وزعم أيضًا أن أهل البيت توارثوا كتاب "الجامعة"، وادَّعى أنه إملاءٌ من رسول الله ﷺ ، وخط علي ﵁ (١).
وادَّعى أيضًا حجية "الجفر" المزعوم (٢)، وذكر استدلالات منه على إعادة بناء الهيكل اليهودي (٣).
وقال في شأن "الجفر": (وفي الجفر الكبير "الأحمر" علوم صريحة واضحة الأحداث والمعالم، و"الجفر الصغير" مجموعات علوم، وتنبؤات ملغزة بقواعد علم الحرف، تلك العلوم الشديدة الخصوصية، والتي لا يعرفها إلَّا ندرة من أهل العلم (٤). اهـ.
فيا أسفا على مصنفين من أهل السنة، يُخدعون بمثل هذا الإنسان، ويرتضونه لهم قائدًا:
أَعمَى يَقُودُ بَصيرًا لَا أَبَا لَكُمُ ... قدْ ضَلَّ مَنْ كانَتِ الْعُميَانُ تَهْدِيه
стр. 177
المطلب الثالث
الغُلُوُّ في تَقبُّلِ الإِسْرائيليَّاتِ (١)
تمتلئ كتب "العابثين بأشراط الساعة" بعشرات الأخبار الإسرائيلية المنقولة عن كتب اليهود والنصارى، وقد فصَّل العلماء الموقف من هذه الإسرائيليات، وبينوا أنها على ثلاثة أقسام (٢):
الْقِسمُ الْأَوَّلُ
ما علمنا صحته مما بأيدينا من القرآن والسنة، والقرآن هو الكتاب المهيمن، والشاهد على الكتب السماوية قبله، فما وافقه فهو حقٌّ وصدق، وما خالفه فهو باطل وكذب، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨].
стр. 178
وهذا القسم صحيح وفيما عندنا غُنْيَة عنه، ولكن يَجوز ذكره، وروايته للاستشهاد به، ولإقامة الحجة عليهم من كتبهم؛ وذلك مثل ما ذُكر في صاحب موسى ﵇ وأنه الْخَضِرُ، فقد ورد في الحديث الصحيح، ومثل ما يتعلق بالبشارة بالنبي ﷺ وبرسالته، وأن التوحيد هو دين جميع الأنبياء، مما غفلوا عن تحريفه، أو حرفوه، ولكن بقي شعاع منه يدل على الحق.
وفي هذا القسم: ورد قوله ﷺ : «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١)، قال الحافظ في "الفتح": "أي: لا ضيق عليكم في الحديث عنهم؛ لأنه كان تقدَّم منه ﷺ الزجر من الأخذ عنهم، والنظر في كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك، وكان النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية، والقواعد الدينية؛ خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك؛ لما في سماع الأخبار التي كانت في زمنهم من الاعتبار" (٢).
الْقِسمُ الثَّانِي
ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه؛ وذلك مثل ما ذكروه في قصص الأنبياء، من أخبار تطعن في عصمة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كقصة يوسف، وداود، وسليمان، ومثل ما ذكروه في توراتهم: من أن الذبيح إسحاق، لا إسماعيل، فهذا لا تجوز روايته وذكره، إلَّا مقترنًا
стр. 179
ببيان كذبه، وأنه مما حرفوه وبدلوه، قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١].
وفي هذا القسم: ورد النهي عن النبي ﷺ للصحابة عن روايته، والزجر عن أخذه عنهم، وسؤالهم عنه، قال الإمام مالك -رحمه الله تعالى- في حديث "حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ": المرادُ جوازُ التحدث عنهم بما كان من أمر حَسَنٍ، أَما ما عُلِمَ كذِبُهُ فلا (١).
ولعل هذا هو المراد من قول ابن عباس ﵄:
" يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكُمْ ﷺ أَحْدَثُ (٢) الأَخْبَارِ بِاللَّهِ، مَحْضًا لَمْ يُشَبْ (٣)، وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللَّهُ: أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَغَيَّرُوا، فَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الكُتُبَ، قَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِذَلِكَ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَوَلاَ يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ العِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ؟ فَلاَ وَاللَّهِ، مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ " (٤).
стр. 180
الْقِسْمُ الثَّالِثُ
ما هو مسكوت عنه: لا من هذا، ولا من ذاك، فلا نؤمن به، ولا نُكَذِّبُهُ؛ لاحتمال أن يكون حقّا فنكذبه، أو باطلًا فنصدقه، ويجوز حكايته لما تقدم من الإذن في الرواية عنهم (١).
ولعل هذا القسم هو المراد بما رواه أبو هريرة ﵁ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ» وَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] (٢)، ومع هذا فالأولى عدم ذكره، وأن لا نضيع الوقت في الاشتغال به (٣)، قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: (وَرَدَ حديث أخرجه الإمام أحمد، وابن أَبي شيبة والبزار، من حديث جابر: أن عمر أَتى النبي ﷺ بكتاب أَصابه من بعض أَهل الكتاب، فقرأَه عليه، فغضب، وقال: "لقد جِئْتكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لا تَسْأَلُوهُم عَنْ شَيءٍ فيُخْبِرُوكُم بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِباطِلٍ، فَتُصَدِّقُوا به، والذي نَفْسِي بِيَده، لَوْ أن مُوسَى كَانَ حَيُّا مَا وَسِعَهُ الَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي"، ورجاله موثقون: إلَّا أن في مجالدٍ -أحدِ رواته- ضَعْفًا، وأخرج البزَّارُ أيضًا من طريق عبد الله بن ثابت الأَنصاري: أَن عُمَرَ نسخ
стр. 181
صحيفة من التوراة، فقال رسول الله ﷺ : "لا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَئءٍ" وفي سنده جابر الجعفي، وهو ضعيف، واستعمله -يعني البخاري- فى الترجمة لورود ما يشهد بصحته من الحديث الصحيح " (١).
قال ابن بَطَّال عن المهلب: "هذا النهي في سؤالهم عما لا نصَّ فيه؛ لأَن شرعنا مُكْتَفٍ بنفسه، فإذا لم يوجَدْ فيه نصّ؛ ففي النظر والاستدلال غِنًى عن سُؤَالِهِم، ولا يدخل في النهي سؤالهم عن الأَخبار المصدقة لشرعنا، والأَخبار عن الأُمم السالفة" (٢).
تَشْدِيدُ أَمِير الْمُومِيين عُمَرَ ﵁ عَلَى مَنْ كَانَ يَكْتُبُ شَيْئًا مِنْ كُتُبِ الْيَهُودِ:
وقد كانت مَقَالة النبي ﷺ لعمرَ ﵁، وغضبه لكتابته شيئًا من التوراة درسًا تعلم منه سيدنا عمر، ومنهجًا أخذ الناسَ به؛ فقد روى الحافظ أَبو يعلى، بسنده عن خالد بن عرفطة قال: كنت جالسًا عند عمرَ، إذ أُتي برجل من عبد القيس، مسكنه بالسوس، فقال له عمر، أنت فلان بن فلان العبدي؟ قال: نعم، قال: وأَنت النازل بالسوس؟ قال: نعم، فضربه بقناة معه، فقال الرجل: ما لي يا أَمير المؤْمنين؟! فقال له عُمَرُ: اجْلِسْ، فَجَلَسَ، فقرأ عليه: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
стр. 182
هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ [يوسف:١ - ٣]، فقرأها عليه ثلاثًا، وضربه ثلاثًا، فقال له الرجل: مالي يا أميرَ المؤمنين؟! قال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال (١)، قال: مُرْنِي بأَمرِك أَتَّبِعْهُ، قال: انطلق فامحه بالحميم (٢)، والصوف الأَبيض، ثم لا تقرَأهُ، ولا تُقْرِئهُ أَحَدًا من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته، أو أَقرأته أَحدًا من الناس لأُنهكنك عقوبة، ثم قال: اجلس، فجلس بين يديه، فقال: انطلقتُ أَنا فانتسختُ كتابًا من أَهل الكتاب، ثم جئت به في أَديم (٣)، فقال لي رسول الله ﷺ : "مَا هَذَا فِي يَدِكَ يَا عُمَرُ؟ " قلت: يا رسولَ الله، كتاب نسختُهُ لنزداد به علمًا إلى علمنا، فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه، ثم نُوديَ ب (الصَّلاةُ جَامِعَة)، فقالت الأَنصار: أَغَضِب نبِيكُّم؟ السلاحَ السلاحَ، فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله ﷺ فقال: "يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ أُؤييتُ جَوَامِعَ الْكَلِم، وَخَوَاتِيمَهُ، وَاخْتُصِرَ لِيَ اخْتِصَارًا، وَلَقَدْ أَتَيْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نقِيَّةً، فَلَا تَهَوَّكُوا، وَلَا يَغُرَّنَكُمُ الْمُتَهَوِّكُونَ" (٤).
