← Фикх малики

Фикх малики · id 14245

الإشراف على نكت مسائل الخلاف

القاضي عبد الوهاب

Полный текст (912 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ميتاً ككسره حياً»، ولأن كل حيٍّ لا يجوز إتلافه لحفظ نفسه بأكله لم يجز له أكله بعد موته، أصله من العكس سائر البهائم ومن الطير اعتباره بحال الحياة، ولأن ذلك يؤدي إلى أكل لحوم الأنبياء وهتك حرمتهم. * * *

стр. 807

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الأشربة [١٨٦٠] مسألة: كل شراب مسكر فإنه حرام، قليله وكثيره، جُمْلَةً بغير تفصيل، وقال أبو حنيفة في النبيذ التمري المطبوخ والزبيب المشتدّ المطرب: إن قدر ما لا يسكر منه حلال؛ فدليلنا من طريقين؛ أحدهما: إثبات ذلك خمرًا، والآخر: الاستدلال على عين المسألة. فأما إثباته خمرًا فله طريقان: الأخبار والقياس، والأخبار ما روى النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قال: «من العنب خمر، ومن الزبيب خمر، ومن التمر خمر، ومن العسل خمر، ومن الشعير خمر، أنهاكم عن كل مسكر»، وقوله ﷺ : «الخمر من هاتين الشجرتين النخل والعنب»،

стр. 808

وقوله: «كل مسكر حرام وكل مسكر خمر»، وفي حديث أنس: أن الخمر لما حرمت قال أبو طلحة: قم إلى هذه الجرار فكسرها، فكان فيها شراب من فضيخ وتمر. وأمَّا القياس فلما علمنا أن العرب إنّما سمّت الخمر بهذا الاسم، لوجود الإسكار والشدّة المطربة، ولم يوافقونا على قَصْرِ ذلك على جنس أو نوع ممّا يوجد فيه دون غيره، وجب إجراء العلّة حيث وُجدت، وعلمنا أنها علَّة بالطريق الذي به نعلم العِلَلْ وهو وجود الحكم بوجودها وارتفاعه بارتفاعها، لأن العصير ما لم يشتدّ لا يسمّى خمرًا، فإذا اشتدّ سمِّي بذلك، فإذا زالت الشدة زال الاسم، فثبت ما قلناه. ودليلنا على عين المسألة النقل المستفيض، وروت عائشة ﵂ أنّه ﷺ سئل عن البتع؟ فقال: «كل شراب أسكر فهو حرام»، وقال الراوي: والبتع نبيذ العسل، وروى ابن عمر وأبو موسى الأشعري قالا: قال رسول الله ﷺ : «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، وروت عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما أسكر الفرق منه

стр. 809

فملء الكف منه حرام»، ولأنّه إجماع الصحابة، لأنّ عمر حدّ في شراب سأل عنه، فقيل له: إنه يسكر، ولم ينكر عليه أحد، واعتبارًا بالسكر، ولأنه شراب يسكر كثيره فوجب أن يحرم قليله كالخمر. [١٨٦١] مسألة: الخمر محرَّمة لعلّة، وقال أصحاب أبي حنيفة لعنبها؛ فدليلنا قوله تعالى: "إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر"، وذكر الصفة عقيب الحكم تفيد التعليل، لأن علامات العِلل موجودة في الإسكار فوجب أن تكون علّتها. [حدّ الخمر]: [١٨٦٢] مسألة: الحد للخمر ثمانون، خلافاً للشافعي في قوله: إنّها أربعون؛ لإجماع الصحابة عليه وسؤال عمر عنه وتعليل علي بأنه: إذا شرب مسكرًا، فإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فيحدّ حد المفتري، ولم ينكر ذلك عليه أحد، وروي عن عمر، ...........................

стр. 810

وعثمان، وعلي، وعبدالرحمن، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي موسى، ولأنّه ليس في الأصول حد يقصر عن ثمانين. [التعزير]: [١٨٦٣] مسألة: التعزير غير مؤقت، وهو موكول إلى اجتهاد الإمام فيما يراه كافياً في ردع المعزَّر، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: لا يزاد على الأربعين وهي أدنى الحدود؛ لأنّ ما قلناه إجماع الصحابة، وروى أن معز بن زياد عمل خاتماً على نقش خاتم بيت المال ثم جاء به إلى

стр. 811

صاحب المال فأخذ منه مالاً، فبلغ عمر ذلك، فضربه مائة، فكلم فيه من بعد فضربه مائة أخرى ونفاه، وروي أنّه ضرب جارية حاطب لما حملت وذكرت أنها لم تعلم بالتحريم، مائة، وعن علي: أنه ضرب في التعزير خمسة وسبعين سوطاً، ولم يذكر ممن خالف عن أحد منهم، ولأن الغرض بالحدّ لمّا كان للردع والزجر، وكانت أحوال الناس مختلفة بحسب اختلافهم في العتوِّ والعرامة والإقدام على الأمور المنكرة، وجب أن ينتهي التعزير حتى يعلم منه حصول الردع ليقع الغرض به، ولأنه ضرب محتاج إليه في التعزير فأشبه ما دون الحد. [١٨٦٤] مسألة: إذا عزر الإمام إنساناً تعزير مثله فمات لم يضمنه، وقال الشافعي: يضمن؛ فدليلنا أن إليه أمره من طريق الولاية، فإذا تلف به لم يضمنه كما لو أقام حدًّا على إنسان فمات، فلا يدخل عليه الزوج والمعلّم لأنه ليس ذلك إليه من طريق الولاية. ***

стр. 812

كتاب العقيقة [الختان]: [١٨٦٥] مسألة: الختان سنة مؤكدة في الذكور والإناث، وليس بواجب وجوب فرض، خلافاً للشافعي؛ لأنه قطع شيء من البدن ابتداء كقطع البشرة، ولأنه قطع مقصود به النظافة كقصِّ الظفر. [العقيقة]: [١٨٦٦] مسألة: العقيقة مستحبة، خلافاً لقول أبي حنيفة: إنّها بدعة!؛ لقوله ﷺ : «مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دمًا»، وقوله: «كل غلام مرتهن بعقيقته يعق عنه يوم سابعه ويسمى»، ولأنه ﷺ عقَّ عن الحسن والحسين ﵄ كبشاً كبشاً.

стр. 813

[١٨٦٧] مسألة: وليست بواجب، خلافاً لقوم؛ لقوله: وسئل عن العقيقة: «لا أحب العقوق، ومن ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فليفعل»، فعلّقه بمحبة فاعله، ولأنه طعام يفعل عند الولادة كالوليمة. [١٨٦٨] مسألة: يعق بشاة شاة عن الذكر والأنثى، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إنه يعق عن الغلام بشاتين وعن الأنثى بشاة؛ لأنه ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشًا، ولأنه ذبح متقرب به، فلم يتفاضل فيه الذكر والأنثى كالأضحية. [١٨٦٩] مسأله: لا يمس الصبي بشيء من دمه، خلافاً لمن استحبَّ أن يلطخ رأسه؛ لأنه ذبحٌ مقصود به القربة، فوجب أن لا يستحبَّ إمساس المذبوح عنه بالدم، كالأضحية والهدي. ***

стр. 814

كتاب الجهاد [١٨٧٠] مسألة: للإمام أن يمن على الأسارى وأن يفادي بهم، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الأمران؛ فدليلنا على جواز المن قوله تعالى: "فإما منًا بعد وإما فداء"، وهذا نص، وما روي أنه ﷺ أراد قتل أبا عزة الشاعر لما أسر ببدر، فقال له: أطلقني فإني ذو عيلة، فأطلقه على أن لا يرجع إلى القتال، فمضى إلى المشركين وقال: سخرت من محمّد، ثم عاد فقاتل، وأخذ، فسأل أن يطلق فقال ﷺ : «لا يلدغ المؤمن من الجحر مزتين» وقتله ببدر، وسئل في ثمامة بن أثال فمنَّ عليه، وقال: «لو كان مطعم

