Полный текст (826 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ص: فإن قام به ما له اسم وجب الاشتقاق، أو ما ليس له اسم كأنواع الروائح لم يجب.
ش: اختلفوا في أنه هل يجب أن يشتق لمحل المعنى القائم بالشيء منه اسم قال في (المحصول): والحق التفصيل، فإن كان لذلك المعنى اسم وجب، وإن لم يكن له اسم كأنواع الروائح والآلام استحال أن يشتق لمحله منه اسم.
ص: والجمهور على اشتراط بقاء المشتق منه في كون المشتق حقيقة إن أمكن، وإلا فآخر جزء، وثالثها الوقف.
ش: إطلاق المشتق مع بقاء المشتق منه حقيقة بالاتفاق، وقيل: وجوده باعتبار المستقبل مجاز بالاتفاق، وأما/ (٣٨/ ب/م) إطلاقه بعد انقضائه باعتبار (المضي كإطلاق الضارب) بعد انقضاء الضرب فهل هو حقيقة أو مجاز؟
فيه مذاهب.
أحدها: أنه مجاز، وإنما يكون حقيقة إذا أطلق مع قيام المشتق منه، ثم إن أمكن حصوله دفعة واحدة كالقيام والقعود فلا إشكال فيه، وإن لم يمكن كالأعراض السيالة التي لا يمكن اجتماع أجزائها دفعة واحدة كالكلام ونحوه اكتفى في كون الإطلاق حقيقياً، بأن يقترن ذلك بآخر جزء، وبهذا قال الجمهور، وفي (المحصول) أنه الأقرب، واختاره البيضاوي.
الثاني: أنه حقيقة، وبه قال أبو علي الجبائي، وابنه أبو هاشم، وابن
стр. 142
سينا.
فإن قلت: لم يشترط أبو علي وابنه صدق الأصل، وهذه فرع تلك.
قلت: إنما خالفا في صفات الله تعالى ووافقا فيما عداها.
الثالث: الوقوف في ذلك، وقال الشارح: لم أر هذا القول صريحاً لأحد إلا أن العضد في (شرح المختصر) قال: كان ميل ابن الحاجب إلى التوقف في المسألة، ولذلك ذكر أدلة الفريقين، وأجاب عنها.
تنبيه:
غاير الشارح بين القول الذاهب إلى أنه مجاز مطلقاً، والقول المفصل بين ما يوجد أجزاؤه دفعة واحدة، وبين ما يوجد أجزاؤه شيئاً فشيئاً، فيكتفي
стр. 143
في الإطلاق الحقيقي في الثاني بأن يكون ذلك عند آخر جزء، والحق أنهما قول واحد، ولكن لما اعترض القائل بالمذهب الثاني على الأول بأنه يلزم عليه أن المشتق مما لا يمكن اجتماع أجزائه لا يمكن كونه حقيقة أجاب عنه بأنه يكتفي في كونه حقيقة بأن يكون إطلاقه عند آخر جزء، فهذا من تتمة القول بأن إطلاقه بعد انقضاء المشتق منه مجاز، فإن/ ذلك قدر مشترك بين الحالتين، والتفصيل إنما هو في كيفية الإطلاق الحقيقي مع قيام المشتق منه، فهو تنقيح لهذا القول الذاهب إلى المجاز، لا مغاير له.
نعم في المسألة قول آخر: إن ما أمكن بقاء المشتق منه إلى حالة الإطلاق كالضارب فمجاز، وما لم يمكن كالمتكلم/ (٣٢ب/د) فحقيقة، ولم يحكه المصنف ولا الشارح.
ورتب الشارح على هذه المغايرة التي سلكها أمرين.
أحدهما: قال:/ (٣٩/أ/م) إن ما عزاه المصنف للجمهور تابع فيه الصفي الهندي، وفيه نظر، فإن كلام الإمام في (المحصول) مصرح بأنه بحث له لم يقل به أحد.
فإن أورد من جهة المانع أنه لو كان وجود المعنى شرطاً في كون المشتق حقيقة لما كان اسم المتكلم والمخبر حقيقة في شيء أصلاً، لأن الكلام اسم لجملة الحروف المركبة، ويستحيل قيام جملتها بالمتكلم حال التكلم ضرورة أنه لا يمكن النطق بالكل دفعة واحدة، بل على التدريج، مع أنه يقال: زيد متكلم ومخبر، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
ثم قال: فإن أجيب بأنه لم لا يجوز أن يقال: حصول المشتق منه شرط في كون المشتق حقيقة إذا كان ممكن الحصول فأما إذا لم يكن كذلك فلا.
قلنا: هذا باطل، لأنه لم يقل بهذا الفرق أحد من الأمة، وقال الآمدي في (الإحكام): هل يشترط بقاء الصفة المشتق منها في إطلاق الاسم المشتق حقيقة؟ فأثبته قوم ونفاه آخرون، وفصل بعضهم بين الممكن الحصول
стр. 144
فاشترط ذلك فيه، وبين ما لا يمكن حصوله فلا، والظاهر أن مراده به احتمال صاحب (المحصول) انتهى.
قلت: وهذا الذي نفاه الإمام وأثبته الآمدي هو القول الذي زدته لا القول الذي حكاه المصنف عن الجمهور، والذي حكاه عن الجمهور هو القول بالمجاز مطلقاً، كما قدمته، والله تعالى أعلم.
الثاني: قال الشارح: كان ينبغي للمصنف أن يقول: ورابعها الوقف، لأن هذا التفصيل هو ثالثها، كما صرح به ابن الحاجب.
قلت: ما زعم الشارح أنه ثالث ليس في كلام المصنف أصلاً، نعم في المسألة ثالث لم يحكه المصنف ولا الشارح كما قدمته، فالأقوال حينئذ أربعة، إن ثبت قول الوقف، لكن لا على الوجه الذي قرره الشارح، والله تعالى أعلم.
ص: ومن ثم كان اسم الفاعل حقيقة في الحال أي حال التلبس لا النطق خلافاً للقرافي.
ش: لما تقرر أن الجمهور على اشتراط بقاء المشتق منه/ (٣٩/ب/م) في كون المشتق حقيقة، علم منه أن إطلاق اسم الفاعل ونحوه باعتبار الحال حقيقة، وهذا متفق عليه كما تقدم.
ثم بين أن المراد بالحال حال تلبس الفاعل بالفعل، لا حال نطق الناطق باللفظ المشتق، خلافاً للقرافي، ومقتضى هذه العبارة أن القرافي اعتبر حال النطق، وليس ذلك وافياً بقوله، فإنه قال: محل الخلاف إذا كان المشتق محكوماً به، كقولنا: (زيد زان) أو (سارق) فإن كان محكوماً عليه كقولنا: (السارق تقطع يده) فإنه حقيقة مطلقاً فيمن اتصف به في الماضي والحال والاستقبال، وإلا سقط الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ ﴿الزانية
стр. 145
والزاني﴾ ﴿والسارق والسارقة﴾ ونحوها في هذه الأعصار، فإنه يقال: لا يتناول حقيقة إلا من كان متصفاً بهذا الوصف حالة نزول الآية، وإطلاقه على غيره مجاز، والأصل عدم المجاز، انتهى.
وقد (٣٣أ/د) عرفت/ منه أنه لم يدر ذلك مع زمن النطق، وإنما أدراه مع المحكوم به، ومتعلق الحكم، والمخلص مما قاله القرافي أن اسم الفاعل لا دلالة له على زمن الخطاب، بل مدلوله شخص متصف بصفة صادرة منه، لا تعرض له لزمان كما هو شأن الأسماء كلها، وإذا لم يدل على الزمان الذي هو أعم من الحال فلأن لا يدل على الحال الأخص منه أولى، وإنما جاء الفساد من جهة أنهم فهموا من قولنا: (زيد ضارب) أنه ضارب في الحال، فاعتقدوا أن هذا لدلالة اسم الفاعل عليه، وهو باطل لأنك تقول: (هذا حجر) وتريد إنسانا، فيفهم منه الحال أيضاً، مع أن الحجر والإنسان لا دلالة لهما على الزمان، وهذا من تحقيق والد المصنف.
قلت: لم يظهر لي ذلك، والحجر والإنسان لا دلالة لهما على الزمان أصلاً بخلاف ضارب فإنه يدل بحقيقته على الزمان والحال، وقولهم: إن الاسم لا دلالة له على الزمان، أي بهيئته التصريفية، وإلا فقد يدل على الزمان بأمر آخر، كلفظ الزمان والوقت، وضارب الآن، وضارب مطلقاً، والله تعالى أعلم.
ص: وقيل: إن طرأ على المحل وصف وجودي يناقض الأول لم يسم بالأول إجماعاً/ (٤٠/أ/م).
ش: القائل لذلك هو الآمدي، وحكي إجماع المسلمين وأهل اللسان على أنه لا يجوز تسمية القائم والقاعد قائماً للقعود والقيام السابق، وهو مقتضى كلام الإمام وأتباعه، فإنهم ردوا على الخصوم بأنه لا يصح أن يقال لليقظان: إنه
стр. 146
نائم، باعتبار النوم السابق، وإذا كان كذلك فما أدري لم ذكره المصنف بصيغة التمريض.