قال عمر: فقمتُ، فقُلتُ: "رضِيتُ بالله ربَّا، والإسلام دينَا، وبك رسولًا، ثم نَزَلَ رسول الله ﷺ ".
وروى الحافظ أَبو بكر الإسماعيلي بسنده عن جبير بن نفير: أَن رجلين كانا بحمص في خلافة عُمَرَ ﵁ فأرسل إِليهما فيمن
стр. 183
أَرسل من أَهل حمص، وكانا قد اكتتبا من اليهود شيئًا في صحيفة، فأَخذاها معهما يستفتيان فيها أَمير المؤمنين عمر، فلما قدما عليه قالا: إِنا بأَرض أَهل الكتاب، وإِنا نسمع منهم كلامًا تقشعرُّ منه جلودنا، أَفنَأخُذُ منه ونترك؟ فقال: سأحدثكما ... ثم ذكر قصته لما كتب شيئًا أعجبه من كلام اليهود، وقرأه عليه، فغضب الرسول ﷺ ، وصار يمحوه بريقه، ويقول: "لَا تتَبِعُوا هَؤُلَاءِ؛ فَإِنَّهُمْ قَد هَوَّكُوا، وَتَهَوَّكُوا" (١)، حتى محا آخِرَهُ، حَرْفًا حَرْفًا، ثم قال عمر: "فلو علمت أنكما كتبتما منه شيئًا جعلتكما نكَالًا لهذه الأمة" قالا: "والله ما نكتبُ منه شيئًا"، ثم خرجا بصحيفتيهما، فَحَفَرَا لها، وَعَمَّقَا في الحفر، ودفناها، فكان آخر العهد منها (٢).
ونقل الحافظ في "الفتح" عن الإمام الشافعي ﵀ ئعالى- قوله في حديث: "حدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ": "من المعلوم أن النبي ﷺ لا يُجِيزُ التحدث بالكذب؛ فالمعنى: حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كَذِبَهُ، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم، وهو نظير قوله: "إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ، وَلَا تكَذِّبُوهُمْ"، ولم يرد الإذن (٣) ولا المنع من التحدث بما يُقطع بصدقه" (٤).
стр. 184
وقال الحافظ في "الفتح" في حديث: "لَا تُصَدّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلَا تُكَذّبُوهُمْ": "أي: إذا كان ما يخبرونكم به مُحْتَمَلًا؛ لئلا يكون في نفس الأَمر صدقًا فتكذبوه، أَو كذِبًا فتصدقوه، فتقعوا في الحرج، ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعُنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعُنا بوفاقه، نَبَّه على ذلك الشافعي -رحمه الله تعالى-، ويؤخذ من هذا الحديث: التوقف عن الخوض في المشكلات، والجزم فيها بما يقع في الظن، وعلى هذا: يُحْمَلُ ما جاءَ عن السلف من ذلك" (١). اهـ.
وبهذا البيان والتوفيق بين المرويات في هذا الباب ظهر أَن لا تعارض بينها، ولا يخالف بعضُها بعضًا، وأَنَّ لكل حالة حكمها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "الاختلاف في التفسير على نوعين: منه ما مستنده النقل فقط، ومنه ما يُعْلَمُ بغير ذلك، إذ العلم: إِمَّا نقل مُصَدَّقٌ، وإِمَا استدلالٌ مُحَقَّقٌ.
والمنقول: إما عن المعصوم، وإما عن غير المعصوم، والمقصود بأن جنس المنقول سواء كان عن المعصوم أو غير المعصوم -وهذا هو النوع الأول- منه ما يمكن معرفة الصحيح منه والضعيف؛ ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك فيه، وهذا القسم الثاني من المنقول؛ وهو: ما لا طريقَ إلى الجزم بالصدق منه، فالبحث عنه مما لا فائدة فيه، والكلام فيه من فضول الكلام، وأَمَّا ما يحتاج المسلمون إلى معرفته؛ فإن الله نصب على الحق فيه دليلًا.
стр. 185
فمثال ما لا يفيد، ولا دليل على الصحيح منه: اختلافهم في أَحوال "أصحاب الكهف" وفي "البعض" الذي ضَرَبَ به موسى من البقرة، وفي مقدار "سفينة نوح"، وما كان خَشَبُها، وفي اسم "الغلام" الذي قتله الْخَضِرُ، ونحو ذلك، فهذه الأُمور طريق العلم بها: النقل، فما كان من هذا منقولًا نقلًا صحيحًا عن النبيِّ ﷺ كاسم صاحب موسى أنه الخَضرُ- فهذا معلوم، وما لم يكن كذلك، بل كان مما يُؤْخَذُ عن أَهل الكتاب؛ كالمنقول عن كعب، ووهب، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم؟ ممن يأخذ عن أهل الكتاب، فهذا لا يجوز تصديقه، ولا تكذيبه إلا بحجة (١)، كما ثبت في الصحيح عن النبى ﷺ أنه قال: "إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ، وَلَا تكَذِّبُوهُمْ، فَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكمْ بِحَق فَتُكذِّبُوهُ، وَاِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكمْ بِبَاطِل فَتُصَدِّقُوهُ".
وكذلك: ما نُقِلَ عن بعض التابعين، وإن لم يَذْكُرْ أَنَهُ أَخَذَهُ عن أَهل الكتاب، فمتى اختلف التابعون لم يكن بعضُ أقوالهم حجةً على بعض، وما نُقِلَ في ذلك عن بعض الصحابة نقلا صحيحًا، فالنفس إليه أسكَنُ مما نُقِلَ عن بعض التابعين؛ لأَنَّ احتمال أن يكون سمعه من النبيِّ ﷺ أَو من بعض من سمعه منه أَقوى، ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين، ومع جزم الصاحب فيما يقوله، كيف يُقَالُ: إنه أَخَذه عن أَهل الكتاب وقد نُهوا عن تصديقهم (٢)؟! والمقصود أَن الاختلاف الذي لا يُعْلَمُ صحيحه، ولا
стр. 186
تفيد حكايةُ الأَقوال فيه: هو كالمعرفة؛ لما يُرْوَى من الحديث الذي لا دليل على صحته، وأمثَالُ ذلك.
وأَمَّا القسم الأول الذي يمكن معرفة الصحيح منه، فهذا موجود فيما يُحْتَاجُ إليه، ولله الحمد" (١). اهـ.
وقال، في موضعٍ آخر: "وغالب ذلك -يعني: المسكوت عنه- مما لا فائدة فيه يعود إلى أَمر ديني؛ ولهذا يختلف علماء أَهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك كما يذكرون في مثل هذا أسماءَ أَصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعِدَّتهم، وعصا موسى، من أي الشجر كانت؟، وأَسْماءَ الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضُرِبَ به المقتول من البقرة، ونوع الشجرة التي كلَّم الله منها موسى، إلى غير ذلك؟ مما أبهمه الله في القرآن؛ مما لا فائدة في تعيينه تعود على الْمُكَلَّفِين في دنياهم، ولا دينهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز؛ كما قال -تعالى-: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ [الكهف: ٢٢].
فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأَدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا؛ فإنه -تعالى- أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضَعَّفَ القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدلَّ على صحته؛ إذ لو كان باطلًا لرَدَّه كما رَدَّهُما، ثم أَرْشَدَ إِلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته،
стр. 187
فَيُقَالُ في مثل هذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس، ممن أَطلعه الله عليه؛ فلهذا قال: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾؛ أي: لا تُجْهِدْ نفسك فيما لا طائِلَ تحته، ولا وتسأَلهم عن ذلك؛ فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب، فهذا أَحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أَن تُستَوعَبَ الأقوال في ذلك المقام، وأن يُنبَهَ على الصحيح منها، ويُبْطَلَ الباطل، وتُذْكَرَ فَائِدَةُ الخلاف، وثَمَرَتُهُ؛ لئلا يطول النزاع، والخلاف فيما لا فائدة تحته، فَيُشْتَغَلَ به عن الأَهَم. فأَمَّا من حكى خلافا في مسألة، ولم يستوعب أَقْوَالَ الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكى الخلاف ويطلقه، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال، فهو ناقص -أيضا- فإن صحح غير الصحيح عامدًا، فقد تعمد الكذبَ، أو جاهلا فقد أخطأَ، كذلك من نصب الخلافَ فيما لا فائدةَ تحته، أو حكى أَقوالًا متعددة لفظًا، ويرجع حاصلها إلى قول، أو قولين معنى، فقد ضَيَّعَ الزمان، وتكَثَّر مما ليس بصحيح، فهو كلابس ثَوْبَي زور، والله الموفق للصواب" (١).
مَوْقِفُ الْحَافظ ابْنِ كَثِيرٍ مِن
الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِن الإِسْرَائيليَّاتِ
قال -رحمه الله تعالى- في مقدمة "البداية والنهاية":
"ولسنا نَذْكُرُ من الإسرائيليات إلا ما أذن الشارع في نقله مما لا يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ وهو القسمُ
стр. 188
الذي لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب؛ مما فيه بسط لمختَصَر عندنا، أو تسمية لمبهم وَرَدَ به شرعُنا، مما لا فائدة في تعيينه لنا، فنذكره على سبيل التحلي به، لا على سبيل الاحتياج إليه، والاعتماد عليه.
وإنما الاعتماد والاستناد على كتاب الله وسنةِ رسوله ﷺ ، ما صحَّ نقله أو حَسُنَ، وما كان فيه ضعف نُبَيِّنُهُ، والله المستعانُ، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، العلي العظيم" (١).
وقال -رحمه الله تعالى- مبينًا المقصودَ من قوله ﷺ : "وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائيلَ وَلَا حَرَجَ": إنه "محمول على الإسرائيليات المسكوت عنها عندنا، فليس عندنا ما يصدقها ولا ما يكذبها، فيجوز روايتها للاعتبار، وهذا هو الذي نستعمله في كتابنا هذا، فأما ما شهد له شرعنا بالصدق، فلا حاجة بنا إليه؛ استغناءً بما عندنا، وما شَهِدَ له شرعنا منها بالبطلان فذاك مردود لا يجوز حكايته، إلا على سبيل الإنكار والإبطال.
فإذا كان الله -سبحانه وله الحمد- قد أغنانا برسولنا محمد ﷺ عن سائر الشرائع، وبكتابه عن سائر الكتب، فلسنا نترامى على ما بأيديهم مما وقع فيه خبط وخلط، وكَذِب ووضع، وتحريفٌ وتبديل، وبعد ذلك كله نسخ وتغيير" (٢).
стр. 189
تعْليقُ الْعَلَّامَةِ أحْمَد شَاكِر
عَلَى كَلام الحافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ وَمَنْ وافَقَهُ
قال ﵀ في مقدمة "عمدة التفسير":
"إن إباحة التحدث عنهم -فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه- شَيء، وَذِكْرُ ذلك في تفسير القراَن -وَجَعْلُهُ قَوْلًا أو رواية في معنى الآيات، أو في تعيين ما لم يُعَيَّن فيها، أو في تفصيلِ ما أُجْمِل فيها- شيءٌ آخر!! لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله ما يُوهم أن هذا الذي لا نعرف صدقه ولا كذبه مُبَيِّن لمعنى قول الله -سبحانه- ومُفَصِّل لما أُجْمِلَ فيه، وحاشا لله وكتابه من ذلك.
وإن رسول الله ﷺ -إذ أذن بالتحدث عنهم- أَمَرَنَا أن لا نُصَدِّقَهُمْ ولا نكَذِّبَهُم، فأيُّ تصديقِ لرواياتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب الله، ونضعها منه موضع التفسير أو البيان؟! اللهم غفرًا".
ثم نقل عن الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- قوله: " ... وفي القرآن غُنْيَة عن كل ما عَدَاهُ من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وُضِعَ فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الْحُفَّاظِ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين؛ كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء، والسادة والأتقياء، والبررة والنجباء، من الجهابذة النقاد، والْحُفَّاظ الجياد، الذين دَوَّنوا الحديث وحرَّروه، وبيَّنوا صحيحه من حسنه من ضعيفه، من منكَره
стр. 190
وموضوعه، ومتروكه ومكذوبه، وعزَفوا الوضَّاعين، والكذَّابين، والمجهولين، وغير ذلك من أصناف الرجال؛ كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي، خاتَم الرُّسُل، وسيد البشر ﷺ أن يُنْسَبَ إليه كَذِبٌ، أَو يُحَدَّثَ عنه بما ليس منه، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل".
وقال ابن كثير -رحمه الله تعالى- عند تفسير الآيات (٥١ - ٥٦) من سورة الأنبياء، بعد إشارته إلى حال إبراهيم ﵇ مع أبيه، ونظره إلى الكواكب والمخلوقات: "وما قَصَّهُ كثيرٌ من المفسرين وغيرِهم فعَامَّتُها أحاديثُ بني إسرائيل، فما وافقَ منها الحقَّ مما بأيدينا عن المعصوم قَبِلْنَاهُ؛ لموافقته الصحيح، وما خالف منها شيئا من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة، لا نصدِّقهُ ولا نكذِّبه، بل نجعله وَقْفًا، وما كان من هذا الضَّرْب منها فقد رخَّص كثير من السلف في روايته، وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه، ولا حاصل له مما يُنْتَفَعُ به في الدِّين، ولو كانت فائدتُهُ تعود على المكلَّفين في دينهم لبينَتْهُ هذه الشريعةُ الكاملةُ الشاملةُ، والذي نَسْلُكُه في هذا التفسير الإعراضَ عن كثير من الأَحاديث الإسرائيلية؛ لما فيها من تضييع الزمان، ولما اشتَمل عليه كثير منها من الكذب الْمُرَوَّج عليهم؛ فإنهم لا تَفْرِقَةَ عندهم بين صحيحها وسقيمها، كما حَرَّره الأئمة الحُفَّاظُ المتْقِنُون من هذه الأمة".
وقال -أي: ابن كثير- عند تفسير الآية (١٠٢) من سورة البقرة: "وقد رُوي في قصة هاروتَ وماروتَ عن جماعة من التَّابعين؛ كمجاهد، والسُّدي، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والرَّبيع بن أنس، ومقاتل بن حيَّان، وغيرهم، وقصَّها خلق من المفسرين؛ من المتقدِّمين
стр. 191
والمتأَخرين، وحاصلُها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل؛ إذ ليس فيها حديثٌ مرفوعٌ صحيح متَّصلُ الإسنادِ إلى الصادقِ المصدوقِ المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهرُ سياق القرآن إجمالُ القصة من غير بَسْطٍ ولا إطنابٍ فيها، فنحن نُؤْمِنُ بما ورد في القرآن على ما أراده الله -تعالى- والله أعلم بحقيقة الحال".
