← Акыда

Акыда · id 14248

فقه أشراط الساعة

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (363 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أضف إلى هذا كله أدلة الواقع التاريخي؛ حيث هبَّت من العراق رياح فتن كثيرة: - منها: الجماعة الذين تألَّبوا على قتل ذي النورين عثمان بن عفان ﵁، وقد استتبع ذلك حرب الجمل وصفين. - ومنها: قتل الحسين ﵁ شهيدًا بكربلاء بعد أن خذله الشيعة، وتخلوا عنه. - ومنها: تحزُّب الخوارج، والحرورية. - ومنها: ظهور القدرية، والجهمية، والمعتزلة. - ومنها: فتنة ابن الأشعث، وثورة الزنج. - ومنها: فتنة المختار الذي ادعى النبوة. - ومنها: ما جرى في ولاية الحجاج من القتال وسفك الدماء. - ومنها: خروج التشيع والإرجاء من الكوفة، وخروج القدر، والاعتزال، والنسك الفاسد، وحركة القرامطة من البصرة. - ومنها: غزو التتار للمسلمين في القرن السابع بقيادة هولاكو. أما الفتن التي تخرج في المستقبل -ان شاء الله تعالى-: - فمنها: المقتلة التي تقع عندما يُحسر الفرات عن جبل من ذهب. - ومنها: خروج الدجال ويأجوج ومأجوج.

стр. 282

أما فتن العصر الحديث: - فمنها قتال العراق وإيران الذي دام ثماني سنوات. - ومنها: غزو "صدام حسين" الكويت، وما جرَّه من بلايا ومحن على المسلمين. - ومنها: تسلط الرافضة على أهل السُّنَّة في العراق، وإراقة دمائهم. تنبيه خطير ليس يعني ما تقدم أن أهل الشرق لا خير فيهم، فإن الواقع أيضًا يشهد -في الجهة المقابلة- أن الله أخرج من تلك البلاد جهابذة وفحولًا من العلماء الراسخين، والأئمة المجتهدين، والنساك الصالحين، ويكفي أن كثيرًا من كبار الصحابة ﵃ رحلوا إليها واستوطنوها، ومنها خرج كبار أئمة التابعين من الكوفة والبصرة وبغداد، وانتقل الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- من مكة إلى العراق؛ لنشر الكتاب وخدمة السنة، حتى لُقِّب هناك بناصر السنة، وفي العراق وُلد إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وكبار مشايخ العلم وأئمة الزهد كالجنيد، وغيره، وأكثر أئمة الجرح والتعديل من العراق. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن -رحمه الله تعالى-: "الذم إنما يقع في الحقيقة على الحالِّ لا على المحل، ... ويكون في حال دون حال، ووقت دون وقت، بحسب حال الساكن؛ لأن الذم إنما يكون للحالِّ دون المحل، وإن كانت الأماكن تتفاضل، وقد تقع المداولة فيها، فإن الله يداول بين خلقه، حتى في البقاع، فمحل المعصية في زمن قد يكون محل طاعة في زمن آخر، وبالعكس".

стр. 283

ثم قال -رحمه الله تعالى-: "فلو ذُمَّ نجدٌ بمسيلمة بعد زواله، وزوال من يصدقه، لذُمَّ اليمن بخروج الأسود العنسي ودعواه النبوة ... ، وما ضرَّ المدينةَ سكنى اليهود بها، وقد صارت مهاجَرَ رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، ومعقل الإسلام، وما ذُمَّت مكة بتكذيب أهلها لرسول الله ﷺ وشدة عداوتهم، بل هي أحب أرض الله إليه" (١). اهـ.

стр. 284

الضَّابِطُ الخامِسُ: حصرُ مصادرِ التَّلقي فيما هو حجة شرعية، وإهدار ما عداه كالأحاديث الضعيفة، والموضوعة، والإسرائيليات التي تعارض ما عندنا، أو التي أُمِرْنا بالتوقف فيها، وحساب الجُمَّل المسمى بعلم الحروف، ومرويات الرافضة، وجَفْرِهم المزعوم، والمناماتِ، والتحليلات السياسية الظنية، ونحوها؛ وذلك أن الأشراط التي لما تقع غيب، ولكنه غيب صادق، ولا يكون كذلك إلا إذا كان مصدره الكتاب والسُّنَّة الصحيحة. وفي حديث جبريل المشهور أنه سأل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة، وفيه قوله ﷺ : "فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"، فعدَّ أمارات الساعة من جملة الدين، وأمور الدين توقيفية لا سبيل إلى معرفتها إلا عن طريق الوحي الشريف. ومما يلاحظ انتشار القصص والروايات الواهية الضعيفة وقت الفتن، فيكثر القصاص الذين يوردون الحكايات الباطلة، والقصص التي لا أصل لها، روى ابن حبَّان عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «لَمْ يُقَصَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا أَبِي بَكْرٍ، وَلَا عُمَرَ، وَلَا عُثْمَانَ، إِنَّمَا كَانَ الْقَصَصُ زَمَنَ الْفِتْنَةِ» (١).

стр. 285

تنبيهان: الأول. إذا صحَّ الحديث فينبغي التفريق بين قول المعصوم ﷺ ، وبين اجتهاد العالم، أو الباحث في تفسيره، أو إسقاطه على الواقع؛ فقد يخطئ العالم في تحديد وقت حدوث شيء من الأشراط، أو يخطئ في ترتيبه الأحداث، أو يخطئ في فهم الحديث وتفسيره. الثاني: قد ترد بعض الآثار الصحيحةِ أسانيدُها إلى أحد الصحابة أو التابعين، مع أنها تعارض القرآن الكريم وتناقضه، فينبغي أن يُعلم أنها دخلت عليهم مِن قِبل مُسلِمةِ أهل الكتاب الذين كانوا يحدِّثون بالإسرائيليات.