ص: وليس في المشتق إشعار بخصوصية الذات.
ش: المشتق كضارب لا دلالة له على خصوصية تلك الذات من كونه بشرا أو حماراً أو غيرهما، فإنه لا معنى له، إلا أنه ذات قام بها المشتق منه، كالأسود يدل على ذات متصفة بسواد، من غير دلالة على خصوص تلك الذات، قال الصفي الهندي: فإن دلت على ذلك فهو بطريق الالتزام، وحينئذ فيحمل نفي المصنف الإشعار على المطابقة والتضمن.
ص: مسألة: المترادف واقع خلافاً لثعلب وابن فارس مطلقاً، وللإمام في الأسماء الشرعية.
ش: المترادف الكلمتان فصاعداً الدالتان على معنى واحد باعتبار واحد، واختلف في وقوعه على مذاهب أصحها نعم، ولغة العرب طافحة به.
والثاني: المنع، وبه قال ثعلب وابن فارس، فإن ورد ما يوهم الترادف أول.
стр. 147
ومن ذلك ما حكي عن ابن خالويه أنه قال بمجلس سيف الدولة: أحفظ للسيف خمسين اسماً.
فقال أبو علي الفارسي: ما أحفظ له إلا اسماً واحداً، هو السيف،
فقال ابن خالويه: وأين المهند، والصارم، والرسوب والمخدم وجعل يعدد.
стр. 148
فقال أبو علي: هذه صفات، وكان الشيخ لا يفرق بين الاسم والصفة.
قال الأصفهاني: وينبغي حمل كلامهم علي (٣٣/ب/د) منعه في لغة واحدة، فأما في لغتين فلا ينكره عاقل.
والثالث: أنه واقع في اللغة دون الأسماء الشرعية، وإليه ذهب في (المحصول) فقال: الأظهر/ أنه لم يوجد، لأنه على خلاف الأصل، فيتقدر بقدر الحاجة، ويشكل على هذا قول الإمام: إن الفرض والواجب مترادفان وكذا السنة والتطوع.
ص: والحد، والمحدود ونحو: حسن بسن غير مترادفين على الأصح.
ش: فيه مسألتان:
الأولى: قيل: الحد والمحدود مترادفان، والصحيح تغايرهما وذلك خارج بقولنا، في تعريف المترادف باعتبار واحد، فإن دلالتهما على المعنى باعتبارين: الحد يدل على الأجزاء بالمطابقة،/ (٤٠/ب/م) والمحدود يدل عليها بالتضمن، وقال القرافي في (التنقيح) هو غير المحدود، إن أريد اللفظ، ونفسه إن أريد المعنى، وأخذ ذلك من قول الغزالي في (المستصفى) إن ذلك ليس خلافاً، بل من نظر إلى الحقيقة في الذهن قال: إنه نفسه، ومن نظر إلى للعبارة عنها قال: إنه غيره.
الثانية: التابع وهو الذي لا يستعمل منفرداً، وإنما يستعمل مع متبوعه نحو حسن بسن، وخراب يباب، قيل: إنه مع متبوعه مترادفان، والصحيح المنع، فإنه إذا قطع عن متبوعه لا دلالة له أصلاً.
ص: والحق إفادة التابع التقوية.
стр. 149
ش: ذهب الآمدي إلى أنه لا فائدة للتابع أصلاً، وهو ظاهر قول البيضاوي: (والتابع لا يفيد) والحق أنه يفيد تقوية الأول، فإنه لم يوضع عبثاً، والفرق بينه وبين التأكيد أن التأكيد يفيد مع التقوية نفي احتمال المجاز، فإن قولك: (جاء القوم) يحتمل بعضهم على سبيل المجاز، فإذا قلت: كلهم، انتفى ذلك.
ص: ووقوع كل من المترادفين مكان الآخر إن لم يكن تعبد بلفظه خلافاً للإمام مطلقاً، وللبيضاوي والهندي: إذا كانا من لغتين.
ش: هل يجوز إقامة كل من المترادفين مقام الآخر أم لا؟ فيه مذاهب.
أحدها: الجواز مطلقاً، وهو اختيار ابن الحاجب.
والثاني: المنع مطلقاً، وهو اختيار الإمام وأتباعه.
والثالث: الجواز إذا كان من لغة واحدة والمنع إذا كان من لغتين، وبه قال البيضاوي والصفي الهندي.
وأشار المصنف بقوله: (إن لم يكن تعبد بلفظه) إلى تقييد محل الخلاف بذلك فيما تعبد بلفظه، كالتكبير لا يقوم غيره مقامه قطعاً، وفي هذا القيد نظر، فإن المنع هناك لعارض شرعي، والبحث في هذه المسألة إنما هو من حيث اللغة، وهذا هو الفرق بين هذه المسألة ومسألة الرواية بالمعنى، فإنهما متشابهتان، والفرق بينهما أن المستند في الجواز هنا أو المنع اللغة، وهناك الشرع، وفي عبارة البيضاوي إشارة إلى أن الخلاف في حال التركيب، فأما في حال الإفراد كما في تعديد الأشياء فلا خلاف في جوازه.
ص: مسألة: المشترك واقع خلافاً لثعلب والأبهري والبلخي مطلقاً ولقوم في القرآن، قيل: والحديث، وقيل/ (٣٤أ/ د): واجب الوقوع، وقيل: ممتنع، وقال الإمام الرازي: ممتنع بين النقيضين فقط/
стр. 150
ش: في المشترك مذاهب.
أصحها: أنه جائز واقع،/ (٤١ / أ/ م) وليس بواجب.
الثاني: أنه جائز غير واقع، وبه قال ثعلب والأبهري والبلخي.
وقيل: المعروف عن هؤلاء الإحالة.
الثالث: أنه غير واقع في القرآن خاصة، وحكي عن ابن داود الظاهري.
الرابع: غير واقع في الحديث أيضاً.
الخامس: أنه واجب الوقوع.
السادس: أنه ممتنع أي محال عقلاً.
السابع: أنه ممتنع بين النقيضين فقط، وبه قال الإمام، وعلله بأن سماعه لا يفيد غير التردد بين الأمرين، وهو حاصل عقلاً، فالوضع له عبث، وأجيب بأن فائدته استحضار التردد بأمرين يغفل الذهن عنهما، والفائدة الإجمالية قد تقصد.
ص: مسألة: يصح إطلاقه على معنييه معاً مجازاً، وعن الشافعي والقاضي والمعتزلة: حقيقة زاد الشافعي: وظاهر فيهما عند التجرد عن القرائن فيحمل عليهما، وعن القاضي: مجمل، ولكن يحمل احتياطاً، وقال أبو الحسين والغزالي: يصح أن يراد لا أنه لغة، وقيل: يجوز في النفي لا الإثبات.
ش: تقدم على تقدير هذه المسألة الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل.
стр. 151
فأما الوضع: فهو جعل اللفظ دليلاً على المعنى، وهو من صفات الواضع.
وأما الاستعمال فهو إطلاق اللفظ، وإرادة المعنى وهو من صفات المتكلم.
وأما الحمل: فاعتقاد السامع مراد المتكلم، أو ما اشتمل على مراده، فتقدم الكلام على وضع المشترك في المسألة المتقدمة، وتكلم المصنف في هذه المسألة على الاستعمال، وذكر في إثباته مسألة الحمل، فأما استعمال المشترك في معنييه ففيه مذاهب.
أحدها ـ وبه قال الأكثرون ـ: جوازه، كقولنا: العين مخلوقة، ونريد جميع معانيها، وشرطه أن لا يمتنع الجمع بينهما، كاستعمال صيغة (افعل) للأمر والتهديد، واختار المصنف تبعاً لابن الحاجب أن ذلك مجاز، وإليه ميل إمام الحرمين.
الثاني: جوازه، وأنه حقيقة، وحكاه الآمدي عن الشافعي والقاضي أبي بكر، وحكاه المصنف عنهما، وعن المعتزلة، وهو قول بعضهم كأبي علي الجبائي والقاضي عبد الجبار، لكن منعه أبو هاشم وأبو الحسين وأبو عبد الله البصريان والكرخي.
الثالث: يصح أن يراد باللفظ الواحد معنياه بوضع جديد، لكن ليس من اللغة،/ فإن اللغة منعت منه.
الرابع: أنه يجوز: (٤١/ب/م) في النفي كقولنا: (لا قرء للحامل تعتد به) ويمتنع في الإثبات، والفرق بينهما أن النكرة في سياق النفي تعم، وبه قال صاحب (الهداية) من الحنفية، وبقي مذهبان آخران.
أحدهما: المنع مطلقاً، ونصره ابن الصباغ في (العدة) والإمام في (المحصول).
