← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14252

الغيث الهامع شرح جمع الجوامع

ابن العراقي

Полный текст (826 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مساوياً له. فالأول: يسمى فحوى الخطاب، كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب، والفحوى ما يعلم من الكلام بطريق القطع. والثاني: وهو المساوي، كالأذى بما يساوي التأفيف يسمى لحن الخطاب، أي معناه من قوله تعالى: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾ أي معناه، وهذا التقسيم مبني على أنه لا يشترط في مفهوم الموافقة الأولوية وهو المختار عند المصنف، وقيل: يشترط، فلا يكون مساوياً وهو مقتضى نقل إمام الحرمين عن الشافعي، وعزاه الصفي الهندي للأكثرين، والخلاف في التسمية، واتفقوا على الاحتجاج بالمساوي كالأولى. ص: ثم قال الشافعي والإمامان: دلالته قياسية، وقيل: لفظية، فقال الغزالي والآمدي: فهمت من السياق والقرائن وهي مجازية من إطلاق الأخص على الأعم، وقيل: نقل اللفظ لها عرفاً. ش: في دلالة مفهوم الموافقة ثلاثة مذاهب. الأول: أنها من باب القياس، نص عليه الشافعي في/ (٢٣أ/د) (الرسالة) وذهب إليه الإمام فخر الدين، وحكاه المصنف في النسخة القديمة عن إمام الحرمين أيضاً، فقال: (قال الإمام الشافعي والإمامان) واعتمد في ذلك نقل بعضهم عن (البرهان) له أنه نقله فيه عن معظم الأصوليين، وهذا وهم فالذي حكاه في (البرهان) عن معظم الأصوليين أنها دلالة مفهوم، والله أعلم. الثاني: أنها ليست قياسية بل لفظية، فهمت من السياق، والقرائن وهي مجازية، ونوع العلاقة فيها إطلاق الأخص على الأعم، وبهذا قال الغزالي والآمدي.

стр. 107

الثالث: أنها لفظية حقيقية، نقل اللفظ في العرف من وضعه الأصلي لثبوت الحكم في المذكور خاصة إلى ثبوت الحكم في المذكور والمسكوت معاً. قال الشارح: وهذا الذي أخره المصنف وضعفه هو الذي ذكره المصنف في العموم حيث قال: وقد يعم اللفظ عرفا كالفحوى. قلت: لعله مثل به هناك لهذا القسم على رأي مرجوح، والله أعلم. ص: وإن خالف (٢٧ب/ م) فمخالفة، وشرطه أن لا يكون المسكوت ترك لخوف ونحوه، ولا يكون المذكور خرج للغالب، خلافاً لإمام الحرمين، أو لسؤال أو حادثة أو للجهل بحكمه أو غيره مما يقتضي التخصيص بالذكر. ش: هذا قسيم لقوله أولاً: (فإن وافق حكم المنطوق) أي، وإن خالف حكم المسكوت عنه حكم المنطوق فهو مفهوم مخالفة، ويسمى دليل الخطاب، وللاحتجاج به شروط: أحدها: أن لا يكون المسكوت إنما ترك ذكره لخوف ونحوه، فالخوف هو المانع من الذكر فلا يكون المفهوم معتبراً. قال الشارح: وكلام ابن الحاجب يقتضي عد هذا من شروط المذكور، أي لا يرد المذكور لدفع خوف، ـ فإن ورد لذلك فلا مفهوم له. الثاني: ألا يكون المذكور خرج مخرج الغالب، فما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، فإنه إنما خص بالذكر لغلبة حضوره في الذهن، كذا نقله إمام الحرمين عن الشافعي، ثم نازع فيه، وقال: الذي أراه أن ذلك لا يسقط التعلق بالمفهوم ولكن ظهوره أضعف من ظهور غيره، وقال ابن عبد السلام: إن القاعدة تقتضي العكس، وهو أن الوصف إذا خرج مخرج الغالب يكون له مفهوم، بخلاف ما إذا لم يكن غالباً، وذلك لأن الوصف الغالب على الحقيقة تدل العادة على ثبوته لتلك الحقيقة، فالمتكلم يكتفي بدلالة العادة على ثبوته لها

стр. 108

عن ذكر اسمه، فذكره له إنما هو ليدل على سلب الحكم عما عداه لانحصار غرضه فيه، فإذا لم يكن عادة فقد يقال: إن غرض المتكلم بتلك الصفة إفهام السامع ثبوت هذه الصفة لهذه الحقيقة، وأجاب في أماليه بأن المفهوم إنما قلنا به لخلو القيد عن الفائدة لولاه، أما إذا كان الغالب وقوعه فإذا نطق/ (٢٣ب/د) باللفظ أولا فهم القيد لأجل غلبته، فذكره بعده يكون تأكيداً لثبوت الحكم للمتصف بذلك القيد، فهذه فائدة أمكن اعتبار القيد فيها فلا حاجة إلى المفهوم بخلاف غير الغالب. وأجاب القرافي بأن الوصف إذا كان غالباً كان ملازماً لتلك الحقيقة في الذهن فذكره إياه مع الحقيقة عند الحكم عليها لحضوره في ذهنه، لا لتخصيص الحكم به، بخلاف غير الغالب. الثالث: أنه لا يخرج المذكور جواباً لسؤال كأن يسأل هل في الغنم السائمة زكاة؟ فيجاب: في الغنم السائمة زكاة. الرابع: أن لا يخرج مخرج حادثة، كما لو/ (٢٨أ/ م) قيل: (لزيد غنم سائمة) فيقال: فيها زكاة. الخامس: أن لا يكون المنطوق إنما ذكر لجهل المخاطب بحكمه، كأن يعلم حكم المعلوفة بالنسبة إلى الزكاة ويجهل حكم السائمة، فيذكر حكمها، والضابط لهذه الشروط وما في معناها أن لا يظهر لتخصيص المنطوق بها، بالذكر فائدة غير نفي الحكم عن المسكوت عنه، وعلى ذلك اقتصر البيضاوي وتبع المصنف ابن الحاجب في سردها. ص: ولا يمنع قياس المسكوت بالمنطوق، بل قيل: يعمه المعروض، وقيل: لا يعمه إجماعاً. ش: إذا ظهر للتخصيص بالذكر فائدة غير اختصاص الحكم به، كأن يعلم

стр. 109

أن قوله: (في سائمة الغنم الزكاة) خرج جواباً لسؤال عن السائمة ـ جاز لنا أن نقيس المسكوت عنه وهي المعلوفة على السائمة في الحكم، وهو وجوب الزكاة، إذا وجد شرط القياس، ولا يكون التخصيص بالذكر في هذه الحالة مانعاً من القياس، فالضمير في قوله: (ولا يمنع) عائد على قوله: (ما يقتضي التخصيص بالذكر أو على التخصيص). ثم حكى المصنف خلافاً في أن اللفظ المعروض في هذه الحالة كالغنم هل يعم المعلوفة فيستغني بذلك عن القياس أو لا يعمه، بل هو مسكوت عنه، وإنما عبر بالمعروض لأن السوم عارض له، ولم يعبر بالموصوف لئلا يتخيل اختصاص ذلك بالصفة، وأشار بقوله: (إجماعاً) إلى أن بعضهم حكى الإجماع على القول الثاني، وهو ابن الحاجب، فإنه قال في أثناء المسألة: وأجيب بأن ذلك فرع العموم، ولا قائل به، ولا يقال: كيف يحكي الإجماع على قول حكاه بصيغة التمريض، لأن حكاية الإجماع من تتمة هذه القولة التي عبر عنها بـ (قيل) وحاصله نقل حكاية الإجماع عن بعضهم. ص: وهو صفة كالغنم السائمة أو سائمة الغنم، لا مجرد السائمة على الأظهر، وهل المنفي غير سائمتها أو غير مطلق السوائم؟ قولان. ش: شرع في ذكر مفاهيم المخالفة، فمنها: مفهوم الصفة، وهو تعليق الحكم بإحدى صفتي الذات، فهو عند القائل بمفهوم الصفة يدل على انتفاء الحكم عند انتفاء تلك الصفة، وذكر له المصنف ثلاثة أمثلة: أحدها: في الغنم السائمة الزكاة. ثانيها: وهو لفظ الحديث (في سائمة الغنم الزكاة) وبين الصيغتين فرق في: / (٢٤/أ/د) المعنى، فمقتضى الأولى عدم الوجوب في الغنم المعلوفة التي لولا القيد