стр. 815

حياً فسألني في هؤلاء لأطلقتهم له». [١٨٧١] فصل: ودليلنا على جواز الفداء، الظاهر، وما فعله النبي ﷺ بأسارى بدر من إطلاقه إياهم على مال، ولأنه ﷺ أطلق أسيرًا من [بني] عقيل وفادى به رجلين من أصحابه كانا أسيرين في ثقيف. [١٨٧٢] مسألة: من قتل أسيرًا قبل إعطائه الأمان فلا ضمان عليه، وحكي عن الأوزاعي: أنّه يضمن نفسه للغانمين؛ فدليلنا أنه لم يصر رقيقاً بنفس الأسر، فلو ألزمناه ضمانه لكان ذلك لحق الكافر ولا حق له، لأنه كافر لا أمن له كالمرتد. [١٨٧٣] مسألة: لا يقتل الشيوخ ولا أهل الصوامع الذين ليس فيهم فضل القتال ولا تدبير، خلافاً للشافعي؛ لقوله ﷺ : «لا تقتلوا شيخاً فانياً»، وقوله: «لا تقتلوا أهل الصوامع»، ولأنه قول أبي بكر الصدّيق

стр. 816

رضي الله عنه، ولا مخالف له، ولأنه لا فضل فيهم للقتال ولا ضرر في تبقيتهم على المسلمين كالنساء والصبيان. [١٨٧٤] مسألة: إذا زنى المسلم في دار الحرب أقيم عليه الحد، وكذلك إن قتل عمدًا أقيد منه، وكذلك سائر الحدود إذا فعل أسبابها في دار الحرب، وقال أبو حنيفة: إن كان هناك الإمام وجبت الحدود وإن لم يكن إمام لم تجب، وعنه: لا يجب القود هناك بقتل العمد ولا حدّ قذف؛ فدليلنا قوله تعالى: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما"، وقوله: "والسارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما" ولم يفرق، ولأنه وجد منه الزنا الذي يجب به الحدّ في ذلك الموضع من الأماكن، فوجب أن يجب به الحدّ في ذلك الموضع اعتبارًا بسائر بقاع الإسلام، ولأنّ كل دار وجب الحد فيها إذا كان هناك إمام، وجب وإن لم يكن إمام كدار الإسلام، ولأن القود حق يجب بالقتل في دار الإسلام فوجب أن يجب به في دار الحرب كالدية والكفارة، واعتبارًا بالردة في دار الحرب. [١٨٧٥] مسألة: ما حازه أهل الحرب من أموال المسلمين على وجه الإغارة، فإذا أسلم من هو في يده كأن ملكاً له، ولم يكن لمالكه الأول من المسلمين اعتراض عليه فيه، وقال الشافعي: هو باق على ملك المسلم وله أخذه منه بغير عوض؛ فدليلنا قوله ﵇: «الإسلام يجب ما قبله»، ولأن للكفار شبهة ملك على ما حازوه من أموال المسلمين، يدل عليه قوله تعالى: "للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم"، فسمّاهم فقراء بعد هجرتهم وتركهم ديارهم وأموالهم، ولأنه لا خلاف أنّهم لو استهلكوه

стр. 817

ثم أسلموا لم يضمنوه، ولو أتلفه مسلم على صاحبه للزمه غرمه، فدل ذلك على ثبوت شبهة الملك المشترك. [١٨٧٦] مسألة: إذا عاد ما حازه أهل الحرب بالغنيمة إلى المسلمين فإن وجده مالكه قبل القسم كان له بغير عوض، وإن وجده وقد قسم لم يكن أولى به إلا بالثمن، وحكي عن عمرو بن دينار: أنه ملك لمن غنمه دون مالكه، وقال الشافعي: هو له بغير ثمن قبل القسم وبعده؛ فدليلنا على أنه قبل القسم لمالكه بغير عوض حديث ابن عباس: أن رجلاً من المسلمين وجد بعيرًا له في المغنم قد كان أصابه المشركون فقال له النبي ﷺ : «إن وجدته في المغنم فخذه وإن وجدته قد قسم فأنت أحق به بالثمن»، وحديث ابن عمر: أن فرساً له ذهب فأخذه العدو، فظهر عليهم المسلمون، فرد عليه في زمن النبي ﷺ ، ولأنه على أصل ملكه لم يزل عنه بقسم ولا باستهلاك ولا باستلام ممّن هو في يده، وقد زالت شبهة الملك عن من كان في يده بعوده إلى المغانم فكان صاحبه أحق به. [١٨٧٧] فصل: ودليلنا على أنه لا يكون له بعد القسم إلا بالثمن خلافاً للشافعي للحديث الذي رويناه وفيه: «وإن وجدته قد قسم فأنت أحق به بالثمن»، وهذا نص، ولأنه لما جاز أن يملك المسلم على الكافر بالقهر والغلبة جاز أن يملكه الكافر بمثل ذلك بعلة أنه بدل حقه من الغنيمة، لأن الإمام لا يغرمه له ولا يقدر أن يرجع، فلو قلنا إنّه يؤخذ بغير بدل لأدى ذلك إلى استهلاكه ثم لم يسلم لم يكن عليه غرمه، ولأن قسم الإمام قد قطع حق صاحبها عنها مع تقدّم شبهة الكافر عليها، ولأن من حصل في

стр. 818

يده بالقسم أخذه بحق سهمه بحكم الإمام، فلو قلنا إنه يؤخذ بغير بدل لأدى ذلك إلى ترك حقه من الغنيمة، لأن الإمام لا يغرمه له ولا يقدر أن يرجع على الغانمين به. [١٨٧٨] مسألة: إذا أسلم الحربي في دار الحرب فالإسلام حقن دمه، واختلف في ماله الذي في دار الحرب وولده الصغار، فقال مالك: يكونون فيئاً إن غنموا، وقيل: يكونون تبعاً له ولا يدخلون في الغنائم، وهو قول الشافعي وهذا مبني على أن الحربي يملك ملكاً صحيحاً، بدليل قوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، ولأنه مال مسلم فلم يجز أن يغنم، أصله ما في يده، ولأن كل من لم يجز أن يغنم ما في يده لم يجز أن يغنم ماله الذي في يده كالمسلم. [١٨٧٩] مسألة: من وطىء من الغانمين أمة من المغنم قبل القسم فذلك زنا يحد به، وقال عبد الملك: لا حدَّ عليه، وهو قول الشافعي، وكذلك لو سرق منه لقطع، وقال عبد الملك: لا يقطع. [١٨٨٠] مسألة: في هدم النكاح بالسبي اختلاف كثير وتخليط في النقل الذي عليه أصحابنا أن السبي يهدم النكاح، سبيا معًا أو مفترقين، وقال أبو حنيفة: إذا سبيا معاً لا ينفسخ وهو بعض أقاويلنا، وأصل الخلاف بيننا وبينه أن انفساخ النكاح يتعلق بحدوث الرق في أحد الوجهين، وعنده باختلاف الدار؛ فدليلنا قوله تعالى: "والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم"، فحرَّم وطء المملوكات إلا إذا ملكن، ولأنَّ كل ما زال ملك