وقال -ابن كثير- في أول سورة (ق): "وقد رُوي عن بعض السلف أنهم قالوا: ق جبلٌ مُحيط بجميع الأرض، يقال له جبل قاف!! وكأنَّ هذا -والله أعلم- من خرافاتِ بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعضُ الناس؛ لِمَا رأَى من جواز الرواية عنهم مما لا يصدَق ولا يكذَّب، وعندي أن هذا وأمثالَهُ وأشباهَهُ من اختلاقِ بعض زنادقتهم، يُلَبِّسُونَ به على الناس أمرَ دينهم؛ كما افْتُرِي في هذه الأمة -مع جلالة قدر علمائها، وحُفَّاظها، وأئمتها- أحاديثُ على النبي ﷺ وما بالعَهْدِ من قِدَمٍ؛ فكيف بأمةِ بني إسرائيلَ، مع طول المدَى، وقلةِ الحُفَّاظ النُقَّاد فيهم، وشُرْبِهِمُ الخمورَ، وتحريف علمائهم الكلمَ عن مَوَاضِعِه، وتبديلِ كُتُبِ الله وآياتِه، وإنما أباح الشارعُ الروايةَ عنهم في قوله: "وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائيلَ وَلَا حَرَجَ " فِيمَا قد يُجَوِّزُهُ العقل، فأما فيما تُحِيلُه العقول، ويُحْكَمُ فيه بالبُطلان، ويَغْلُبُ على الظنون كذبُهُ، فليس من هذا القبيل".
وقال أيضًا عند تفسير الآيات (٤١ - ٤٤) من سورة النمل، وقد ذكر في قصة ملكة سبأ أثرًا طويلا عن ابن عباس، وَصَفَه بأنه "منكر غريبٌ جدًّا"، ثم قال: "والأقربُ في مثل هذه السياقات أنَّها مُتَلقَّاة عن أهل الكتاب، مما وُجِدَ في صُحُفِهِم، كروايات كَعْب، وَوَهْب، سامحهما الله فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل، من الأوابد، والغرائب،
стр. 192
والعجائب، مما كان، وما لم يكن، ومما حُرِّف، وبُدِّل، ونُسِخَ، وقد أغنانا الله -سبحانه- عن ذلك بما هو أصحُّ منه، وأنفعُ، وأوضحُ، وأبلغُ، ولله الحمْدُ والمنَّة".
وقال عند تفسير الآية (٤٦) من سورة العنكبوت، بعد أن رَوَى الحديث: "إذَا حَدَّثَكُم أَهْلُ الكِتَاب فَلا تُصَدِّقُوهُم، ولا يكَذّبُوهُم "، قال: " ثُمَّ ليُعْلَم أنَّ أكثرَ ما يتحدَّثون به غالبُهُ كذبٌ وبهتانٌ؛ لأنه قد دخله تحريفٌ، وتبديلٌ، وتغييرٌ، وتاويلٌ، وما أقلَّ الصدق فيه! ثم ما أقلَّ فائدتَه لو كان صحيحًا! "
وقال عند تفسير الآية (١٩٠) من سورة الأعراف: "ثم أخبارُهم على ثلاثة أقسام: فمنها ما علمنا صحتَهُ، بما دلَّ عليه الدليلُ من كتاب الله أو سنة رسوله، ومنها ما علمنا كذبَه، بما دلَّ على خلافه من الكتاب والسنة -أيضًا-، ومنها ما هو مسكوتٌ عنه، فهو المأذون في روايته، بقوله ﵇: "حَدّثُوا عَنْ بَنِي اِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ "، وهو الذي لا يُصدَّقُ ولا يُكذَّب؛ لقوله: "فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ، وَلَا تكَذِّبُوهُم ".
وهناك قصةٌ طويلةٌ جدًّا، رواها النسائي في باب التفسير من السنن الكبرى، التي لم نَرَها، وابن أبي حاتم في تفسيره، عن ابن عباس، ويسميها الحافظُ ابن كثير "حديث الفُتُون" ساقه بِطُوله عند تفسير قوله -تعالى-: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾، من الآية (٤٠) من سورة طه، ثم قال: "وهو موقوفٌ من كلام ابن عبَّاس، وليس فيه مرفوعٌ إلَّا قليلٌ منه، وكأنَّهُ تلقَّاه ابن عباس مما أُبيح نقله من الإسرائيليات، عن كعب الأحبار، أو غيره، والله أعلم، وسمعتُ شيخنا أبا الحجاج المِزِّيَّ يقول ذلك أيضا".
стр. 193
وهذا الحديث -حديث الفُتُون- يشيرُ إليه الحافظ ابن كثير، في مواضعَ متعددةٍ من تفسيره، وقد نفيتُه عن كتابي هذا نَفْيًا، ولم أُشر إليه إلَّا مرةً واحدةً، عند أول مرة أشار إليه ابنُ كثير فيها، عند تفسير الآية (٤٩) من سورة البقرة، ثم أعرضتُ عن الإشارة إليه -إن شاء الله- فلا أُشِيرُ إليه إِلَّا أنْ أُضطَرَّ إلى ذلك اضطرارًا، وأسأل الله التوفيق والتيسير، والهدى والسداد.
ومن أعظَمِ الكَلِمِ في الدلالة على تنزيه القرآن العظيم عن هذه الأخبار الإسرائيلية؛ كلمةٌ لابن عباس، رواها البخاري في "صحيحه"، ونقلها عنه الحافظُ ابنُ كثير، عند تفسير الآية (٧٩) من سورة البقرة، فقال ابن عباس: "يا معشَرَ المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابُكم الذي أنزل الله على نبيّهِ أحْدَثُ أخبارِ الله، تقرءونه مَحْضًا لم يُشَبْ! وقد حدَّثكم الله أنَّ أهل الكتابِ قد بَدَّلُوا كتابَ اللهِ وغَيَّرُوه، وكتموا بِأيديهم الكتابَ، وقالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا به ثمنًا قليلًا، أفَلَا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مُسَاءَلَتِهِم؟ ولا والله ما رأينا منهم أحدًا قَطُّ سألكم عن الذي أُنزل إليكم ".
وهذه الموعظةُ القويةُ الرائعةُ رواها البخاري في ثلاثة مواضِعَ من "صحِيحِه ": [٥: ٢١٥، ١٣: ٢٨٢، ٤١٤ من فتح الباري] (١). اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- وهو يناقش حكم النظر في كتب أهل الكتاب: "والذي يظهر أن كراهية ذلك للتنزيه لا للتحريم، والأولى في هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن ويَصِرْ من الراسخين
стр. 194
في الإيمان؛ فلا يجوز له النظر في شيءٍ من ذلك، بخلاف الراسخ؛ فيجوز له ولا سيما عند الاحتياج إلى الرد على المخالف، ويدل على ذلك نقلُ الأئمة قديمًا وحديثًا من التوراة، وإلزامُهُمُ اليهودَ بالتصديق بمحمد ﷺ بما يستخرجونه من كتابهم، ولولا اعتقادهم جوازَ النظر فيه لما فعلوه، وتواردوا عليه" (١).
وقال علَّامة الشام "محمد جمال الدين القاسمي" -رحمه الله تعالى - بعد بحث طويل عن وقوع التبديل في كتب أهل الكتاب: "وبالجملة فكتب الكتابيِّين كأقوالهم، لا يُعتمد عليها كلَّها؛ لظهور الكذب والتناقض فيها إلى اليوم، ولظهور تلفيقها؛ فهي ككتب القصص عندنا، فيها شيء من القرآن والسنة، ولكنه ممزوج بالأكاذيب والآراء المقتبسة من الأمم، ثم إن موافقة القرآن الكريم، أو الحديث الصحيح، لبعض ما في كتبهم دون بعض، تدل على أن الله -تعالى- بَين له حقَّ كلامهم من باطله، وصِدقَه من كَذِبِهِ، وهذا معنى قوله -تعالى-: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].
قال بعضهم: "لا شيءَ يُعَوَّلُ عليه في صِحَّةِ بعضِ أقوالِ كُتُبِ اليهود دون بعض بعدما طَرَأَ عليها من الضياع، والتحريف، والخلط، إلا الوحي، وقد ثبتت نبوةُ محمد ﷺ بالدلائل الساطعة، والآثار النافعة". انتهى؛ أي: فَعَلَى وحيه الْمُعَوَّل، فالحمد لله الذي وفقنا لاتباعه " (٢). اهـ.
стр. 195
وبعدُ: فهذه أقسام الإسرائيليات، والموقف الصحيح من كل قسم منها، وعلينا الآن أن نتساءل:
هل المنهج الذي سَلَكَهُ العابثون بأشراط الساعة يعكس التزامهم بالضوابط التي وضعها العلماء في حكاية الإسرائيليات؟ والجواب بالنفي:
أولًا: لأن مِن القوم مَن يروون كل ما يقفون عليه منها بغض النظر عن هذا التقسيم.
