← Акыда

Акыда · id 14248

فقه أشراط الساعة

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (363 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

النَّبِيُّ ﷺ : «تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُهَا الجِنِّيُّ، فَيُقَرْقِرُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ» (١). وعن معاوية بن الحكم ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : "وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ، قَالَ: «فَلَا تَأْتِهِمْ» (٢). قال النووي -رحمه الله تعالى-: "قال العلماء: إنما نهى عن إتيان الكُهَّان؛ لأنهم يتكلمون في مُغَيّبَات قد يصادف بعضها الإصابة، فيخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك؛ لأنهم يُلَبِّسُونَ على الناس كثيرًا من أمر الشرائع، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكهان وتصديقهم" (٣) اهـ. وعن بعض أمهات المؤمنين ﵅ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (٤). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ " ﷺ " (٥). وعن عمران بن حصين ﵄: قال رسول الله ﷺ : " لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ،

стр. 107

أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ عَقَدَ عُقْدَةً - أَوْ قَالَ: مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً - وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ " (١). قال الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: "إنما يدخل الشبه على الناس في أمر المنجمين من قبيل أنهم يرون المنجمَ يُصيب في مسألة تقع بين أمرين؛ كالجنين الذي لا يخلو من أن يكون ذكرًا أو أنثى، أو المريض الذي لا يخلو من أن يصح أو يموت، والغائب الذي لا يخلو من أن يقيم بمكانٍ أو يئوب. ومن شأن الناس أن يحفظوا الصوابَ؛ للعُجْبِ به والشَّغَف، ويتناسوا الخطأ؛ لأنه الأصل الذي يعرفونه، والأمرُ الذي لا يُنكرونه، ومن ذا الذي يتحدث بأنه سأل المنجمَ فأخطأ؟! وإنما التحدث بأنه سأله فأصاب (٢). والصواب في المسألة إذا كانت بين أمرين قد يقع أحيانًا للمعتوه والطفل، فضلًا عن المتلطف الرفيق، والقولُ في إصابة المنجِّم كقول الشاعر في الطيرة: تَعَلَّم أَنّهُ لَا طَيرَ إِلَّا ... عَلَى مُتَطَيرٍ وَهيَ الثُّبُورُ وَشَيءٌ قَدْ يُوَافِقُ بَعْضَ شَيءٍ ... أَحَايِينًا وَبَاطِلُهُ كَثِيرُ

стр. 108

وإن وُجِد لمن يَدَّعي الأحكامَ إصابه في شيء، فخطؤه أضعافُه، ولا تبلغُ إصابتهُ عُشْرَ مِعْشاره، وتكون الإصابة اتفاقًا كما يظن الظانّ المنافي للعلم المقارن للجهل الشيءَ، فيكونُ على ظنه، ويخطئ فيما هو معلومٌ أكثرَ عُمُره، ولا يُقَالُ: إن هذه إصابة يُعَوَّل عليها، ويُرْجَع إليها، بل إذا تكررت منه الإصابة في قوله، وكثر الصدقُ في لفظه، والصحة في حكمه، ولم يُخْرَمْ منه إلا الأقل، حينئذ سلمت له هذه الفضيلة، وشُهِدَ له بهذه المعجزة، ولا فرق بين المنجم والكاهن؛ إذ كلّ واحدٍ منهما يدَّعي الإخبارَ بالغيوب، وكيف يُسَلَّمُ للمنجمين ما يَدَّعونه، وأحدهم على التحقيق ما يعرف ما حدث في منزله، ولا ما يُصلح أهلَه وَوَلَدَهُ؟ بل لا يعرف ما يُصلحهُ في نفسه، ويؤثر عنه أن يخبر بالغيب الذي لم يُؤْتِهِ الله أحدًا، ولم يستودعه بشرًا، إلا لرسول يرتضيه، أو نبيِّ يصطفيه" (١). اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "ولما أراد علي بن أبي طالب ﵁ أن يسافر لقتال الخوارج عرض له منجم، فقال: يا أمير المؤمنين! لا تسافر؛ فإن القمر في العقرب؛ فإنك إن سافرت والقمر في العقرب هُزِمَ أصحَابُك -أو كما قال- فقال عليّ: بل أسافر ثقة بالله، وتوكلًا على الله، وتكذيبًا لك؛ فسافر، فبورك له في ذلك السفر، حتى قتل عامَّة الخوارج، وكان ذلك من أعظم ما سُرَّ به؛ حيث كان قتاله لهم بأمر النبي ﷺ " (٢)

стр. 109

إلى أن قال -رحمه الله تعالى-: "وكذلك أيضًا الاستدلال على الحوادث بما يستدلون به من الحركات العلوية، والاختيارات للأعمال: هذا كله يُعلم قطعًا أن نبيًّا من الأنبياء لم يؤمر قطّ بهذا؛ إذ فيه من الكذب والباطل ما ينزه عنه العقلاء الذين هم دون الأنبياء بكثير" اهـ (١). وقال الإمام محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي -رحمه الله تعالى- عند تفسيره قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧]: (قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدَّح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيبَ أحدٌ سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزةً لهم ودلالةً صادقةً على نبوتهم. وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر في الكتب، ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه؛ بل هو كافر بالله، مفترٍ عليه بحَدْسِه وتخمينه وكذبه. قال بعض العلماء: وليت شعري ما يقول المنجم في سفينة ركب فيها ألف إنسان على اختلاف أحوالهم، وتباين رتبهم، فيهم الملك والسُّوقة، والعالم والجاهل، والغنيُّ والفقير، والكبير والصغير، مع اختلاف طوالعهم، وتباين مواليدهم، ودرجات نجومهم؛ فعمهم حكم الغرق في ساعة واحدة؟ فإن قال المنجم قبحه الله: إنما أغرقهم الطالع الذي ركبوا فيه، فيكون على مقتضى ذلك أن هذا الطالع أبطل أحكام تلك الطوالع كلها على اختلافها عند ولادة كل واحد منهم، وما يقتضيه طالعه