стр. 819

المرء عنه بالاسترقاق إذا لم يكن معه، وجب أن يزول كان كان معه دليله المال، ولأنه حدوث رق على نكاح، فوجب أن يفسخه دليله إذا سبي أحدهما واسترق. [١٨٨١] مسألة: من غل شيئاً من الغنيمة عوقب ولم يحرم سهمه، خلافاً لمن قال: يحرم سهمه؛ لأنه قد استحق السهم بحصول سببه من القتال أو الحضور، وغلوله لا يخرجه عن ذلك فلم يجز أن يحرم، ولأنه ليس في الغلول أكثر من ركوب أمر محرَّم وذلك طارىء بعد استحقاق السهم ولا يؤثر فيه. [١٨٨٢] مسألة: السلب لجملة الغانمين، خلافاً للشافعي أنّه للقاتل؛ لقوله تعالى: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه"، فأضاف الغنيمة إلى جماعة الغانمين واستثنى منها الخمس، فدل أن ما عداه لهم، سلباً كان أو غيره، وقوله ﷺ : «أدوا الخيط والمخيط»، فعم السلب وغيره، وقال، وسئل عن الغنيمة: «لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش»، فقيل: هل أحد أحق بها من أحد؟ قال: «لا والسّهم يستخرجه من جنب أخيك المسلم»، ولأنه مال مغنوم عن المشركين في الحرب فلم يختص به بعض الجيش دون الباقين إلا بإذن الإمام، أصله ما عدا السلب واعتبارًا به إذا قتله مدبرًا. [١٨٨٣] مسألة: إذا جاؤوا بعد انقضاء الحرب لم يسهم لهم، وقال أبو حنيفة: إن كانت الغنيمة لم تحمل إلى دار الإسلام أسهم لهم، وإن

стр. 820

كانت قد حملت إلى دار الإسلام لم يسهم لهم؛ فدليلنا قوله تعالى: "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه"، فجعل الأربعة الأخماس للغانمين، وهؤلاء لم يغنموا شيئاً فلم يكن لهم قسط فيه، وروي: «الغنيمة لمن شهد الوقعة»، ولأنهم لم يحضروا الحرب كما لو جاؤوا بعد القسمة، ولأنه لم يحصل منهم قتال ولا معاونة عليه، كمن جاء بعد العود إلى دار الإسلام. [١٨٨٤] مسألة: لا سهم للأجراء والصناع المتشاغلين باكتسابهم، خلافاً لمن قال: يسهم لهم؛ لقوله تعالى: "وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله"، ففرق بين حكمهما، ولأنه لم يحصل منه المعنى الذي يستحق به السهم وهو القتال والتكثير والمعاونة، لأنه إما حضر لخدمة من استأجره أو لغرض غير القتال فلم يستحق السهم كالطبيب وغيره. [١٨٨٥] مسألة: إذا قاتل الأجير أو الصانع فله سهمه، خلافاً لمن قال: لا يسهم له على كل وجه، لأنه ممّن خوطب بالجهاد، فإذا قاتل أسهم له كغير الأجير، ولأنه ليس في كونه أجيرًا أكثر من أنه عاوض على منافعه وذلك لا يمنع السهم له إذا قاتل، كالذي يحج ومعه تجارة أو يؤاجر نفسه للخدمة في ذلك لا يمنعه صحه الحج. [١٨٨٦] مسألة: المراهق اذا أطاق القتال وقاتل أسهم له، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ لحديث سمرة بن جندب قال: كان رسول الله ﷺ يعرض عليه صبيان المدينة من الأنصار فيلحق من أدرك منهم، فعرضت عليه عاماً فألحق غلاماً وردني، فقلت: يا رسول الله، ألحقته ورددتني، ولو صارعني

стр. 821

لصرعته، قال: فصارعني فصرعته فألحقني، ولأنه قد يوجد فيه ما يوجد في البالغ من القتال والمكايدة للعدو، وهو من الجنس الذي يسهم له فكان كالبالغ. [١٨٨٧] مسألة: للفارس ثلاثة أسهم، سهمان لفرسه وسهم له، وقال أبو حنيفة: سهمان؛ فدليلنا ما روى ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يسهم للخيل للفرس سهمين وللفارس سهماً، ولأنّ الفارس إنّما زيد على الراجل لكثرة مؤنته فكانت مؤنة الفرس أكثر من مؤنة فارسه فوجب أن يزاد له أيضاً بمثل ما له زيد فارسه على الراجل. [١٨٨٨] مسألة: لا يسهم إلا لفرس واحد، وقال أبو يوسف: يسهم لفرسين ولا يزاد عليهما؛ فدليلنا أن النبي ﷺ لم يسهم إلا لواحد في حروبه كلها، وكذلك الأئمة بعده، ولأن العدو لا يمكن أن يقاتل إلا على فرس واحد، وما زاد على ذلك رفاهة وزيادة عدة، وذلك لا يؤثر في زيادة السهمين كزيادة السلاح قياساً على الثالث والرابع. [١٨٨٩] مسألة: ما جلا عنه أهله فأخذ بغير قتال فهو للإمام لا يخمس، وقال أبو حنيفة فيه: أنه يخمّس؛ ودليلنا قوله تعالى: "وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء"، فأخبر بأن استحقاقهم أنفسهم لا يكون بإيجافهم، وروي أنه ﷺ لمّا نزل على بني النضير فزعوا وجعلوا ينقبون الحصون ويهربون وحاز هو ﷺ الديار بما فيها فانتظر المسلمون أن يقسم بينهم

стр. 822

فنزلت هذه الآية. [١٨٩٠] مسألة: أمان العبد جائز في القتال، أذن له سيده أم لم يأذن، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن لم يأذن له لم يجز أمانه؛ لقوله ﷺ : «ويسعى بذمتهم أدناهم»، وروي: «يجير عليهم أدناهم»، ولأن صحة الأمان لا تتعلق بالإذن في القتال كالحر إذا لم يأذن له الإمام في القتال. [١٨٩١] مسألة: إذا ارتهن المسلمون من المشركين رهائن فأسلموا في أيدينا رددناهم ولم يجز لنا حبسهم، خلافاً لمن أبى ذلك؛ لأن في منع ردهم غدراً بهم، وذلك غير جائز، ولأنه ﷺ صالح المشركين يوم الحديبية على من أتاه منهم رده إليهم، ومن أتاهم منا لم يرده، ولأنا إذا لم نردهم لم نأمن غدرهم للمسلمين، لأنهم إنما يهيمون في الرهائن ما داموا على دينهم، ومراعاة العامة أولى من مراعاة الواحد والاثنين، ولأنه ﷺ رد أبا رافع وجاءه

стр. 823

رسولاً منهم فأسلم، وقال: «ارجع إليهم»، ورد أبا جندل وأبا بصير يمشيان في قيودهما مسلمين، وقال: «سيجعل الله لكما فرجاً ومخرجاً». [١٨٩٢] مسألة: الأرض لا تقسم وتترك وقفاً للمسلمين، وقال الشافعي: تقسم؛ فدليلنا أن النبي ﷺ لم يقسم إلا خيبر، فإنه قسم بعضها، ولقوله تعالى: "والذين جاءوا من بعدهم"، وبذلك احتجَّ

стр. 824

عمر لمّا طولب بقسمة الأرض وقال: أرى هذه الآية مستوعبة لجميع المسلمين حتى الراعي بعدن، ولم ينكر عليه أحد، وتلاه عثمان وعلي بمثل ذلك. ***

стр. 825

كتاب القطع [في السرقة] [١٨٩٣] مسألة: لا يجب القطع إلا في نصاب، خلافاً لمن قال: يقطع في سرقة القليل والكثير؛ لقوله ﷺ : «يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً»، وروي: «القطع في ربع دينار فصاعدًا»، وقالت عائشة ﵂: كان النبى ﷺ لا يقطع في التافه. [١٨٩٤] مسألت: والنصاب ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم من الورق، وقال أبو حنيفة: النصاب عشرة دراهم، وقال الشافعي: النصاب ربع دينار، ولا نصاب من الورق. فدليلنا على أبي حنيفة قوله تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" ولم يفرق، والأخبار التى رويناها، وهي نصوص، وروي أنه ﷺ قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم.