стр. 110

بالسوم لشملها لفظ الغنم، ومقتضى الثانية: عدم الوجوب/ (٢٨/ب/م) في سائمة غير الغنم كالبقر مثلاً التي لولا تقييد السائمة بإضافتها إلى الغنم لشملها لفظ السائمة، كذا قال المصنف. والحق عندي أنه لا فرق بينهما فإن قولنا: (سائمة الغنم) من إضافة الصفة إلى موصوفها، فهو في المعنى كالأولى، فالغنم موصوفة، والسائمة صفة على كل حال، وقد عرف أنه ليس المراد بالصفة هنا النعت، ولهذا مثل بقوله ﵊: ((مطل الغني ظلم)) والتقييد فيه بالإضافة لكنه في المعنى صفة، فإن المراد به المطل الكائن من الغني لا من الفقير. ثالثها: أن يقتصر على ذكر الصفة من غير ذكر الذات، كقولنا: (في السائمة الزكاة) واختلف في أن ذلك من مفهوم الصفة، كالمثالين قبله، أو لا مفهوم له كاللقب، بخلاف المثالين قبله، فإنه لا فائدة فيهما لذكر الصفة إلا نفي الحكم، والكلام بدونها لا يختل، حكاه الشيخ أبو حامد وابن السمعاني وغيرهما، وحكى ابن السمعاني الأول عن جمهور الشافعية، على خلاف ما رجحه المصنف، ثم نقل المصنف خلافاً في المثالين الأولين، هل المنفي فيهما غير سائمة الغنم، أو غير مطلق السوائم؟ فعلى الأول: إنما يدل على نفي الزكاة عن معلوفة الغنم، وعلى الثاني يدل على نفي الزكاة عن كل معلوفة ولو من الإبل أو البقر، وصحح الشيخ أبو حامد في كتابه في الأصول وصاحب

стр. 111

(المحصول) الأول، لأن المنطوق سائمة الغنم، والمفهوم نقيضه. قال المصنف: ولعل الخلاف مخصوص تصوره في الغنم السائمة، أما صورة سائمة الغنم، فقد قلنا: إن المنفي فيها سائمة غير الغنم، فالمنفي سائمة لا غير سائمة، والمنفي هناك غير سائمة، لكن غير سائمة على العموم أو غير سائمة على الخصوص؟ فيه القولان. ص: ومنها العلة والظرف والعدد والحال. ش: هذه الأنواع من مفهوم الصفة، وإن غاير الأصوليون بينها وبين الصفة. وقال إمام الحرمين: ولو عبر عن جميع هذه الأنواع بصفة لكان منقدحاً، فإن المحدود والمعدود موصوفان بعددهما وحدهما، والمخصوص بالكون في زمان أو مكان موصوف بالاستقرار فيهما. وسبقه إليه في العدد القاضي أبو الطيب، فقال: إنه قسم من الصفة، لأن قدر الشيء صفته، وأشار إليه ابن الحاجب أيضاً، فالضمير في قوله: (منها) يعود على الصفة، فمثال مفهوم العلة قوله ﵊: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)) فمفهومه أن ما لا يسكر كثيره لا يحرم، وفرق القرافي بينه وبين مفهوم الصفة، بأن الصفة قد تكون مكملة للعلة لا علة، وهي أعم من العلة، فإن وجوب الزكاة في السائمة ليس للسوم وإلا لوجبت في الوحوش، وإنما/ (٢٩/ أ/ م) وجبت لنعمة الملك، وهو مع السوم أتم/ (٢٤ب/د) منه مع العلف، ومثال مفهوم ظرف الزمان قوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ والمكان

стр. 112

كقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾ ومثال العدد قوله تعالى: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ والمحكي عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه حجة. وحكاه إمام الحرمين عن الجمهور، لكن جزم البيضاوي تبعاً للقاضي أبي بكر وإمام الحرمين وغيرهما أنه ليس بحجة. أما مفهوم المعدود كقوله ﵊: ((أحلت لنا ميتتان ودمان)) فليس بحجة كما ذكره السبكي، وفرق بينه وبين مفهوم العدد بأن العدد يشبه الصفة، لأن قولك: في خمس من الإبل، في قوة قولك: في إبل خمس، تجعل الخمس صفة للإبل وهي إحدى صفتي الذات، لأن الإبل قد تكون خمساً وأقل وأكثر، فلما قيد وجوب الشاة بالخمس فهم أن غيرها بخلافه، فإذا قدمت لفظ العدد كان الحكم كذلك، والمعدود لم يذكر معه أمر زائد يفهم منه انتفاء الحكم عما عداه، فصار كاللقب. واللقب لا فرق فيه بين أن يكون واحداً أو مثنى، ألا ترى أنك لو قلت: رجال لم يتوهم أن صيغة الجمع عدد، ولا يفهم منها ما يفهم من التخصيص بالعدد، فكذلك المثنى، لأنه اسم موضوع لاثنين كما أن الرجال اسم موضوع لما زاد، انتهى. ومثال مفهوم الحال قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾. ص: وشرط. ش: وهو معطوف على قوله: (صفة) أي ومن المفاهيم مفهوم

стр. 113

الشرط، وهو تقييد الحكم بما هو مقرون بحرف شرط، وهو أقوى من مفهوم الصفة، فإنه قال به بعض من لا يقول بمفهوم الصفة كابن سريج. ص: وغاية. ش: ومنها مفهوم الغاية، وهو تقييد الحكم بغاية كـ (إلى) و (حتى) كقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ و ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾. ص: وإنما ومثل لا عالم إلا زيد، وفصل المبتدأ من الخبر بضمير الفصل وتقديم المعمول. ش: ومنها مفهوم الحصر: فيه مذاهب. أحدها: إنكاره. والثاني: أنه من المنطوق. والثالث: أنه من المفهوم، وبه قال الجمهور، وله صيغ منها: (إنما) فالجمهور على أنها تدل على الحصر، ومعناه إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما عداه، وكلام ابن دقيق العيد في شرح العمدة يقتضي الاتفاق عليه. واختار الآمدي أنها لا تفيد الحصر بل تأكيد الإثبات فقط، ونقله أبو حيان عن البصريين.

стр. 114

ومنها: النفي والإثبات، سواء كان النفي بـ (لا) أو (ما) نحو: لا عالم إلا زيد، وما قام إلا زيد، / (٢٩/ب/م) وقد يفهم من تمثيله بالاستثناء المفرغ أن التام نحو قولك: ما قام أحد إلا زيد، بخلافه، وليس كذلك. ومنها: ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر، كقولك: زيد هو العالم، فيفيد ثبوت العلم له ونفيه عن غيره بالمفهوم، ومنه: (إن شانئك هو الأبتر﴾ ومنها تقديم المعمول نحو: ﴿إياك نعبد / (٢٥ أ/ د) وإياك نستعين﴾ أي لا غيرك، ودخل في المعمول الحال والظرف وتقديم الخبر نحو: تميمي أنا. ص: وأعلاه: لا عالم إلا زيد، ثم ما قيل: منطوق أي بالإشارة، وهو إنما، ثم غيره. ش: أعلى أنواع الحصر، أي أقواها النفي والإثبات نحو: (لا عالم إلا زيد) لأن (إلا) موضوعة للاستثناء، وهو الإخراج، فدلالته على الإخراج بالمنطوق، لكن الإخراج من عدم القيام ليس هو عين القيام، بل قد يستلزمه فلذلك كان من المفهوم، وبعد النفي والإثبات ما ذهب بعضهم إلى أن دلالته بالمنطوق كـ (إنما) فإن قلت: القسم الأول داخل في هذا لأنه قيل: إنه بالمنطوق، لعلة التنبيه. قلت: ذاك قيل: إنه منطوق بالنص ودلالة (إنما) قيل: إنها منطوق بالإشارة كما ذكره المصنف، أي بإشارة النص إليه، لا بنفس النص، ثم بعد ذلك غيره من أنواع الحصر، وهو ضمير الفصل، وتقديم المعمول كما تقدم.

стр. 115

ص: مسألة: المفاهيم إلا اللقب حجة لغة وقيل شرعاً وقيل معنى. ش: جميع مفاهيم المخالفة عندنا حجة، إلا مفهوم اللقب، وهو تعليق الحكم بالاسم الجامد، سواء أكان اسم جنس أو علماً، فلا يدل على نفي الحكم عما عداه على الصحيح، وليس المراد باللقب الاصطلاح النحوي بل أعم منه ومن الاسم والكنية، ثم إن المشهور أن دلالته من جهة اللغة أي ليس من المنقولات الشرعية، بل هو باق على أصله. وقيل: من جهة الشرع أي تصرف من جهة الشرع زائد على الوضع اللغوي، وقيل: من جهة المعنى، أي العرف العام.