стр. 110

المخصوص به، فلا فائدة أبدًا في عمل المواليد، ولا دلالة فيها على شقيٍّ ولا سعيد، ولم يبقَ إلَّا معاندة القرآن العظيم. وفيه استحلال دمه على هذا التنجيم، ولقد أحسن الشاعر حيث قال: حَكَمَ المنَجِّمُ أن طالعَ مولِدِي ... يقضِي عليَّ بِميتةِ الغَرقِ قُلْ لِلْمُنَجِّمِ صَبحَةَ الطّوفانِ هَل ... وُلِدَ الجمِيعُ بكوكَبِ الغَرَقِ وقيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ لما أراد لقاء الخوارج: "أتلقاهم والقمر في العقرب؟ "، فقال ﵁: "فأين قمرهم؟ "، وكان ذلك في آخر الشهر. فانظر إلى هذه الكلمة التي أجاب بها، وما فيها من المبالغة في الرد على مَن يقول بالتنجيم، والإفحام لكل جاهل يحقق أحكام النجوم. وقال له مسافر بن عوف: "يا أمير المؤمنين! لا تَسِرْ في هذه الساعة، وسِرْ في ثلاث ساعات يمضين من النهار"، فقال له علي ﵁: "ولمَ؟ "، قال: "إنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك بلاء وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظفرت وظهرت وأصبت ما طلبت". فقال علي ﵁: "ما كان لمحمد ﷺ مُنَجِّم، ولا لنا من بعده" -في كلام طويل يَحتجُّ فيه بآيات من التنزيل- "فمن صَدَّقَكَ في هذا القول لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله نِدًّا أو ضدًّا، اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلَّا خيرك". ثم قال للمتكلم: "نكذّبك، ونخالفك، ونسير في الساعة التي تنهانا عنها". ثم أقبل على الناس، فقال: "يأيها الناس، إياكم وتعلمَ النجوم إلَّا ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر؛ وإنما المنجم كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار، والله لئن بلغني أنك تنظر في النجوم،

стр. 111

وتعمل بها لأخلدنك في الحبس ما بقيتَ وبقيتُ، ولأحرمنك العطاء ما كان لي سلطان". ثم سافر في الساعة التي نهاه عنها، ولقي القوم فقتلهم، وهي وقعة النَّهْرَوَان الثابتة في الصحيح لمسلم، ثم قال: "لو سِرْنا في الساعة التي أمرنا بها، وظفرنا، وظهرنا، لقال قائل: سار في الساعة التي أمر بها المنجم، ما كان لمحمد ﷺ منجم ولا لنا مِن بعده، فتح الله علينا بلاد كِسرى وقيصر وسائر البُلدان"، ثم قال: "يأيها الناسُّ؛ توكلوا على الله وثقوا به؛ فإنه يكفي ممن سواه" (١) اهـ. قال الخليل بن أحمد -رحمه الله تعالى-: خَبِّرا عني المنجمَ أني ... كافرٌ بالذي قضته الكواكبْ عالمٌ أن ما يكون وما كان ... قضاءٌ من المهيمنِ واجبْ (٢) وقال القاسم بن محمد الأنباري -رحمه الله تعالى-: إني بأحكام النجوم مُكذِّبٌ ... وَلمُدَّعيها لائمٌ ومؤنِّبُ الغيبُ يعلمُه الهيمنُ وحدَه ... وعن الخلائق أجمعين مُغَيَّبُ الله يُعطي وهْوَ يمنع قادرًا ... فمن المنجم وَيْحَهُ والكوكبُ (٣) وقال المتنبي: فتبًّا لدينِ عبيدِ النجومِ ... ومن يدَّعي أنها تعقلُ (٤)

стр. 112

فارغ

стр. 113

الباب الثالث مَظَاهِرُ العَبَثِ بأَشرَاطِ السَّاعَةِ

стр. 114

فارغ

стр. 115

الفصل الأول سرد مجمل لبعض مظاهر الْعَبَثِ بِأَشرَاطِ السَّاعَةِ - يتخذ العبث بأشراط الساعة مظاهرَ عدةً، ويتجلى في عدة مجالات: - أما أقبح مظاهر العبث بأشراط الساعة: فاختلاق الكذب، وافتراء القصص، وإطلاق العِنان للخيال الجامح كما فعل كبيرهم ودجالهم "محمد عيسى داود". - ومن ذلك: تكذيب النصوص الصحيحة، وزعم أنها كلها موضوعة. - ومنه: إبطال معاني الأحاديث الصحيحة بالتأويل الفاسد (١). - ومنه: الخوض بغير علم في قضية "تحديد عمر الأمة". - ومنه: الغلو في محاولة مطابقة ما ورد في النصوص على وقائع وأحداث معينة، أو على أشخاص معينين رجمًا بالغيب. - ومنه: محاولة توظيف النصوص لخدمة مآربهم، والتعسف في تفسيرها بما يتوافق مع أغراضهم.

стр. 116

- ومنه: الاستدلال بما لا يصلح دليلا؛ كالإسرائيليات القديمة والحديثة، والأحاديث الضعيفة والموضوعة، ومرويات الرافضة، وحساب الجُمَّل، وما يُسَمَّى علمَ الحروف (١). وبالجملة ف كل من حادَ عن "الوسطية" في هذه القضية إلى جفاء المنكرين، أو إلى غلو المثبتين؛ فقد تورط في جريمة القول على الله بغير علم، والعبث بأشراط الساعة . - ومن العبث بأشراط الساعة: تكلف بعضهم اصطناع هذه الأشراط، وإيجادها في الواقع عَنْوة ، حتى إن من مُدَّعِي المهدية مَن يغير اسمه واسم أبيه، أو يدعي الانتساب إلى آل البيت الشريف، متناسين أن "الْمُنْتَظَرَ" تصنعه المهدية؛ لكنه لا يصنعها، ولا يصطنعها. - ومن العبث بأشراط الساعة: الابتهاج بانتشار الفساد والظلم في الأرض، وتمني ذلك؛ بحجة أن هذا يعجل بخروج المهدي الموعود (٢)، مع أنه تعالى قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].

