ثم يستند إلى قول الإمام السيوطي في رسالته المسماة "الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف" في بيان خروج المهدي: "الذي دلت عليه الآثار أن مدة هذه الأمة تزيد على الألف، ولا تبلغ الزيادة خمسمائة سنة أصلًا".
ثم يقول: "ونحن الآن في سنة ١٤١٨ من الهجرة، ولكننا في سنة ١٤٣٠ من البعثة، فنحن نعيش حقبة ما قبل النهاية، وفي مرحلة الاستعداد للفتن، والملاحم الأخيرة التي تسبق ظهور العلامات الكبرى" (١).
وَالجوَابُ عَنْ هَذَا:
أن الأحاديث التي استدل بها مجرد مثال، وقد قال إمام الحرمين: "إن الأحكام لا تُؤْخَذُ من الأحاديث التي تأتي لضرب الأمثال" (٢)، وقال الحافظ ابن رجب: "وهذا الحديث إنما ساقه النبي ﷺ مساق ضرب الأمثال، والأمثال مظنة التوسع فيها" (٣) اهـ.
ولا يلزم من التمثيل والتشبيه التسويةُ من كل جهة، قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: "لا يلزمهم من كونهم أكثر عملًا أن يكونوا أكثر زمانًا؛ لاحتمال كون العمل في زمنهم كان أشق؛ ويؤيده قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
стр. 247
ومما يؤيد كون المراد كثرة العمل وقلته، لا بالنسبة إلى طول الزمان، وقصره: كونُ أهل الأخبار متفقين على أن المدة التي بين عيسى ونبينا ﷺ دون المدة التي بين نبينا ﷺ وقيام الساعة؛ لأن جمهور أهل المعرفة بالأخبار قالوا: إن مدة الفترة بين عيسى ونبينا ﷺ ستمائة سنة، وثبت ذلك في صحيح البخاري عن سلمان، وقيل: إنها دون ذلك؛ حتى جاء عن بعضهم أنها مائة وخمس وعشرون سنة، وهذه مدة المسلمين بالمشاهدة أكثر من ذلك، فلو تمسكنا بأن المراد التمثيل بطول الزمانين وقصَرهما؛ للزم أن يكون وقت العصر أطول من وقت الظهر، ولا قائل به؛ فَدَلَّ على أن المراد كثرة العمل وقلته، والله أعلم " (١) اهـ.
وخلاصة القول في هذا: أن هذه الأحاديث إنما تدل على أنه ما بقي بالنسبة لما مضى شيء يسير، لكن لا يعلم مقدار ما مضى وما بقي إلا الله تعالى، ولم يَجِئْ فيه تحديد يصح سنده.
قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-: "مدةُ الماضي من الدنيا إلى بعثة محمد ﷺ ، ومدةُ الباقي منها إلى يوم القيامة لا يعلمُهُ على الحقيقةِ إلاَّ اللهُ ، وما يُذْكَرُ في ذلكَ؛ فإنَّما هو ظنون لا تفيدُ علمَا" (٢). اهـ
стр. 248
قال بعض العلماء: المرادُ تشبيه من تقدم بأول النهار إلى الظهر والعصر، في كثرة العمل الشَّاقِ والتكليف، وتشبيه هذه الأمة بما بين العصر والليل في قلة ذلك وتخفيفه، وليس المراد طول الزمن وقصره؛ إذ مدة هذه الأمة أطول من مدة أهل الإنجيل.
وكان لهذه الأمة قيراطان من الأجر؛ لإيمانهم بموسى وعيسى مع إيمانهم بمحمد ﷺ ؛ لأن التصديقَ عَمَلٌ.
ويدل على ذلك قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾ [المائدة: ٥٩].
ونختم هذا المبحث بما قالهُ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في سياق ذم الفلاسفة والمنجّمين، إذ قال -رحمه الله تعالى-: "ولهذا لا تزال أحكامهم كاذبة متهافتة، حتى إن كبير الفلاسفة الذي يسمونه "فيلسوف الإسلام" يعقوب بن إسحاق الكندي عملَ تسييرًا لهذه الملة: زعم أنها تنقضي عام ثلاث وتسعين وستمائة، وأَخَذَ ذلك منه مَن أخرج "مخرج الاستخراج" من حروف كلام ظهر في الكشف لبعض من أعاده، ووافقهم على ذلك مَن زعم أنه استخرج بقاء هذه الملة من حساب الجمل، الذي للحروف التي في أوائل السور" إلى أن قال -رحمه الله تعالى-:
"فهذه الأمور التي توجد في ضُلَّال اليهود والنصارى وضُلَّال المشركين والصابئين من المتفلسفة والمنجمين: مشتملة من هذا الباطل على ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
стр. 249
وهذه الأمور وأشباهها خارجة عن دين الإسلام، مُحَرَّمَة فيه، فيجب إنكارها، والنهي عنها على المسلمين، على كل قادر: بالعلم والبيان، واليد واللسان، فإن ذلك من أعظم ما أوجبه الله من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهؤلاء وأشباههم أعداء الرسل، وسُوسُ الملل " (١). اهـ
стр. 250
فارغ
стр. 251
الباب الرابع
ضوابط التعامل مع نصوص الفتن وأشراط الساعة
стр. 252
فارغ
стр. 253
ضوابط التعامل مع نصوص الفتن
وأشراط الساعة
"المنهجية" شرط لقيام العلم على ساقه، ومعناها أن تكون هناك طريقة صحيحة يلتئم تحتها شتات الوقائع والمفردات المبعثرة هنا وهناك؛ بغية تفسير ما بينها من روابط أو علاقات تنظمها قوانين محددة. و"المنهجية" تحفظ للعلم نظامه واتساقه، وتضبط العقل البشري، والوظائف الذهنية بقواعد ثابتة تعينه على الوصول إلى الحقيقة، وفهمها على ما هي عليه.
