ومما يتشبثون به لتعضيد هذا المعتقد عندهم ما رواه الكليني عن أبي عبد الله جعفر الصادق أنه قال: "وإن عندنا الجفرَ، وما يدريهم ما الجفرُ؟ فقيل له: ما الجفرُ؟ قال: وِعَاءٌ من أَدَمٍ فيه علم النبيين والوَصِيِّينَ، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل" (١).
وما رواه -أيضًا- أن أبا عبد الله سُئِلَ عن الجفر، فقال: "هو جلد ثور (٢) مملوء علمًا" (٣)، وتارة يذكرون أن هذا العلم مأثور عن آدم ﵇؛ فقد نقل عن اليزيدي الحائري عن كتاب الينابيع: "أما آدمُ ﵇ فهو نبيٌّ مرسل خلقه الله -تعالى- بيده، ونفخ فيه من روحه، فأنزل عليه عَشْرَ صحائفَ، وهو أول من تكلم في علم الحروف، وله كتاب سفر الخفايا، وهو أول كتاب كان في الدنيا في علم الحروف، ثم ذكر أن آدم ﵇ وَرَّثَهُ لأبنائه من بعده، وأبناؤه وَرَّثوهُ لمن بعدهم"، وهكذا إلى أن قال: "ثم وَرِثَ هذا العلمَ عن أبيه جعفر الصادقُ، وهو الذي حَلَّ مَعَاقِدَ رموزه، وفك طلاسم كنوزه".
ثم ذكر أن له كتابَ الجفرِ الأكبر، والجفر الأصغر، وأن الجفرَ الأكبرَ إشارة إلى المصادر الوفقية التي هي من أ، ب، ت، ث، ... إلى آخرها، وأنها أَلفُ وفق، وأن الجفر الأصغر إشارة إلى المصادر الوفقية التي هي مركبة من أبجد إلى قرشت، وهي سبعمائة وفق (٤).
стр. 212
وهذا كلُّهُ من أكاذيب الرافضةِ على ال بيت رسول الله ﷺ ، وهذا الكتابُ كما ذكرتُ آنفًا نُسبَ كَذبا إلى جعفَر الصادق -رحمه الله تعالى- وليس لهم برهان على إثباته سوى القول المجرد عن الدليل، بل قد نفى علي بن أبي طالب ﵁ أن يكون هو وذريته مخصوصين بشيء من الوحي دون الناس، وذلك فيما رواه البخاري -رحمه الله تعالى-: "أنه قيل لعلي ﵁ هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: " لاَ، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ (٢)، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ " (٣)
أما نسبة هذا العلم إلى آدَمَ ﵇ فليست صحيحة، إذ إن كل ما رُوي في ذلك عن آدَمَ ﵇ من أنه كان عالمًا بحروف أبي جاد، وأن الله أنزلها عليه، فقد نُقِلَتْ عن أخبار إسرائيلية، لا يُوثَقُ بها، وقد أجمع المسلمون على أن ما روي عن بني إسرائيل في الأنبياء المتقدمين لا يُجْعَلُ عُمدَةً في ديننا، ولا يجوز التصديقُ بصحتها إلا بحجة صحيحة واضحة (٤)، كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة: "لَا تُصَدّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلَا تكَذِّبُوهُمْ، و ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ ... " (٥).
стр. 213
وما رواه البخاري أيضًا -عن ابن عَبَّاس- ﵄ قال: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عن شيء، وَكِتَابُكُم الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى رسول الله ﷺ أَحْدَثُ الْأخْبَارِ بِاللهِ؟! تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا، لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمْ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا كتابَ اللَّهُ، وَغَيَّرُوه، وكتبوا بِأَيْدِيهِم الْكِتَابَ، وَقَالُوا: هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ليَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَفَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِن العِلمِ عَن مُسَاءَلَتِهِمْ؟ وَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا قَطُّ يَسْأَلُكُمْ عَن الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ" (١).
وبهذا يتبين أن ما ذُكِرَ عن آدمَ ﵇ من ذلك لا يجوز تصديقه، وكذلك ما روي عن النبي ﷺ في الحث على تعلم أبي جاد، وتعلم تفسيرها، لا يصح أيضًا؛ وذلك لأن هذا الحديثَ رُوِيَ من طريقين كلاهما لا يَصِحُّ عن النبي ﷺ : أولهما: ما ذكره ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أن أبا بكر النَّقَّاش (٢) رواه في تفسيره، وغيره من المفسرين، كما ذكره ابن جرير الطبري في آخر تفسيره، ورد عليه، فذكر أن أبا بكر النقَّاش روى بسنده من طريق
стр. 214
محمد بن زياد الجزري (١)، أن رسول الله ﷺ قال: "تعلموا أبا جاد وتفسيرها، ويل لعالم جهل تفسير أبي جاد ... ".
وذكر ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أن ابن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- قال بعد إيراد هذا الحديث: "لو كانت الأخبار التي رُوِيَتْ عن النبي ﷺ في ذلك صِحَاحَ الأسانيد، لم يُعدل عن القول بها إلى غيرها، ولكنها واهية الأسانيد، غير جائز الاحتجاج بمثلها، وذلك أن محمد بن زياد الجزري غير موثوق بنقله".
وقال ابن تيمية -رحمه الله تعالى- بعد ذلك: "الحديث فيه فرات بن السائب، وهو ضعيف لا يُحْتَجّ به، وهو فُرَاتُ بن أبي الفرات (٢)، ومحمد بن زياد الجزري ضعيف أيضًا" (٣).
أما الطريق الثاني: فقد رواه الصدوق القمي الرافضي بسنده عن الأصبغ بن نُبَاتَةَ (٤)، أن النبي ﷺ قال: "تعلموا تفسير أبجد؛ فإن فيه الأعاجيبَ كلها، ويل لعالم جهل تفسيره ... " (٥).
стр. 215
والأصبغ بن نُباتة لا يُحتَجُّ بروايته.
وقد ورد أن هذه الصناعةَ مأثورةٌ عن فلاسفة اليونان الصابئة الذين يعبدون الأوثان، فقد جعل أرسطو في آخر كتاب "السياسة" فصلا في حساب الجُمَّل، وادعى أنه يعرف بها الغالب من المغلوب، ونحو ذلك من أمور الغيب (١).