стр. 286

الضابِطُ السَّادِسُ: ما أُشْكِلَ عَلَيْكَ؛ فَكِلْهُ إلى عَالِمِهِ قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ الآية: [النساء: ٨٣] وفي الخبر: "إنَّمَا شِفَاءُ العِي السؤالُ"، وقال أبو حامد الغزالي -رحمه الله تعالى-: "لو سكت مَن لا يعرف؛ قلَّ الاختلاف، ومن قصر باعه، وضاق نظره عن كلام علماء الأمة والاطلاع؛ فما له وللتكلم فيما لا يدريه، والدخول فيما لا يعنيه؟! وحَقُّ مثلِ هذا أن يلزم السكوت" (١). قال بعض السلف: "الأمور ثلاثة: أمر استبان رُشْدُه فاتبعْه، وأمر استبان غيُّه فاجتنبه، وأمر أُشكِلَ عليك، فَكِلْهُ إلى عالمه". وقال الحسن عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]: "يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويَكِلون ما أشكل عليهم إلى عالمه " (٢)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه، ونؤمن بمتشابهه" (٣). والمتشابه من الحديث: ما يفتقر -للوصول إلى معناه المرادِ منه- إلى غيره، والمحكم: هو الذي لا يُحتاج -للوقوف على معناه المرادِ منه- إلى غيره.

стр. 287

وحكم المتشابه أن يردَّ إلى المحكم ليبينه، ويزيل اشتباهه. مثال الحديث المتشابه (١): ما رواه ابن مسعود ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» (٢). فقوله ﷺ : "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن" من المتشابه، إذ ظاهره غيرُ مراد، والنصوص الآمرة بالصبر على جور الأئمة، وترك الخروج عليهم كثيرة محكمة، فيرد المتشابه إليها، فإن ابن مسعود ﵁ نفسه قد روى مرفوعًا: "اصبروا حتى تلقوني"، ولهذا بيَّن ابن رجب -رحمه الله تعالى- أن قوله: "فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن" لا يُراد به القتال، وانما تغيير المنكرات التي فعلوها، أو المظالم التي يأمرون بها، لمن كان له قدرة على ذلك، وأَمِن تعديَ الأذى إلى غيره من أهل أو جيران، ونقل نصَّ الإمام أحمد على ذلك (٣).

стр. 288

تنبيه: اعلم -رحمك الله- أنه ليس في نصوص الوحيين الشريفين ما هو مشكِل من حيث الواقع، بحيث لا يمكن أحدَا من الأمة أن يعرف معناه، وإنما الوضوح والإشكال في النصوص الشرعية أمر نسبي ، يختلف فيه الناس بحسب ما عندهم من العلم والفهم، فما يكون مشكلًا عند شخص قد لا يكون كذلك عند آخر، بل يكون عنده واضحًا جليَّا (١). وَهَاكَ أَمْثِلَةً لِمَا يُشْكِلُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ في بَابِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَجَوَابِ الْعُلَمَاءِ عَنْهَا: ١ - ذكر فتح القسطنطينية عقب الملحمة، وقبيل خروج الدجال؛ مع أنها فُتِحتْ على يد محمدِ الفاتح العثماني؛ والجواب: أنه فتح آخر غير الفتح الأول؛ كما تقدم قريبَا (٢). ٢ - جفاف بحيرة طبرية الذي ذُكر في حديث الجساسة على أنه أحد مقدمات خروج الدجال، وقد جفت بحيرة طبرية الآن (٣)، أو كادت، وهذا لا يعني بالضرورة تحقق تلك العلامة؛ لأن من المحتمل أن تمتلئ البحيرة من جديد، ثم تجف قبل ظهور الدجال، أو قد تبقى جافَّةً مُدَّةَ

стр. 289

يعلمها الله إلى ظهور الدجال، وعليه؛ فلا يشكل قول الدجال: "أما إن ماءها يوشك أن يذهب" (١)؛ لأن القرب هنا نِسْبِيّ؛ كما تقدم (٢). بل قد ثبت في الحديث أن يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً

стр. 290

مَاءٌ" (١)، ومعلوم أن خروجهم إنما يكون بعد نزول عيسى ﵇ وقًتْلِهِ الدَّجَّالَ. ٣ - ورد وصف الأسلحة التي تستعمل في حروب آخر الزمان ؛ ففي الملحمة الكبرى خيولٌ وفوارسُ (٢)، وفي فتح القسطنطينية "الثاني": "قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُم بِالزَّيتُون" (٣)، وبعد هلاك يأجوج ومأجوج: "سَيُوقِدُ المُسْلِمُونَ مِنْ قِسِيِّهِم، وَنُشَّابِهم (٤)، وَأَترِسَتهم سَبعَ سنينَ" (٥). وقد حاول بعض العلماء الإجابة عن هذا؛ فقالوا: "إن هذه الأحاديث، وأحاديث مشابهة كثيرة تدل على أن هذه الحضارة الهائلة التي اخترعت هذه القوة الهائلة من القنابل، والصواريخ؛ ستتلاشى، وتزول، وأغلب الظن أنها ستدمر نفسها بنفسها، وأن البشرية ستعود مرة أخرى إلى القتال على الخيول، واستعمال الرماح، والقسي، ونحو ذلك، والله أعلم " (٦). في حين يرى البعض الآخر أن هذا لا يعني أن الحرب ستدور بالخيول والسيوف؛ لأن الخيول رمز المعدات الحربية أيّا كان نوعها؛ ولأن النبي ﷺ كان يخاطب أهل زمانه على قدر عقولهم وعلمهم.

