← Книги сунны

Книги сунны · id 1424

المستدرك على الصحيحين - ط الرسالة

أبو عبد الله الحاكم

Полный текст (6 773 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بهذا، بل في "المستدرك" شيءٌ كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب بل أقلُّ، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها عللٌ خَفيّة مُؤثّرة، وقطعةٌ من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مَناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها، كنت قد أفردتُ منها جزءًا، وحديث الطير بالنسبة إليها سماءٌ، وبكل حالٍ فهو كتابٌ مفيدٌ قد اختصرته، ويُعوز عملًا وتحريرًا (١). وقد أورد ابن حجر كلام الذهبي هذا في الرد على الماليني، ثم قال: وهو كلام مجمل يحتاج إلى إيضاح وتبيين، من الإيضاح أنه ليس جميعه كما قال، فنقول: ينقسم "المستدرك" أقسامًا، كل قسم منها يمكن تقسيمه: الأول: أن يكون إسنادُ الحديث الذي يُخرجه محتجًا برواته في "الصحيحين" أو أحدهما على صورة الاجتماع، سالمًا من العلل، واحترزنا بقولنا: على صورة الاجتماع، عما احتجا برواته على صورة الانفراد، كسفيان بن حسين عن الزهري، فإنهما احتجا بكل منهما، ولم يحتجا برواية سفيان بن حسين عن الزهري؛ لأنَّ سماعه من الزهري ضعيف دون بقية مشايخه، فإذا وُجِد حديث من روايته عن الزهري لا يُقال: على شرط الشيخين؛ لأنهما احتجا بكل منهما، بل لا يكون على _________ (١) "سير أعلام النبلاء" ١٧/ ١٧٦. وعبارة الذهبي هنا أضبط من عبارته التي قالها في "تاريخ الإسلام"، ٩/ ٩٨ - ٩٩، حيث قال: في هذا "المستدرك" جملة وافرة على شرطهما، وجملة كبيرة على شرط أحدهما، لعل مجموع ذلك نحو نصف الكتاب، وفيه نحو الربع مما صح سنده، وفيه بعض الشيء أو له علةٌ، وما بقي وهو نحو الربع، فهو مناكير وواهيات لا تصح، وفي بعض ذلك موضوعات، قد أعلمتُ لما اختصرت هذا "المستدرك"، ونبّهتُ على ذلك. لأنَّ كتاب "السير" من آخر مصنفات الحافظ الذهبي، أي: بعد أن خاض غمار دراسة الحديث ورجاله، وأمضى سنين طويلة من البحث والتحقيق والمراجعة، ولهذا فإن تقريراته فيه وتحقيقاته لا شك أنها أضبط مما في كتبه السابقة، والله تعالى أعلم.

стр. 107

شرطهما إلَّا إذا احتجا بكل منهما على صورة الاجتماع. وكذا إذا كان الإسناد قد احتج كلٌّ منهما برجل منه، ولم يحتج بآخَرَ منه، كالحديث الذي يروى من طريق شعبة مثلًا سماك عن بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فإن مسلمًا احتج بحديث سماك إذا كان من رواية الثقات عنه، ولم يحتج بعكرمة، واحتج البخاري بعكرمة دون سماك، فلا يكون الإسناد والحالة هذه على شرطهما، فلا يجتمع فيه صورة الاجتماع، وقد صرّح بذلك الإمام أبو الفتح القشيري وغيره. واحترزتُ بقولي: أن يكون سالمًا من العلل، بما إذا احتجا بجميع رواته على صورة الاجتماع إلا أن فيهم من وصف بالتدليس، أو اختلط في آخر عمره، فإنا نعلم في الجملة أن الشيخين لم يخرجا من رواية المدرّسين بالعنعنة إلا ما تحققا أنه مسموع لهم من جهة أخرى، وكذا لم يخرجا من حديث المختلطين عمن سمع منهم بعد الاختلاط إلا ما تحققا أنه من صحيح حديثهم قبل الاختلاط، فإذا كان كذلك لم يجز الحكم للحديث الذي فيه مدلّس قد عنعنه، أو شيخ سمع ممن اختلط بعد اختلاطه، بأنه على شرطهما، وإن كانا قد أخرجا ذلك الإسناد بعينه، إلا إذا صرّح المدلس من جهة أخرى بالسماع، وصح أن الراوي سمع من شيخه قبل اختلاطه، فهذا القسم يوصف بكونه على شرطهما أو على شرط أحدهما، ولا يوجد في "المستدرك" حديث بهذه الشروط لم يخرجا له نظيرًا أو أصلًا إلا القليل (١). نعم، وفيه جملة مُستكثَرةٌ بهذه الشروط، لكنها مما أخرجها الشيخان أو أحدهما استدركها الحاكم واهمًا في ذلك ظنًا أنهما لم يخرجاها. القسم الثاني: أن يكون إسناد الحديث قد أخرجا لجميع رواته لا على سبيل الاحتجاج، بل في الشواهد والمتابعات والتعاليق أو مقرونًا بغيره، ويلحق بذلك ما _________ (١) سيذكر الحافظ ابن حجر في آخر كلامه المنقول عنه أن الذي يَسلَم من "المستدرك" على شرطهما أو شرط أحدهما مع الاعتبار الذي حرّره دون الألف حديث. فهذا تفسير مراده هنا بالقليل.

стр. 108

إذا أخرجا لرجل وتجنّبا ما تفرّد به أو ما خالف فيه، كما أخرج مسلم من نسخة العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ما لم ينفرد به، فلا يَحسُن أن يقال: إن باقي النسخة على شرط مسلم؛ لأنه ما خرج بعضها إلا بعدما تبين له أن ذلك مما لم ينفرد به، فما كان بهذه المثابة لا يلحق أفراده بشرطهما، وقد عقد الحاكم في كتاب "المدخل" بابًا مستقلًا ذكر فيه من أخرج له الشيخان في المتابعات، وعدد ما أخرجا من ذلك، ثم إنه مع هذا الاطلاع يخرج أحاديث هؤلاء في "المستدرك"، زاعمًا أنها على شرطهما! ولا شك في نزول أحاديثه عن درجة الصحيح، بل ربما كان فيها الشاذُّ والضعيف، لكن أكثرها لا ينزل عن درجة الحسن، والحاكم وإن كان ممن لا يفرّق بين الصحيح والحسن، بل يجعل الجميع صحيحًا تبعًا لمشايخه، كما قدمناه عن ابن خزيمة وابن حبان، فإنما يُناقش في دعواه أن أحاديث هؤلاء على شرط الشيخين أو أحدهما. وهذا القسم هو عُمدة الكتاب. القسم الثالث: أن يكون الإسناد لم يخرجا له لا في الاحتجاج ولا في المتابعات، وهذا قد أكثر منه الحاكم، فيخرج أحاديث عن خلق ليسوا في الكتابين ويُصححها، لكن لا يدعي أنها على شرط واحدٍ منهما، وربما ادعى ذلك على سبيل الوهم، وكثير منها يُعلّق القول بصحتها على سلامتها من بعض رواتها، كالحديث الذي أخرجه من طريق الليث عن إسحاق بن بزرج عن الحسن بن علي، في التزيين للعيد. قال في إثره لولا جهالة إسحاق لحكمتُ بصحته (١). وكثير منها لا يتعرّض للكلام عليه أصلًا، ومن هنا دخلت الآفة كثيرًا فيما صححه، وقل أن تَجِدَ في هذا القسم حديثًا يلتحق بدرجة الصحيح، فضلًا عن أن يرتفع إلى درجة الشيخين، والله أعلم. ومن العجيب ما وقع للحاكم أنه أخرج لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال _________ (١) "المستدرك" (٧٧٥١).

стр. 109

بعد روايته: هذا صحيح الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن (١)، مع أنه قال في كتابه الذي جمعه في الضعفاء (٢): عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعةً لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه. وقال في آخر هذا الكتاب: فهؤلاء الذين ذكرتُهم قد ظهر عندي جَرحُهم؛ لأن الجرح لا أستحِلُّه تقليدًا. انتهى، فكان هذا من عجائب ما وقع له من التساهل والغفلة، ومن هنا يتبين صحة مقالة ابن الأخرم التي قدمناها، وأن قول المؤلف (يعني به ابن الصلاح): أنه يصفُو له منه صحيح كثيرٌ، غير جيد، بل هو قليل بالنسبة إلى أحاديث الكتابين؛ لأن المكرر يقرب من ستة آلاف، والذي يسلم من "المستدرك" على شرطهما أو شرط أحدهما مع الاعتبار الذي حرّرناه دون الألف، فهو قليل بالنسبة إلى ما في الكتابين، والله أعلم (٣). كذا قال الحافظ ابن حجر، وفي بعض تفاصيله التي ذكرها مناقشات: ١ - فاعتراضه في شأن التصحيح على شرط الشيخين أو أحدهما يدور -كما هو واضح- على كون الرجال الذين يصحح الحاكم أحاديثهم على شرط الشيخين أو أحدهما، هم أعيانهم رجال الشيخين، وذلك مبنيٌّ على ما فهمه بعض العلماء، ومنهم ابن حجر، من مراد الحاكم في قوله الذي ذكره في مقدمة "المستدرك": أنه يذكر فيه أحاديث رجال احتجَّ بمثلها الشيخان، فإن ابن حجر يذهب في ذلك إلى قول ابن الصلاح والنووي وابن دقيق العيد وغيرهم في أن مراد الحاكم "بمثلها" أعيانُ الرواة، فعلى هذا يُخطّئون الحاكم بتصحيحه على شرط الشيخين أو أحدهما أحاديثَ لرجالٍ لم يُخرِّج لهم الشيخان، ولكنهم مُنازَعون في ذلك بأن مراده بالمِثْلية مَن كان نظيرًا لرواة الشيخين في الثقة، وليس أعيان رواة الشيخين، _________ (١) "المستدرك" (٤٢٧٤). (٢) الذي هو في "المدخل إلى الصحيح" له ١/ ١٨٠ ترجمة (٩٧). (٣) "النكت على ابن الصلاح" ١/ ٣١٤ - ٣١٩.

стр. 110

أو أنه أراد الصنفَين كليهما، كما سيأتي بيانه مفصلًا -إن شاء الله- لدى الحديث عن منهج الحاكم في "المستدرك". ٢ - ثم ما ذكره بأن مَن أخرج لهم الشيخان في المتابعات والشواهد والتعاليق فلا يكون حديثهم على شرط الشيخين أو أحدهما، فهو كلام صحيحٌ، لكن ظهر لنا أن الحاكم كان يذهب في شرط الشيخين إلى ما هو أوسع وأبعد مدى مما حَدَّده به بعض الأئمة بعد الحاكم، كما سيأتي بيانه -إن شاء الله- لدى الحديث عن منهج الحاكم في "المستدرك". ٣ - وأما دعواه: أن إخراج مسلم لبعض نسخة العلاء بن عبد الرحمن وتركه لبعضها الآخر، إنما هو انتقاء لما لم ينفرد به العلاء، فدعوى غير صحيحة؛ فقد أخرج له مسلم عددًا مما انفرد به من الروايات، مثل حديث: "اتقوا اللعانين"، وحديث: "الجرس مزامير الشيطان"، وحديث: "أتدرون ما المفلس" (١)، وغير ذلك. على أنه لو فُرض صحة كون مسلم قد أخرج من هذه النسخة ما لم ينفرد به العلاء، فليُبحَث كذلك عما صححه الحاكم من رواياته، فلعله لم ينفرد به، وقد ظهر لنا من خلال عملنا في الكتاب أنه متابع في أكثر ما رواه له، أو أن له شواهد، فلا يصح بعد ذلك إطلاق القول بأنه لا شك في نزول أحاديثه التي رواها بمثل هذه الأسانيد عن درجة الصحيح، والله تعالى أعلم. ٤ - ثم ما بال الحافظ ابن حجر هنا أطلق القول بذلك مع أنه قبل ذلك بورقات (٢) وافق ابن الصلاح على أنه يصفو للحاكم صحيح كثير زائد على ما في "الصحيحين"، وأن الحاكم مع حرصه على جمع الصحيح الزائد على "الصحيحين" واسع الحفظ، كثير الاطلاع، غزير الرواية، فيَبعُد كل البعد أن يوجد حديث بشرط الصحة لم يُخرّجه في "مستدركه"! فمقتضى ذلك أن الحافظ يعتد بالحاكم فيما يقوله من _________ (١) "صحيح مسلم" (٢٦٩) و (٢١١٤) و (٢٥٨١). (٢) "النكت على ابن الصلاح" ١/ ٢٧٢.