стр. 826

ودليلنا على الشافعي الظاهر، وهو عام، وما يروى أنه ﷺ قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم، وذلك يفيد الاعتبار بالدراهم إذا بلغت هذا القدر، ولأنه أصل مال يعتبر في الأثمان وقيمة المتلفات، فوجب أن تكون سرقته معتبرة بمقدار في نفسه لا يعتبر بغيره، أصله الذهب، ولأنه كل حكم تعلّق على الذهب والورق اعتبر فيه نصاب من الورق أصله الزكاة. [١٨٩٥] مسألة: قراضة الذهب إذا بلغ المسروق منها نصاباً قطع فيه وإن كانت قطعاً كثيرة، وحكى الإسفرائيني عن بعض أصحابهم: أنه لا يقطع فيه إلا أن يكون المسروق قطعة واحدة؛ ودليلنا قوله: «لا قطع إلا في ربع دينار»، ولأنه سارق للربع كالقطعة الواحدة، ولأنه لو سرق عروضاً قيمة الجميع ربع دينار أو ثلاثة دراهم لقطع وإن كان كل واحد بانفراده لا قطع فيه إذا كان تفرق أجزاء المسروق المقوم في نقصانه عن القدر المعتبر لا يؤثر في تفرق أجزاء الأصل الذي يعتبر لنفسه أولى أن لا يؤثر، مع أنّه خرق الإجماع. [١٨٩٦] مسألة: إذا سرق ربع دينار قطع، وحكى الإسفرائيني عن أصحابهم أنّه لا قطع فيه؛ فدليلنا الظاهر والأخبار، ولأنه سرق ذهباً يكون وزنه ربع دينار كالمسكوك. [١٨٩٧] مسألة: الاعتبار بقيمة السّرقة حال إخراجها من الحرز لا حال القطع؛ خلافاً لأبي حنيفة؛ للظاهر والأخبار، ولأن النقص الحادث بعد انفصال المسروق من الحرز لا يؤثر في سقوط القطع، أصله نقصان عين المسروق، ولأنه سارق لنصاب من حرز مثله لا شبهة له فيه، كما لو

стр. 827

اتصلت قيمته إلى وقت القطع، ولأن اعتبار الحدود بحال وجوبها دون حال استيفائها. [١٨٩٨] مسألة: إذا ملك السّارق السرقة لم يسقط القطع عنه بهبة أو شراء أو ميراث أو أي شيء كان قبل الترافع أو بعده، وقال أبو حنيفة: يسقط القطع متى وهبها المسروق منه من السارق، وفرق قوم بين قبل الترافع وبعده، فقالوا: يسقط القطع قبل الترافع ولا يسقط بعده، ودليلنا قوله تعالى: "والسارق والسارقة فأقطعوا أيديهما" ولم يفرق، وسائر الأخبار، وفي حديث صفوان ة لقأ جاء بسارق ردائه إلى النبي ﷺ فأمر بقطع يده، فقال صفوان: هو عليه صدقة، فقال: «هلا قبل أن تأتيني» فهذا صريح في أن الهبة لا تسقط القطع، ولأنه انتقال عن ملك المسروق منه بعد السرقة فلم يسقط معه القطع، أصله إذا وهبها لغير السّارق، ولأن الاعتبار في وجوب القطع وسقوطه بحال السرقة دون تنقل الملك بعدها، أصله لو سرق ملكاً له عند السارق ولا يعلمه له ثم ملكه، كذلك الإيسار بعد أن سرقه منه فإن انتقال الملك لا يغير القطع عما كان عليه من الانتقال، ولأنّه سارق لنصاب لا شبهة له فيه من حرز، فوجب أن يقطع، أصله إذا بقي على ملك المسروق منه. [١٨٩٩] مسألة: يقطع فى سرقة الثمار الرطبة وكل طعام رطب، خلافاً لأبي حنيفة؛ لعموم الظاهر والأخبار، وحديث عبد الله بن

стр. 828

عمرو أن رسول الله ﷺ سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: «من سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع»، لأنها إحدى حالتيه كحال الجفاف، ولأنه جنس يتمول في العادة فجاز أن يتعلّق القطع بسرقته كاللباس. [١٩٠٠] مسألة: الحرز معتبر في القطع، خلافاً لداود وغيره ممّن لم يعتبره؛ لقوله ﷺ : «لا قطع في تمر معلق ولا حريسة جبل إلا إذا آواه المراح والجرين، والقطع فيما بلغ ثمن المجن»، وقوله: «ليس على المنتهب قطع ولا على المختلس». [١٩٠١] مسألة: إذا سرق حرًا صغيرًا فعليه القطع، وقال عبد الملك: لا يقطع، وهو قول أبي حنيفة والشافعي؛ فدليلنا الظاهر، وروي أن رسول الله ﷺ ذكر له أن رجلاً يسرق الصبيان! بالمدينة، فأمر بقطعه، ولأنه سرق نفساً مضمونة، فجاز أن يقطع فيها اعتبارًا بالبهيمة، ولأنّه حيوان غير مميز سرق من حرز مثله يجب منه البدل عند الإتلاف كالبهيمة.

стр. 829

[١٩٠٢] مسألة: يقطع سارق المصحف، خلافاً لأبي حنيفة؛ للظاهر والخبر، ولأن كل ما جاز بيعه وأَخْذُ العوض عليه جاز أن يقطع في سرقته كسائر الأموال. [١٩٠٣] مسألة: يقطع في جميع المتمولات التي تتمول في العادة، ويجوز أخذ الأعواض عليها، كان أصلها مباحاً أو غير مباح، وقال أبو حنيفة: كل ما كان أصله مباحاً فلا يقطع فيه كالصيد والماء والحجارة وغيرها؛ فدليلنا الظاهر والخبر، لأنه جنس مال يتمول في العادة كالثياب وسائر العروض ولأن القطع أريد لحفظ الأموال وليس بعضها بأولى في ذلك من بعض. [١٩٠٤] مسألة: إذا اشترك جماعة في سرقة شيء قيمته ربع دينار قطعوا إذا كان مما يحتاج إلى التعاون عليه فإن كان مما يمكن الواحد الانفراد بحمله ففيه خلاف بين أصحابنا وقال أبو حنيفة والشافعي: لا قطع على واحد منهم؛ فدليلنا الظاهر والخبر ولأنهم اشتركوا فيما لو انفرد كل واحد منهم به لوجب الحد فكان اشتراكهم بمنزلة انفرادهم لو انفرد كل واحد منهم به أصله اشتراكهم في القتيل، ولأن الجنايات التي يستحق بها تناول الأعصاب يجب على الجماعة إذا اشتركوا فيها ما يجب على المنفرد من إتلاف الأعضاء، أصله الجماعة إذا قطعت يد رجل أو قطعوا منه غير اليد، ولأن اشتراكهم في إخراج السرقة من الحرز يقتضي قطع الجميع ولا يعتبر انفرادهم بالإخراج بدليل أنهم لو سرقوا متاعاً فحملوه على دابة إلى خارج الحرز فإن الكل يقطعون. [١٩٠٥] فصل: وإن انفرد كل واحد بشيء أخذه لم يقطع واحد منهم إلا أن يكون قيمة ما أخرجه نصاباً ولا يضم إلى ما أخرجه غيره، وقال أبو حنيفة: يضم ما أخرجوه بعضه إلى بعض ويقسط على جميعهم فإذا بلغ ما يخص كل واحد منهم نصاباً لزمهم القطع، وإن قصر عن ذلك لم يلزمه

