وليس ما يتعلّق به في الشرع إلا ما قلناه.
[١٧٩٧] مسألة: عدد المساكين شرط في الإجزاء، وقال أبو حنيفة: إن أطعم مسكيناً واحدًا عشرة أيام كل يوم نصف صاع جاز؛ فدليلنا قوله تعالى: "فكفارته إطعام عشرة مساكين"، فوصف الكفارة بعدد مخصوص فوجب استيفاؤه بحق الظاهر، ولأنه تعالى جعل الكفارة لجميعهم فاقتضى ذلك أن يكون لكل مسكين جزء منها، فإذا صرف جميعها إلى واحد فالغرض باق عليه، ولأنه دفع جميع الكفارة إلى مسكين واحد كما لو دفعها في يوم واحد، ولأنه عدد مشترط في مال يقسم على وجه التمليك أو سد الجوعة، فوجب استيفاء العدد، أصله إذا وصى بإطعام عشرة مساكين.
стр. 784
[١٧٩٨] مسألة: لا يجوز صرفها إلى ذمي، خلافاً لأبي حنيفة؛ اعتبارًا بزكاة المال، ولأنه ناقص بالكفر كالحربي، ولأنَّ كل من لا يجوز دفع زكاة المال إليه، فكذلك الكفارة كالمرتد.
[١٧٩٩] مسألة: لا يجزىء إخراج قيمة عن الطعام والكسوة، خلافاً لأبي حنيفة؛ للظاهر، وفيه أدلة: أحدها: أن الله تعالى أخبر عن جنس الكفارة، وأنها ثلاثة أنواع، فانتفى بذلك أن يكون من غيرها.
والثاني: أنّه يكون عين هذه الأنواع فدل أنها مقصودة في نفسها.
والثالث: أنه لو كان الغرض القيمة لكان ينتفي النص على واحد منها ليكتفى به على ما قاومه في حكمه، فلمّا نص على ثلاثة أشياء دلَّ على أن الغرض بأعيانها، ولأنه نوع يقع به التكفير كالإعتاق.
[١٨٠٠] مسألة: إن تابع الصوم كان أفضل، وإن فرق أجزأه، خلافاً للشافعي في أحد قوليه؛ لأنّ الظاهر مطلق غير مقيَّد، ولأنه نوع ذو عدد يكفر به اليمين فجاز تفريقه، أصله الإطعام والكسوة.
* * *
стр. 785
كتاب النذور
[١٨٠١] مسألة: إذا قال: لله علي نذر، ولم يسمّه، انعقد نذره ولزمه كفَّارة يمين، واختلف أصحاب الشافعي فمنهم من يقول: لا ينعقد نذره، ومنهم من يقول: ينعقد، ويخرج أقل ما يقع عليه الاسم؛ فدليلنا أنه ينعقد قوله تعالى: "يوفون بالنذر"، وقال: "وليوفوا نذورهم"، وقوله ﷺ : «من نذر نذرًا فلم يسمّه فعليه كفارة يمين»، فأثبت له حكماً بنذره، ولأنّ الأيمان المنذورة محمولة على تعارف الخطاب، والعرف جار بأن المقصد من النذر القربة، فكأنه قال: لله علي أن أتقرب إليه بشيء، فيلزمه، ولأنه نذر قصد به القربة، فوجب أن يتعلّق به حكم الوجوب كما لو عينه؛ ودليلنا على أنه يلزمه كفارة يمين للخبر.
[١٨٠٢] مسألة: نذر المباح لا يلزم، وقال أحمد بن حنبل: هو مخير بين فعله وبين كفارة يمين؛ فدليلنا قوله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله
стр. 786
فليطعه»، وقوله: «لا نذر إلا فيما يبتغى به وجه الله» ولأنه نذر غير قربة كالمعصية. [١٨٠٣] مسألة: يلزم النذر المطلق، وقال بعض الشافعية: لا يلزم إلا أن يعلق بشرط أو صفة؛ ودليلنا قوله: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، وعموم الأخبار، ولأنه ألزم نفسه على وجه النذر ما يجب الوفاء بجنسه كالمقيد.