стр. 117

أَيُّهَا الْعَابِثُونَ: بَشِّروا، وَلَا تُنَفِّرُوا فإن تَوَقعَاتِكم تبعث أحيانَا على الإحباط، وتسوء المسلمين، وتؤذي مشاعرهم الإيمانية، وتُدخل الْحَزَنَ في قلوبهم، خاصة وأنها توقعات مبنية على شفا جرف هار من الظنون والخيالات، فأحرى بها أن تُنْبَذَ نَبْذَ النواة، ولا شك أن هذة الكتابات تُصَادِمُ سُنة النبي ﷺ في بعث الأمل في النفوس، فأين قوله ﷺ : "بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا"، من ذلك الذي يدعي أن "الجفر" المزعوم؛ الذي يستمد منه كثيرا من دعاواه، يخبر بأن "الهيكل سَيُعَادُ بناؤه" (١). وذاك الذي يحدد بالسنة والشهر واليوم موعد تفجير اليهود للمسجد الأقصى -صانه الله من كل سوء-، وأن الهيكلَ يُبْنَى على أفقاضه (٢)، وثالث يزعم أن الغربَ سيحتلُّ تركيا، ويسترجع القسطنطينية عام ١٩٩٩ م لمدة أشهر، ورابع يخالفه، ويقول: "بل يحتمل أن يرتد جميع الأتراك عن الإسلام، ويتنصرون، مما سيتطلب فتح القسطنطينية مرة أخرى" (٣)، وخامس يستدل بحديث منكر فيه: "أن الروم سيثبون على من بقي في بلادهم من العرب فيقتلونهم، حتى لا يبقى بأرض الروم عربي ولا عربية، ولا ولد عربي؛ إلا قُتل" (٤)، وسادس يقول: "فحصار العراق قد أعقبه حصار الشام (فلسطين)، وقد يمتد الحصار قريبا إلى سوريا ولبنان، والله أعلم" (٥).

стр. 118

- ومن العبث بأشراط الساعة: محاولة توظيف النصوص لخدمة مآربهم، والتعسف في تفسيرها بما يتوافق مع أغراضهم. - ومنه: الغلو في محاولة مطابقة ما ورد في النصوص على وقائع وأحداث معينة، أو على أشخاص معينين رجمًا بالغيب. ومن رواد هذا المنهج: "أبو الفيض أحمد بن محمد بن الصديق الغماري" مؤلف كتاب "مطابقة الاختراعات العصرية لما أخبر به سيد البرية"؛ الذي تكلف فيه عند تطبيقه بعض أحاديث النبي ﷺ على المخترعات الحديثة وتنزيلها على وقائع هذا الزمان، وإن كان وُفِّق في بعضها (١)، على أنه شحن الكتاب بالأحاديث الضعيفة دون تنبيه على ضعفها، لمجرد أن متنها يوافق ما يرمي إليه من المطابقة المزعومة. ومع أنه يُلقب بالمحدِّث (٢) الحافظ؛ إلا أنه صوفي قبوري غالٍ، يبغي على الدعوة الوهابية السلفية التجديدية، وينبز أهلها "بالقَرْنيين" (٣)، ويجازف في رميهم بالعظائم (٤)، فالله طليبه، وهو حسيبه.

стр. 119

وقد ذكر الشيخ "مقبل بن هادي الوادعي" -رحمه الله تعالى- أن الشيخ حمودا التويجري ﵀ رد على كتاب الغماري المذكور بكتاب أسماه: "إيضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة" (١). ومن تكلفه تفسيره حديث: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْدِّينِ ظَاهِرِينَ "الحديث، وفيه: "بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَاَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسٍ "؛ بأن هذا تحقق في المصريين مع الإنكليز والفرنسيين واليهود والأمريكان، وأن الحديث تحقق بالاتحاد بين مصر وسورية في (الجمهورية العربية المتحدة)، إلى أن قال: "وكل هذا آتٍ قريب، وهو يدل على قرب خروج الدجال اليهودي الأعور الكذاب، وعلى أن الأمة المصرية هي التي ستفوز بقتاله وقتال جنده اليهود لعنهم الله"، وذهب إلى أن الله تعالى "سيظهر لهم كرامة كلام الشجر والحجر، فيقول الشجر والحجر للمؤمن: يا عبد الله هذا كافر ورائي فتعال فاقتله، والمؤمن من جيش مصر والاتحاد العربي". اهـ (٢) بتصرف. تنبيه: وممن سلك مسلك الغماري المذكور في تكلف تأويل بعض النصوص -ولو كانت ضعيفة ولا تثبت- وتنزيلها على المكتشفات الحديثة:

стр. 120

- فضيلة الشيخ أبو بكر الجزائري -حفظه الله- في رسالَتَيْهِ: "اللقطات في بعض ما ظهر للساعة من علامات"، و"الأحاديث النبوية الشريفة في أعاجيب المخترعات الحديثة"، وتعقبه فيهما الشيخ "حمود التويجري" -رحمه الله تعالى- في رسالته: "تنبيهات على رسالتين للشيخ أبي بكر الجزائري"، وبيَّن فيها ضعف معظم أحاديث الرسالتين المذكورتين، وردَّ ما حَوَتاه من التأويل المتعسف. -وكذلك الدكتور "فاروق الدسوقي" الذي قال: "إن الذي أولجني (بهذا) الباب، ووضعني في مدينة هذا العلم هو فضيلة الشيخ العالم الحافظ أحمد بن الصديق الغماري ... وذلك بكتابه القيم الرائد السابق لعصره: "مطابقة الاختراعات العصرية لما أخبر به سيد البرية" فهو الرائد الأول في عصرنا في مجال علم مطابقة النصوص على الأحداث" (١).