والذي ينبغي أن يُعْلَمَ في هذا الموضع أن هذه الحروفَ ليست أسماء لمسميات، ولا علاقةَ لها بمستقبل الإنسان ولا بحياته، وإنما أُلِّفَتْ ليُعْرَفَ تأليف الأسماء من حروف المعجم، بعد معرفة حروف المعجم، ثم إن كثيرا من أهل الحساب صاروا يجعلونها علامات على مراتب العدد، فيجعلون الألِف واحدًا، والباء اثنين، والجيم ثلاثة ... وهكذا، ثم أخذ هؤلاء هذا الاصطلاح، ولفقوا عليه الأباطيل وادَّعوا أَنَّهُ علم، وأن به تُعْرَفُ الأمورُ الغيبية، وربطوه بالتنجيم؛ لخفاء بطلان التنجيم على كثير من الناسِ، والعلم لا يُؤْخَذُ عن مثل هذه النظريات الفاسدة، ولا من هذه العقليات الجاهلية الباطلة، بل لابد فيه من عقل مُصَدَّق، ونقل مُحَقَّقٍ (٢)، وهذا الذي يزعمون ما هو إلا ادعاء علم استأثر الله به، وهذا بلا شك من أعظم الشرك في الربوبية، ومن صَدَّقَ به، واعتقد فيه كفر -والعياذ بالله (٣) -؛ كما قال ابن عباس -رضي الله
стр. 216
عنهما- مُنْكِرًا على الذين يتخذون هذه الصناعة: "إن قومًا يحسبون أبا جاد، وينظرون في النجوم، ولا أرى لمن فعل ذلك من خلاق" (١).
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ الزجر عن عدِّ أبي جاد، والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر، وليس ذلك ببعيد؛ فإنه لا أصل له في الشريعة" (٢).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن مُحَمَّد بن عبد الوهاب -رحمهما الله تعالى-: "وكتابة أبي جاد، وتعلمها لمن يدعي بها علم الغيب، هو الذي يسمى علم الحرف، وهو الذي فيه الوعيد، فأما تعلمها للتهجي وحساب الجُمل، فلا بأس به" (٣). اهـ.
стр. 217
وقال الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله تعالى-: "وزعم بعضهم أن الساعة تقوم سنة ١٤٠٧ هـ؛ بناء على أن عدد حروف "بغتة" في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ ١٤٠٧" (١)، وبيَّن -رحمه الله تعالى- أن
стр. 218
بعض الناس حاول تحديد عمر هذه الأمة عن طريق "عدد أبي جاد"، ثم قال: "وقد ثبت عن ابن عباس الزجر عن عَدِّ أبي جاد، والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر، وليس ذلك ببعيد؛ فإنه لا أصلَ له في الشريعة" (١)، وقال -أيضًا-: "وأما عَدَدُ أبي جاد فليس بِلُغَوِيٍّ، ولا شرعي، بل هو اصطلاح يهودي" (٢).
أَصْلُ طَرِيقَةِ "حِسَابِ الْجُمَّلِ "
التي اعتمد عليها البعض في تحديد عمر الدنيا، وبعض أشراط الساعة، وبيان بدعية اعتمادها في تفسير فواتح السور: رُوِيَ أن أول من أدخل حساب الجُمَّل في تأويل حروف المعجم التي وردت في أوائل السور هم اليهود -لعنهم الله- كيدًا للإسلام وأهله، وأن حُييَّ بن أخطبَ عَدَّ جملة السنين التي تدل عليها هذه الحروف، وحسب عمر الأمة المحمدية؛ طبقًا لحساب الجُمَّل، غير أن هذا الحديث ضعيف (٣)، ولو صح؛ فكيف يكون لنا في هذا اليهودي أسوةٌ؟
стр. 219
ولقد ذهب البعض إلى أن "المتشابهات" الواردة في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآية [آل عمران:٧]، يُرَادُ بِهَا "الحروف المقطعة في أوائل السور"، وحكى الإمام ابن جرير الطبري -رحمه الله تعالى- قَوْلَ من ذهب إلى أن الحروف المقطعة في أوائل السور من "المتشابه" وقولهم في تعليل ذلك: "لأنهن متشابهات في الألفاظ، وموافقات حروف حساب الجُمَّل"، ثم قال -رحمه الله تعالى-: "وكان قوم من اليهود على عهد رسول الله ﷺ طَمِعوا أن يدركوا مِن قِبَلها معرفة مدة الإسلام وأهله، ويعلموا نهاية أُكْلِ (١) محمد ﷺ وأمته؛ فأكذب الله أحدوثتهم بذلك، وأعلمهم أن ما ابتغوا علمه من ذلك من قِبَل هذه الحروف المتشابهة لا يدركونه، ولا من قبل غيرها، وأن ذلك لا يعلمه إلا الله".
ثم قال الإمام الطبري -رحمه الله تعالى-: "وهذا القول أشبه بتأويل الآية" (٢).
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في شرح قوله ﷺ : "فَإِذَا رَأَيْتِ (٣) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ؛ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ؛ فَاحْذَرُوهُمْ":
стр. 220
"والمراد التحذير من الإصغاء إلى الذين يَتَّبِعُونَ المُتَشَابِهَ من القرآن، وأول ما ظهر ذلك من اليهود؛ كما ذكره ابن إسحاق في تأويلهم الحروف المقطعة، وأن عددها بالجُمَّل مقدار مدة هذه الأمة" (١).
وإن مما يُؤْسَفُ له أن فكرة "حساب الجمَّل" هذه انتقلت إلى بعض كتب التفسير التي تَقَبَّلَتْهَا دون رَوَّية؛ ولهذا استخرج بعض أئمة المغرب من: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ [الروم: ١، ٢] فتح بيت المقدس، واستنقاذه من يد العدو في سنة معينة (٢).
وقال العز بن عبد السلام عند تفسيره ﴿الم (١)﴾ [البقرة:١]: "هي حروف من حساب الجُمَّل"، ثم ذكر حكاية حُييِّ بن أخطب مع النبي ﷺ .
وقال السهيلي: "لعل عدد الحروف التي في أوائل السور مع حذف المكرر؛ للإشارة إلى بقاء هذه الأمة" (٣).
ونقل السيوطي عن أبي الفضل المرسي قوله في الحروف المقطعة: "وإن فيها ذكر مدد، وأعوام لتواريخ أمم سالفة، وإن فيها تاريخ بقاء هذه الأمة، وتاريخ مدة أيام الدنيا، وما مضى وما بقي مَضْرُوبٌ بعضها في بعض" (٤).