الثاني: أنه يجوز في الجمع نحو: (اعتدي بالأقراء) دون المفرد سواء في ذلك الإثبات والنفي، وأما حمله على معنييه فقد ذكره المصنف بقوله:/ (٣٤/ب/د) (زاد
стр. 152
الشافعي) إلى قوله: (احتياطاً) وتقريره أنه اختلف في حمل السامع المشترك على معنييه عند تجرده عن القرائن على مذاهب.
أحدهما: المنع، وحكاه الصفي الهندي عن الأكثرين.
الثاني: وجوب حمله على معنييه، وأنه من باب العموم، وهو المحكي عن الشافعي.
الثالث: حمله على معنييه، وأنه من باب الاحتياط، وهو محكي عن القاضي أبي بكر كذا نقله المصنف، ونقل الآمدي عنهما أنه من باب العموم، ونقل البيضاوي عنهما أنه من باب الاحتياط.
واعلم أن نقل حمل المشترك على معنييه عن القاضي هو كذلك في (المحصول) لكن الذي في كتاب (التقريب) له أنه لا يجوز حمله عليهما ولا على واحد منهما إلا بقرينة.
ص: والأكثر أن جمعه باعتبار معنييه إن ساغ مبني عليه.
ش: اختلف في جمع المشترك باعتبار معنييه، كعيون زيد، وتريد به: باصرة، وذهباً، وجارية، فقال الأكثرون ـ وهو مبني على الخلاف في المفرد ـ: إن جوزنا هناك فكذا هنا، وإن منعنا امتنع.
وقول المصنف: (إن ساغ) هو من زيادته على المختصرات، وأشار به إلى خلاف النحاة في تثنية اللفظين المختلفين في المعنى، فرجح ابن الحاجب في (شرح المفصل) المنع، وحكاه عن الأكثرين، ورجح ابن مالك الجواز مطلقا، وصحح قول الحريري فانثنى بلا عينين يريد الباصرة والذهب.
ويؤيده قوله في الحديث: ((الأيدي ثلاث)) وقال ابن عصفور: إن اتفقا في المعنى الموجب
стр. 153
للتسمية كالأحمرين، أي: الذهب والزعفران جاز، وإلا فلا، كالعين الباصرة والذهب.
ص: وفي الحقيقة والمجاز الخلاف خلافاً للقاضي، ومن ثم عم نحو: ﴿وافعلوا الخير﴾ الواجب والمندوب، خلافاً لمن خصه بالواجب ومن قال: للقدر المشترك.
ش:/ (٤٢/أ/م) استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه على الخلاف في استعماله في معنييه الحقيقين، إذا لم يكن بينهما تناف، كإطلاق الشراء على الشراء الحقيقي والسوم، وخالف في ذلك القاضي أبو بكر، فمنع استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وإن جوز استعماله في معنييه فارقاً بأن الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له، والمجاز فيما لم يوضع له، وهما متناقضان، كذا نقله عنه المصنف، ووهمه الشارح في ذلك، فقال: لم يمنع القاضي استعماله في حقيقته ومجازه، وإنما منع حمله عليهما بغير قرينة، فاختلطت مسألة الاستعمال بمسألة الحمل، وموضع الخلاف كما فرضه ابن السمعاني فيما إذا ساوى المجاز الحقيقة لشهرته، وإلا امتنع الحمل قطعاً، لأن المجاز لا يعلم تناول اللفظ له إلا بتقييد، / والحقيقة تعلم بالإطلاق.
ثم بين المصنف أن من فوائد الخلاف في ذلك الخلاف في عموم قوله تعالى ﴿وافعلوا الخير﴾ فمن حمله عليهما جعل الآية شاملة للواجب والمندوب، واستدل بها عليهما ومن منع ذلك/ ٣٥أ/ د) خصها بالواجب، وقال بعضهم: هي للقدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو مطلق الطلب.
ص: وكذا المجازان.
ش: أي يجري الخلاف في استعمال اللفظ في مجازيه، كإطلاق الشراء
стр. 154
على السوم، وشراء الوكيل، وهي مسألة غريبة، قل من ذكرها، وقد تعرض لها إمام الحرمين، وابن السمعاني في (القواطع)، واختار الآمدي وابن الحاجب، فيها الإجمال، وهو مخالف لاختيارهما في الحقيقتين الإعمال.
قال الشارح: لا يخفى أن صورة المسألة حيث تعذرت الحقيقة، ولا بد من تقييد المجازين بالمتساويين فإنه متى رجح أحدهما تعين، ويحتمل أن يجري فيه خلاف الحقيقة والمجاز، لأن المجاز الراجح هنا بمثابة الحقيقة هناك، قال الأصفهاني: وشرطه ألا يتنافى المجازان كالتهديد والإباحة، فإن صيغة الأمر حقيقة في الإيجاب مجاز فيهما.
ص: الحقيقة لفظ مستعمل فيما وضع له ابتداء.
ش: لو صدر الحد بالقول لكن أولى، فإنه لا يتناول المهمل، فهو جنس أقرب، (٤٣ب/م).
وخرج بقوله: (مستعمل) المهمل، واللفظ قبل الاستعمال، فإنه لا يوصف بأنه حقيقة ولا مجاز.
وقوله (فيما وضع له) يحتمل، أن يكون من تمام الفصل، ويحتمل أن يكون فصلاً مستقلاً، لإخراج الوضع الجديد، فإنه ليس من وضع واضع اللغة، والأعلام، إن قلنا: إنها ليست حقيقة، والمستعمل في غير ما وضع له غلطاً.
وقوله: (ابتداء) أخرج المجاز، فإنه موضوع وضعاً ثانياً.
وإنما عدل عن قول ابن الحاجب (أولاً) للخلاف في أن الأول هل يستلزم ثانياً؟ فإن قلنا: يستلزمه، لزم أن الحقيقة تستلزم المجاز، ولا قائل
стр. 155
به، إنما اختلفوا في عكسه.
ولم يقل المصنف (في اصطلاح التخاطب به) كما عبر به غيره، لإدخال الحقيقة الشرعية والعرفية، فإنهما باعتبار الوضع اللغوي مستعملان في وضع ثان، لأنه لم يقيد الوضع باللغوي، بل أطلقه فتناول الشرعي والعرفي، وهما مستعملان فيهما في وضع أول.
وقال الأصفهاني في (شرح المحصول)، لا يحتاج لقيد الأولية، لأنا وإن قلنا بوضع المجاز، فإن المراد به اعتبار العرب ذلك النوع، لا استعمال آحاد النوع، فهو غير الوضع المعتبر في الحقيقة.
ص: وهي لغوية وعرفية وشرعية ووقع الأوليان ونفى قوم إمكان الشرعية، والقاضي وابن القشيري، وقوعها، وقال قوم: وقعت مطلقاً، وقوم: إلا الإيمان، وتوقف الآمدي، والمختار وفاقاً لأبي إسحاق الشيرازي، والإمامين وابن الحاجب وقوع الفرعية لا الدينية ومعنى الشرعي ما لم يستفد اسمه إلا من الشرع وقد يطلق على المندوب والمباح.
ش: الحقائق ثلاث: اللغوية، والعرفية، والشرعية، ودخل في العرفية العامة، وهي المنقولة، عن موضوعها الأصلي إلى غيره بالاستعمال العام، إما بتخصيص الاسم ببعض مسمياته كالدابة فإنها موضوعة في اللغة لكل ما يدب، فخصها العرف العام بذات الحافر، وإما باشتهار المجاز بحيث يستنكر معه استعمال الحقيقة كإضافة الحرمة إلى الخمر، وهي في الحقيقة مضافة إلى الشرب، فهذان قسمان ذكرهما في (المحصول).
والخاصة وهي التي نقلها عن موضوعها الأصلي قوم مخصوصون، كاصطلاح / (٤٤أ/م) النحاة على الرفع والنصب والجر وغيرها من اصطلاح أصحاب العلوم. فأما الأوليان: وهما اللغوية والعرفية فهما واقعتان ـ قال الشارح: بلا
стр. 156
خلاف ـ وهو مسلم في العرفية الخاصة، أما العرفية العامة فأنكرها قوم كالشرعية وفي الشرعية مذاهب.
أحدها: منع إمكانها، حكاه في (شرح المعتمد) لأبي الحسين عن قوم كذا في (شرح المحصول) للأصفهاني معترضاً به على قول (المحصول): اتفقوا على إمكانها، لكن قال الشارح: الذي رأيته في (المعتمد) لأبي الحسين لما حكي عن قوم من المرجئة نفي الحقيقة الشرعية، أي: وقوعها، قال: وبعض عللهم تدل على أنهم أحالوا ذلك.
قال الشارح: وحينئذ فلم يصرحوا به، نعم قال بعضهم: من يقول بأن دلالة اللفظ طبعية لا يقول بالجواز هنا، لأن الاسم عنده واجب للمسمى. انتهى.
الثاني: وهو قول القاضي أبي بكر وابن القشيري: نفي وقوعها والألفاظ المستعملة في الشرع لمعان لم تعهدها العرب باقية على مدلولها اللغوي، والأمور الزائدة على المعنى اللغوي بشروط معتبرة فيه، وحكاه الماوردي في (الحاوي) عن الجمهور.