[١٨٠٤] مسألة: النذر يلزم حال الفجاج والغضب كلزومه على وجه التبرر، وقال الشافعي: هو مخير بين أن يفي به وبين أن يكفر كفارة يمين، واختلفوا في نذر الحج؛ فدليلنا على أنه يلزمه الوفاء به عموم الظواهر، ولأنه نوع من النذر فلم يفترق فيه بين الرضا واللجاج، أصله نذر المعصية، ولأنه حال علّق النذر فيها بما يجب الوفاء بجنسه فيلزم بوجود شرطه، أصله حال الرضا، ولأن كل ما لو علّقه بنذر الطاعه لزم، فكذلك بنذر اللّجاج، أصله الطلاق والعتاق؛ ودليلنا على انتفاء التخيير أن سبب النذر واختلاف الحال التي عقد عليها لا يوجب سقوط المنذور والتزام غيره، أصله حال التبرر، لأنها قربة ألزمها نفسه على وجه النذر، فإذا وجد شرطها لم يجز إسقاطها والإتيان بغيرها كالحج.
[١٨٠٥] مسألة: إذا نذر المشي إلى مسجد المدينة الأقصى للصلاة فيها لزمه ذلك، خلافاً للشافعي؛ لقوله ﷺ : «لا تشدّ
стр. 787
الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، فذكر مسجده ومسجد بيت المقدس، ولأنها مساجد تضاعف الصلاة فيها بألف كالمسجد الحرام.
[١٨٠٦] مسألة: إذا نذر ذبح ابنه في يمين أو على وجه القربة فعليه الهدي، وقال الشافعي: لا شيء عليه؛ فدليلنا ماروي عن الصحابة أنهم قالوا عليه هدي، وروي عن علي، وابن عباس، وابن عمر، ولأنه أراد نذره على وجه القربة فلما أراد فداه لأن ذلك معهود في الشرع أن نحر الابن قد يكون على وجه القربة، لأن إبراهيم ﷺ تعبد بذلك، وصارت الأضحية أصلاً في شرعنا شبهًا به، فكان النّاذر على وجه القربة كناذر الفداء.
[١٨٠٧] مسألة: إذا قال مالي في سبيل الله وصدقة، لزمه إخراج الثلث خلافاً لمن قال: لا يلزمه شيء؛ لعموم الظواهر في الوفاء بالنذر، وقوله ﷺ لأبي لبابة، ونذر أن ينخلع من ماله: «يجزيك من ذلك الثلث» واعتباراً به إذا عين شيئاً من ماله.
[١٨٠٨] فصل: ولا يلزمه إخراج كل ماله، خلافاً للشافعي لحديث أبي لبابة، ولأن المريض لما منع من إخراج كل ماله إبقاء على ورثته، كان
стр. 788
الصحيح بأن يسقط عنه ذلك بحق نفسه أولى، ولا يجزيه من ذلك كفارة يمين، خلافاً لمن ذهب إلى ذلك؛ للخبر، ولأنه إخراج مالٍ كما لو عين.
* * *
стр. 789
كتاب الضحايا
[١٨٠٩] مسألة: الأضحية مسنونة متأكدة، وربما أطلق أصحابنا أنها واجبة ومرادهم شدّة تأكدها، وقال أبو حنيفة: إنّها واجبة ومراده أنّها لا يجوز تركها؛ ودليلنا قوله ﷺ : «ثلاث هي فرض ولكم تطوع: الوتر والنحر والسواك»، وقوله: «أمرت بالنحر وهو لكم سنة»، ولأنه ذبح لا يجب على المسافر، فلم يجب على الحاضر كالعقيقة، ولأنها إخراج مال لا يلزم المسافر فلم يلزم الحاضر، أصله صدقة التطوع، ولأن كل من لا يجب عليه الأضحية إذا كان مسافرًا لم يجب عليه إذا كان حاضرًا، أصله من يملك دون النصاب، ولأنّها عبادة تتعلق بالمال فاستوى فيها المسافر والحاضر كالزكوات والكفارات.
[١٨١٠] مسألة: إذا دخل العشر وأراد أن يضحي لم يحرم عليه حلق شعره ولا تقليم أظفاره، خلافاً لمن حكي عنه ذلك؛ لأن كل من لا يحرم
стр. 790
عليه الطيب واللّبس فلا يحرم عليه الحلاق والتقليم، أصله إذا لم ينذر الأضحية، ولأن المهدي أقرب إلى المحرم من المضحي لأنه ينحر في الحرم ثم لا يحرم عليه الحلق ولا التقليم فالمضحي أولى.
[١٨١١] مسألة: يجوز فيها الجذع من الضأن، خلافاً لمن منعه؛ لقوله ﷺ : «لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا الجذع من الضأن».
[١٨١٢] فصل: ولا يجوز الجذع من غير الضأن، خلافاً لمن أجازه؛ لقوله: "إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن"، فقصر ذلك على الضأن، وقوله لأبي بردة: «تجزيك ولا تجزىء أحداً بعدك».