стр. 111

تحقُّق شرط الصحة فيما يُصحِّحُه. ٥ - وقوله كذلك بأنه قلَّ أن تجد في الأحاديث التي في أسانيدها رجالٌ لم يخرج الشيخان لهم لا في الاحتجاج ولا في المتابعات، حديثًا يلتحق بدرجة الصحيح، فقول فيه مجازفة منه ﵀، فمن خلال عملنا في الكتاب ظهر لنا أن جملةً من تلك الأحاديث صحيحة أو حسنةٌ لذاتها، وجملةً أخرى مما ضعفها يسير ولها شواهد تقويها، وهذا مما يُلحِقُها بالصحيح عند أهل المعرفة. ٦ - ثم في تصحيحه مقالة ابن الأخرم بحجة ما ذكره من أمثلة على أوهام وقعت للحاكم في تصحيحه لأحاديث مُعَلَّة، فكلام غير متجه؛ فليس مجرد وقوع مثل ذلك من الحاكم مما يصلح دليلًا على صحة قول ابن الأخرم القائل: بأنه قَلَّ ما يفوتُ البخاري ومسلمًا مما يثبت من الحديث، فأين هذا من هذا؟! على أن في تصريح الشيخين أنفسهما بأنهما قد تركا من الصحيح فلم يُودِعاه في كتابيهما، جوابًا كافيًا في الردّ على ابن الأخرم وغيره كما تقدم في بداية هذا المطلب. وعليه فما قاله الذهبي في شأن "المستدرك" هو أولى الأقوال فيه وأوجهها، وهو ما ظهر لنا من خلال عملنا في الكتاب، فإن في "المستدرك" نصيبًا وافرًا من الأحاديث الصحيحة على شرطهما وونصيبًا وافرًا من الأحاديث الصحيحة والجيدة والحسنة الأسانيد على غير شرطهما، ونصيبًا وافرًا مما ضعفه يسير ينجبرُ بالمتابعات والشواهد، وفيه بعض المناكير التي ضعفُها ظاهرٌ جليٌّ، والله تعالى أعلم. وقد لخص شيخ الإسلام ابن تيميَّة حال الحاكم في ذلك، فقال: غالب ما يصححه فهو صحيح، لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه، وإن كان الصواب أغلب عليه (١). وأحسَنَ الحافظ ابن رجب الحنبلي أيضًا حين ذكر كتاب "المستدرك"، فقال: والتحقيقُ أنه يصفو منه صحيح كثير على غير شرطهما، بل على شرط أبي عيسى _________ (١) "قاعدة جليلة في التوسُّل والوسيلة" ص ١٨٤.

стр. 112

ونحوه، وأما على شرطهما فلا (١). وقال صدّيق حسن خان: وقد استدرك الحاكم عليهما أحاديث هي على شرطهما ولم يذكراها، وقد تتبعتُ ما استدركه فوجدتُه قد أصاب من وجه ولم يُصب من وجه؛ وذلك لأنه وجد أحاديث مرويةً عن رجال الشيخين بشرطهما في الصحة والاتصال، فاتجه استدراكه عليهما من هذا الوجه، ولكن الشيخين لا يذكران إلا حديثًا قد تناظر فيه مشايخهما، وأجمعوا على القول به والتصحيح له، كما أشار مسلم حيث قال: لم أذكر هاهنا إلا ما أجمعوا عليه (٢). المطلب الثاني: بيان المنهج الذي سار عليه الحاكم في "المستدرك"، ما له وما عليه: لقد أراد الحاكم من وراء تصنيفه لهذا الكتاب أن يستدرك على الشيخين أحاديث هي على شرطهما، ومع ذلك تركاها، فلم يورداها في الصحيح، إذ هما لم يقصدا إلى استيعاب ما صحَّ من الحديث في كتابيهما، وقد أشار هو إلى ذلك في مقدمة كتابه هذا، حيث قال: ولم يحكما ولا واحدٌ منهما أنه لم يصح من الحديث غيرُ ما خَرّجه. إلا أنه لا يُسلَّم له كثير مما زعم بأنه على شرطهما، لتوسعه في ذلك، كما سيأتي، قال الخطيب أبو بكر: أنكر الناسُ على الحاكم أبي عبد الله أحاديث جمعها وزعم أنها صحاح على شرط الشيخين. قلنا: ولو أنه ﵀ اكتفى بالحكم عليها بالصحة دون ذكر شرطهما، لكان الخطب أهون وأيسر. الفرع الأول: الشرط العام للشيخين في تصحيح الحديث على رأي الحاكم: كان الحاكم قبل تصنيفه كتاب "المستدرك" قد بيّن في كتابه الآخر "المدخل إلى معرفة الإكليل" أن اختيار الشيخين من الحديث الصحيح: أن يرويه الصحابي _________ (١) "الرد على من اتّبع غير المذاهب الأربعة" ضمن "مجموع رسائل ابن رجب" ٢/ ٦٢٢. (٢) "الحطة في ذكر الصحاح الستة" ص ١١٧.

стр. 113

المشهور بالرواية عن رسول الله ﷺ ، وله راويان، ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخُ البخاري أو مسلم حافظًا متقنًا مشهورًا بالعدالة في روايته. قلنا: فهذا إذا هو الشرط العام للشيخين في تصحيحهما للحديث على رأي الحاكم، وتبعه على ذلك بعض العلماء، كتلميذه البيهقي؛ حيث قال بإثر خبر رواه: فأما البخاري ومسلم رحمهما الله فإنهما لم يخرجاه جريًا على عادتهما في أن الصحابي أو التابعي إذا لم يكن له إلا راوٍ واحدٌ لم يخرجا حديثه فى "الصحيحين" (١). ولا نريد أن نطيل في الردّ على الحاكم في هذا الشرط الذي ادعاه عليهما، إذ تولّى الردّ عليه في ذلك جماعةٌ من العلماء، بما يفيد أنه قد وقع في "الصحيحين" أحاديثُ عن صحابة ليس لهم إلا راءٍ واحد، وعن تابعين ليس لهم إلا راو واحد، وممن ردّ عليه في ذلك ابنُ الجَوْزي في مقدمة "الموضوعات" ومحمد بن طاهر المقدسي وأبو بكر الحازمي في كتابيهما "شروط الأئمة"، ثم جاء من بعدَهُم من العلماء موافقًا لهم في إبطال ما ادعاه الحاكم في هذا الشرط، وقد ألف الضياء المقدسي كتابًا سماه "غريب الصحيحين" ذكر فيه ما يزيد على مئتي حديث من الغرائب والأفراد المخرّجة في الصحيحين (٢). الفرع الثاني: ادعاء الحاكم بأن اشتمال الحديث على ما قد يُعَلُّ به، ليس مانعًا من تصحيحه على شرط الشيخين: ذكر الحاكم في مقدمة كتاب "المستدرك" أنه في استدراكه على الشيخين لا ينظر إلى كون الحديث يشتمل على ما قد يُعِلَّه به غيره، وهو مما ثار حوله الجدل بين العلماء، حيث قال: وقد سألني جماعة من أعيان أهل العلم بهذه المدينة وغيرها، _________ (١) "السنن الكبرى" ٤/ ١٠٥. (٢) وللمزيد في هذه المسألة انظر تعليق حسام الدين القدسي في "شروط الأئمة الخمسة" ص ٣١.

стр. 114

أن أجمع كتابًا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتجُّ محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها، إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له، فإنهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك لأنفسهما، وقد خَرَّج جماعةٌ من علماء عصرهما ومن بعدهما عليهما أحاديث قد أخرجاها وهي معلولةٌ، وقد جهدتُ في الذَّب عنهما في "المدخل إلى الصحيح" بما رَضِيَه أهلُ الصَّنْعة، وأنا أستعينُ الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان ﵄ أو أحدهما، وهذا شرط الصحيح عند كافة فقهاء أهل الإسلام: أنَّ الزيادة في الأسانيد والمتون من الثّقات مقبولة. هكذا قال الحاكم في مقدمة كتاب "المستدرك"!! ولا يُسلَّم له أولًا ما ادعاه من كون الشيخين قد صححا ما له عِلّةٌ، بحجة أن علماء عصرهما ومن بعدهما قد بينوا علل بعض تلك الأحاديث التي صححاها، فكأن الحاكم جعل قول من نازع الشيخين في ذلك مُسلَّمًا، مع أن أكثر ذلك مما رُجح فيه قولهما، كما بين ذلك جماعة من العلماء، منهم ابن حجر في مقدمة شرحه على البخاري، والإمام النووي في شرحه على مقدمة "صحيح" مسلم. ثم إنه في كتابه "المدخل إلى الصحيح" كان ذبه عن الشيخين قاصرًا على ذكر الرواة الذين عِيبَ على الشيخين إخراجُ حديثهم، فردَّ بأنهما إنما أخرجا لهم في المتابعات والشواهد ومقرونين بآخرين وفي التعاليق، لا في الأصول، ولم يذكر فيه ذبَّه عن الأحاديث التي أعلها بعض علماء عصرهما ومن بعدهما بأي من أوجه الإعلال مما ليس للجرح فيها مدخلٌ، وقد ذهب الحاكم نفسه إلى أن الحديث إنما يُعلَّ من أوجه ليس للجَرْح فيها مدخلٌ، فما باله غيّر رأيه هنا في مقدمة "المستدرك" ليجعل الجَرحَ في الرواة من أوجه العلل؟! وكأنه تغيَّر اجتهاده في ذلك الأمر، ليدخل جَرحَ الرواة في أبواب العلل. ثم ترخَّص الحاكم أكثر بأن جعل كل ما قد يُعَلُّ به الحديث من غير جرح الرواة مما فيه تعارض بزيادة ونقصان؛ من وقفِ مرفوع أو إرسال موصول أو تفرُّدٍ

стр. 115

بزيادةٍ، أن الحُكمَ فيه للزائد ما دام ثقةً، ولذلك ختم كلامه في مقدمته تلك بقوله: شرط الصحيح عند كافة فقهاء أهل الإسلام: أنَّ الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة (١). ولهذا -مثلًا- بعد أن أسند حديث أبي أيوب عن رسول الله ﷺ : "الوتر حق"، قال: لستُ أشكُ أن الشيخين تركا هذا الحديث لتوقيف بعض أصحاب الزهري إياه، هذا مما لا يُعلّل مثل هذا الحديث، والله أعلم (٢). قال ابن حجر: وجزم ابن حبان والحاكم وغيرهما بقبول زيادة الثقة مطلقًا في سائر الأحوال، سواء اتحد المجلس أو تعدّد، سواء أكثر الساكتون أو تساووا، وهذا قول جماعة من أئمة الفقه والأصول، وجرى على هذا الشيخ محيي الدين النووي في مصنفاته، وفيه نظر كثير؛ لأنه يَرِدُ عليهم الحديثُ الذي يَتَّحِد مَخرَجُه، فيرويه جماعة من الحفّاظ الأثبات على وجه، ويرويه ثقة دونهم في الضبط والإتقان على وجه يشتمل على زيادةٍ تخالف ما رووه، إما في المتن وإما في الإسناد، فكيف تُقبَل زيادته، وقد خالفه من لا يَعْفُل مثلهم عنها لحفظهم أو لكثرتهم، ولا سيما إن كان شيخهم ممن يُجمع حديثه ويُعتنى بمروياته، كالزهري وأضرابه، بحيث يُقال: إنه لو رواها لسمعها منه حفاظ أصحابه، ولو سمعوها لرووها، ولما تَطابَقُوا على تركها (٣). وقال صدّيق حسن خان: جُلُّ ما تفرد به "المستدرك" كالموكى عليه المخفي مكانه في زمن مشايخ الشيخين، وإن اشتهر أمره من بعد أو ما اختلف المحدثون في رجاله فالشيخان كأساتذتهما، كانا يعتنيان بالبحث عن خصوص الأحاديث في الوصل والانقطاع وغير ذلك حتى يتضح الحال، والحاكم يعتمد في الأكثر [على قواعد] مخرَّجة من صنائعهم، كقوله: زيادة الثقات مقبولة، وإذا اختلف الناس في _________ (١) انظر مثال ذلك عند الحاكم في الأحاديث: (١٥٨ - ١٦٠) و (١٦١ - ١٦٢) و (٥٠٠٦). (٢) "المستدرك" (١١٤٧). (٣) "النكت على ابن الصلاح" ٢/ ٦٨٧ - ٦٨٨.

