← Акыда

Акыда · id 14248

فقه أشراط الساعة

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (363 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أو "الجوالبي"، أو "فستقة"، أو "البرهان السقا"، أو "الوولاتي"، أو "ابن أركماش"، أو "ابن كيكلدي"، أو "الرما دي" (١) ولا يدري صاحبنا أن إتيانه بالمزيد من الغرائب سوف يزيد وحشته، ويضاعف غربته بين العلماء. والجاهلون لأهل العلم أعداء لأنهم الذين يكشفون أهل البدع، ويفضحون أكاذيبهم، ويفندون دجلهم، ومن هنا تطاول "السندباد" على قمم سامقة، وجبال شامخة لحاجة في نفسه، فتراه يُعرِّض بوصف الشيخين (البخاري ومسلم) بالجبن؛ لأنهما في زعمه "أهملا الرواية عن آل البيت المحمدي الشريف" (٢)، يقول -عامله الله بما يستحقه-:

стр. 142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 144

"ولا أعذر البخاري ومسلمًا إلَّا ليقيني بأن الظروف السياسية القائمة آنئذٍ كان يمكن أن تطيح برأسيهما، فلا يصل شيء منهما أصلًا، وهو العذر الوحيد المقبول؛ لأنه يجوز أن يكون المؤمن جبانًا (١)، ولكن لا

стр. 145

يجوز أن يكون كذابًا) (١) اهـ. ويتمادى في عدوانه حتى ينالَ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، فيقول: "ابن تيمية الذي يحبه هؤلاء القوم الذين ألسنتهم أطول من أجسادهم، ومعلوم أن ابن تيمية أحد عشاق يزيد بن معاوية، وأحد مبغضي سيدنا الحسين (٢)، يقول في تفسير سورة النور: "إنه وقف على ما شاء الله من الكتب الكبار والصغار، أكثر من مائة تفسير" (٣)، وأنا

стр. 146

أرجو أن يُحْصُوا لي أسماء٧٠ تفسيرًا، لا ١٠٠ كما قال ابن تيمية، فإما الرجل كذاب (١)، وإما هناك ١٠٠ تفسير، ولكن لم يصلنا الكثير" (٢) اهـ.

стр. 147

عَوْدٌ إلى خرافة المخطوطات لقد ادَّعى "السندباد المصري" اطلاعه على إحدى المخطوطات الإسلامية (١) الموجودة في دار الكتابخانة بتركيا تحت مسمى أو تصنيف (٣٦٦٤/ تراث المدينة المنورة) (٢)، لعالم مدني كان يعيش بالمدينة المنورة في القرن الثالث الهجري، وهو "كلدة بن زيد بن بركة المدني" (٣)، بعنوان "أسمى المسالك لأيام المهدي الملك لكل الدنيا بأمر الله المالك" (٤)، ومما جاء في هذا المخطوط المزعوم: "وحرب في بلد أصغر من عَجْب الذَّنب، يجمع أهل الدنيا لها، كأنها أغنى بلد أولم عليها الوالمون (٥)، وأمير فيها سلَّم رايته لزعيمة الشر

стр. 148

الآتية من الشواطئ البعيدة الغربية بداية آخر الزمن، فتجمع له صريخها من كل الدنيا، وترد له عرش الملك، ويخرب عراق في ملاحم بداية آخر الزمن، ويحارب أمير الذنب الصغير جيوش المهدي (١). وفي نفس المرجع السابق في مخطوط آخر من القرن الثالث الهجري لتابعي شامي (٢)، وجاء في ذلك المخطوط "النادر": "وفي عراق الشام رجل متجبر ... و ... سفياني، في إحدى عينيه كسلٌ قليل، واسمه من الصدام، وهو صدام لمن يعارضه، الدنيا جمعت له في (كوت) صغير، دخلها وهو مدهون، ولا خير في السفياني إلَّا بالإسلام، وهو خير وشر، والويل لخائن المهدي الأمين (٣). ومما جاء في "المخطوط " المزعوم: "حربُ آخر الزمن حرب كونية، المرة الثالثة بعد اثنين (٤) كبريين، يموت فيهما خلائق كثيرة، الأولى: أشعلها رجل كنيته السيد الكبير، وتنادي

стр. 149

الدنيا باسم (هِتْلَرْ) ... ، وهذا مما رواه أبو هريرة، وابن عباس، وعلي بن أبي طالب ﵃ وفي رواية: خاف أن يحدث بها أبو هريرة، ولما أحس بالموت خاف أن يكتم علمًا، فقال لمن حوله: في نبأ علمته عما هو كائن في حروب آخر الزمن، فقالوا: أخبرنا ولا بأس -جزاك الله خيرًا- فقال: في عقود الهجرة بعد الألف وثلاثمائة -واعقدوا عقودًا- يرى ملك الروم أن حرب الدنيا كلها يجب أن تكون، فأراد الله له حربًا، ولم يذهب طويل زمن، عقد وعقد، فسلط رجل من بلاد اسمها (جِرْمِن)، له اسم الهِر، أراد أن يملك الدنيا، ويحارب الكل في بلاد ثلج وخير، فأمسى في غضب الله بعد سنوات نار، أرداه قتيلًا سِرُّ الروش أو الروس (١). وفي عقود الهجرة بعد الألف وثلاثمائة عُدَّ خمسًا أو ستًّا، يحكم مصر رجلٌ يُكْنى "ناصر"، يدعوه العرب "شجاع العرب"، وأذلَّه الله في حرب وحرب، وما كان منصورًا، ويريد الله لمصر نصرًا له حقًّا في أحب شهوره، وهو له، فأرضى مصرَ ربُّ البيت والعرب بأسمر سادا، أبوه أنور (٢) منه، لكنه صالح لصوص المسجد الأقصى بالبلد الحزين، وفي عراق الشام رجل متجبر ... و ... سفياني ... (إلى أن يقول: "وفي عقود الهجرة الألف وأربعمائة، واعقد اثنين أو ثلاثًا ... يخرج المهدي الأمين، ويحارب كل الكون، يجمعون له الضالون والمغضوب عليهم، والذين مردوا على النفاق في بلاد الإسراء والمعراج، عند جبل