стр. 291

وقد يُستدل لهذا بحديث "أَسْرَعُكُنَّ لِحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا" (١)، إذ فُهم المرادُ منه بعد حصوله، والله تعالى أعلم. ٤ - عن أم المؤمنين عائشة ﵂، قَالَتْ: كَانَ الْأَعْرَابُ إِذَا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ سَأَلُوهُ عَنِ السَّاعَةِ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَنَظَرَ إِلَى أَحْدَثِ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ، فَقَالَ: «إِنْ يَعِشْ هَ ذَا، لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ، قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ»، قال هشام: "يعني: موتهم" (٢). وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُنَيْهَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى غُلَامٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، فَقَالَ: «إِنْ عُمِّرَ هَذَا، لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: ذَاكَ الْغُلَامُ مِنْ أَتْرَابِي يَوْمَئِذٍ (٣). والمراد بقوله ﷺ : "الساعة" في هذين الحديثين "ساعة المخاطبين"؛ لأن ساعة كل إنسان موته، وهذا الجواب من رسول الله ﷺ يعرف بأسلوب الحكيم، فإنه أجابهم بخلاف ما يترقبون، وأرشدهم إلى الاستعداد للموت، والتأهب للقاء الله؛ فإنه قريب قريب.

стр. 292

وعن عبد الله بن عمر-﵄ قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، صَلَاةَ الْعِشَاءِ، فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ» (١)، وإنما أراد النبي ﷺ انقضاء القرن الذي هو فيه (٢)؛ أي: إنه بعد مائة عام يموت كل من كان حيا عندما نطق النبي ﷺ بهذا الحديث. ومما يدل على أنه ﷺ لم يُرِدْ قيامَ الساعة: ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: «تَسْأَلُونِي عَنِ السَّاعَةِ؟، وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ، وَأُقْسِمُ بِاللهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ» (٣). قال ابن الأثير -رحمه الله تعالى-: "والمعنى في الحديث: أن كل من هو موجود الآن -يعني ذلك الوقت إلى انقضاء ذلك الأمد المعين- يكونون

стр. 293

قد ماتوا، ولا يبقى منهم على الأرض أحد؛ لأن الغالب على أعمارهم لا يتجاوز ذلك الأمد الذي أشار إليه النبي ﷺ ، فتكون قيامة أهل ذلك العصر قد قامت" (١).

стр. 294

فارغ

стр. 295

الباب الخامس الفصل الأول: مهدينا ليس مُنْتَظَرًا الفَصْلُ الثاني: في وُجُوبِ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ، وَعَدَمِ مُنَافَاةِ ذَلِكَ لِلتَّوَكُّلِ الفصل الثالث: هل تعود الخلافة قبل ظهور المهدي؟

стр. 296

فارغ

стр. 297

لا نُعَطِّلُ السننَ، وَالْأسْبَابَ بِحُجَّةِ انْتِظَارِ المَهْدِيّ فمن الناس من يُعَطّلُ العمل اكتفاء بالأمل، ويهرب من إصلاح الواقع المرير للأمة بحجة أنه تسبب فيه مَن قبلنا، وسيصلحه من بعدنا، ويتوقف عن السعي للتمكين لدين الله؛ بحجة أن المهدي هو الذي سيفعل؛ مما حدا ببعض الأدباء إلى أن يتهكم بهم، وبمتابعتهم الرافضة في هذا النمط السلبي من التفكير؛ قائلا: فَلْندَعِ الأرضَ لمن غَصَبُوا ولمن ظَلَمُوا في كل مكان وَلْنَذْهَبْ نبتاعُ لنا فَرَسا ولنبحثْ أَيْضًا (١) عن سِرداب وَلْنَضَعِ الْفَرَسَ المذكور وجوالًا من فولٍ عند السرداب ونَظَل وُقُوفا وعكوفا كالفرسِ على رأسِ السرداب فسيخرجُ يومًا مَهْدِينا ... لكن من سامراء!

стр. 298

إنه هروب إلى الأماني، مع تعطيل الأسباب الشرعية، والله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء]. أَمَانِيُ إِنْ تَكُ حَقا تَكُنْ أَحْسَنَ المنى ... وَإلَّا فَقَدْ عِشْنَا بِهَا زَمَنًا رَغَدا إن هذا الإغراق في ترقب ظهور المهدي مظهر سلبي يعكس الانحراف في فَهم العَلاقة بين الأمور الكونية القدرية، وبين الأمور الشرعية الإرادية؛ أما الأمور الكونية، والأحكام القدرية -والتي يقع ضمنَها الغُيوبُ المستقبلية- فهي واقعة لا محالة، وواجبنا حيالها التصديق بها قبل وقوعها، ثم امتثال الأحكام الشرعية المتعلقة بها إذا حضر وقتها. وأما الأحكام الشرعيةُ الإراديةُ الطلبية فنحن متعبدون في كل وقت بامتثالها. وما أصدق ما نُسِبَ إلى جعفر الصادق -رحمه الله تعالى- من قوله- لمن خاض في الأحكام القدرية، وانشغل بها عن واجب الوقت-: "إن الله أراد بنا أشياء، وأراد منا أشياء، فما أراده بنا أخفاه عنا، وما أراده منا بينه لنا، فما بالنا ننشغل بما أراده بنا عما أراده منا؟! ".

стр. 299

مَهْدِيُّنا لَيس منْتَظَرًا إذا كان مفهوم "الانتظار" في وصف المهدي بأنه "منتظر" يعني تأجيلَ كلِّ جَهْدٍ، وتعطيلَ كلِّ سعيٍ من شأنه التمكينُ للإسلام، ورفعُ رايته، وإعلاءُ كلمته- ترقبًا لميلاد المهدي، أو انتظارًا لخروجه- فإن مهدِينا -أهلَ السنة- ليس منتظرًا. أما إذا كان "الانتظار" يعني مجرد ترقب ظهوره كشرط من أشراط الساعة، والاستبشار بذلك كما روي عنه ﷺ أنه قال: "أبشركم بالمهدي" (١)، ذلك الاستبشار الذي يزرع الأمل في صحراء اليأس (٢)؛ فلا حرج في ذلك بشرط عدم تعليق الأعمال الشرعية

стр. 300

على خروجه (١)، فيكون حالنا كحال الجيش الذي يقاتل العدو، لكنه يتوقع رحمة الله بمجيء المدد ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ [الشورى:٢٨]. هذا هو المقصود من وصف بعض علمائنا المهديَّ بأنه "منتظر"، عكس حال إخواننا الذين انتقلت إليهم عدوى "الانتظار" بالمفهوم الشيعي الرافضي (٢).