[١٨١٣] مسألة: أفضلها الغنم، ثم البقر، ثم الإبل، والضأن أفضل من المعز، وقال أبو حنيفة والشافعي: الإبل ثم البقر ثم الغنم؛ فدليلنا أنه ﷺ كان يضحي بالغنم، ويعدل إليها عن الإبل والبقر، فدل على أنه أفضل، وروي: «خير الأضحية الكبش»، ولأن الغرض منها طيب اللّحم
стр. 791
ورطوبته دون كثرته، بدليل ما رويناه من أضحيته ﷺ بالغنم، وعدوله إليها عن الإبل، ولأنّه يختص بها أهل البيت دون الفقراء بخلاف الهدايا.
[١٨١٤] مسألة: أيام الأضحى ثلاثة، ولا يضحى في اليوم الرابع، خلافاً للشافعي؛ لقوله تعالى: "ويذكروا اسم الله في أيام معلومات"، وأقل الأيام ثلاثة، ولأنه إجماع الصحابة، وروي عن عمر، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وأنس، ولا مخالف لهم، ولأنّه ليس بمعلوم كالخامس، ولأنه لا يتعقبه مبيت بمنى فأشبه ما بعده.
[١٨١٥] مسألة: لا يجوز الاشتراك في ثمن الأضحية ولا لحمها، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إن البدنة تجزىء عن سبعة، وكذلك البقرة، إلا عند أبي حنيفة أنه إذا كان قصد جميعهم القربة جاز أي قربة كانت، وإن قصد بعضهم الإباحة لم يجز؛ فدليلنا أنه حيوان يضحى به فلم يجز إلا عن واحد كالشاة، ولأن كل واحد يصير مخرجاً للحم بعض البدنة أو بقرة، وذلك لا يكون أضحيته، كما لو اشترى لحماً، ولأن كل إنسان مخاطب بفعل ما يسمّى أضحيته، وهذا الاسم ينطلق على إراقة الدم
стр. 792
دون اللّحم، ولأنه اشتراك في دم، فوجب أن لا يجزىء مريد الأضحية، أصله إذا قصد بعضهم الإباحة مع أبي حنيفة، وإذا زاد على السبعة معه ومع الشافعي.
[١٨١٦] مسألة: لا يجوز النحر قبل نحر الإمام إذا كان يظهر أضحيته، ومن نحر قبله أعاد، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لحديث أبي بريدة ابن أبي نيار أنه ذبح أضحيته قبل أن يذبح رسول الله ﷺ ، فأمره أن يعيد، ولأنه ذبح قبل الإمام فأشبه إذا ذبح قبل الصلاة.
[١٨١٧] مسألة: لا يجوز ذبح الأضحية ولا الهدي بليل، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: "ويذكروا اسم الله في أيام معلومات"، ولأنّه ﷺ ذبح نهاراً ولأنها قربة تتعلق بالعيد تضاف إليه لا يجوز تقديمها قبله، فلم يجز أن تفعل ليلاً كالصلاة.
[١٨١٨] مسألة: لا يجوز بيع جلدها ولا شيء منها، وقال أبو حنيفة: يجوز بيع جلدها بما يقات، وينتفع به في مثل الدلو والحبل والمنخل وما أشبه ذلك، ولا يجوز بغير ذلك؛ ودليلنا نهيه ﷺ عن بيع أهب الضحايا، وقوله لعلي ﵁: «لا تعط الجزار منها شيئاً نحن نعطيه»، ولأنه جزء من الأضحية كاللحم، ولأنه قد وجبت للمساكين وليس هو وكيلاً لهم ولا قيماً عليهم كالزكاة.
стр. 793
[١٨١٩] مسألة: العرجاء البين ضلعها لا تجزىء في الأضحية، وقال أبو حنيفة: تجزىء ما دامت تمشي؛ ودليلنا قوله ﷺ : «والعرجاء البين ضلعها» وهذا نص، ولأن العرج البين عيب مؤثر، ولأنه ينقص منها ويمنع استيفاء الرعي، ويؤثر في اللّحم.
[١٨٢٠] مسألة: المكسورة القرن إذا كانت تدمي لا تجوز، خلافاً لأصحاب الشافعي؛ لنهيه ﷺ عن العضباء القرن والأذن، ولأنّه إذا كانت تدمي كان مرضاً لأنه ينقص الثمن لأجله كالعجف.
* * *
стр. 794
[كتاب الذكاة]
باب:
[١٨٢١] مسألة: لا تحل الذكاة إلا بقطع الحلقوم والودجين، وقال الشافعي: يقطع الحلقوم والمري، ولا يحتاج إلى الودجين؛ فدليلنا قوله ﷺ : «أفر الأوداج واذكر اسم الله وكل»، وفي حديث رافع أنه ﷺ قال: «أبلغ إلى الودجين» و «إلى» ها هنا بمعنى «مع».