стр. 116

الوصل والإرسال والوقف والرفع وغير ذلك فالذي حفظ الزيادةَ حُجّةٌ على مَن لم يحفظ، والحق أنه كثيرًا ما يدخل الخلل في الحفاظ مِن قِبَل رفع الموقوف ووصل المنقطع، لا سيما عند رغبتهم في المتصل المرفوع وتنويههم به، فالشيخان لا يقولان بكثير مما يقوله الحاكم، والله أعلم (١). الفرع الثالث: مراد الحاكم بقوله في مقدمة "المستدرك": احتج بمثلها الشيخان: تنازع أهل العلم في فهمهم لمراد الحاكم من شرطه في "المستدرك" بإخراج أحاديث رواة قد احتج بمثلها الشيخان: أ- فذهب قوم إلى أنه قصد أعيانَ الرجال الذين خرج لهم الشيخان، وممن ذهب إلى ذلك: ١ - ابن الصلاح، حيث قال في حديثه عن "المستدرك": أودعه ما ليس في واحدٍ من "الصحيحين" مما رآه على شرط الشيخين، قد أخرجا عن رواته في كتابيهما (٢). ٢ - النووي، حيث قال: المراد بقولهم: على شرطهما في كتابيهما، أن يكون رجال إسناده في كتابيهما، لأنه ليس لهما شرط في كتابيهما ولا في غيرهما (٣). ٣ - ابن دقيق العيد، فإنه ينقل عن الحاكم تصحيحه لحديث على شرط البخاري مثلًا، ثم يعترض عليه بأن فيه فلانًا، ولم يُخرج له البخاري (٤). ٤ - الحافظ الذهبي، كما يظهر ذلك من "مختصره للمستدرك"، حيث كان يتعقب الحاكم فيما يصححه على شرط الشيخين أو أحدهما بقوله: فيه فلان، ولم يخرج له مَن صححه على شرطه. ٥ - ابن حجر العسقلاني، حيث ذكر حديثًا في "المستدرك" قال فيه الحاكم: هذا _________ (١) "الحطة في ذكر الصحاح الستة" ص ١١٧. (٢) "مقدمة ابن الصلاح" ص ٨٨. (٣) نقله عنه الزركشي في "النكت على مقدمة ابن الصلاح" ١/ ١٩٨. (٤) نقله عنه الزركشي أيضًا ١/ ١٩٨.

стр. 117

حديث صحيح الإسناد، وأبو عثمان هذا ليس هو النَّهْدي، ولو كان هو النهدي لحكمتُ بالحديث على شرط الشيخين. قال ابن حجر: فدل هذا على أنه إذا لم يخرجا لأحد رواة الحديث لا يحكم به على شرطهما، وهو عَين ما ادْعَى ابنُ دقيق العيد وغيره، وإن كان الحاكم قد يَغفُل عن هذا في بعض الأحيان، فيصحح على شرطهما بعض ما لم يخرجا لبعض رواته، فيُحمل ذلك على السهو والنسيان، ويتوجه به حينئذ عليه الاعتراض (١). ب- وقال آخرون: إنه قصد المِثْلية في الثقة وليس أعيان الرواة، ومن هؤلاء: ١ - بدر الدين الزركشي، حيث قال: ما ذكره ابن الصلاح في شرطه، قد تبعه عليه النووي وابن دقيق العيد وغيرهما، وكأنهم لم يَقِفُوا على شرط الحاكم، والذي في خطبة "المستدرك" ما نصه: وأنا أستعينُ الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما، انتهى. وعلى هذا عمل الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وكذلك فعل الحافظ الذهبي في "مختصر المستدرك"، وليس ذلك منهم بحَسَن، لما ذكرنا من كلام الحاكم في خطبته أنه لم يشترط نفس الرجال المخرج لهم في الصحيح، بل اشترط رواةً احتج بمثلهم الشيخان أو أحدهما، وإنما ينبغي منازعته في تحقيق المماثلة بين رجاله ورجال "الصحيحين". نعم، القومُ مَعذُورون؛ فإنه قال عقب أحاديث أخرجها: هي صحيح على شرط مسلم فقد احتج بفلان وفلان، يعني المذكورين في سنده، فهذا منه جنوح إلى إرادة نفس رجال الصحيح، وهو يخالف ما ذكره في مقدمة كتابه، ثم إنه خالف الاصطلاحين في أثناء كتابه، وقال لما أخرج التاريخ والسير: ولا بد لنا من نقل كلام ابن إسحاق والواقدي. _________ (١) "النكت على كتاب ابن الصلاح" ١/ ٣٢٠ - ٣٢١. وقد نقل عنه تلميذه البقاعي الرأي الآخر كما سيأتي في آخر هذا الفرع.

стр. 118

واعلم أن ما اعتمده في تخريجه أن يرى رجلًا قد وثِّق وشُهد له بالصدق والعدالة أو حديثه في الصحيح، فيجعل كل ما رواه هذا الراوي على شرط الصحيح، فإنه إنما يكون على شرط الصحيح إذا انتفت عنه العلل والشُّذوذ والنكارة، وتُوبع عليه، فأما مع وجود ذلك أو بعضه، فلا يكون صحيحًا، ولا على شرط الصحيح (١). ٢ - برهان الدين الأَبْناسِي، حيثُ قال: الحاكم لم يلتزم أنه لا يُخرج إلَّا عن رجال مسلم والبخاري، بل قال في الخطبة: أخرج أحاديث رواتها ثقات احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما (٢). ٣ - زين الدين العراقي، حيث قال: إنَّ الحاكمَ صَرَّحَ فِي خُطبة كتابه "المستدرك" بخلاف ما فهموه عنه، فقوله: بمثلها، أي: بمثل رواتها، لا بهم أنفسهم (٣). ٤ - ابن المُلقن، حيث قال في "البدر المنير": هو صريحٌ في أن مراده بقوله: على شرط الشيخين أو أحدهما: أن رجال إسناده احتجا بمثلهم، لا أن نفس رجاله احتجّا بهم (٤). ٥ - جلال الدين السيوطي، حيث قال بعد حديث خرجه الحاكم من رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب وصحح إسناده على شرط الشيخين: وهذا يدل على أن الحاكم لا يريد بكونه على شرطهما، أن يكون رجال إسناده في كتابيهما كما ذكره جماعة، لأنه لا يجهل كونَ الشيخين لم يُخرّجا للمُطلب، فدلّ على أن مراده أن يكون راويه في كتابيهما أو في طبقة من أخرجا له (٥). قلنا: وقد ظهر لنا من خلال عملنا في الكتاب أن الحاكم تارة يطلق الصحة على _________ (١) "النكت على مقدمة ابن الصلاح" ١/ ١٩٧ - ١٩٩. (٢) "الشذا الفيّاح من علوم ابن الصلاح" ١/ ٨٨. (٣) "شرح التبصرة والتذكرة" ١/ ١٢٩. (٤) "البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير" ١/ ٣١٢. (٥) "حاشية السيوطي على سنن النسائي" ٥/ ١٨٨.

стр. 119

شرط الشيخين أو أحدهما مع وجود نفس رجالهما حقيقةً، وتارةً أخرى يطلق الصحة على شرط الشيخين أو أحدهما مع وجود غير رجالهما، فلا يتوجه الاعتراض عليه فيما ذكره الزركشي، من كونه يقول عقب أحاديث أخرجها: صحيح على شرط مسلم فقد احتج بفلان وفلان؛ يعني المذكورين في سنده، ولا الاعتراض عليه في قوله في المثال الذي ذكره ابن حجر بأنه لو كان أبو عثمان الذي في إسناد الحديث المذكور هو النَّهدي لحكمتُ به على شرط الشيخين، وأن هذا جُنوحٌ منه إلى إرادة نفس رجال الصحيح، وليس ذلك بمعارِض لما قدَّمه الحاكم في المقدمة، لأن عبارة الحاكم يجوز أن تَشمَل رجال الصحيحين أنفسهم ومَن كان مِثلَهم في الثقة، ونحن وجدناه أطلق شرط الشيخين على أحاديث لرجالهما وعلى أخرى فيها غيرُ رجالهما، وهذا يدل على أنه أراد الأمرين كليهما، ولذلك فإننا نرى وجاهة ما نقله السخاوي عما أفاده شيخه ابن حجر العسقلاني - وكأنّ هذا هو ما انتهى إليه ابن حجر أخيرًا - من أن المثلية أعم من أن تكون في الأعيان أو الأوصاف، لا انحصار لها في الأوصاف، لكنها في أحدهما حقيقةً، وفي الآخر مجازٌ، فاستعمَل المَجازَ حيث قال عقب ما يكون عن نفس رواتهما: على شرطهما، والحقيقة حيث قال ذلك عقب ما هو عن أمثال رواتهما (١). وكذلك قال ابن حجر أيضًا فيما نقله عنه تلميذه برهان الدين البقاعي: إن مراده بالمثل في قوله: خَرَّج لمثلها الشيخان، أعمُّ من العين والشَّبَه، وصنيعه يوضّح ذلك؛ فإنه إذا روى حديثًا بإسناد خرّج لرواته البخاري، قال: صحيح على شرط البخاري، ولو كان مراده بالمثل معناه الحقيقي، لَزِمه في كلِّ إسنادٍ جمع شرط البخاري أن يقول: إنه على شرطهما؛ لأن شرطه أصعب من شرط مسلم (٢). _________ (١) "فتح المغيث بشرح ألفية الحديث" ١/ ٧٠. (٢) "النكت الوفية بما في شرح الألفية" ١/ ١٤٢.

стр. 120

الفرع الرابع: توسع الحاكم في شرط الشيخين، بتصحيحه أحاديث رواة ذكرهم الشيخان في المتابعات والشواهد ومقرونين وفي التعاليق؛ فإنه يرى أن ذلك من شرطهما: فعند تصحيحه الحديث على شرط الشيخين أو أحدهما ويكون رجال إسناده من رجالهما حقيقةً، فإنه لا يتقيّد بما إذا خرجا لأولئك الرجال احتجاجًا أو في المتابعات والشواهد، أو مقرونين أو في التعاليق، مع ضبطه لذلك ومعرفته، فإن للحاكم عنايةً خاصةً بـ "الصحيحين"، فقد قال وهو يتحدث عن "صحيح البخاري": جمعتُ هذا الكتاب أربع مرات، صنفته أولًا على الرجال من الصحابة، ثم نقلتُ الرقاع، ثم هذبتُه على الرجال، ثم رتبته وأمليته (١). ثم إن له عنايةً ببيان مَن خَرّج له الشيخان احتجاجًا ومن خرجا له في المتابعات والشواهد وغير ذلك، كما بيّن ذلك في "المدخل إلى الصحيح"، حيث عقد بابًا في ذكر مشايخ روى لهم البخاري في المتابعات والشواهد وعقد بابًا آخر في الرواة الذين عيب على مسلم إخراج أحاديثهم والإجابة عنه، مبينًا أن أكثرهم ممن أخرج لهم مسلم استشهادًا أو متابعةً لا في الأصول (٢)، فهذا يدلّ على أن الحاكم على دراية تامة بما يقوله، والصحيح أن يقال: إنه ذهب في شرط الشيخين إلى ما هو أوسع وأبعد مما قيَّده به كثيرون ممن جاؤوا بعده. وهذا ما ظهر لنا من خلال عملنا في هذا الكتاب واستقرائنا لأحكامه على الأحاديث بالصحة على شرط الشيخين أو أحدهما؛ حيث يُدخِلُ في شرط الشيخين كلَّ راوِ رويا له في كتابيهما، بغضّ النظر عن هيئة روايات أولئك الرواة، من حيث صيغ تحملهم وأدائهم، وبغضّ النَّظَر كذلك عمّن رويا له في المتابعات والشواهد منهم، ومما يدل على صحة ذلك قوله - مثلًا - بإثر عدد من الأحاديث التي يرويها من طريق _________ (١) "مقدمة كتابه فضائل فاطمة الزهراء" ص ٣١. (٢) "المدخل إلى الصحيح" ٤/ ١٩ و ٩٥.