الثالث، وهو قول المعتزلة: وقوعها مطلقاً، أي: أن الشارع ابتدأ وضع لفظ الصلاة والصوم وغيرهما للمعاني الشرعية من غير نقل لها من اللغة، فليست مجازات لغوية.
الرابع: وقوعها إلا الإيمان، فإنه باق على مدلوله اللغوي، قاله الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع).
стр. 157
الخامس: الوقف، وإليه ميل الآمدي.
السادس: الوقوع في فروع الشريعة كالصلاة والصوم دون أصولها، وهي المراد بالدينية، كالإيمان والكفر والفسق، واختاره المصنف، وفي نقله ذلك عن أبي إسحاق الشيرازي نظر، لأنه لم يستثن الدينية مطلقاً، بل الإيمان فقط، كما تقدم في (شرح اللمع) له، وعن الباقين نظر من وجهين.
أحدهما: أنهم لم يفرقوا بين الفروع والدينية.
والثاني: أن مقتضى كلامه أنهم أثبتوها في الفروع مطلقاً من غير أن يكون مجازات لغوية، كما تقول به المعتزلة على الإطلاق، وليس كذلك بل راعوا فيها الوضع اللغوي، وقالوا: إنها مجازات لغوية اشتهرت فصارت/ (٤٤ب/ م) حقائق شرعية، فإطلاق لفظ الصلاة على ذات الأركان مجاز لغوي حقيقة شرعية، لا أنها مخترعة، بل سبق لها استعمال في اللغة مجازي.
ثم بين أن الحقيقة الشرعية هي التي استفيد وضعها للمعنى من جهة الشرع، هذه العبارة هي المحررة.
وأما قول المصنف: (ما لم يستفد اسمه إلا من الشرع) فإن/ ٣٦أ/ د) مقتضاه حصرها في ألفاظ ابتكرها الشرع لا يعرفها أهل اللغة، وليس كذلك، وقد ذكر الصفي الهندي أنها على أربعة أقسام.
أحدها: أن يكون اللفظ والمعنى معلومين لأهل اللغة، لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم كذلك للمعنى كـ (الرحمن).
الثاني: أن يكونا غير معلومين لهم أصلاً كأوائل السور عند من يجعلها أسماء لها وللقرآن.
الثالث: أن يكون اللفظ معلوماً لهم دون المعنى، كالصلاة والصوم ونحوهما.
стр. 158
والرابع: عكسه، ومثل له بالأب، فإن معناه معروف عند العرب، وهو العشب، لكنهم لا يعرفون هذا اللفظ.
كذا قيل، وفيه نظر، والأقسام الأربعة واقعة، كما قال الصفي الهندي: إنه الأشبه ولعل مراد المصنف بالاسم التسمية، أي: لم تعرف التسمية بها لهذا المعنى الخاص، إلا من الشرع وإن كان ذلك الاسم معهوداً في اللغة، وكان ينبغي تقديم تعريف الشرعية على ذكر حكمها، لأن الحكم على الشيء فرع تصوره.
ثم ذكر المصنف أن الاسم الشرعي لا يختص بالواجب، بل يطلق أيضاً على المندوب والمباح.
وقال الشارح: هذا بالنسبة إلى عرف الفقهاء لا الأصوليين، لكن قد يتوقف في إطلاقه على المباح، ولهذا قال إمام الحرمين في (الأساليب): الذي يعنيه الفقيه بالشرعي هو الواجب والمندوب.
وقال النووي في صلاة الجماعة من (الروضة): معنى قولهم: لا تشرع الجماعة في النوافل المطلقة: لا تستحب، فلو صلاها جماعة جاز، ولا يقال مكروه، انتهى.
قلت: الظاهر أن الخلاف في إثبات الحقيقة الشرعية يأتي في ألفاظ الأحكام الخمسة، وأن كلام إمام الحرمين والنووي في نفي الحكم وهو المشروعية، فلا يقال: شرع كذا وكذا، إلا في الواجب والمندوب فقط، وأما استعمال الشارع له لفظاً مبتكراً أو مجازاً لغوياً فليس كلامهما فيه والله أعلم.
تنبيه: / (٤٥/أ/ م) قوله: الأوليان بضم الهمزة، وبالياء المثناة من تحت، تثنية أولى.
وإن قلت: الأولتان بفتح الهمزة، وتشديد الواو، وبالتاء المثناة من فوق، فهو تثنية أولة وهي لغة قليلة.
стр. 159
ص: مسألة: والمجاز اللفظ المستعمل بوضع ثان لعلاقة، فعلم وجوب سبق الوضع وهو اتفاق لا الاستعمال وهو المختار، قيل: مطلقاً، والأصح لما عدا المصدر، وهو واقع خلافاً للأستاذ والفارسي مطلقاً، وللظاهرية في الكتاب والسنة.
ش: (اللفظ) جنس.
وخرج بقوله (المستعمل) المهمل، واللفظ قبل الاستعمال، ولو عبر بالقول لكان أولى، كما تقدم.
وخرج بقوله: (بوضع ثان) الحقيقة، وهو أحسن من قول ابن الحاجب: (في غير وضع أول).
وخرج بالعلاقة العلم المنقول: كبكر، وكلب فليس بمجاز، لأنه لم ينقل لعلاقة.
وعلم من هذا التعريف أمران.
أحدهما: أن المجاز يستلزم وضعاً سابقاً عليه، ولا خلاف فيه.
وثانيهما: أنه لا يستلزم سبق استعمال، فقد يستعمل المجاز من غير استعمال الحقيقة،/ ٣٦/ب/د) وهي مسألة أن المجاز هل يستلزم الحقيقة؟ ونقل فيه المصنف ثلاثة مذاهب.
أحدها: منع ذلك، بل لا بد لصحة المجاز من سبق استعمال اللفظ في حقيقته، وهذا مقابل المختار في كلام المصنف، وبه قال أبو الحسين البصري وابن السمعاني والإمام.
الثاني: جوازه، أي جواز استعمال المجاز بدون استعمال الحقيقة مطلقاً.
الثالث: وهو مختار المصنف تبعاً للآمدي: جوازه في غير المصدر.
стр. 160
ثم حكي الخلاف في أن المجاز واقع أم لا؟
والمشهور وقوعه مطلقاً أي في اللغة والشرع والعرف، وذهب الأستاد أبو إسحاق، وأبو علي الفارسي إلى منع وقوعه مطلقاً وتوقف الإمام والغزالي في صحته عن الأستاذ، وقالا: لعله أراد أنه ليس بثابت ثبوت الحقيقة، ونقل ذلك عن الفارسي هو في فوائد الرحلة لابن الصلاح، عن ابن كج عنه، لكن نقل عنه تلميذه أبو الفتح أن المجاز غالب على اللغات.
ومنع الظاهرية وقوع المجاز في الكتاب والسنة، كذا نقله في (المحصول) عن ابن داود، لكن قال الأصفهاني في شرحه: إن المنع في السنة لا يعرف إلا في (المحصول)
قال الشارح: لكن في (الإحكام) لابن حزم/ (٤٥ب/ م) عن قوم منعه في القرآن والسنة.
وقال ابن الحاجب في الإضافة في (شرح المفصل): ذهب القاضي إلى أنه لا مجاز في القرآن.
قلت: وفي (طبقات العبادي) عن أبي العباس بن القاص من أصحابنا منعه في القرآن والحديث، وذلك يرد على الأصفهاني، والله أعلم.
ص: وإنما يعدل إليه لثقل الحقيقة أو بشاعتها أو جهلها أو بلاغته أو شهرته أو غير ذلك.
ش: إنما يعدل المتكلم في خطابه عن الحقيقة إلى المجاز، لأسباب: أحدها: ثقل لفظ الحقيقة على اللسان، كالخنفقيق بفتح الخاء
стр. 161
المعجمة، وإسكان النون وفتح الفاء، وكسر القاف وإسكان الياء المثناة، من تحت وآخره قاف، اسم للداهية، فيعدل عنه إلى النائبة أو الحادثة، أو نحوهما.
ثانيهما: بشاعة لفظها كالتعبير بالغائط عن الخراء.
ثالثها: جهل المتكلم أو المخاطب لفظه الحقيقي.
رابعها: بلاغة لفظ المجاز لصلاحيته للسجع والتجنيس وسائر أصناف البديع دون الحقيقة، قاله الشارح تبعاً لغيره، وفيه نظر، فمعنى البلاغة معروف، في علم المعاني والبيان، وهذه الأمور ليست من البلاغة، وإنما هي وجوه تحسينات للكلام زائدة عليها.
نعم، ما ذكره يصلح لأن يكون من الأسباب التي يعدل لأجلها عن الحقيقة.
خامسها: أن يكون المجاز أشهر من الحقيقة.
وقوله: (أو غير ذلك) أي كأن يكون معلوماً عند المتخاطبين، ويقصدان إخفاءه عن غيرهما، أو لعظم معناه كقولهم: سلام الله على المجلس العالي، فهو أرفع في المعنى من قوله، سلام عليك، أو لكونه أدخل في التحقير.