стр. 116

ص: واحتج باللقب الدقاق والصيرفي وابن خويز منداد وبعض الحنابلة. ش: الدقاق من أصحابنا الشافعية، وكنيته أبو بكر، ونقل الأستاذ أبو إسحاق أنه ألزم على قوله بمفهوم اللقب أن إيجاب الصلاة يكون دليلاً على عدم وجوب الزكاة والصوم وغيرهما. قال: فبان له غلطه، وتوقف فيه، ويقال: إنه ألزم تكفير من قال: عيسى رسول الله، فإنه على قوله يدل على نفي الرسالة عن غيره، وحكى السهيلي في (نتائج الفكر) هذا المذهب عن الصيرفي أيضاً، ويقال: إنه/ ٣٠/أ/م) حكاه فيه أيضاً عن أبي إسحق المروزي، وحكاه المازري عن ابن خويز منداد ـ وهو بفتح الميم، وعن ابن عبد البر أنه بكسر الباء الموحدة ـ وحكاه الآمدي

стр. 117

وابن الحاجب عن الحنابلة. ص: وأنكر أبو حنيفة الكل مطلقاً، وقوم في الخبر، والشيخ الإمام في غير الشرع، وإمام الحرمين صفة لا تناسب الحكم، وقوم العدد دون غيره. ش: اختلف المنكرون لمفاهيم المخالفة في الجملة على مذاهب. أحدها: إنكارها مطلقاً ولا يرد على قول المصنف: (مطلقاً) مفهوم الموافقة، فإنه متفق عليه، كما حكاه القاضي أبو بكر وغيره، لأن الكلام في مفاهيم المخالفة، وبهذا قال أبو حنيفة، فلا يتوهم من اقتصار المصنف على نقله/ (٢٥/ب/د) عنه انفراده به عنا، فإنه وجه عندنا، ذهب إليه ابن سريج والغزالي، وتوهم صاحب (المطلب) أن أبا حنيفة يقول بمفهوم الصفة لإسقاطه الزكاة في المعلوفة، وليس كذلك، بل إنما لم يوجبها فيها تمسكاً بالأصل. الثاني: إنكار المفاهيم في الخبر والعمل بها في الأمر، أي وما في معناه من الإنشاء. وهذا مأخوذ من كلام ابن الحاجب في أثناء الاستدلال. الثالث: أنها ليست حجة في كلام الآدميين في الأوقاف والأقارير وغيرهما لغلبة ذهولهم، وإنما هي حجة في خطاب الشرع خاصة، لعلمه بواطن الأمور وظواهرها، ذهب إليه الشيخ الإمام تقي الدين السبكي، قال: فلو وقف على الفقراء لا نقول: إن الأغنياء خارجون بالمفهوم بل عدم استحقاقهم بالأصل، ويوافقه ما في فتاوى القاضي الحسين أنه لو ادعى عليه عشرة، فقال: لا تلزمني اليوم، لا يطالب بها، لأن الإقرار لا يثبت بالمفهوم، وحكى ابن تيمية هذا التفصيل في بعض مؤلفاته عن بعض الناس، وقال: إنه خلاف الإجماع، فإن الناس إما قائل بأن المفهوم من دلالات الألفاظ، أو ليس منها، فالتفصيل إحداث قول ثالث، حكاه الشارح، ثم قال: وعكس بعض

стр. 118

الحنفية هذا ففي (حواشي الهداية) للخبازي في باب جنايات الحج: أن شمس الأئمة ذكر في (السير الكبير) أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على أن الحكم بخلافه، إنما هو في خطاب الشرع، فأما في معاملات الناس وعرفهم فإنه يدل عليه، ويوافق هذا ما ذكره الهروي في (الأشراف) فيما لو قال/ ٣٠/ب/م): ما لزيد علي أكثر من مائة، لم يكن مقرا بالمائة، لأنه نفي مجرد فلا يدل على الإثبات، وفيه وجه أنه إقرار وهو قول أبي حنيفة وأصل هذا أن دليل الخطاب هل هو حجة أم لا؟ انتهى، ففي هذا عن أبي حنيفة أنه إقرار مع أنه لا يقول بالمفهوم، ولما ذكر السبكي كلامه المتقدم قال: إنه لم ير في هذه المسألة نصاً لأصحابنا، ولا لغيرهم. ويرد عليهم ما تقدم عن القاضي حسين وأن الكيا الهراسي حكى خلافاً في أن قواعد الأصول المتعلقة بالألفاظ كالعموم والخصوص وغير ذلك هل يختص بكلام الشارع أو يجري في كلام الآدميين.

стр. 119

الرابع: إنكار المفهوم إذا لم يشتمل على معنى يناسب الحكم، كقولهم: الإنسان الأبيض يشبع، والقول به إذا اشتمل على مناسب كالسائمة، فإن خفة المؤنة ظاهرة في الإيجاب وعدمها في عدمه وبهذا قال إمام الحرمين في (البرهان) وبهذا يعلم أن نقل صاحبي (المحصول) و (المنهاج) عنه المنع ونقل ابن الحاجب عنه القول به كلاهما مختل، وأنه إنما قال بهذا التفصيل. الخامس: إنكار مفهوم العدد دون غيره من المفاهيم أي خلا اللقب، ولم يحتج لاستثنائه لفهمه بما تقدم، وقد قدمت حكاية الخلاف في مفهوم العدد. ص: مسألة: الغاية قيل منطوق والحق مفهوم. ش:/ (٢٦/أ/د) ذهب القاضي أبو بكر إلى أن دلالة الغاية على نفي الحكم عما بعدها منطوق فإنهم اتفقوا على أن الغاية ليست كلاماً مستقلاً، فإن قوله تعالى ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾ وقوله ﴿حتى يطهرن﴾ لابد فيه من إضمار لضرورة تتميم الكلام، وذلك المضمر إما ضد ما قبله أو غيره. والثاني باطل، لأنه ليس في الكلام ما يدل عليه، فتعين الأول، فيقدر حتى يطهرن فاقربهن، وحتى تنكح فتحل، قال: والإضمار بمنزلة الملفوظ، فإنه إنما يضمر لسبقه إلى فهم العارف باللسان، انتهى. والحق الذي عليه الجمهور أنه مفهوم ومنعوا وضع اللغة لذلك. ص: يتلوه الشرط فالصفة المناسبة فمطلق الصفة غير العدد فالعدد فتقديم المعمول لدعوى البيانيين إفادته الاختصاص وخالفهم ابن الحاجب وأبو حيان. ش: لما فرغ من بيان كونها حجة، شرع في بيان مراتبها في القوة والضعف،

стр. 120

وفائدته الترجيح عند التعارض، فأقواها مفهوم الغاية/ ٣١/ أ/م) ولهذا قيل: إنه منطوق، ثم مفهوم الشرط، وقدم على مفهوم الصفة، لأنه قال به بعض من لا يقول بمفهوم الصفة، كابن سريج، ثم مفهوم الصفة المناسبة، وقد جعلها في (المستصفى) من قبيل دلالة الإشارة لا المفهوم، ثم مطلق الصفة غير العدد، واقتضى كلامه استواء بقية أقسام مفهوم الصفة من العلة والظرف والحال. قال الشارح: وينبغي أن يكون أعلاها العلة، لدلالتها على الإيماء فهي قريب من المنطوق، انتهى. ثم مفهوم العدد، ثم تقديم المعمول، وإنما أخره لأنه لا يفيد في كل صورة، ولأن البيانيين لم يصرحوا بأنه للحصر، وإنما قالوا: للاختصاص، وفي كونه بمعناه نزاع يأتي، وخالف في دلالته على ذلك ابن الحاجب، واحتج على ذلك في شرح المفصل بأنه لو دل على الحصر لدل تأخيره على عدمه، وهو غير لازم، فتأخيره لا يدل على حصر، ولا عدمه، وكذلك أبو حيان، فنقل في أول تفسيره عن سيبويه أنه قال: كأنهم يقدمون الذي شأنه أهم لهم, وهم ببيانه أعني، ولم يذكر المصنف هنا مرتبة بقية أدوات الحصر، كأنه اكتفى بقوله: (فيما تقدم وأعلاها لا عالم إلا زيد، ثم ما قيل منطوق أي بالإشارة ثم غيره) ولكن ذاك إنما فيه بيان مراتبها في أنفسها، وليس فيه بيان مرتبتها مع غيرها من المفاهيم، وقال في شرح المختصر: إن أعلاها (ما) و (إلا) ثم مفهوم (إنما) والغاية ثم حصر المبتدأ في الخبر، وهو في تقديم ذلك على الشرط متابع للغزالي. ص: والاختصاص: الحصر، خلافاً للشيخ الإمام حيث أثبته وقال: ليس هو الحصر. ش: تقدم عن علماء البيان أن تقديم المعمول يدل على الاختصاص/ (٢٦/ب/د) والذي يفهمه أكثر الناس من ذلك الحصر، وخالف في ذلك الشيخ الإمام السبكي، وقال: إنه غيره، فالاختصاص افتعال من الخصوص، وهو مركب

стр. 121

من عام مشترك بين أشياء، ومعنى ينضم إليه يفصله عن غيره، كضربت زيداً، فإنه أخص من مطلق الضرب، لما انضم إليه منك ومن زيد، فمطلق الضرب ووقوعه منك: وكونه واقعاً على زيد قد يقصدها المتكلم على السواء، وقد يرجح قصده لبعضها على بعض، ويعرف ذلك بما ابتدأ به كلامه، فإن الابتداء بالشيء يدل/ ٣١/ب/م) على الاهتمام به. فإذا قلت: زيداً ضربت، علم أن خصوص الضرب على زيد هو المقصود، فهو الأهم الذي قصد إفادته من غير قصد غيره بإثبات ولا نفي، والحصر وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عن غيره زائد على ذلك، وإنما جاء هذا في ﴿إياك نعبد﴾ للعلم بأنه لا يعبد غير الله لا من موضوع اللفظ انتهى. ص: مسألة: (إنما) قال الآمدي وأبو حيان: لا تفيد الحصر، وأبو إسحاق الشيرازي والغزالي وإلكيا والإمام والشيخ الإمام: تفيد فهما، وقيل: نطقاً. ش: اختلف في (إنما) على مذاهب. أحدها: أنها لا تدل على الحصر، وإنما تفيد تأكيد الإثبات، وبه قال الآمدي، واختاره أبو حيان، وحكاه عن البصريين، وفيه نظر، فقد نقل الأزهري في كتابه (الزاهر) عن أهل اللغة أنها تقتضي إيجاب شيء ونفي غيره. الثاني: أنها تفيده من جهة المفهوم، وقال السكاكي: ليس الحصر في إنما من جهة أن (ما) للنفي كما يفهمه من لا وقوف له على علم النحو، يريد به