[١٨٢٢] مسألة: الذكاة لا تصحّ من المجنون، ومن لا يعقل، خلافاً للشافعي؛ لأن الذكاة لا تصحّ إلا بنية بدليل أنها لا تصحّ من المجوسي، ولو كانت تصحّ من غير نية لم يختلف الحكم فيها ممّن وقعت.
[١٨٢٣] مسألة: إذا بالغ في الذبح حتى أبان الرأس كره ذلك، وجاز أكلها، وحكي عن بعض التابعين أنها لا تؤكل؛ ودليلنا هو أن إبانة الرأس تحصل بعد الذكاة فلم يؤثر فيها كما لو ذكاها ثم جزَّها.
[١٨٢٤] مسألة: إذا ذبحها من قفاها لم تؤكل، خلافاً للشافعي؛ لقوله ﷺ : «إنّما الذكاة في الحلق واللبة»، ولأنها قد تتلف قبل
стр. 795
الوصول إلى قطع الحلقوم والأوداج.
[١٨٢٥] مسألة: إذا نحر شاة من غير ضرورة، أو ذبح بعيرًا، لم يؤكل تحريماً، على خلاف بين أصحابنا فيه؛ لأن الشرع ورد في البعير بالنحر وفي الشاة بالذبح، فإذا خالف لم يؤكل، ولأنّه ذكاه بذكاة غيره من غير ضرورة كما لو قتله بالجوارح والسّهام.
[١٨٢٦] مسألة: الظاهر من مذاهب أصحابنا أن تارك التسمية عامداً غير متأول لا تؤكل ذبيحته، فمنهم من يقول: إنها سنة، ومنهم من يقول: إنّها شرط مع الذكر، وقال الشافعي: لا تحرم بتركها؛ فدليلنا قوله تعالى: "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه"، وقوله ﷺ : «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى فكل»، فجعلها شرطاً كالإرسال، وفي حديث عائشة لما قالت: تجيء الأعراب بذبائح لا ندري أسموا عليها أم لا؛ فقال ﷺ : «سم الله وكل»، فلو لم تكن واجبة لقال: لا يضر إن تركوها، ولأن ذلك طريق إلى الاستخفاف بالسنن والاستهزاء بالشريعة.
[١٨٢٧] مسألة: إذا ذكيت الشاة أو البقرة أو الناقة فوجد في جوفها
стр. 796
جنين ميت تام الخلق كان مذكى بذكاتها، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله ﷺ : «ذكاة الجنين ذكاة أمه»، وفي حديث أبي سعيد قلنا: يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين فنلقيه أم نأكله؛ فقال: «كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه»، وهذا نص، ولأن التذكية على حسب القدرة والإمكان، ولا يمكن في الجنين إلا على هذا الوجه، ولأن ما يسري إلى الإعتاق إليه في ولد الآدمي سرى الذكاة إليه في البهائم كالجلد والأطراف، ولأنّ ما تلف عن ذكاة جاز أكله، أصله الأم.
[١٨٢٨] فصل: وإن كان خلقه لم يتم وشعره لم ينبت لم يجز أكله، خلافاً للشافعي؛ لأنه روي في بعض الحديث: «ذكاة الجنين ذكاة أمه إذا أشعر»، ولأن الذكاة إنما تكون فيما كان حياً فتلف، والحياة لا تكون إلا بعد تمام الخلق.
[١٨٢٩] مسألة: إذا تردى البعير أو البقرة أو الشاة في بئر ولم يقدر على إخراجه ولا على تذكيته في حلقه أو لبته لم يؤكل بعقره في موضع من بدنه، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله ﷺ : «إنما الذكاة في الحلق واللّبة»، ولأن تعذر الوصول إلى موضع الذكاة في المقدور عليه لا يبيح تذكيته في غيره، كتعذر الوصول إلى ما يذكى فيه أنه لا يبيح التذكية بغيره.
[١٨٣٠] مسألة: الحيوان المتأنس كبهيمة الأنعام وغيرها إذا توحش ولم يقدر عليه لم تنتقل ذكاته ولا يستباح إلا بالذبح أو النحر، خلافاً لأبي
стр. 797
حنيفة والشافعي؛ لقوله ﷺ : «إنّما الذكاة في الحلق واللّبة"، فأشار إلى جملة الذكاة، ولأن توحشه لما لم ينقله عن أحكام المتأنس من سقوط الجزاء عن المحرم بقتله وجوازه في الضحايا والهدايا والعقيقة، وكذلك الذكاة.