إن "المنهج" السلفي قد امتاز بخصائص فائقة، أهمها: وحدة مصدر التلقي وهو مشكاة النبوة، لا غير، ثم إنه منهج توقيفي يقوم على التسليم لنصوص الوحيين الشريفين دون منازعتها بما يخالفها، بل يقف حيث تقف النصوص، بجانب أنه لا يهدر وظيفة العقل، بل يضعه موضعه اللائق به.
وفي هذا الفصل محاولة لاستخراج ضوابط كلية تضبط تعاملنا مع نصوص الكتاب والسُّنَّة الصحيحة الواردة في الفتن وأشراط الساعة عسى أن تبصرنا بالطريق الأمثل لفهمها أو تطبيقها في الواقع دون إفراط ولا تفريط.
стр. 254
الضَّابِطُ الأول: لاَ يُسْتَنْكَرُ تَوَقعُ حُصُولِ شَيْءٍ
مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ بشُرُوط
إن ترقُّبَ حصول أشراط الساعة التي تقع بإرادة الله الكونية القدرية ليس بدعة ولا خطأ؛ خاصَّةً إذا تعاقبت الإرهاصات، والمقدمات التي جاءت بها الأخبار؛ ودليل ذلك أن الصحابة ﵃ لما سمعوا رسولَ الله ﷺ يُحَدّثُهُمْ عن الدَجال فَخَفَّضَ فيه ورفَّع؛ ظنوا أنه في طائفة النخل (١)، وشَكُوا في ابن صيَّادٍ أنه المسيحُ الدجال، بل منهم من أقسم لرسول الله -صلى الله عليه واله وسلم- على ذلك؛ كما في الأحاديث الصحيحة عن عمر وجابر ﵄ ورسول الله ﷺ لمِ ينكر على عُمَرَ، بل قال ﷺ : "إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فيكم؛ فَأنَا حَجِيجُه دُونَكُم"، وكذلك شَكَّت فيه حفصة وابن عمر، وغيرهما من الصحابة ﵃ (٢).
ويُرْوَى عن أبي ذز الغِفاري ﵁، قال: "ما تؤيسني رقة عظمي، ولا بياض شعري أن ألقى عيسى ابن مريم " (٣).
ولا يزال العلماء في كل عصر ومَصرٍ يتكلمون بذلك، ويتوقعون قربَ حصولِ بعضِ الأشراط، قال القرطبي -رحمه الله تعالى-: "كل ما وقع في حديث معاوية هذا فقد شاهدناه بتلك البلاد، وعاينَّا معظمَه إلا خروج المهدي" (٤). اهـ
стр. 255
وقال محمد صديق حسن خان -رحمه الله تعالى-: " ... وهذه الجملة من الأشراط موجودة تحت أديم السماء؛ وهي في التزايد يومًا فيومًا، وقد كادت أن تبلغ الغاية، أو قد بلغت، ولم يبقَ إلا الأشراط الكبرى التي أوَّلُها ظهورُ المهديِّ ﵇ " (١).
ولا شك أننا الآن أقرب إلى هذه العلامة من أي وقتٍ مضى.
أَمَّا شُرُوطُ هَذَا الضَّابِطِ:
فَأَوَّلُهَا: أن تبقى هذه الأشراط في دائرة التوقع المظنون دون أن نتكلف إيجادها بإجراءاتٍ من عند أنفسنا؛ لأنها أمور كونية قدرية واقعة لا محالة، ولم نخاطَب باستخراجها من عالَم الغيب إلى عالم الشهادة.
وَثَانيهَا: أن يُراعَى الترتيبُ الزمني لتسلسل الأشراط ؛ طبقًا لما دلت عليه نصوص الوحي الشريف، وعدم القطع بزمان أو ترتيب ما لا دليل على زمنه وترتيبه إلا الظن والتخمين (٢).
стр. 256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 257
تنبيه:
اعلم -رحمك الله تعالى- أن كون الشيء من أشراط الساعة لا يستلزم الحكم عليه بحكم تكليفي ؛ فإن أشراط الساعة تشتمل على:
المحرم، والواجب، والمباح، والخير، والشر،
فالحكم التكليفي يؤخذ من دليل آخر؛ لأن النصوص الواردة في الفتن وأشراط الساعة قد تخبر بأمور واقعة لا محالة كونًا وقدرًا، لكنها محظورة شرعًا؛ كسفر المرأة بغير محرم -مثلًا- ممنوع شرعا، لكنه واقع قدرًا، كما في الحديث: "عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ، هَلْ رَأَيْتَ الحِيرَةَ؟» قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا، قَالَ «فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ (١) تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ، حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ لاَ تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ، - قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا البِلاَدَ؟ " الحديث (٢).
стр. 258
وعليه فلا يصح الاستدلال بمثل هذا النص على إباحة سفر المرأة بدون محرم، الذي دلت الأحاديث الصحيحة على تحريمه.
وَثَالِثُهَا: أن لا يُؤَثِّرَ هذا الترقبُ سلبًا على أداء واجب الوقت، وتكاليف الشرع .
والدليل على ذلك أن صحابة رسول الله ﵌، ورضي الله عنهم أجمعين -، قد صدَّقوا بهذه الأشراط، وكانوا أول المؤمنين بها، ولم يهدروا التكاليف الشرعية كالدعوة، وطلب العلم، والجهاد انتظارًا لوقوعها؛ بل كان تصديقهم بها أكبر حافز لهم على التنافس في القربات، والاجتهاد في الطاعات؛ امتثالًا منهم لأمر نبيهم ﵌: " بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوِ الدُّخَانَ، أَوِ الدَّجَّالَ، أَوِ الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ " (١).
