بكونه المهدي المعلوم، وإنما يتبين خلقُ اللهِ بعد موته (١) أنه هو المقيم للخلافة على منهاج النبوة المبشر به، فليس لأحد غير النبي إعلان بدء عمله، ولا أحد غير النبي ﷺ يعلم علم اليقين أيَّ وظيفة عهدها إليه الله في هذه الدنيا ... والذي أتصوره من نوعية عمل الإمام يختلف كل الاختلاف عما يتصوره الناس؛ وذلك أني لا أرى في عمله مجالًا للكرامات والخوارق والكشف والإلهام وأعمال الرياضة الروحية ومجاهدة النفس، وأعتقد أن المهدي لن تكون له مندوحة عن أن يجتاز مراحل الجهد والكفاح والسعي الشديد، ما يضطر إلى اجتيازه كل زعيم انقلابي (٢). والمهدي سيسير على أساس الإسلام الخالص، ويقلب عقلية الناس، ويبعث حركة قوة تكون ثقافية وسياسية، وستهب في وجهه الجاهلية بجميع قواها تعارض دعوته، وتقاوم حركته، ولكنه سيوفق آخر الأمر للقضاء على سلطتها، ويشيد دولة إسلامية موطدة الدعائم، تجري في هيكلها روح الإسلام الخالصة, ويبلغ رقيها في العلوم التجريبية والطبيعية ذروة الكمال". اهـ (٣)
ثالثًا: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة -رحمه الله تعالى -:
تعرض في تعليقه على كتاب "التصريح بما تواتر في نزول المسيح" للرد على القاعدين المتخاذلين عن نصرة الإسلام بحجة انتظار المهدي ونزول المسيح ﵇، فقال:
стр. 317
"ولو كانت هذه الفكرة صحيحة سليمة ثابتة لما كان الجهد والجهاد من السلف في دفع كل زيغ وانحراف من أي مبطل كان: أجنبيًّا أو عربيًّا، مسلمًا في الصورة أو كافرًا؛ لأننا إذا مشينا في ظل هذا الفكر الزائغ لزمنا أن نستسلم لكل ما يواجهنا من صعوبات وتحديات في مختلف الشئون والمستويات! وهذا أمر لا يقول به عاقل فضلًا عن أن يكون الشرع الإسلامي أراده منا، وحاشا شرع الله من أن يضاف إليه ذلك.
فلماذا يسعى هؤلاء الجاهلون المصابون بهذه الفكرة المريضة في تنمية أموالهم وأحوالهم وتحسين عيشهم ومسكنهم وما إلى ذلك من أمور الدنيا ومرافق الحياة؟ فإذا جاءوا إلى أمور الدين والجهاد لبستهم هذه الفكرة الشيطانية، فضلوا، وتخاذلوا عن نصرة دينهم، فأين عقلهم وفهمهم من صريح قول النبي ﷺ : "الجهاد ماض إلى يوم القيامة" (١)، وأمثاله من الأحاديث الصحيحة الكثيرة، وقد علم العالمون البصراء أن سنة الله في عباده: الجهد والجهاد والأخذ بالأسباب، كما هو بديهي عند كل مسلم فاقهٍ لدينه وإسلامه.
стр. 318
فترك الجهد والعمل في نصرة الدين والإسلام جريمة، وترك دفع المبطلين والظالمين والكافرين الصائلين على المسلمين -بسبب هذا الاعتقاد الباطل- جريمة فوق جريمة ومصيبة عظيمة أصيب بها عقل المرضى بهذا الاعتقاد، ويجب الإسراع بعلاجهم وإنقاذهم من هذا الداء الوبيل" (١). اهـ.
رابعًا: قال الدكتور/ عبد العزيز مصطفى -وفقه الله تعالى-:
"جهاد الكفار -أيًّا كانوا، وأينما كانوا، وفي أي زمان كانوا- واجبٌ بالشرع المحكم غير المنسوخ , وهذه حقيقة إسلامية ثابتة، وهذا الجهاد واجب بشروطه، وضوابطه، وأحكامه، وليس من هذه الشروط، أو الضوابط، أو الأحكام، أن يُؤَخَّرَ الجهادُ انتظارَا لتحول الغيب إلى شهادة، ما هكذا فَهِمَ المسلمون الأوائل، وما هكذا فعلوا، بل إنهم لما أُخْبِرُوا بأن الله -تعالى- سيكسر مُلك كسرى بسيوفهم؛ ما قبعوا في البيوت ينتظرون تحقق الخبر، ووقوع الأمر بلا مقدمات يبذلونها، وجهود يقدمونها، لا؛ بل أعدوا للأمر عُدَّتَهُ، وأخذوا للشأن أُهْبَتَهُ، حتى وقع النصر، وتطابق أمر الشرع مع أمر القدر.
وإن المسلمين الأوائل لما أُنْبِئُوا بأن اللهَ سيكسر مُلك قَيْصَرَ على أيديهم لم يناموا على الأسِرَّة منتظرين تحقق النبوءة، ووقوع المعجزة؛ بل شمَّروا عن ساعد الجد، وجردوا الحسام من الغِمْد، وانطلقوا في أرض الله يقاتلون باسم الله مَن كفر بالله، حتى سقطت مملكةُ قيصرَ، وتطابق المشروع مع المقدور، وهكذا كان الشأن في النبوءات الأخرى عن فتح مصر، والشام، والعراق، وحتى القسطنطينية، لم يقل السلطان
стр. 319
محمد الفاتح: "إن فتحها ليس وقته الآن"، بل قامت موجبات الجهاد الشرعية في عهده، فامتثل، وجاهد، وفتح، وانتصر، أما بعض مسلمي اليوم، فيقولون: "لا، إن جهاد اليهود لن يكون حتى يخرج الدجَّال"، ولعله هذا من جملة فِتَنِ الدجَّال في هذه الدنيا.
وانطلى هذا الكلام السخيفُ على قطاعات من الشباب المسلم، فألقوا عن كواهلهم تحمل أية مسئولية تجاه المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله؛ تماما كما انطلى على كثير منهم مِن قبلُ كلامٌ أسخفُ منه؛ مُؤَدَاهُ أن الدولةَ الإسلاميةَ والخلافةَ لن تقومَ حتى يخرجَ المهدي! وعجبا لمروجي هذا الكلام، ومردديه، كأنهم يقولون بلسان حالهم لليهود: "اشتدوا في عدائكم"، وللنصارى: "استمروا في طغيانكم"، وللمسلمين: "استمروا في تَشَتُّتِكُمْ، وتفرقكم، وتنازعكم، وغُثَائِيَّتِكُمْ، حتى يخرج المهدي إليكم"، ولا أدري: بأيَّة حُجَجِ وأدلة يقعون في هذه الزَّلة، متوهمين أن المهدي سيخرج إلى قوم قاعدين، أو سينصره أُناسٌ خاملون؟ " (١).