ص: وليس غالباً على اللغات، خلافاً لابن جني، ولا
стр. 162
معتمداً حيث تستحيل الحقيقة خلافاً لأبي حنيفة.
الأولى: قال في (المحصول) ادعى ابن جني أن المجاز غالب على كل لغة، سواء لغة العرب وغيرها، فإن قولنا: قام زيد، يفيد المصدر، وهو جنس يتناول جميع أفراد القيام، وهو غير مراد بالضرورة، قال: وهذا ركيك، فإن المصدر لا يدل على أفراد الماهية، بل على القدر المشترك.
قلت: وكيف يتناول جميع أفراد القيام، والأفعال في معنى النكرات والنكرة في سياق الإثبات لا تعم؟! / (٤٦/أ/ م).
الثانية: إذا أريد باللفظ معناه المجازي وكان المعنى الحقيقي هناك مستحيلاً فالمجاز عندنا لاغ غير معتمد، وعند أبي حنيفة معمول به، مثاله: إذا قال لعبده الذي هو أسن منه: هذا ابني، وأراد به العتق، لم يعتق عندنا، لأن اللفظ إنما يصلح مجازاً، إذا كان له حقيقة، وهذا اللفظ في هذا المحل لا حقيقة له، فلغى، وقال أبو حنيفة: يعتق.
ص: وهو والنقل خلاف الأصل وأولى من الاشتراك، قيل: ومن الإضمار، والتخصيص أولى منهما.
ش: فيه مسائل:
الأولى: أن المجاز خلاف الأصل، فإن أريد بالأصل الغالب، فالمخالف فيه ابن جني كما تقدم، وإن أريد به الدليل فالمراد أن المجاز على خلاف الدليل، فإذا دار اللفظ بين احتمال الحقيقة والمجاز فاحتمال الحقيقة أرجح.
стр. 163
الثانية: أن النقل خلاف الأصل، فإذا دار اللفظ بين كونه منقولاً وكونه باقياً على حقيقته اللغوية فالثاني أولى، ولا يقال: لم يتقدم للمصنف ذكر النقل حتى يذكر معارضه، لأن الخلاف في وجود الحقيقة الشرعية هو الخلاف في النقل، فالقاضي يمنعه، والجمهور يجوزونه.
الثالثة: إذا تعارض المجاز والاشتراك فالمجاز أولى على الصحيح.
الرابعة: إذا تعارض النقل والاشتراك فالجمهور على ترجيح النقل أيضاً.
الخامسة: إذا تعارض المجاز والإضمار ففيه مذاهب.
أحدها: تقديم المجاز لكثرته، قاله الإمام في (المعالم) والصفي الهندي والقرافي.
ثانيها: تقديم الإضمار لأن قرينته متصلة.
ثالثها: تساويهما، قاله في (المحصول) وتبعه البيضاوي، وضعف المصنف الأول، فمختاره إما الثاني أو الثالث وهو الظاهر.
السادسة: إذا تعارض النقل والإضمار فمقتضى كلام المصنف جريان الخلاف فيه، والمعروف تقديم الإضمار.
السابعة والثامنة: التخصيص أولى منهما، أي من المجاز ومن النقل.
تنبيه: ذكر المصنف هنا مما يخل بالفهم أي اليقيني دون الظني: التخصيص، والمجاز، والإضمار، والنقل، والاشتراك، فهذه خمسة، وأهمل خمسة أخرى وهي: النسخ، والتقديم، والتأخير، والمعارض/ (٤٦/ب/م) العقلي، وتغير الإعراب، والتصريف، لقوة الظن مع انتفاء الخمسة الأولى، فانتقاء الاشتراك والنقل يفيد أنه/ ٣٧/ب / د) ليس للفظ سوى معنى واحد، وانتفاء المجاز والإضمار يفيد أن المراد باللفظ ما وضع له، وانتفاء التخصيص يفيد أن المراد جميع ما وضع له، ويقع التعارض بينهما على عشرة أوجه، وضابطه أن تأخذ كل واحد مع ما قبله، فالاشتراك يعارضه الأربعة قبله، والنقل يعارضه الثلاثة قبله، والإضمار يعارضه الاثنان قبله، والمجاز يعارضه التخصيص قبله، فهذه عشرة، ولبعضهم
стр. 164
في ذلك وضم إليها النسخ:
تجوز ثم إضمار وبعدهما ... نقل تلاه اشتراك فهو يخلفه
وأرجح الكل تخصيص وآخرها نسخ فما بعده قسم يخلفه.
ص: وقد يكون بالشكل أو صفة ظاهرة أو باعتبار ما يكون قطعاً أو ظناً لا احتمالا وبالضد والمجاورة والزيادة والنقصان والسبب للمسبب والكل للبعض والمتعلق للمتعلق وبالعكوس، وما بالفعل على ما بالقوة.
ش: يشترط لصحة المجاز علاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، وإلا لجاز إطلاق كل لفظ على كل معنى، وهل يشترط اعتبار العرب لنوعها؟ يأتي الكلام فيه، وذكر لها المصنف أربعة عشر نوعاً.
الأول: علاقة المشابهة في الشكل كتسمية صورة الأسد المنقوشة على جدار أسداً.
الثاني: علاقة المشابهة في الصفة، وقيدها المصنف بأن تكون ظاهرة لينتقل الذهن إليها، كإطلاق الأسد على الشجاع، بخلاف إطلاقه على الأبخر.
الثالث: علاقة الاستعداد، وهي تسمية الشيء باعتبار ما يكون، وعبارة ابن الحاجب: (باسم ما يؤول إليه)، وعبر الإمام بتسمية إمكان الشيء باسم وجوده، واشتهر التعبير عنها بتسمية الشيء باسم ما هو مستعد له، وزاد المصنف على المختصرات قوله: (قطعاً أو ظناً لا احتمالاً) فمثال القطع قوله تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ ومثال الظن تسمية العصير خمراً، في قوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمراً﴾ وأخذ ذلك من قول أصحابنا في
стр. 165
الرد على الحنفية في قولهم في قوله ﵊: ((أيما امرأة نكحت نفسها/ (٤٧/ أ / م) فنكاحها باطل) سماه باطلاً لأنه يؤول إلى البطلان باعتراض الولي ـ المآل إلى البطلان هنا ليس قطعاً ولا غالباً.
وقال الشارح: لو عبر المصنف بدل قوله: (أو ظناً لا احتمالاً)، (أو غالباً لا نادراً) لكان أولى، قال: وحقه إذا زاد هذا القيد أن يقول: (بنفسه) ليخرج العبد فإنه لا يطلق عليه حر، باعتبار ما يؤول إليه.
الرابع: علاقة المضادة، وهي تسمية الشيء باسم ضده، كقوله تعالى ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ سمى القصاص سيئة باسم ضده.
الخامس: علاقة المجاورة، وهي تسمية الشيء باسم ما جاوره، كتسمية القربة رواية، والراوية في اللغة اسم الدابة التي يستقى عليها، فأطلق على القربة لمجاورتها.
السادس: / ٣٨ / أ/ د) علاقة الزيادة، ومثل بقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾
стр. 166
فالكاف زائدة، والتقدير (ليس مثله شيء) إذ لو كانت الكاف أصلية لكان التقدير: ليس مثل مثله شيء، فيلزم إثبات مثل لله تعالى، وهو محال.
السابع: علاقة النقصان، ومثل بقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ فإن تقديره أهل القرية، لأن القرية هي الأبنية المجتمعة، ولا تسأل.
الثامن: علاقة السببية وهي إطلاق اسم السبب على المسبب، سواء كان السبب مادياً كقولهم: سال الوادي، أو صورياً كقوله تعالى: ﴿الله يد الله فوق أيديهم﴾ أي قدرته فوق قدرتهم، أو فاعلياً كقوله:
(إذا نزل السماء بأرض قوم) ........
أي: المطر.
أو غائياً كتسمية العنب خمراً.
التاسع: علاقة المسببية أي إطلاق اسم المسبب على السبب، كإطلاق الموت على المرض الشديد.
العاشر: علاقة الكلية وهي إطلاق اسم الكل على البعض كقوله تعالى ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم﴾ أي أناملهم.
الحادي عشر: علاقة الجزئية وهي إطلاق اسم البعض على الكل، كقولهم للزنجي: أسود، مع بياض أسنانه، وبعض عينيه، ونوزع في هذا المثال بأنه ليس مفهوم الأسود من قام السواد بجميع أجزائه، بل من قام بظاهر جلده، فإطلاق الأسود على الزنجي حقيقة، فالأولى تمثيله بتسمية جميع الذات رقبة.