ونزل بين ظهرانيهم قولُ الله : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]، وقوله سبحانه: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء: ١]، وقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، وقوله : ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ الآية [الشورى: ١٧، ١٨].
стр. 259
وقوله : ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب: ٦٣] (١)، وقد أثنى الله على الصحابة- ﵃، وامتدح من اتَّبَعَهُمْ بإحسانٍ؛ فمن خالف هديهم؛ فقد ضَلَّ ضلالًا بعيدًا، واتَّبع غير سبيل المؤمنين (٢).
فَائِدَة
عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَزِعًا، يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، فَأَتَى المَسْجِدَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ، وَقَالَ: «هَذِهِ الآيَاتُ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ، لاَ تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ» (٣).
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "يُشْكِل هذا الحديث مِن حيث إن للساعة مقدماتٍ كثيرةً لم تكن وقعت؛ كفتح البلاد، واستخلاف الخلفاء، وخروج الخوارج، ثم الأشراط؛ كطلوع الشمس من مغربها، والدابة، والدجال، والدخان، وغير ذلك.
وَيُجَابُ عَنْ هَذَا:
-باحتمال أن تكون قصة الكسوف وقعت قبل إعلام النبي ﷺ بهذه العلامات.
-أو لعله خشي أن يكون ذلك بعض المقدمات.
стр. 260
- أو أن الراويَ ظن أن الخشية لذلك، وكانت لغيره؛ كعقوبة تحدث؛ كما كان يخشى عند هبوب الريح (١)؛ هذا حاصل ما ذكره النووي تبعًا لغيره، وزاد بعضهم:
- أن المراد بالساعة غير يوم القيامة؛ أي: الساعة التي جُعلت علامة على أمرٍ من الأمور؛ كموته ﷺ أو غير ذلك"، ثم طفق الحافظ -رحمه الله تعالى- يُعَلِّقُ على هذه الأقوال، فقال: "وفي الأول نظر؛ لأن قصة الكسوف متأخرة جدًّا؛ فقد تقدم أن موت إبراهيم كان في العاشرة؛ كما اتَّفَقَ عليه أهل الأخبار، وقد أخبر النبي ﷺ بكثير من الأشراط، والحوادث قبل ذلك.
- وأما الثَّالِثُ؛ فتحسين الظن بالصحابي يقتضي أنه لا يجزم بذلك إلا بتوقيف.
- وأما الرابع، فلا يخفى بُعْدُه.
стр. 261
- وأقربها الثاني، فلعله خشي أن يكون الكسوف مقدمة لبعض الأشراط؛ كطلوع الشمس من مغربها، ولا يستحيل أن يتخلل بين الكسوف والطلوع المذكور أشياء مما ذكر، وتقع متتالية بعضها إثر بعض، مع استحضار قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧].
- وقيل: لعله قدَّر وقوع الممكن، لولا ما أعلمه الله تعالى بأنه لا يقع قبل الأشراط؛ تعظيمًا منه لأمر الكسوف؛ ليتبين لمن يقع له من أمته ذلك كيف يخشى ويفزع، لا سيما إذا وقع لهم ذلك بعد حصول الأشراط، أو أكثرها.
- وقيل: لعل حالة استحضار إمكان القدرة غلبت على استحضار ما تقدم من الشروط؛ لاحتمال أن تكون تلك الأشراط كانت مشروطة بشرط لم يتقدم ذكره؛ فيقع المخوف بغير أشراطٍ؛ لفقد الشرط، والله أعلم" (١). اهـ. كلامه رحمه الله تعالى.
وعن جابر ﵁ قال: هَاجَتْ رِيحٌ حَمْرَاءُ بِالْكُوفَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ هِجِّيرَى إِلَّا: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ جَاءَتِ السَّاعَةُ، قَالَ: فَقَعَدَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ، حَتَّى لَا يُقْسَمَ مِيرَاثٌ، وَلَا يُفْرَحَ بِغَنِيمَةٍ، ثُمَّ قَالَ: بِيَدِهِ هَكَذَا - وَنَحَّاهَا نَحْوَ الشَّأْمِ - فَقَالَ: عَدُوٌّ يَجْمَعُونَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَيَجْمَعُ لَهُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، قُلْتُ: الرُّومَ تَعْنِي؟ قَالَ: نَعَمْ،" ... الحديث (٢).
فتأمل كيف أنكر ابن مسعود ﵁ غلُوَّه في توقع قيام الساعة إلى حدِّ الْقَطْعِ بأنها "جاءت" بالفعل، دون اعتبار لما قبلها من الأشراط.
стр. 262
الضَّابِطُ الثَّانِي: الانْتِبَاهُ إِلىَ النِّسْبِيَّةِ الزَّمَانيَّةِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى اقْتِرَاب السَّاعَةِ
إن ما ورد في نصوص الوحيين من قرب قيام الساعة، وظهور أماراتها لا يعني أنها على الأبواب؛ فإن القرب والبعد كلاهما أمر نسبي، ومن يدري لعل بيننا وبينها آلافًا من السنين لا يعلمها إلا الله، ولعلها أقرب مما نتصور؟! قال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾ [الشورى: ١٧]، وقال- : ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب: ٦٣]، وفي معناهما قوله تعالى في سياق الرد على منكري البعث والإعادة: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١)﴾ [الإسراء: ٥١]، وفي التعبير عن قربه ب "لعل"، و"عسى" ما يناسب عدم إطلاع اللهِ رسولَه ﷺ على وقته، ولا شك أن قرب ذلك اليوم الذي مقداره من مبدئه إلى غايته خمسون ألف سنة مناسب له، ولما تقدم من عمر الدنيا، وبقي منه؛ فالقرب والبعد من الأمور النسبية، والمراد: قربها بالنسبة إلى ما مضى من عمر الدنيا، ولا يعلمه إلا الله تعالى (١).
قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [القتال: ١٨]، وعن سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ﵁، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بِإِصْبَعَيْهِ هَكَذَا، بِالوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ «بُعِثْتُ وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ» (٢).
стр. 263
وعن أنس بن مالك ﵁ قال رسول الله ﷺ : "بُعِثْتُ أَنَا والسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ؛ كَفَضْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى، وَضَمَّ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى" (١).
إن بعثة رسول الله ﷺ من أشراط الساعة، وكذلك موته ﷺ ، فقد قال ﷺ لعوف بن مالك ﵁: "اُعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ: مَوْتي" (٢) الحديث.
وقال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر]، وقد تواترت الأحاديث بوقوع انشقاق القمر (٣)، وعن خالد بن عمير ﵁، قال: خطبنا رسولُ الله ﷺ ؛ فحمِد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصَرْمٍ (٤)،
стр. 264
وَوَلَّتْ حَذاءَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلا صُبَابَةٌ؛ كَصِّبَابَةِ الإِناَءِ؛ يَتَصَابُّهَا صَاحِبهَا" الحديث (١)، فإذا كان رسول الله ﷺ قد قال هذا قبل أكثر من أربعةَ عشرَ قرنًا؛ فهمنا من هذه النصوص وغيرها أن قرب الساعة قُرْبٌ نِسْبِي؛ أي: هي قريبة بالنسبة إلى عُمر الدنيا كلها، وقد رَوَى المطلب بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كلان واقفًا بعرفات، فنظر إلى الشمس حين تدلت مثل التُّرْس للغروب، فبكَى واشتد بكاؤه، فقال له رجلٌ عنده: يا أبا عبدِ الرحمن، قد وقفتَ معي مرارًا لم تصنع هذا، فقال: ذكرت رسول الله ﷺ ، وهو واقفٌ بمكاني هذا، فقال: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ دُنْيَاكُمْ فِيمَا مَضَى مِنْهَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ" (٢).
وقال الله -تعالى- في شأن الساعة: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٧٨].
وهذا يُفَسرُة قولُ رسول الله ﷺ في اقتراب الساعة، وقرب وقوعها: إِنَّهَا "كَالحَامِلِ الْمُتِمِّ الَّتي لَا يَدْرِي أَهْلُهَا مَتَى تَفْجَوُهُمْ بِوِلَادِهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا" (٣).
"والقول الجامع للآية، والحديث: إن الثِّقَلَ هو الاقتراب بصورةٍ ثابتةٍ للحق على الرغم من تغير مراحل هذا الاقتراب؛ تمامًا مثل الجنين الذي
стр. 265
يَتَغَيَّرُ كل يوم من حالٍ إلى حال، ولكنه مُتَّجِهٌ نحو الولادة؛ فلا يخرج التغير اليومي على التوجه للولادة، وكما لا تنفصل الولادة عن لحظة الجماع الأولى؛ لا تنفصل الساعة عن بدء الخلق" (١).
كل ما هو آتِ قريب
والبعيد: ما ليس بآتِ
قال العلَّامة محمد بن إسماعيل الصنعاني -رحمه الله تعالى-:
"والإخبار عن قربها -أي: الساعة- من مبعثه ﷺ يحتمل أنه إخبار عن قربها عند الله تعالى، وإن كانت بعيدة في المدة، ردَّا لقول المشركين بأنه لا قيام لها، وإليه أشار قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ [المعارج: ٦، ٧]، فإنه أخرج عبد بن حميد عن الأعمش: "يرونه بعيدًا، قال: الساعة".
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦)﴾ قال: "تكذيبهم"، ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ قال: "صدقًا كائنًا".
ويحتمل أن المراد قربُ أشراطها من بعثته ﷺ " (٢). اهـ
ثم ذكر بعض ما وقع من الأشراط، وبيَّن أن المراد من قوله ﷺ : "بُعثت أنا والساعة كهاتين" أي: "أنا وأشراط
стр. 266
الساعة"، وقال: "وتقدير المضاف للقرائن ثابت لغة كتابًا وسُنَّةً لا نكير فيه" إلى أن قال -رحمه الله تعالى-: "ثم إنه يدل لتقدير المضاف أمر آخر، وهو أنه قد مضى بعد وفاته ﷺ قريب من اثنتي عشرة مائة، ولم تقم الساعة، فلا قرب لقيامها ببعثته بل بأشراطها، والله أعلم" (١). اهـ.
إن القرون -التي يستطيلها الإنسان الذي خُلق مِن عَجَل- ما هي في عمر الدنيا إلَّا لحظات، وقيام الساعة قريبٌ في علم الله تعالى، وتقديره، وإن كانت المقاييس البشرية -لو اطلعت عليه- تراه بعيدا، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ [المعارج: ٦، ٧]؛ فكل ما هو آتٍ قريب، والبعيد ما ليس بآت (٢)، وإن عامة نصوص الوحيين التي تدل على اقتراب الساعة، وأشراطها الكبرى - يجب أن تُفْهَمَ في ضوء هذه "النسبية" بين ما مضى من عمر الدنيا، وبين ما بقي منه؛ وَلَمَّا كنا لا ندري كم عمر الدنيا؛ صِرْنَا لا نستطيع الجزمَ بموعد انتهائه؛ لكننا نستطيع فقط أن نستنتج من تلك النصوص أن ما بقي بالنسبة إلى ما مضى شيء يسير، لكن -لا يَعْلَمُ مقدارَ ما مضى، وما بقي إلَّا علَّامُ الغيوب، الذي وسع كل شيء علمًا- .