"لقد تبين لنا أن اليهودَ والنصارى ينطلقون من خلال نبوءاتهم التي دخلها كثير من التحريف إلى وضع تصورات عملية لما يمكن أن تدار على أساسه الصراعاتُ، وإلى بذل الوُسْعِ من أجل الوصول إلى أهدافٍ دينية تسَلُّطِيَّةٍ على العالم، ولم يمنعهم الاقتناع ذهنيًّا بهذه الأمور من الانصراف -أيضًا- إلى بناء الحضارة، وتوسيع العمران، وزيادة الإعداد والاستعداد للمستقبل، فماذا أقول؟! أأقول: إنهم يفهمون الروح المقصودة من التدين أكثر منا وهم على غير دين صحيح؟! أأقول: إنهم إلى
стр. 320
جانب فهمهم للدنيا، وكيفية التعامل معها، يَفْهَمُونَ -وهم على ضلال- أن ما يجيء به الدين هو قضايا من صُلْبِ الحياة، وصميم الواقع؟! إن اليهود والنصارى بين أيديهم أخبارٌ غير موثوقة، وتفسيرات غير مأمونة، وعقائدُ مضطربةٌ تزيدها التأويلات اضطرابًا، واختلافاتٌ فيما بينهم في الأصول والفروع، يستحيلُ معها الجمع بين الأقوال، ومع كل ذلك فهم جعلوا هذه الأخبارَ، وتلك النبوءاتِ، منارًا يسيرون على ضوئه خلال أحقاب طويلة؛ ففي مسيرة اليهود خلال الألفي سنة الخالية لم تكن تدفعهم إلا نبوءاتُ العهدِ القديم، ولم تستحثَّ آمالَهم إلا أخبارُ الأنبياء السابقين، ولم تستنهض هممهم إلا أمانيُّ بعيدةٌ في العودة، والعلو، والسيطرة.
وفي المقابل نرى مِن بعض قومنا مَنْ إذا أخذ بأخبارٍ من الدين عن المستقبل فإنه يجعلها سدَّا أمام الحركة، وعائقًا في وجه التقدم، ويتخذ منها وسادة وثيرة ينام عليها، أو أريكة وطيئة يقتعدها" (١). اهـ.
إن مما يؤسف له أشد الأسف شيوع هذه "السلبية" بحجة انتظار خروج المهدي، مع أن أشد الناس سلبية -فيما مضى- طوَّروا مفاهيمهم تحت وطأة العقل والمصلحة والخوف من خطر الانقراض، وتحرروا من أسر السلبية والتخاذل، وترقب ما يمليه الأمر الواقع، فرأينا الرافضة يطورون مفهوم "الانتظار السلبي" لمهديهم المزعوم، ويخترع لهم الخميني مفهوم "ولاية الفقيه" ليُخرج الرافضة من "شرنقة" الانتظار السلبي لمهديهم الموهوم إلى التحرك الإيجابي وإقامة دولة قبل أن يخرج المهدي من السرداب، الأمر الذي كان مرفوضًا من قبل، ومن بعد أن
стр. 321
مرت قرون كانوا خلالها السَّندانَ، حولتهم "وِلاية الفقيه" (١) إلى مِطرقة مؤثرة فعالة، وَوَدعوا الانتظارَ السلبي المُمِلَّ.
وكذلك فعلت "الصِّهْيَوْنيَّةُ السياسية" التي طورت مفهوم الانتظار السلبي عند اليهود، بل تمردت عليه، وقفزت منه إلى العمل الإيجابي (٢).
أما نحن -معشرَ المسلمينَ- فلسنا في حاجة إلى ابتداع منهج: ولا تعطوير مفهوم؛ لأن ديننا هو دين الحق، دين يُبغِض السلبية والسلبيين، ويكره القاعدين المتخاذلين، ويحث على الأخذ بالأسباب مع التوكل علىَ الملك الوهَّاب، ونحن في الحقيقة متخلفون عن ذروته السامية، وقمته السامقة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
وإذا كانت "الانتصارات" قد أسكرت أعداءنا، وفَتَنَتْهم بباطلهم؛ فإن "الانكسارات" ينبغي أن توقظنا من سباتنا، وتفعلَ بنا ما تافعله الأحجار إذا ألقيت في الماء الراكد.
إن الإيمان بالغيب هو أقوى حافز ودافع للعمل في عالم الشهادة، وقد رأينا ذلك ماثلًا في واقع خير أجيال البشرية من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومَن تبعهم بإحسان؛ حيث لم يتخذوا من إيمانهم بأشراط الساعة تُكَأَةً يقعدون عليها بحجة انتظار تحققها في المستقبل، أفلم يَأنِ لنا أن نقوم بدور "المطرقة"، ونودِّعَ دور "السَّنْدانِ"؟ سؤال ينتظر الإجابة في زمن "الانتظار".
стр. 322
المَقالُ الخامس: فَارِسُ أَحْلاَمِ الدَّعْوَةِ
للأستاذ/ عبد السلام البسيوني -وفقه الله تعالى -:
"في إطار العمل الإسلامي، تحت وطأة المعاناة، وأثقال التقصير، يتطلع الحالمون إلى "فارس أحلام" في صورة مهديٍّ يصوغه خيالهم، وتُشَكِّلُهُ أحلامُهُمْ ورَغَائِبُهُم، يؤمنون به رغم أن كل القرائن تؤكد أن المهدي الذي وردت الإشارات إليه في بعض كتب السنة لَمَّا يُظِلَّنَا زمانُه، بل كثيرًا ما خرج هنا وهناك من يزعم أنه المهدي بشحمه، ولحمه، ومواهبه، ثم يتمخض الجبل فَيَلِدُ بِدَعًا، ومنكراتٍ، وتنكبًا للسنة، بل ربما ولد كفرًا، وضلالًا، وزندقة.
وواقع المسلمين لا يحتاج علاجًا سحريا، ولا يحتمل الآن متمهدين، بل يحتاج إلى قادة رعاةٍ يملكون من الوعي القيادي ما يستطيعون من خلاله أن يقودوا الأمة نحو مرافئ السلامة، وشاطئ الرشاد، دنيا وأخرى".