стр. 122

طريقة الإمام فخر الدين والبيضاوي، لأنها لو كانت للنفي لكان لها صدر الكلام، وإنما هي (ما) الكافة لـ (إن) عن العمل، وكلام ابن دقيق العيد في (شرح العمدة) يقتضي الاتفاق على ذلك، فإنه قال: إن ابن عباس فهم الحصر من قوله: (إنما الربا في النسيئة) ولم يعارض في فهمه، وإنما عورض بدليل آخر يقتضي تحريم ربا الفضل، قال: وفي ذلك اتفاق منهم على أنها للحصر. انتهى. وفي كلامه نظر من وجه آخر، وهو أن ابن عباس وإن روى هذه الصيغة عن النبي ﷺ فقد رواه عن أسامة بن زيد بلفظ: (ليس الربا إلا في النسيئة) وهو في صحيح مسلم، فلعله فهم الحصر من هذه الصيغة الثانية، وهي متفق عليها لا من الصيغة الأولى. الثالث: أنها تفيده من جهة المنطوق، حكاه الشيخ أبو إسحاق في (التبصرة) عن القاضي أبي حامد المروزي، وتظهر فائدة الخلاف فيما لو قال: إنما قام زيد ثم قال: وعمرو، فمن قال بالمفهوم جعله تخصيصاً، ومن قال بالمنطوق جعله نسخاً. ص: وبالفتح الأصح أن حرف/ (٢٧/أ/د) أن فيها فرع المكسورة ومن ثم ادعى الزمخشري إفادتها الحصر. ش:/ ٣٢/أ،/م) ما تقدم في (إنما) بالكسر، أما المفتوحة كقوله تعالى: ﴿قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾ فقال الزمحشري: إنها تفيد الحصر

стр. 123

أيضاً انتهى. وقال أبو حيان: إنه تفرد بهذه المقالة، وذكر المصنف أنه مفرع على (أن) المفتوحة فرع المكسورة، وهو الأصح، وقيل: المفتوحة أصل، وقيل: كل منهما أصل بنفسه، حكاها ابن الخباز، وهي مقوية لكلام الزمخشري، ويؤيده أن سيبويه بوب على إن وأخواتها باب الأحرف الخمسة، فجعل (إن) و (أن) واحدة وإذا كانت فرعها فكل حكم ثبت للأصل ثبت للفرع. ص: مسألة: من الألطاف حدوث الموضوعات اللغوية ليعبر عما في الضمير، وهي أفيد من الإشارة والمثال وأيسر، وهي الألفاظ الدالة على المعاني. ش: من ألطاف الله تعالى إحداث الموضوعات اللغوية لاحتياج الخلق إلى إعلام بعضهم بعضاً ما في أنفسهم من أمر معايشهم للمعاملات، فإن الإنسان لا يستقل بجميع ما يحتاج إليه، وأمر معادهم لإفادة معرفة الله تعالى وأحكامه، فوضع لهم الألفاظ للدلالة على المعاني، ووقفهم عليها على قول التوقيف، وهو مذهب الأشعري، أو جعلهم قادرين على وضع الألفاظ لمعانيها على قول الاصطلاح وهو رأي أبي هاشم. قال الشارح: ولهذا عبر المصنف بالحدوث لينبه على أنه لطف على كلا القولين: بخلاف تعبير ابن الحاجب بالإحداث، فإنه يوهم التخصيص بالتوقيف. قلت: بل التعبير بالإحداث أولى، فإنه مصدر أحدث، واللطف حاصل سواء قلنا إن الله تعالى أحدثها أو البشر لإقدارهم عليها، وأما الحدوث فإنه مصدر حدث، وهو فعل لازم غير منسوب إلى محدث، ومن تمام النعمة

стр. 124

أنه جعل ذلك بالنطق دون الإشارة والمثال، وهو وضع شيء على شكل المطلوب لكونه أكثر فائدة وأسهل، فالأول لأنه يعبر به عن الذات والموجود والحادث وأضداها، بخلاف الإشارة والمثال/ ٣٢ب/م) فإنه لا يمكن التعبير بهما عن المعنى والمعدوم والقديم. والثاني فلأنه مركب من الحروف، وهي كيفيات تعرض للنقص الضروري. واعلم أن تعبير المصنف وغيره بـ (أفيد) لا يستقيم، فإن صيغة أفعل إنما يصاغ من فعل ثلاثي، وفعل أفيد أفاد وهو رباعي. ثم بين الموضوعات اللغوية، وأنها الألفاظ الدالة على المعاني، فخرج عن ذلك الخط والإشارة وغيرهما، ودخل في الألفاظ المقدرة وهي الضمائر المستترة في الأفعال، فهي ملفوظ بها حكماً، بدليل إسناد الفعل إليها، وجواز تأكيدها، والعطف عليها، وخرج/ (٢٧/ب/د) بالدلالة على المعاني المهملات، ودخل في هذا التعريف المفرد والمركب. ص: وتعرف بالنقل تواتراً أو آحاداً، وباستنباط العقل من النقل لا مجرد العقل. ش: الطريق في معرفة الموضوع وهو اللغة منحصرة عقلاً في العقل والنقل، والمركب منهما. أما الأول: فلا تعرف به اللغة، لأنه إنما يستقل بوجوب الواجبات وجواز الجائزات. أما وقوع أحد الجائزين فلا مدخل له فيه، والوضع من ذلك. وأما الثاني: فالنقل إما متواتر كالسماء والأرض، والحر والبرد، وإما آحاد كأكثر اللغات فيتمسك به في المسائل الظنية دون القطعية. وأما الثالث: المركب منهما وهو استنباط العقل عن النقل، فمثاله: كون الجمع المعرف بـ (أل) للعموم فإنه مستفاد من مقدمتين نقليتين حكم العقل بواستطها، إحداهما: أنه يدخله الاستثناء.

стр. 125

والثانية: أن الاستثناء إخراج ما تناوله اللفظ، فحكم العقل عند وجود هاتين المقدمتين بأنه للعموم، ولا التفات إلى قول الشيخ زين الدين بن الكتاني أنه إذا كانت المقدمتان نقليتين كانت النتيجة أيضاً نقلية، وإنما العقل يفطن لنتيجتها لأنا نقول: ليس هذا الدليل مركباً من نقليتين لعدم تكرر الحد الأوسط فيهما، وإنما هو مركب من مقدمة نقلية، وهي الاستثناء إخراج بعض ما تناوله اللفظ، ومقدمة عقلية لازمة لمقدمة أخرى نقلية، وهي أن كل ما دخله الاستثناء عام، لأنه لو لم يكن عاماً لم يدخل المستثنى فيه، ثم جعلت هذه القضية كبرى للمقدمة الأخرى النقلية، فصار صورة الدليل هكذا/ ٣٣/ أ/م): الجمع المحلى بـ (أل) يدخله الاستثناء، وكل ما يدخله الاستثناء عام ينتج أن المحلى بـ (أل) عام. ص: ومدلول اللفظ إما معنى جزئي أو كلي، أو لفظ مفرد مستعمل كالكلمة فهي قول مفرد، أو مهمل كأسماء حروف الهجاء أو مركب مستعمل. ش: مدلول اللفظ ينقسم إلى معنى ولفظ، فالأول وهو المعنى ينقسم إلى جزئي وكلي، وسيأتي بيانهما. والثاني: وهو اللفظ، ينقسم إلى مفرد ومركب، وكل منهما إما مستعمل أو مهمل، فهذه أربعة أقسام، فالمفرد المستعمل كالكلمة وهي قول مفرد. ولما عبر المصنف بالقول لم يحتج إلى أن يقول كما قال غيره (وضع لمعنى مفرد) لأن القول خاص بالمستعمل، بخلاف من عبر باللفظ فإنه احتاج معه إلى ذكر الوضع لإطلاقه على المهمل والمفرد المهمل، كأسماء حروف الهجاء، ألا