стр. 150

مَجِدُّون، وتخرج له ملكة الدنيا والمكر، زانية اسمها "أمريكا"، تُراود العالم يومئذ في الضلال والكفر، ويهود الدنيا يومئذ في أعلى عليين، يملكون كل القدس والمدينة المقدسة" ... إلخ (١). وقال أيضا: وقد وقعت على نص توراتي في سفر أشعياء الحقيقي، به تفاصيل أكثر، أورده بلا تعليق، ففي نسخة الفاتيكان يقول النص: "وجاءوا إلى سيناي، وحاربوا الملك المصري الذي كان خاسرًا في مواجهتهم، وكل الخيانة كان خدعة نصر لإسرائيل ... وجاء ملك أسمر اللون، رأسه حاسر من الشعر، له أسود ونسور (٢)، فانتصر على إسرائيل، وكلمهم أن يكونوا أصدقاء، وسلام عَمَّ كل المصريين، ولكن ملكهم أسمر اللون أضحى شهيدًا ... " إلى أن قال: "وحراسه كانوا الذين اغتالوه، وكانوا شرارا وتجارًا" (٣). هذا الشبل من ذاك الأسد وقد اغتر به "حاطب ليل"، فاتخذ الغراب دليلًا، ومارس -مثله- هواية التهويش بأن لديه مراجع "بالجملة"، ودون إحراج بطلب ذكر التفاصيل، فقال في مقدمة كتابه: "كما ينبغي التنبيه على أنَّ ثمة مخطوطات نادرة لم تُطبع، تحوي أضعاف الأحاديث المعروفة، سواء

стр. 151

في الكتب المشهورة والغير مشهورة، محفوظة في المكتبات العالمية، كمخطوطات، منها ما هو موجود في المكتبة العراقية الكبرى ببغداد، ومنها في دار الكتبخانة باسطنبول بتركيا، وكذلك مكتبة التراث في "طنجة"، ومنها في مكتبة دار الكتب القديمة بالرباط، ومنها بمكتبة بحرة الشام؛ وهي دمشق في الجامع الأموي، هذا غير كثير من المخطوطات الإسلامية النادرة الموجودة في الفاتيكان، مكتبة البابا" (١). لقد سرت عدوى "هوس المخطوطات" إلى صاحبنا، فراح يهذي بنفس ضلالات "السندباد المصري"، ويردد صدى صوته: أثَّر البهتان فيه ... وانطلى الزورُ عَلَيهْ يا له من ببغاءٍ ... عقلُه في أذنيه تلمح ذلك واضحًا في قوله يحاكي مُقلَّدَه في الهروب من "المحاكمة" العلمية: "كما أن كثيرًا من أحداث الفتن وملاحم آخر الزمان وردت في أحاديث وآثار غير مشهورة، مثبتة في مخطوطات

стр. 152

وكتب ليست سهلة المنال، فكذلك حال الآثار التي بها توجيهات نبوية، ونصائح غالية تستبين بها سبيل النجاة، ولذلك خَفيت على أكثر الناس قديما وحديثًا، إلَّا من اختصه الله تعالى بعلمها، حتى يبثها وينشرها إذا جاء وقتها وحان أوانها" (١). ثم ذكر أنه بعد أن يستدل بالأحاديث والآثار المشهورة يُثَنِّي "بتلك الآثار الخفية غير المشهورة، مع عدم التشديد في اعتبارات مدى صحة أو ضعف الأثر من ناحية السند؛ إذ إنها نصائح وإرشادات (٢) من باب فضائل الأعمال التي يتساهل العلماء في قبول أحاديثها وآثارها، وإن كانت ضعيفة السند، مع الأخذ في الاعتبار أن ضعف سندها ليس شديدًا ولا موضوعا، ثم إنها قد جاءت من أكثر من طريق (٣)؛ مما يجعلني مطمئنا، لإيرادها وذكرها" (٤) اهـ. أقول: صدق الإمام أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- إذ قال: "من طلب غريب الحديث كَذَبَ".