стр. 221
ويقول السهيلي (١) كذلك تعليقًا على الحساب اليهودي: "وهذا القول من أحبار يهود، وما تأولوه من معاني هذه الحروف محتمل- حتى الآن- أن يكون من بعض ما دلت عليه الحروف المُقَطَّعَة ... ".
ولقد أدى تَسَربُ هذه الفكرة إلى أن توقع بعض العلماء انقضاء هذه الأمة المحمدية بعد الخمس مائة سنة الأولى، وها نحن الآن في عام ١٤٢٨هـ، والأمة باقية بحمد الله -تعالى-، ومَنِّه، وكرامته، وهي تزيد عددًا، ويكثر أتباع دين الحق.
يَقُولُ الدُّكتُورُ مُحَمَّدُ أَبُو فراخ مُعَلِّقًا عَلَى هَذَا المسْلَكِ:
"وإني لأعجب أشد العجب من قوم يَعْلَمُون أن الله -تعالى- قد استأثر بعلم الغيوب، ورأوا أن رسول الله ﷺ لم يثبت عنه أنه قال في شيء من ذلك كلامًا صريحًا؛ كيف يشقون على أنفسهم، ويتحملون العناء؛ ليذكروا من هذا ما لا يقبله العقل، ولا يطمئن إليه، ثم إنهم إذا أرأدوا أن يجعلوا الحروف التي وقعت في أوائل السور تدل -فيما تدل عليه- على ذلك المعنى، لماذا اقتصروا على بعضها دون بعض؟ وَهَلَّا جمعوها كلها؛ سواءٌ أتكَررت، أم لم تتكرر، ثم ذهبوا إلى أن مجموع جميعها هو المقصود" إلى أن قال: "وبعد؛ فإنَّا لا نسيغ لأنفسنا، ولا نرضى لأحدٍ سوانا أن يخوض في هذا، وفيما أشبه هذا؛ فإن علم ذلك كله عند الله وحده" (٢).
стр. 222
ثم قا ل: "قال الخويبي: وقد استخرج بعضهم من ﴿الم (١)﴾ [الروم:١] فتح بيت المقدس؛ يفتحه المسلمون في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ووقع كما قاله"، ويوضح ابن عربي الكيفية التي تَمَّ بها ذلك الحساب الغريب، فَارْجِعْ إلى "روح المعاني" في ذلك إن شئت".
وذكر بعضهم أن "طه" معناه: يا بدر؛ لأن الطاء بتسعة، والهاء بخمسة؛ فذلك أربع عشرة؛ إشارةً إلى البدر؛ لأنه يتم فيها، وقريب من هذا ما عُنِيَ به بعض الشيعة من حذف المكرر من هذه الحروف، وصياغة جمل مما بقي منها في علي ﵁، أو تفضيله، وترجيح خلافته؛ كقولهم: "صراط علي حق نمسكة"، ولكنهم قوبلوا بجمل أخرى مثلها من بعض السنيين تنقض ما قالوه؛ كقولهم: "صح طريقك مع السنة" (١)، إلى غير ذلك من الأقوال الغريبة الأخرى، ليس هذا موضع بسطها (٢).
ولقد نهى ابن عباس ﵄ عن مثل هذا المسلك، الذي اعتبره من جملة السحر، واعتبر أصحابه من الذين يتبعون المتشابه؛ لما في قلوبهم من الزيغ، والفتنة، والضلال، وذكر ابن حجر أن حساب الجمل: "باطلٌ لا يُعْتَمدُ عليه، ولا أصل له في الشريعة" (٣).
وقال ابن كثير: "وأما من زعم أنها دَالَّةٌ على معرفة المدد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث، والفتن الملاحم؛ فقد ادَّعى ما ليس
стр. 223
له، وطار في غير مطاره" (١)، وفي "تفسير المنار": "أضعف ما قيل في هذه الحروف وأسخفه: إن المراد بها الإشارة بأعدادها في حساب الجملة إلى مدة هذه الأمة، أو ما شابه ذلك".
وقال القاضي أبو بكر: "ومن الباطل علم الحروف المقطعة في أوائل السور، وقد تحصل لي فيها عشرون قولًا وَأَزْيَدُ، ولا أعرف أحدًا يحكم عليها بعلم، ولا يصل منها إلى فَهْمٍ، والذي أقوله: إنه لولا أن العرب كانوا يعرفون أن لها مدلولا، متداولًا عندهم؛ لكانوا أول من أنكر ذلك على النبي ﷺ ؛ تلا عليهم ﴿حم (١)﴾ [فصلت:١]، ﴿ص﴾ وغيرها، فلم ينكروا ذلك، بل صرحوا بالتسليم له في بالبلاغة، والفصاحة مع تشوقهم إلى عثرة، وحرصهم على زلة؛ فدل على أنه كان أمرًا معروفًا بينهم لا إنكار فيه" (٢).
إنه لم يُعْرَفْ عن هؤلاء العرب مثل هذه الحسابات العددية لتلك الحروف المقطعة في أوائل السور القرآنية؛ فوجب رد هذه التأويلات التي لم يقصد بها وجه الحق، ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء] (٣).
وممن استروح لمنهج حساب الجمل الشيخ "طنطاوي جوهري" الذي زَعَمَ إمكانية الرمز، والإشارة بالحروف إلى حساب الجمل، وقد نزل القرآن بذلك؛ ليأخذ الناس في فَهْمهَا؛ "حيث كان اليهود والنصارى
стр. 224
يتخذون رموزًا، وإشاراتٍ مشهورةً في دينهم، فنزل القرآن بهذه الرموز؛ ليكون مفهومًا لجميع الطوائف؛ لأنه نزل للعرب، والعجم جميعًا".