الثاني عشر: علاقة التعلق، أي تسمية المتعلق باسم المتعلق، والمراد التعلق الحاصل بين المصدر واسم الفاعل، واسم المفعول، فيشمل ستة
стр. 167
أقسام، إطلاق المصدر على اسم المفعول كقوله تعالى: ﴿هذا خلق الله﴾ أي مخلوقة/ (٤٧/ب/م) وعكسه كقوله تعالى: ﴿بأييكم المفتون﴾ أي: الفتنة، وإطلاق اسم الفاعل على المفعول كقوله تعالى: ﴿ماء دافق﴾ أي مدفوق وعكسه كقوله تعالى: ﴿حجابا ًمستوراً﴾ أي: ساتراً، وإطلاق المصدر على اسم الفاعل كقولهم: رجل عدل، أي عادل، وعكسه قولهم: قم قائماً أي قياماً.
الثالث عشر: عكسه، أي تسمية المتعلق بفتح اللام باسم المتعلق بكسرها، ومثل بقوله ﵊: ((تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً)) فإن التقدير تحيضي ستاً أو سبعاً، وهو معلوم الله تعالى، فقول المصنف: و (بالعكوس) راجع للثلاثة الأخيرة، وقد بيناه كذا قرره المصنف
стр. 168
وتبعه الشارح.
والحق أن هذه الثالثة عشر ليست علاقة مستقلة، بل هي داخلة في التي قبلها، لأن لكل من هذه الثلاثة المذكورة ـ وهي المصدر واسم الفاعل واسم المفعول ـ تعلقاً بالأخرى، وكل منها متعلق باعتبار، ومتعلق باعتبار.
والمذكور في الثالثة عشر مندرج في الرابعة عشر.
والعجب تمثيل الشارح للثالثة عشر بمثال موافق لمثال الثانية عشرة، فإن كلا منهما أطلق المصدر على اسم المفعول، الخلق مصدر، والمخلوق مفعول، والعلم مصدر، والمعلوم مفعول، وكان ينبغي له إذ أفرد هذا القسم تمثيله بقوله تعالى ﴿بأييكم المفتون﴾ أي/ ٣٨ ب/ د) الفتنة كما مثلته فهو عكسه، لكن لو فتحنا هذا التغاير لكثرت الأقسام لاستدعاء ذلك ذكر الأقسام الأربعة التي قدمتها، والله أعلم.
الرابع عشر: إطلاق ما بالفعل على ما بالقوة كتسمية الخمر في الدن بالمسكر.
قال الشارح: وقد يقال برجوع هذه إلى قوله أولاً: (باعتبار ما يكون)، ولهذا اقتصر الصفي الهندي على هذه ولم يذكر تلك، بل ذكر بدلها باعتبار ما كان، لكن الظاهر أن ما صنعه المصنف في حذفها أولى، خلافاً للمختصرين، لأنهم جزموا بأن إطلاق اللفظ باعتبار ما كان مجاز، ثم ترجموا مسألة إطلاق اسم الفاعل باعتبار الماضي، وحكوا فيها الخلاف، وهي عين المسألة المذكورة هنا.
стр. 169
قلت: الصواب ذكرها، وجزمهم هنا لا ينافي حكايتهم الخلاف في موضع آخر، لأنهم إنما أرادوا هنا بيان العلاقة عند من يجعله/ (٤٨/ أ / م) مجازاً، وليسوا هنا بصدد بيان أنه حقيقة أو مجاز، فالخلاف في ذلك معروف في موضعه، وإنما أريد هنا بيان أنواع العلاقة، فذكرت هذه منها على قول من يجعل إطلاق اسم الفاعل باعتبار ما مضى مجازاً.
ثم إن الشارح لم يحقق أن هذه العلاقة وهي تسمية ما بالفعل على ما بالقوة، هل هي العلاقة المتقدمة، وهي تسميته باعتبار ما يكون؟ وظاهر كلام المصنفين ترادفها لأنهم لم يجمعوا بينهما بل اقتصروا على تلك العبارة أو على هذه، والظاهر أنها أخص منها، فإنه لا يلزم من إطلاقه باعتبار ما يكون أن ذلك الذي يكون موجوداً بالقوة قبل كونه بالفعل، فإن الموت ليس موجوداً في الحي بالقوة، وكذا الخمرية في العصير، بخلاف الإسكار في الخمر، فإنه حاصل فيها قبل شربها بالقوة فالعلاقة الأولى تغني عن الثانية، والثانية لا تغني عن الأولى، والله أعلم.
ص: وقد يكون في الإسناد خلافاً لقوم، وفي الأفعال والحروف وفاقاً لابن عبد السلام والنقشواني، ومنع الإمام الحرف مطلقاً والفعل والمشتق إلا بالتبع ولا يكون في الأعلام خلافاً للغزالي في متلمح الصفة.
ش: فيه مسائل:
الأولى: قد لا يقع المجاز في المفردات، بل في التركيب، وهو الإسناد كقوله تعالى: ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ فالمجاز في نسبة الإخراج للأرض وهو بالحقيقة لله تعالى، ويسمى المجاز العقلي، لأن التجوز فيه في نسبة الفعل إلى غير من صدر عنه، وخالف في ذلك قوم منهم السكاكي وابن الحاجب، لكن اختلفا فيما هو، فقال السكاكي: هو استعارة بالكناية، وقال
стр. 170
ابن الحاجب بل حقيقة لإسناد الفعل إلى فاعله عرفاً.
الثانية: ذكر الإمام فخر الدين الرازي أن الفعل والمشتق كاسم الفعل واسم المفعول لا يدخلهما المجاز بالذات وإنما يدخلهما بالتبع للمصدر الذي هو المشتق/ ٣٩/أ / د) منه، فإن تجوز في المصدر تجوز فيهما، وإن كان المصدر حقيقة فهما كذلك، وخالفه في ذلك الشيخ عز الدين بن عبد السلام، والنقشواني فقالا: إنه قد يقع في الفعل وغيره من المشتق، بدون وقوعه في المصدر،/ (٤٨/ ب / د) واختاره المصنف، ومثل ابن عبد السلام ذلك بقوله ﴿ونادى أصحاب الجنة﴾ ﴿ونادى أصحاب الأعراف﴾ ﴿ونادى أصحاب النار﴾ فأطلق الماضي على المستقبل لتحققه وعكسه مثل قوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾ أي تلته، واستعمل لفظ الخبر في الأمر في قوله ﴿والوالدات يرضعن﴾ وعكسه نحو: ﴿من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا﴾ أي: مد.
الثالثة: اختلف في دخول المجاز في الحروف، فمنعه الإمام مطلقاً، ومراده بالأصالة لأن معناه غير مستقل بنفسه، فإن ضم إلى ما ينبغي ضمه إليه كان حقيقة وإلا فهو مجاز في التركيب لا في المفرد، والكلام إنما هو في المفرد ومراده أنه مجاز عقلي لقوله بعد ذلك: إن المجاز في التركيب عقلي لا لغوي.
وقال النقشواني راداً على الإمام: إذا استعمل الحرف في موضعه كان حقيقة، وإذا استعمل في غيره لعلاقة كان مجازاً، ومثله بقوله تعالى: ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ فإن حقيقة (في) الظرفية، وهنا استعملت
стр. 171
لغيرها.
وقال ابن عبد السلام في كتاب المجاز وقد تجوزت العرب في الحروف كـ (هل) تجوزوا بها عن الأمر، نحو: ﴿فهل أنتم مسلمون﴾ أي فأسلموا، أو النفي ﴿فهل ترى لهم من باقية﴾ أي ما ترى، والتقرير ﴿هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم﴾.
الرابعة: منع الجمهور وقوع المجاز في الأعلام بالأصالة وبالتبعية، إذ لا بد في المجاز من علاقة، ولا علاقة في الأعلام، فإن وجدت كمن سمى ولده مباركاً لما اعتقده من اقتران البركة بولادته فليس مجازاً، إذ لو كان كذلك لامتنع إطلاقه بعد زوال العلاقة، واعترضه النقشواني بأنك تقول: جاءني تميم أو قيس وأنت تريد طائفة منهم وهذا مجاز، وتميم علم، فقد تطرق المجاز إلى العلم، لما بين هؤلاء وبين المسمى بذلك العلم من التعلق انتهى.
وقال الغزالي: يدخل المجاز في الأعلام الموضوعة للصفة كالأسود، والحارث، دون الأعلام التي لم توضع إلا للفرق بين الذوات كزيد وعمرو.
ص: ويعرف بتبادر غيره لولا القرينة وصحة النفي وعدم وجوب الاطراد وجمعه على خلاف جمع الحقيقة وبالتزام تقييده، وتوقفه على المسمى الآخر والإطلاق على المستحيل.
ش: للمجاز علامات يعرف بها:
أحدها: / (٤٩/أ/م) إن يتبادر غيره إلى الفهم، لولا القرينة، وأورد المجاز الراجح، وأجيب بأنه نادر، فلا يقدح لأن الغالب أن المتبادر الحقيقة.
ثانيها: صحة النفي كقولك للبليد ليس بحمار.