* * *
стр. 798
كتاب الصيد
[١٨٣١] مسألة: يجوز الاصطياد بكل جارح معلّم، خلافاً لمن منع صيد الأسود والبهيم من الكلاب، ولمن منع سائر الجوارح سوى الكلب؛ لقوله تعالى:"وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله"، فعم، وقوله ﷺ : "ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل"، واعتبارًا بالكلب الأبيض لعلّة أنه جارح يفقه التعليم.
[١٨٣٢] مسألة: ليس من شرط التعليم أن يمنع من الأكل، ولا يمنع أكل الكلب من الصيد كله، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي، ومن أصحاب الشافعي من يركب ذلك في البزاة وسائر الجوارح، وهذا ركوب؛ ودليلنا قوله تعالى: "فكلوا مما أمسكن عليكم"، ولم يفرق بين أن يأكل منه أو لم يأكل، وفي حديث أبي ثعلبة: "وان أكل فكل"، ولأنّه قتل إذا لم
стр. 799
يتعقبه أكل كان ذكاة، فوجب أن يكون ذكاة وإن تعقبه الأكل كالذبح، ولأنه جارح أبيح صيده فلم يمنع أكله من الصيد من أكلة البازي، ولأنه يأتمر إذا أمر وينزجر إذا زجر، فإذا صاد بعد الإرسال جاز أكله، أصله إذا أمسك عن أكله، ولأنّ أكل الجارح بعد تلف المصيد لا يمنع أكله، أصله إذا كان بعد مهلة، ولأن ترك الأكل لو كان من شرط التعليم لم يجز البدار بأخذ الصيد من فم الكلب حين عقره ووجب التوقف عليه لينظر هل أكل منه أو لا، وذلك باطل، ولأن عقره له قبل الأكل لا يخلو أن يكون ذكاة أو غير ذكاة، فإن لم يكن ذكاة فلم يجز أكله وإن أمسك عنه وذلك باطل، وإن كان ذكاة لم يضر ما طرأ عليه من بعد كما لو أكل منه غيره، فإن كان نزاعاً وجب التوقف عنه على ما ذكرناه.
[١٨٣٣] مسألة: إذا عقر الكلب الصيد فأخذه الصائد فتلف في الفور قبل إمكان ذبحه جاز أكله، وقال أبو حنيفة: لا يجوز؛ فدليلنا قوله تعالى: "فكلوا مما أمسكن عليكم"، ولأنه تلف بالعقر قبل إمكان تذكيته كما لو أدركه وقد مات.
[١٨٣٤] مسألة: ليس من شرط تذكية الصيد أن يعقره الجارح أو السهم بحيث يشاهده، بل يؤكل وإن قتله غائباً عنه، ما لم يكن منه تفريط في طلبه إذا رأى فيه أثر كلبه أو سهمه ولم يبت، وسواء توارى عنه بعد أن رأى الجارح علق به أو قبل ذلك، خلافاً للشافعي في أحد قوليه: إنّه إذا قتله غائباً عنه بعد أن رآه علق به لم يؤكل، وفي قوله: إنه إذا كان قبل مشاهدته متشبثاً به فلا يؤكل؛ لقوله ﷺ : «إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم الله فكل» فعم، ولأن في اعتبار مشاهدة عقره تكليف مشاهدة تؤدي إلى سد
стр. 800
باب جواز أكل صيد صاده جارح، لأن الغزال والطائر لا يملك عقره لسرعة طيرانه واختبائه في المكامن والغياض والكهوف والمواضع التي لا يصل إليها إلا الجارح يحيلوا له الحوائل دونه، ولأنه إذا رآه وفيه سهمه أو بالقرب منه جارحه فالظاهر أنه ليس به إلا عقره، فجاز أكله، ويفارق المبيت لأن الهوام تنتشر بالليل فلا يؤمن مشاركتها فيه.
[١٨٣٥] مسألة: إذا بات عنه الجارح بالصيد ثم وجده من الغد قد قتله لم يأكله، واختلف في السهم، وقال الشافعي في أحد قوليه: يؤكل؛ ودليلنا ما روي أن رجلاً أهدى إلى رسول الله ﷺ ظبياً، فقال: إني رميته يا رسول الله، ثم اتبعته من الغد فوجدت سهمي فيه أعرفه، فقال ﷺ : «لا آكله، لا أدري لعل هوام الأرض قتلته» وهذا يعم بتعليله الجوارح والسهم.