ثانيًا: ولأن من يقتصرون على حكاية "القسم الثالث" منها (١) لا يذكرون ذلك استشهادًا وتحلية -على حد تعبير ابن كثير-، وإنما اعتقادا واستدلالًا واحتجاجًا، بل منهم من يُقْسِمُ على صحة ما فيه، ومنهم من يُعَبِّرُ عن هذه "الإسرائيلياتِ" بالوحي القديمِ (٢).
وثالثًا: لأنهم عامَّتهم -كما يتضح من كتاباتهم- ليسوا من الراسخين الذين يجوز لهم النظر في كتب أهل الكتاب، كما قال الحافظ ابن حجر (٣) -رحمه الله تعالى-؛ ولذلك تأتي أقوالهم -بل أقوال الواحد منهم- متعارضة متضاربة، يكذب بعضها بعضا، وينقض آخرها أولها.
ورابعًا: أن منهم من يتجاوز الاستشهاد بالإسرائيليات إلى الاستدلال بها، ثم يزيد الطينَ بِلَّة حين يُضِيفُ إلى ذلك الاستدلالَ بتفسيرات
стр. 196
علمائهم ومفكريهم لها، فإذا كانت هذه الإسرائيليات نفسها محل توقف في كونها وحيًا معصومًا أو لا، فهل هناك توقف أو تردد في أن علماءهم وأحبارهم ومفكريهم غارقون في التيه، والحيرة، والضلال المبين؟ ظَاهِرَة (التَّطْبِيعِ) مَعَ الإِسْرَائِيليَّاتِ
إن النقل عن أهل الكتاب لم يقف عند الحد المسموح به، وإنما خرج الأمر عن كونه استشهادًا مشروطًا بشروط إلى كونه "ظاهرةً ملحةً متكررةً"، أكسبت الإسرائيليات في نفوس العوام صفة المرجعية، ولأول مرة ترتقي الإسرائيليات -على يد هذه الكوكبة من رواد "التطبيع الفكري مع الإسرائيليات"- إلى مستوى الحجية والمصداقية، وإذا بالقوم يفخرون "بالتهوك" (١)، ويمعنون فيه حتى إنه لتؤلف كتب ممحضة للنقل من الإسرائيليات فحسب (٢)، مع نبذهم المصادرَ الإسلاميةَ وراءهم ظهريًّا؛ عن أبي عبيدة قال: "من شغل نفسه بغير المهم، أضرَّ بالمهم"، وقال الإمام أحمد: "الاشتغال بهذه الأخبار القديمة يقطع عن العلم الذي فُرضَ علينا طلبُه" (٣).
وإذا بالمناظرات الإسلامية النصرانية التي تجرى تحت ظل الهيمنة الثقافية الغربية في ديار الغرب تجوس أشرطتها السمعية والمرئية خلال
стр. 197
بيوت المسلمين؛ لتمرن قلوبهم على سماع سب الله ، وشتم رسول الله ﷺ ، والطعن في كتاب الله -تعالى- والتطاول على دين الحق على لسان شياطينهم، ويُغَضُّ الطرف عن هذه الجرائم بحجة لزوم الإنصاف والعدل بين المتناظرين، مع أن غالب استدلالات المناظر المسلم تحوم حول الإسرائيليات، وقلما يستدلّ بشيء من القرآن الكريم، أو السنة النبوية (١).
واذا أنكرت عليهم هذا "الإغراق" في إشاعة الإسرائيليات بادروا بذكر قول النبي ﷺ : "وَحَدِّثُوا عَنْ بَي اِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ"، وبأن العلماء أجازوا حكاية "القسم الثالث" من الإسرائيليات.
стр. 198
نقول: نعم يجوز ذلك، لكن البياضَ إذا اشتد صار بَرَصًا، فلماذا نبدأ من حيث انتهى بنا الشرع؟ ونجعل نقطة النهاية نقطة انطلاق إلى الإفراط في الاستدلال بالإسرائيليات، "والتمحور" حول كتبهم الْمُحَرَّفَةِ، الأمر الذي ينعكس سلبًا على ارتباط الناس بالقرآن الكريم، وسنة النبي ﷺ والاعتماد عليهما في المحاججة.
إن من أسلحة "الصهيونية النصرانية" في حربها ضد الإسلام الترويجَ للتأويلات الباطلة لما لديهم من نبوءات، ومن خلال ذلك تمارس حربًا نفسية لتخذيل المسلمين، وتثبيط هممهم (١).
فأين ما نحن فيه الآن من "التطبيع مع الإسرائيليات"، وموقفنا "البارد" تجاهه من سلفنا الصالح الذين كانت الدماء تغلي في عروقِهِم إذا رأوا من ينشغل بهذه الكتب عن القرآن الكريم، كتابِ الله المعجزِ المهيمن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟
وما غَرَسَ في قلوبهم تلك الغيرةَ الأيمانيةَ على كتاب الله إلا هَدْيُ رسول الله ﷺ ، الذي وَرَدَ عنه أنه كان يغضب أشدَّ الغضب إذا وجد مِن أصحابه مَن يشتغل بكتب أهل الكتاب عن القرآن الكريم؛ فقد روى الإمام أحمد من طريق مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله ﵄: "أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي ﷺ ، فغضب، فقال: "أَمُتَهَوِّكُون فِيهَا يَا بْنَ الخطَّابِ؟ والَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا نَقِيَّةً،
стр. 199
لا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَئءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَق فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ، لَوْ أَنَّ مُوسَى ﷺ كانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي".
قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: "رواه أحمد، وابن أبي شيبة، والبزار، ورجاله موثقُون، إلا أن في مجالدٍ ضعفًا" (١). اهـ.
قال الألباني -رحمه الله تعالى-: "لكنَّ الحديثَ قَوِيٌّ؛ فإن له شواهدَ كثيرة"، ثم ذكر بعضها، ومنها: ما رُوي عن عقبةَ بنِ عامرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَوْ كانَ فِيكُم مُوسَى واتبعْتُمُوه وَعَصَيتُمُوني؛ لَدَخَلْتُمُ النَّارَ".
ومنها: ما رُوِيَ عن خالد بن عرفطةَ قال:
"كنت جالسا عند عمرَ ﵁؛ إذ أُتِيَ برجل من عبد القيس سَكَنُهُ بالسوس، فقال له عمر: أنت فُلان بن فلان العبدي؟ قال: نعم، قال: وأنت النازلُ بالسوس؟ قال: نعم، فضربَهُ بعصَاة معه، فقال: ما لي يا أمير المؤمنين؟! فقال له عمر: اجلس، فجلس، فقرأ عليه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ...﴾ [يوسف] الآية، فقرأها عليه ثلاثا، وضربه ثلاثًا، فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟! فقال: أنت الذي نسخت كتاب "دانيال"؟! فقال: مُرْنِي بأمرك أَتَّبِعْهُ، قال: انطلق فامْحُهُ بالحميم، والصوف الأبيض، ثم لا تقرأه، ولا تُقْرِئْهُ
стр. 200
أحدًا من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته، أو أقرأته أحدًا من النَّاس، لَأُنْهِكَنكَ عقوبةً، ثم قال له: اجلس، فجلس بين يديه، فقال: انطلقتُ أَنا فانتسختُ كتابًا من أَهل الكتاب، ثم جئت به في أَديمٍ، فقال النبي ﷺ : "مَا هَذَا فِي يَدِكَ يَا عُمَرُ؟ " قال: قلت: يا رسولَ الله، كتاب نسختُهُ لِنَزْدَادَ به علمًا إلى علمنا، فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه، ثم نُوديَ ب (الصَّلاةُ جَامِعَةٌ)، فقالت الأَنصار: أَغَضِب نبِيّكُم؟ هَلُمَّ السلاحَ السلاحَ، فجاءوا حتى أحدقوا بِمِنْبَرِ رسول الله ﷺ فقال ﷺ : "يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنّي أُوتيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَخَوَاتِيمَهُ، وَاخْتُصِرَ لِيَ اخْتِصَارًا، وَلَقَدْ أَتَيْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَا تتَهَوَّكُوا، وَلَا يَغُرَّنَّكُمُ الْمُتَهَوِّكُونَ"، قال عمرُ: فقمتُ، فقُلتُ: رضِيتُ بالله ربّا، وبالإسلام دينًا، وبك رسولًا، ثم نَزَلَ رسول الله ﷺ ".