стр. 267
وقد كَثُرَ ضرب الأمثال لهذه "النسبية" في الأحاديث النبوية الشريفة؛ ومن المعلوم أن الأحكام لا تؤخذ من الأحاديث التي تَرِدُ لضرب الأمثال؛ كما قال إمام الحرمين -رحمه الله تعالى- (١).
قال الأستاذ سعيد حوى -رحمه الله تعالى- في معرض حديثه عن علامات الساعة: "وبعض الناس تَغْلِبُ عليهم أغلاط في فَهْمِ بعض هذه العلامات، أو في تقدير وقتها؛ إذ إن:
- منها ما يكون قرب الساعة بقليل جدًا قبل المسيح بسنوات أو معه، ومنها ما يكون قبل ذلك بكثير جدَّا؛ فيغلطون بالجمع بينهما.
- ومنها ما لا تدل عليه المقدمات الحاضرة، فيغلطون في تأويلها.
- ومنها ما جعلهم عصرنا الحاضر، ومخترعاته يفهمونها فَهْمَا عاديا وهي خوارق.
- ومنها ما هو دليلٌ على الخيرية يظنونه مذمومًا.
فمثلًا: يَظُنُّ الناس أن الدين إلى انحسارٍ حتى خروج المهدي، مع أن المهدي قبل عيسى بقليل، وقبل ذلك يعم الإسلام العالم، وتفتح روما (٢)،
стр. 268
والقسطنطينية اليوم مسلمة، وكانت كافرة، ففتحت (١)، وقد أخبر الرسول ﵌ بالفتح الأول، ولكن يبدو أن القسطنطينية سترجع كافرةً مَرَةً ثانية (٢)، وتفتح من جديد (٣)، وفتحها الثاني يكون قُبيل المسيح بقليل، والناس لا يفرقون بين فتحَيْها الأول والثاني.
والظاهر كما أن مدنيات قديمة كثيرة قد اندرست على مر العصور؛ فإن مدنيتنا الحاضرة لن تستمر؛ إذ إن النصُوص الكثيرة تفيد أن الناس قبل قيام الساعة لن يكونوا على شيء من العلم (١)، وهذا يؤكد أن بيننا، وبين القيامة شيئا من الفترة الزمنية الله أعلم به، ولكن أشراطًا كثيرة وردت في السنة الثابتة لم تقع، ويبدو أن وقوعها يحتاج إلى زمان طويل، والمسألة -بعد ذلك كله- هكذا:
- ما ورد من علامات الساعة؛ إن كان وقع، فهو معجزة، وقد رأينا نماذجه في النبوءات.
- وما ورد من علاماتها مما لم يقع؛ فالإيمان به واجب، والله أعلم بزمانه، وظروفه، وكيفية وقوعه.
- ولن تقوم الساعة حتى تستنفد علاماتها، وأشراطها التي وردت في الكتاب، والسُّنَّة. وشيء ننبه إليه هو: أن لا يدفعنا واقع عصرنا إلى تأويل شيء من علامات الساعة التي لم تقع؛ لأن واقع عصرنا، وما فيه قد ينتهي بحرب ذرية تعود الإنسانية فيها إلى بدايتها الأولى، ولا يبقى فيها إلَّا الجاهلون" (٢). اهـ.
стр. 271
الضَّابِطُ الثَّالث: لا يمكِنُ إِسْقَاطُ النُّصُوصِ الَّتي يَطْرُقُهَا
الِاحْتِمَالُ عَلَى وَاقع مُعَيَّن إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِهَا وَاَنْقِضَائِهَا
إن تنزيل النصوص الشرعية المتعلقة بالفتن والملاحم على ما يقع من النوازل مع القطع بذلك دون شك ولا تردد؛ من الرجم بالغيب، ومن القول على الله بغير علم، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وعن جُنْدَب ﵁ قال: جِئْتُ يَوْمَ الْجَرَعَةِ (١)، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، فَقُلْتُ: لَيُهْرَاقَنَّ الْيَوْمَ هَاهُنَا دِمَاءٌ، فَقَالَ ذَاكَ الرَّجُلُ: «كَلَّا، وَاللهِ» قُلْتُ: بَلَى، وَاللهِ قَالَ: «كَلَّا، وَاللهِ» قُلْتُ: بَلَى، وَاللهِ قَالَ: «كَلَّا، وَاللهِ إِنَّهُ لَحَدِيثُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدَّثَنِيهِ»، قُلْتُ: بِئْسَ الْجَلِيسُ لِي أَنْتَ مُنْذُ الْيَوْمِ، تَسْمَعُنِي أُخَالِفُكَ (٢) وَقَدْ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَا تَنْهَانِي، ثُمَّ قُلْتُ: مَا هَذَا الْغَضَبُ؟ فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ وَأَسْأَلُهُ، فَإِذَا الرَّجُلُ حُذَيْفَةُ" (٣).
فتأمل! كيف خطَّأَ حذيفة جندبًا؟ لما جزم جندب بوقوع الأمر، وكيف سارع جندب إلى الرجوع عن قوله عندما تبين له أنه جزم بالأمر بدون علم (٤).
стр. 272
وعن يُسَيْر بن جابر قال:
هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هِجِّيرَى إلا: "يا عبد الله بن مسعود! جاءت الساعة، قال: فقعد، وكان متكئا، فقال: إن الساعةَ لا تقوم حتى لا يُقْسَمَ ميراث، ولا يُفرحَ بغنيمة، ثم قال بيده هكذا- ونحَّاها نحو الشام- فقال: عدو يجمعون لأهل الإسلام، ويجمع لهم أهل الإسلام " (١) الحديث.