قال الشيخ في ذلك: "اعلم أن القران كتابٌ سماويٌّ، والكتب السماوية تصَرِّحُ تارَةً، وترمز أخرى، والرمز والإشارة من المقاصد السامية، والمعاني والمغازي الشريفة، وقديمًا كان ذلك في أهل الديانات؛ ألم ترَ إلى اليهود الذين كانوا منتشرين في المدينة، وفي بلاد الشرق أيام النبوة، كيف كانوا يصطلحون فيما بينهم على أعداد الجُمَّل المعروفة اليوم في الحروف العربية؛ فيجعلون الألف بواحدٍ، والباء باثنين، والجيم بثلاثة، والدال بأربعة، وهكذا مارِّين على الحروف الأبجدية إلى الياء بعشرة، والكاف بعشرين، وهكذا إلى القاف بمائة، والراء بمائتين، وهكذا إلى الغين بألف، كما ستراه في هذا المقام؛ كذلك ترى أن النصارى في إسكندرية، ومصر، وبلاد الروم، وفي سوريا قد اتخذوا الحروف رموزًا دينية معروفة فيما بينهم أيام نزول القرآن، وكانت اللغة اليونانية هي اللغة الرسمية في مصر، وكانوا يرمزون بلفظ "اكسيس" لهذه الجملة: "يسوع المسيح ابن الله المخلص" فالألف من "اكسيس" هي الحرف الأول من لفظ "ايسوس" يسوع، والكاف منها هي الحرف الأول من "كرستوس" المسيح، والسين منها هي حرف الثاء التي تبدل منها في النطق في لفظ "ثيو" الله، والياء منها تدل على "ايوث" ابن، والسين الثانية منها تشير إلى "ثوتير" المخلص، ومجموع هذه الكلمات "يسوع المسيح ابن الله المخلص" (١)، ولفظ "اكسيس" اتفق أنه يدل على معنى سمكة؛ فأصبحت السمكة عند هؤلاء رمزًا لإلههم.
стр. 225
فانظر، كيف انتقلوا من الأسماء إلى الرمز بالحرف، ومن الرمز بالحرف إلى الرمز بحيوان دلت عليه الحروف، قال الحَبْرُ الإنجليزي "صموئيل مونتج": "إنه كان يوجد كثيرا في قبور رومة صور أسماك صغيرة مصنوعة من الخشب، والعظم، وكان كل مسيحي يحمل سمكة؛ إشارةً للتعارف فيما بينهم " (١).
وجنح الشيخ "محمد عبد العظيم الزرقاني" صاحب "مناهل العرفان" إلى تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور بالرموز التي تعارفت عليها الطوائف اليهودية من حساب الجمل، وأن القرآن قد جاء بها؛ لتتفق مع مذاهبهم، قال الشيخ: "إذا كان من طبائع الأمم التي أحاطت بالبلاد العربية، وتغلغلت فيها، ونزل القرآن لجميع الناس من عرب، وعجم، كان لابد أن يكون على منهج تَلَذُّهُ الأمم، ويكون فيه ما يألفون".
ثم ذكر الشيخ حكاية حييِّ بن أخطب اليهودي؛ الذي عَدّ فيها عُمر الأمة الإسلامية (٢)، وانتهى الشيخ بعد أن ذكر هذه الرواية -دون أن ينبه على ضعفها- إلى أن حساب الجمل كان للتعارف عند اليهود، وهو نوع من الرموز الحرفية؛ فكانت هذه الحروف لابد من نزولها في القرآن (٣).
ويعلق الدكتور "محمد محمد أبو فراخ" -حفظه الله- قائلًا: "إن هذه الحروف لم تأتِ على منهج يَلُذُّهُ اليهود، أو غيرهم؛ وإنما جاءت على منهج القرآن العظيم المتلائم المتناسب، فيما قدمه من حروف وكلمات،
стр. 226
ومع المعاني المرادة منها، والمقاصد التي أتى بها؛ لإثبات الحق، ونفي الباطل بأعظم وجه، وأتم بيان" (١) اهـ.
стр. 227
الفصل الرابع
تحديد عُمُر الدنيا
بادئ ذي بَدْءٍ نُقَرّرُ أن الخوض في هذه القضية مما لا يترتب عليه عمل ؛ إذ يشبه السؤال عنها قول السائل لرسول الله ﷺ : "مَتَى السَّاعَةُ؟ "، فأجابه ﷺ جوابَ الحكيم، بخلاف ما يترقب (١) فقال: "وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ " (٢)، فلكلِّ إنسانٍ ساعته، وقيامته (٣) , والذي يعنيه: أن يستعد للقاء الله إذا حضر أجله بالعمل الصالح.
قال الإمام العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني الأمير -رحمه الله تعالى-: "اعلم أن مقدار الدنيا لا يعلمه إلَّا الله، ولم يرد نص من كتاب ولا سنة في بيان ذلك، ووردت أحاديث وآثار ما يحصل بها جزم بأنه مقدار معين" (٤) اهـ.
ومع هذا، فقد خاض البعض في هذا الأمر وغلطوا؛ كما فعل الحافظ السيوطي -رحمه الله تعالى- في كتابه "الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف" (٥) احتج فيه بأحاديث لم تصح؛ منها ما رواه الضحاك بن زمل
стр. 228
الجهني (١)، قال: رأيت رؤيا، قصصتها على رسول الله ﷺ فذكر الحديث، وفيه: إذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات، وأنت في أعلاها درجة، فقال ﷺ : "أَمَّا المِنْبَرُ الَّذِي رَأَيْتَ سَبْعِ دَرَجَاتٍ، وَأَنَا أَعْلَاهَا دَرَجَة؛ فَالدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَة، وَأَنَا في آخِرِهَا ألفًا" (٢).
وذكر الإمام المحقق ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى- في "المنار المنيف" أمورًا كلية، يُعْرَفُ بها كونُ الحديث موضوعا؛ منها: "مخالفته صريحَ القرآن؛ كحديث مقدار الدنيا، وأنها سبعة آلاف سنة، ونحن الآن في الألف السابعة، وهذا من أبين الكذب؛ لأنه لو كان صحيحًا، لكان كل واحد عالمًا أنه بقي للقيامة من وقتنا هذا مائة وإحدى وخمسون سنة" (٣) اهـ. علمًا بأن ابن القيم عاش في القرن الثامن الهجري.
وقال ابن كثير في "النهاية في الفتن والملاحم": حديث (أن النبي ﷺ يُؤَلِّفُ تحت الأرض) لا أصل له (٤)، وحديث "الدُّنيَا جُمُعَةٌ مِنْ جُمَعِ الآخِرَةِ، سبعة آلاف سنة" (٥) لا يصح إسناده، وكذا كل حديث ورد فيه تحديد وقت القيامة على التعيين، لا يثبت إسناده (٦).
стр. 229
واحتج السيوطي -رحمه الله تعالى- بآثار فيها تحديد عمر الدنيا، وأغلبها إسرائيليات، وقال -رحمه الله تعالى-: "الذي دَلَّت عليه الآثار أن مدة هذه الأمة تزيد على ألف سنة، ولا تبلغ الزيادة عليها خمسمائة سنة".