стр. 121

الحسين بن واقد: صحيح على شرط الشيخين (١)، وربما اقتصر على ذكر شرط مسلم فقط (٢)، مع أن البخاري إنما خَرج للحسين بن واقد تعليقًا، ومسلم إنما خرج له حديثًا في المتابعات والشواهد. وكذلك قال في حديث يرويه عن عبد الله بن عمر العُمري عن أخيه عُبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فإنهما قد احتجا بعبد الله بن عمر العُمري في الشواهد (٣). وقوله أيضًا في حديث البسملة في أول التشهد، وأسنده الحاكم بإسنادين عن أيمن بن نابل عن أبي الزبير عن جابر، فقال عنه: صحيح على شرط البخاري (٤). كذا قال، مع أن البخاري روى لأبي الزبير مقرونًا بغيره، كما بين ذلك الحاكم نفسه في "المدخل إلى الصحيح" (٥). وقوله أيضًا بإثر حديث من رواية الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين (٦). كذا قال، مع أنه ذكر أبا سفيان طلحة بن نافع في كتاب "المدخل إلى الصحيح" في باب من روى لهم البخاري في المتابعات والشواهد (٧). ومن ذلك قوله بإثر حديث رابعٍ: هو صحيح على شرط مسلم بن الحجاج، فقد _________ (١) "المستدرك" (٤٢٠) و (٩٢٠) و (١١٩٣). (٢) "المستدرك" (١٠٧١) و (٢٢١٣) و (٢٤٠١). (٣) "المستدرك" (٤٣٧٩). كذا قال بأنهما احتجا بعبد الله بن عمر العمري في الشواهد، مع أن البخاري لم يذكر لعبد الله بن عمر العمري شيئًا، وعلى كلّ فالمثال يدل على منهج الحاكم في أن من خرّج له الشيخان في الشواهد يدخل في شرطهما عنده. (٤) "المستدرك" بين يدي الحديث (٩٩٦). (٥) "المدخل إلى الصحيح" ٤/ ٣٨. (٦) "المستدرك" (١٧٩٧). (٧) "المدخل إلى الصحيح" ٤/ ٢٨.

стр. 122

استشهد بأحاديثَ للقعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة، ومحمد بن عمرو، وقد احتج بمحمد بن عجلان (١). وقوله بإثر حديثٍ خامسٍ: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد استَشهَدَ بقرة بن عبد الرحمن في موضعين من كتابه (٢). وإنما فعل الحاكم ذلك - فيما يغلب على ظننا - لأنه كان يذهب إلى أن جميع أولئك الرواة ثقات ما دام الشيخان قد أوردا رواياتهم في "الصحيحين"، سواء في الأصول أو في المتابعات أو في الشواهد، بغض النظر عن مرتبتهم في الثقة، ولذلك نجده يقول في "المدخل إلى كتاب الإكليل" بعد أن ذكر أقسام الحديث الصحيح المتفق عليها والمختلف فيها: فليعلم طالبُ هذا العلم أن أكثر الرواة للأخبار ثقات، وأن الدرجة الأولى منهم محتجٌّ بهم في الكتابين الصحيحين للوجوه التي قدمنا ذكرها، لا لجرح فيهم (٣). فكأنَّ الحاكم يرى أنه ليس بالضرورة أن يكون أولئك الرجال ضعفاء في نقد الشيخين، ومما يمكن أن يُحتج به للحاكم في هذا المذهب: أنه قد ثبت عن البخاري تحسينه الرأي في بعض الرواة، ومع ذلك فلم يخرج لهم في "الصحيح" إلا متابعةً أو استشهادًا، ومن ذلك قوله - مثلًا، فيما نقله عنه الترمذي - في الوليد بن رباح المدني: حسن الحديث، ومع ذلك لم يخرج له في "الصحيح"، إلا استشهادًا، وقوله أيضًا في عبد الله بن عبد القدوس التميمي: صدوق، ومع ذلك لم يرو له في "الصحيح" إلا تعليقًا. ومن جهة أخرى فإن الشيخين قد احتجا بمن هم دون هؤلاء في الثقة، ممن حسّنا الرأي فيهم، وخالفهم الجمهور، كحال عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار _________ (١) "المستدرك" (٢). (٢) "المستدرك" (٩٣٨). (٣) "المدخل إلى كتاب الإكليل" ٤/ ١٩.

стр. 123

المدني وفُليح بن سليمان اللذين احتج بهما البخاري، وكإسماعيل بن أبي أويس الذي احتج به الشيخان البخاري ومسلم، فقد رويا لمثل هؤلاء احتجاجًا وليس متابعةً ولا استشهادًا، لأنهما حسّنا الرأي فيهم، وربما رويا لبعضهم احتجاجًا أحيانًا، وفي المتابعات والشواهد أحيانًا أخرى، فكأنَّ الحاكم لما رأى ذلك أدخل الفريق الأول الذين روى لهم الشيخان في المتابعات الشواهد في شرط الصحيح، ولم يَرَ إخراجهم من شرط الصحيح لمجرّد أنهما لم يخرجا لهم إلَّا في المتابعات والشواهد لأسباب رآها الشيخان، لا لجرح فيهم. وكأنَّ الحاكم يرى أيضًا أنه لو فُرِض أن الشيخين لم يخرجا لبعض الرواة احتجاجًا، وإنما أخرجا لهم في المتابعات والشواهد والتعاليق لكونهم ضعفاء عندهما، فلا يلزم منه أن يكون إخراج أحاديثهم تلك ليس على شرطهما، فلربما كانا يريان ضعف بعض الرواة ممن أخرجا لهم في المتابعات والشواهد، ولكنهم إذا ما توبعوا أو جاء ما يشهد لرواياتهم ارتقت رواياتهم إلى درجة القبول والصحة، فالشيخان إنما انتقيا لأولئك الرواة من رواياتهم ما ثبت لديهما صحتها بقرائن نقدية معينة، ومن ذلك: متابعة غيرهم لهم، أو وجود شواهد لرواياتهم، ومن ذلك أيضًا صحة رواية بعض الرواة عن شيوخ بأعيانهم مع ضعفهم في غيرهم، إلى غير ذلك من القرائن المعتبرة، فيذهب الحاكم إلى أن إخراج حديث مثل هؤلاء على هذه الصفة، لا بد أن يكون على شرطهما أيضًا؛ يعني بالانتقاء لهم بالقرائن، فكأنَّ الحاكم لما خرّج لمثل هؤلاء مصححًا لأحاديثهم على شرط الشيخين أو أحدهما، يرى أنه مشى على شرطهما في الانتقاء بالقرائن الدالة على صحة رواياتهم تلك. فمن هاهنا كان شرط الشيخين عند الحاكم أوسع مما حدده كثيرون (١)، والله تعالى أعلم. _________ (١) بعد كتابتنا لهذه السطور وقفنا على كلام جيد للشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني ﵀ في "التنكيل" ٢/ ٦٩١ - ٦٩٢ بنحو بعض هذا الذي قلناه من سبب توسع الحاكم في شرط الشيخين، وهو كلام مفيدٌ؛ فيُرجع إليه.

стр. 124

الفرع الخامس: اعتماد الحاكم لتفسير الصحابي، وعده إياه في حكم المرفوع: فقد ذكر في بداية كتاب التفسير من "مستدركه" ما نَصَّه: تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديثٌ مسنَدٌ (١). كذا قدم بهذه المقدمة ليبين أن منهج الشيخين البخاري ومسلم هو اعتماد تفسير الصحابي، وعدهما له حديثًا مسندًا، وأنه لا يخالف الشيخين في ذلك، فمهما أورد من تفسيرات للصحابة في هذا الكتاب فإنه جارٍ في ذلك على طريقتهما، وأن استدراكه فيه عليهما استدراكٌ صحيحٌ. وكذلك الحال عنده في تفسير الصحابي لمعنى ذكره النبيُّ ﷺ ، يَعُدُّه من قبيل المرفوع، كما في تفسير عائشة ﵂ لمعنى التميمة بقولها: ليست التميمة ما تُعلَّق به بعد البلاء، إنما التميمة ما تُعلَّق به قبل البلاء. فقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ولعل متوهّمًا يتوهم أنها من الموقوفات على عائشة ﵂، وليس كذلك؛ فإن رسول الله ﷺ قد ذكر التمائم في أخبار كثيرة، فإذا فَسّرت عائشة ﵂ التميمة فإنه حديثٌ مسندٌ (٢). لكن تعقبه الزركشي بقوله: والتحقيق أن يقال: إن كان ذلك التفسير مما لا مجال للاجتهاد فيه، فهو في حكم المرفوع، وإن كان يمكن أن يَدخُلَه الاجتهاد، فلا يُحكم عليه بالرفع (٣). ومن منهج الحاكم كذلك أنه يعتمد أقوال الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، ويَعُدُّه حُجةً، ولهذا لما أورد حديث عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: إذا لَهَوتُم فالْهُوا بالرمي، وإذا تحدثتُم فتَحدّثوا بالفرائض. قال الحاكم: هذا وإن كان موقوفًا فإنه صحيح الإسناد، ويؤيده قوله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" (٤). _________ (١) "المستدرك" (٣٠٥٨). (٢) "المستدرك" (٧٦٩٧). (٣) "النكت على مقدمة ابن الصلاح" ١/ ٤٣٤ - ٤٣٥. (٤) "المستدرك" (٨١٥١). =

стр. 125

وإذا ما أورد شيئًا من هذه الموقوفات عن الصحابة، فإنه يشترط فيها مثل ما يشترط في المرفوعات من صحة الإسناد، ولهذا وجدناه يقول بعد ذكره عدة آثارٍ موقوفةٍ في مناقب علي بن أبي طالب ﵁: هذه أحاديث صحيحة الأسانيد وليست بمسنَدَةٍ، فكنت أحكُمُ عليها على ما جرى به الرَّسم (١). الفرع السادس: اعتماد الحاكم لقول الصحابي في أمرٍ ما: إنه سُنّة، وعدُّه إياه من قبيل المرفوع: وهذا مما نص عليه في كتابه "المستدرك" أيضًا، حيث روى عن ابن عباس أنه صلى على جنازة فجهر بالحمد الله، ثم قال: إنما جهرتُ لِتَعلَمُوا أنها سُنّةٌ. ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وقد أجمعوا على أن قول الصحابي: سُنّة، حديث مسندٌ (٢). وهو موافق لما قرَّره قبل ذلك في كتابه "معرفة علوم الحديث" حيث قال: قول الصحابي المعروف بالصحبة: أمرنا أن نفعل كذا، ونُهينا عن كذا وكذا، كنا نُؤْمَر بكذا، وكنا نُنهى عن كذا، وكنا نفعل كذا، وكنا نقول ورسول الله ﷺ فينا، وكنا لا نرى بأسًا بكذا، وكان يُقال كذا وكذا، وقول الصحابي: من السنة كذا، وأشباه ما ذكرناه، وإذا قاله الصحابي المعروف بالصحبة فهو حديثٌ مسندٌ (٣). الفرع السابع: زيادة في شرط الشيخين، وهي كون إسناد الحديث الذي احتجا برواته على صورة الاجتماع، لا على الانفراد: وهناك زيادةٌ في شرط الشيخين نبه عليها ابن حجر فيما تقدّم من قوله، وهو أن _________ =وهذا الحديث الذي احتج به الحاكم قد خَرّجه بالأرقام (٤٥٠٠ - ٤٥٠٤) من حديث حذيفة، وبرقم (٤٥٠٥) من حديث ابن مسعود ﵄. (١) قاله في "المستدرك" بإثر (٤٧٥٥). (٢) "المستدرك" (١٣٣٩). (٣) "معرفة علوم الحديث" ص ٢٢.