قال القرطبي- رحمه الله تعالى-:
"والذي ينبغي أن يُقال به في هذا الباب أنما أخبر به النبي ﷺ من الفتن والكوائن أن ذلك يكون، وتعيين الزمان في ذلك من سنة كذا يحتاج إلى طريق صحيح يقطع العذر" (٢). اهـ.
لقد كان من هدي السلف -رحمهم الله تعالى- أنهم لا يُنَزِّلون أحاديث الفتن على واقع حاضر؛ وإنما يَرَوْنَ أصدق تفسير لها، وقوعها مطابقة لخبر النبي (٣) ﷺ ؛ ولذلك نلاحظ أن عامَّة
стр. 273
شارحي الأحاديث الشريفة كانوا يُفيضون في شرحها، واستنباط الأحكام منها، حتى إذا أتوا على أبواب الفتن، وأشراط الساعة، أمسكوا أو اقتصدوا في شرحها للغاية، وربما اقتصروا على تحقيق الحديث، واكتفوا بشرح غريبه؛ بخلاف ما يحصل من بعض المتعجلين المتكلفين اليوم؛ فإنه بمجرد ظهور بوادرَ لأحداث معينة؛ سياسية كانت، أو عسكرية، محلية، أو عالمية تستخفهم البُداءات (١)، وتستفزهم الانفعالات، فيُسقطون الأحاديث على أشخاص معينين، أو وقائع معينة، ثم لا تلبث الحقيقة أن تبيت، ويكتشفوا أنهم تهوروا، وتعجلوا.
وربما كان دافعهم نبيلًا؛ فهم يحسبون أن إسقاط النبوءات على الواقع مما يزيد يقين المسلمين، ويقوي إيمانهم، ويمكنهم من إقامة الحجة على المكذبين بنبوة رسول الله ﷺ ، وفي هذا تأييدٌ لدين الحق. نقول: نعم، ولكن بالشرط المذكور آنفًا؛ لأن العجلة في مثل ذلك قد تأتي بعكس ما يشتهون؛ إذ لو خيبت الأحداث -إذا اكتملت- ظنهم، فربما جاءت النتيجة عكسية عند الكفار، وعند ضعاف المسلمين.
ولا بد من أن تكون النصوص التي يطبق عليها هذا الضابط مما يطرق دلالتَه الاحتمالُ، بخلاف النصوص المحكمة التي دلَّ الدليل على المراد منها؛ بحيث لا تلتبس على أحد؛ فإنها لا تخضع لهذا الضابط؛
стр. 274
مثل نزول المسيح ﵇ من السماء عند المنارة البيضاء بدمشق، وصلاته الصبح خلف المهدي، ومثل خروج الدجال بصفته التي أخبر بها النبي ﷺ .
استطراد:
قال الشيخ فيصل بن حيان آل صبحان -وفقه الله تعالى-: [اعلم أن تنزيل ما ورد من أحاديث الفتن على الأزمان المعينة أو الأشخاص المعينين على قسمين:
القسم الأول: تنزيل تام: بأن يقول: إن المقصود بالحديث الفلاني هو هذا الزمان بالذات، أو إن المقصود بالشخص الفلاني المذكور في حديث كذا هو: فلان بن فلان، ونحو ذلك.
وهذا النوع من التنزيل لا يجوز؛ لما يترتب على ذلك من العواقب الوخيمة والآثار الجسيمة، ولو لم يكن في ذلك إلا حصول فتن جديدة ليست هي المقصود بالنص لكفى، ... (١).
القسم. الثاني: تنزيل جزئي، وإن شئت فقل: "تنزيل معنى"، بأن يُقال: إن معنى ما ورد في النص الفلاني قد وقع شيء منه في زماننا هذا؛ كحديث: "يُرفع العلم، وينزل الجهل، ويلقى الشح"، فإن قائلًا لو
стр. 275
قال: إن زماننا هذا قد وقع فيه شيء مما ذكر فيه لما أنكر عليه أحد، ولكان قوله مقبولًا لا يرد، ومن نظر في كلام الأئمة عند شرحهم لمثل هذه الأحاديث؛ لرأى ذلك واضحًا جليًّا ... والحمد لله.
فإن قال قائل: فإنه قد وُجِد في أصحاب رسول الله ﷺ مَنْ نَزل بعضَ الأحاديث على بعض الأشخاص تنزيلًا تامًا، كما ورد عن عمر ﵁ أنه كان يحلف أن الدجال هو ابن صياد، وتبعه على ذلك جابر ﵁ كما في "صحيح مسلم "، وابنه عبد الله كما عند أبي داود، ولو كان الأمر كما ذكرت لما جاز لهم ذلك؟
فالجواب: أن ذلك لم يكن من عمر ﵁ ومن معه من الصحابة اجتهادًا مِن عند أنفسهم، بل كان اعتمادًا على إقرار رسول الله ﷺ كما في نفس الحديث المذكور، فإن جابرًا ﵁ لما سُئل عن يمينه قال: "سمعت عمر يحلف بين يدي رسول الله ﷺ فلا ينكره".
فالذي يريد أن ينزل الأحاديث على الزمن وأهله، يحتاج إلى مثل ذلك الإقرار، وأنَّى له ذلك؟!
ثم على فرض التسليم بعدم الإقرار منه ﷺ لعمر، وأن ذلك كان منه اجتهادًا؛ فأي الناس كعمر الذي وصفه رسول الله ﷺ بالمحدَّث الملهم، والذي وافق ربَّه في مسائلَ كثيرةٍ، هذا مما لا يكون بحال.