ثم يتحدث عن حاجة الدعوة إلى: "رمز يُشْبعُ في الأذهان فكرةَ (فارس الأحلام)، ويكون رجلًا تقيَّاَ واعيًا، وأَبًا رفيعًا حانيًا، وعالمًا ربانيًّا فوق الطعن واللمز، فإن فكرة الارتباط مهمة، وفكرة توفر الرمز كذلك مهمة؛ فإننا نرى المسلمين صغارًا وكبارًا لا يزالون يستنجدون برموز الأمة الموتى؛ كصلاح الدين الذي أرَّقناه في مضجعه من كثرة ندائنا له، وكعماد الدين زنكي، وقطز، وابن تيمية ... حتى ضاق -من ظاهرة الاستنجاد بصلاح الدين- الشاعر "أحمد مطر"، الذي استنكر على الناس كثرةَ استنجادهم بمن يستحيل أن ينجدَهم، أو يغيثَهم، فهتف:
стр. 323
كم مَرَّةٍ في الْعامِ توقِظُونَهْ
كم مرةٍ تحت سِيًاطِ الجُبنِ تَجْلِدونَهْ
وَغَايَةُ الْخُشُونَة:
أَن تَهتِفُوا: قُمْ يَا صَلَاحَ الدين قُمْ
حَتَّى اشْتَكَى مَرقَدُهُ مِنْ حَوْلِهِ الْعُفُونَهْ
دَعُوا صَلَاحَ الدِّينِ في تُرَابِهِ، وَاحْتَرِمُوا سُكُونَهْ
فإِنَهُ لَو قامَ حَيًا بَينَكُم
فَسَوفَ تقتلونَهْ!! ". اهـ. (١)
стр. 324
الْمقَالُ السادس: مِنْ سنَن الأنْبِياءٍ الأخْذُ بالأسبَاب المادِيةِ
قال الأستاذ/ محمد العبدة -حفظه الله تعالى -:
"في غمرة الاندفاع العاطفي، وزحمة الأحداث السطحية، يتناسى المسلمون، أو قد يجهلون سننَ التغيير التي أودعها الله في كتابه، أو أجراها على لسان نبيه ﷺ ، وبعض هذه السنن يعرفها الناس بالتجرِبَةِ الطويلة، والخبرات المتراكمة المتأملة. ومن هذه السنن أن الدعواتِ الصادقةَ إذا أُرِيدَ لها النجاحُ؛ لابد لها من قُوًى تؤيدها، وتنصرها؛ قوى من التكتل الجماهيري الذي يلتف حول هدف واضح محدد، أو بمصطلح ابن خلدون: لابد من "العصبية" التي تعني الالتحام، والتعاضد، والتنافر؛ لتحقيق هدف معين، وليس المعنى المذموم لكلمة "عصبية".
وإذا كان التكتل سابقًا يَعْتَمِدُ على القبائل، والعشائر، فإنه في العصر الحديث يعتمد على جميع شرائح المجتمع، الذين يلتفون حول علماء فقهاء؛ يُعمِلون بفقههم، وتفكيرهم سننَ التغيير، وتحويل المجتمعات، والتأثير فيها، وخاصةً ما نحن فيه من تعقيدات هذا العصر.
هذه القوة والمنعة هي التي افتقدها نبي الله لوط ﵇ حين قال: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ [هود: ٨٠]، فقال رسول الله ﷺ : "رَحِمَ اللهُ لُوطًا كانَ يَأوِي إِلى رُكنٍ شَدِيدٍ، وَمَا بَعَثَ الله بَعدَهُ نَبِيًّا إِلا وَهوَ في ثَرْوَةٍ مِنْ قَومِهِ" (١).
стр. 325
ويقول الإمام الجويني: "ما ابتعث الله نبيَّا في الأمم السالفة حتى أيَّده، وعضَّده بسلطان ذي عدة ونجدة، ومن الرسل ﵈ مَن اجتمعت له النبوة، والأيد، والقوة؛ كداود، وموسى، وسليمان -صلوات الله عليهم أجمعين-" (١).
فإذا كان الأنبياء يؤيَّدون "بثروة من قومهم"؛ وهي القوة والمنعة في العدد والعدة، وهم مع ذلك مُؤَيَّدونَ بالمعجزات وخوارق العادات، فكيف بغيرهم الذين يرومون التغيير بالعشرات أو المئات (٢)، ويقولون نحن نتوكل على الله؟! لا شك أن المسلم يطلب العون من الله، ويتوكل عليه، والله -سبحانه- وعد المسلمين بالنصر، ولكن لا بد من الأخذ بالأسباب الشرعية، ومن أهمها تجميع القوى التي تناصر وتعاضد.
هل درسنا هذا الموضوع بعمق وأناة، أم أن مقولة: "نعمل والنتائج على الله"، لا تزال هي الشائعة، والأكثر قبولًا ورواجًا، مع أنها ظاهريًّا صحيحة؛ فهي كلمة حق تُسْتَخْدَمُ في غير محلِّها؛ فالقول بأننا نعمل يجب أن يُمَحَّصَ؛ إذ ما يدريك أن عملك صواب، قد أَخَذْتَ فيه بالأسباب؟ نعم، إذا بُذِلَ الجهد الصحيح؛ فالنتائج على الله، أما أن يُعمل أيُّ عمل، ثم يقالَ: "النتائج على الله"؛ فهذا ضرب من حب
стр. 326
السهولة (١)، وهروب من النقد، وحتى نستريحَ نفسيًّا من اللوم والتقريع، وحتى مع توفر عنصر الإخلاص في هذا العمل، فهذا لا يكفي؛ فلا بد من معرفة سنن الله في التغيير" (٢). اهـ.
стр. 327
الفصل الثالث
هل تعود الخلافة قبل ظهور المهدي ؟
ربط بعض الناس بين الأحاديث الواردة في أحوال آخر الزمان، وأشراط الساعة، وبين حال العالم في زماننا هذا، ورتبوا بعضَها على بعض، ليس هذا فحسب، بل بَنَوْا على ذلك أمورًا نتج عنها فتن جسيمة، وانتهاك للحرمات، والمخرج من ذلك كله أن نتركَ الواقع نفسَه يُفَسِّرُ لنا هذه الأحاديثَ، حتى لا نَرْجُمَ بالغيبِ، أو نَقْفُوَ ما ليس لنا به علم؛ اقتداءً بعلماء السلف الصالح الذين أدَّوْا إلينا هذه النصوص بكل صدق وأمانة، ولم يُقْحِمُوا الظنونَ في تعيينها، وترتيب بعضها على بعض بمجرد الرأي. ولئن وقع منا تردد في: هل زماننا هو زمان ظهور المهدي؟ فلا ينبغي أن نتردد في الجزم بأننا -سواء كان هذا زمان ظهوره أو لا- مُلْزَمُونَ بكافة التكاليف الشرعية: من طاعةِ الله، والجهادِ في سبيله، وطلبِ العلمِ، والدعوة إلى دينه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في ذلك كله، وغير ذلك من الواجبات، فما يتوهمه بعض الكسالى -من أن ظهور المهدي سيكون بداية عصر الاسترخاء والدعة- باطلٌ باطل، بل النصوص تُشِيرُ إلى أنه سيكون بدايةً للفتوح، والجهاد، والبذل في سبيل إعلاء كلمة الله .