стр. 301

الفَصْلُ الثاني في وُجُوبِ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ، وَعَدَمِ مُنَافَاةِ ذَلِكَ لِلتَّوَكُّلِ (١) قال الله : ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا﴾ [النساء: ٧١]، وقال سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقال -عزَّ وجلَّ-: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين]، وقال سبحانه: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾ [الصافات: ٦١]، وقال -جلَّ وعلا-: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وأمر الله مريم ﵍ أن تأخذ بالأسباب، وهي في أشد ضعفها، فقال : ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ [مريم: ٢٥].

стр. 302

ألم تر أن الله قال لمريم ... وهُزِّي إليكِ الجِذْعَ يَسَّاقَطِ الرُّطَبُ ولو شاء أن تجنيه مِن غيرِ هَزِّهِ ... جَنَتْهُ ولكنْ كلُّ شيءٍ له سببُ وكان رسول الله ﷺ يُعِدُّ لكل أَمْرٍ عُدَّتَهُ، ويرسم له خُطَّتَهُ، كما حدث في رحلة الهجرة؛ فقد أَعَدَّ الرواحِلَ والدليلَ، واختارَ الرَّفِيقَ، وَحَدَّدَ مكانَ الاختفاء إلى أن يهدأ الطلب، وأحاط ذلك كله بسياجٍ من الكتمان، وكذلك كانت سيرته في غزواته كُلِّهَا، وعليه رَبَّى أصحابه الكرام، فكانوا يَلْقَوْنَ عدوهم متحصنين بأنواع السلاح، ودخل رسول الله ﷺ مكة، والبيضة على رأسه، مع أن الله قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، وكان إذا سافر في جهاد، أو حج، أو عمرة، حمل الزاد والمزاد. قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "فحال النبي ﷺ ، وحال أصحابه، مَحَكُّ الأحوال، وميزانها، بها يُعْلَمُ صحيحُها من سقيمها، فإن هِمَمَهُمْ كانت في التوكل أعلى من همم مَن بعدهم" (١). وقال سهل: "من قال: التوكل يكون بترك العمل، فقد طعن في سنة رسول الله ﷺ " (٢). فقد بيَّن ﷺ أن الأخذ بالأسباب لا يُنافي التوكل على الله سبحانه وحده؛ فعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» (٣).

стр. 303

وعن أمير المؤمنين عمر-﵁ عن النبي ﷺ قال: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» (١)، وهو ظاهر في أن التوكل يكون مع السعي، لأنه ذكر للطير عملًا، وهو الذهاب صباحًا في طلب الرزق، وهي فارغة البطون، والرجوع وهي ممتلئتها. قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "ليس في الحديث دلالة على القعود عن الكسب، بل فيه ما يدل على طلب الرزق؛ لأن الطير إذا غدت فإنما تغدو لطلب الرزق" (٢). وقيل للإمام أحمد -أيضًا-: ما تقول فيمن جلس في بيته ومسجده، وقال: لا أعمل شيئا حتى يأتي رزقي؟ فقال أحمد: هذا رجلُ جَهِل العلم، أما سمع قول النبي ﷺ : "جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي" (٣)؟! وقال ﷺ : «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» (٤).

стр. 304

وقال ﷺ : "احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ" (١) الحديث. وعن عوف بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﷺ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ: لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ، فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» (٢). ونَدَّدَ عمر ﵁ بالكسالى القاعدين عن طلب الرزق، فقال: "لا يَقْعُدَنَّ أحدُكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تُمْطِرُ ذهبًا، ولا فِضَةً، وإن الله تعالى يقول: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠]. قالوا جُدودٌ (٣) وأقسامٌ فقلتُ لهم ... بلى ولكن علينا السعيُ والطلبُ وللمطالبِ أسبابٌ فقدَّرةٌ ... وبعض سعيِكَ في مطلوبك السببُ لقد كانوا يُدْرِكُونَ أن لله تعالى سُنَنًا في هذا الكون، وفي حياة البشر، غير قابلة للتغيير، ومع أن لله سبحانه سننًا خارقةً لا يعجزها شيء، إلَّا

стр. 305

أن الله قضى أن تكون سنته الجارية هي الأصل الثابت في الحياة الدنيا، وأن تكون سُنَّته الخارقة استثناءً من هذا الأصل، وكلتا السُّنَّتين مرتبطة بمشيئته جل وعلا؛ ولذلك كان الصحابة ﵃ يحترمون السنن، ويأخذون بالأسباب دون تعليق القلوب بها، أو التوكل عليها؛ لأن الله أمرهم بها، وعَلَّمهم أن الوصول إلى نتيجة معينة في واقع حياتهم مَنُوطٌ بالأخذ بالأسباب المؤدية إليها، وعلى ذلك جرت سُنَّة الله سبحانه في خلقه. قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-: "واعلم أن تحقيق التَّوَكُّلِ لا ينافي السعي في الأسباب التي قدر الله المقدورات بها، وجرت سُنَّته في خلقه بذلك؛ فإن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعةٌ له، والتوكل بالقلب عليه إيمانٌ به" (١). ولنا أن نتخيل الحال التي كان يمكن أن يئول إليها مصير الدعوة والأمة؛ لو أن الأجيال السابقة أصغوا إلى نداءات الاستسلام، وأحلام الانتظار حتى يخرج المهدي، هل كانوا سيهزمون التتار والصليبيين، ويفتحون القسطنطينية؟!