[١٨٣٦] مسألة: إذا أرسل كلبه أو رمى بسهمه على صيد بعينه فعقر غيره لم يجز أكله، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لأن الذكاة تحتاج إلى نية لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات»، ولأنه عقر صيداً لم يرسل عليه كما لو استرسل بنفسه.
[١٨٣٧] مسألة: إذا استرسل بنفسه ابتداء ثم أغراه صاحبه فقوي في سيره لم يؤكل ما صاده، وقال أبو حنيفة: يؤكل؛ ودليلنا أن إرسال صاحبه حصل [بعد] استرسال يمنع الأكل لو انفرد به، فلم يكن بإغراء صاحبه اعتباراً، كما لو أرسله مجوسي، ولأنه اجتمع في هذا حظر وإباحة، فكان الحكم للحظر كما لو ذبحه مسلم ومجوسي.
стр. 801
[١٨٣٨] مسألة: إذا رمى الصيد فأبان يده أو رجله أو عضوًا منه أكل الصيد ولم يأكل ذلك العضو، وقال الشافعي: يؤكل الجميع؛ فدليلنا قوله ﷺ : «ما قطع من حي فهو ميتة».
[١٨٣٩] مسألة: إذا أرسل المسلم كلبه على الصيد فشاركه كلب المجوسي فقتلاه جميعاً لم يجز أكله، خلافاً للشافعي؛ لقوله ﷺ في حديث عدي: «وإن شاركه كلب آخر فلا تأكله»، ولأنه نوع من التذكية فإذا اشترك فيه المسلم والمجوسي لم تقع الإباحة أصله الذبح.
[١٨٤٠] مسألة: يجوز الصيد بكلب المجوسي، خلافاً لمن منعه؛ لأنه آلة للذكاة كالذبح بالسكينة، ولأن الاعتبار بالمرسل دون الجارح بدليل أن المجوسي لو صاد بكلب المسلم لم يجز أكله.
[١٨٤١] مسألة: إذا صاد صيدًا ثم أفلت منه ولحق بالوحش وطال أمده ثم صاده غيره فهو لمن صاده ثانياً، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إن ملك الأول باق عليه؛ لأنه صار ممتنعاً مختلطاً بالوحش على صفة ما هي عليه من الإباحة، فكان له، أصله الأول، ولأن ما أصله الإباحة إذا ملك ثم عاد إلى ما كان عليه كان للذي ملكه ثانياً، أصله الماء في نهر إذا أخذ منه إنسان ثم انصب من يده إلى النهر.
стр. 802
كتاب الأطعمة
[١٨٤٢] مسألة: صيد البحر كلّه جائز أكله، كلبه، وخنزيره، ما له شبه في البر وما لا شبه له، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: "أحل لكم صيد البحر"، فعم، وقوله ﷺ : «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، ولأنه من صيد البحر كالسمك.
[١٨٤٣] مسألة: يجوز أكله وإن مات حتف أنفه، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: لا بد من سبب يموت به؛ للظاهر والخبر، واعتباراً بموته بسبب بعلّة أنّه من صيد البحر.
[١٨٤٤] مسألة: يؤكل الطير كلها ما له مخلب وما لا مخلب له، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لقوله تعالى: «قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه" الآية، وقوله: "وإذا حللتم فاصطادوا"، ولأنه نوع من الطير فأشبه سائرها.
[١٨٤٥] مسألة: يكره أكل سباع الوحش من غير تحريم، خلافاً لأبي حنيفة في تحريمها جميعاً، وللشافعي في تحريمه ما عدا الضبع والثعلب؛ لعموم الظواهر، ولأن كل حيوان يطهر جلده بذبحه فلا يحرم أكله، أصله
стр. 803
مع أبي حنيفة سائر الصيد، ومع الشافعي نقول: لأنّه نوع من السباع لا يكفر مستحلّه كالضبع والثعلب.
[١٨٤٦] مسألة: أكل الحمر الأهلية مغلَّظ عند مالك في الكراهية وليس كالخنزير، ومن أصحابنا من يقول هو محرَّم، وكذلك البغال؛ فدليلنا الظاهر، ولأنّه حيوان للركوب كالخيل.
[١٨٤٧] مسألة: يكره أكل الخيل، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إنّه مباح؛ لقول الله تعالى: "لتركبوها وزينة"، ففرق بينها وبين الأنعام، وأخبر عن المقصود منها وهو الركوب والتجمّل، بخلاف المقصود من الأنعام، ولأنه ذو حافر فجاز أن يتعلق المنع بأكله كالحمير والبغال، ولأنّ الخيل يحتاج إليها للجهاد عليها، وفي إباحة كلها تطرق إلى انقطاع نسلها.