стр. 126

ترى أن الصاد موضوع لهذا الحرف، وهو مهمل لا معنى له، وإنما يتعلمه الصغار في الابتداء للتوصل به إلى معرفة غيره، والمركب المستعمل نحو الخبر: كقام زيد، والمركب المهمل في وجوده خلاف، حكاه المصنف في باب الأخبار، وذكر هناك أقسام المركب فلذلك لم يذكر ههنا. ص: والوضع/ (٢٨/أ /د) جعل اللفظ دليلاً على المعنى. ش: المراد جعله متهيئاً لأن يفيد ذلك المعنى عند استعمال المتكلم له على وجه مخصوص كتسمية الولد زيداً، وعرفه بعضهم بأن تخصيص الشيء بالشيء بحيث إذا أطلق الأول فهم منه الثاني. ص: ولا يشترط مناسبة اللفظ للمعنى خلافاً لعباد حيث أثبتها، فقيل: بمعنى: أنها حاملة للواضع على الوضع، وقيل: بل كافية في دلالة اللفظ على المعنى. ش: قال الجمهور: لا يشترط أن تكون بين اللفظ والمعنى مناسبة، واشترط ذلك عباد بن سليمان من المعتزلة، واختلف النقل عنه، فقيل: أراد أن المناسبة حاملة للواضع على الوضع، وهو مقتضى نقل الآمدي عنه، وقيل: أراد أنها كافية في دلالة اللفظ على المعنى من غير وضع، وهو مقتضى نقل الإمام عنه، وهو ظاهر الفساد، والأول أقرب منه، وحكاه الشيخ تقي الدين بن تيمية/ ٣٣/ ب/م) عن المحققين وهو مردود، فإنه يلزم عليه امتناع وضع اللفظ الواحد للضدين وهو باطل لوجود القرء والجون ونحوهما. ص: واللفظ موضوع للمعنى الخارجي لا الذهني خلافاً للإمام، وقال الشيخ الإمام: للمعنى من حيث هو. ش: اختلف في أن اللفظ وضع لماذا؟ على مذاهب. أحدها: أنه موضوع للمعنى الخارجي أي الموجود في الخارج، وبه قال

стр. 127

الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع) ونصره ابن مالك في (شرح المفصل) والثاني: للمعنى الذهني، وإن لم يطابق الخارج، واختاره الإمام والبيضاوي، لدوران الألفاظ مع المعاني الذهنية وجوداً وعدماً، فإن من رأى شبحاً من بعد تخيله طللا سماه طللا، فإذا تحرك فظنه شجراً سماه شجراً، فلما قرب منه ورآه رجلاً سماه رجلاً، ورد ذلك بأنه إنما تغيرت التسمية لاعتقاد أنه في الخارج كذلك. والثالث: أنه موضوع للمعنى من حيث هو أعم من الذهني والخارجي، واختاره الشيخ، الإمام السبكي وله فيه تصنيف. ص: وليس لكل معنى لفظ، بل كل معنى يحتاج إلى اللفظ. ش: لا يجب أن يوضع لكل معنى لفظ يدل عليه، فإن أنواع الروائح كثيرة، ولم يوضع لها ألفاظ توازيها، وإنما وضع لما تشتد الحاجة إلى التعبير عنه فيجب الوضع له للإفهام، وعبارة (المحصول) لا يجب أن يكون لكل معنى لفظ، بل لا يجوز، واقتصر في (الحاصل) على نفي الوجوب، وفي (المنتخب) على نفي الجواز، وأتى المصنف بلفظ يحتملهما. ص: والمحكم: المتضح المعنى، والمتشابه: ما استأثر الله تعالى بعلمه، وقد يطلع عليه بعض أصفيائه. ش: قال الله تعالى: ﴿منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر

стр. 128

متشابهات﴾ والمشهور أن المحكم هو المتضح/ (٢٨/ب/د) المعنى، مأخوذ من الإحكام وهو الإتقان، فيدخل فيه النص والظاهر. والمتشابه مقابله فهو ما لم يتضح معناه، فيدخل فيه المجمل، وما ظاهره غير مراد كالتشبيه، وهو المقصود هنا، وعبر عنه المصنف بحكمه فقال: إنه ما استأثر الله تعالى بعلمه، ثم قال: وقد يطلع عليه بعض أصفيائه، وهذا مذهب الأشاعرة والمعتزلة: أن الوقوف على قوله: ﴿والراسخون في العلم﴾ وأنه لا بد أن يكون في الراسخين من يعلمه. وقال ابن الحاجب: إنه الظاهر، لأن الخطاب بما لا يفهم بعيد، وقال النووي في الأدب من (شرح مسلم) إنه الأصح، لأنه يبعد أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته انتهى. وذهب آخرون من أصحابنا وغيرهم إلى الوقوف على قوله: ﴿إلا الله﴾ وقالوا: لا يعلم المتشابه سواه (٣٤/أ/م)، قال الأستاذ أبو منصور: وهو الأصح

стр. 129

عندنا، لأنه قوله الصحابة، وقال ابن السمعاني: إنه المختار على طريقة أهل السنة، واختاره الشيخ موفق الدين بن قدامة. ص: قال الإمام: واللفظ الشائع لا يجوز أن يكون موضوعاً لمعنى خفي إلا على الخواص، كما يقول مثبتو الحال: الحركة معنى يوجب تحرك الذات. ش: قال الإمام فخر الدين الرازي: لا يجوز أن يكون اللفظ الشائع المشهور بين الخاصة والعامة في معنى موضوعاً لمعنى خفي جداً بحيث لا يعرفه إلا الخواص، والقصد بذلك الرد على مثبتي الأحوال في قولهم: إن الحركة معنى يوجب تحرك الذات، فإن ذلك معنى خفي إلا على الخواص، والمشهور تفسير الحركة بنفس الانتقال لا أنها/ معنى أوجب الانتقال، ورده الأصفهاني في شرحه، وقال: قد يدرك الإنسان معاني حقيقة لطيفة ولا يجد لها لفظاً يدل عليها لأن المعنى مبتكر، ويحتاج إلى وضع لفظ بإزائه، ليفهم الغير ذلك المعنى، سواء أكان اللفظ مشهوراً أم لا، نعم إن قيل: إن اللفظ المشهور موضوع بإزاء المعنى الخفي أو لا، فممنوع، قال: وأسماء الله المقدسة من القسم الأول، فإن فيها ألفاظاً مشهورة، وبإزائها معان دقيقة لا يفهمها إلا

стр. 130

الخواص. ص: مسألة: قال ابن فورك والجمهور: اللغات توقيفية، علمها الله بالوحي أو خلق الأصوات أو العلم الضروري، وعزي إلى الأشعري، وأكثر المعتزلة: اصطلاحية حصل عرفانها بالإشارة والقرينة، كالطفل، والأستاذ القدر المحتاج في التعريف توقيف وغيره محتمل له وقيل: عكسه وغيره محتمل له وتوقف كثير، والمختار: الوقف عن القطع وأن التوقيف مظنون. ش: ذكر في هذه المسألة الخلاف في واضع اللغات وفيه مذاهب: أحدها: أنها توقيفية، بمعنى أن الله تعالى هو الذي وضعها، ووقف خلقه عليها إما بوحيها إلى نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإما بخلق أصوات تدل عليها وإسماعها لمن عرفها ونقلها، وإما بخلق علم/ (٢٩أ/ د) ضروري بها عند من شاء، وبهذا قال الجمهور، ومنهم ابن فورك وهو من أكابر أصحاب الأشعري. وقول المصنف: (وعزي إلى الأشعري) يقتضي توقفه في نسبته إليه، ولعل ذلك لأن بعضهم قال: إنما تكلم الأشعري في الوقوع مع تجويز صدور اللغة اصطلاحاً، ولو منع الجواز لنقله عنه القاضي وغيره من أصحابه.

стр. 131

الثاني ـ وبه قال أكثر المعتزلة ـ: أنها اصطلاحية، بمعنى أن الواضع لها واحد من البشر أو جماعة، وعلمها الباقون بالإشارة والقرائن كتعريف الأطفال ذلك في ابتداء نطقهم وتمييزهم. الثالث: ـ وبه قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني ـ: أن ابتداءها وهو القدر المحتاج إليه في التعريف توقيفي، والباقي محتمل للتوقيف والاصطلاح، كذا نقلها عنه ابن برهان والآمدي وابن الحاجب والإمام في موضع، ونقل عنه في موضع آخر أن الباقي اصطلاحي، وتبعه على النقل الثاني البيضاوي. والأول هو المعروف عنه. الرابع: عكسه، أي ابتداؤها محتمل للتوقيف والاصطلاح، وباقيها توقيفي، هذا مقتضى اللفظ. وقال الشارح: (قوله: عكسه) يفهم أن القدر المحتاج إليه اصطلاحي والباقي محتمل لكن الذين حكوا هذا المذهب قالوا: إن الباقي مصطلح. قلت: صوابه توقيفي، وقوله: مصطلح، سبق قلم، لا أدري من المصنف أو الناسخ. وقوله: (أن القدر المحتاج إليه اصطلاحي) فيه نظر، ومقتضى اللفظ ما قدمته من أنه محتمل، والله تعالى أعلم. الخامس: التوقف في المسألة لتعارض الأدلة، وعزاه في (المحصول) للقاضي وجمهور المحققين. السادس: الوقف عن القطع بشيء من هذه المذاهب، وترجيح مذهب الأشعري في التوقيف بحسب الظن، اختاره المصنف تبعاً لابن الحاجب/ وقال الآمدي: إن كان المطلوب اليقين فالحق قول القاضي، وإن كان المطلوب الظن وهو الحق فالقول قول الأشعري، لظهور أدلته.