стр. 306

الإفرَاطُ في الإِحسَاسِ بالعَجزِ يَنشَاُ عَنهُ التَّفرِيط في إزَالهِ العَجزِ حينما يحاول الناس ملء الفجوة بين الواقع المشهود، وبين الأمل المنشود، يختلف موقفهم تبعًا لنوعية مفاهيمهم، والذي نقصده هنا ذلك الفريق الذي إذا فكر في حل هذه المعضلة، وملء هذه الفجوة، وكان هناك اتجاهان: أحدهما: إيجابي يَطْلُبُ منه مواجهة الواقع، ومجابهة الباطل، والمثابرة على الأخذ بأسباب نهوض الأمة. والثاني: سلبيٌّ يَؤُزُّهُ على التخلي عن المسئولية الحاضرة، والفرار إلى الأماني المستقبلية، فإنه ينحاز بلا تردد، إلى الاتجاه السلبي (١). قال الشاعر: من عادة الإسلام يَنْصُرُ عالماً ... ويُسَوِّدُ المِقدامَ والفَعَّالا ظَلَمَتْهُ ألسنةٌ تؤاخِذه بكم ... وظلمتموه مقصِّرينَ كُسالى

стр. 307

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 308

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 309

فمنهم من يقول: فلننتظر على أمل أن تخرب الدنيا، وتقع حرب نووية شاملة تدمر معظم البشرية، وتقضي على كل أنواع الأسلحة المتطورة، وعندها يشير إلينا التاريخ برأسه: "أن هلموا! قد جاء دوركم"، إن هذا ليس رجاءً محمودًا، ولكنه "اليأس" الْمُقَنَّعُ. ومن هؤلاء من يستبشر بانهيار المذاهب الملحدة؛ كالشيوعية، وإفلاس الرأسمالية، وتهافت الأديان الوثنية والْمُحَرَّفَة، ويحسب أن هذا وحده يعني انتصار الإسلام، كلا؛ إن هذا لا يعني التمكين للإسلام، حتى يعود المسلمون إلى دينهم، ويثوبوا إلى ربهم، ويؤدوا واجبهم في إبلاغ الإسلام إلى البشرية، ويبذلوا الجهد في النهوض من كبوتهم. ومنهم من يترقب حصول خوارق عادات يترتب عليها التمكين لدين الله في الأرض، وهؤلاء يتناسون سُنة الله في الذين خلوا من قبلُ، وأن الابتلاء حتمي قبل التمكين؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤]، وقال : ﴿الم (١)

стр. 310

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٢]، وقال سبحانه: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ الآية [آل عمران: ١٤٠]، وقال -عز من قائل-: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. لقد اقترن ميلاد الدعوة الإسلامية في غار حِرَاء بالإخبار عن حتمية جريان سُنَّة الابتلاء؛ إذ قال ورقة بن نوفل للنبي ﷺ : "لم يَأتِ رجلٌ قطُّ بمثل ما جئتَ به إلَّا عُودِيَ". وقال الراهب للغلام: "أيْ بُنَيَّ، إنك خيرٌ مني، وإنك سَتُبْتَلَى". وقال ﷺ : "أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الأنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأمْثَلُ، فَالأمثَلُ"، ولما سُئِلَ الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: أَيُّهُمَا خيرٌ للرجل: أن يُمَكَّنَ أو يُبْتَلَى؟ قال: "لا تُمَكَّنُ حتى تُبْتَلَى". فمع أن الله قادر على أن يجعل البشر جميعًا على أتقى قلب رجل واحد منهم بكلمة من حرفين: "كن"، فيكون؛ إلَّا أن حِكْمَتَهُ -جل وعلا- اقتضت أن يُبْتَلَى الناس بعضهم ببعض؛ لتكون العاقبة للتقوى. واقتضت حكمته تعالى -أيضًا- أن تُربط المسبَّباتُ بأسبابها، والنتائج بمقدماتها، وقد أودع الله سبحانه في هذا الوجود قوانين وسننًا تحكمه، وهذه السنن تحترم من يحترمها، ولو كان كافرًا، ولا تحابي أحدًا إذا أهملها، ولو كان مؤمنًا. ولو تصور مسلم أنه إذا ألقى نفسه من مبنى شاهق فإن سنَّة أو ما يسمى "قانون الجاذبية" سوف تحابيه لإيمانه، أو تجامله ليهبط بسلام؛ فهو واهم، لأن الأصل هو إعمال تلك السنن التي لا تتبدل ولا تتحول إلَّا أن يشاء الله تعالى أن يخرق العادة، وهذا استثناء، وليس الأصل.

стр. 311

إن كثيرًا من الجماعات الدعوية تبني خططها على أساس ترقب حصول هذا الاستثناء، وتهمل قانون السنن الإلهية الثابتة العادلة. إن خرق العادة في كلّ موقفِ محنةٍ للمسلمين -ينافي كون الدنيا دار عمل وامتحان، والإيمان الذي ينشأ نتيجة الاضطرار لا اعتداد به؛ كإيمان الكافر عند حضور ملك الموت، واليقين الذي ينشأ اضطرارًا لا عبرة به ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢]. لقد أزعج هذا النمط العجيب من التفكير كثيرًا من الناصحين؛ فكتبوا يُصَحِّحُونَ المفاهيم، ويُحَذِّرُونَ الأمةَ من الذين ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ , وهاك مقالات بعضهم: أولًا: قال العلَّامَةُ المجدِّد ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى-: "لا يجوز للمسلمين اليوم أن يتركوا العمل للإسلام، وإقامة دولته على وجه الأرض انتظارًا منهم لخروج المهدي ، ونزول عيسى ﵉ يأسًا منهم أو توهمًا أن ذلك غير ممكن قبلهما، فإن هذا تَوَهُّم باطل، ويأسٌ عاطل؛ فإن الله تعالى أو رسوله ﷺ لم يخبرنا أن لا عودة للإسلام، ولا سلطان له على وجه الأرض إلَّا في زمانهما؛ فمن الجائز أن يتحقق ذلك قبلهما إذا أخذ المسلمون بالأسباب الموجبة لذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقوله": ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]. ولقد كان هذا التوهم من أقوى الأسباب التي حملت بعض الأساتذة المرشدين، والكتاب المعاصرين، على إنكار أحاديث المهدي وعيسى ﵉، على كثرتها وتواترها؛ لما رأوا أنها عند المتوهمين