[١٨٤٨] مسألة: الجراد لا يؤكل إلا أن يموت بسبب، وقال أبو حنيفة والشافعي: يؤكل ابتداء، وهو قول محمد بن عبد الحكم؛ فدليلنا أنه من حيوان البر فاحتاج إلى ذكاة كسائر الحيوان.
[١٨٤٩] مسألة: أكل الأرنب جائز غير مكروه، خلافاً لما يحكى عن ابن أبي ليلى من منعه أو كراهته؛ لما روي عن أنس أنه صاد أرنباً فبعث منه إلى النبي ﷺ فأكل منه.
[١٨٥٠] مسألة: الضب مباح، وقال أبو حنيفة: يكره؛ فدليلنا قوله ﷺ لمّا قدم إليه: «كلوا»، ولو كان مكروهاً لم يُبحهم أكله.
стр. 804
[١٨٥١] مسألة: حشرات الأرض مكروهة، وقال أبو حنيفة والشافعي: محرَّمة؛ فدليلنا الظاهر، ولأنه ممّا لا يكفر مستحلّه كالضبع والثعلب.
[١٨٥٢] مسألة: شحوم اليهود المحرَّمة عليهم مكروهة عند مالك، وفي رواية أخرى: أنّها محرمة، وقال أبو حنيفة والشافعي: مباحة غير مكروهة.
فوجه المنع أنها ذكاة قصد مُذكيها إلى محلّل ومحرم في اعتقاده، فوجب أن تبيح ما يعتقد تحليله دون ما يعتقد تحريمه، أصله المسلم إذا ذبح الشاة فإن التذكية تنصرف إلى اللّحم دون الدّم.
ووجه الإباحة أن اليهود تعتقد استباحة الشاة، وإنما تعتقد تحريم بعض منها، واعتقاد ذلك باطل عندنا، فكان كالمسلم يعتقد بالذبح إباحة اللحم دون الشحم، وذلك غير مؤثر.
[١٨٥٣] مسألة: المضطر إلى أكل الميتة يأكل ما يمسك رمقه، وفي رواية أخرى: أنه يأكل قدر الشبع.
فوجه الأول الإباحة بحفظ النفس وذلك يوجد فيما دون الشبع، ولأن خوف التلف قد زال فأشبه أن يشبع، ووجه الإباحة قوله تعالى: "فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه"، فعم، ولأن الضرورة باقية وإن أمسك الرَّمَق، ولأن كل من حل له من غير قدر ما يمسك الرمق حل له قدر الشبع كسائر الأطعمة.
[١٨٥٤] مسألة: كسب الحجَّام جائز للحر والعبد، وقال بعض أصحاب الحديث: إنّه محرَّم على الحر مباح للعبد، وحكي عن أحمد بن حنبل؛ فدليلنا حديث ابن عباس، قال: احتجم رسول الله ﷺ وأعطى الحجَّام أجرته، ولو كان حراماً لم يعطه، ولأنه كسب حلّل للعبد
стр. 805
فحلل للحرِّ أصله سائر الاكتساب.
[١٨٥٥] مسألة: إذا اضطر إلى طعام الغير ولا عوض معه في الحال أخذه بعوض في ذمته، خلافاً لمن قال: يأخذه بغير عوض؛ لأن ذمة الإنسان تجري مجرى عينِ ماله فلما ثبت أنه لو كان واجداً للمال لم يجز أن يأكله إلا بعوض يبذله، كذلك إذا كانت له ذمة.
[١٨٥٦] مسألة: إذا مرَّ بحائط فيه ثمر لم يجز أن يأكل منه شيئاً إلا أن يكون مضطرًا، وقال بعض أصحاب الحديث: ينادي ثلاثة أصوات فإن أجيب وإلا أكل ما شاء ولا يحمل معه؛ فدليلنا قوله ﷺ : «لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفسه منه»، ولأنه مال فلم يجز تناوله من غير ضرورة إلا بإذن صاحبه كسائر الأموال.
[١٨٥٧] مسألة: لا يجوز شرب الخمر عند العطش ولا التداوي من مرض، خلافاً لأبي حنيفة والثوري؛ أما العطش فإنه يزيد فيه [على] ما يقوله من يخبر أمرها، فإن صحّ أنها تروي عنه جاز، وأما التداوي فلقوله ﷺ : «ما جعل شفاء أمتي فيما حُرِّمَ عليها».
[١٨٥٨] مسألة: أكل الشاة الجلَّالةِ مكروه غير محرَّم، وقال الثوري وأحمد بن حنبل: محرم؛ ودليلنا قوله تعالى: "أحلت لكم بهيمة الأنعام"، واعتبارًا بغير الجلَّالة.