стр. 132

فائدة: ذكر الإبياري شارح (البرهان) أنه لا فائدة للخلاف في هذه المسألة. وقال الماوردي في تفسيره: فائدته أن من قال بالتوقيف جعل التكليف مقارناً لكمال العقل، ومن قال بالاصطلاح أخر التكليف عن العقل مدة الاصطلاح على معرفة الكلام. وقال بعضهم: فائدته قلب اللغة، ورتب بعضهم على هذا ما لو عقد النكاح بحضور الناس على ألفين مريدين بها ألفا. والحق أن الخلاف في اللغات الموجودة هل هي توقيفية أو اصطلاحية، أما اصطلاح اثنين الآن على تسمية الألف ألفين أو الثوب فرساً فلا يجوز قطعاً. ص: مسألة: قال القاضي وإمام الحرمين والغزالي والآمدي: لا تثبت اللغة قياساً، وخالفهم ابن سريج وابن أبي هريرة وأبو إسحاق الشيرازي والإمام، وقيل: تثبت الحقيقة/ (٢٩/ب/د) لا المجاز ولفظ القياس يغني عن قولك محل الخلاف ما لم يثبت تعميمه باستقراء. ش: اختلف في أن اللغة هل تثبت بالقياس أم لا؟ على مذاهب: أحدها: المنع، وهو قول أكثر أصحابنا والحنفية، والمحكي هنا عن القاضي من المنع هو الموجود في تقريبه، وكذا حكاه عنه المازري وغيره، ونقل ابن الحاجب عنه جواز ذلك مردود. الثاني: الجواز، والذاهبون إلى هذا منهم من جوزه من حيث اللغة، ومنهم من جوزه من حيث الشرع، فتحصل في ذلك مذهبان. وبالثاني قال ابن سريج، كما حكاه عنه ابن السمعاني فقال بعد ذكر

стр. 133

المانعين: وهذه الأدلة قوية جداً، فالأولى أن نقول: يجوز إثبات الأسامي شرعاً، ولا يجوز لغة، وهو الذي اختاره ابن سريج، والدليل عليه: أنا نعلم أن الشريعة إنما سمت الصلاة صلاة لصفة، متى انتفت عنها لم تسم صلاة، فنعلم أن ما شاركها في تلك الصفة يكون صلاة، فبان بهذا ثبوت الأسماء الشرعية بالعلل، انتهى. ونقل المنصف عن الإمام الجواز لا ينافيه قوله في مواضع: (هذا قياس في اللغة، فلا نقول به) فإن المناظرة قد يرتكب فيها مذهب الخصم والاعتماد على المذكور في مظنته دون المستطرد. الرابع: أنه تثبت الحقيقة دون المجاز لأنه أخفض رتبة منها، فيجب تميزها عليه، وهذا يخرج من كلام القاضي عبد الوهاب. تنبيهات: أحدها: قال ابن الحاجب: ليس الخلاف فيما يثبت تعميمه بالاستقراء كرفع الفاعل ونصب المفعول، وذكر المصنف أن لفظ القياس يغني عن ذلك، أي فإن اطراد ذلك في كل ما أسند إليه فعل قد علم بالنص فلا يحتاج فيه القياس. ثانيها: محل الخلاف إذا اشتمل الاسم على وصف، واعتقدنا أن التسمية لذلك الوصف، فهل يجوز تعدية الاسم إلى محل آخر مسكوت عنه كالخمر إذا اعتقدنا أن تسميتها بذلك باعتبار تخمير العقل فعديناه إلى النبيذ؟ أما الأعلام فلا يجري فيها القياس اتفاقاً، لأنها غير معقولة المعنى، والقياس فرع المعنى، وكذلك الصفات كاسم الفاعل والمفعول ونحوهما، لأنه/ ٣٥/ب/م) لا بد للقياس من أصل وهو غير متحقق فيها، فإنه ليس جعل/ البعض أصلاً والبعض فرعاً بأولى من العكس، واطرادهما في محالها مستفاد من الوضع لوضعهم القائم مثلاً لكل من

стр. 134

قام. وثالثها: فائدة الخلاف أن المثبت للقياس في اللغة يستغني عن القياس الشرعي، فإيجاب الحد على شارب النبيذ والقطع على النباش بالنص، ومن أنكر القياس في اللغة جعل ثبوت ذلك بالشرع، والله تعالى أعلم. ص: مسألة: واللفظ والمعنى إن اتحدا فإن منع تصور معناه الشركة فجزئي وإلا فكلي. ش:/ ٣٠أ/ د) هذه المسألة في تقسيم اللفظ إذا نسب للمعنى باعتبار وحدته وتعدده، ووحدة المعنى وتعدده، وهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى أربعة أقسام: الأول: متحد اللفظ والمعنى، ويسمى المنفرد، لانفراد لفظه بمعناه، وينقسم إلى جزئي وكلي، فإن منع تصور معناه من وقوع الشركة فيه فهو الجزئي كالعلم نحو (زيد) وإن لم يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه فهو الكلي، سواء أوقعت فيه الشركة كالإنسان، أو لم تقع وأمكنت كالشمس، أو استحالت كالآلة، فإن استحالة ذلك للأدلة القاطعة عليه. واعلم أن الجزئي والكلي بالذات هو ذلك المعنى، وإطلاقه على اللفظ الدال عليه باعتبار التبعية تسمية للدال باسم المدلول. ص: متواطئ إن استوى، مشكك إن تفاوت. ش: ينقسم الكلي إلى متواطئ ومشكك. فالأول: ما استوى معناه في أفراده كالإنسان، فإن كل واحد من أفراده لا يزيد على الآخر في معنى الإنسانية وهي الحيوانية والناطقية. والثاني: أن يتفاوت معناه في أفراده كالنور فإنه يطلق على الشمس والسراج، ولا يخفى ما بينهما من التفاوت، وسمي مشككاً لأنه يشكك الناظر

стр. 135

هل هو متواطئ لوحدة، الحقيقة فيه، أو مشترك لما بينهما من التفاوت. وقال ابن التلمساني: لا حقيقة للمشكك لأن ما حصل به التفاوت إن دخل في التسمية فاللفظ مشترك، وإن لم يدخل بل وضع للقدر المشترك فهو المتواطئ، وأجاب عنه القرافي بأن كلا من المتواطئ والمشكك موضوع للقدر المشترك، ولكن الاختلاف إن كان بأمر من جنس المسمى فهو المشكك، وإن كان / ٣٦/أ/م) بأمور خارجية من مسماه كالذكورة والأنوثة والعلم والجهل فهو المتواطئ. واعلم أن بعضهم قال: التعبير بالاختلاف أولى من التعبير بالتفاوت، لأنه يدخل فيه ما كان اختلافه بالوجوب والإمكان، كالوجود واجب في حق الله تعالى، جائز في حق غيره، أو بالاستغناء والافتقار كالوجود يطلق على الأجسام مع استغنائها عن المحل، وعلى الأعراض مع افتقارها إليه، ولا يدخل ذلك في التعبير بالتفاوت. وفيه نظر، فإن الواجب والجائز متفاوتان، والاستغناء والافتقار متفاوتان، فقد دخل هذان القسمان في التعبير بالتفاوت أيضاً، والله تعالى أعلم. ص: وإن تعددا فمتباين. ش: القسم الثاني أن يتعدد اللفظ والمعنى، كالإنسان والفرس فهو المتباين، سمي بذلك لتباين لفظه ومعناه، أي: أن كلا من اللفظين لفظه ومعناه غير لفظ، الآخر ومعناه، وعندي في مباينة هذا القسم للذي قبله نظر، فإن الكلي إن أخذ باعتبار معناه/ ٣٠ب/د) وحده من غير نظر إلى لفظ آخر فهو مفرد، وإن أخذ باعتبار مدلول آخر فهو متباين بالنسبة إلى ذلك الآخر كالإنسان، فإن معناه مفرد وهو بالنظر إلى الفرس مثلاً متباين، فيدخل أحد/ القسمين في الآخر، فلينظر في ذلك فإني لم أر من تعرض له، والله تعالى أعلم.

стр. 136

ص: وإن اتحد المعنى دون اللفظ فمترادف، وعكسه إن كان حقيقة فيهما فمشترك وإلا فحقيقة ومجاز. ش: القسم الثالث: أن يتعدد اللفظ ويتحد المعنى كالإنسان والبشر، فهو المترادف. القسم الرابع: عكسه أن يتحد اللفظ، ويتعدد المعنى، فإن وضع لكل منهما وضعاً أولياً فهو مشترك بينهما كالقرء للطهر والحيض، وإن وضع لأحدهما ثم نقل للآخر لعلاقة سمي بالنسبة للأول حقيقة، وبالنسبة للثاني مجازاً كالأسد، ومحل هذا إذا لم يغلب استعماله في المنقول/ (٣٦/ب/م) إليه فإن غلب سمي بالنسبة للأول منقولاً عنه، وبالنسبة للثاني منقولاً إليه، ومقتضى هذا أنه لا يطلق عليه اسم الحقيقة والمجاز، وهذا مخالف لقولهم: إنه قد تكون الحقيقة مرجوحة والمجاز راجحاً. ص: والعلم ما وضع لمعين لا يتناول غيره، فإن كان التعين خارجياً فعلم الشخص، وإلا فعلم الجنس، وإن وضع للماهية من حيث هي فاسم الجنس. ش: ذكر المصنف من أقسام الجزئي العلم، وعرفه بأنه ما وضع لمعين لا يتناول غيره. فخرج بالمعين النكرات. وبقوله: (لا يتناول غيره) بقية المعارف، فإن الضمير صالح لكل متكلم ومخاطب وغائب، واسم الإشارة صالح لكل مشار إليه، وكذلك بقيتها. وهذا التعريف ذكره ابن الحاجب في كافيته، وزاد فيه (بوضع واحد) لئلا يرد عليه أن زيداً مثلاً قد يسمى به واحد وآخر فهو متناول لغيره، فأخرجه بقوله: (بوضع واحد) فإن ذلك بأوضاع. واعترض عليه في قوله: (لا يتناول غيره) بأنه إذا قصد بذلك إخراج