стр. 276
فإن قيل: فهل يعني ذلك أن الأحاديث الواردة في وصف الفتن ليس لها معنى معين (خاص) وانما هي أمور عامة مشتركة بين الأزمنة والأمكنة والأشخاص؟
فالجواب. لا .. فإن كل ما صحَ عن النبي ﷺ في فتنة من الفتن لا بدَّ واقع لا محالة كما أخبر؛ فإن كان المخبَرَ عنه أشخاصٌ يكونون في الأمة: ظهر أولئك الأشخاص بأعيانهم كما أخبر؛ وعندها يعرفهم الناس بالعلامات الدالَّة عليهم الواردة في النصوص في وصفهم؛ كذي الثديَّة المذكور في قتال الخوارج (١)، والدجال وغيرهما.
وإن كان المذكور في النص أحوالٌ وأوصافٌ للناس عامة أو لبعضهم خاصة، أو للأزمنة أو الأمكنة: وقعت تلك الأوصاف، واستحكمت، وغلبت حتى تكون مطابقة لما ورد، فيعرفها الناس حينئذٍ، كما في "الصحيحين" من حديث حذيفة ﵁ قال: «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ
стр. 277
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامًا، مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، إِلَّا حَدَّثَ بِهِ»، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ، كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ،" (١).
فإن قيل: فإذا كان الأمر كلما ذكرتَ فما وجه هذا التقسيم كله؟ فالجواب: أن في ذلك سدًا للذريعة على كلِّ متقوِّل ومتخرص وراجم بالغيب، حتى لا يقع الاختلاف، وتعمَّ الفتن، ويُكذَّبَ الشرعُ .. والله أعلى وأعلم] (٢). اهـ.
стр. 278
الضَّابِطُ الرَّابع: "يتعين على من يتكلم على الأحاديث:
أن يحمع طرقها، ثم يجمع ألفاظ المتون إذا صحَّت الطرق، وبشرحَها على أنه حديث واحد ، فإن الحديث أولى ما فُسِّرَ بالحديث" (١)
فلا بد -للوقوف على المراد من الحديث- من جمع الروايات الواردة في الموضوع الواحد:
- لأن ما أُجمل في رواية قد يُفَسَّر في أخرى، وما أُبهم هنا قد يُبين هناك، وما أُطلق في موضع قد يقيد في موضع آخر.
-قال الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-: "الحديث إذا لم تجتمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا" (٢).
وقال الأمام ابن حزم -رحمه الله تعالى-: "تأليف كلام رسول الله ﷺ ، وضم بعضه إلى بعض، والأخذ بجميعه؛ فرضٌ لا يحل سواه" (٣).
وقال الإمام ابن دقيق العيد -رحمه الله تعالى-: "الحديث إذا اجتمعت طرقه؛ فسَّر بعضُها بعضًا" (٤).
وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "الأحاديث إذا ثبتت وجب ضم بعضها إلى بعض؛ فإنها في حكم الحديث الواحد، فيُحمل
стр. 279
مطلقها على مقيدها، ليحصل العمل بجميع ما في مضمونها، وبالله التوفيق" (١).
ومن ال أمثلة التطبيقية لهذا الضابط:
ما رواه ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَفِي نَجْدِنَا؟ فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «هُنَاكَ الزَّلاَزِلُ وَالفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» (٢).
فقد رأينا من لم يُحكم هذه القاعدة يفسر الحديث بأن نجدًا هنا هي نجد اليمامة، ثم يفسر طلوع "قرن الشيطان" بدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب التوحيدية التجديدية، ويصف أتباعه بالقرنيين، ولو خلُصت منهم النية، واحترموا القواعد العلمية، لعلموا أن "النجد" ليس اسمًا لبلد خاص، ولا لبلدة بعينها، بل يُقال لكل قطعة من الأرض مرتفعة عما حواليها: نجد، ونجود العرب عديدة.
قال الكرماني -رحمه الله تعالى-: "ومن كان بالمدينة الطيبة -صلى الله على ساكنها- كان نجده بادية العراق ونواحيها، وهي مشرق أهلها" (٣).
стр. 280
وإليه ذهب الخطابي، وابن حجر، والقسطلاني، والعيني، والمباركفوري، وقد ادعى البعض أن نجد اليمامة هي المقصودة بالحديث، مع أن النبي ﷺ دعا لنجد اليمامة - وهي من اليمن؛ لأنها واقعة بينها وبين مكة- بالبركة حين قال: "اللهم بارك لنا في يَمننا"، وقال ﷺ : "الإِيمَانُ يَمَانٍ وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ" (١).
وفي بعض الروايات تفسير (نجدنا) بالعراق: حيث قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَفِي عِرَاقِنَا قَالَ: «إِنَّ بِهَا الزَّلَازِلَ، وَالْفِتَنَ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» (٢). وفي حديث سالم عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: فقال رجل: يا رسولَ اللهِ وفي عِراقِنا، فأَعرضَ عنه، فردَّدها ثلاثاً، كلُّ ذلكَ يقولُ الرجلُ: وفي عِراقِنا، فيُعرضُ عنه، فقالَ: «بِها الزلازلُ والفِتنُ، وفيها يطلعُ قرنُ الشيطانِ» (٣).
وعن سالم بن عبد الله بن عمر قال: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ مَا أَسْأَلَكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ، وَأَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةِ سَمِعْتُ أَبِي عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِيءُ مِنْ هَاهُنَا» وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ «مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ» (٤).