стр. 126

يكون إسنادُ الحديث الذي يُخرِّجه مُحتجًّا برواته في "الصحيحين" أو أحدهما، على صورة الاجتماع لا على صورة الانفراد، وهذا ما أشار إليه ابن الصلاح بقوله: مَن حَكَم لشخص بمجرّد رواية مسلم عنه في "صحيحه" بأنه من شرط الصحيح، فقد غَفَل وأخطأ، بل ذلك متوقفٌ على النظر في كيفية رواية مسلم عنه، وعلى أي وجه اعتمد عليه. قلنا: وكذلك البخاري، بل هو أولى لأن شرطه أقوى من شرط مسلم، وإنما اشترطوا هذا الشرط لئلا يُقدَم على التصحيح على شرط الشيخين لرواية راو قد ضُعف في شيخ بعينه، لاعتبارات معيَّنة يذكرها نُقاد الحديث، كأن يكون ذلك الراوي غير ضابط لمروياته عن ذلك الشيخ بعينه، رغم ثقة الرجلين، كما قيل في رواية هشيم بن بشير وسفيان بن حسين وجعفر بن بُرقان في روايتهم عن الزهري مع ثقة الأربعة، وكرواية معمر بن راشد عن ثابت البناني، وكلاهما ثقة. وقد عقد ابن رجب الحنبلي بابًا في "شرحه على علل الترمذي" ذكر فيه ما وقف عليه من أولئك الرواة الذين ضُعفوا في شيوخ بأعيانهم. ولا نظنُّ الحاكم كان على غَفْلة مما قيل في شأن أولئك الرواة الذين ضعفت رواياتهم في شيوخ بأعيانهم، ونحن في حكمنا على تلك الأحاديث مشينا فيها على المنهج الذي يرتضيه أهل الحديث في تصحيح حديث من تُكلّم في روايته عن شيخ معيَّن إذا ظهر لنا أنه قد أصاب في ذلك الحديث من خلال المتابعات والشواهد، لأننا نظن أن مثل تلك الأحوال ليست بمطَّرِدة في حق أولئك الرواة، فبالرغم مما قيل - مثلًا - في روايات داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس، فقد صحح الإمام أحمد حديثه في ردّ زينب بنت رسول الله ﷺ على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول، وضعف حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في أنها رُدّت عليه بمهر جديد ونكاح جديد (١)، وكذلك فعل الإمام البخاري أيضًا، حيث قدَّم حديث _________ (١) "مسند أحمد" ١١/ (٦٩٣٨).

стр. 127

داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس، علي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (١). الفرع الثامن: رواياتُ المدلِّسين في نظر الحاكم: أما في شأن روايات المدلسين، فيذهب الحاكم فيما ظهر لنا جليًا في عملنا إلى تصحيح ما لم يصرحوا فيه بالسماع، وذلك أنه ذكر قَبْلًا في "المدخل إلى كتاب الإكليل" في القسم الثاني من الصحيح المختلف فيه: روايات المدلسين إذا لم يذكروا أسماعهم في الرواية، فإنها صحيحة عند جماعة من ذكرناهم من أئمة أهل الكوفة، غير صحيحة عند جماعة من قدمنا ذكرهم من أئمة أهل المدينة (٢). قلنا: ولم نجد الحاكم يُعِلُّ الحديث في كتاب "المستدرك" بمثل ذلك، فهو سائر فيه على مذهب الفريق الأول الذي ذكره في "المدخل" القائلين بتصحيح روايات المدلسين وإن لم يصرحوا فيها بالسماع. على أننا في مثل تلك الأحاديث مشينا في الحكم عليها على وفق المنهج المرتضى لدى أهل الحديث بأنه إذا ما وقع تصريح المدلِّس -المشهور بذلك- بسماعه من بعض الطرق الصحيحة، فنصحح روايته المعنعنة، وإلا فلا نحكم بصحة الإسناد، إلَّا إذا وجدنا ذلك المدلّس قد تابعه غيره، أو ورد ما يشهد لروايته، فنصحح إسناد حديثه حينئذ، لأننا نظن بأن العنعنة تُغتفر في مثل تلك الحال، وعلى هذا وجدنا الحاكم قد أصاب في تصحيح كثير من تلك الأحاديث، والله تعالى أعلم. الفرع التاسع: إعلال الحاكم الحديث بالإرسال: المرسَلُ: هو الخبر الذي يضيفه التابعي أو من دونه إلى النبي ﷺ مباشرةً دون ذكر الصحابي، ويلحقه كل خبر يحكي فيه التابعي قصة لصحابي لم يدركه، فهذا _________ (١) نقله عنه الترمذي في "علله الكبير" (٢٨٩). (٢) "المدخل إلى كتاب الإكليل" ص ٤٥.

стр. 128

مما يُعِلَّه الحاكم، ولا يعده من شرط كتابه هذا وقد نصَّ الحاكم على عدم الاحتجاج به في "معرفة علوم الحديث" في النوع الثامن من أنواع علوم الحديث، حيث ردَّ على من احتج بهذه المراسيل مُطلَقًا، مُستدلًا بالكتاب والسُّنّة، ثم قال: العلمُ المُحتجّ به هو المسموع غيرُ المُرسَل (١). على أن الحاكم قد يذكره في "المستدرك" تَرخُصًا لسبب معين، ومن أمثلة ذلك: أ- ما نبه عليه لدى تخريجه لمرسَل الحسن البصري، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مات العبد تلقى روحه أرواحُ المؤمنين، فتقول له: ما فعل فلان؟ فإذا قال: مات، قالوا: ذهب به إلى أُمّه الهاوية، فبئست الأم وبئست المُربّية". حيث قال الحاكم: لم أجد لهذه السورة تفسيرًا على شرط الكتاب فأخرجتُه؛ إذ لم أستجِزْ إخلاءه من حديث (٢). ب -ولما ذكر مُرسل الحسن البصري، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أصحابي أحدٌ إلا ولو شئتُ لأخذتُ عليه في بعض خُلُقه، غير أبي عبيدة بن الجراح"، لم يصححه الحاكم، وإنما قال: هذا مرسل، غريب، ورواته ثقاتٌ (٣). فلم يحكم بصحته، وإنما اكتفى بالحكم بثقة رجاله، والحاكم يترخص في التفسير والمناقب ما لا يترخص في غير ذلك من الأبواب كما سيأتي بيانه مفصلًا. لكن إذا كان الإرسال برواية تابعيٍّ عن صحابيٍّ لم يدركه أو لم يسمع منه، فإن الحاكم يشترط صحة إسناده إلى ذلك التابعي، وينبه على إرساله؛ بأن ذلك التابعي لم يسمع أو لم يدرك ذلك الصحابي، ومن ذلك: أ- أنه خرّج رواية الحسن البصري عن عقبة بن عامر: أنَّ رسول الله ﷺ قال في _________ (١) "معرفة علوم الحديث" ص ٢٧. (٢) "المستدرك" (٤٠١٢). (٣) "المستدرك" (٥٢٣٨).

стр. 129

عُهدة الرقيق: "ثلاثُ لَيالٍ"، وذكره أيضًا بلفظ: "لا عُهدة فوق أربع". ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، غير أنه على الإرسال، فإنَّ الحسن لم يسمع من عقبة بن عامر (١). ب -ولما خرّج رواية الحسن البصري عن عثمان بن أبي العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وقت للنساء في نفاسهن أربعين يومًا". قال الحاكم: هذه سُنّة عَزيزة، فإن سَلِم هذا الإسنادُ من أبي بلال، فإنه مرسلٌ صحيح، فإن الحسن لم يسمع من عثمان بن أبي العاص (٢). ج - ولما خرج كذلك رواية مجاهد عن علي بن أبي طالب: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ قال: هي الزكاة المفروضة يراؤون بصلاتهم ويمنعون زكاتهم. قال الحاكم: هذا إسناد صحيحٌ مرسلٌ، فإن مجاهدًا لم يسمع من عليٍّ (٣). د- وما قاله في خبر أبي عمران الجوني، قال: مرَّ عمر بن الخطاب بدير راهب، فناداه: يا راهب يا راهب، قال: فأشرف عليه، فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، قال: فقيل له: يا أمير المؤمنين ما يُبكيك من هذا؟ قال: ذكرتُ قول الله في كتابه: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾، فذلك الذي أبكاني. حيث قال الحاكم: هذه حكاية في وقتها، فإن أبا عمران الجوني لم يدرك زمان عمر (٤). هـ- ولما خَرّج حديث جرير بن عبد الحميد عن منصور عن هلال بن يسافٍ، قال: كنا مع سالم بن عُبيد في سفر، فعَطَس رجلٌ من القوم، فقال: السلام عليكم، فقال سالم: السلام عليك وعلى أمّك، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا عَطَس أحدكم فليحمد الله، وليقُل مَن عندَه: يرحمك الله، وليَرُدَّ عليهم: يَغْفِرُ الله لنا _________ (١) "المستدرك" (٢٢٢٩ - ٢٢٣١). (٢) "المستدرك" (٦٣٤). (٣) "المستدرك" (٤٠٢١). (٤) "المستدرك" (٣٩٦٩).

стр. 130

ولكم". قال الحاكم: الوهم في رواية جريرٍ هذه ظاهرٌ؛ فإن هلال بن يساف لم يدرك سالم بن عُبيد ولم يَرَه (١). لكنه يستثني مراسيل سعيد بن المسيب، فيذهب إلى تصحيحها، دون النص على إرسالها، لجلالة سعيد، ولذلك لما خَرّج رواية سعيد بن المسيب، قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري: إذا لَهَوتُم فالْهُوا بالرّمي، وإذا تحدّثتُم فتحدّثُوا بالفرائض. قال الحاكم: هذا وإن كان موقوفًا فإنه صحيح الإسناد (٢). وهذا بناءً على ما قرّره في "معرفة علوم الحديث" لدى حديثه عن المراسيل، حيث ذكر مراسيل جماعة من التابعين، ثم قال: وأصحها مراسيل سعيد بن المسيب، والدليل عليه أن سعيدًا من أولاد الصحابة، فإن أباه المسيب بن حَزْن من أصحاب الشجرة وبَيْعة الرّضوان، وقد أدرك عمر وعثمان وعليًا وطلحة والزبير إلى آخر العشرة (٣)، وليس في جماعة التابعين من أدركهم وسمع منهم غير سعيد وقيس بن أبي حازم، ثم مع هذا فإنه فقيه أهل الحجاز ومفتيهم، وأول فقهاء السبعة الذين يَعُدُّ مالك بن أنس إجماعهم إجماع كافة الناس (٤). ويلحقُ المرسلَ عند الحاكم المنقطعُ، فيُعِلُّه ولا يَعُدُّه صحيحًا، بل هو أَولَى بالإعلال، فعندما أورد خبر عُمارة بن غَزِيّة: أن أبا أيوب الأزدي مرّ على معاوية … قال الحاكم: هذا حديث مرسل، فإن بين عُمارة بن غزيّة وبين أبي أيوب ومعاوية مَفازة (٥). _________ (١) "المستدرك" (٧٨٩١). (٢) "المستدرك" (٨١٥١). (٣) قال النووي في "التقريب والتيسير" ص ٩٤: غلط الحاكم في ابن المسيب، فإنه ولد في خلافة عمر، ولم يسمع أكثر العشرة. (٤) "معرفة علوم الحديث" ص ٢٥ - ٢٦. (٥) "المستدرك" (٦٠٦٣).