стр. 830

القطع؛ فدليلنا الخبر، ولأن كل واحد منهم لم تبلغ سرقته نصاباً فلم يلزمه القطع كما لو انفرد. [١٩٠٦] مسألة: إذا اشترك جماعة في ثقب ودخلوا الحرز فأخرج واحد منهم المتاع ولم يخرج الباقون شيئاً ولم يكن له منهم معاونة في إخراجه قطع المخرج وحده، وقال أبو حنيفة القياس هذا، ولكن المتاع إن بلغ ما يقسط على كل واحد نصابًا قطعت يد كل واحد استحساناً؛ فدليلنا قوله تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما"، وهذا ليس بسارق، ولأن كل من لم يكن له تأثير في المسروق لم يلزمه القطع كما لو نقب ولم يدخل الحرز. [١٩٠٧] مسألة: إذا اشترك اثنان في ثقب فدخل أحدهما وأخذ المسروق من الحرز فرمى به إلى خارج، فأخذه الذي لم يدخل وبقي هو في الحرز، فعلى الرامي القطع وحده، وقال أبو حنيفة: لا قطع على واحد منهما؛ فدليلنا قوله تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" الآية، ولأنه مسروق لو لم يوجد من السارق بعد إخراجه من الحرز للزمه القطع، فإذا أخذ منه بعد إخراجه فيجب أن يلزمه القطع، أصله إذا خرج هو من الحرز ومعه المتاع فأخذ منه. [١٩٠٨] مسألة: إذا قرب الداخل المتاع إلى الثقب وتركه فأدخل الخارج يده فأخذه من الحرز فعلى الذي أخرجه من الحرز القطع، وقال ابن الجلاب: ويحتمل أن يقال في الداخل يقطع ويحتمل أن يقال لا يقطع، وقال أبو حنيفة: لا يقطع واحد منهما؛ فدليلنا أن القطع يجب بهتك حرمة الحرز وإخراج الشيء منه، وقد وجد ذلك من الثاني فيجب أن يلزمه القطع.

стр. 831

[١٩٠٩] مسألة: يقطع الآبق إذا سرق، خلافاً لقوم؛ للظاهر والخبر، ولأنّه مكلّف سرق نصاباً من حرز مثله لا شبهة له فيه كغير الآبق. [١٩١٠] مسألة: يقطع النباش، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنّه سارق بدليل أن السّرقة أخذ الشيء على طريق الاستخفاء، وهذا قد وجد، وقالت عائشة ﵂: سارق أمواتنا كسارق أحيائنا، وعن عمر بن عبد العزيز قال: كيف يقطع سارق أحيائنا ولا يقطع سارق أمواتنا، وإذا ثبت بما ذكرناه كونه سارقاً يتناوله عموم قوله تعالى: "والسارق والسارقة" والخبر، ولأن كل حكم تعلّق بسرقة مال الحي جاز أن يتعلّق بسرقة إخراج كفن الميت من القبر، أصله الضمان، ولأنه سارق لمال مقدّر من حرز مثله مع ارتفاع الشبهة عنه، فلزمه القطع إذا كان من أهله كسائر السراق، ويتبين أن القبر حرز للكفن أن حرز كل شيء على حسب العرف فيه، والحرز في إحراز الكفن أن يكون على الميت في القبر. [١٩١١] مسألة: إذا تكررت سرقة للمال الواحد قطع كل مرة، كان في ملك الأول أو ملك غيره، وقال أبو حنيفة: إن كان في ملك الأول لم يقطع فيه؛ ودليلنا قوله ﷺ في السارق: «إذا سرق فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله»، فعلّق استحقاق القطع بالعود، ولم يفرق بين أن يتكرر على مال واحد أو على أموال مختلفة، ولأن تكرر السرقة على المال الثاني الذي يستحق فيه القطع، لا يسقط القطع أصله إذا انتقل إلى ملك آخر، ولأنه مكلّف سرق نصاباً من حرز مع عدم الشبهة فاستحق بسرقته

стр. 832

القطع اعتبارًا بما لم يقطع فيه، ولأنها سرقة لهذا المال كالأول ولأنه حدّ لزم بارتكاب كبيرة في عين تجوز تكرر تلك الكبيرة فيها فوجب تكرر الحدّ بتكررها، أصله الزنا. [١٩١٢] مسألة: إذا سرق متاعاً فأحرزه فسرقه منه آخر فعلى الثاني القطع كما على الأول، وقال أصحاب الشافعي: ليس للأول مطالبة بقطع الثاني؛ فدليلنا الظاهر والخبر، ولأنه مكلف سرق نصاباً من حرز مع عدم الشبهة، كما لو سرقه من مالك. [١٩١٣] مسألة: إذا استعار من رجل بيتاً فأحرز فيه لنفسه متاعاً وأغلق بابه فنقب المالك وسرق المتاع فإنه يقطع، خلافاً لبعض الشافعية؛ للظاهر والخبر، ولأنه مال سرق نصاباً لا شبهة له فيه من حرز مثله فلزم القطع كالأجنبي، ولأن كون الحرز ملكاً له لا ينفي القطع كما لو أجر داراً ثم سرق من المستأجر شيئاً أحرزه فيها. [١٩١٤] مسألة: إذا ربط أحدهما المتاع بحبل في الحرز وجره الآخر حتى أخرجه فعليهما القطع، وقال الشافعي: القطع على المخرج وحده؛ فدليلنا أن الداخل سارق لأنه هتك الحرز وأخرج الشيء، فإذا ربطه ثم أخذه الآخر فهو كما لو تركه على ظهر دابة، فلا يخرج عن أن يكون هو سارقاً فيلزمه القطع. [١٩١٥] مسأله: يقطع الأقارب إذا سرق بعضهم من بعض سوى الآباء، وقال أبو حنيفة: إذا سرق من ذي رحم محرَّم لم يقطع كالأخ والعم؛ فدليلنا الظاهر والخبر، ولأنها قرابة لا تقتضي شبهة للسارق في مال المسروق فلم يمنع القطع اعتبارًا بقرابة بني العمومة. [١٩١٦] مسألة: يقطع الولد إذا سرق من مال أبويه، خلافاً للشافعي لما ذكرناه، ولأن الابن لا شبهة له في مال أبيه؛ بدليل أنّه لو زنى بأمته لحدّ، فكان كالأخ. [١٩١٧] مسألة: يقطع أحد الزوجين إذا سرق من مال الآخر، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ للظاهر والخبر، ولأنه مكلف سرق ما لا شبهة له فيه

стр. 833

من حرز مثله كالأجنبي، ولأن الزوجية لا تقتضي شركة في المال، ولا شبهة فيه، وإنّما هي عقد على منافع كالأجيرين. [١٩١٨] مسألة: يقطع المعاهد والمستأمن إذا سرقا، وللشافعي قولان؛ ودليلنا الظاهر والخبر، ولأن القطع في السرقة في معنى الحرابة والفساد في الأرض، فوجب أن يقام على المعاهد، ولأنه حق لله تعالى يتعلّق بحق الآدمي فوجب أن يقام على أهل الذمة والعهد كالقذف. [١٩١٩] مسألة: يقطع السّارق من المغنم وإن كان من أهله، وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه: لا يقطع؛ فدليلنا الظاهر والخبر، ولأنه سرق نصاباً من مال تقبل فيه شهادته فوجب قطعه إذا كان من أهل القطع، أصله إذا سرق من غير المغنم، ولأنه سرق مالاً من حرز لا شبهة له في عينه، فلزمه القطع اعتبارًا بما ذكرناه. [١٩٢٠] مسألة: القطع في السرقة لا يفتقر إلى مطالبة المسروق منه به، وقال أصحاب الشافعي: يحبس إلى أن يحضر؛ فدليلنا الظاهر والخبر، ولأنه قد ثبت كونه سارقاً بالإقرار والبينة، فوجب أن يقطع اعتبارًا به إذا حضر المسروق منه فصدق البينة وقال: لست أطالب بالقطع، ولأنه حدّ لله تعالى، فوجب أن يقام على من ثبت عليه من غير انتظار حضور من له الحق متعلق به، أصله حد الزنا فإنه يقام عليه وإن لم يحضر المزني بها. [١٩٢١] مسألة: إذا أتلف الشيء المسروق وهو موسر قطع واتبع بقيمته، وقال أبو حنيفة: لا يجتمع عليه الغرم والقطع، والمالك مخير إن شاء أغرمه ولم يقطعه وإن شاء قطعه ولم يغرمه؛ فدليلنا قوله تعالى: "فمن اعتدى عليكم"، وقوله ﷺ : «لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفسه منه» ولأن الغرم والقطع لا يتنافيان لاختلاف أسبابهما، لأن الموجب