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: كيف سيكون حال الأمة قبل ظهور المهدي ؟ وهل سَتَقُومُ الخلافة الإسلامية من جديد قبل المهدي؟
стр. 328
وبما أن هذا المستقبل غيب، فلا يصح محاولة استطلاعه إلا مِن قِبَلِ وحي الله إلى رسوله ﵌، وفي هذا الفصل نعرض اتجاهين سلكهما بعض العلماء جوابًا عن هذا السؤال؛ استنادًا إلى أحاديث رسول الله ﷺ .
المسلَكُ الأَوَّلُ: ستزداد غُربَةُ الإسلام حتى يظهرَ المهدي ، إن شاء الله
١ - قال الشيخ محمد بشير السهسواني الهندي -رحمه الله تعالى-: "وأما بعد قرن أتباع التابعين، فقد تغيرت الأحوال تَغَيُّرًا فاحشًا، وغلبت البدع، وصارت السنة غريبة، واتخذ الناس البدعة سنة، والسنة بدعة، ولا تزال السنة في المستقبل غريبة إلا ما استُثْني في زمان المهدي ﵁، وعيسى ﵇، إلى أن تقوم الساعة على شرار الناس" (١). اهـ.
٢ - وسئل الشيخ عبد الله بن الصِّدِّيق سؤالًا نصه:
إذا كانت القيامة تقوم على المهدي وعيسى، ودين الإسلام حسب ما ذكرنا، فما معنى قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "الإِسْلَامُ غَرِيب، وَكمَا بَدَأَ يَعُودُ"؟
فأجاب: "تواتر عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا (٢)، وهو يشير إلى وقتنا
стр. 329
هذا؛ فإن الإسلام فيه غريب بمعنى الكلمة، وسيظل كذلك، بل ستزداد غربته إلى أن يأتي المهدي، فيُظهر الإسلام، ويحيي العدل، وتَزُولُ الفتن والإحن بين المسلمين، ويبقى الحال كذلك مدة المهدي، ومدة عيسى ﵇ (١)، ثم بعد ذلك تأتي ريحٌ طيبة تأخُذ نَفْسَ كل مؤمن (٣)،
стр. 330
فلا يبقى على الأرض من يعرف الله أو يذكره (١)، وإنما يبقى أقوام يتهارجون كما تتهارج الْحُمُرُ، فعليهم تقوم الساعة كما جاء في صحيح مسلم، وغيره والله أعلم " (٢). اهـ.
وقد يُستدل لهذا الْمَنْحَى بما رواه الطبراني عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا: "ليس عام إلا والذي بعده شر منه"، قال الحافظ في "الفتح": "أخرجه الطبراني بسند جيد (٣) ".
وعن ابن مسعود ﵁ -موقوفًا أيضًا- بسند صححه الحافظ في "الفتح" (٤): "أَمْسِ خَيْرٌ مِنَ الْيَوْمِ، وَالْيَوْمُ خَيْرٌ مِنْ غَدٍ، وَكَذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» (٥).
стр. 331
وعن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك ﵁، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الحَجَّاجِ، فَقَالَ: «اصْبِرُوا، فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ» سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ (١).
стр. 332
ذكر أجوبة العلماء عن حديث انس ﵁ وما في معناه
أولًا: جواب الإمام ابن حبان -رحمه الله تعالى -:
ترجم الإمام ابن حِبَّان -رحمه الله تعالى- لحديث أنس ﵁:
"ذِكْرُ خبرٍ أَوْهَمَ مَنْ لم يُحْكِم صناعةَ الحديثِ أن آخرَ الزمان على العمومِ يكون شرَّا من أوَّلِهِ" (١)، ثم أَتْبَعَهُ بترجمة تَدْفَعُ هذا الإيهام، فقال:
"ذِكْرُ الخبرِ المصرِّح بأن خبر أنس بن مالك لم يُرَدْ بعموم خطابه على الأحوال كلها" (٢).
ثُمَّ أَسْنَدَ إلى أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا لَيْلَةٌ، لَمَلَكَ فِيهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النبي ﷺ " (٣).
إذن حديث أنس ﵁ الآنف الذكر ليس على عمومه أو إطلاقه؛ لثبوت أدلة تخصص عمومه، وتقيد مطلقه؛ ولذلك ينبغي حمله على الأغلب من الزمان، أو يحمل معناه على أن كل زمان بجملة
стр. 333
ما فيه من خير أفضلُ من الزمان الذي يليه، وهذا لا ينفي أن يكون في كل زمان خير -كما أكدت ذلك الأحاديث- ولمجيء بعض الخير في أزمان أعقبت زمن النبي ﷺ ؛ كزمن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- وغيره من الأزمان.
ثانيًا: جواب الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى -:
قال -رحمه الله تعالى-: "وقد استُشْكِل هذا الإطلاقُ مع أن بعض الأزمنة تكون في الشر دون التىِ قبلها، ولو لم يكن في ذلك إلا زمن عمر بن عبد العزيز، وهو بعد زمن الحجاج بيسير، وقد اشتهر الخير الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز؛ بل لو قيل: (إن الشر اضمحل في زمانه)؛ لما كان بعيدًا، فضلًا عن أن يكون شرًّا من الزمن الذي قبله، وقد حمله الحسن البصري على الأكثر الأغلب، فسئل عن وجود عمر بن العزيز بعد الحجاج، فقال: (لا بد للناس من تنفيس). وأجاب بعضهم: أن المراد بالتفضيل تفضيلُ مجموعِ العصر على مجموع العصر؛ فإن عصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة في الأحياء، وفي عصر عمر بن عبد العزيز انقرضوا، والزمان الذي فيه الصحابة خير من الزمان الذي بعده؛ لقوله ﷺ : "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي" وهو في الصحيحين (١)، وقوله: "وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» (٢).