стр. 131

الفرع العاشر: خروج الحاكم عن شرطه في "المستدرك" أحيانًا، مع بيانه الأسباب في كل ذلك: ولا بد لنا في هذا المجال أن ننبه إلى أمرٍ غاية في الأهمية مما يتعلق بالتزام الحاكم بشرطه في كتابه، وهو أنه كان يخرج عن شرطه في الكتاب أحيانًا، غير أنه كان ينبه إلى سبب ذلك ولا يُهمله، ليبيّن لمن قد يعترض عليه بأنه ليس على غفلة وذهول من ذلك، ومن الأمثلة التي وقفنا عليها: ١ - ترخصه في قسم التاريخ وسير الصحابة ومناقبهم بنزوله فيه إلى أخبار الواقدي ونظرائه، كما صرّح الحاكم نفسه بذلك في بداية كتاب معرفة الصحابة، فقال: أما الشيخان فإنهما لم يزيدا على المناقب، وقد بدأنا في أول ذكر الصحابي بمعرفة نسبه ووفاته، ثم بما يصحُّ على شرطهما من مناقبه مما لم يخرجاه، فلم أستغن عن ذكر محمد بن عمر الواقدي وأقرانه في المعرفة (١). ولكن إيراده لأخبار الواقدي في هذا الباب لا يغضُ من شأنه بحال، لأن معنى كلامه الذي ذكرناه عنه أنه يُسند عن الواقدي من أقواله ما يتعلق بتراجم الصحابة وأنسابهم ووفياتهم، وليس في الروايات المرفوعة في ذكر مناقبهم، التي اشترط هو نفسه فيها صحة الإسناد على شرط الشيخين، ولهذا نجده لا يَعُدُّ الواقدي من شرط كتاب "المستدرك"، كما صرّح به في قوله بين يدي حديثٍ يرويه من طريقه ذَكَرَه شاهدًا: وله شاهد آخر من حديث الواقدي، وليس من شرط هذا الكتاب (٢). قلنا: وإذا كان النقل عن الواقدي دائرًا بين تراجم الصحابة وأنسابهم وتواريخ وَفَيَاتهم، فالواقدي في تلك الأمور إمام جليل القدر؛ لا يُنكر معرفته وتقدمه في هذا الميدان أحدٌ من ذوي النَّصَفة. على أنه في الرواية كذلك ليس متهمًا بوضع أو كذب، إلا أنه لا يحتج به فيما _________ (١) "المستدرك" بين يدي الخبر (٤٤٥١). (٢) "المستدرك" (٦٩٥).

стр. 132

ينفرد به من الحديث، وأعدل الأقوال فيه ما قاله الذهبي بعد عرضه لأقوال الموثقين له والقادحين فيه: إنه يُحتاج إليه في الغزوات والتاريخ، قال: ووزنه عندي أنه مع ضعفه يُكتب حديثه ويُروى، لأني لا أتهمه بالوضع، وقولُ من أَهدَرَه فيه مجازفة من بعض الوجوه (١). وقال الذهبي فيه أيضًا: جَمَعَ فأوعى، وخَلَط الغَثَّ بِالسَّمِين، والخَرَز بالثّمين، فاطرحوه لذلك، ومع هذا فلا يُستغنى عنه في المغازي وأيام الصحابة وأخبارهم (٢). كما ترخص الحاكم في هذا القسم بذكر عدة روايات بإسناد فيه رجال من الأعراب لا يُعرفون بجرح ولا تعديل، وهذا الإسناد هو أبو الشكين زكريا بن يحيى الطائي، حدثنا عمُّ أبي زَحْرُ بن حِصْن، قال: حدثني جدّي حُميد بن مُنهِب. وقال الحاكم بإثر أحد رواياته مبينًا سبب إيراده هذا الإسناد مع إقراره بتفرد رواته بما فيه: هذا حديث تفرد به رواتُه الأعراب عن آبائهم، وأمثالهم من الرواة لا يُضعفون (٣). ٢ - تَرخُصه في الشواهد ما لا يترخص في غيرها، ومن ذلك: أ- أورد خبرًا فيه عمرو بن ثابت بن أبي المقدام، قال الحاكم فيه: عمرو بن ثابت هذا هو ابن أبي المقدام الكوفي، وليس من شرط الشيخين، وإنما ذكرته شاهدًا، ورواية عبد الله بن المبارك عنه حتى حتّني على إخراجه، فإني قد عَلَوتُ فيه من وجه لا يُعتمد، حدثنا علي بن حمشاذ العدل، ثنا محمد بن غالب، ثنا عبد الصمد بن النعمان، ثنا عمرو بن ثابت، فذكره بنحوه. وعبد الصمد بن نعمان ليس من شرط هذا الكتاب (٤). ب - وأخرج خبرًا آخر فيه عمرو بن الحصين ومحمد بن علاثة، فقال: ليسا من _________ (١) "سير أعلام النبلاء" ٩/ ٤٦٩. (٢) المصدر السابق ٩/ ٤٥٤ - ٤٥٥. (٣) "المستدرك" (٥٥٠٤). (٤) "المستدرك" (٣٠٨ - ٣٠٩).

стр. 133

شرط الشيخين، وإنما ذكرتُ هذا الحديث شاهدًا مُتعجبًا (١). ج- وقال في خبر ثالث: هذا حديث مُفسِّرٌ، وإنما ذكرته شاهدًا؛ لأن سليمان بن أرقم ليس من شرط هذا الكتاب، وقد اشترطنا إخراج مثله في الشواهد (٢). وقوله: اشترطنا، أي: تَرخَّصْنا. د - وكذلك قال في خبر رابع: لستُ ممن يخفى عليه أن الفُرات بن السائب ليس من شرط هذا الكتاب، وإنما أخرجته شاهدًا (٣). ٣ - ترخُّصه في أخبار الترهيب من فعل معيَّن، كما فعل بعد إيراده عدة أخبار في التحذير من الاحتكار ورفع السعر على الناس، ثم قال بإثرها: هذه الأحاديث الستة طلبتها وخرّجتها في موضعها من هذا الكتاب؛ احتسابًا لما فيه الناسُ من الضّيق، والله يَكشِفُها، وإن لم تكن من شرط هذا الكتاب (٤). ٤ - ترخصه بذكر الخبر المُخرّج في "الصحيحين"، مع اعترافه أنه فيهما، وليس من شرطه تخريج ما خرّجاه، لكنه خرّجه ليبيّن أنَّ عنده في الباب زيادةً على ما عندهما، أو للتنبيه على أمر يريده من لفظ ذلك الحديث، أو لأنه لم يجد في الباب غيره وهو محتاجٌ إليه، ومن ذلك: أ- تخريجه لحديث الوليد بن مسلم عن شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسمًا مئة إلا واحدة، من أحصاها دخل الجنة، إنه وتر يحب الوتر، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القُدُّوس السلام المؤمن المهيمن … " الحديث بطوله في سرد الأسماء الحسنى. قال الحاكم: هذا حديث قد خرَّجاه في "الصحيحين" بأسانيدَ _________ (١) "المستدرك" (٦٣٥). (٢) "المستدرك" (٦٤٦). (٣) "المستدرك" (١٤٤٠). (٤) "المستدرك" (٢١٩٨).

стр. 134

صحيحة دون ذكر الأسامي فيه، والعِلَّة فيه عندهما أنَّ الوليد بن مسلم تفرد بسياقتِه بطوله وذِكْر الأسامي فيه ولم يذكرها غيره، وليس هذا بعِلَّة، فإني لا أعلمُ اختلافًا بين أئمة الحديث أنَّ الوليد بن مسلم أوثق وأحفظ وأعلم وأجل من أبي اليَمَان وبِشر بن شعيب وعلي بن عياش وأقرانهم من أصحاب شُعيب (١). ب- تخريجه حديث حذيفة بن اليمان، يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني .... وفيه قول حذيفة للنبي ﷺ : فما تأمرني إن أدركتُ ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم". قال الحاكم: هذا حديث مخرّج في "الصحيحين" هكذا، وقد خرَّجاه أيضًا مختصرًا من حديث الزهري عن أبي إدريس الخولاني، وإنما خرجته في كتاب العلم لأني لم أجد للشيخين حديثًا يدل على أنَّ الإجماع حجة غير هذا، وقد خرجتُ في هذه المواضع من أحاديث هذا الباب ما لم يخرجاه (٢). ج- وتخريجه حديث عبد الرحمن بن قُرْط، قال: دخلت المسجد فإذا حَلْقةٌ كأنما قُطعت رؤوسهم، وإذا رجلٌ يحدثهم، فإذا هو حذيفة، قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، وذكر الحديث بطوله. قال الحاكم: متن هذا الحديث مخرَّج في الكتابين، وإنما خرَّجتُه في هذا الموضع للإصغاء إلى المحدّث وكيفية التوقير له، فإنَّ هذه اللفظة لم يخرجاها في الكتابين (٣). د- تخريجه لحديث كعب بن عُجْرة قال: سألنا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإنَّ الله قد علَّمنا كيف نسلّم عليكم؟ قال: "قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد" … الحديث. قال الحاكم: وقد روى هذا _________ (١) "المستدرك" (٤١). (٢) "المستدرك" (٣٩١). (٣) "المستدرك" (٤٢٢).

стр. 135

الحديثَ بإسناده وألفاظه حَرْفًا بعد حَرْف الإمام محمد بن إسماعيل البخاري عن موسى بن إسماعيل في "الجامع الصحيح"، وإنما خرجتُه ليَعلَم المستفيدُ أنَّ أهلَ البيت والآل جميعًا هُم (١). هـ - تخريجه لحديث أبي سلمة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أصابت أحدَكُم مصيبةٌ فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي". قال الحاكم: حديث مخرّج في "الصحيحين"، وإنما خرجته لأني لم أجد لأبي سلمة عن رسول الله ﷺ حديثًا مسندًا غير هذا (٢). ٥ - ترخصه بذكر تفسير آية أو خبرٍ من مناقب الصحابة عن التابعي من قوله، أو من مُرسَله عن النبي ﷺ ، وليس ذلك من شرطه، لكنه يترخّص بذلك إذا لم يجد في الباب غيره، ومن ذلك: أ - تخريجه لتفسير قول الله : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ عن أبي إسحاق السبيعي وعمرو بن ميمون الأودي، وهما تابعيان، قال الحاكم: لم أجد فيه حرفًا مسندًا، ولا قولًا للصحابة، فذكرتُ فيه حرفين للتابعين (٣). ب- تخريجه لتفسير قوله تعالى في سورة القارعة: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ عن الحسن البصري عن النبي ﷺ . قال الحاكم: هذا حديث مرسل صحيح الإسناد، لم أجد لهذه السورة تفسيرًا على شرط الكتاب، فأخرجته إذ لم أستجز إخلاءه من حديث (٤). وذلك أن شرط الحاكم في التفسير أن يذكر تفسير النبي ﷺ موصولًا، أو تفسير الصحابي، لأنه كان يرى أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل حديث _________ (١) "المستدرك" (٤٧٦١). (٢) "المستدرك" (٦٧٨٧). (٣) "المستدرك" (١٩٩١) و (٣٩٩٢). (٤) "المستدرك" (٤٠١٢).