تَعليقُ الْعُلَمَاءِ عَلَى كَلامِ السُّيُوطِيِّ ﵀
قال الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني الأمير -رحمه الله تعالى-: "إذا أحطت علمًا بجميع ما سقناه؛ علمت بأن القول بتعيين مدة الدنيا من أولها إلى آخرها بأنه سبعة آلاف سنة لم يثبت فيه نصٌّ يُعْتَمَدُ عليه؛ وغاية ما فيه آثار عن السلف، وإن كانت لا تقال إلا عن توقيف؛ فلعلها مأخوذة عن أهل الكتاب، وفي أسانيدها مقال، وقد عُلم تغييرهم لما لديهم عن الله تعالى، وعن رسله ﵈" (١) اهـ.
وممن تعقب السيوطي -رحمه الله تعالى- الشيخ مرعي الكرمي في "بهجة الناظرين" قائلًا: "وهذا مردود؛ لأنَّ كل من يتكلَّم بشيء من ذلك؛ فهو ظنّ، وحسبانٌ، لا يقوم عليه برهان" (٢).
وقد بين الصنعاني -رحمه الله تعالى- أن السيوطي أقام رسالته "الكشف" على آثار بواطيل، وجمع ما تضمنته من تواريخ، وحسابات؛ فبلغت معه مائتي سنة وثلاثًا وستين سنة، ثم قال الصنعاني: "ونحن الآن في القرن الثاني عشر، ويضاف إليه مائتان وثلاث وستون سنة؛ فيكون الجميع
стр. 230
أربعة عشرة مائة وثلاثة وستين"، ثم قال متعقبًا السيوطي: "وعلى قوله: إنه لا يبلغ خمسمائة سنة بعد الألف، يكون منتهى بقاء الأمة بعد الألف أربعمائة سنة وثلاثًا وستين سنةً، ويتخرَّج منه أن خروج الدَّجَّال -أعاذنا اللهُ من فتنته- قبل انخرامِ هذه المائة التي نحن فيها؛ وهي المائة الثانية عشرة من الهجرة النبوية" (١).
وعًقَّبَ عَلَى قَوْلِ الصَّنْعَانِي هَذَا القَنَّوجي؛ فَقَالَ:
"وقد مضى إلى الآن على الألف نحوٌ من ثلاثمائة سنة، ولم يظهر المهدي! ولم ينزل عيسى! ولم يخرج الدَّجَّال!! فدلَّ على أن هذا الحساب ليس بصحيح" (٢).
وممن انتقد رسالة السيوطي -رحمه الله تعالى- الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله تعالى-؛ إذ قال في "المنار": "فكأن رسالته كلها مستنبطة من الخبرين الموضوعين، أي: المكذوبَيْن على رسول الله ﷺ ، فتأمل -هداك الله تعالى- ما يفعل الغرور بظاهر الروايات حتى في أنفس المشتغلين بالحديث؛ كالسيوطي الذي عُدَّ من الحفاظ، وأنكر ذلك زميله السخاوي، وكلاهما من تلاميذ الحافظ ابن حجر" (٣).
وكان قد انتقد الآثار التي أوردها السيوطي، والتي فيها أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، فقال: "وقد اغتر بها من لا ينظرون في نقد الروايات إلا من جهة أسانيدها؛ حتى استنبط بعضهم منها ما بقي من عمر الدنيا،
стр. 231
وللجلال السيوطي في هذا رسالة قد هدمها عليه الزمان؛ كما هدم أمثالها من التخرصات، والأوهام، وما بُث في الإسرائيليات من الكيد للإسلام" (١).
وقال الشيخ يوسف بن عبد الله الوابل -حفظه الله-:
"وكما أنه لا يعلم أحد متى تقوم الساعة، فكذلك لا يعلم أحد متى تظهر أشراط الساعة، وما ورد أنه في سنة كذا يكون كذا، وفي سنة كذا يحصل كذا فهو ليس بصحيح؛ فإن التاريخ لم يوضع في عهد النبي ﷺ ، وإنما وضعه عمر بن الخطاب ﵁؛ اجتهادًا منه، وجعل بدايته هجرة النبي ﷺ إلى المدينة" (٢).
ذِكْرُ نُصُوص عنِ الْعُلمَاءِ الْمُتَقَدِّمينَ عَلَى السُّيُوطِيِّ
في قَضِيَّةِ "تَحْدِيْدِ عُمرِ الدُّنْيَا "
أَوَّلًا: الإمام أبو محمد علي بن حزم (ت ٤٥٦) -رحمه الله تعالى-: لم يعبأ بشيء من تلك الروايات المأثورة في هذه المسألة على طول باعه، وسَعة حفظه للآثار، وقد سبق القاضي عياضًا، والقاضي أبا بكر بن العربي، وابن خلدون في رفضه لما قيل في عمر الدنيا، والعجب أن الحافظ فاته إيرادُ ما قاله ابن حزم في هذه المسألة على سعة اطلاعه.
стр. 232
قال -رحمه الله تعالى- في "الفِصَل":
مطلب بيان كذب من ادَّعى لمدة الدنيا عددًا معلومًا قال (أبو محمد): "وأما اختلاف الناس في التاريخ فإن اليهود يقولون: للدنيا أربعة آلاف سنة ونيف، والنصارى يقولون: للدنيا خمسة آلاف سنة، وأما نحن فلا نقطع على عدد معروف عندنا، وأما من ادَّعَى في ذلك سبعة آلاف سنة، أو أكثر، أو أقل؛ فقد كذب، وقال ما لم يأتِ قط عن رسول الله ﷺ فيه لفظة تصح، بل صح عنه ﷺ خلافُه، بل نقطع على أن للدنيا أمدًا لا يعلمه إلا الله تعالى، قال الله -سبحانه-: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، وقال رسول الله ﷺ : "مَا أَنْتُم فِي الأمَمِ قَبْلَكُم إِلَّا كالشَّعْرَةِ البيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأسْوَدِ أَوْ الشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ"، هذا عنه ﵇ ثابت، وهو ﵇ لا يقول إلا عين الحق، ولا يسامح بشيء من الباطل، وهذه نسبة مَن تدبرها، وعرف مقدار أعداد أهل الإسلام، ونسبة ما بأيديهم من معمور الأرض، وأنه الأكثر؛ علم أن للدنيا عددًا لا يحصيه إلا الله الخالق تعالى، وكذلك قوله ﷺ : "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ" وضم أصبعيه المقدستين السبابة، والوسطى، وقد جاء النص بأن الساعة لا يعلم متى تكون إلا الله -تعالى- لا أحد سواه؛ فصح أنه ﷺ إنما عنى شدة القرب، وله ﷺ منذ بُعث أربعمائة عام ونيف، والله -تعالى- أعلم بمقدار ما بقي من عمر الدنيا؛ فإذا كان هذا العدد العظيم لا نسبة له عندما
стр. 233
سلف؛ لقلته وتفاهته، بالإضافة إلى ما مضى، فهذا الذي قاله ﷺ من أننا فيما مضى كالشعرة في الثور، أو الرقمة في ذراع الحمار" اهـ. كلام ابن حزم -رحمه الله تعالى- (١).