стр. 334
وقال: "ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة المذكورة أزمنة الصحابة بناء على أنهم هم المخاطَبون بذلك فيختص بهم، فأما من بعدهم فلم يُقصد في الخبر المذكور، لكن الصحابي فهم التعميم، فلذلك أجاب من شكا إليه الحجاج بذلك، وأمرهم بالصبر، وهم أو جلهم من التابعين، واستدل ابن حبان في (صحيحه) بأن حديث أنس ليس على عمومه بالأحاديث الواردة في المهدي، وأنه يملأ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا (١).
ثالثًا: جواب العلامة ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى -:
قال -رحمه الله تعالى- معلقًا على حديث أنس ﵁: "هذا الحديثُ ينبغي أن يُفْهَمَ على ضوء الأحاديث التي تُبَشِّرُ بأن المستقبلَ للإسلام، وغيرها، مثل أحاديث المهدي، ونزول عيسى ﵇؛ فإنها تدل على أن هذا الحديثَ ليس على عمومه، بل هو من العام المخصوص؛ فلا يجوز إفهام الناس أنه على عمومه، فيقعوا في اليأس الذي لا يصح أن يتصف به المؤمن: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ [يوسف: ٨٧] ". اهـ (٢).
стр. 335
الْمَسلَكُ الثانى: ستقوم -بإذن الله- خلافَةٍ على مِنهاج النبوة قبل ظهور المهدي، أو على الأقل ستنهض الأمة نهضةً شاملةً، ولا يبقى إلا ظهور القائد
١ - سمعت العلَّامَةَ ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى- يقول (١) في معرض مناقشته للذين ادَّعَوْا اقتراب ظهور المهدي:
"ما أظُنُّ هذا أوانَ ظهورِه، فهذا مُقْتَضَى السنة الكونية، وما أحسب المهدي يَقْدِرُ -خلال سبع سنين- على أن يحدث ممن التغيير في العالم أكثر مما أحدثه رسول الله ﷺ خلال ثلاث وعشرين سنة، وظني أن المهديَّ سيكون رجلًا فريدًا في كل باب: فَرِيدًا في علمه، فريدًا في ورعه، فريدًا في عبادته، فريدًا في خُلُقه، وأنه سيظهر، وقد تهيأ للعالم الإسلامي وضعٌ صَلُحَ فيه أمر الأمة، وتَمَّت فيه مرحلتا "التصفية والتربية"، ولم يَبْقَ إلا ظهور الزعيم الْمُصْلِح الذي يقوده، وهو المهدي". اهـ.
стр. 336
ثم حمل فضيلته على الجُهَّال الذين يسيئون فَهْم عقائد الإسلام، ثم ينحرفون، ويتخبطون؛ نتيجةَ قلة علمهم، وسوء فهمهم.
وكتب -أيضًا- مُفصِّلًا ما يَعْنِيهِ بمرحلتي "التصفية والتربية": "لا بد اليوم من أجل استئناف الحياة الإسلامية من القيام بهذين الواجبين: التصفية والتربية".
وأردتُ بالأول منهما أمورًا: الأول: تصفية العقيدة الإسلامية مما هو غريب عنها؛ كالشرك، وجحد الصفات الإلهية، وتأويلها، ورد الأحاديث الصحيحة؛ لتعلقها بالعقيدة ونحوها.
الثاني: تصفية الفقه الإسلامي من الاجتهادات الخاطئة المخالفة للكتاب والسنة.
الثالث: تصفية كتب التفسير، والفقه، والرقائق، وغيرها، من الأحاديث الضعيفة، والموضوعة، والإسرائيليات المنكرة ... إلى أن قال -رحمه الله تعالى-: "وأما الواجِبُ الآخَرُ فأريد به تربية الجيل الناشئ على هذا الإسلام الْمُصَفَّى من كل ما ذكرنا تربية إسلامية صحيحة منذ نعومة أظفاره، ودون أي تأثر بالتربية الغربية الكافرة.
ومما لا رَيْبَ فيه أن تحقيق هذين الواجبين يتطلب جهودًا جبارة متعاونة من الجماعات الإسلامية المخلصة، التي يهمها حقًّا إقامة المجتمع الإسلامي المنشود، كُل في مَجَالِهِ، واختصاصه، وأما بقاؤنا راضين عن أوضاعنا، متفاخرين بكثرة عددنا، متوكلين على فضل ربنا،
стр. 337
أو خروج المهدي، ونزول عيسى، صائحين بأن الإسلام دستورنا، جازمين بأنا سنقيم دولتنا، فذلك محال، بل وضلال؛ لمخالفته لسنَّة الله الكونية والشرعية معًا، قال -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، وقال ﷺ : «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» (١).
من أجل ذلك قال أحد الدعاة الإسلاميين اليوم: "أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تَقُمْ لكم في أرضكم"، وهذا كلام جميل جدًّا، ولكن أجمل منه العمل به ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ (٢) [التوبة].
وقال -رحمه الله تعالى- في سياق رده على من زعم أن دولة الخلافة الإسلامية لن تعود قبل ظهور المهدي:
"واعلم يا أخي المسلم أن كثيرًا من المسلمين اليوم قد انحرفوا عن الصواب في هذا الموضوع؛ فمنهم من استقر في نفسه أن دولة الإسلام لن تقوم إلا بخروج المهدي، وهَذِهِ خُرَافَةٌ وضلالة ألقاها الشيطان في قلوب كثير من العامَّة، وبخاصة الصوفية منهم، وليس في شيء من
стр. 338
أحاديث المهدي ما يُشعِر بذلك مطلقًا، بل هي كلها لا تَخرُجُ عن أن النبي ﵌ بَشَّرَ المسلمين بِرَجلٍ من أهل بَيتِهِ، ووصفه بصفات، أبرزها: أنه يحكم بالإسلام، وَينْشُرُ العدل بين الأنام، فهو في الحقيقة من المجدّدِينَ الذين يبعثهم الله في رأس كل مائة سنة، كما صح عنه -صلى الله غليه وآله وسلم- فكما أن ذلك لا يستلزم ترك السعي وراء طلب العلم، والعمل به لتجديد الدين، فكذلك خروج المهدي لا يستلزم التواكُلَ عليه، وتركَ الاستعدادِ والعملِ لإقامة حكم الله في الأرض، بل العكس هو الصَّواب؛ فإن المهدي لن يكون أعظم سعيًا من نبينا محمد ﷺ ، الذي ظل ثلالة وَعشرين عامًا وهو يعمل لتوطيد دعائم الإسلام، وإقامة دولته، فماذا عسى أن يفعل المهدي لو خرج اليوم، فوجد المسلمين شيعًا وأحزابًا، وعلماءهم -إلا القليل منهم- اتخذهم الناس رءوسًا، لما استطاع أن يقيم دولة الإسلام إلا بعد أن يُوَحِّدَ كلمتهم، ويجمعهم في صف واحد، وتحت راية واحدة، وهذا -بلا شك- يحتاج إلى زمن مديدٍ اللهُ أعلم به، فالشرع والعقل معًا يقضيان أن يقوم بهذا الواجب المخْلصُونَ من المسلمين، حتى إذا خَرَجَ المهدي، لم يكن بحاجة إلا أن يقودهم إلى النصر، وإن لم يخرج (١)، فقد قاموا بواجبهم، والله يقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ (٢). اهـ.