стр. 121

ومن رواد (الغلو) في المطابقة: -شكري أحمد مصطفى (١٩٤٢ - ١٩٧٨ م). زعيم الخوارج الجدد، وإمام ما أسماه "جماعة المسلمين". - كتب رسالة "التوسمات " وكان مما تضمنته: الكلام على واقع المسلمين، وواقع جماعة الحق -التي هي جماعتهم بزعمهم- وظهور المهدي. ومما جاء فيها: ["النصوص تؤكد أن جماعة الحق اليوم أصبحت وشيكة، من الدجال ونزول عيسى ابن مريم، ونرجو الله أن نكون خَلَفًا من حوارييه ... ". "وإشارات كبيرة تؤكد أننا سندرك عيسى ابن مريم، وأننا جماعة الحق التي تستحق الخلافة في الأرض على هدي النبوة، ونرجو الله أن يجد فينا خَلَفًا من حوارييه ". " .. ونحن جماعة الحق في آخر الزمان تشملنا الآيتان: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾، و ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ ". "فقد كلفهم الله -أي: جماعة آخر الزمان- من الناحية القدرية التي يعلمها، والتي يريدها؛ بما لم يكلف به صحابة النبي ﷺ ؛ حيث سوف يتم على يد جماعة آخر الزمان ظهورُ الإسلام على كافة الأديان والملل، ويُعبد الله لا يُشْرَكُ به شيئًا (١)، ولا يبقى بيت من وبر أو مدر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز

стр. 122

أو بِذُلّ ذليل، ويتم الله قدره ونعمته على عباده، وينتصر هو ورسله وحزبه على العالمين، ويمكّن لهم في الأرض كما وعد بذلك "] اهـ (١) "لهذا وغيره كان أعضاء هذه الجماعة يجزمون بأن قائدهم شكري هو مهدي هذه الأمة المنتظر، ولن تستطيع السلطة قتله، وسوف يذهب كل جهد تبذله في هذا السبيل أدراج الرياح؛ لأن الله سوف يحفظه؛ ليجاهد اليهود والنصارى، ويرفع رايات النصر في كل صُقْع من أصقاع العالم الفسيح، ويُظهر الله به دينه على كافة الأديان والملل، ويمكِّن له في الأرض ما شاء أن يمكن. ... وكان أعضاء الجماعة يؤكدون أنه لو تم إعدام قائدهم؛ لوجب عليهم إعادة النظر بتصورات ومفاهيم الجماعة ... " (٢).

стр. 123

تعليق واستطراد إن تعليق "وجوب إعادة النظر بتصورات ومفاهيم الجماعة" على "إعدام قائدهم" سوءة فكرية، وعورة منهجية خطيرة، ولماذا يأتي التصحيح دائمًا بعد فوات الأوان؟ ولا يتقون الشَرَّ حتى يصيبَهم ... ولا يعرفون الأمرَ إلا تدبرا ولماذا لا نُخْضِع الفكر والمناهج للفحص والتفتيش ونحن ما زلنا في دار "الامتحان"؛ حيث توجد فرصة، بل فرص للمراجعة والتصحيح واستدراك الخطإ قبل الانتقال إلى دار "ظهور النتائج"! وإلى متى ستظل الدعوة الإسلامية تدفع ثمن استبداد بعض فصائلها بالرأي في غيبة عن الرقابة العلمية الشرعية؟ إن هذا النمط العجيب من التفكير ليستدعي من الذاكرة قولَ إمام فتنةٍ من المتأولين: "إننا -والله- نعلم أن بين يدي الله موقفًا يسألنا فيه عن أعمالنا، ويحاسبنا عليها، ولكن نسأل الله -إن كان لنا هوى، أو مقصدنا لغير وجهه الكريم- أن يُخزيَنا، وُيبينَ باطلَنا على رءوس الأشهاد، وأن يفسد مساعينا، ولا يسددها". اهـ. سبحان الله! "لقد حجَّرتَ واسعًا"، أليس اللسان الذي تلفظ بهذه الدعوة العديمة الفقه، هو نفس اللسان الذي كان يمكن أن يدعو بالعفو والعافية من الهوى، ويسأل الله الذي لا يُخَيِّبُ راجيَه، ولا يَرُدُّ داعيَه؛ أن يُريَه الحق حقًّا، ويرزقه اتباعه، ويريه الباطل باطلًا، ويرزقه اجتنابه؟! ولماذا نتأسى بالذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ

стр. 124

كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وننسى هَدْيَ مَن هديُه خير الهدى ﷺ الذي عَادَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَقُولُ: اللهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ، فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " سُبْحَانَ اللهِ لَا تُطِيقُهُ - أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ - أَفَلَا قُلْتَ: اللهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " قَالَ: فَدَعَا اللهَ لَهُ، فَشَفَاهُ. (١). الْعُجْبُ وَالاغتِرَارُ بالظُّنُونِ ومع عبث هؤلاء القوم بأِشراط الساعة، وقولهم على الله بغير علم، نجدهم موقنين بهذه الأفكار، جازمين بها، حتى يقولَ أحدهم: "أستطيع أن أحلف -ولا أستثني- أن ملاحم آخر الزمان؛ والتي تبدأ بالحرب العالمية الثالثة والأخيرة "هرمجدون" -قد كشرت عن أنيابها، وشَمَّرت ساعديها، وكَشَفَتْ عن ساقيها" (٢)، ويشكو من أنه لم يسلم من