ومنها: ما رُوِيَ عن أبي الدرداء ﵁ قال: "جاء عمرُ بجوامِعَ من التوراةِ إلى رسول الله ﷺ " ... الحديثَ، نحوَ روايةِ جابر باختصارٍ، وفيه: "والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيده لَو كَانَ مُوسَى بَينَ أَظْهُركُم، ثمَّ اتَبعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُوني، لَضَلَلْتُمُ ضلَالًا بَعِيدًا، أَنْتُمُ حَظّي مِنَ الأمَمِ، وَأَنَا حَظكُمُ مِنَ النَّبِيينَ".
ومنها: ما رُوِيَ عن حفصةَ ﵂ أنها: "جاءت إلى النبي ﷺ بكتاب من قصَص يوسفَ في كِنْفٍ (١)، فجعلت
стр. 201
تقرأ عليه، والنبي ﷺ يتلون وجهه، فقال: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَو أَتَاكُم يُوسُفُ وَأَنَا مَعَكُم، فَاتَبعْتُمُوهُ وَتَرَكتُمُوني؛ ضَلَلْتُمُ ".
ثم قال الألباني -عليه رحمة الله- بعد أن بَيَّنَ ضعفَ عامَّةِ هذه الشواهِد: "وجملة القول: إن مجيء الحديث في هذه الطرق المتباينة، والألفاظ المتقاربة، لَمِمَّا يدل على أن مجالد بن سعيد قد حَفِظَ الحديث، فهو على أقل تقدير حديثٌ حسنٌ، والله أعلم " (١).
ذَمُّ السَّلَفِ مَنِ انْكَبَّ عَلَى كتُبِ "أَخْبَارِ الْأَوَائِلِ" روى الخطيب بسنده عن ابن أبي أُويس قال: سمعت خالي مالكَ بن أنس، وسأَلَهُ رجلٌ عَنْ زَبُورِ داودَ، فقال له مالكٌ: "ما أَجْهَلَكَ! مَا أَفْرَغَكَ! أما لنَا في نافع، عن ابن عُمَرَ عن نبينا ﷺ ما شَغلنا بصحيحه عما بيننا وبين داود ﵇؟ " (٢).
وعن صدقة بن يسار سمع عمرو بن ميمون يقول: "كنا جلوسًا في مسجد الكوفة، وذاك أولَ ما نُزِلَ (٣)، فأقبل مِنْ نحو الجسر رجلٌ معه كتاب، قلنا: ما هذا؟ قال: هذا كتاب، قلنا: وما كتاب؟ قال: كتابُ "دانيال"، فلولا أن القوم تحاجزوا لقتلوه، وقالوا: كتاب سوى القرآن؟ أكتاب سوى القرآن؟ " (٤).
стр. 202
اللهُ أكبرُ إنَّ دينَ محمدٍ ... وكتابَه أقوى وأقومُ قِيلا
لا تذكروا الكتبَ السوالفَ عنده ... طلع الصباحُ فأطفأ القِنديلا
وصدق القائل: نور الصباح يُغني عن المصباح.
وقال الخطيبُ البغدادي -رحمه الله تعالى-: "ويترك المنْتَخِب -أيضًا- الاشتغالَ بأخبار الأوائلِ؛ مثل كتاب "المبتدأ" ونحوه؛ فإنَّ الشُغْلَ بذلك غيرُ نافعٍ، وهو عن التَّوَفُّرِ على ما هو أولى قاطع" (١)، ثم أُسنِدَ عن الإمام أحمد قوله: "الاشتغال بهذه الأخبار القديمة يقطع عن العلم الذي فُرِضَ علينا طلبه" (٢)، ثم قال: "ونَظِيرُ ما ذكرناهُ آنفًا أحاديثُ الملاحِمِ، وما يكون من الحوادِثِ؛ فإِنَّ أَكثرها موضوع، وجُلَّها مصنوع، كالكتاب المنسوب إلى "دانيال"، والخُطب المروية عن علي بن أبي طالب" (٣).
وأخرج الخطيب في "الجامع": "أن عُمَرَ ﵁ بلغه أن رجلًا كتب "كتاب دانيال"، قال: فكتب إليه يرتفع إليه، قال: فلما قدم عليه جعل عُمَرُ يضرب بَطنَ كفِّه بيده، ويقول: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ فقال عمر: أَقَصَصُ أحسن من كتاب ربنا؟! فقال: يا أمير المؤمنين، أَعْفِنِي؛ فوالله لأمْحُوَنَّهُ" (٤).
стр. 203
وقال الإمام مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري -رحمه الله تعالى-: (وفي حديث ابن عمرٍو: "من أشراط الساعة أن يُقرأ فيما بينهم بالَمْثناة، ليس أحد يُغَيرها"، قيل: وما المَثْناة؟ قال: "ما استُكْتِبَ من غير كتاب الله تعالى" (١)، وقيل: إن المثناة هي أن أحبار بني إسرائيل بعد موسى ﵇ وضعوا كتابًا فيما بينهم على ما أرادوا من غير كتاب الله، فهو المثناة، فكأن ابن عمرٍو كره الأخذ عن أهل الكتاب، وقد كانت عنده كُتُب وقعت إليه يوم اليرموك منهم، فقال هذا لمعرفته بما فيها) اهـ (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ما معناه: (وقد انتفع عُمَرُ ﵁ في هذا بما وقع منه حين رأى النبي ﷺ بيده شيئًا من التوراة، فقال: "لَوْ كَانَ مُوسَى حَيا ثُمًّ تَبعْتُمُوه وَتَرَكْتُمُوني لَضَلَلْتُمُ"، وفي رواية: "مَا وَسِعَه إِلا اتباعِي"، وفي لفظ: "فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رسول الله ﷺ لَمَّا عَرَضَ عليه عمر ذلك، فقال له بعضُ الأنصارِ: يا بنَ الخطَّابِ، ألا ترى إلى وجه رسول الله -صلى الله ص عليه وسلم-؟ فقال عمر: رَضِيْنَا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيُّا"؛ ولهذا كان الصحابَةُ يَنهون عن اتباع كتبٍ غيرِ القرآن) (٣).
стр. 204
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أيضًا:
" ... ولما كان القرآن أحسن الكلام؛ نُهُوا عن اتباع ما سواه؛ قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت:٥١]، إلى أن قال -رحمه الله تعالى-: "وروى ابن أبي حاتم، حَدَثَّنَا أبي، حَدَثَّنَا إسماعيلُ بْنُ خليلٍ، حَدًثنَا عَلى بن مسهر، حَدَّثنَا عبد الرحمن بن إسحاق، عن خليفة بن قيس، عن خالد بن عرفطةَ، قال: كنت عند عمرَ بن الخظَاب ﵁ إذ أُتِيَ برجلٍ من عبد القيس مَسْكَنُهُ بالسوس، فقال له عمر: "أنت فلانُ بن فلانٍ العبدي؟ " قال: نعم، قال: "وأنت النازلُ بالسوسِ؟ "قال: نعم، فَضَرَبَهُ بقناة معه، فقال له: ما ذنبي؟ قال: فَقَرَأَ عليه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ فقرأها عليه ثلاث مرات، وضربه ثلاث ضربات، ثم قال له عمر: "أنت الذي انتسخت كتاب دانيال؟ " قال: نعم، قال: "اذهب فامحُهُ بالحميم، والصوف الأبيض، ولا تقرأه، ولا تُقْرِئْهُ أَحَدًا من الناس".