وفي كتابهما "الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة" يُفَصِّلُ المؤلفان هذا المسلك، ويقولان ما ملخصه -بتصرف وإضافات-:
стр. 339
لا بُدَّ من عودة الخلافة الراشدة
واستعادة القدس قبل ظهور المهدي
(أ) تشير بعض الأحاديث الصَحيحة إلى أن حالة الناس الدينية في تراجع مستمر مع الزمن، ولكنة تَرَاجُعٌ بشكل عام لا بِشَكْلٍ فردي؛ أي هو من العام المخصوص، والمخصِّصُ قوله ﷺ : «مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ المَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ» (١).
وقوله ﵌: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» (٢)، وقوله ﵌: «لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة». (٣).
ولا يَرِدُ عليه انعدامُ الدولةِ والصَّوْلةِ؛ لأنه لا يمتنع عقلًا أن تنطلق هذه الأمة انطلاقًا جديدًا؛ حتى يتم قولُه : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ
стр. 340
بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣].
قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: "لَيُظهِرن الله دينَه على الأديان حتى لا يُدانَ اللهُ إلا به، وذلك متى شاء الله تعالى" (١).
والظهور بهذا المعنى الذي أورده الشافعي -وهو الظهور الحقيقي- هو وجه من عدة أوجه فسره بها العلماء -ومنهم الشافعي-، ويقوِّيه عدد من الأحاديث التي سنوردها -إن شاء الله- فيما يأتي.
والقولُ بأنه -أي: الظهور المذكور في الآية- قد تحقق في زمن النبي ﷺ أو الخلفاء الراشدين ﵃ أو بعض خلفاء بني أمية أو بني العباس أو غيرهم قولٌ بعيدٌ، فما تحقق إنما هو جزء منه فقط -كما هو معروف من التاريخ- وسوف يتحقق كاملًا في المستقبل إن شاء الله تعالى.
ومما يؤيد ذلك قولُه ﵌: "إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا" الحديث (٢).
стр. 341
ومعلوم أن الإسلام لم يُغَطِّ الكرةَ الأرضية بهذا الوصف الموجود في الحديث الشريف، وسيغطيها كما أخبر المعصوم ﷺ حين يشاء الله تعالى.
وعن تميمٍ الداري ﵁ قال رسول الله ﵌: "لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يبقى بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ، أَوْ بِذُلّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلّا يُذِلُّ بِهِ الْكُفْرَ" (١).
وهذا الحديث يؤكد الحديث السابق ويوضحه، ويفيد قولُه: "ما بلغ الليلُ والنهارُ" أن الإسلام سينتشر، ويُمَكَّن له في جميع الكرة الأرضية؛ لأن الليل والنهار يبلغان جميعها، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، وسيتحقق في المستقبل إن شاء الله.
وعن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وسئل: أيُّ المدينتين تُفتح أولًا: القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حِلق، قال: فأخرَج منه كتابًا، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب، إذ سئل
стр. 342
رسول الله ﷺ : أيُّ المدينتين تُفتح أولًا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﷺ : "مدينة هِرَقلَ تُفْتَحُ أولًا" (١).
وقد فتحت القسطنطينية على يد محمد الفاتح -رحمه الله تعالى- بعد هذه البِشارة الموجودة في الحديث بثمانية قرون ونصف تقريبًا، وستفتح مرة أخرى بعد ملحمة تكون بين المسلمين والروم، ينتصر فيها المسلمون نصرًا مؤزرًا، لا يجدون بعده من يحول بينهم وبين فتحها، وقد أشارت إلى ذلك روايات كثيرة عند البخاري ومسلم وغيرهما.
أما "رومية" فهي كما يفهم من "معجم البلدان " (٢) "روما" عاصمة "إيطاليا" الآن، ومعلوم أنها لم تفتح من قبل، والحديث يؤكد أنها ستفتح، فسيكون ذلك إن شاء الله تعالى.
وعن النعمان بن بشير ﵄ قال: كنا جلوسًا في المسجد، وكان بشير رجلًا يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة الخشني، فقال: يا بشير بن سعد، أتحفظ حديث رسول الله ﷺ في الأمراء؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة الخشني، فقال حذيفة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا ﵎ إِذَا شَاءَ، ثُمَّ تَكُونُ الْخِلَافَةُ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ
стр. 343
تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا (١) فَتَكُونُ مُلْكًا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَرْفَعُهُ إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً (٢)، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ سَكَتَ» (٣).
وهذه المراحل أو الأطوار التي ذكرها الحديث الشريف للخلافة -بمعنى سياسة الناس ورياستهم- قد مر منها طَوْرُ النبوة، ثم الخلافة الراشدة، ثم الملك العاض، ونحن الآن نعيش مرحلة الملك الجبري، وننتظر الخلافة الراشدة الأخيرة إن شاء الله تعالى.
"وفي سنة ١٩٢٤ م أعلن المجلس الوطني في تركيا خنق ذلك الطور من الترتيب النبوي، وبهذا الإعلان الذي انتهت بموجبه الخلافة العثمانية وَدَّعَت الأمةُ الإسلامية طورَ الملك العاض لتبدأ في طور الملك الجبري، وهو الطور الذي تعايشه الأمة هذه الأيام في صورة الانقلابات العسكرية وغيرها" (٤).