стр. 153

وقال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى-: "وينبغي للمنتخب أن يقصد تخير الأسانيد العالية، والطرق الواضحة، والأحاديث الصحيحة، والروايات المستقيمة، ولا يُذْهِب وقته في التّرَّهات، من تتبع الأباطيل والموضوعات، وتَطلّبِ الغرائب والمنكرات" (١) اهـ. وقال أيضًا -رحمه الله تعالى-: "أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب على إرادتهم كتبُ الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من روايات المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنبًا، والثابت مصروفًا عنه مُطَّرَحًا، وذلك كله لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين، والأعلام من أسلافنا الماضين" (٢) اهـ. مِنْ فَمِكَ اُدينُكَ ومن مغالطات هذا المقلِّد قوله معلقًا على الأثر الذي ادعى أن أبا هريرة كان يكتمه ثم بثه: "وقد قلت في "قبل البيان" إنني سأورد بعض الآثار العجيبة معزوة إلى مصادرها، منسوبة إلى قائليها (٣)،

стр. 154

جاعلًا عهدتها على قائليها (١)، ولولا أنني أقبلها ما أوردتها" (٢)، ثم

стр. 155

أضاف -إمعانًا في المغالطة-: أن أبا هريرة ﵁ كان من أحفظ الصحابة لحديث رسول الله ﷺ ... إلخ (١)، وتجاهل أن عليه أن يثبت ابتداءً صحة السند إلى أبي هريرة ﵁؛ لأننا لن نؤتى من صحابي قطُّ، فالصحابة ﵃، كلهم عدول، وراوية الإسلام أبو هريرة ﵁ من أحفظهم وأضبطهم.

стр. 156

فقه أشراط الساعة

стр. 157

الفصل الثالث اسْتِدْلَالُ العابثين بِمَا لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا المطلب الأول الاسْتِدْلَالُ بِالأَحادِيثِ الضَّعيفَةِ وَالموضُوعَةِ وهذه الآفة "قاسم مشترك" بين الخائضين بالظن في أشراط الساعة، فهم يوردون الأحاديث الضعيفة والباطلة، ثم يؤسسون عليها توقعاتٍ وأحكامًا، متناسين أن التفسير فرع التصحيح، ولو أعملنا قول بعض السلف: "أثبت العرش ثم انقش"؛ لطرح ذلك عن كاهلنا عبئًا ثقيلًا من هذه المرويات الباطلة، ولأرحنا واسترحنا من عناء الجواب عما يطرأ بسببها من إشكالات وتوقعات (١).

стр. 158

الحافظ نُعيم بن حماد، وكتابه "الفتن " يعد كتاب "الفتن" للحافظ نُعيم بن حماد المروزي -رحمه الله تعالى- المرجع الأساس الذي ينهل منه العابثون بأشراط الساعة، ولنضرب لذلك مثلًا صاحبَ "هرمجدون" الذي وصفه بأنه كتاب "بديع" (١)، وتارة: "السِّفْر الجليل" (٢) ولا يفتأ يكرر وصف مؤلفه نُعيم بن حماد بأنه: "شيخ البخاري" (٣)، وقال في موضع آخر: "جمع فيه كوكبة هائلة من أحاديث الفتن وملاحم آخر الزمان، يعزُّ وجودها في مكان آخر" (٤)، فماذا عن الكتاب ومؤلفه؟ أما الكتاب: فقال فيه مسلمة بن قاسم: "له أحاديث منكرة في الملاحم، انفرد بها" (٥). وقال الإمام الذهبي -رحمه الله تعالى-: "وقد صنف كتاب (الفتن) فأتى فيه بعجائب ومناكير" (٦). وقال الدكتور عبد العليم عبد العظيم البستوي حفظه الله: "إن في صحة نسبة الكتاب إليه نظرًا، ولا نستطيع أن نحمله كل المسئولية"، إلى

стр. 159

أن قال: "وهكذا فجميع الروايات التي تفرد بها هذا الكتاب لم أحتج بها، وإنما هي تصلح للاعتبار" (١). وأما المولف: فهو الحافظ أبو عبد الله نُعيم بن حماد المروزي (ت٢٢٨) -رحمه الله تعالى- (٢). قال الحافظ في "هدي الساري": "لقيه البخاري، ولكنه لم يخرج عنه في الصحيح سوى موضع أو موضعين، وعلَّق له أشياء أُخر، وروى له مسلم في المقدمة موضعًا واحدًا". وقال في "التهذيب": "روى عنه البخاري مقرونًا" (٣)، وقال أيضًا: "وأما نعيم فقد ثبتت عدالته وصدقه، ولكن في حديثه أوهام معروفة". وقال في "التقريب": "صدوق يخطئ كثيرًا".

стр. 160

وقال الذهبي: "نعيم من كبار أوعية العلم، لكنه لا تركن النفس إلى رواياته"، وقال في "تذكرة الحفاظ": "وهو مع إمامته منكر الحديث"، وقال أيضًا: "كان من أوعية العلم ولا يحتج به". وقال في "سير أعلام النبلاء": "لا يجوز لأحدٍ أن يحتج به" وتتبع كثيرًا من أوهامه. وقال في "ميزان الاعتدال": "أحد الأئمة الأعلام، على لين في حديثه". وقال في "تلخيص المستدرك": "وفي قوة روايته نزاع"، وقال: "ونعيم منكر الحديث إلى الغاية". وقال يوسف بن عبد الله الخوارزمي: "سألت أحمد بن حنبل عن نعيم بن حماد، فقال: "لقد كان من الثقات". وقال أحمد العجلي: "نعيم بن حماد ثقة مروزي". وقال أبو حاتم: "محله الصدق". وعن أحمد بن ثابت أبي يحيى قال: "سمعت أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يقولان: "نعيم بن حماد معروف بالطلب"، ثم ذمه يحيى، وقال: "يروي عن غير الثقات". وقال أبو علي صالح بن محمد الأسدي: "وكان نعيم يحدث من حفظه، وعنده مناكير كثيرة، لا يتابع عليها". وقال أبو زرعة الدمشقي: "يصل أحاديث يوقفها الناس"، يعني أنه يرفع الموقوفات.