стр. 281
أضف إلى هذا كله أدلة الواقع التاريخي؛ حيث هبَّت من العراق رياح فتن كثيرة:
- منها: الجماعة الذين تألَّبوا على قتل ذي النورين عثمان بن عفان ﵁، وقد استتبع ذلك حرب الجمل وصفين.
- ومنها: قتل الحسين ﵁ شهيدًا بكربلاء بعد أن خذله الشيعة، وتخلوا عنه.
- ومنها: تحزُّب الخوارج، والحرورية.
- ومنها: ظهور القدرية، والجهمية، والمعتزلة.
- ومنها: فتنة ابن الأشعث، وثورة الزنج.
- ومنها: فتنة المختار الذي ادعى النبوة.
- ومنها: ما جرى في ولاية الحجاج من القتال وسفك الدماء.
- ومنها: خروج التشيع والإرجاء من الكوفة، وخروج القدر، والاعتزال، والنسك الفاسد، وحركة القرامطة من البصرة.
- ومنها: غزو التتار للمسلمين في القرن السابع بقيادة هولاكو. أما الفتن التي تخرج في المستقبل -ان شاء الله تعالى-:
- فمنها: المقتلة التي تقع عندما يُحسر الفرات عن جبل من ذهب.
- ومنها: خروج الدجال ويأجوج ومأجوج.
стр. 282
أما فتن العصر الحديث:
- فمنها قتال العراق وإيران الذي دام ثماني سنوات.
- ومنها: غزو "صدام حسين" الكويت، وما جرَّه من بلايا ومحن على المسلمين.
- ومنها: تسلط الرافضة على أهل السُّنَّة في العراق، وإراقة دمائهم.
تنبيه خطير
ليس يعني ما تقدم أن أهل الشرق لا خير فيهم، فإن الواقع أيضًا يشهد -في الجهة المقابلة- أن الله أخرج من تلك البلاد جهابذة وفحولًا من العلماء الراسخين، والأئمة المجتهدين، والنساك الصالحين، ويكفي أن كثيرًا من كبار الصحابة ﵃ رحلوا إليها واستوطنوها، ومنها خرج كبار أئمة التابعين من الكوفة والبصرة وبغداد، وانتقل الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- من مكة إلى العراق؛ لنشر الكتاب وخدمة السنة، حتى لُقِّب هناك بناصر السنة، وفي العراق وُلد إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وكبار مشايخ العلم وأئمة الزهد كالجنيد، وغيره، وأكثر أئمة الجرح والتعديل من العراق.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن -رحمه الله تعالى-: "الذم إنما يقع في الحقيقة على الحالِّ لا على المحل، ... ويكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، بحسب حال الساكن؛ لأن الذم إنما يكون للحالِّ دون المحل، وإن كانت الأماكن تتفاضل، وقد تقع المداولة فيها، فإن الله يداول بين خلقه، حتى في البقاع، فمحل المعصية في زمن قد يكون محل طاعة في زمن آخر، وبالعكس".
стр. 283
ثم قال -رحمه الله تعالى-: "فلو ذُمَّ نجدٌ بمسيلمة بعد زواله، وزوال من يصدقه، لذُمَّ اليمن بخروج الأسود العنسي ودعواه النبوة ... ، وما ضرَّ المدينةَ سكنى اليهود بها، وقد صارت مهاجَرَ رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، ومعقل الإسلام، وما ذُمَّت مكة بتكذيب أهلها لرسول الله ﷺ وشدة عداوتهم، بل هي أحب أرض الله إليه" (١). اهـ.
стр. 284
الضَّابِطُ الخامِسُ: حصرُ مصادرِ التَّلقي فيما هو حجة شرعية، وإهدار ما عداه
كالأحاديث الضعيفة، والموضوعة، والإسرائيليات التي تعارض ما عندنا، أو التي أُمِرْنا بالتوقف فيها، وحساب الجُمَّل المسمى بعلم الحروف، ومرويات الرافضة، وجَفْرِهم المزعوم، والمناماتِ، والتحليلات السياسية الظنية، ونحوها؛ وذلك أن الأشراط التي لما تقع غيب، ولكنه غيب صادق، ولا يكون كذلك إلا إذا كان مصدره الكتاب والسُّنَّة الصحيحة.
وفي حديث جبريل المشهور أنه سأل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة، وفيه قوله ﷺ : "فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"، فعدَّ أمارات الساعة من جملة الدين، وأمور الدين توقيفية لا سبيل إلى معرفتها إلا عن طريق الوحي الشريف.
ومما يلاحظ انتشار القصص والروايات الواهية الضعيفة وقت الفتن، فيكثر القصاص الذين يوردون الحكايات الباطلة، والقصص التي لا أصل لها، روى ابن حبَّان عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «لَمْ يُقَصَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا أَبِي بَكْرٍ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا عُثْمَانَ، إِنَّمَا كَانَ الْقَصَصُ زَمَنَ الْفِتْنَةِ» (١).
стр. 285
تنبيهان:
الأول. إذا صحَّ الحديث فينبغي التفريق بين قول المعصوم ﷺ ، وبين اجتهاد العالم، أو الباحث في تفسيره، أو إسقاطه على الواقع؛ فقد يخطئ العالم في تحديد وقت حدوث شيء من الأشراط، أو يخطئ في ترتيبه الأحداث، أو يخطئ في فهم الحديث وتفسيره.
الثاني: قد ترد بعض الآثار الصحيحةِ أسانيدُها إلى أحد الصحابة أو التابعين، مع أنها تعارض القرآن الكريم وتناقضه، فينبغي أن يُعلم أنها دخلت عليهم مِن قِبل مُسلِمةِ أهل الكتاب الذين كانوا يحدِّثون بالإسرائيليات.