стр. 312

مَدْعَاة للتواكل عليها، وترك العمل لعز الإسلام من أجلها؛ فأخطئوا في ذلك أشد الخطأ من وجهين: الأول: أنهم أقرُّوهم على هذا التوهم؛ على اعتبار أن مصدره تلك الأحاديث المشار إليها؛ وإلا لم يبادروا إلى إنكارها. والآخر: أنهم لم يعرفوا كيف ينبغي عليهم أن يعالجوا التوهم المذكور؟ وذلك بإثبات الأحاديث، وإبطال المفاهيم الخاطئة مِن حولها، وما مَثَلُهُمْ في ذلك إلا كَمَثَلِ من أنكر عقيدة الإيمان بالقدر خيرِهِ وشرّهِ؛ لأن بعض المؤمنين به فَهِمُوا منه أن لازمه الجبر، وأنَّ المكلَّف لا كسب له، ولا اختيار، ولما كان هذا الفَهْمُ باطلا بَدَاهةً سارعوا إلى إنكاره، ولكنهم أنكروا معه القدر أيضا؛ لتوهمهم -أيضا- مع المتوهمين أنه يعني الجبرَ، فوافقوهم في خطئهم في التوهم المذكور، ثم زادوا عليهم خطأً آخرَ -فِرَارا من الأول- وهو إنكارهم للقدر نفسه؛ فلولا أنهم شاركوهم في فَهْمِهِمْ منه الجبرَ لما أنكروه. وهذا عين ما صنعه البعض المشارُ إليه من الأساتذة والكُتَّاب؛ فإنهم لما رأوا تواكل المسلمين، إلا قليلًا منهم، على أحاديث المهدي وعيسى، بادروا إلى إنكارها لتخليصهم -بزعمهم- من التواكل المذكور، فلم يصنعوا شيئًا؛ لأنهم لم يستطيعوا تخليصهم بذلك من جهة؛ ولا هم كانوا على هُدًى في إنكارهم للأحاديث الصحيحة من جهة أخرى. والحقيقة: أن هؤلاء المنكرين الذين يفهمون من هذه الأحاديث ما لا تدلُّ عليه من التواكل المزعوم؛ ولذلك يبادرون إلى إنكارها تَخلُّصًا منه، قد جمعوا بين المصيبتين: الضلال في الفَهم، والكفر بالنص، ولكنهم عَرَفُوا أن الفَهْمَ المذكورَ ضلال في نفسه؛ فأنكروه بإنكار النص الذي فهموا ذلك منه.

стр. 313

وعَكَسَ ذلك العامَّةُ، فآمنوا بالنص مع الفَهْم المذكور، فمع كلِّ مِن الفريقين هدًى وضلال. والحق: الأخذ بهُدَى كل منهما، ونبذ الضلال الذي عندهما؛ وذلك بالإيمان بالنص دون الفهم الخاطئ. وما مثل هؤلاء وهؤلاء إلا كمثل المعتزلة من جهة، والمشبّهة من جهةٍ أخرى؛ فإن الأولين تأوَّلوا آياتِ وأحاديثَ الصفات بتاَويلَ باطلةٍ، أودت بهم إلى إنكار الصفات الإلهية، وما حملهم على ذلك إلا فِرَارُهُمْ من التشبيه الذي وقع فيه المشبِّهة. والحقيقة: أن المعتزِلَة أنفسهم شاركوا المشبّهة في فَهْم التشبيه من آيات الصفات، ولكنهم افترقوا عنهم بإنكار التشبيه بطريق التأويل الذي هو باطل -أيضًا- كالتشبيه؛ لِمَا لزم منه من إنكار الصفات الإلهية، وأما المشبّهة فلم يقعوا في هذا الباطل، ولكنهم ثبتوا على التشبيه. والحق: الجمعُ بين صواب هؤلاء وهؤلاء، وردُّ باطل هؤلاء وهؤلاء؛ وذلك بالإثبات والتنزيه؛ كما قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. وكذلك أقول في أحاديث نزول عيسى ﵇، وغيرها؛ فإن الواجب فيها إنما هو الإيمان بها، وردُ ما توهمه المتوهمون منها؛ من ترك العمل، والاستعداد الذي يجب القيامُ به في كل زمان ومكان، وبذلك نكون قد جمعنا بين صواب هؤلاء وهؤلاء، ورددنا باطل هؤلاء وهؤلاء، والله المستعان" (١). اهـ.

стр. 314

ثانيًا: الأستاذ الشيخ أبو الأعلى المودودي -رحمه الله تعالى -: بعد أن أنكر على من ينكرون ظهور المهدي، أنحى فضيلته باللائمة على الذين يؤمنون بظهور المهدي لكنهم يتخذون ذلك ذريعة إلى السلبية والتواكل والاستكانة بحجة انتظار المهدي، فقال -رحمه الله تعالى-: بهم "يتصورون أن الإمام المهدي سيكون رجلًا من نمط قدماء المشايخ الصوفية الذين يُفَضِّلون أورادَهم وأذكارَهم على أوراد وأذكار المصطفى ﷺ ، والذين يزيدون في الدين نوعًا من تزكية النفس كما يدَّعون، لأن الذي نزلت عليه الآية الكريمة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ قصَّر بهذا، فأتت أمتُه -بدون خزعبلاتهم- قاسيةَ القلوب، رققوها وهذبوها بما استوردوه من ديانات الهند والسند، ومن رقصات السامبا والتويست، وغاب عن ذهنهم أن تزكية النفوس بالجهاد والحركة المستمرة الدءوب، فلا يسمع به الناس إلا وقد ظهر من معهد قديم، أو خرج من زاوية اعتكاف يُصَرِّف السُّبْحة بيده، ويتلو الأوراد بلسانه، ويعلن على الخلق: "أنا المهدي أيها الناس! "، وإذا العلماء والمشايخ يُهَرْوِلون إليه حاملين بأيديهم الكتبَ والأسفار، يقابلون هيئته وهندامه بما ورد فيها من سماته وعلاماته فيعرفونه، ثم تكون البيعة العامة، ويتبعها إعلان الجهاد، وهنالك يبادر جميع الدراويش المعتكفين في خلواتهم، وأما إذا قام الجهاد ووقع القتال، فلا يستعمل فيه السيف إلا تَحِلَّة القسم (١)، وانما تعمل البركة والتصرفاتُ الروحية عملَها في