فقرأ عليه عُمَرُ هذه الآية ليبين له أن القرآن أحسن القصص؛ فلا يُحتاج معه إلى غيره، وهذا يدل على أن القصصَ عَامٌّ لا يختصُّ بسورة يوسف، ويدل على أنهم كانوا يعلمون أن القرآنَ أفضل من كتاب "دانيال"، ونحوه من كتب الأنبياء، وكذلك مثل هذه القصة مأثورة عن ابن مسعود ﵁ لَمَّا أُتِيَ بما كُتِبَ من الكُتُبِ مَحَاهُ، وذَكَرَ فضيلةَ القرآنِ كما فعل عُمَرُ ﵁، ثم شَرَعَ -رحمه الله تعالى- في بيان معنى كون القرآن المجيد مهيمنًا على الكتب السابقة إلى أن قال:
стр. 205
"ولهذا لم تَحْتَجِ الأمة مع رسولها وكتابها إلى نبي آخر، وكتاب آخر، فضلًا عن أن تحتاج إلى شيء لا يستقل بنفسه عن غيره، سواء كان من علم المحدَّثين والملهمين، أو من علم أرباب النظر والقياس الذين لا يعتصمون مع ذلك بكتابٍ مُنَزَّلٍ من السماء" (١).
ونقل القرطبيُّ في "التذكرة" عن الحافظ أبي الْخَطَّاب بن دحية أنه قال عن "دانيال": "نبيّ من أنبياء بني إسرائيل، كَلَامه عبراني، وهو على شريعة موسى بن عمران، وكان قبل عيسى ابن مريم بزمان، ومن أسند مثل هذا إلى نبي عن غير ثقة أو توقيف من نبينا ﷺ ؛ فقد سقطت عدالته، إلى أن يُبين وضعه، لتصح أمانته، وقد ذكر في هذا الكتاب من الملاحم، وما كان من الحوادث، وسيكون، وجمع فيه التنافي والتناقض بين الضب والنون، وأغرب فيما أعرب في روايته عن ضرب من الهوس والجنون، وفيه من الموضوعات ما يُكَذِّبُ آخِرُهَا أَوَّلَهَا، ويتعذر على المتأول لها تأويلُها، وما يتعلق به جماعة الزنادقة، من تكذيب الصادق المصدوق محمد ﷺ أن في سنة ثلاثمائة يظهر الدجَّال من يهودية أصبهان، وقد طعنَّا في أوائل سبعمائة في هذا الزمان، وذلك شيء ما وقع ولا كان، ومن الموضوع فيه المصنوع، والتهافت الموضوع، الحديث الطويل الذي استفتح به كِتَابَهُ، فهلا اتقى الله! وَخَافَ عِقَابَهُ! وإِنَّ من أفضح فضيحة في الدين نقلَ مثل هذه الإسرائيليات عن المتهودين؛ فإنه لا طريق فيما ذُكِرَ عن دانيال إلا عنهم، ولا رواية تُؤْخَذُ في ذلك إلا منهم " (٢).
стр. 206
وروى الخطيب بسنده إلى يحيى بن معين، قال: "كان أبو اليمان يقول لنا: "الحقوا ألواحًا، فإنه يَجيءُ هاهنا الآن خليفة بسَلَمْيَةَ (١)، فيتزوج ابنة هذا القرشي الذي عندنا، ويُفْتَحُ بَابٌ هاهنا، وتكونُ فتنةٌ عظيمة، قال أبو زكريا: فما كان من هذا شيء، وكان كله باطل (٢)، قال أبو زكريا: وهذه الأحاديث كلها التي يحدثون بها في الفتن وفي الخلفاء، تكون كلها كذب (٣) وريح، لا يعلم هذا أحد إلا بوحي من السماء".
ثم أسند إلى أحمد بن حنبل قوله: "ثلاثةُ كتب ليس لها أصول: (٤) المغازي، والملاحم، والتفسير " (٥).
ثم قال: "وهذا الكلام محمولٌ على وجه، وهو أن المرادَ به كتبٌ مخصوصةٌ في هذه المعاني الثلاثة غير مُعْتَمَدٍ عليها، ولا مَوْثُوقٍ
стр. 207
بصحتها؛ لسوء أحوال مصنفيها، وعدم عدالة ناقليها، وزيادات الْقُصَّاصِ فيها".
ثم قال: "فأما كتب الملاحم، فجميعها بهذه الصفة، وليس يصح في ذكر الملاحم المرتقبة والفتن المنتظرة غير أحاديث يسيرة اتَّصلت أسانيدها إلى الرسول ﷺ من وجوه مرضيَّة، وطرق واضحة جليَّة" (١).
стр. 208
المطلب الرابع
حُرُوفُ أَبِي جَادٍ، وُالاستِدْلَالُ بِهَا عَلَى الُمُغَيَّبَاتِ (١)
أربابُ هذه الطريقة يزعمون أن لهذه الحروف علاقةً ورابطةً قويَّةً بحياة الإنسان ومستقبله، وبالكون وما يحدث فيه من الحوادث؛ ويزعمون أنهم يعرفون حوادث هذا العالم من هذه الحروف، وطريقتهم في ذلك أنهم يكتبون حروف أبي جاد، ويجعلون لكل حرف منها قدرًا من العدد معلومًا عندهم، ويُجرون على ذلك أسماء الآدميين، والأزمنة، والأمكنة، وغيرها، ثم يُجرون على هذه الأعداد عملية حسابية من جمع وطرح بطريقة ما، وينسب العدد الباقي من هذه العملية إلى الأبراج الاثني عشر، ثم يقضون بالسعود والنحوس، وبأوقات الحوادث والملاحم، وبمدد الملك وأعمار الناس، إلى آخر ذلك من أمور الغيب، على وفق ما أصَّله لهم أسلافُهم، وأملاه عليهم شيطانُهم، ومن ذلك ما فعله يعقوب بن إسحاق الكندي، الذي عمل تسييرًا لهذه الأمة، وزعم أنها تنقضي عام ثلاثة وتسعين وسبعمائة، وزعم بعض أتباعه أنه استخرج ذلك من حساب الْجُمَّل الذي للحروف التي في أوائل السور (٢).
стр. 209
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-:
"فلهذا تجد عامة مَن في دينه فساد يدخل في الأكاذيب الكونية، مثل أهل الاتحاد، فإن ابن عربي -في كتاب "عنقاء مُغْرِب" وغيرِه- أخبر بمستقبلات كثيرة عامتها كذب، وكذلك ابن سبعين، وكذلك الذين استخرجوا مدة بقاء هذه الأمة من حساب الجُمَّل من حروف المعجم الذي ورثوه من اليهود، ومن حركات الكواكب الذي ورثوه من الكصابئة، كما فعل أبو نصر الكندي، وغيُره من الفلاسفة، وكما فعل بعضُ من تكلم في تفسير القرآن من أصحاب الرازي، ومن تكلم في تأويل وقائع النساك من المائلين إلى التشيع.
وقد رأيت من أتباع هؤلاء طوائفَ يدَّعون أن هذه الأمور من الأسرار المخزونة والعلوم المصونة، وخاطبت في ذلك طوائف منهم، وكنت أحلف لهم أن هذا كذب مفترى، وأنه لا يجري من هذه الأمور شيءٌ، وطلبت مباهلة بعضهم؛ لأن ذلك كان متعلقًا بأصول الدين" (١). اهـ.
ويدخل ضمن هذه الصناعة ما يسميه الرافضة بعلم أسرار الحروف، وأهم مؤلف فيه عندهم كتاب الجفر، المنسوب كذبًا وبهتانًا إلى جعفر الصادق -رحمه الله تعالى -، ونسبته إليه كَذِبٌ عليه باتفاق أهل العلم به (٢)،
стр. 210
إذ إن واضع هذا الكتاب هو هارون بن سعيد العجلي (١)، وهو رأس الزيدية، وكان له كتاب يزعم أنه يرويه عن جعفر الصادق، وفيه علم ما سيقع لأهل البيت على العموم، ولبعض الأشخاص منهم على الخصوص، وقع ذلك لجعفر الصادق ونظائره عن طريق الكشف والكرامة كما يزعمون، ويزعمون أنه كان مكتوبًا عند جعفر في جلد جفر صغير، فرواه عنه هارون العجلي وكتبه، وسماه الجفر، باسم الجلد الذي كُتِبَ فيه، وصار هذا الاسم علمًا على هذا الكتاب عندهم.