стр. 137

الضمير كـ (أنت) مثلاً فإنه يصح أن يخاطب به زيد وعمرو وغيرهما ـ يقال له: والعلم كذلك، فكما أنه قد يعرض الاشترك في لفظ الضمير بحسب المخاطب قد يعرض في العلم باعتبار تعدد التسمية، لكن كل منهما لم يوضع إلا لواحد بخلاف النكرات، ولو تبع المصنف ابن مالك في تعريف العلم بأنه: (اسم يعين مسماه مطلقاً) أي من غير قيد ولا قرينة ـ لكان أحسن. ثم قسم المصنف العلم إلى علم الشخص كزيد، وعلم الجنس كأسامة، وفرق بينهما بأن التعين في الشخصي خارجي وفي الجنسي ذهني، وتقرير ذلك أن علم الشخص موضوع للحقيقة بقيد التشخص الخارجي، وعلم الجنس موضوع للماهية بقيد التشخص الذهني. ومن المهمات: الفرق بين علم الجنس كأسامة، واسم الجنس كأسد، فإنهما في المعنى سواء لصدق كل منهما على كل فرد من هذا الجنس، وفي الأحكام اللفظية مختلفان فإن لأسامة حكم الأعلام من منع الصرف لاجتماع فرعية الأنوثة والعلمية/ (٣١/أ/د) وغير ذلك من الأحكام، وأسد نكرة محضة، قال القرافي: وكان الخسروشاهي يقرره ولم أسمعه من أحد إلا منه، / (٣٧/أ/ م) وكان يقول: ما في البلاد المصرية من يعرفه، وتقرير الفرق بينهما أن الواضع إذا استحضر صورة الأسد ليضع لها فتلك الصورة المتشخصة في ذهنه جزئية باعتبار تشخصها في ذهنه، ومطلق الصورة كلي، فإن وضع اللفظ للصورة التي في ذهنه فهو علم الجنس، وإن وضعه لمطلق الصورة فهم اسم الجنس/ وحينئذ فلا يعرف الفرق بينهما إلا باعتبار وضع الواضع. وفي كلام سيبويه إشارة إلى هذا الفرق، وقال ابن مالك بعد ذكره كلامه:

стр. 138

جعله خاصاً شائعاً في حال واحدة مخصوصة باعتبار تعيينه الحقيقة في الذهن، وشائعة باعتبار أن لكل شخص من أشخاص نوعه قسطاً من تلك الحقيقة في الخارج. واختار والد المصنف أن علم الجنس ما قصد به تمييز الجنس عن غيره، مع قطع النظر عن أفراده، واسم الجنس ما قصد به مسمى الجنس باعتبار وقوعه على الأفراد، حتى إذا أدخلت عليه الألف واللام الجنسية صار مساوياً لعلم الجنس، لأن الألف واللام الجنسية لتعريف الماهية، وفرع على ذلك أن علم الجنس لا يثنى ولا يجمع، لأن الحقيقة من حيث هي لا تقبل جمعاً ولا تثنية، لأن التثنية والجمع إنما هو للأفراد. ص: مسألة: الاشتقاق رد لفظ إلى آخر ولو مجازاً لمناسبة بينهما في المعنى والحروف الأصلية. ش: الاشتقاق لغة الاقتطاع، واصطلاحاً ما ذكره بقوله: (رد لفظ إلى آخر) أي يجعل أحدهما أصلاً والآخر فرعاً، والفرع مردود إلى الأصل. وقوله: (لمناسبة بينهما في المعنى) خرج به نحو: اللحم والملح والحلم، فإنها متوافقة في الحروف الأصلية دون المعنى. وقوله: (والحروف) خرج به الألفاظ المترادفة كالإنسان والبشر. وقوله: (الأصلية) أخرج به الحروف الزوائد، فإنه لا يحتاج إلى الاتفاق فيها. قال ابن الحاجب: وقد يقال: (بتغيير ما) أي يزاد ذلك في التعريف، ولم يأت به المصنف، وهو الحق، فإنه إذا لم يكن فيه تغيير فالمشتق حينئذ هو المشتق منه. وقد أورد على المصنف أنه أهمل/ (٣٧/ ب/م) تبعاً لغيره الترتيب في الحروف، ولا بد منه.

стр. 139

وأجاب عنه بأنه إذا لم يكن على ترتيبه لم يناسبه. وأشار بقوله: (ولو مجازاً) إلى أن الاشتقاق قد يكون من المجاز، كما يكون من الحقيقة وهذا هو الصحيح خلافاً للقاضي أبي بكر والغزالي وإلكيا حيث منعوا الاشتقاق من المجاز وجعلوا ذلك مختصاً بالحقيقة، كالأمر إذا كان بمعنى القول الطالب للفعل، كما هو حقيقة فإنه يشتق منه الآمر والمأمور وغيرهما، فإن كان بمعنى الفعل أو غيره من مجازاته لم يشتق منه، ويشهد للأول إجماع البيانيين على صحة/ (٣١ب/ د) الاستعارة التبعية، وهي مشتقة من المجاز، لأن الاستعارة أولاً تكون في المصدر ثم تشتق منه. ص: ولا بد من تغيير، وقد يطرد كاسم الفاعل وقد يختص كالقارورة. ش: فيه مسألتان: إحداهما: أنه لا بد من تغيير بين لفظي المشتق والمشتق منه، وذلك بزيادة حرف أو حركة أو هما معاً، أو نقصان حرف أو حركة أو هما معاً، أو زيادة حرف ونقصانه، أو زيادة حركة ونقصانها، أو زيادة حرف ونقصان حركة، أو زيادة حركة ونقصان حرف، أو زيادة حرف مع زيادة حركة ونقصانها، أو نقصان حركة مع زيادة حرف ونقصانه، أو زيادة حرف مع زيادة حركة ونقصانها، أو زيادة حركة مع زيادة حرف ونقصانه، أو زيادة الحرف ونقصانه، وزيادة الحركة ونقصانها، فهذه خمسة عشر قسماً. ثم قد يكون التغيير لفظياً، وقد يكون تقديرياً، كالفلك مفرداً أو جمعاً، فتقدير حركة الجمع غير حركة المفرد، وطلب من الطلب، فحركة البناء في الفعل غير حركة الإعراب في المصدر، وقد يزاد التغيير المعنوي، لأن التغيير اللفظي مفهوم من رد أحدهما إلى الآخر لاستحالة رد الشيء إلى نفسه. ثانيهما: أن المشتق قد يطرد استعماله: كاسم الفاعل واسم المفعول وغيرهما، وقد لا يطرد كالقارورة، فهي مشتقة من الاستقرار، ولا يطرد في

стр. 140

كل مستقر بل مختص بالزجاجة. ص: ومن لم يقم به وصف لم يجز أن يشتق له منه اسم، خلافاً للمعتزلة، ومن بنائهم اتفاقهم على أن سيدنا إبراهيم ذابح، واختلافهم/ (٣٨/أ/م) هل إسماعيل مذبوح. ش: لا يجوز أن يشتق الاسم إلا لمن قام به الوصف، فلا يطلق على من لم يتصف بالقيام أنه قائم، وهذا واضح، والقصد الرد به على المعتزلة في أنهم لم يثبتوا للباري الصفات الثمانية التي أثبتها الأشاعرة، وهي المجموعة في قول بعضهم. حياة وعلم قدرة وإرادة كلام وإبصار وسمع مع البقا. مع اعترافهم بثبوت الأسماء له، وهي أنه حي عليم إلى آخرها، فاشتقوا الاسم لمن لم يقم به الوصف، وهم لم يطردوا هذا في جميع الأمور، فغايته أن هذا لازم لمذهبهم، والصحيح أن لازم المذهب/ ليس بمذهب، وبنوا أي المعتزلة على هذا الأصل مسألة وهي: (النسخ قبل الفعل) فمنعه المعتزلة، وجوزه جمهور أصحابنا، واستدلوا بأن إبراهيم ﵇ أمر بذبح ولده، ثم نسخ قبل التمكن، فأجابوا بأنه ذبح، وكان يلتحم، ووجه البناء الاتفاق على أن إبراهيم ﵇ ذابح، مع أنه لم يقم به فعل الذبح، فإنه لا بد فيه من ثبوت مذبوح تزهق روحه، واختلفوا مع ذلك في أن إسماعيل مذبوح أم لا، كذا قاله المصنف هنا، وقال في (شرح المختصر): اتفقوا على أن إسماعيل ليس بمذبوح، واختلفوا في أن إبراهيم ﵇ هل هو ذابح أم لا؟ فقال قوم: هو (٣٢أ/د) ذابح للقطع، والولد غير مذبوح للالتئام وأنكره قوم، وقالوا: ذابح ولا مذبوح محال. قال الشارح: وهو أولى من كلامه هنا.