стр. 834

للغرم إتلاف مال آدمي، والقطع حق لله تعالى في هتك حرمة الحرز، فإذا لم يتنافيا جاز أن يجتمعا كالصيد المملوك، كان فيه الجزاء والقيمة، ولأنها عين يتعلّق عليه من أجلها حق لله تعالى وغرم لآدمي فجاز أن يجتمعا كما لو غصب أمة فوطئها وتلفت، فإن الحد يلزمه والقيمة، ولأنّ الغرم استيفاء حق آدمي فلم يسقط حد الله، كالمهر في المغصوبة، لأن كل حق لزمه في العين المسروقة لآدمي فإنه لا يتنافى لزومه ولزوم القطع، أصله رد العين. [١٩٢٢ - مسألة]: وإن كان معسرًا قطع ولم يتبع بشيء، خلافاً للشافعي؛ لما روى عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ قال: «إذا أقمتم على السارق الحد فلا ضمان عليه»، ولأن إتلاف المال لا يجب به عقوبتان، والاتباع بالغرم عقوبة فلما عدمت بالقطع لم يجب عليه عقوبة أخرى. [١٩٢٣] مسألة: القطع من مفصل الكف، خلافاً لمن قال: يقطع الأصابع؛ لقوله تعالى: "فاقطعوا أيديهما"، وقطع الأصابع لا يقال فيه قطع يد، فأول ما يقال فيه ذلك الكوع، ولأن العمل بذلك جرى من النبي ﷺ والسلف. [١٩٢٤] مسألة: يقطع في الثانية رجله اليسرى، وفي الثالثة يده

стр. 835

اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى، وحكي عن عطاء: أنه لا يقطع في الثالثة، وقال أبو حنيفة: لا يقطع في الثالثة والرابعة؛ فدليلنا ما روى جابر أن النبي ﷺ أتي بسارق ثالثة فقطع يده اليسرى، ثم أتي به رابعة فقطع رجله اليمنى، وروي أنه ﷺ قال: «إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فأقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله»، ولأن كل عضو يؤخذ قصاصاً فلها مدخل في قطع السرقة كاليمنى، ولأنها سرقة حصلت مع وجود بعض أطرافه، فوجب القطع لها كالأولى والثانية. [١٩٢٥] مسألة: إذا سرق وقتل، قتل، إلا أن يعفو عنه الولي فيقطع، وقال الشافعي: يقطع ثم يقتل؛ فدليلنا أن الغرض الذي يطلب بالقطع داخل في القتل وهو إتلاف منفعة العضو، فوجب دخوله فيه، كما لو زنى وهو بكر، فلم يحدّ حتى أحصن وزنى فإنه يرجم ولا يجلد. [تداخل حد القدف وحد الشرب]: [١٩٢٦] مسألة: إذا وجب عليه حد القذف وحدّ الشرب تداخلا، وقال الشافعي: لا يتداخلان؛ ودليلنا أنهما حدّان موجبهما واحد، فإذا اجتمعا تداخلا كحد القذف إذا تكرر، وذلك أن الحد في الشرب لأنه يؤدي إلى القذف، وكذلك روي عن الصحابة.

стр. 836

[الغلط في قطع اليد]: [١٩٢٧] مسألة: إذا غلط القاطع فقطع اليد اليسرى أجزأ، ولا يعاد القطع، ولا دية على القاطع، ولأصحاب الشافعي في إعادة القطع وجهان وفي الدّية وجه واحد؛ فدليلنا على أن القطع لا يعاد، أن القطع بالسرقة الواحدة قطع واحد، فلو قلنا: إنّه يعاد لكان يوجد فيها قطعان وذلك غير جائز، ودليلنا أنّه لا دية، أنا إذا أنزلناه كان القطع وقع في محله امتنع لذلك أن يكون على القاطع دية، كما لو قطع اليمنى. [دعوى السارق أن المسروق له]: [١٩٢٨ مسألة]: إذا ادعى السارق أنّ المال المسروق له قطع، ولم تقبل دعواه، وقال أصحاب الشافعي: لا يقطع؛ ودليلنا الظاهر والخبر، ولأن القطع شرع لصيانة الأموال وحفظها، وفي قبول دعوى السارق ذريعة إلى إسقاط هذا المعنى، لأن كل سارق يمكن أن يدّعي المسروق لنفسه ليتخلّص من القطع. ***

стр. 837

كتاب الأقضية والشهادات [١٩٢٩] مسألة: لا يجوز أن يكون القاضي من غير أهل الاجتهاد، خلافاً لأبي حنيفة؛ لقوله تعالى: "لتحكم بين الناس بما أراك الله"، وذلك يتضمّن الاجتهاد، وقوله تعالى: "فاحكم بين الناس بالحق"، والمقلّد لا يعرف بتقليده الحق من الباطل، وقوله ﷺ لمعاذ: «بم تحكم؟» قال: بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد؟» قال: بسنة رسول الله ﷺ ، قال: «فإن لم تجد؟»، قال: أجتهد برأيي، فقال ﷺ : «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضاه رسول الله ﷺ »، وقوله: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران»، وكل هذا يقتضي أن يكون من صفات الحاكم أن يكون من أهل الاجتهاد، ولأن التقليد ليس بطريق إلى العلم، وإنما يجوز للعامي للضرورة، ولا ضرورة إلى تقليد الحاكم ليقلّد غيره لأن القضاء آكد وأقوى من الفتيا، لأن الحاكم

стр. 838

يلزم غيره بحكمه الحقوق، والمستفتي لا يلزمه المسير إلى فتيا المفتي، فإذا لم يجز للمفتي أن يكون مقلدًا فالقاضي أولى. [١٩٣٠] مسألة: السنة عندنا أن يقعد القاضي للحكم في المسجد، خلافاً للشافعي؛ لأن النبي ﷺ كان يحكم فيه، وكذلك الأئمة بعده، وليقرب الوصول إليه على كل من أراده. [١٩٣١] مسألة: لا يجوز أن تكون المرأة حاكمًا، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يجوز أن تكون قاضية فيما تقبل شهادتها فيه، ولبعض المتأخرين في قوله: يجوز أن تكون حاكماً في كل شيء؛ لقوله ﷺ : «أخِّروهن حيث أخرهن الله»، وقوله: «إنهن ناقصات عقل ودين»، وكل هذا تنبيه على نقص يمنع تقليدهن شيئاً من أمور الدين، وقوله: «لا يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة»، ولأنّها ولاية لفصل القضاء والخصومة، فوجب أن ينافيها الأنوثية، كالإمامة الكبرى، ولأن كل من لم يجز أن يكون حاكمًا [في الحدود فكذلك] في غير الحدود كالعبد. [١٩٣٢] مسألة: لا يكتفى في معرفة الشهود بظاهر الحال، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إنه يكتفى إلا أن تكون الشهادة في حد؛ فدليلنا قوله تعالى: "وأشهدوا ذوي عدل منكم"، يعني من المسلمين، وذلك يفيد مراعاة عدالة زائدة على الإسلام، وقوله تعالى: "ممن ترضون من الشهداء"، والرضا لا يكون إلا بعد البحث عن حاله، ولأن العدالة معنى مشروط في الشهادة يمكن اعتبار باطنه، فلم يجز أن يحكم بظاهره، أصله