وهذا الكتاب لم تتحمل روايته، ولا عُرِفَ عينه، وإنما تَظْهَرُ منه شواذُّ من الكلمات التي لا يصحبها دليل (٢)، ويزعمون أن هذا الكتاب مشتمل على حوادث الأزمان على مر العصور، عُرِفَتْ عن طريق علم الحروف المتعلق بآثار النجوم (٣).
стр. 211
ومما يتشبثون به لتعضيد هذا المعتقد عندهم ما رواه الكليني عن أبي عبد الله جعفر الصادق أنه قال: "وإن عندنا الجفرَ، وما يدريهم ما الجفرُ؟ فقيل له: ما الجفرُ؟ قال: وِعَاءٌ من أَدَمٍ فيه علم النبيين والوَصِيِّينَ، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل" (١).
وما رواه -أيضًا- أن أبا عبد الله سُئِلَ عن الجفر، فقال: "هو جلد ثور (٢) مملوء علمًا" (٣)، وتارة يذكرون أن هذا العلم مأثور عن آدم ﵇؛ فقد نقل عن اليزيدي الحائري عن كتاب الينابيع: "أما آدمُ ﵇ فهو نبيٌّ مرسل خلقه الله -تعالى- بيده، ونفخ فيه من روحه، فأنزل عليه عَشْرَ صحائفَ، وهو أول من تكلم في علم الحروف، وله كتاب سفر الخفايا، وهو أول كتاب كان في الدنيا في علم الحروف، ثم ذكر أن آدم ﵇ وَرَّثَهُ لأبنائه من بعده، وأبناؤه وَرَّثوهُ لمن بعدهم"، وهكذا إلى أن قال: "ثم وَرِثَ هذا العلمَ عن أبيه جعفر الصادقُ، وهو الذي حَلَّ مَعَاقِدَ رموزه، وفك طلاسم كنوزه".
ثم ذكر أن له كتابَ الجفرِ الأكبر، والجفر الأصغر، وأن الجفرَ الأكبرَ إشارة إلى المصادر الوفقية التي هي من أ، ب، ت، ث، ... إلى آخرها، وأنها أَلفُ وفق، وأن الجفر الأصغر إشارة إلى المصادر الوفقية التي هي مركبة من أبجد إلى قرشت، وهي سبعمائة وفق (٤).
стр. 212
وهذا كلُّهُ من أكاذيب الرافضةِ على ال بيت رسول الله ﷺ ، وهذا الكتابُ كما ذكرتُ آنفًا نُسبَ كَذبا إلى جعفَر الصادق -رحمه الله تعالى- وليس لهم برهان على إثباته سوى القول المجرد عن الدليل، بل قد نفى علي بن أبي طالب ﵁ أن يكون هو وذريته مخصوصين بشيء من الوحي دون الناس، وذلك فيما رواه البخاري -رحمه الله تعالى-: "أنه قيل لعلي ﵁ هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: " لاَ، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ (٢)، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ " (٣)
أما نسبة هذا العلم إلى آدَمَ ﵇ فليست صحيحة، إذ إن كل ما رُوي في ذلك عن آدَمَ ﵇ من أنه كان عالمًا بحروف أبي جاد، وأن الله أنزلها عليه، فقد نُقِلَتْ عن أخبار إسرائيلية، لا يُوثَقُ بها، وقد أجمع المسلمون على أن ما روي عن بني إسرائيل في الأنبياء المتقدمين لا يُجْعَلُ عُمدَةً في ديننا، ولا يجوز التصديقُ بصحتها إلا بحجة صحيحة واضحة (٤)، كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة: "لَا تُصَدّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلَا تكَذِّبُوهُمْ، و ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ ... " (٥).
стр. 213
وما رواه البخاري أيضًا -عن ابن عَبَّاس- ﵄ قال: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عن شيء، وَكِتَابُكُم الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى رسول الله ﷺ أَحْدَثُ الْأخْبَارِ بِاللهِ؟! تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا، لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمْ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا كتابَ اللَّهُ، وَغَيَّرُوه، وكتبوا بِأَيْدِيهِم الْكِتَابَ، وَقَالُوا: هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ليَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَفَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِن العِلمِ عَن مُسَاءَلَتِهِمْ؟ وَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا قَطُّ يَسْأَلُكُمْ عَن الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ" (١).
وبهذا يتبين أن ما ذُكِرَ عن آدمَ ﵇ من ذلك لا يجوز تصديقه، وكذلك ما روي عن النبي ﷺ في الحث على تعلم أبي جاد، وتعلم تفسيرها، لا يصح أيضًا؛ وذلك لأن هذا الحديثَ رُوِيَ من طريقين كلاهما لا يَصِحُّ عن النبي ﷺ : أولهما: ما ذكره ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أن أبا بكر النَّقَّاش (٢) رواه في تفسيره، وغيره من المفسرين، كما ذكره ابن جرير الطبري في آخر تفسيره، ورد عليه، فذكر أن أبا بكر النقَّاش روى بسنده من طريق
стр. 214
محمد بن زياد الجزري (١)، أن رسول الله ﷺ قال: "تعلموا أبا جاد وتفسيرها، ويل لعالم جهل تفسير أبي جاد ... ".
وذكر ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أن ابن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- قال بعد إيراد هذا الحديث: "لو كانت الأخبار التي رُوِيَتْ عن النبي ﷺ في ذلك صِحَاحَ الأسانيد، لم يُعدل عن القول بها إلى غيرها، ولكنها واهية الأسانيد، غير جائز الاحتجاج بمثلها، وذلك أن محمد بن زياد الجزري غير موثوق بنقله".
وقال ابن تيمية -رحمه الله تعالى- بعد ذلك: "الحديث فيه فرات بن السائب، وهو ضعيف لا يُحْتَجّ به، وهو فُرَاتُ بن أبي الفرات (٢)، ومحمد بن زياد الجزري ضعيف أيضًا" (٣).
أما الطريق الثاني: فقد رواه الصدوق القمي الرافضي بسنده عن الأصبغ بن نُبَاتَةَ (٤)، أن النبي ﷺ قال: "تعلموا تفسير أبجد؛ فإن فيه الأعاجيبَ كلها، ويل لعالم جهل تفسيره ... " (٥).
стр. 215
والأصبغ بن نُباتة لا يُحتَجُّ بروايته.
وقد ورد أن هذه الصناعةَ مأثورةٌ عن فلاسفة اليونان الصابئة الذين يعبدون الأوثان، فقد جعل أرسطو في آخر كتاب "السياسة" فصلا في حساب الجُمَّل، وادعى أنه يعرف بها الغالب من المغلوب، ونحو ذلك من أمور الغيب (١).
والذي ينبغي أن يُعْلَمَ في هذا الموضع أن هذه الحروفَ ليست أسماء لمسميات، ولا علاقةَ لها بمستقبل الإنسان ولا بحياته، وإنما أُلِّفَتْ ليُعْرَفَ تأليف الأسماء من حروف المعجم، بعد معرفة حروف المعجم، ثم إن كثيرا من أهل الحساب صاروا يجعلونها علامات على مراتب العدد، فيجعلون الألِف واحدًا، والباء اثنين، والجيم ثلاثة ... وهكذا، ثم أخذ هؤلاء هذا الاصطلاح، ولفقوا عليه الأباطيل وادَّعوا أَنَّهُ علم، وأن به تُعْرَفُ الأمورُ الغيبية، وربطوه بالتنجيم؛ لخفاء بطلان التنجيم على كثير من الناسِ، والعلم لا يُؤْخَذُ عن مثل هذه النظريات الفاسدة، ولا من هذه العقليات الجاهلية الباطلة، بل لابد فيه من عقل مُصَدَّق، ونقل مُحَقَّقٍ (٢)، وهذا الذي يزعمون ما هو إلا ادعاء علم استأثر الله به، وهذا بلا شك من أعظم الشرك في الربوبية، ومن صَدَّقَ به، واعتقد فيه كفر -والعياذ بالله (٣) -؛ كما قال ابن عباس -رضي الله