ثَانيًا: الْقَاضِي عِيَاضٌ -رحمه الله تعالى -:
فقد نقل عنه الحافظ ابن حجر أثناء شرحه لحديث: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة كلهَاتَينِ" قوله: حاول بعضهم في تأويله أن نسبة ما بين الأصبعين؛ كنسبة ما بقي من الدنيا بالنسبة إلى ما مضى، وأن جملتها سبعة آلاف سنة، واستند إلى أخبار لا تَصِحُّ، وذكر ما أخرجه أبو داود في تأخير هذه الأمة نصف يوم، وفسَّره بخمسمائة سنة؛ فيؤخذ من ذلك أن الذي بقي نصفُ سُبع، وهو قريب مما بين السبابة، والوسطى في الطول.
قال: وقد ظهر عدم صحة ذلك؛ لوقوع خلافه، ومجاوزة هذا المقدار، ولو كان ذلك ثابتًا؛ لم يقع خلافه.
ثُمَّ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ -رحمه الله تعالى-:
"قلت: وقد انضاف إلى ذلك منذ عهد عياض إلى هذا الحين ثلاثمائة سنة، وقال ابن العربي: قيل: الوُسْطَى تزيد على السبابة نصف سبعها، وكذلك الباقي من الدنيا من البعثة إلى قيام الساعة، قال: وهذا بعيدٌ، ولا يُعلَم مقدار الدنيا؛ فكيف يتحصل لنا نصف سبع أمدٍ مجهول؟ فالصواب الإعراض عن ذلك" (٢) اهـ.
стр. 234
ثَالِثًا: الإِمَامُ القُرْطُبِي:
قال -رحمه الله تعالى-: "إن ما أخبر به النبي ﷺ من الفتن، والكوائن أن ذلك يكون، وتعيين الزمان في ذلك من سنة كذا، يحتاج إلى طريق صحيح يقطع العذر، وإنما ذلك كوقت قيام الساعة؛ فلا يعلم أحدٌ أيَّ سنة هي؟ ولا أيَّ شهر؟ أما أنها تكون في يوم الجمعة في آخر ساعة منه، وهي الساعة التي خلق الله فيها آدم ﵇، ولكن أي جمعة؟ لا يعلم تعيين ذلك اليوم إلا الله وحده لا شريك له، وكذلك ما يكون من الأشراط تعيين الزمان لها لا يُعْلم، والله أعلم " (١).
رَابِعًا: شيخ الإسلام ابن تيمية:
قال -رحمه الله تعالى-: " ... ومن تكلم في وقتها المعين، مثل الذي صنف كتابًا سمَّاه "الدر المنظم في معرفة الأعظم" وذكر فيه عشر دلالات بين فيها وقتها، والذين تكلموا على ذلك من "حروف المعجم"، والذي تكلم في "عنقاء مغرب"، وأمثال هؤلاء، فإنهم -وان كان لهم صورة عظيمة عند أتباعهم- فغالبهم كاذبون مفترون، وقد تبين لديهم من وجوه كثيرة أنهم يتكلمون بغير علم؛ وإن ادَّعَوْا في ذلك الكشف ومعرفة الأسرار، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف] " (٢) اهـ.
стр. 235
خَامِسًا: الإِمَامُ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ:
قال -رحمه الله تعالى-: "والذي في كتب الإسرائيليين، وأهل الكتاب؛ من تحديد ما سلف بألوفٍ، ومِئين من السنين، قد نص غير واحد من العلماء على تخطئتهم فيه، وتغليطهم، وهم جديرون بذلك، حقيقون به، وقد ورد في حديث: "الذُنيَا جُمُعَةٌ مِنْ جُمَعِ الآخِرَةِ"، ولا يصح إسناده أيضًا، وكذا كل حديث ورد فيه تحديد لوقت يوم القيامة على التعيين لا يثبت إسناده" (١).
سَادِسًا: الحافظ ابن رجب الحنبلي:
قال -رحمه الله تعالى- بعدما سرد جملة من النصوص التي استدل بها من يحددون ما تبقى من عمر الدنيا:
"وأخذُ بقاء ما بقي من الدنيا على التَّحديد من هذه النصوص لا يصح، فإن الله استأثر بعلم الساعة، ولم يُطْلِع عليه أحدًا من خلقه، وهو من مفاتح الغيب الخمسة التي لا يعلمها إلا الله؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "ما المَسْئُولُ عَنْهَا بأَعْلمَ مِنَ السَّائِلِ"، وإنما خرج هذا من النبي ﷺ على وجه التقريب للساعة بغير تحديد لوقتها.
وقد قدمنا أن المراد بهذا الحديث مدة أمةِ محمد ﷺ مع مدة أمةِ موسى وعيسى ﵉.