стр. 161

وساق له الخطيب في "تاريخه" حديثًا في ذم أهل الرأي، ثم قال: "وبهذا الحديث سقط نعيم بن حماد عند كثير من أهل العلم بالحديث، إلَّا أن يحيى بن معين لم يكن ينسبه إلى الكذب، بل كان ينسبه إلى الوهم". وقال الأزدي: "كان نعيم ممن يضع الحديث في تقوية السنة، وحكايات مزورة في ثلب النعمان: كلها كذب" وقال الآجري، عن أبي داود: "عند نعيم بن حماد نحو عشرين حديثًا عن النبي ﷺ ليس لها أصل". وقال النسائي: "ليس بثقة"، وقال مرة: "ضعيف". وقال أبو علي النيسابوري: "سمعت النسائي يذكر فضل نعيم بن حماد وتقدمه في العلم والمعرفة والسنن، ثم قيل له في قبول حديثه، فقال: قد كثر تفرده عن الأئمة المعروفين، بأحاديث كثيرة؛ فصار في حدِّ من لا يُحتج به ". وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: "ربما أخطأ ووهِم". وقال أبو سعيد بن يونس: "وكان يفهم الحديث، وروى أحاديث مناكير عن الثقات". وقال مسلمة بن قاسم: "كان صدوقًا، وهو كثير الخطأ (١)، وله أحاديث منكرة في الملاحم، انفرد بها".

стр. 162

وقال الدارقطني: "إمامٌ في السُّنَة، كثير الوهم". وقال أبو أحمد الحاكم: "ربما يخالف في بعض أحاديثه". وقال ابن الجوزي في "التحقيق": "نعيم بن حماد مجروح". وقال صالح بن محمد الأسدي الحافظ: "وكان نعيم يحدِّث من حفظه، وعنده مناكير كثيرة، لا يُتابَع عليها" قال: وسمعت يحيى بن معين سُئل عنه فقال: "ليس في الحديث بشيء، ولكنه صاحب سُنَّة". فها أنت ترى إطباق النقاد على وصفه بالوهم، والخطأ الكثير، وكثرة المناكير، ورواية ما لا أصل (١) له، أما من أثنوا عليه خيرًا ووثقوه؛ فذلك بالنظر إلى دينه وصلابته في السُّنَّة، وكونه عدلًا صدوقًا، لا يتعمد الكذب.

стр. 163

ذِكرُ نُصوصِ بَعضِ أهْلِ الْعِلْمِ في حُكْمِ رِوايَةِ الأحَاديثِ الضّعيفَةِ والموضُوعةِ قال العلماء: لا يحل رواية الحديث الموضوع في أي باب من الأبواب إلَّا مقترنًا ببيان أنه موضوع مكذوب، سواء في ذلك ما يتعلق بالحلال والحرام، أو الفضائل، أو الترغيب والترهيب، أو القصص والتواريخ (١). ومن رواه من غير بيان وضعه فقد باء بالإثم العظيم، وَحَشَرَ نفسه في عِداد الكذابين؛ وذلك لما رواه الإمام مسلم في صحيحه بسنده أن النبي ﷺ قال: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى (٢) أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» (٣). وعن أبي قتادة ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ: «إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَدِيثِ عَنِّي، فَمَنْ قَالَ عَلَيَّ، فَلْيَقُلْ حَقًّا أَوْ صِدْقًا، وَمَنْ تَقَوَّلَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٤).

стр. 164

وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيةً، وَحَدِّثوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ" (١). قال ابن حبان -رحمه الله تعالى-: "في أمر النبي ﷺ أمته بالتبليغ عنه مَنْ بَعدهم -مع ذكره إيجابَ النار للكاذب عليه- دليل على أنه إنما أُمِر بالتبليغ عنه ما قاله ﵇، وما كان من سنته فعلًا أو سكوتًا عند المشاهدة، لا أنه يدخل به في قوله ﷺ : "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً" المحدثون بأسرهم، بل لا يدخل في ظاهر هذا الخطاب إلا من أدى صحيح حديث رسول الله ﷺ دون سقيمه ، وإني خائف على من روى ما سمع من الصحيح والسقيم أن يدخل في جملة الكذبة على رسول الله ﷺ إذا كان عالمًا بما يروى" (٢) اهـ. وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (٣). وعن عبد الله بن وهب قال: قال لي مالك: «اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلَا يَكُونُ إِمَامًا (٤) أَبَدًا وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (٥).

стр. 165

قال عمرو بن ميمون -رحمه الله تعالى-: " مَا أَخْطَأَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ عَشِيَّةَ خَمِيسٍ إِلَّا أَتَيْتُهُ فِيهِ، قَالَ: فَمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ لِشَيْءٍ قَطُّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ عَشِيَّةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَنَكَسَ " قَالَ: «فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَهُوَ قَائِمٌ مُحَلَّلَةً، أَزْرَارُ قَمِيصِهِ، قَدْ اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ، وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ» قَالَ: أَوْ دُونَ ذَلِكَ، أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، أَوْ شَبِيهًا بِذَلِكَ" (١). وقال إياس بن معاوية لسفيان بن حسين: "احفظ عليَّ ما أقول لك: «إِيَّاكَ وَالشَّنَاعَةَ فِي الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ قَلَّمَا حَمَلَهَا أَحَدٌ إِلَّا ذَلَّ فِي نَفْسِهِ، وَكُذِّبَ فِي حَدِيثِهِ» (٢). قال النووي -رحمه الله تعالى-: "معنى كلامه أنه حذره أن يُحدِّث بالأحاديث المنكرة التي يُشَنَّع على صاحبها، ويُنكر، ويُقبح حَال صاحبها فيُكَذَّب أو يُستراب في روياته، فتسقط منزلته، ويذل في نفسه" (٣) اهـ. وحَكَمَ كثير من العلماء على من روى حديثًا موضوعًا -دون تنبيه إلى وضعه وتحذير الناس منه- بالتعزير والتأديب؛ فقد قال البخاري في حق أحد هؤلاء: "من حَدَّثَ بهذا؛ استوجب الضرب الشديد، والحبس الطويل"، بل قال يحيى بن معين -لما ذُكِرَ له حديث سويد الأنباري-:

стр. 166

"من عشق، وعف، وكتم، ثم مات؛ مات شهيدًا"، قال: "هو حلال الدم" (١). وقال ابن قدامة -رحمه الله تعالى-: "أما الأحاديث الموضوعة التي وضعتها الزنادقة؛ ليلبِّسوا بها على أهل الإسلام، أو الأحاديث الضعيفة -إمَّا لضعف رواتها، أو جهالتهم، أو لعلة فيها- فلا يجوز أن يُقال بها، ولا اعتقاد ما فيها، بل وجودها كعدمها" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "فالواجب أن يُفرَّقَ بين الحديث الصحيح والحديث الكَذبِ؛ فإن السنة هي الحق دون الباطل، وهي الأحاديث الصحيحة دون الموضوعة، فهذا أصل عظيم لأهل الإسلام عمومًا، ولمن يدعي السنة خصوصًا" (٣). وقال أيضًا: "الاستدلال بما لا تُعلم صحته لا يجوز بالاتفاق؛ فإنه قولٌ بلا علم، وهو حرام بالكتاب والسنة، والإجماع" (٤). وقال الشوكاني -رحمه الله تعالى-: "إن الأحكام الشرعية متساوية الأقدام، لا فرق بينها، فلا يحلُّ إذاعة شيء منها إلَّا بما يقوم به الحجة، وإلا كان من التقوُّل على الله ما لم يَقُلْ، وفيه من العقوبة ما هو معروف" (٥).

стр. 167

المطلب الثاني الاعتمادُ على مَرويَّات الرَّافضةِ، وغُلاةِ الصّوفيَّةِ أولًا: مرويات الرافضة (١): "أكذب من رافضي" عبارة سارت مثلًا، وأصلها: اتفاق علماء الجرح والتعديل على أن الكذب في الرافضة الشيعة أظهر منه في سائر الطوائف، فمن قرأ كتب الجرح والتعديل المصنفة في أسماء الرواة وأحوالهم مثل كتب البخاري، وابن معين، وابن عدي، والدارقطني، وغيرهم من جهابذة النقاد وأهل المعرفة بأحوال الإسناد، سوف يجد أن الرأي المجمع عليه: أن الكذب في الشيعة أكثر منه في جميع طوائف أهل القبلة. نصوص أئمة الحديث على أن الكذب شعار الرافضة قال أبو معاوية: سمعت الأعمش يقول: "أدركت الناس وما يسمونهم إلَّا الكذَّابين" (٢). وروى الخطيب البغدادي بسنده إلى ابن المبارك قال: "سأل أبو عصمة أبا حنيفة: ممن تأمرني أن أسمع؟ قال: "مِن كل عَدْلٍ في هواه إلَّا الشيعة، فإن أصلَّ عقدهم تضليلُ أصحاب محمد ﷺ " (٣).

стр. 168

وقال حماد بن سلمة: حدثني شيخ لهم -يعني الرافضة-: قال: "كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئًا، جعلناه حديثا" (١). وقال محمد بن سعيد الأصفهاني: سمعت شريكًا يقول: "احمل العلم عن كل من لقيته إلَّا الرافضة، فإنهم يضعون الحديث، ويتخذونه دينًا" (٢). وقال يونس بن عبد الأعلى: قال أشهب: سئل مالك ﵁ عن الرافضة فقال: "لا تكلمهم، ولا ترو عنهم، فإنهم يكذبون" (٣). وقال عبد الله بن المبارك: "الدين لأهل الحديث، والكلام والحيل لأهل الرأي، والكذب للرافضة" (٤). وقال حرملة: سمعت الشافعي ﵁ يقول: "لم أر أحدًا أشهد بالزور من الرافضة" (٥). وقال مؤمِّل بن إهاب: سمعت يزيد بن هارون يقول: "يكتب عن كل مبتدع إذا لم يكن داعية -أي إلى بدعته- إلا الرافضة فإنهم يكذبون" (٦). والشيعة جعلوا الكذب شعارًا لهم، وصبغوه صبغةً دينيةً باسم التقية، حيث قالوا: "لا إيمان لمن لا تقية له"، ونسبوا هذه الرواية إلى محمد الباقر زورا وبهتانا (٧).