стр. 839

الإسلام، لأنّ ظاهر الدّار الإسلام، ولأنها شهادة تتعلّق بحكم الحاكم فلا يكتفى بظاهر الإسلام، أصله إذا كانت في قتل أو حدّ. [١٩٣٣] مسألة: إذا تقدم إلى الحاكم خصمان لا يعرف لغتهما أو لغة أحدهما، واحتاج إلى من يترجم له عنهما، فإن كان ما تخاصما فيه يتضمّن إقرارًا بمال، أو ما يتعلّق بالمال قبل فيه رجل وامرأتان، وإن كان يتضمن إقرارًا يتعلّق بأحكام أبدان لم يقبل فيه إلا اثنان، هكذا حصلته عمّن درسنا من شيوخنا، وقال أبو حنيفة: يكفي فيه واحد، رجلا ًكان أو امرأة، وقال الشافعي: لا يكفي فيه بأقل من اثنين؛ فدليلنا على أبي حنيفة أنها شهادة فلم يقتصر فيها على الواحد كسائر الشهادات؛ وعلى الشافعي أنّها شهادة مقصودة، مقصود بها إتيان مال كالشهادة على الشراء والبيع. [١٩٣٤] مسألة: إذا حكم الحاكم بحكمٍ ونسيه، فإذا شهد به عنده شاهدان قبل شهادتهما وأنفذه، وإن لم يذكر، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز له الرجوع إلى شهادتهما إلا أن يذكر هو؛ فدليلنا أنها شهادة عنده على حكم لو كان ذاكرًا له لساغ قبولها والعمل به، فكذلك إذا كان ناسياً له فيجب أن يقبلها، أصله إذا شهد عنده بحكم غيره، ولأنه قد تعلّق بذلك حقٌ لغيره وهو ممّن يشهد بثبوت الحق له، فلو قلنا: إن الشهادة غير مقبولة إلا بأن يذكرها، ومعلوم أنّه ينسى ويشك، لأدى إلى تضييع حقوق الناس، ولكان لا معنى لإشهاده على إنفاذه، ولأنه قد يتهم أن يجحد حكمه لعداوة بينه وبين المشهود له. [١٩٣٥] مسألة: إذا كتب الحاكم إلى الحاكم، فمات المكتوب إليه، أو عُزِلَ قبل وصول الكتاب إليه، فإن الحاكم الذي يلي بعده يقبله وينفذ ما فيه، وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك له؛ فدليلنا أن الحاكم الذي كتب لا يخلو أن يكون كتب بحكم حكم به أو بشيء ثبت عنده، فإن كان كتب بحكمٍ حكم به، فإن حكم الحاكم يلزم كل أحد تنفيذه، وإن كان شيء ثبت

стр. 840

عنده فذلك جار مجرى الشهادة على الشهادة، وشهود الفرع إذا ماتوا جاز لغيرهم تحمّل الشهادة كذلك في مسألتنا. [١٩٣٦] مسألة: إذا وجد في ديوانه حكمًا بخطه، ولم يذكر أنه حكم به لم يجز أن يحكم به إلا أن يشهد به عنده شاهدان، خلافاً لابن أبي ليلى في قوله: يحكم بخطه؛ لأنّ الخط لا يسوغ العمل عليه دون ما يتضمنه كالشاهد يجد خطه ولا يذكر الشهادة، ولأنّه لم يثبت عنده أنه حكم به، فلم يجز أن يحكم به قياساً على حكم غيره. [١٩٣٧] مسألة: ولا يحلّف الحاكم المدعى عليه للمدّعي إلا لمعنى يزيد على مجرد الدعوى، من معاملة تكون بينهما أو مخالطة، ومن أصحابنا من يقول: أو يكون المعنى يشبه في العادة أن يدعى مثلها عليه، إلا أن يكونا غريبين فلا يراعى ذلك فيهما، وقال أبو حنيفة والشافعي: يحلفه ولا يراعى شيء! من ذلك؛ فدليلنا أن ما اعتبرناه مروي عن علي ﵁، وهو صحابي إمام لا مخالف له، ولأنا نعتبر الذرائع، وهي منع المباح إذا قويت التهمة في التطرق به إلى الممنوع، وذلك موجود في مسألتنا، لأن اليمين تشق وتصعب على أهل الدّيانات وذوي الأقدار والمروءات لئلا يسبق إليهم ظنه، فلو أحلفنا كل مدّعى عليه بنفس الدعوى لتطرق بذلك لكل من يريد إيذاء غيره وإغرامه شيئاً أن يدّعي عليه شيئاً، فإذا أنكره أحلفه لتهمته بذلك، أو تدعوه الضرورة إلى أن يصانعه على شيء يفتدي به يمينه، فوجب حسم الباب بأن له الضرر بالمنع منه، إلا أن يكون مع الدعوى شيء يقويها لضعف التهمة. [١٩٣٨] مسأله: ويسمع الحاكم الدّعوى على الغائب، ويحكم عليه

стр. 841

إذا أقام خصمه الحاضر البينة وسأل الحكم له، واستحسن مالك التوقف على الرباع، وقد قال: يحكم بها وهو النظر، وقال أبو حنيفة: يسمع دعوى الحاضر وبينته على الغائب، ولكن لا يحكم له عليه ولا على من هرب قبل الحكم أو بعد إقامة البينة، ولا يحكم عنده على الغائب إلا أن يتعلّق الحكم بحاضر، مثل أن يكون للغائب وكيل، أو وصي، أو تكون جماعة شركاء في شيء فيدّعى على أحدهم وهو حاضر فيحكم عليه وعلى الغائب. ودليلنا حديث أبي موسى قال: كان رسول الله ﷺ إذا حضره الخصمان وتواعدا الحضور من الغد فوفى أحدهما ولم يف الآخر، قضى للذي وفى على الذي لم يف، وقد علم أنه لم يقض عليه بمجرد دعوى خصمه وإنّما كان يمضي بالبينة، ولأنها بينة مسموعة فإذا طلب صاحبها الحكم بها وجب أن يكون له، كما لو كان الخصم حاضرًا، ولأن كل من جاز أن يقضى عليه بالبينة مع حضوره جاز وإان لم يحضر، أصله الطفل والغائب إذا كان وكيله حاضراً، ولأنها دعوى مستحقة على غائب قامت بها بينة، فوجب أن يحكم به، أصله إذا ادعى عليه قتل خطأ، لا خلاف أنّه يحكم للمدّعي إذا أقام البينة بالدّية على العاقلة ولو كان غيباً، ولأنّ غيبة المدعى عليه لا تمنع الحكم عليه، أصله إذا ادعى على ميت دينًا فأقام البينة، أو ادعى على جماعة غيَّب وأحدهم حاضر، ولأن في ذلك ذريعة إلى إبطال حقوق الناس، لأنه لا يشاء أحد أن يأخذ أموال الناس ولا يؤديها إلا غاب فلا يمكن القضاء عليه، ولأن الاتفاق حاصل على أن الحاكم يسمع البينة عليه، والفائدة في ذلك الحكم بها، وإلا لم ينتفع باستماعها، ولأنّ أبا حنيفة موافقنا أن المرأة إذا ادعت نفقة على زوجها وهو غائب، وذكرت أن له وديعة عند رجل، واعترف بها من هي عنده أنّه يقضى لها بنفقتها ويؤخذ لها منه، فكذلك سائر الحقوق. [١٩٣٩] مسألة: إذا ثبت الحق للمدَّعِي عند الحاكم بشهود عرف عدالتهما حكم به، ولم يحيف المدعي مع شاهديه، وقال ابن أبي ليلى:

стр. 842

يحلِّفه مع البينة؛ فدليلنا قوله ﷺ : «شاهداك أو يمينه»، فلم يجعل عليه أكثر من الشهادة، وقوله: «اليمين على المدعى عليه»، ولأنّ البينة حجة تامة فلو احتجنا إلى اليمين معها لكانت ناقصة غير تامة. [١٩٤٠] مسألة: إذا ادعى رجل على رجل حقاً وذكر أن بينته غائبة وسأل القاضي أن يلزمه له إلى أن يقيم له كفيلاً بنفسه إلى أن يحضر البينة لم يكن له ذلك، بل يقول له الحاكم: إن أردت إحلافه لك وإلا فأطلقه إلى أن تحضر بينتك، وقال أبو حنيفة: يلزمه أن يقيم كفيلاً عليه ببدنه ثلاثة أيام إلى أن يقيم البينة، فإذا مضت ثلاثة أيام برئت ذمة الكفيل من الكفالة، وقال أبو يوسف يقيم كفيله أبدًا إلى أن يقيم البينة. فدليلنا أنّه لم يتوجه عليه حق فلا معنى للكفيل، لأن فائدة الكفالة بالبدن إحضاره المستحق عليه وأداء الحق الذي قد ثبت عليه، وكل ذلك معدوم، ولأن كل حال أمكن القاضي فصل الحكم لم يجز إنفاذه كما لو حضرت البينتان. [١٩٤١] مسألة: إذا حكَّم الخصمان بينهما رجلاً من أهل الاجتهاد لزمهما ما يحكم به بينهما إذا كان مما يجوز في الشرع، وافق رأي قاضي البلد أو خالفه، وقال أبو حنيفة: إن وافق رأي قاضي البلد لزم، وللشافعي قولان: أحدهما لا يلزم، وتكون فتوى لا حكماً؛ فدليلنا قوله ﷺ : «لكل مسلم شرطه»، ولأنه حكم بما يجوز في الشرع ممّن يجوز الحكم به، فجاز أن يلزمهما كحكم قاضي البلد، ودليلنا على أنّه لا يعتبر وفاق رأي الحاكم أنّه إذا ثبت تراضيهما به فقد صار حاكماً ينفذ حكمه عليهما وصار

стр. 843

بمنزلة حاكم آخر في البلد، لأن تراضيهما به يقوم مقام نصب السلطان له. [١٩٤٢] مسألة: لا يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه في شيء أصلاً، لا فيما علمه قبل الولاية ولا بعدها، لا في مجلس الحكم، ولا في غيره، لا في حقوق الله ولا في حقوق الآدميين، وقال عبد الملك: يحكم بعلمه في مجلس حكمه إذا حضر عنده الخصم فاعترف بحق خصمه، وقال أبو حنيفة: يحكم في حقوق الآدميين فيما علمه بعد القضاء، ولا يحكم فيما علمه قبله، وعند الشافعي أنه يحكم بعلمه على الإطلاق إلا في الحدود، فلهم فيها وجهان. فدليلنا ما روي أنه ﷺ بعث أبا جهم مصدقًا فلاجَّه رجلان فشجهما، فأتيا النبي ﷺ يطلبان القصاص، فبذل لهما مائة فرضيا، فقال: «إني أخطب الناس وأذكر لهم ذلك، أفريضتما؟» قالا: نعم، قال: فخطب الناس، ثم قال: أرضيتما، بعد أن ذكر القصة فقالا: لا، فهم بهم المهاجرون والأنصار، فمنعهم النبي ﷺ ، ثم نزل فزادهما، فرضيا، فصعد المنبر، فقال: «أرضيتما؟» قالا: نعم، موضع التعلّق أنه لم يحكم عليهما بعلمه لمّا جحدا أن يكونا رضيا، ولأنه ﷺ امتنع من قتل المنافقين مع علمه بكفرهم، وقال: «لئلا يتحدث الناس أن محمّدًا يقتل أصحابه»، وإنما لم يقتلهم لأن الناس لم يعلموا كفرهم كما علمه، ولأن الحاكم لما لم يكن معصومًا، وقد يلحقه الظنة والتهمة، ويمكن وقوع ذلك منهم، فحسم الباب في منع حكمه بعلمه لئلا يدعى عليه أنه حكم على عدوه. ونفرض الكلام في الحدود، ودليلنا قوله تعالى: "والذين يرمون

стр. 844

المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة"، فأمر بجلد القاذف متى لم يقم البينة، وقوله ﷺ في حديث هلال بن أمية لمّا لاعن امرأته: «إن جاءت به على نعت كذا فهو لهلال، وإن جاءت به على نعت كذا فهو لشريك»، فجاءت به على النعت المكروه، فقال ﷺ : «لو كنت راجماً أحدًا بغير بينة لرجمتها» موضع الدليل: أنه ﷺ علم أنّها زنت، لإخباره أنها إن جاءت به على نعت كذا فهو من غير زوجها، ثم لم يحكم بالحدّ لعدم البينة، وعند المخالف يجب أن يرجمها إذا علم بذلك، وقال أبو بكر الصدّيق ﵁: لو رأيت رجلاً على حدّ من حدود الله ما أقمته عليه حتى يشهد على ذلك أربعة، ولا مخالف له نعلمه، وإن سلّموا ذلك قسنا عليه سائر الحقوق، فقلنا: إنّه لا يحكم بعلمه فلم يجز، أصله الحدود، واعتبارًا بما علمه قبل الولاية، وفي غير مجلس الحكم.

стр. 845

[١٩٤٣] مسألة: إذا حكم الحاكم بما هو في الباطن على خلاف ما حكم به لم ينفذ حكمه في الباطن ولم يتغير الشيء المحكوم فيه عمّا هو عليه بحكمه، كان ذلك في مال أو نكاح أو طلاق مما يملك الحاكم ابتداءه، وممّا لا يملكه، وقال أبو حنيفة: إن كان المحكوم فيه مالاً لم يتغير الحكم في الباطن، وإنما ينفذ في الظاهر، وإن كان عقدًا أو فسخًا فإن الحكم ينفذ فيه ظاهرًا وباطناً؛ فدليلنا قوله تعالى: "والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم"، فحرَّم المحصنة، وهي ذات الزوج، وعند المخالف أنها تحل متى حكم الحاكم بشهادة زور أنها قد طلّقت، أو بأن يقيم شهادة زور بتزويجه إياها، وقوله: "فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره، فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا"، وعندهم أنها تحل له [أن] يراجع نكاحها وإن لم يطلّقها إذا حكم الحاكم بشاهدي زور أنه طلّقها، وقوله ﷺ : «إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذه، فإنّما أقطع له قطعة من النار»، وهذا صريحٌ في أن حكمه بما ليس بجائز للمحكوم له لا يحلّه له، ولأنه حكم بسبب غير صحيح في الباطن، فلم ينفذ الحكم به في الباطن كادعاء زوجية ذات المحارم، ولأنه حكم بشهادة زور فلم ينفذ في الباطن كالمال، ولأن كل شاهدين لو علم الحاكم بحالهما لم يجز له الحكم بشهادتهما، فإذا حكم بهما مع الجهل بحالهما لم ينفذ حكمه في الباطن كالكافرين والعبدين. [١٩٤٤] مسألة: الإشهاد في عقد البيع مستحب وليس بواجب، خلافاً لداود؛ لأنه عقد من العقود فأشبه سائرها، ولأنه وثيقة كالرهن والكفالة.
следующие страницы →