стр. 315

المعارك، ويُحاز الظفر والانتصار بفضل النفثات والأوراد، حيث لا يرمي المجاهدون بنظرهم إلى كافر إلا ويخِرّ مغشيًّا عليه، ولا يرفعون أيديهم بالدعاء على الأعداء إلا وتخور هممهم، وتنخر الديدان في طائراتهم ودباباتهم ... فهذا مثل تصورات عامة المسلمين في ظهور الإمام المهدي، ولكن الذي أفهمه في أمره هو أن الحقيقة على عكس ذلك كلّه؛ فالذي أقدِّره وأتصوره أن الإمام المنتظر سيكون زعيمًا من الطراز الأحدث في زمانه، بصيرًا بالعلوم الجديدة بصر المجتهد المُطَّلِع، ويكون جيد الفهم لمسائل الحياة، ويبرهن للعالمين رجاحة عقله وفكره، وبراعة تفكيره السياسي، وكمال حذقه لفنون الحرب، ويبز كلَّ أبناء زمانه الجدد في تقدمه وارتقائه، وإني لأخشى أن حضرات المشايخ ورجال الدين هؤلاء هم يكونون أول من يرفع النكير على رجحانه إلى الوسائل العصرية وعلى طرقه المحدثة للإصلاح، ثم لا أراه (أي: المهدي) سيكون مختلفًا في بيئته وهيئته عن عامة البشر، بحيث يعرفه الناس بعلاماته الخاصة وسماته المعلومة، كما لا أتوقع أنه يعلن

стр. 316

بكونه المهدي المعلوم، وإنما يتبين خلقُ اللهِ بعد موته (١) أنه هو المقيم للخلافة على منهاج النبوة المبشر به، فليس لأحد غير النبي إعلان بدء عمله، ولا أحد غير النبي ﷺ يعلم علم اليقين أيَّ وظيفة عهدها إليه الله في هذه الدنيا ... والذي أتصوره من نوعية عمل الإمام يختلف كل الاختلاف عما يتصوره الناس؛ وذلك أني لا أرى في عمله مجالًا للكرامات والخوارق والكشف والإلهام وأعمال الرياضة الروحية ومجاهدة النفس، وأعتقد أن المهدي لن تكون له مندوحة عن أن يجتاز مراحل الجهد والكفاح والسعي الشديد، ما يضطر إلى اجتيازه كل زعيم انقلابي (٢). والمهدي سيسير على أساس الإسلام الخالص، ويقلب عقلية الناس، ويبعث حركة قوة تكون ثقافية وسياسية، وستهب في وجهه الجاهلية بجميع قواها تعارض دعوته، وتقاوم حركته، ولكنه سيوفق آخر الأمر للقضاء على سلطتها، ويشيد دولة إسلامية موطدة الدعائم، تجري في هيكلها روح الإسلام الخالصة, ويبلغ رقيها في العلوم التجريبية والطبيعية ذروة الكمال". اهـ (٣) ثالثًا: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة -رحمه الله تعالى -: تعرض في تعليقه على كتاب "التصريح بما تواتر في نزول المسيح" للرد على القاعدين المتخاذلين عن نصرة الإسلام بحجة انتظار المهدي ونزول المسيح ﵇، فقال:

стр. 317

"ولو كانت هذه الفكرة صحيحة سليمة ثابتة لما كان الجهد والجهاد من السلف في دفع كل زيغ وانحراف من أي مبطل كان: أجنبيًّا أو عربيًّا، مسلمًا في الصورة أو كافرًا؛ لأننا إذا مشينا في ظل هذا الفكر الزائغ لزمنا أن نستسلم لكل ما يواجهنا من صعوبات وتحديات في مختلف الشئون والمستويات! وهذا أمر لا يقول به عاقل فضلًا عن أن يكون الشرع الإسلامي أراده منا، وحاشا شرع الله من أن يضاف إليه ذلك. فلماذا يسعى هؤلاء الجاهلون المصابون بهذه الفكرة المريضة في تنمية أموالهم وأحوالهم وتحسين عيشهم ومسكنهم وما إلى ذلك من أمور الدنيا ومرافق الحياة؟ فإذا جاءوا إلى أمور الدين والجهاد لبستهم هذه الفكرة الشيطانية، فضلوا، وتخاذلوا عن نصرة دينهم، فأين عقلهم وفهمهم من صريح قول النبي ﷺ : "الجهاد ماض إلى يوم القيامة" (١)، وأمثاله من الأحاديث الصحيحة الكثيرة، وقد علم العالمون البصراء أن سنة الله في عباده: الجهد والجهاد والأخذ بالأسباب، كما هو بديهي عند كل مسلم فاقهٍ لدينه وإسلامه.