стр. 344
وعَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: يُوشِكُ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنْ لَا يُجْبَى إِلَيْهِمْ قَفِيزٌ (١) وَلَا دِرْهَمٌ، قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ الْعَجَمِ، يَمْنَعُونَ ذَاكَ، ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ أَهْلُ الشَّأْمِ أَنْ لَا يُجْبَى إِلَيْهِمْ دِينَارٌ وَلَا مُدْيٌ (٢)، قُلْنَا: مِنْ أَيْنَ ذَاكَ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ الرُّومِ، ثُمَّ سَكَتَ هُنَيَّةً، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي خَلِيفَةٌ يَحْثِي الْمَالَ حَثْيًا، لَا يَعُدُّهُ عَدَدًا» قَالَ قُلْتُ لِأَبِي نَضْرَةَ وَأَبِي الْعَلَاءِ: أَتَرَيَانِ أَنَّهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَا: لَا. (٣) " (٤).
قال النووي -رحمه الله تعالى- في شرحه هذا الحديث في "صحيح مسلم": "والحثو هو الحفن باليدين، وهذا الحثو الذي يفعله هذا الخليفة يكون لكثرة الأموال والغنائم والفتوحات مع سخاء نفسه" (٥). اهـ.
стр. 345
خلافة راشدة قبل المهدي
(ب) وقد وردت أحاديث يُفْهَمُ منها قيام خلافة راشدة قبل خروج المهدي:
١ - منها ما رواه عبد الله بنُ حَوَالَة الأزديّ ﵁ قال: بَعَثَنا رسولُ الله ﷺ حول المدينة على أقدامنا لنغنم، فرجَعنا ولم نغنم شيئًا، وعَرَفَ الجَهْدَ في وجوهنا، فقام فينا فقال: "اللهم لا تكِلهُم إليَّ فأضعُفَ، ولا تكِلهُم إلى أنفسهم فيعجِزوا عنها، ولا تكِلهُم إلى الناس فيستأثِروا عليهم"، ثم قال: "ليُفْتَحَنَّ لكم الشَّامُ والرُّوم وفارس -أو الروم وفارس- حتى يكون لأحدكم من الإبل كذا وكذا، ومن البقر كذا وكذا، ومن الغنم، حتى يُعْطى أَحَدُهُم مئةَ دينارٍ فيَسْخَطُها". ثم وضع يده على رأسي -أو هامتي- فقال: "يَا بْنَ حَوَالَةَ، إِذَا رَأَيْتَ الْخِلَافَةَ قَدْ نَزَلَت الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ فَقَدْ دَنَتِ الزَّلَازِلُ وَالْبَلَايَا وَالْأمُورُ الْعِظَامُ، وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ إلى النَّاسِ مِنْ يَدِي هَذه مِنْ رَأْسِكَ" (١).
стр. 346
فأخبر أن الخلافة في آخر الزمان تكون في القدس (١)، وبعد ذلك تظهر الأشراط الكبرى للساعة بما تحمله من زلازل وفتن.
٢ - ومنها ما رواه مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «عُمْرَانُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَرَابُ يَثْرِبَ، وَخَرَابُ يَثْرِبَ خُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ، وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ خُرُوجُ الدَّجَّالِ»، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى فَخِذِ الَّذِي حَدَّثَهُ، - أَوْ مَنْكِبِهِ - ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذَا لَحَقٌّ كَمَا أَنَّكَ هَاهُنَا»، أَوْ «كَمَا أَنَّكَ قَاعِدٌ» (٢)، وفتح القسطنطينية سيتم في زمن المهدي الذي هو في زمن عيسى ﵇.
قالوا: وعمران بيت المقدس سيكون بالخلافة النازلة فيه؛ وهذا يستلزم تحرير القدس؛ وتحريرها يستلزم قيام الجهاد الشرعي الإسلامي ضد اليهود هناك.
٣ - ومنها ما رواه المقداد بن الأسود ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "لَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ بَيْتُ
стр. 347
مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ بِعِزّ عَزيزٍ أَوْ ذُلّ ذَليلٍ، إِمَّا يُعِزُّهُم اللَّهُ فَيَجْعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ يُذِلّهُم فَيَدِينُونَ لَهَا" (١).
قالوا: وقوله ﷺ : "فيدينون لها" فيه إشارة إلى الجزية، وإشارة أخرى إلى أن هذا إنما يكون قبل نزول المسيح ﵇؛ لأنه لا يقبل الجزية من أحد، لما رواه أبو هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ (٢)، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ (٣)، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ (٤)، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى
стр. 348
تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: " وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] (١)
(جـ) وهذا يؤكد حتمية عودة الخلافة الإسلامية، وسيادتها على العالم كله، والخلافة لن تسقط على المسلمين في قرطاس من السماء، ولكن للنصر أسبابه المتعددة، وقد بشر ﵌ بفتح رومية (٢)؛ وهذا الفتح لن يتم إلا بالجهاد في سبيل الله ، والصبر عليه، وبذل الأموال والأنفس، والخلافة التي يُقيمها هذا الجهاد خلافة راشدةٌ على منهاج النبوة؛ كما أخبر النبي ﵌؛ ولذلك، فلا بد أن تكون هذه الفئة سالكة طريق النجاة في الدارين؛ حتى لا يطول بها السرى في صحراء الخلافات، والفتن، وطريق السلامة من فتنة الفرقة التي تنبأ بها ﵌ في قوله: "فَإِنَّه مَنْ يَعِشْ بَعْدِي فَسَيَرَي اخْتِلَافًا كثِيرًا" إنما يتلخص في أمرين بَيَّنَهُمَا ﷺ : "فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، ثم قوله ﵌: "وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ" الحديث (٣).
стр. 349
فالطائفة المنصورة لا بد أن يكون منهجها موافقًا لمنهاج النبوة؛ الذي هو منهج السلف الصالح، والرعيل الأول القائم على الاتِّبَاعِ، وتَرك الابتداع؛ لأنه هو المنهج الوحيد الصحيح القادر على إعادة الخلافة في الأرض، وهي مع ذلك تحتاج رجالًا أولي عزم وتقى، يقوم على أكتافهم هذا البعث الجديد، فلا بد من تربيتهم على الكتاب والسنة، ولا بد من علاج هذا الواقع الأليم الذي يعاني منه المسلمون في كل مجال في ضوء شريعة الله المصفاة من كل دخيل من الآراء، والأهواء، والبدع فعاد الأمر إلى كلمتين: "التصفية، والتربية".
(د) والزمان هو السِّفر المنظور الشارح لكتاب الله المسطور؛ آيات سورة الإسراء تُبَيِّن أنه لا بد من جولة قادمة بين المسلمين واليهود، وقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: (١):
стр. 350
يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ " (١).
قال الإمام النووي تعليقًا على الحديث: "الغرقد نوع من شجر الشوك معروف ببلاد ييت المقدس، وهناك يكون "قتل الدجال واليهود" (٢).