[١٨٥٩] مسألة: ولا يجوز للمضطر أكل لحم ابن آدم وإن خاف الموت، لأن حرمته باقية، خلافاً للشافعي؛ بدليل قوله ﷺ : «كسر عظمه
стр. 806
ميتاً ككسره حياً»، ولأن كل حيٍّ لا يجوز إتلافه لحفظ نفسه بأكله لم يجز له أكله بعد موته، أصله من العكس سائر البهائم ومن الطير اعتباره بحال الحياة، ولأن ذلك يؤدي إلى أكل لحوم الأنبياء وهتك حرمتهم.
* * *
стр. 807
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الأشربة
[١٨٦٠] مسألة: كل شراب مسكر فإنه حرام، قليله وكثيره، جُمْلَةً بغير تفصيل، وقال أبو حنيفة في النبيذ التمري المطبوخ والزبيب المشتدّ المطرب: إن قدر ما لا يسكر منه حلال؛ فدليلنا من طريقين؛ أحدهما: إثبات ذلك خمرًا، والآخر: الاستدلال على عين المسألة.
فأما إثباته خمرًا فله طريقان: الأخبار والقياس، والأخبار ما روى النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قال: «من العنب خمر، ومن الزبيب خمر، ومن التمر خمر، ومن العسل خمر، ومن الشعير خمر، أنهاكم عن كل مسكر»، وقوله ﷺ : «الخمر من هاتين الشجرتين النخل والعنب»،
стр. 808
وقوله: «كل مسكر حرام وكل مسكر خمر»، وفي حديث أنس: أن الخمر لما حرمت قال أبو طلحة: قم إلى هذه الجرار فكسرها، فكان فيها شراب من فضيخ وتمر. وأمَّا القياس فلما علمنا أن العرب إنّما سمّت الخمر بهذا الاسم، لوجود الإسكار والشدّة المطربة، ولم يوافقونا على قَصْرِ ذلك على جنس أو نوع ممّا يوجد فيه دون غيره، وجب إجراء العلّة حيث وُجدت، وعلمنا أنها علَّة بالطريق الذي به نعلم العِلَلْ وهو وجود الحكم بوجودها وارتفاعه بارتفاعها، لأن العصير ما لم يشتدّ لا يسمّى خمرًا، فإذا اشتدّ سمِّي بذلك، فإذا زالت الشدة زال الاسم، فثبت ما قلناه.
ودليلنا على عين المسألة النقل المستفيض، وروت عائشة ﵂ أنّه ﷺ سئل عن البتع؟ فقال: «كل شراب أسكر فهو حرام»، وقال الراوي: والبتع نبيذ العسل، وروى ابن عمر وأبو موسى الأشعري قالا: قال رسول الله ﷺ : «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، وروت عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما أسكر الفرق منه
стр. 809
فملء الكف منه حرام»، ولأنّه إجماع الصحابة، لأنّ عمر حدّ في شراب سأل عنه، فقيل له: إنه يسكر، ولم ينكر عليه أحد، واعتبارًا بالسكر، ولأنه شراب يسكر كثيره فوجب أن يحرم قليله كالخمر.
[١٨٦١] مسألة: الخمر محرَّمة لعلّة، وقال أصحاب أبي حنيفة لعنبها؛ فدليلنا قوله تعالى: "إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر"، وذكر الصفة عقيب الحكم تفيد التعليل، لأن علامات العِلل موجودة في الإسكار فوجب أن تكون علّتها.
[حدّ الخمر]:
[١٨٦٢] مسألة: الحد للخمر ثمانون، خلافاً للشافعي في قوله: إنّها أربعون؛ لإجماع الصحابة عليه وسؤال عمر عنه وتعليل علي بأنه: إذا شرب مسكرًا، فإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فيحدّ حد المفتري، ولم ينكر ذلك عليه أحد، وروي عن عمر، ...........................
стр. 810
وعثمان، وعلي، وعبدالرحمن، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي موسى، ولأنّه ليس في الأصول حد يقصر عن ثمانين.
[التعزير]:
[١٨٦٣] مسألة: التعزير غير مؤقت، وهو موكول إلى اجتهاد الإمام فيما يراه كافياً في ردع المعزَّر، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: لا يزاد على الأربعين وهي أدنى الحدود؛ لأنّ ما قلناه إجماع الصحابة، وروى أن معز بن زياد عمل خاتماً على نقش خاتم بيت المال ثم جاء به إلى
следующие страницы →