стр. 318

فترك الجهد والعمل في نصرة الدين والإسلام جريمة، وترك دفع المبطلين والظالمين والكافرين الصائلين على المسلمين -بسبب هذا الاعتقاد الباطل- جريمة فوق جريمة ومصيبة عظيمة أصيب بها عقل المرضى بهذا الاعتقاد، ويجب الإسراع بعلاجهم وإنقاذهم من هذا الداء الوبيل" (١). اهـ. رابعًا: قال الدكتور/ عبد العزيز مصطفى -وفقه الله تعالى-: "جهاد الكفار -أيًّا كانوا، وأينما كانوا، وفي أي زمان كانوا- واجبٌ بالشرع المحكم غير المنسوخ , وهذه حقيقة إسلامية ثابتة، وهذا الجهاد واجب بشروطه، وضوابطه، وأحكامه، وليس من هذه الشروط، أو الضوابط، أو الأحكام، أن يُؤَخَّرَ الجهادُ انتظارَا لتحول الغيب إلى شهادة، ما هكذا فَهِمَ المسلمون الأوائل، وما هكذا فعلوا، بل إنهم لما أُخْبِرُوا بأن الله -تعالى- سيكسر مُلك كسرى بسيوفهم؛ ما قبعوا في البيوت ينتظرون تحقق الخبر، ووقوع الأمر بلا مقدمات يبذلونها، وجهود يقدمونها، لا؛ بل أعدوا للأمر عُدَّتَهُ، وأخذوا للشأن أُهْبَتَهُ، حتى وقع النصر، وتطابق أمر الشرع مع أمر القدر. وإن المسلمين الأوائل لما أُنْبِئُوا بأن اللهَ سيكسر مُلك قَيْصَرَ على أيديهم لم يناموا على الأسِرَّة منتظرين تحقق النبوءة، ووقوع المعجزة؛ بل شمَّروا عن ساعد الجد، وجردوا الحسام من الغِمْد، وانطلقوا في أرض الله يقاتلون باسم الله مَن كفر بالله، حتى سقطت مملكةُ قيصرَ، وتطابق المشروع مع المقدور، وهكذا كان الشأن في النبوءات الأخرى عن فتح مصر، والشام، والعراق، وحتى القسطنطينية، لم يقل السلطان

стр. 319

محمد الفاتح: "إن فتحها ليس وقته الآن"، بل قامت موجبات الجهاد الشرعية في عهده، فامتثل، وجاهد، وفتح، وانتصر، أما بعض مسلمي اليوم، فيقولون: "لا، إن جهاد اليهود لن يكون حتى يخرج الدجَّال"، ولعله هذا من جملة فِتَنِ الدجَّال في هذه الدنيا. وانطلى هذا الكلام السخيفُ على قطاعات من الشباب المسلم، فألقوا عن كواهلهم تحمل أية مسئولية تجاه المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله؛ تماما كما انطلى على كثير منهم مِن قبلُ كلامٌ أسخفُ منه؛ مُؤَدَاهُ أن الدولةَ الإسلاميةَ والخلافةَ لن تقومَ حتى يخرجَ المهدي! وعجبا لمروجي هذا الكلام، ومردديه، كأنهم يقولون بلسان حالهم لليهود: "اشتدوا في عدائكم"، وللنصارى: "استمروا في طغيانكم"، وللمسلمين: "استمروا في تَشَتُّتِكُمْ، وتفرقكم، وتنازعكم، وغُثَائِيَّتِكُمْ، حتى يخرج المهدي إليكم"، ولا أدري: بأيَّة حُجَجِ وأدلة يقعون في هذه الزَّلة، متوهمين أن المهدي سيخرج إلى قوم قاعدين، أو سينصره أُناسٌ خاملون؟ " (١). "لقد تبين لنا أن اليهودَ والنصارى ينطلقون من خلال نبوءاتهم التي دخلها كثير من التحريف إلى وضع تصورات عملية لما يمكن أن تدار على أساسه الصراعاتُ، وإلى بذل الوُسْعِ من أجل الوصول إلى أهدافٍ دينية تسَلُّطِيَّةٍ على العالم، ولم يمنعهم الاقتناع ذهنيًّا بهذه الأمور من الانصراف -أيضًا- إلى بناء الحضارة، وتوسيع العمران، وزيادة الإعداد والاستعداد للمستقبل، فماذا أقول؟! أأقول: إنهم يفهمون الروح المقصودة من التدين أكثر منا وهم على غير دين صحيح؟! أأقول: إنهم إلى

стр. 320

جانب فهمهم للدنيا، وكيفية التعامل معها، يَفْهَمُونَ -وهم على ضلال- أن ما يجيء به الدين هو قضايا من صُلْبِ الحياة، وصميم الواقع؟! إن اليهود والنصارى بين أيديهم أخبارٌ غير موثوقة، وتفسيرات غير مأمونة، وعقائدُ مضطربةٌ تزيدها التأويلات اضطرابًا، واختلافاتٌ فيما بينهم في الأصول والفروع، يستحيلُ معها الجمع بين الأقوال، ومع كل ذلك فهم جعلوا هذه الأخبارَ، وتلك النبوءاتِ، منارًا يسيرون على ضوئه خلال أحقاب طويلة؛ ففي مسيرة اليهود خلال الألفي سنة الخالية لم تكن تدفعهم إلا نبوءاتُ العهدِ القديم، ولم تستحثَّ آمالَهم إلا أخبارُ الأنبياء السابقين، ولم تستنهض هممهم إلا أمانيُّ بعيدةٌ في العودة، والعلو، والسيطرة. وفي المقابل نرى مِن بعض قومنا مَنْ إذا أخذ بأخبارٍ من الدين عن المستقبل فإنه يجعلها سدَّا أمام الحركة، وعائقًا في وجه التقدم، ويتخذ منها وسادة وثيرة ينام عليها، أو أريكة وطيئة يقتعدها" (١). اهـ. إن مما يؤسف له أشد الأسف شيوع هذه "السلبية" بحجة انتظار خروج المهدي، مع أن أشد الناس سلبية -فيما مضى- طوَّروا مفاهيمهم تحت وطأة العقل والمصلحة والخوف من خطر الانقراض، وتحرروا من أسر السلبية والتخاذل، وترقب ما يمليه الأمر الواقع، فرأينا الرافضة يطورون مفهوم "الانتظار السلبي" لمهديهم المزعوم، ويخترع لهم الخميني مفهوم "ولاية الفقيه" ليُخرج الرافضة من "شرنقة" الانتظار السلبي لمهديهم الموهوم إلى التحرك الإيجابي وإقامة دولة قبل أن يخرج المهدي من السرداب، الأمر الذي كان مرفوضًا من قبل، ومن بعد أن
следующие страницы →