стр. 125

"شَغْبِ الصبية (١) "، أي: معارضيه؛ فهم يستقصرون أفهام مخالفيهم، ويسخرون ممن لا يتقبل خرافاتِهِمْ، ويَشُكُّ فيها. فهذا صاحب "أسرار الساعة" يصف المنكرين عليه بالمرجفين، والمتشككين، ويقول: "لقد كان الواقع المعاصر والمعاش شاهدَ إثباتٍ على صحة كل ما ورد في هذا الكتاب من روايات وأحاديث (٢)؛ ولهذا تمكنتُ بتوفيق الله من إزاحة الستار عن أكثر الأسرار خطورةً؛ إنها أسرار النهاية وقيام الساعة؛ لقد تفككت أمامي -وبكل سهولة- أكثر الرموز المستعصية في روايات الفتن والملاحم وأشراط الساعة، لقد رأيت أمامي خيوط المؤامرة، وكشفتُ أبعادها السرية والعلنية؛ ولهذا سيجدُ القارئ في هذا الكتاب تحديدَ الزمان والمكان للملاحم، ويجد أسماء بعض قادة الفتن في آخر الزمان وزعماء آخرين، والجميع قادة سياسيون معاصرون، ولكن الرسول ﷺ قد وصفهم لنا (٣) " ... ! لخ. ثم يُطْرِي كتابه قائلًا: "ولا أريد أن أُطِيلَ، فهذا الكتاب بين أيديكم، وقد كفيتكم الرد عليه بأفصح لغة علمية، وهي لغة الأرقام، وبأقوى وأصدق المواعيد وهي التاريخ، وليس على المرجفين أو المتشككين إلا الانتظار لعدة شهور

стр. 126

فقط (١)، وتظهر الحقيقة أمام الجميع، إما مع الكتاب أو ضده، فعليهم الصمت والترقب حتى لا يحرموا غيرهم من فائدة مرجوة قبل ظهور آية الدخان، أو يظهر الدَّجال في شخصيته المزعومة ... " (٢) اهـ. ويحاول أحدهم أن يروج لأفكاره بالإشارة إلى "قرينة" وصفها بأنها "معتبرة عنده"، وهي أن رجلًا لا يعرفه أخبره أنه رأى رسول الله ﷺ في رؤيا يبتسم له، ويعطيه كتاب "عمر أمة الإسلام " (٣)، وذلك قبل صدور الكتاب بتسعين يومًا (٤). ومن نماذج الاغترار بالظنون والخيالات، ما حكاه الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان -حفظه الله- فقال: "في بلادنا واحد من هؤلاء، لا هَمَّ له في الآونة الأخيرة إلا تهيئة المُناخ لخروج (المهدي)، ويُقسِم في خُطَبه أيمانًا مغلَّظة أن خروجه سيكون قبل عشر سنوات، ثم نقصت المدة، وبدَّل اليمين بطلاق زوجته، ثم غيَّره إلى حلق شاربه، ولله في خلقه شئون" اهـ (٥).

стр. 127

الفصل الثاني وقفة مع الدجال المصري . إن هذا الصحَافِي يتيه ويفتخر بأنه أول من "تشرف" باختراع بعض الهذيان المتعلق بالمسيح الدجال، والأطباق الطائرة (١)، ويثبت لنفسه أن لديه "براءة اختراع" (٢) هذه الأفكار، يقول "محمد عيسى داود" في جريدة "صوت آل البيت": "لم يعرف العالم كله -بفضل الله- كاتبًا أو مفكرًا قال بنظرية وجود المسيخ الدجَّال في مثلث برمودة، وأنه صاحب الأطباق الطائرة سوى الكاتب الصحفي محمد عيسى داود ... " إلى أن يقول: "ومعلوم للقاصي والداني أنني بصفتي الكاتب محمد عيسى داود عضو نقابة الصحفيين، والمستشار الإعلامي لمؤسسة أمل الإعلامية، الصاحب الأوحد لفكرة أن المسيخ الدجَّال هو مخترع الأطباق الطائرة، وأن له قلعة بمثلث برمودة، ولا يوجد كاتب في كل الدنيا قال بذلك غيري، وقد تعدى "فلان ... " بسرقة نتائج أبحاثي، وانتحلها لنفسه، وذلك

стр. 128

ثابت بكتابين له تم إبلاع النيابة العامة عنهما، وهي التي قامت بتحريك الدعوى ضده بتهمة السرقة الفكرية ... " (١) إلخ. قل لي: من يصفق لكَ أقُلْ لك: من أنت ! فمن صفق له (٢) الدكتور فاروق الدسوقي، وتخبطُه في أشراط الساعة مما عُرف واشتهر. وممن صفق له صاحب "الثمر الداني في ذكر المهدي والقحطاني" (٣) الذي لقبه "بالأستاذ البحاثة"، ثم قال: "وإني لأتقدم بالشكر للأستاذ محمد عيسى داود على ما تضمنته كتبه من نفائس المخطوطات وأعجبها، كما أشكر فيه تواضعه الجم وأمانته العلمية في النقل ... " (٤). وإن تعجب فعجب قوله: "أورد الأستاذ محمد عيسى داود في ثنايا ما أورد من مخطوطات أسماء صريحة قد يستغربها البعض، ويظنها موضوعة -ولا أظن الرجل ممن يكذب على الله ورسوله، وهو من آل البيت المحمدي- بل ويرد عليهم ما أورده "نوستراداموس" الفلكي العراف الفرنسي المشهور من أسماء صريحة مثل: هتلر، ونابليون، وغيرهما الكثير ... " (٥).