ثالثها: عدم وجوب الاطراد فقد يستعمل لوجود معنى في محل ولا
стр. 172
يستعمل في محل آخر مع وجود ذلك المعنى فيه كما تقول: اسأل القرية، أي أهلها، ولا تقول: اسأل البساط، قال ابن الحاجب: ولا عكس، أي / ٣٩ ب / د) ليس الاطراد دليل الحقيقة، فإن المجاز قد يطرد كالأسد للشجاع، وجوابه: أنه وإن اطرد لكنه لا يجب، ولهذا عدل المصنف عن قول ابن الحاجب: (وبعدم اطراده) إلى قوله: (وعدم وجوب الاطراد).
رابعها: جمعه على خلاف جمع الحقيقة، كالأمر يجمع إذا كان بمعنى القول الذي هو حقيقته على أوامر، وإذا كان بمعنى الفعل على أمور.
خامسها: التزام تقييده كجناح الذل، ونار الحرب، فإن الجناح والذل يستعملان في مدلولهما الحقيقي من غير قيد، وخرج بـ (الالتزام) المشترك، فقد يقيد كقولك: عين جارية، لكنه ليس قيداً لازماً.
سادسها: توقف استعماله على المسمى الآخر الحقيقي، سواء أكان ملفوظاً به كقوله تعالى: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ فلا يقال: مكر الله ابتداء، أو مقدراً كقوله تعالى: ﴿قل الله أسرع مكراً﴾ ولم يتقدم لمكرهم ذكر في اللفظ، لكنه تضمنه المعنى.
سابعها: الإطلاق على المستحيل، فإن الاستحالة تقتضي أنه غير موضوع له، فيكون مجازاً كقوله: ﴿واسأل القرية﴾.
وأورد أن المجاز العقلي كذلك مع أنه حقيقة لغوية.
وأجيب بأن المراد أن معرفة استحالة ذلك بديهة، والامتناع في المجاز العقلي نظري.
ص: والمختار اشتراط السمع في نوع المجاز وتوقف الآمدي.
ش: هل يشترط أن يكون بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي علاقة اعتبرتها
стр. 173
العرب وهو مراد المصنف (بالسمع) أي سماع ذلك من العرب؟
أجمعوا على أنه لا يعتبر شخص العلاقة، وأنه لا بد من جنسها، واختلفوا في النوع، فاختار المصنف اشتراطه، / (٤٩ / ب / م) وهو الذي صححه الإمام وأتباعه، وصحح ابن الحاجب مقابله وتوقف فيه الآمدي، فعلى الأول لا يحتاج إلى استعمال العرب قولنا: سال الوادي، بل يكفي في ذلك إطلاقهم اسم السبب على المسبب في صورة ما، ولو قدم المصنف هذا على ذكر أنواع العلاقة لكان أولى.
ص: مسألة: المعرب لفظ غير علم استعملته العرب في معنى وضع له في غير لغتهم وليس في القرآن وفاقاً للشافعي وابن جرير والأكثر.
ش: عقب المجاز بالمعرب لأنهما ليسا من موضوعات اللغة الحقيقية، فخرج بقوله: (غير علم) الأعلام كـ إبراهيم، وإسماعيل، وفيه نظر فالأعلام معربة قطعاً، ولكن اتفقوا على وقوعها ـ في القرآن فإنها لو اتفقت فيها اللغتان لم تمنع من الصرف للعلمية والعجمة، وخرج بالفصل الأخير الحقيقة والمجاز، فإن كلا منهما استعمال اللفظ، فيما وضع له في لغتهم.
واختلف في وقوعه في القرآن، فنفاه الأكثرون، كما حكاه عنهم ابن الحاجب ولم يحك الشارح من لفظ المصنف حكاية ذلك عن الأكثرين.
ونص عليه الشافعي، واشتد في (الرسالة) نكيره على من خالفه، ونصره القاضي أبو بكر في / (٤٠/ أ / د) التقريب، وابن جرير الطبري في تفسيره، وخالفه ابن الحاجب واستدلاله بإجماع النحاة على منع صرف إبراهيم للعلمية والعجمة، لا يحصل مقصوده، لأن محل الخلاف في أسماء الأجناس دون الأعلام كما تقدم، وتمسك بألفاظ وقعت في القرآن كالمشكاة وهي هندية، في قريب من ثلاثين لفظة، وأجاب الجمهور بأنها مما اتفقت عليه اللغات كالصابون، والله أعلم.
стр. 174
ص: مسألة: اللفظ إما حقيقة أو مجاز أو حقيقة ومجاز باعتبارين، والأمران منتفيان قبل الاستعمال.
ش: اللفظ الواحد قد يكون حقيقة فقط، كإطلاق الأسد على الحيوان المعروف، وقد يكون مجازاً فقط كإطلاقه على الشجاع، وقد عرف هذان القسمان، وقد يكون حقيقة ومجازاً باعتبارين، وذلك قد يكون بمعنيين مختلفين، كلفظ العام المخصوص على قول من يقول إنه حقيقة باعتبار دلالته على ما بقي، مجاز باعتبار/ (٥٠أ / م) سلب دلالته على ما أخرج، وقد يكون بمعنى واحد، لكن بحسب وضعين كلغوي وعرفي، كاستعمال لفظ الدابة في الإنسان فهو حقيقة باعتبار اللغة ومجاز باعتبار العرف، فأما بمعنى واحد من واضع واحد فمحال لامتناع اجتماع النفي والإثبات من جهة واحدة، وقد لا يكون حقيقة ولا مجازاً، وهو اللفظ قبل الاستعمال فإنه لا يوصف بواحد منهما، لاشتراط الاستعمال في كليهما، وذكر البيضاوي في هذا القسم الرابع الأعلام أيضاً.
قال الشارح: وقد يقال: التقسيم ناقص، وبقي عليه اجتماعهما في الإرادة على قولنا: يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز.
قلت: وقد يدعى دخوله في قوله: أو حقيقة ومجاز باعتبارين.
ص: ثم هو محمول على عرف المخاطب أبداً ففي الشرع الشرعي لأنه عرفه ثم العرفي العام ثم اللغوي، وقال الغزالي والآمدي في الإثبات الشرعي وفي النفي الغزالي: مجمل والآمدي: اللغوي.
ش: هذه المسألة في تعارض الحقيقة الشرعية والعرفية واللغوية، وضابط ذلك أن اللفظ محمول على عرف المخاطب ـ بكسر الطاء ـ أبداً، فإن كان
стр. 175
الخطاب من الشارع حمل على الحقيقة الشرعية، لأنه ﵊ بعث لبيان الشريعة لا اللغة، فإن تعذر حمل على الحقيقة العرفية العامة، فإن تعذر حمل على الحقيقة اللغوية، ومن أمثلة ذلك إذا حلف لا يبيع الخمر أو المستولدة وأطلق لم يحنث حملاً على الشرعي، لأن البيع الشرعي لا يتصور فيها، فإن أراد أنه لا يتلفظ بلفظ العقد مضافاً إليها حنث به تنزيلاً على العرف، فإن تعذر حمله على هذه الحقائق حمل على مجازاتها وينزل / (٤٠/ب/د) مجاز كل واحدة منزلتها، هذا رأي الجمهور، ووراء ذلك مذهبان.
أحدهما: قاله الغزالي: إن ورد في الإثبات حمل على الشرعي كقوله ﵊ ((إني أذن أصوم)) فيستدل به على صحة صوم النفل بنية من النهار، وإن كان في النفي فهو مجمل كالنهي عن صوم يوم النحر، فإنه لو حمل على الشرعي لدل على صحته لاستحالة النهي عما لا يتصور وقوعه.
ثانيهما: وهو اختيار الآمدي: أنه في الإثبات محمول على/ (٥٠ ب / م) الشرعي، وفي النهي على اللغوي.
تنبيه:
هذا المذكور هنا من تقديم العرفي على اللغوي يخالفه قول الفقهاء: ما لا حد له في اللغة ولا في الشرع يرجع فيه إلى العرف، وجمع السبكي بينهما بأن مراد الأصوليين: إذا تعارض معناه في العرف ومعناه في اللغة قدمنا العرف،
стр. 176
ومراد الفقهاء: إذا لم يعرف حده في اللغة فإنا نرجع فيه إلى العرف، ولهذا قالوا: كل ما ليس له حد في اللغة، ولم يقولوا: معنى فالمراد أن أهل اللغة لم ينصوا على حده بما يبينه فيستدل عليه بالعرف، انتهى.
وحكى الشارح هذا الجمع عن الباجي، قال: وجمع بعضهم بينهما بحمل كلام الأصوليين على اللفظ الصادر من الشارع، وكلام الفقهاء على الصادر من غيره، قال: وفيه نظر، فإن الفقهاء يستعملون هذه العبارة في لفظ الشارع أيضاً، كالقبض في البيع وغيره.
قلت: كلام الرافعي يقتضي ترجيح تقديم اللغوي على العرفي في أصول المدلول، فقال في كتاب الطلاق: إذا تعارض المدلول اللغوي والعرفي فكلام الأصحاب يميل إلى اعتبار الوضع، والإمام والغزالي يريان اتباع العرف، ثم ذكر بعده بقليل مثله، فقال في مسألة الأصح: وبه أجاب المتولي مراعاة للفظ، فإن العرف لا يكاد ينضبط.