وفي رواية للحديث عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «تُقَاتِلُكُمُ اليَهُودُ فَتُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يَقُولُ الحَجَرُ يَا مُسْلِمُ هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي، فَاقْتُلْهُ» (٣).
وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبية ﵁ مرفوعًا: "ينزل الدجال في هذه السَّبَخَة (٤) بمَرِّ قناة (٥) " الحديث، وفيه: "ثم يسلِّط اللهُ المسلمين عليه، فيقتلونه، ويقتلون شيعته، حتى إن اليهوديَّ ليختبِئ تحت الشجرة أو الحجرِ، فيقول الحجرُ أو الشجرةُ للمسلم: هذا يهودي تحتي، فاقتُله" (٦).
стр. 351
وعليه فالمراد بقتال اليهود هنا وقوع ذلك إذا خرج الدجال، ونزل عيسى- ﵇. (١)
وروى الإمام أحمد عن جابر ﵁ مرفوعًا: " ... حتى أن الشجرة والحجر ينادي: يا رُوحَ الله، هذا يهودي، فلا يترك ممن كان يتبعه أحدًا إلا قتله " (٢).
ويتضح من الأحاديث -أيضا- أن المسلمين وقيادتهم سيكونون ببيت المقدس، وأن الدجال ومن معه -وغالبُ مَن معه مِن اليهود- سيقدمون إلى فِلَسطينَ من خارجها، ولن يكونوا فيها، وسيحاصرون المهدي ومن معه حتى ينزل عليهم عيسى ابن مريم، وأنه ﵇ ومعه المؤمنون سيتعقبون الدجال ومن معه، فيقتله المسيح عيسى ابن مريم عند باب لُدٍّ، ويقتل أتباعه حتى إن الحجر والشجر ليدلان المسلمين عليهم.
وهذا كله يعني لنا شيئًا واحدا ومهمًا هو أن دولة الكيان اليهودي المغتصب في فلسطين الآن لن تبقى حتى ذلك الوقت، وإنما هي في سبيلها إلى الزوال.
قال الأستاذ سعيد حوى -رحمه الله تعالى- " ... إن دولة اليهود الخالية على كل الاتجاهات في الفهم للنصوص ستنتهي، وليست نهايتها معلقة بنزول المسيح عيسى ابن مريم ﵇، وإن النصوص
стр. 352
الواردة في أن الحجر والشجر يدلان المسلم على اليهودي ليقتله ليست واردة في هؤلاء اليهود، بل في يهود يقدمون مع الدجال" (١).
ولئن وصف رسول الله ﷺ أولئك المجاهدين -في هذا الحديث- بوصف عام هو الإسلام؛ فلقد وصفهم بوصفٍ أخصَّ؛ وهو كونهم "أهلَ السنة والجماعة"، و"الطائفة المنصورة"؛ وذلك فيما رواه عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ، حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ» (٢)، وهذا الحديث يشير إلى أن من ضمن قتالهم قتال المسيح الدجال وأعوانه؛ وأعوانه أكثرهم اليهود، وقد رُوي عن عثمان بن أبي العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أكثر أتباع الدجال اليهودُ والنساء" (٣).
-وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الدين ظَاهِرِينَ، لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهمْ مَنْ جابههم إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأوَاءَ، حَتَّى يَأْتيَهمْ
стр. 353
أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ، قَالُوا أَيْنَ هم يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأكنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ" (١).
-وهذا الحديث واضح الدلالة على أن القوم المقاتلين الذائدين عن بيت المقدس هم من نفس الطائفة المنصورة؛ أهل السنة والجماعة. وفيه تحديد لأماكن وجودهم في آخر الزمان.
-وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ دِمَشْقَ، وَمَا حَوْلَهُ وَعَلَى أَبْوَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَا حَوْلَهُ، لَا يَضُرُّهُمْ خُذْلَانُ مَنْ خَذَلَهُمْ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ» (٢).
قالوا: إن الأحاديث الشريفة تدل على حدوث قتال بين المسلمين واليهود، وانتصارهم على اليهود قبل زمن الدجال، وليس شرطًا أن تكون المعركة بين المسلمين، وبين صنف من أعدائهم واحدة فقط؛ فقد تتعدد المعارك، وتتكرر الفتوحات، فالقسطنطينية (٣) -مثلًا- فتحها السلطان محمد الأول [٨٥٧هـ-١٤٥٣م]، وهذا الفتح غير الفتح الأخير الذي أخبر عنه النبي ﷺ قبل خروج الدجال مباشرة،
стр. 354
وفتح بيت المقدس تم في عهد عمر بن الخطاب ﵁، ثم احتله النصارى الصليبيون، ثم فتح في عهد صلاح الدين الأيوبي، ثم احتل في عهد التتار ثم فتح، ثم احتله النصارى الإنجليز، ثم احتله اليهود، وسيتم عمرانه، وفتحه مرة أخرى قبل فتح القسطنطينية.
يقول الأستاذ عبد الوهاب عبد السلام طويلة: "لقد فُتحت القسطنطينية لأول مرة في زمن السلطان العثماني محمد الثاني، المعروف بالفاتح ﵀؛ فحاز بذلك مع جيشه بشارة النبي ﷺ ، ومديحه كما سلف، غير أن الضعف حَلَّ بالمسلمين بعد الحرب العالمية الأولى، وتداعت عليهم الأمم؛ بسبب ابتعادهم عن دينهم الذي أعزهم الله به، فأصبحت القسطنطينية تحت حكم الملحد مصطفى كمال، صنيعة الصهيونية والاستعمار، ولا زالت الأمور في تركيا تسير من سيئ إلى أسوأ؛ حتى إنهم حالفوا اليهود، وفتحوا لهم بلادهم، وتوددوا إليهم، وهم -أيضًا- يخطبون وُدَّ الأوربيين بتضييق الخناق على المسلمين، ومحو كل ما يمت إلى الإسلام بصلة، والأوربيون لا يَعْبَئُون بهم، بل يحتقرونهم، وربما يطرأ تغيير على الوضع الدولي قبل ظهور المهدي، وخروج الدجال؛ فتصبح القسطنطينية تحت حوزة النصارى، أو حلفائهم.
والفتح الأخير لها لن يكون بقتال؛ وإنما بالتكبير، والتهليل تسقط المدينة؛ مكافأة للمسلمين الذين أبلوا بلاء حسنًا لدى قتال الروم في الملحمة الكبرى.
-عن أبي هريرة- ﵁ في حديثه السابق: " ... وَيَفْتَتِحُ