стр. 169

هذا وقد اشتكى منهم ومن أكاذيبهم الكثيرة عليٌّ ﵁ وأهل بيته، إذ لا يتورعون في افتراء الكذب على لسانهم. فقد ذكر أبو عمرو الكشي في "الرجال": "قال أبو عبد الله -جعفر الصادق-: إنا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا، فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس. كان رسول الله ﷺ أصدق البرية لهجة، وكان مسيلمة يكذب عليه، وكان أمير المؤمنين -علي بن أبي طالب- أصدق من برأ الله من بعد رسول الله، وكان الذي يكذب عليه عبد الله بن سبأ -لعنه الله-، وكان أبو عبد الله الحسين بن علي قد ابتلي بالمختار -الثقفي- ثم ذكر علي بن الحسين فقال: كان يكذب عليه أبو عبد الله الحارث الشامي وبنان، ثم ذكر المغيرة بن سعيد والسري، وأبا الخطاب ... فقال: "لعنهم الله، إنا لا نخلو من كذاب يكذب علينا، كفانا الله مؤنة كل كذَّاب، وأذاقهم الله حرَّ الحديد" (١). وقد أسرفت الرافضة في وضع الأحاديث والأخبار بما يتفق مع أهوائها، فكما وضعوا الأحاديث في فضل علي وآل البيت (٢)، فقد وضعوا أيضا الأحاديث في ذم الصحابة وخاصة الشيخين أبي بكر وعمر، حتى قال ابن أبي الحديد (٣): "فالأمور المستبشعة التي تذكرها الشيعة من إرسال قنفذ إلى بيت فاطمة وأنه ضربها بالسوط، فصار في عَضُدها كالدُّمْلُج، وأن عمر ضغطها بين الباب والجدار، فصاحت:

стр. 170

يا أبتاه، وجعل في عنق علي حبلًا يقاد به، وفاطمة خلفه تصرخ، وابناه الحسن والحسين يبكيان -وأخذ ابن أبي الحديد في ذكر كثير من المثالب، ثم قال-: فكل ذلك لا أصل له عند أصحابنا، ولا يثبته أحد منهم، ولا رواه أهل الحديث ولا يعرفونه، وإنما هو شيء تنفرد الشيعة بنقله" (١). وكذلك وضعوا الأحاديث في ذم معاوية ﵁ ومثال ذلك الحديث المنسوب إلى رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم معاوية على منبري، فاقتلوه" (٢) كما رووا أحاديث كثيرة موضوعة في غيره من الصحابة مع العلم أن من يكذب على رسول الله ﷺ من باب أولى أن يكذب على غيره. من نصوص شيخ الإسلام في كشف كذب الرافضة تعتبر كتابات ابن تيمية من أجلِّ ما صنف في فضح مخططات الرافضة والكشف عن افتراءاتهم في مجال العقائد والحديث والفقه والتاريخ، حيث امتلأت كتبه وفتاويه بدفاع مجيد عن مختلف هذه القضايا من وجهة نظر إسلامية خالصة، مع بيان دور الشيعة الفعال في الدس وتلفيق الأخبار تحت ستار التشيع لآل البيت. يقول -رحمه الله تعالى- في هذا الشأن: "وقد اتفق أهل العلم بالنقل والرواية والإسناد على أن الرافضة أكذب الطوائف، والكذب فيهم قديم، ولهذا كان أئمة الإسلام يعلمون امتيازهم بكثرة الكذب" (٣).

стр. 171

وقال في موطن آخر: "والقوم من أكذب الناس في النقليات (١) وأجهل الناس في العقليات، ولهذا كانوا عند العلماء أجهل الطوائف .... وإنما عمدتهم على تواريخ منقطعة الإسناد، وكثير منها من وضع المعروفين بالكذب، فيعتمدون على نقل أبي مخنف لوط بن يحيى، وهشام بن الكلبي .... والخوارج -مع مروقهم من الدين- فهم من أصدق الناس، حتى قيل: إن حديثهم من أصح الحديث. والرافضة يقرون بالكذب حيث يقولون: ديننا التقية، وهذا هو النفاق، ثم يزعمون أنهم المؤمنون، ويصفون السابقين الأولين بالردة والنفاق، فهو كما قيل "رمتني بدائها وانسلت" ... بل هذه صفة الرافضة، فشعارهم الذل، ودثارهم النفاق والتقية، ورأس مالهم الكذب والأيمان الفاجرة إن لم يقعوا في الغلو والزندقة، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ... " (٢).

стр. 172

وحين ادعى ابن المطهر الحلِيُّ أن "رجال الشيعة ثقات" انبرى له شيخ الإسلام قائلًا: "نحن ننتقد رجالنا من أهل السنة والحديث نقدًا لا مزيد عليه، ولنا مصنفات كثيرة جدًّا في تعديلهم وضعفهم وصدقهم وغلطهم وكذبهم ووهمهم، لا نحابيهم أصلًا -مع صلاحهم وعبادتهم- ونُسْقِط الاحتجاجَ بالرجل منهم لكثرة غلطه وسوء حفظه، ولو كان من أولياء الله. وأنتم حد الثقة عندكم أن يكون إماميًّا سواء غلط أو حفظ، أو كذب أو صدق ... وغالب ما في أيديكم صحف وأخبار على ألسنتكم مكذوبة، أو لم تعلم صحتها، كدأب أهل الكتابين سواء -اليهود والنصارى- وكذب الرافضة مما يُضرب به المثل، ونحن نعلم أن الخوارج شر منكم، ومع هذا فما نقدر أن نرميهم بالكذب، لأننا جربناهم فوجدناهم يتحرون الصدق، لهم وعليهم، وأنتم الصادق فيكم شامة! .. فأهل السنة والحديث لا يرضون بالكذب ولو وافق أهواءهم، فكم قد روي من فضائل أبي بكر وعمر وعثمان، بل ومعاوية وغيرهم أحاديث بالأسانيد يرويها مثل النقاش، والقَطِيعي، والثعلبي، والأهوازي، وأبي نعيم، والخطيب، وابن عساكر، وأضعافهم، ولم يقبل علماء الحديث شيئًا يتبينون الكذب منه، بل إذا كان في إسناد الحديث واحد مجهول الحال توقفوا في الحديث. وأنتم شرط الحديث عندكم أن يوافق أهواءكم غثًّا كان أو سمينًا" (١).