стр. 136

مسندٌ (١). ج- ولما لم يجدِ الحاكم في مناقب سلمة بن سلامة بن وَقْش غير مرسل عروة ابن الزبير أتى به من طرق عن عروة، ثم بيّن بأنه صحيح الإسناد إلى عروة، فقال: صحيح الإسناد وإن كان مرسلًا. ثم ذكر مسوّغ ذكره له، فقال: وفيه منقبة شريفة لسلمة بن سلامة (٢). ٦ - ترخصه بذكر الحديث الذي فيه انقطاع أو راو ضعيف أو راو مجهول في نقده هو، وذلك ليس من شرط كتابه، لكنه خرّجه لوجود أصل لذلك الحديث من وجه آخر، أو وجود متابعات له سواء كانت تلك المتابعات تامةً أو قاصرةً، أو وجود شاهد صحيح، فمن ذلك: أ- لما خرج حديث أبي هريرة في سؤالهم النبي ﷺ عن الوضوء بماء البحر، فقال لهم النبي ﷺ : "هو الطَّهُورُ ماؤه، الحِلُّ مَيْتَتُه"، من رواية سعيد بن سلمه مولى لآل الأزرق أنَّ المغيرة بن أبي بردة -رجل من بني عبد الدار- أخبره أنه سمع أبا هريرة. ثم أورد متابعات لسعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة، ثم قال: مثل هذا الحديث لا يُعلَّل بجهالة سعيد بن سَلَمة والمغيرة بن أبي بُرْدة، على أنَّ اسم الجهالة مرفوع عنهما بهذه المتابعات (٣). ب - ولما خرّج حديث محمد بن سليمان العَيْذي عن هارون بن سعد عن عمران بن ظبيان عن أبي تَحْيى سمع عليًّا يحلفُ: لأنزَلَ اللهُ تعالى اسم أبي بكر من السماء صِدِّيقًا. قال: لولا مكان محمد بن سليمان العيذي من الجهالة لحكمتُ لهذا _________ (١) "المستدرك" بإثر (٣٠٥٨). وقد تقدم بيانه موضحًا في الفرع العاشر. (٢) "المستدرك" بإثر (٥٨٧٦). (٣) "المستدرك" (٤٩٥ - ٥٠٤). ويناقش الحاكم في حكمه بجهالة الرجلين المذكورين، وقد وثقهما النسائي وغيره وروى عنهما جماعةٌ، وعلى كلّ فهو يصلح مثالًا على منهجه في ذكر الحديث الذي فيه راو مجهول نظرًا لوجود متابعات له.

стр. 137

الإسناد بالصحة، وله شاهدٌ مِن حديث النزال بن سَبْرة عن عليٍّ ﵇ (١). ج- ولما خرّج حديث عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: حدثت عن زينب بنت رسول الله ﷺ ، قالت: بينما أنا أتجهز بمكة إلى أبي تبعتني هند بنت عتبة بن ربيعة … فذكرت قصة هجرتها. قال: هذا حديث فيه إرسال بين عبد الله بن أبي بكر وزينب ﵃، ولولاه لحكمت على شرط مسلم، وقد روي بإسناد صحيح على شرط الشيخين مختصرًا، فذكر نحوه من حديث عروة بن الزبير عن عائشة (٢). د- وعندما خرّج حديث إسحاق بن بَزُرْج عن زيد بن الحسن بن علي عن أبيه قال: أمرنا رسول الله ﷺ في العيدين أن نلبس أجود ما نَجِد، وأن نتطيَّب بأجود ما نجد، وأن نُضحي بأسمن ما نجد، البقرة عن سبعة، والجَزُور عن عشرة، وأن تُظهِرَ التكبير، وعلينا السَّكينة والوقارُ. قال: لولا جهالة إسحاق بن بَزُرْج لحكمتُ للحديث بالصحة. وقد أتى الحاكم به بعد حديث ابن عباس الذي صححه على شرط البخاري في إجزاء البَدَنة عن عشرة في النحر (٣)، فهذا موضع شاهده. هـ - ولما خرج خبر عُمارة بن غَزِيّة: أن أبا أيوب الأزدي مرَّ على معاوية، فذكر الحديث الذي تقدم لأبي أيوب الأنصاري بطوله. قال: هذا حديث مرسل؛ فإن بين عمارة بن غزية وبين أبي أيوب ومعاوية مفازةً، وحديث أبي أيوب الأنصاري متصل مسند (٤). وانظر أيضًا ما تقدم آنفًا من المراسيل التي أوردها في "المستدرك"، مع أنه يذهب إلى عدم الاحتجاج بالمرسل، وما ذلك إلا ترخصًا لبعض الأسباب المذكورة. _________ (١) "المستدرك" (٤٤٨٣). (٢) "المستدرك" (٧٠٠٦) و (٧٠٠٧). (٣) "المستدرك" (٧٧٥٠) و (٧٧٥١). (٤) "المستدرك" (٦٠٦٣).

стр. 138

٧ - ترخُّصه بذكر الحديث الذي ليس على شرطه لتداول العلماء أو الفقهاء له مع وجود متابعة أو شاهد له، ومن ذلك: أ- تخريجه لحديث أبي صالح عن ابن عباس، قال: لَعَنَ رسول الله ﷺ زائراتِ القبور والمتَّخِذِين عليها المساجد والسُّرُج. قال الحاكم: أبو صالح هذا ليس بالسمان المُحتجّ به، إنما هو باذان، ولم يَحتج به الشيخان، لكنه حديث متداول فيما بين الأئمة، ووجدتُ له متابعًا من حديث سفيان الثوري في متن الحديث فخرجته (١). ب - ولما خرج حديث مالك عن صفوان بن سُلَيم عن سعيد بن سلمة مولى لآل الأزرق أنَّ المغيرة بن أبي بردة - رجلٌ من بني عبد الدار- أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجلٌ رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونَحمِلُ معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله: "هو الطَّهُورُ ماؤُه، الحِلَّ مَيْتتُه" أورد الحاكم بعده متابعين لمالك ليسا على شرطه، وهما عبد الرحمن بن إسحاق وإسحاق بن إبراهيم المُزَنِي، ثم قال الحاكم: قد رَوَيتُ في متابعات الإمام مالك بن أنس في طرق هذه الحديث عن ثلاثة ليسوا من شرط هذا الكتاب: وهم عبد الرحمن بن إسحاق وإسحاق بن إبراهيم المُزَني وعبد الله بن محمد القُدَامي، وإنما حَمَلَني على ذلك أن يعرف العالم أنَّ هذه المتابعات والشواهد لهذا الأصل الذي صَدَّرَ به مالك كتاب "الموطأ"، وتداوَلَه فقهاء الإسلام ﵃ من عصره إلى وقتنا هذا، وأنَّ مثل هذا الحديث لا يُعلَّل بجهالة سعيد بن سَلَمة والمغيرة بن أبي بردة، على أنَّ اسم الجهالة مرفوع عنهما بهذه المتابعات (٢). _________ (١) "المستدرك" (١٤٠٠). وباذان هذا متفق على ضعفه. (٢) "المستدرك" (٤٩٥ - ٤٩٦) وقوله هذا الذي قاله هو بإثر (٥٠٤). ويناقش الحاكم هنا في أمرين: أولهما: في إشارته إلى رواية القدامي، مع أنه لم يذكر روايته في "المستدرك"، وثانيهما: أن الحاكم كأنه ظنّ عبد الرحمن بن إسحاق هو الواسطي الضعيف، وبنى عليه أن روايته ليست على شرطه، =

стр. 139

ج- وعندما خرّج حديث عبد الله بن عُمر: أنَّ رسول الله ﷺ كان يُكبِّر يومَ الفطر من حين يخرجُ من بيته حتى يأتي المصلَّى. قال بإثره: هذا حديث غريب الإسناد والمتن، غير أن الشيخين لم يحتجا بالوليد بن محمد الموقري، ولا بموسى ابن عطاء البَلْقاوي، وهذه سنة تداولها أئمة أهل الحديث، وصحت به الرواية عن عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة (١). ٨ - ترخصه بتخريج الحديث الذي ليس من شرط الكتاب، استغرابًا وتعجبًا من متنه أو من زيادة فيه غريبةٍ ليبين غرابتها، ومن ذلك: أ- تخريجه لحديث نُعيم بن حماد عن ابن لهيعة عن عبد الوهاب بن حسين عن محمد بن ثابت البناني عن أبيه عن الحارث عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "خروجُ الدابَّة بعد طلوع الشمس من مغربها، فإذا خَرَجَت قَتَلَت إبليس وهو ساجدٌ" ..... قال الحاكم بين يدي هذا الحديث: حديث إسناده خارج شرط الكتب الثلاث، أخرجته تعجبًا إذ هو قريب مما نحن فيه (٢). ب - تخريجه لحديث الجَرّاح بن المنهال عن الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف: أنَّ عامر بن ربيعة رجلًا من بني عدي بن كعب، رأى سهل بن حنيف مع رسول الله ﷺ يغتسل بالخَرّار، فقال: والله ما رأيتُ كاليوم قط، ولا جِلدَ مُخبأة، فلُبِط سهلٌ وسقط، فقيل: يا رسول الله، هل لك في سهل بن حنيف؟ فدعا رسول الله ﷺ عامر بن ربيعة، فتغيظ عليه، وقال: "لِمَ يقتل أحدكم أخاه -أو صاحبه- ألا يدعو بالبركة، اغتسل له"، فاغتسل له عامر، فراح سهل وليس به بأس. والغسل أن يُؤتَى بقَدَح فيه ماءٌ فيُدخِل يديه في القدح جميعًا، ويُهريقُ على وجهه من القدح، ثم يغسل _________ = والصحيح أن عبد الرحمن بن إسحاق هذا هو المدني، الصدوق، وقد احتج به الحاكم في مواضع عديدة من "المستدرك". (١) "المستدرك" (١١١٧). (٢) (المستدرك" (٨٨٠٣).

стр. 140

فيه يده اليمنى، ويغتسل من فيه في القدح، ويدخل يده فيغسل ظهره، ثم يأخذ بيده اليسار فيفعل مثل ذلك، ثم يغسل صدرَه في القدح، ثم يغسل ركبته اليمنى في القدح، وأطراف أصابعه، ويفعل ذلك بالرجل اليسرى، ويُدخل داخل إزاره، ثم يغطي القدح قبل أن يضعه على الأرض فيحثو منه، ويتمضمض ويُهرِيق على وجهه، ثم يصُبُّ على رأسه، ثم يلقي القدح من ورائه. قال الحاكم: أما الجَرّاح بن المنهال فإنه أبو العطوف الجَزَري، وليس من شرط الصحيح، وإنما أخرجتُ هذا الحديث لشرح الغسل كيف هو، وهو غريب جدًا مسندًا عن رسول الله ﷺ (١). الفرع الحادي عشر: اعتراضات أخرى على الحاكم غير ما تقدم ذكره: وإذا كان ما تقدم ذكره مما ترخص فيه الحاكم لا يتوجه عليه فيه اعتراض؛ لكونه بين العِلّة في خروجه فيه عن شرطه الذي اشترطه في هذا الكتاب، فإنه قد وقع منه ما يتوجّه الاعتراض عليه فيه مما لا حجة تدفعه، بل هو داخل في حكم ما ينتاب البشر من الغفلة والسهو والنسيان، ولا سيما أنه صنف هذا الكتاب في آخر سِنِي حياته كما يظهر من تاريخ إملائه للكتاب حيث شرع فيه سنة ٣٩٣ هـ، وكان عمره إذ ذاك اثنتين وسبعين سنةً، واستمر فيه إلى ما بعد الثمانين من عمره، وقد سُجِّل له آخرُ إملاء بعد منتصف الكتاب بقليل سنة ثلاث وأربع مئة (انظر الحديث: ٤٩٦١)، أي: قبل وفاته بسنتين (٢)، وترك بقيّته مسودًا، فأجاز به تلامذته. وقد أشار إلى ذلك البيهقي الذي يُعد من أكثر تلامذة الحاكم له ملازمةً في غير موضع من كُتبه، وهو مما يُعتذر به عن الحاكم فيما وقع له في كتابه هذا من أوهام، حيث كان البيهقي يقول: أخبرنا الحاكم فيما لم يُمل من كتاب "المستدرك"، أو _________ (١) "المستدرك" (٥٨٤٧). (٢) وقد وقع على حاشية النسخة الأزهرية وحدها مقابل الحديث (٦٢٤٦) نقلًا عن أصلها المنسوخ عنه ما يفيد أنه آخر ما أملاه الحاكم من "المستدرك"، والله تعالى أعلم.