стр. 236
فمدة هذه الأمم الثلاثِ كيوم تام، ومدة ما مضى من الأمم في أول الدنيا كليلة هذا اليوم، فإن الليل سابق للنهار، وقد خُلِقَ قبلَه -على أصح القولين- وتلك الليلة السابقة كان فيها نجوم تضيء، ويُهتدى بها، وهم الأنبياء المبعوثون فيها، وقد كان -أيضًا- فيهم قمرٌ منيرٌ وهو إبراهيم الخليل ﵇، إمام الحنفاء، ووالد الأنبياء، وكان بين آدم ونوح ألف سنة، وبين نوح وابراهيم ألف سنة، وبين إبراهيم وموسى ﵇ ألف سنة، قال ذلك غير واحد من المتقدمين، حكاه عنهم الواقدي ... وأما ابتداء رسالة موسى ﵇ فكانت كابتداء النهار، فإن موسى وعيسى ومحمدًا ﷺ هم أصحاب الشرائع، والكتب المتبعة، والأمم العظيمة. وقد أقسم الله بمواضع رسالاتهم في قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين]، وفي التوراة: "جاء الله من طور سيناءَ، وأشرقَ مِنْ سَاعير، واستعلنَ من جبال فاران" ولهذا سَمَّى محمَّدًا ﷺ سِرَاجًا منيرًا؛ لأنَّ نوره للدنيا كنورِ الشَّمس، وأعمُّ، وأعظَمُ، وأنفَعُ، فكانتْ مدةُ عمل بني إسرائيلَ إلى ظهور عيسى كنصف النَّهارِ الأولِ، ومدةُ عملِ أُمَّةِ عيسى كما بينَ الظُّهرِ والعصر، ومُدَّةُ عملِ المسلمينَ كما بينَ العصرِ إلى غروب الشمسِ، وهذا أفضلُ أوقات النَّهار، ولهذا كانت الصَّلاةُ الوسطى العصَرَ على الصحيح، وأفضل ساعاتِ الجمعةِ، ويومٍ عرفةَ مِنَ العصر إلى غروب الشمسِ؛ فلهذا كان خيرُ قرونِ بني آدم القرن الذي بُعِثَ فيه محمَّد ﷺ ، وقد خرَّجَ البخاريُّ ذلك من حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا" (١). اهـ
стр. 237
وقال أيضًا -رحمه الله تعالى- مشيرًا إلى حديث: "إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ مِن الْأُمَمِ قبلكم؛ كَمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ، فَعَمِلُوا، حَتَّى إذا انْتَصَفَ النَّهَارُ؛ عَجَزُوا" الحديث-: "وهذا الحديث إنما ساقه النبي ﷺ مساق ضرب الأمثال، والأمثال مظنة التوسع فيها" (١). اهـ
وقال أيضًا -رحمه الله تعالى-: "مدة الماضي من الدنيا إلى بعثة محمد ﷺ ، ومدة الباقي منها إلى يوم القيامة؛ لا يعلمه على الحقيقة إلا الله ، وما يُذكر في ذلك فإنما هو ظنون لا تفيد علمًا" (٢).
سَابِعًا: الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ -رحمه الله تعالى -:
قال في شرح حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "ما أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ إلَّا مِن صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ".
قال الحافظ: "وله محملان: أحدهما: أن المراد بالتشبيه التقريب، ولا يُرَادُ حقيقة المقدار.
وَالثَّانِي: أن يحمل على ظاهره، ويكون فيه دلالة على أن مدة هذه الأمة قدر خمسِ النهار تقريبًا" (٣).
стр. 238
وقال -رحمه الله تعالى- في شرح حديث: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ"، مُبَيّنًا وجه الشبه: "هل المراد به قرب إحداهما من الأخرى، أم التفاوت الذي بينهما في الطول؟ وما المراد به؟ والأرجح المختار عندنا من هذه الأقوال أنه ليس بينه ﷺ ، وبين الساعة نبي آخر؛ فهي تليه" (١) اهـ.
ثامنًا: العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني:
قال -رحمه الله تعالى-: (والإخبار عن قربها من مبعثه ﷺ يحتمل أنه إخبار عن قربها عند الله -تعالى- وان كانت بعيدة في المدة ردًّا لقول المشركين بأنه لا قيام لها، وإليه أشار قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ فإنه أخرج عبد بن حميد عن الأعمش: ﴿يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ قال: "الساعة".
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦)﴾ قال: تكذيبهم، ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ قال: "صدقًا كائنًا"، ويحتمل أن المراد: قرب أشراطها من بعثته ﷺ ) ... إلى أن قال: (وما وقع من الأشراط وغيره من الأحاديث مما يدل على أن المراد أنه ﵌ بُعثَ وقد قربت أشراط الساعة، وتقدير المضاف للقرائن ثابت لغة كتابًا وسنةً لا نكير فيه ... ثم إنه يدل لتقدير المضاف أمر آخر، وهو أنه قد مضى بعد وفاته ﷺ قريب من اثنتي عشرة مائة، ولم تقم الساعة، فلا قرب لقيامها ببعثته؛ بل بأشراطها، والله أعلم) (٢) اهـ.
стр. 239
والحاصل أن تحديد عمر الدنيا بشيء؛ لم يثبت فيه نص في حكم المرفوع (١) أبدًا، وكيف يُعقل أن يحدد رسول الله ﷺ عمر الدنيا، وقد أوحى الله تعالى إليه: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقال : ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)﴾ [الزخرف: ٨٥]، والصادق المصدوق الذي تنسب إليه الروايات الواهية في تحديد عمر الدنيا وهو ﷺ منها براء، هو هو القائل لجبريل ﵇ لما سأله: "متى الساعة؟ ": "ما المسئول عنها بأعلم من السائل"، وقد قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال ﷺ : "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها لا الله .. ولا يعلم متى تقوم الساعة إلَّا الله" متفق عليه.
стр. 240
فَصْلٌ
وممن خاض في هذا البحث "أمين محمد جمال الدين" في كتابه "عمر أمة الإسلام" وانتهى إلى أننا نعيش حقبة ما قبل النهاية، وهي مرحلة الاستعداد للفتن، والملاحم الأخيرة التي تسبق ظهور العلامات الكبرى.
ومما استدل به: ما رواه ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّما بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِن الْأمَم (١) كَمَا بَيْنَ
كمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ من غُدوةٍ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، ثم قال: مَنْ يَعْمَلُ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ اِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ مِنْ العَصْرِ إِلى أَنْ تَغِيبَ الشمسُ عَلَى قِيرَاطَين قِيرَاطَين؟ فَأَنْتُم هُمْ، فَغَضِبتِ اليَهُودُ والنَّصَارَى، وَقَالُوا: مَا لَنا أَكْثَر عَمَلًا، وَأَقَل عَطَاءً؟ قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُم مِنْ حَقِّكُم شَيئًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَذَلكَ فَضِلي أُؤتيْه مَنْ أَشَاءُ" (١).
وعن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مَثَلُ المسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا اِلَى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لنَا إِلَى أَجْرِكَ؛ فَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ، فَقَالَ: اَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ، وَلَكُمْ الَّذِي شَرَطْتُ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالُوا: لَكَ مَا عَمِلْنَا، فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ " (٢).
قال الحافظ في "الفتح": "واستُدِلَّ به على أن بقاء هذه الأمة يزيد على الألف؛ لأنه يقتضي أن مدة اليهود نظير مدتي النصارى والمسلمين، وقد اتفق أهل النقل على أن مدة اليهود إلى بعثة النبي ﷺ
стр. 244
كانت أكثر من ألفي سنة (١)، ومدة النصارى من ذلك ستمائة- وقيل: أقل- فتكون مدة المسلمين أكثر من ألفٍ قطعًا" (٢).