стр. 173

وقال أيضًا في "مجموع الفتاوى": "إن الرافضة أمة ليس لها عقل صريح، ولا نقل صحيح، ولا دين مقبول، ولا دنيا منصورة، بل هم من أعظم الطوائف كذبًا وجهلًا. ودينهم يُدخل على المسلمين كل زنديقٍ مرتد، كما دخل فيهم النّصيرية والإسماعيلية وغيرهم، فإنهم يعمدون إلى خيار الأئمة يعادونهم، ويعمدون إلى الصدق الظاهر المتواتر يدفعونه، وإلى الكذب المختلق الذي يُعْلَم فساده يقيمونه ... ولهذا كانوا أبهت الناس وأشدهم فرية مثلما يذكرون عن معاوية ... والشيعة لا يكاد يوثق برواية أحد منهم من شيوخهم؛ لكثرة الكذب فيهم، ولهذا أعرض عنهم أهل الصحيح، فلا يروي البخاري ومسلم أحاديث عليّ إلَّا من أهل بيته كأولاده مثل الحسن والحسين، ومثل محمد بن الحنفية، وكاتبه عبيد الله بن رافع، والحارث التيمي، وقيس بن عبَّاد، وأمثالهم، إذ هؤلاء صادقون فيما يروون في علي " (١). وحين ذكرهم ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى- قال: "وأما علي بن أبي طالب فانتشرت أحكامه وفتاويه، ولكن قاتل الله الشيعة فإنهم أفسدوا كثيرًا من علمه بالكذب عليه، ولهذا تجد أصحاب الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه وفتواه إلَّا ما كان من طريق أهل بيته، وأصحاب عبد الله بن مسعود" (٢). وتجب الإشارة إلى أن أكثر الرواة الذين ذكروا تلك التهم والمطاعن عن خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، هم من الشيعة. ولم ينقلوا

стр. 174

هذه الوقائع عمن شاهدوها، بل كانت سمعًا على سمع، وكذبًا على كذب، فكثيرًا ما يروي الراوي الحادثة والواقعة وبينه وبينها عشرات السنين. وهؤلاء الرواة مع كذبهم، وكونهم دعاةً إلى مذهبهم هم طرف في تلك الوقائع والحوادث؛ حيث يتبعون تلك الشلَّة أو الطائفة التي سَعَّرت نار الفتنة. فهم على شاكلتهم يعملون نفس العمل بالقلم واللسان الذي سعى به أسلافهم السبئية بالجسد والروح. ثانيًا: اعتماد العابثين بأشراط الساعة على مرويات الرافضة، وغلاة الصوفية كاعتماد بعضهم على كتاب "عنقاء مُغرِب" لابن عربي الصوفي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وابن عربي في كتاب "عنقاء مُغرِب" وغيره أخبر بمستقبلات كثيرة، عامتها كذب" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه، ونوَّر ضريحه-: "ومن أمثلة ذلك: أنك تجد عند الرافضة والمتشيعة ومن أخذ عنهم من دعوى علوم الأسرار والحقائق التي يدَّعون أخذها عن أهل البيت، إمَّا من العلوم الدينية، وإما من علم الحوادث الكائنة، ما هو عندهم من أجَلِّ الأمور التي يجب التواصي بكتمانها، والإيمان بما لا يعلم حقيقته من ذلك، وجميعها كذبٌ مختلق، وإفكٌ مفترى، فإن هذه الطائفة "الرافضة" من أكثر الطوائف كذبًا، وادّعاءً للعلم المكتوم، ولهذا انتسبت إليهم الباطنية والقرامطة. وهؤلاء خرج أولهم في زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وصاروا يدَّعون أنه خُصَّ بأسرار من العلوم والوصية، حتى

стр. 175

كان يسأله عن ذلك خواص أصحابه، فيخبرهم بانتفاء ذلك، ولما بلغه أن ذلك قد قيل؛ كان يخطب الناس، وينفي ذلك عن نفسه" (١) اهـ. وقال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: "وأما ما يرويه أهل الكذب والجهل من اختصاص عليّ بعلم انفرد به عن الصحابة؛ فكله باطل ... وكذلك ما يذكر أنه كان عنده علم باطن امتاز به عن أبي بكر وعمر وغيرهما، فهذا من مقالات الملاحدة الباطنية" (٢). وقد ادَّعى "محمد عيسى داود" أن عليّا ﵁ تلقى العلوم الظاهرة والباطنة من النبي ﷺ (٣)، وكذا الأسرارَ الغيبيةَ المتعلقةَ بكل ما يحدث في العالم حتى يوم القيامة، ثم إن عليّا لغَّزَ (٤) هذه العلوم بالرموز، والحروف المقطعة، والأشكال الخاصة، وادَّعى أن ذلك لا يطلع عليه إلَّا ورثة علم سيدنا علي من آل البيت الشريف (٥).