стр. 129

وممن صفق له: آلاف المعجبين بشطحاته: يقول: "يكفيني فخرًا مئات بل آلاف القراء الذين يؤازرونني لعلمهم بالحقيقة، ويكفيني فخرًا شهادة الدكتور فاروق الدسوقي، الذي شهد لي بأني رائد هذا المجال، وصاحب الفكرة، ومن عداي عالة عليَّ من الهواة والمقلدين" (١) اهـ بتصرف. وهو هو الذي وصف من يرفضون "اختراعاته" بأنهم "الأغبياء والضالون" (٢). وفي مقدمة كتابه "الخيوط الخفية" يقول بعد ما ذكر أن كتابه "احذروا المسيخ الدجال" أثار ضجة كبرى، وأنه استقبل مئات الخطابات: "وأحمد الله أنه لم يأتني خطاب واحد فيه إنكار لما أوردت من معلومات إلَّا خطابان (!) من مئات الخطابات، وأعذر صاحبيهما لقصور الفكر والتفكير" (٣). ووصف أحد منتقديه بأنه: "يتهجم بسوء أدبٍ على مفكر مرموق" (٤). ويصف كتبه بأنها: "أعلى توزيع لكتب في الدنيا" (٥). ويصف نفسه بأنه: "واحد من ندرة امتلكوا ملكة التحليل الدقيق هبة من الله وصقلًا لها بجهد" (٦).

стр. 130

ويقول: "كان كتاباي "احذروا المسيخ الدجال"، و"الخيوط الخفية" هما أول بحثين على مستوى العالم يقدمان للبشرية جمعاء هذه الحقائق مدعومة بأدلتها العلمية والعقلية والمنطقية والدينية" (١)

стр. 131

خدعوه فقالوا سرد "السندباد المصري" قائمة من المعجبين بكتبه وأفكاره، وهاك بعضَ أقواله: - أما الأستاذ الدكتور عبد الخبير عطا أستاذ العلوم السياسية فاعتبرها "مراجع لطلبة الماجستير، والدكتوراة". - والصديق السفير الدكتور عبد المنعم جبريل يرى "أن العالم الإسلامي لم يرَ من مائة عام كتبًا بأهمية كتبي". - أما اللواء الطيار المقاتل أنور أبو خطوة، فقال: "إنني أبصم بأصابعي العشرة على دقة وخطورة ما جئت به في كتبك، ويا ليتنا نفهم". - أما الأستاذ المفكر حسن جميعي فقال: "كتاباك (احذروا)، و (الخيوط) يزنان أعظم ثقلًا (!) من مكتبتي العامرة التي جمعتها على مدى أربعين عامًا" (١). - كتاباي قال فيهما الناشر الأستاذ أحمد يحيى: "هما كتابا القرن". - وقال سفراء ووزراء وكبار ومثقفون: "حرام ألا تعطيك مصرُ -وَدَعْكَ من أمة النائمين- جائزتها التقديرية"، وكان ردي: "لم أكتب لجائزة، إنما كتبت حبُّا في ديني وأمتي الإسلامية، وبلدي مصر والمصريين، وتحذيرًا من خطر بصَّرَني الله به" (٢).

стр. 132

وبعد أن ذكر جملة من المنبهرين بفكره، والمعجبين بكتبه؛ قال: "بعد هؤلاء الأعلام لا آبه بالحشرات والطَّغام بَلْهَ اللئام (١)، يقصد منتقديه. أما هؤلاء المعجبون به، الْمُثْنُونَ عليه، وعلى "فكره"؛ فمرحبًا بهم إذا تكلم كل في تخصصه، لكن أين هم من "أهل الذكر"؟ وهل فيهم فقيه، أو محدث، أو أصولي، أو مفسر؟! انْعِدَامُ التّوْثِيقِ الْعِلْمِيِّ ومن مظاهر ذلك: تلك الكتب التي صنفها "محمد عيسى داود" وملأها بالخرافات والهذاءات، وشحنها بالروايات المكذوبة، وجهر في صراحة يُحْسَد عليها بميوله الشيعية (٢)، واعتماده على مصادر الشيعة المزعومة؛

стр. 133

كالجفر، وغيره، ثم مارس الدجل "العلمي" - إن جاز التعبير- بإيهام القراء بأن هناك مخطوطات "بالجملة" هي مصدر معلوماته، ثم يحكي عن مصادره "الموثوقة"، -في زعمه، وهي أحوج شيء إلى التوثيق- أمورا يحتاج من يصدقها إلى أن يكون غبيَّا بدرجة كافية حتى تنطلي عليه. يا نعايا "البحث العلمي" أقيموا عليه ماتما وعويلا ! يقول -مثلًا- تحت عنوان "نقطة على حرف" بعد أن أورد كثيرا من خيالاته (١) حول "المسيح الدجال": "قد يسأل القارئ الحبيب: وكيف اهتديت إلى كل هذه المعلومات بلا مصادر؟! وأقول: بل هناك مصادر، ولكن القاعدة الذهبية معروفة لكل خبير وسائل: لا يُسأل الكاتب وُالمفكرُ عن مصادره، فقد يكون الضر في ذكرها أبلغ من النفع، وسد الذرائع (؟!!) مقدم على جلب المنافع". ثم أخطر الأمور وأقوى المصادر-التي لا قبلها ولا بعدها- استفتاء الله ، والتضرع إليه جلَّ في علاه؛ للإجابة وبيان ما خفي من الأمور، ثم الأخذ بالأسباب كما أخذ ذو القرنين بسياحته في أرض الله، والأخذ بمفاتيح العلوم، وأعلاها أسماء الله الحسنى،