ثم إن صاحب كتاب "عمر أمة الإسلام" يقول: "إن مدة عمر اليهود تساوي مدتي عمر النصارى والمسلمين مجتمعتين، ومدة عمر النصارى هي
стр. 245
ستمائة سنة (١)؛ فإذا طرحنا مدة عمر النصارى ٦٠٠ سنة من ألفين- وهي مدة أهل الكتاب إلى بعثة محمد ﷺ كان الناتج عمر أمة اليهود.
٢٠٠٠ - ٦٠٠= ١٤٠٠ سنة، وتزيد قليلًا.
وذكر أهل النقل والتاريخ (٢) أن هذه الزيادة تزيد عن المائة قليلًا، إذًا وبالتقريب؛ فإن عمر أمة اليهود يساوي ١٥٠٠ سنة.
وحيث إن عمر أمة الإسلام يساوي عمر أمة اليهود مطروحًا منه عمر أمة النصارى؛ فيكون عمر أمة الإسلام ١٥٠٠ - ٦٠٠= ٩٠٠ سنة، وتزيد قليلًا.
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَعْجِزَ أُمَّتِي عِنْدَ رَبِّهَا أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْم»، قِيلَ لِسَعْدٍ: وَكَمْ نِصْفُ ذَلِكَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: «خَمْسُ مِائَةِ سَنَةٍ» (٣).
فعمر أمة الإسلام= ٩٠٠ مضافًا إليها ٥٠٠= ١٤٠٠ سنة، وتزيد قليلًا.
стр. 246
ثم يستند إلى قول الإمام السيوطي في رسالته المسماة "الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف" في بيان خروج المهدي: "الذي دلت عليه الآثار أن مدة هذه الأمة تزيد على الألف، ولا تبلغ الزيادة خمسمائة سنة أصلًا".
ثم يقول: "ونحن الآن في سنة ١٤١٨ من الهجرة، ولكننا في سنة ١٤٣٠ من البعثة، فنحن نعيش حقبة ما قبل النهاية، وفي مرحلة الاستعداد للفتن، والملاحم الأخيرة التي تسبق ظهور العلامات الكبرى" (١).
وَالجوَابُ عَنْ هَذَا:
أن الأحاديث التي استدل بها مجرد مثال، وقد قال إمام الحرمين: "إن الأحكام لا تُؤْخَذُ من الأحاديث التي تأتي لضرب الأمثال" (٢)، وقال الحافظ ابن رجب: "وهذا الحديث إنما ساقه النبي ﷺ مساق ضرب الأمثال، والأمثال مظنة التوسع فيها" (٣) اهـ.
ولا يلزم من التمثيل والتشبيه التسويةُ من كل جهة، قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: "لا يلزمهم من كونهم أكثر عملًا أن يكونوا أكثر زمانًا؛ لاحتمال كون العمل في زمنهم كان أشق؛ ويؤيده قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
стр. 247
ومما يؤيد كون المراد كثرة العمل وقلته، لا بالنسبة إلى طول الزمان، وقصره: كونُ أهل الأخبار متفقين على أن المدة التي بين عيسى ونبينا ﷺ دون المدة التي بين نبينا ﷺ وقيام الساعة؛ لأن جمهور أهل المعرفة بالأخبار قالوا: إن مدة الفترة بين عيسى ونبينا ﷺ ستمائة سنة، وثبت ذلك في صحيح البخاري عن سلمان، وقيل: إنها دون ذلك؛ حتى جاء عن بعضهم أنها مائة وخمس وعشرون سنة، وهذه مدة المسلمين بالمشاهدة أكثر من ذلك، فلو تمسكنا بأن المراد التمثيل بطول الزمانين وقصَرهما؛ للزم أن يكون وقت العصر أطول من وقت الظهر، ولا قائل به؛ فَدَلَّ على أن المراد كثرة العمل وقلته، والله أعلم " (١) اهـ.
وخلاصة القول في هذا: أن هذه الأحاديث إنما تدل على أنه ما بقي بالنسبة لما مضى شيء يسير، لكن لا يعلم مقدار ما مضى وما بقي إلا الله تعالى، ولم يَجِئْ فيه تحديد يصح سنده.
قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-: "مدةُ الماضي من الدنيا إلى بعثة محمد ﷺ ، ومدةُ الباقي منها إلى يوم القيامة لا يعلمُهُ على الحقيقةِ إلاَّ اللهُ ، وما يُذْكَرُ في ذلكَ؛ فإنَّما هو ظنون لا تفيدُ علمَا" (٢). اهـ
стр. 248
قال بعض العلماء: المرادُ تشبيه من تقدم بأول النهار إلى الظهر والعصر، في كثرة العمل الشَّاقِ والتكليف، وتشبيه هذه الأمة بما بين العصر والليل في قلة ذلك وتخفيفه، وليس المراد طول الزمن وقصره؛ إذ مدة هذه الأمة أطول من مدة أهل الإنجيل.
وكان لهذه الأمة قيراطان من الأجر؛ لإيمانهم بموسى وعيسى مع إيمانهم بمحمد ﷺ ؛ لأن التصديقَ عَمَلٌ.
ويدل على ذلك قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾ [المائدة: ٥٩].
ونختم هذا المبحث بما قالهُ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في سياق ذم الفلاسفة والمنجّمين، إذ قال -رحمه الله تعالى-: "ولهذا لا تزال أحكامهم كاذبة متهافتة، حتى إن كبير الفلاسفة الذي يسمونه "فيلسوف الإسلام" يعقوب بن إسحاق الكندي عملَ تسييرًا لهذه الملة: زعم أنها تنقضي عام ثلاث وتسعين وستمائة، وأَخَذَ ذلك منه مَن أخرج "مخرج الاستخراج" من حروف كلام ظهر في الكشف لبعض من أعاده، ووافقهم على ذلك مَن زعم أنه استخرج بقاء هذه الملة من حساب الجمل، الذي للحروف التي في أوائل السور" إلى أن قال -رحمه الله تعالى-:
"فهذه الأمور التي توجد في ضُلَّال اليهود والنصارى وضُلَّال المشركين والصابئين من المتفلسفة والمنجمين: مشتملة من هذا الباطل على ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
стр. 249
وهذه الأمور وأشباهها خارجة عن دين الإسلام، مُحَرَّمَة فيه، فيجب إنكارها، والنهي عنها على المسلمين، على كل قادر: بالعلم والبيان، واليد واللسان، فإن ذلك من أعظم ما أوجبه الله من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهؤلاء وأشباههم أعداء الرسل، وسُوسُ الملل " (١). اهـ