стр. 176

وزعم أيضًا أن أهل البيت توارثوا كتاب "الجامعة"، وادَّعى أنه إملاءٌ من رسول الله ﷺ ، وخط علي ﵁ (١). وادَّعى أيضًا حجية "الجفر" المزعوم (٢)، وذكر استدلالات منه على إعادة بناء الهيكل اليهودي (٣). وقال في شأن "الجفر": (وفي الجفر الكبير "الأحمر" علوم صريحة واضحة الأحداث والمعالم، و"الجفر الصغير" مجموعات علوم، وتنبؤات ملغزة بقواعد علم الحرف، تلك العلوم الشديدة الخصوصية، والتي لا يعرفها إلَّا ندرة من أهل العلم (٤). اهـ. فيا أسفا على مصنفين من أهل السنة، يُخدعون بمثل هذا الإنسان، ويرتضونه لهم قائدًا: أَعمَى يَقُودُ بَصيرًا لَا أَبَا لَكُمُ ... قدْ ضَلَّ مَنْ كانَتِ الْعُميَانُ تَهْدِيه

стр. 177

المطلب الثالث الغُلُوُّ في تَقبُّلِ الإِسْرائيليَّاتِ (١) تمتلئ كتب "العابثين بأشراط الساعة" بعشرات الأخبار الإسرائيلية المنقولة عن كتب اليهود والنصارى، وقد فصَّل العلماء الموقف من هذه الإسرائيليات، وبينوا أنها على ثلاثة أقسام (٢): الْقِسمُ الْأَوَّلُ ما علمنا صحته مما بأيدينا من القرآن والسنة، والقرآن هو الكتاب المهيمن، والشاهد على الكتب السماوية قبله، فما وافقه فهو حقٌّ وصدق، وما خالفه فهو باطل وكذب، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨].

стр. 178

وهذا القسم صحيح وفيما عندنا غُنْيَة عنه، ولكن يَجوز ذكره، وروايته للاستشهاد به، ولإقامة الحجة عليهم من كتبهم؛ وذلك مثل ما ذُكر في صاحب موسى ﵇ وأنه الْخَضِرُ، فقد ورد في الحديث الصحيح، ومثل ما يتعلق بالبشارة بالنبي ﷺ وبرسالته، وأن التوحيد هو دين جميع الأنبياء، مما غفلوا عن تحريفه، أو حرفوه، ولكن بقي شعاع منه يدل على الحق. وفي هذا القسم: ورد قوله ﷺ : «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١)، قال الحافظ في "الفتح": "أي: لا ضيق عليكم في الحديث عنهم؛ لأنه كان تقدَّم منه ﷺ الزجر من الأخذ عنهم، والنظر في كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك، وكان النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية، والقواعد الدينية؛ خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك؛ لما في سماع الأخبار التي كانت في زمنهم من الاعتبار" (٢). الْقِسمُ الثَّانِي ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه؛ وذلك مثل ما ذكروه في قصص الأنبياء، من أخبار تطعن في عصمة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كقصة يوسف، وداود، وسليمان، ومثل ما ذكروه في توراتهم: من أن الذبيح إسحاق، لا إسماعيل، فهذا لا تجوز روايته وذكره، إلَّا مقترنًا

стр. 179

ببيان كذبه، وأنه مما حرفوه وبدلوه، قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١]. وفي هذا القسم: ورد النهي عن النبي ﷺ للصحابة عن روايته، والزجر عن أخذه عنهم، وسؤالهم عنه، قال الإمام مالك -رحمه الله تعالى- في حديث "حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ": المرادُ جوازُ التحدث عنهم بما كان من أمر حَسَنٍ، أَما ما عُلِمَ كذِبُهُ فلا (١). ولعل هذا هو المراد من قول ابن عباس ﵄: " يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكُمْ ﷺ أَحْدَثُ (٢) الأَخْبَارِ بِاللَّهِ، مَحْضًا لَمْ يُشَبْ (٣)، وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللَّهُ: أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَغَيَّرُوا، فَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الكُتُبَ، قَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِذَلِكَ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَوَلاَ يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ العِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ؟ فَلاَ وَاللَّهِ، مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ " (٤).

стр. 180

الْقِسْمُ الثَّالِثُ ما هو مسكوت عنه: لا من هذا، ولا من ذاك، فلا نؤمن به، ولا نُكَذِّبُهُ؛ لاحتمال أن يكون حقّا فنكذبه، أو باطلًا فنصدقه، ويجوز حكايته لما تقدم من الإذن في الرواية عنهم (١). ولعل هذا القسم هو المراد بما رواه أبو هريرة ﵁ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ» وَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] (٢)، ومع هذا فالأولى عدم ذكره، وأن لا نضيع الوقت في الاشتغال به (٣)، قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: (وَرَدَ حديث أخرجه الإمام أحمد، وابن أَبي شيبة والبزار، من حديث جابر: أن عمر أَتى النبي ﷺ بكتاب أَصابه من بعض أَهل الكتاب، فقرأَه عليه، فغضب، وقال: "لقد جِئْتكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لا تَسْأَلُوهُم عَنْ شَيءٍ فيُخْبِرُوكُم بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِباطِلٍ، فَتُصَدِّقُوا به، والذي نَفْسِي بِيَده، لَوْ أن مُوسَى كَانَ حَيُّا مَا وَسِعَهُ الَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي"، ورجاله موثقون: إلَّا أن في مجالدٍ -أحدِ رواته- ضَعْفًا، وأخرج البزَّارُ أيضًا من طريق عبد الله بن ثابت الأَنصاري: أَن عُمَرَ نسخ
следующие страницы →