стр. 134

والاجتهاد في "القراءة الواعية"، ثم "استقراء الأحداث"، و"رفع درجات حدة الحدس والاستبصار"، ثم "التقدير"، وتحليل الأحداث تحليلًا دقيقًا، واستبطان المعلومات، ومحاولة سبر غورها "بالتأمل"، وفتح المغاليق بالمفتاح القرآني العظيم الذي أوصى به رب العزة : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. وحبذا بعض المغامرات بيقين التوفيق من الله ، وعقيدة أن الآجال لا يملكها أحد سوى الله ، وأن الأقلام رفعت، والأحبار جفت، والصحف طُويت، والمقادير تمت ... ثم ما أحلى الخلوة مع الفكرة!!. وهي ليست حالات من السلبية المطلقة كما يتوهم السذج!! إنها عناصر إيجابية جدًّا وخلَّاقة بالنسبة للمفكر ... إنها "فعل وحركة" و"انطلاقات إلى عوالم أخرى" يرد منها المرء بفكر وعلم ووعي جديد. وهي "جهاز استقبال لخواطر" يمكن أن يقف أمامها التحليل العلمي والفلسفة عاجِزَيْنِ .. وكثير من "فكري" "ومضات من البرق" و"استنارات وإلهامات فجائية" إن لم أتداركها بالتسجيل، أو التدوين تصبح بَدَدًا بلا بقاء!! (١) اهـ.

стр. 135

ويقول في سياق التسويغ لمنهج "حاطب الليل": وأنا مع القاعدة التي تقول: "لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"، ومع هذا فإنني أيضًا مع أي أثر أو حكمة ليس لها إسناد، وروايتها هي عهدة على من نقلنا عنه، باعتبار أن "لنا فائدة الحكمة، وعليه تبعة الرواية أو الكتابة" (١) اهـ. ويتكلم "السندباد المصري" ناعيًا على الذين يقتصرون على الاستدلال بالأخبار المسندة، ويتحرون الصحة فيها، وكأن ما يفعلون "تحصيل حاصل"، أما هو فكأنه تمثل قول القائل: "ما للناس لا يتبعوني؟ .. ما هم بمتبعيَّ حتى أبتدع لهم غيره" (٢)، فمن ثم قال: "ولو أني اعتمدت مبدأ ألا أكتب إلَّا ما له إسناد، وتم توثيقه من قبل؛ فظني أني أحرث في أرض محروثة، إلَّا أن يكشف الله لي بعض أزهار أو ثمار لم يبصرها الراءون قبلي، فهنالك يكون تمام جدي وسعدي" (٣) اهـ. وإني وإن كنت الأخيرَ زمانه ... لآتٍ بما لم تستطعه الأوائلُ

стр. 136

هوس المخطوطات يتشدق "محمد عيسى دا ود"، باستناده إلى مخطوطات نادرة (١)، انفرد بالاطلاع عليها دون سائر خلق الله، ولا يمكن لغيره أن يحصل عليها، أو يطالبه بإثبات وجودها في الحقيقة، وهاك بعضَ تصريحاته: ١ - وفي بقايا مخطوط نادر يحوزه أحد الأثرياء العرب المقيمون (؟!) دائمًا في ألمانيا -وقد طالعت بعض فقراته- لرسالة قصيرة اسمها "الشرر في خبر شر البشر" لعالم مسلم اسمه (الكامل بن ريح البر) من علماء القرن الخامس الهجري، كان يقطن ببغداد، وله مؤلفات عدة حازها التتار وملوك الغرب .. (٢). ثم لا يفوته أن يؤكد: "أن صاحب هذا المخطوط يرفض حتى مجرد تصويره" (٣). ٢ - (هذه الرواية سمعتها من عالم من أرض "اليمن السعيد" اسمه حيدر بن عبد الله بن سلام بن شاري، يمتلك مخطوطات رهيبة، يقول: إنها تعود إلى مئات السنين، بل منها ما يعود في أصوله إلى (٧٠٠) عام قبل ميلاد المسيح ﵇، وهو لا يُطلع عليها أحدًا إلَّا خاصة

стр. 137

[لخاصة، وهو من سكان (ريدة) المليئة بيهود اليمن، وهو لا يزال على ] قيد الحياة، ويبلغ المائة وعشر سنوات (١). وبعد ما ذكر أن أسرة الدجال كانت تعبد وثنا على صورة البقرة، وأن أم الدجال مولدة من زنا المحارم، من زوجها المولد من زنا المحارم، وأنه من مواليد الحيض، وأن الشيطان جامع أمه مع أبيه ... إلى آخر خيالاته، ثم يتبجح بقوله: ٣ - "إن هذا الكلام لا أقوله من عنديات نفسي ... إنه مذكور- في نقوش ومخطوطات صخرية في بلدة "إربد" بالأردن، ومع الزمن سُرقت النقوش والصخور الأثرية التي عليها هذه المدونات وغيرها، ولا يعلم أحد أين اختفت أوذُهب بها!! لكن بقيت الرواية في أذهان بعض العلماء الذين تواتروها عن أجدادهم بالشام، وأنها كانت معروفة في أزمنة السابقين- حكايةُ ولدٍ جاء بعد ثلاثين سنة زواجا بلا إنجاب، وتواتروا أنه كان "معيب العينين" منذ الميلاد ... ... ولأن ولدها -أي: أم المسيح الدجال- لا يرضع منها أصيبت باحتباس اللبن مما سبب لها حالة من التسمم! ماتت على إثرها" (٢). وتحت عنوان: "عندما تكلمت المخطوطات" يقول: ٤ - ومن عدة مخطوطات من أثمن وأندر ما يكون على وجه الأرض يمتلكها أحد العلماء بالقدس الشريف يمكن أن نواصل الرحلة عبر الماضي حتى نصل إلى الحاضر.