стр. 141

فيما أجازه من كتاب "المستدرك" (١)، وهذا يفيد أنه ترك منه قسمًا مُسوَّدًا لم يُراجعه ولم يُنقّحه، لأنَّ الحاكم على عادة المحدّثين في مجالس الإملاء لما كان يريد إملاء قسم من الكتاب على تلامذته كان يراجع ذلك القسم الذي ينوي إملاءه، ولكنه حال دون إتمام إملائه أمرٌ ما، فترك قسمًا منه، وأجاز به تلامذته، ومنهم البيهقي، فظهر فيه ما ظهر؛ مما عَجِل فيه الحاكم في حُكمه، أو مما نسيه من أحوال الرجال بحُكم كبر سنه، أو مما يكون قد نقله من بعض كتبه فسبَقَ قلمه بنقل خاطئ، إلى غير ذلك من الاحتمالات. وهذا ما أشار إليه الحافظ ابن حجر حين قال معتذرًا عن الحاكم فيما وقع له من أوهام: وإنما وقع للحاكم التساهل لأنه سَوّد الكتاب ليُنقّحه فأعجلته المَنيّةُ، قال: وقد وجدتُ في قريب نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من "المستدرك": إلى هنا انتهى إملاء الحاكم، قال: وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخَذُ عنه إلا بطريق الإجازة، فمن أكبر أصحابه وأكثر الناس له ملازمةً البيهقي، وهو إذا ساق عنه من غير المُملى شيئًا لا يذكره إلا بالإجازة، قال: والتساهل في القدر المُملَى قليل جدًا بالنسبة إلى ما بعده (٢). وقد نوَّه البيهقي في مواضع من كتبه إلى بعض أخطاء شيخه الحاكم وأوهامه في كتابه "المستدرك" (٣). ومن هذه الاعتراضات تصحيحه أحاديثَ قوم ضعفهم هو، بل أحاديثَ قومٍ آخرين أطلق عليهم الكذب: فقد صحح ﵀ لقوم تكلَّم فيهم هو في كتابه "المدخل إلى الصحيح"، مع أنه قال في مقدمة كتاب "المدخل": وأنا مبين - بعون الله وتوفيقه - أسامي قوم من _________ (١) انظر "السنن الكبرى" ٨/ ٢٧٢ و ١٠/ ١٩٦، و "البعث والنشور" (٤٦٥). (٢) نقله عنه تلميذه البرهان البقاعي في "النكت الوفية بما في شرح الألفية" ١/ ١٤٢. (٣) انظر "المدخل إلى السنن الكبرى" (٤٢٣ - ٤٢٤)، و "السنن الكبرى" ٦/ ٢٧٩ و ٣٢٢.

стр. 142

المجروحين، ممن ظهر لي جرحهم اجتهادًا ومعرفةً بجرحهم، لا تقليدًا فيه لأحد من الأئمة، وأتوهم أن رواية أحاديث هؤلاء لا تَحِلُّ إلا بعد بيان حالهم. قال الزركشي: صحح في "المستدرك" أحاديث جماعةٍ، وأخبر في كتاب "المدخل" أنهم لا يُحتج بهم، وأطلق الكذب على بعضهم، هذا مع أن مستند تصحيحه ظاهرُ السَّنَد، وأنَّ رواته ثقات، ولهذا يقول: صحيح الإسناد، وصحة الإسناد شرط من شروط [صحة] الحديث، وليست مُوجبةً لصحته، بل في "المستدرك" أحاديث مسكوت عنها، وأسانيدها صحيحةٌ أو حسنةٌ أو ضعيفةٌ، فيُحكم عليها بما يقتضيه حال أسانيدها (١). فهذا غريب من الحاكم حقًا، اللهم إلا أن يكون الجرح في بعضهم خاصًا بحالة التفرُّد، إما لسوء الحفظ أو لمذهب غير محمود؛ كالرفض مثلًا، ويكون تصحيحُ الحاكم لمثل هؤلاء إما لمتابعة الثقات لهم على مثل رواياتهم، بما يدل على أنهم أصابوا فيها، أو لكونهم رَوَوا ما يُخالف مذاهبهم، فيُظَنُّ عند ذلك الصدق، فمِثلُ هذا ممكن، وأما ما عداه فتصرُّفٌ غريب منه، لكن يبقى احتمال أن يكون اجتهاده قد تغيّر فيمن صحح له منهم، والله تعالى أعلم. على أنه كان يَنصُّ على كثيرٍ منهم بأنهم ليسوا من شرط كتابه، ويروي لهم في الشواهد، كما في الأمثلة التي سبق ذكرها في الفرع العاشر من المطلب الثاني. ونحن وإن كنا نوافقه فيمن يمكن انجبار روايته منهم بالمتابعات والشواهد، فإننا لا نوافقه الرأي فيمن أطلق عليه الكَذِب منهم، أو أنه روى نسخة موضوعةً، ومن أمثلة ذلك: أ- ما قاله في حق حسين بن عُلوان في "المدخل": شيخ من أهل مكة، روى عن هشام بن عروة أحاديث أكثرها موضوعة (٢)، ثم يروي له عن هشام بن عروة عن أبيه _________ (١) "النكت على مقدمة ابن الصلاح" ١/ ٢٢٦. (٢) "المدخل إلى الصحيح" ١/ ١٥٨ ترجمة (٣٨).

стр. 143

عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ادْعُوا لي سيّد العرب" فقلتُ: يا رسول الله، ألستَ سيدَ العرب؟ قال: "أنا سيد ولد آدم، وعليٌّ سيد العرب"، ويَعُدُّ روايته هذه شاهدًا (١)، فمثل هذا لا يُقبل من الحاكم البتة، ويُستنكر عليه إخراجه أشدَّ النَّكير. ب- وأعجبُ منه قوله في "المدخل" في حق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: روى عن أبيه أحاديث موضوعةً، لا تخفى على من تأمّلها من أهل الصنعة أن الحَمْل فيها عليه (٢). ثم يروي له عن أبيه عن جده عن عُمر بن الخطاب قال: قال رسول الله: "لما اقترف آدم الخطيئة، قال: يا ربِّ، أسألك بحقِّ محمدٍ لما غَفَرتَ لي، فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمدًا ولم أخلُقه؟ قال: يا ربِّ، لأنك لما خلقتني بيدك ونفخْتَ فِيَّ من رُوحِك رفعت رأسي فرأيتُ على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمتُ أنك لم تُضِف إلى اسمِك إلَّا أحبَّ الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم، إنه لأحبُّ الخلق إليَّ، وإذ سألتني بحقّه فقد غفرت لك، ولولا محمدٌ ما خَلَقتُك". وصحح إسناده (٣)! فلو أنه اقتصر على إيراد روايته هذه لكان ذلك أمرًا منكرًا منه، أما أن يصحح الإسناد فهذا أشد نكارةً. ج- وكذلك قال في حقِّ شيخه أبي أحمد علي بن محمد بن عبد الله المروزي، ونسبه مرةً: الحَمّادي (٤)، ومرة: الأزرقي (٥)، حيث صحح له حديثين، مع أنه قال فيه: يكذب مثل السُّكَّر (٦)، وقال عنه مرة لما سأله تلميذه الخليلي: هو أشهر في اللين من أن تسألني عنه (٧). _________ (١) "المستدرك" (٤٦٧٦). (٢) "المدخل إلى الصحيح" ١/ ١٨٠ ترجمة (٩٧). (٣) "المستدرك" (٤٢٧٤). (٤) "المستدرك" (٤٣١٢). (٥) "المستدرك" (٨٦٩١). (٦) "سؤالات السجزي للحاكم" ترجمة (٣٠). (٧) "الإرشاد" للخليلي ٣/ ٩٠٦.

стр. 144

المطلب الثالث: عنايةُ العلماء بكتاب "المستدرك" قديمًا وحديثًا: ومع كل ما سبق مما اعترض به على الحاكم في "مستدركه"، فإنَّ لهذا الكتاب عند العلماء أهمية واضحة، فلذا أولَوْه عنايةً خاصةً؛ اختصارًا له، وبيانًا لزوائده، وتعليقًا عليه، وبيانًا لأحوال رجال أسانيده، واستنباطًا لمنهج الحاكم فيه، إلى غير ذلك من الدراسات التي يستحقها مثله من الدواوين المهمة التي اشتملت على الأحاديث النبوية الصحيحة، فكان من أبرز العلماء الذين اعتنوا به قديمًا: ١ - الحافظ الذهبي، الذي قام بتلخيصه، والحكم على بعض أحاديثه في أثناء ذلك، ولكنه لم يستوفِ الحُكم عليها، ولذلك قال وهو يتحدث عن الكتاب: هو كتاب مفيد، قد اختصرته، ويُعوِزُ عملًا وتحريرًا. قلنا: كأن الذهبي عمل ذلك المختصر لنفسه في بداية الطلب على عادته في اختصار الكتب، إذ كان يفعل ذلك من أجل أن يسهل عليه مطالعتها واستظهارها، لكنه وجد الكتاب بحاجة إلى تحرير فأرجأ ذلك لوقت آخر، فشَغَله عنه تصنيفه لغيره من الكتب المهمة، فنبه على حاجة الكتاب للعمل والتحرير، ليتصدَّى لذلك من يأنس من نفسه الأهلية والكفاية للقيام بذلك العمل والتحرير، والله أعلم. ويمكن النظر في أقوال الذهبي من خلال بقية كتبه حول كثير من أحاديث "المستدرك" التي سكت عنها في "التلخيص"، ولا سيما "ميزان الاعتدال"، فيمكن أن تضاف تلك الأقوال إلى "تلخيصه" إتمامًا لعمله، على أن الذهبي - كما ظهر لنا- قد يتغير اجتهاده في بعض أحكامه التي في "التلخيص"، وبخاصة في كتبه التي صنفها مؤخرًا بعد أن تقدّم سنه وعلا كعبه في العلم، وأصبح ذا ملكة راسخة في التحقيق في علمي الحديث والرجال، كـ "سير أعلام النبلاء" و "تذكرة الحفاظ". وصنف الذهبي أيضًا جزءًا مفردًا جمع فيه "موضوعات المستدرك"، وقد أشار إليه وهو يتحدث عن الكتاب بقوله: وفي غضون ذلك أحاديثُ نحو المئة يشهد القلب

стр. 145

ببطلانها، كنت قد أفردت منها جزءًا، وحديث الطير بالنسبة إليها سماء (١). وقد طبع هذا الجزء. ٢ - الإمام سراج الدين ابن الملقن، الذي قام بجمع واختصار استدراك الذهبي على "المستدرك"، وقد سماه ابن الملقن نفسه لما سرد أسماء مصنفاته بـ "الاعتراضات على المستدرك" (٢)، ووقع مسمّى في بعض أصوله الخطية بـ "مختصر استدراك الحافظ الذهبي على مستدرك الحاكم"، وبهذا الاسم طبع. وسمي في بعض الأصول): "النُّكَت اللطاف في بيان الأحاديث الضِّعاف المُخرَّجة في مستدرك الحاكم النيسابوري"، وقد زاد ابن الملقن فيه بعض التعليقات من قوله هو، وقال في مقدمة كتابه "البدر المنير": قد أفردتُ ما ردّ به الذهبي على الحاكم أبي عبد الله في "تلخيصه لمستدركه" بزيادات ظَفِرتُ بها، فجاءت سبعة كراريس. ثم قال: واعلم أيها الناظر في هذا الكتاب (يريد كتابه "البدر المنير") إذا رأيتنا نقلنا عن الحاكم تصحيحًا لحديث وسكتنا عليه، فشُدّ على ذلك يديك، فإنا سَبَرْنا إسناده، ويكون الأمر كما قاله، وما لم يكن كذلك، فإنا نَشفَعُه بالاعتراض عليه إن شاء الله تعالى (٣). قلنا: وعلى هذا فيمكن تجريد ما تكلم به ابن الملقن في "البدر المنير" عن أحاديث الحاكم ليتمم به ما لم يُعلّق عليه في "اختصاره" لـ "تلخيص الذهبي". وقد ذكر ابن حجر لابن الملقن كتابًا في رجال أحمد وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم سماه "إكمال تهذيب الكمال"، قال السخاوي: قد رأيت منه مجلدًا وأمره فيه سهل (٤). _________ (١) "سير أعلام النبلاء" ١٧/ ١٧٥ - ١٧٦. (٢) "العقد المذهب في طبقات حملة المذهب" ص ٤٣٣. (٣) "البدر المنير" ١/ ٣١٧. (٤) "الضوء اللامع" ٦/ ١٠٢، وهو الذي نقل عن ابن حجر قوله في ذكر الكتاب.
следующие страницы →