قلت: وهذا لا ينافي الجمع المتقدم عن بعضهم) فإن الظاهر أن كلام الرافعي في ألفاظ الآدميين فالعبارة المتقدمة عن الفقهاء إن أطلقوها في ألفاظ الشارع فالجمع ما ذكره السبكي، وإن أطلقوها في كلام غيره فهي موافقة لكلام الرافعي، والجمع بينهما وبين كلام الأصوليين أنها في ألفاظ غير الشرع، وكلام الأصوليين في ألفاظ الشرع والله تعالى أعلم.
ص: وفي تعارض المجاز الراجح والحقيقة المرجوحة أقوال ثالثها المختار مجمل.
ش: إذا غلب الاستعمال المجازي على الحقيقي كالدابة فإنها في اللغة كل ما يدب، ثم نقلت في العرف إلى الحمار، وكثر حتى صار حقيقة عرفية، وصار الوضع الأول مجازاً بالنسبة إلى العرف لقلة استعماله فيه:
فقال أبو حنيفة: تقدم الحقيقة، وقال أبو يوسف: يقدم المجاز، وقال
стр. 177
الإمام في (المعالم) يتساويان فيكون مجملاً، وحكاه في (المحصول) عن بعضهم، ونقله الصفي الهندي عن الشافعي واختاره/ (٥١أ/ م) المصنف.
ومحل الخلاف إذا لم تهجر الحقيقة بالكلية فإن هجرت فالمجاز (٤١أ/د) مقدم بالاتفاق.
ص: وثبوت حكم يمكن كونه مراداً من خطاب لكن مجازاً لا يدل على أنه المراد منه بل يبقى الخطاب على حقيقته خلافاً للكرخي والبصري.
ش: إذا كان للخطاب حقيقة ومجاز، ووجدنا حكماً شرعياً ثابتاً يمكن كونه مستنبطاً من ذلك الخطاب بتقدير المجاز، فهل نجعله مأخوذاً منه ونقول: إنه المراد منه ويحمل الخطاب المذكور على المجاز، أو يبقى ذلك الخطاب على حقيقته؟ ولعل لذلك الحكم دليلاً غير مجاز هذا الخطاب كقوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ فحقيقة اللمس الجس باليد، ومجازه الجماع، وقد ثبت هذا الحكم للجماع بالإجماع على جواز التيمم للجماع، فهل يدل ذلك على حمل الآية على المجاز دون الحقيقة، حتى لا ينقض الوضوء باللمس أو الآية على حقيقتها دالة على الانتقاض باللمس؟
في المسألة مذهبان: ذهب إلى الأول الكرخي من الحنفية، والبصري من المعتزلة، وذهب إلى الثاني القاضي عبد الجبار، وتبعه في (المحصول) واختاره المصنف.
واعلم أن هذا الخلاف مفرع على امتناع استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، كما صرح به الأصفهاني، فإن حمل عليهما فلا ينافي.
وكان ينبغي للمصنف التنبيه على هذا، وقد ظهر أن كلامه مفرع على قول مرجوح عنده، والله أعلم.
стр. 178
ص: مسألة: الكناية: لفظ استعمل في معناه مراداً منه لازم المعنى فهو حقيقة فإن لم يرد المعنى وإنما عبرنا بالملزوم عن اللازم فهو مجاز والتعريض: لفظ استعمل في معناه ليلوح بغيره فهو حقيقة أبداً.
ش: هذا الكلام لعلماء البيان، وليس للأصوليين، ولكن الشيء بالشيء يذكر، فقالوا: اللفظ ينقسم إلى صريح، وكناية، وتعريض، فاختلف في الكناية هل هي حقيقة أو مجاز على مذاهب؟
الأول: أنها حقيقة، وإليه مال ابن عبد السلام، فقال: إنه الظاهر، لأنها استعملت فيما وضعت له، وأريد بها الدلالة على غيره.
الثاني: أنها مجاز.
الثالث: أنها ليست بحقيقة ولا مجاز، وإليه ذهب صاحب (التلخيص).
الرابع ـ وهو اختيار المصنف تبعاً لوالده ـ: أنها تنقسم إلى حقيقة ومجاز، فإذا قلت: زيد كثير الرماد، فإن أردت معناه استفاد منه الكرم، فإن كثرة الرماد / (٥١ ب/م) والطبخ لازم له غالباً فهو حقيقة، وإن لم ترد المعنى وإنما عبرت بالملزوم وأردت كما إذا استعملت كثرة الرماد وأردت الكريم فهو مجاز، لاستعماله في غير ما وضع له أولى.
وحاصله أن الحقيقة منها أن يستعمل اللفظ فيما وضع له ليفيد غير ما وضع له، والمجاز منها أن يريد غير موضوعه استعمالاً وإفادة.
وأما التعريض فهو لفظ استعمل في معناه ليلوح به إلى غرض آخر هو المقصود، سمي تعريضاً لفهم المعنى من عرض اللفظ أي جانبه، وهو يشبه الكناية إذا / (٤١ / ب / د) قصد بها الحقيقة، مثاله قوله: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ أي كبير الأصنام، غضب أن تعبد هذه الأصنام الصغار فكسرها،
стр. 179
فكذلك الله تعالى يغضب لعبادة من دونه، وهذا اللفظ مستعمل في معناه، لكن لوح منه للسامع غيره فهو حقيقة أبداً أي في جميع الأحوال بخلاف الكناية فإن فيها تفصيلاً تقدم، والله أعلم.
ص: الحروف.
ش: المراد الحروف التي يحتاج الفقيه إلى معرفتها، وليس المراد هنا قسيم الاسم والفعل بخصوصه، فقد ذكر معها كثير من الأسماء كـ (إذا) و (كل) وأطلق عليها حروفاً تغليباً باعتبار الأكثر، وقال الصفار: الحرف يطلقه سيبويه على الاسم والفعل.
ص: الأول: (إذن) قال سيبويه: للجواب والجزاء، قال الشلوبين: دائماً وقال الفارسي: غالباً.
ش: معنى (إذن) الجواب والجزاء كما نص عليه سيبويه، فإذا قيل لك: أنا أقصدك، فقلت: إذن أكرمك، فقد أجبته وصيرت إكرامك جزاء على قصده، فحمله قوم منهم الشلوبين على ظاهره، وقال: إنها لهما دائماً، ويكلف تخريج ما خفي فيه ذلك، وقال الفارسي: هذا هو الغالب، وقد تتمحض للجواب وحده، نحو قولك: أحبك، فتقول: إذن أظنك صادقاً، فلا يتصور هنا الجزاء، وهذا كما قال سيبويه في (نعم) إنها عدة وتصديق وهو باعتبار حالين.
ص: الثاني: (إن) للشرط والنفي والزيادة.
ش: مجيء (إن) ـ بكسر الهمزة وتخفيف النون ـ للشرط هو الأكثر، والمراد به تعليق حصول مضمون جملة بحصوله بمضمون جملة أخرى فقط، أي من غير اعتبار ظرفية ونحوها، وهي أم أدوات الشرط.
ومجيئها للنفي بمعنى (ما) نحو إن زيد قائم، / (٥٢أ/ م) ومذهب الكوفيين أنها ترفع
стр. 180
الاسم وتنصب الخبر، وعليه قراءة سعيد بن جبير: ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم﴾ والأكثر إهمالها كما في قوله تعالى: ﴿إن الكافرون إلا في غرور﴾.
والأكثر في زيادتها أن تكون بعد (ما) النافية لتأكيد النفي نحو: ما إن زيد قائم، واستغنى المصنف عن ذكر (إن) المشددة هنا بذكرها في مسالك العلة.
ص: الثالث: (أو) للشك والإبهام والتخيير ومطلق الجمع والتقسيم وبمعنى (إلى) والإضراب كـ (بل) قال الحريري: والتقريب نحو: ما أدري أسلم أو ودع.
ش: مثال الشك: قام زيد أو عمرو، إذا لم يعلم) أيهما قام، والفرق بينها وبين (إما) التي للشك أن الكلام مع (إما) لا يكون إلا مبنياً على الشك بخلاف (أو) فقد يبني المتكلم كلامه على اليقين، ثم يدركه الشك، فيأتي بها.
ومثال الإبهام: (قام زيد أو عمرو) إذا علمت القائم منهما، ولكن قصدت الإبهام على المخاطب فالشك من جهة المتكلم / (٤٢أ/ د) والإبهام من جهة السامع.
ومثال التخيير: (خذ ديناراً أو درهماً)
ولم يذكر المصنف الإباحة، وقد مثلها من غاير بينها وبين التخيير بقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين، وفرق بينهما بامتناع الجمع في التخيير، وجوازه في الإباحة.
وقال الشارح: الظاهر أنهما قسم واحد لأن حقيقة الإباحة هي التخيير، وإنما امتنع في: (خذ ديناراً أو درهماً) للقرينة العرفية لا من مدلول اللفظ، كما أن الجمع بين صحبة العلماء والزهاد وصف كمال لا نقص
следующие страницы →