стр. 138

ثم طفق يروي: "كيف كان جبريل يتردد على الطفل (الدجال) وهو في تلك الجزيرة ... " (١)، ثم قال: "كل ما كتبته في الفقرة الآنفة بعنوان: "عندما تكلمت المخطوطات" هو من خلاصة عدة مخطوطات أثرية وجدت بسرداب تحت أرض مزارعين فلسطينيين، مدونة باللغة الآرامية القديمة من قبل مبعث موسى ﵇، بحوالي أربعة قرون، وهي -والله أعلم- على ما يبدو أنها مما أملاه (إبراهيم) ﵇، في وادي القدس ... ودوَّنَ المخطوطات على ورق كورق البردي رجل ذُكِر أن اسمه "آزاد بن حارم بن صافور" حضر نبي الله إبراهيم ﵇، وسأله في فتنة "الرجل الدجال الخطير" (٢). ٥ - "وهذه المخطوطات توارثها أحفاد الرجل، وكانوا يعيدون كتابتها بالآرامية حتى زمان المسيح ﵇، فأخفاها أحفاد الأحفاد، وسألوا المسيح ﵇ عما أخبر به إبراهيم ﵇، فأكد لهم الخبر. وشاء الله أن يعثر مزارع فلسطيني على هذه المخطوطات والبرديات، فسلَّمها لعالم فلسطيني جليل بالقدس، أعلمنا بما فيها بعد ما فك طلاسمها وعباراتها؛ لأنه متخصص في النقوش الآرامية القديمة وعدة لغات ميتة، ولا يزال يحتفظ بها في سرداب بمنزله القديم

стр. 139

بالقدس، وكنيته (أبو باسل عز الدين نور) للتوقي والتخفي، أما اسمه الحقيقي، وكنيته الحقيقية فالله وحده يعلم ذلك" (١). وفي كتابه "الجفر" يتحدث عن مخطوط عجيب، عبارة عن مجموعة وريقات بدار الوثائق بأنقرة بتركيا كان معنونا ب (٣٦٦٤/ تراث المدينة) لعالم مجهول يقال: إنه كان في القرن ٣ هـ ... ويذكر أنه ائتمنه على النقل منه (أحد العلماء الذين عاهدتهم على كتمان اسمه) (٢). ومن الواضح أنه -بعدم إثبات صورة واحدة الأي من مخطوطاته الموهومة، وقطعه الإسناد إليها- يريد أن يقول: "لا تسألوا شاهدًا على وجودها غيري"! وفي كتابه "المهدي المنتظر على الأبواب" أطلق لخياله العنان، وأخذ يختلق قصصًا خرافية مملَّة تتعلق بمخطوطاته الموهومة، ويحكي مغامراته أو مغامرات أبطال القصص أثناء محاولتهم الحصول عليها (٣)، ولما شعر أنه أسرف في الكذب والدجل إذا به يردد مقولته التي لا يمل من تكرارها: "هذه الأحداث نبوءات ليست من تأليفي، إنها واردة في المخطوطات العربية والإسلامية لدى شرق وغرب" (٤).

стр. 140

ويتمادى في الحديث عن مخطوطاته النادرة: فهذا مخطوط "مخبأ بمكتبة بابا الفاتيكان" (١)، وهذا من طبيب تركي (د. ك. ع. ب) (٢)، وذاك (مخطوط بإحدى الجامعات الكندية) (٣). وهذا مخطوط ينسبه إلى الإمام أحمد: "رسالة آخر الزمان في خبر المهدي والدجال" (٤)، أما مخطوط "الدنيا كلها للمهدي-بمكتبة طهران العامة" فينسبه إلى جعفر الصادق -رحمه الله تعالى- (٥)، وينسب إلى "كاهن أرض الجزيرة" مخطوطًا بمكتبة أغادير العامة بالمغرب (٦). ويدَّعي "السندباد المصري" أن مستشرقًا فرنسيا أطلعه على مخطوط لرجل يُسمَّى "ابن حرشل الرومي" اليهودي، ونقل عنه خماسيتين، ثم سداسية يصفها بأنها "قنبلة ومفاجأة" (٧)، ويدَّعي فيها أن "ابن حرشل" نقل هذا الكلام عن "بارش بن حامس" حاضر موسى، وكليم الرب معه. (٨) ويحاول "السندباد" تعجيز منتقديه، فيتحداهم أن يعرف واحد منهم مجرد أسماء الأعلام الذين لا يعرفهم غيره مثل: "ابن عقدة"،

стр. 141

أو "الجوالبي"، أو "فستقة"، أو "البرهان السقا"، أو "الوولاتي"، أو "ابن أركماش"، أو "ابن كيكلدي"، أو "الرما دي" (١) ولا يدري صاحبنا أن إتيانه بالمزيد من الغرائب سوف يزيد وحشته، ويضاعف غربته بين العلماء. والجاهلون لأهل العلم أعداء لأنهم الذين يكشفون أهل البدع، ويفضحون أكاذيبهم، ويفندون دجلهم، ومن هنا تطاول "السندباد" على قمم سامقة، وجبال شامخة لحاجة في نفسه، فتراه يُعرِّض بوصف الشيخين (البخاري ومسلم) بالجبن؛ لأنهما في زعمه "أهملا الرواية عن آل البيت المحمدي الشريف" (٢)، يقول -عامله الله بما يستحقه-:

стр. 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 144

"ولا أعذر البخاري ومسلمًا إلَّا ليقيني بأن الظروف السياسية القائمة آنئذٍ كان يمكن أن تطيح برأسيهما، فلا يصل شيء منهما أصلًا، وهو العذر الوحيد المقبول؛ لأنه يجوز أن يكون المؤمن جبانًا (١)، ولكن لا

стр. 145

يجوز أن يكون كذابًا) (١) اهـ. ويتمادى في عدوانه حتى ينالَ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، فيقول: "ابن تيمية الذي يحبه هؤلاء القوم الذين ألسنتهم أطول من أجسادهم، ومعلوم أن ابن تيمية أحد عشاق يزيد بن معاوية، وأحد مبغضي سيدنا الحسين (٢)، يقول في تفسير سورة النور: "إنه وقف على ما شاء الله من الكتب الكبار والصغار، أكثر من مائة تفسير" (٣)، وأنا
следующие страницы →