стр. 141

ص: فإن قام به ما له اسم وجب الاشتقاق، أو ما ليس له اسم كأنواع الروائح لم يجب. ش: اختلفوا في أنه هل يجب أن يشتق لمحل المعنى القائم بالشيء منه اسم قال في (المحصول): والحق التفصيل، فإن كان لذلك المعنى اسم وجب، وإن لم يكن له اسم كأنواع الروائح والآلام استحال أن يشتق لمحله منه اسم. ص: والجمهور على اشتراط بقاء المشتق منه في كون المشتق حقيقة إن أمكن، وإلا فآخر جزء، وثالثها الوقف. ش: إطلاق المشتق مع بقاء المشتق منه حقيقة بالاتفاق، وقيل: وجوده باعتبار المستقبل مجاز بالاتفاق، وأما/ (٣٨/ ب/م) إطلاقه بعد انقضائه باعتبار (المضي كإطلاق الضارب) بعد انقضاء الضرب فهل هو حقيقة أو مجاز؟ فيه مذاهب. أحدها: أنه مجاز، وإنما يكون حقيقة إذا أطلق مع قيام المشتق منه، ثم إن أمكن حصوله دفعة واحدة كالقيام والقعود فلا إشكال فيه، وإن لم يمكن كالأعراض السيالة التي لا يمكن اجتماع أجزائها دفعة واحدة كالكلام ونحوه اكتفى في كون الإطلاق حقيقياً، بأن يقترن ذلك بآخر جزء، وبهذا قال الجمهور، وفي (المحصول) أنه الأقرب، واختاره البيضاوي. الثاني: أنه حقيقة، وبه قال أبو علي الجبائي، وابنه أبو هاشم، وابن

стр. 142

سينا. فإن قلت: لم يشترط أبو علي وابنه صدق الأصل، وهذه فرع تلك. قلت: إنما خالفا في صفات الله تعالى ووافقا فيما عداها. الثالث: الوقوف في ذلك، وقال الشارح: لم أر هذا القول صريحاً لأحد إلا أن العضد في (شرح المختصر) قال: كان ميل ابن الحاجب إلى التوقف في المسألة، ولذلك ذكر أدلة الفريقين، وأجاب عنها. تنبيه: غاير الشارح بين القول الذاهب إلى أنه مجاز مطلقاً، والقول المفصل بين ما يوجد أجزاؤه دفعة واحدة، وبين ما يوجد أجزاؤه شيئاً فشيئاً، فيكتفي

стр. 143

في الإطلاق الحقيقي في الثاني بأن يكون ذلك عند آخر جزء، والحق أنهما قول واحد، ولكن لما اعترض القائل بالمذهب الثاني على الأول بأنه يلزم عليه أن المشتق مما لا يمكن اجتماع أجزائه لا يمكن كونه حقيقة أجاب عنه بأنه يكتفي في كونه حقيقة بأن يكون إطلاقه عند آخر جزء، فهذا من تتمة القول بأن إطلاقه بعد انقضاء المشتق منه مجاز، فإن/ ذلك قدر مشترك بين الحالتين، والتفصيل إنما هو في كيفية الإطلاق الحقيقي مع قيام المشتق منه، فهو تنقيح لهذا القول الذاهب إلى المجاز، لا مغاير له. نعم في المسألة قول آخر: إن ما أمكن بقاء المشتق منه إلى حالة الإطلاق كالضارب فمجاز، وما لم يمكن كالمتكلم/ (٣٢ب/د) فحقيقة، ولم يحكه المصنف ولا الشارح. ورتب الشارح على هذه المغايرة التي سلكها أمرين. أحدهما: قال:/ (٣٩/أ/م) إن ما عزاه المصنف للجمهور تابع فيه الصفي الهندي، وفيه نظر، فإن كلام الإمام في (المحصول) مصرح بأنه بحث له لم يقل به أحد. فإن أورد من جهة المانع أنه لو كان وجود المعنى شرطاً في كون المشتق حقيقة لما كان اسم المتكلم والمخبر حقيقة في شيء أصلاً، لأن الكلام اسم لجملة الحروف المركبة، ويستحيل قيام جملتها بالمتكلم حال التكلم ضرورة أنه لا يمكن النطق بالكل دفعة واحدة، بل على التدريج، مع أنه يقال: زيد متكلم ومخبر، والأصل في الإطلاق الحقيقة. ثم قال: فإن أجيب بأنه لم لا يجوز أن يقال: حصول المشتق منه شرط في كون المشتق حقيقة إذا كان ممكن الحصول فأما إذا لم يكن كذلك فلا. قلنا: هذا باطل، لأنه لم يقل بهذا الفرق أحد من الأمة، وقال الآمدي في (الإحكام): هل يشترط بقاء الصفة المشتق منها في إطلاق الاسم المشتق حقيقة؟ فأثبته قوم ونفاه آخرون، وفصل بعضهم بين الممكن الحصول

стр. 144

فاشترط ذلك فيه، وبين ما لا يمكن حصوله فلا، والظاهر أن مراده به احتمال صاحب (المحصول) انتهى. قلت: وهذا الذي نفاه الإمام وأثبته الآمدي هو القول الذي زدته لا القول الذي حكاه المصنف عن الجمهور، والذي حكاه عن الجمهور هو القول بالمجاز مطلقاً، كما قدمته، والله تعالى أعلم. الثاني: قال الشارح: كان ينبغي للمصنف أن يقول: ورابعها الوقف، لأن هذا التفصيل هو ثالثها، كما صرح به ابن الحاجب. قلت: ما زعم الشارح أنه ثالث ليس في كلام المصنف أصلاً، نعم في المسألة ثالث لم يحكه المصنف ولا الشارح كما قدمته، فالأقوال حينئذ أربعة، إن ثبت قول الوقف، لكن لا على الوجه الذي قرره الشارح، والله تعالى أعلم. ص: ومن ثم كان اسم الفاعل حقيقة في الحال أي حال التلبس لا النطق خلافاً للقرافي. ش: لما تقرر أن الجمهور على اشتراط بقاء المشتق منه/ (٣٩/ب/م) في كون المشتق حقيقة، علم منه أن إطلاق اسم الفاعل ونحوه باعتبار الحال حقيقة، وهذا متفق عليه كما تقدم. ثم بين أن المراد بالحال حال تلبس الفاعل بالفعل، لا حال نطق الناطق باللفظ المشتق، خلافاً للقرافي، ومقتضى هذه العبارة أن القرافي اعتبر حال النطق، وليس ذلك وافياً بقوله، فإنه قال: محل الخلاف إذا كان المشتق محكوماً به، كقولنا: (زيد زان) أو (سارق) فإن كان محكوماً عليه كقولنا: (السارق تقطع يده) فإنه حقيقة مطلقاً فيمن اتصف به في الماضي والحال والاستقبال، وإلا سقط الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ ﴿الزانية

стр. 145

والزاني﴾ ﴿والسارق والسارقة﴾ ونحوها في هذه الأعصار، فإنه يقال: لا يتناول حقيقة إلا من كان متصفاً بهذا الوصف حالة نزول الآية، وإطلاقه على غيره مجاز، والأصل عدم المجاز، انتهى. وقد (٣٣أ/د) عرفت/ منه أنه لم يدر ذلك مع زمن النطق، وإنما أدراه مع المحكوم به، ومتعلق الحكم، والمخلص مما قاله القرافي أن اسم الفاعل لا دلالة له على زمن الخطاب، بل مدلوله شخص متصف بصفة صادرة منه، لا تعرض له لزمان كما هو شأن الأسماء كلها، وإذا لم يدل على الزمان الذي هو أعم من الحال فلأن لا يدل على الحال الأخص منه أولى، وإنما جاء الفساد من جهة أنهم فهموا من قولنا: (زيد ضارب) أنه ضارب في الحال، فاعتقدوا أن هذا لدلالة اسم الفاعل عليه، وهو باطل لأنك تقول: (هذا حجر) وتريد إنسانا، فيفهم منه الحال أيضاً، مع أن الحجر والإنسان لا دلالة لهما على الزمان، وهذا من تحقيق والد المصنف. قلت: لم يظهر لي ذلك، والحجر والإنسان لا دلالة لهما على الزمان أصلاً بخلاف ضارب فإنه يدل بحقيقته على الزمان والحال، وقولهم: إن الاسم لا دلالة له على الزمان، أي بهيئته التصريفية، وإلا فقد يدل على الزمان بأمر آخر، كلفظ الزمان والوقت، وضارب الآن، وضارب مطلقاً، والله تعالى أعلم. ص: وقيل: إن طرأ على المحل وصف وجودي يناقض الأول لم يسم بالأول إجماعاً/ (٤٠/أ/م). ش: القائل لذلك هو الآمدي، وحكي إجماع المسلمين وأهل اللسان على أنه لا يجوز تسمية القائم والقاعد قائماً للقعود والقيام السابق، وهو مقتضى كلام الإمام وأتباعه، فإنهم ردوا على الخصوم بأنه لا يصح أن يقال لليقظان: إنه
следующие страницы →