Полный текст (826 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الواجب المؤقت المحدود الطرفين، فإذا أخر الصلاة مع ظن السلامة بالاستصحاب فمات في أثناء / (١٧أ/ م) الوقت فالصحيح أنه لا يعصي، لأنه مأذون له في التأخير، وقيل: يعصي، وإلا لم يتحقق الوجوب، أما لو أخر فنام إلى خروج الوقت عن غير غلبة فإنه يعصي إن غلب على ظنه أنه لا يستيقظ إلا بعد خروجه، أو استوى عنه الاحتمالان كما صرح ابن الصلاح بالثانية.
أما الموسع بمدة العمر كالحج وقضاء الفائتة بعذر فإنه يعصي فيه بالموت، على الصحيح، وإن لم يغلب على ظنه قبل ذلك الموت، وقيل: لا، وقيل: يعصي الشيخ دون الشاب، واختاره الغزالي، وحكى الجوزي عن الأصحاب تقدير التأخير المستنكر ببلوغه نحوا من خمسين سنة أو ستين سنة، وهو غريب، والفرق على الصحيح بين هذا وبين المحدود الطرفين خروج الوقت في الحج بالموت بخلاف الصلاة، فإن وقتها باق، ونظير/ (١٤ ب/د) الحج أن يموت آخر وقت الصلاة فإنه يعصي لخروج الوقت والله أعلم.
ص: مسألة: المقدور الذي لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب، وفاقاً للأكثرين، وثالثها إن كان سبباً كالنار للإحراق، وقال إمام الحرمين: إن كان شرطا شرعياً لا عقلياً أو عادياً.
ش: الشيء الذي لا يتم الواجب إلا به، وهو المسمى بالمقدمة هل هو واجب أم لا؟ حكى فيه المصنف أربعة مذاهب.
الأول ـ وبه قال الأكثرون ـ: أنه واجب، سواء كان سبباً وهو الذي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم، أو شرطاً وهو الذي يلزم من عدم العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، وسواء كانا شرعيين أو عقليين أو عاديين.
واعلم أنه دخل فيما لا يتم الواجب إلا به جزء الواجب، وليس مراداً هنا، لأن الأمر بالكل أمر به تضمنا بلا خلاف.
الثاني: أنه غير واجب.
стр. 72
الثالث: أنه واجب، إن كان سبباً كالنار للإحراق فيما إذا وجب إحراق زيد فإنه يتوقف على النار التي هي سبب الإحراق، بخلاف الشرط، فإنه لا يجب.
الرابع: أنه يجب الشرط إن كان شرعياً كالوضوء للصلاة، دون العقلي والعادي، وبه قال إمام الحرمين، واختاره ابن الحاجب، وإذا قلنا بالأول، فله شرطان.
أحدهما: أن يكون مقدوراً للمكلف، واحترزنا بذلك عن القدرة والداعية فإن الإتيان الفعلي متوقف على القدرة، وهي إرادة الله تعالى له، والداعية وهي العزم المصمم على الفعل، وإلا لكان وقوعه في وقت دون وقت ترجيحاً من غير مرجح، وهما غير مقدورين للمكلف، فلا يجبان عليه.
قال الشارح: وهذا الشرط يعتبره من لم يجوز تكليف ما لا يطاق، دون من يجوزه، كذا قاله الصفي الهندي، وحينئذ فالمصنف ممن يجوزه كما سيأتي، فكيف يحسن منه هذا التقييد!!
قلت: وبما ذكرنا ينتفي هذا الإيراد لتعييننا/ (١٧ب/م) أن الاحتراز عن القدرة والداعية خاصة، وإيضاح ذلك أن ما يتوقف عليه الفعل إما أن يكون من فعل الله تعالى أو من فعل العبد، وكل منهما إما أن يتوقف عليه الوجوب أم لا، فهذه أربعة أقسام.
الأول: ما هو من فعل الله، ويتوقف عليه الوجوب، كالعقل وسلامة الأعضاء وغيرهما.
والثاني: ما يكون من فعل الله، ولا يتوقف عليه الوجوب، وهو القدرة والداعية.
والثالث: ما يكون من فعل العبد، ويتوقف عليه الوجوب، كتحصيل النصاب بالنسبة للزكاة، والإقامة في بلد بالنسبة للجمعة.
стр. 73
والرابع: ما يكون من فعل العبد ولا يتوقف عليه الوجوب، كالوضوء للصلاة، والسير للحج.
ولا يصح الاحتراز عن الأول والثالث، لانتفاء الوجوب فيهما، فبقي الثاني والرابع، ولما لم يذكر الرابع علمنا ثبوت وجوبه مع المقدرة عليه، ومع العجز عنه، فالأول بالاتفاق، والثاني عند من جوز التكليف بالمحال، فتعين/ (١٥أ/د) الاحتراز عن الثاني فإنه غير واجب، لعدم القدرة عليه، والله أعلم.
الشرط الثاني: أن يكون الإيجاب مطلقاً أي غير مقيد بحالة وجود السبب والشرط، فلو قيد التكليف بوجودهما فهما غير مكلف بهما اتفاقاً.
ص: فلو تعذر ترك المحرم إلا بترك غيره وجب، أو اختلطت منكوحة بأجنبية حرمتا، أو طلق معينة ثم نسيها.
ش: المقدمة على قسمين.
أحدهما: يتوقف عليها نفس وجود الواجب.
والثاني: يتوقف عليها العلم بوجوده، فهذه فروع من القسم الثاني.
الأول: إذا لم يمكن الكف عن المحرم إلا بالكف عما ليس بمحرم كما إذا اختلطت نجاسة بماء طاهر قليل: فيجب الكف عن استعماله، وحكي عن ابن السمعاني في (القواطع) خلافاً في أنه يصير كله نجساً، وإنما حرم الكل لتعذر الإقدام على تناول المباح لاختلاط المحرم به، قال: والأول هو اللائق بمذهبنا، والثاني هو اللائق بمذهب الحنفية.
قلت: ولا ينبغي أن يكون هذا من المقدمة إلا على المذهب الثاني، وأما على الأول فالكل نجس مقصود بالتحريم.
الثاني: لو اختلطت منكوحة بأجنبية حرمتا: الأجنبية بالأصالة،
стр. 74
والمنكوحة، لأنه لا يتيقن الكف عن الأجنبية إلا بالكف عنها، ولو عبر بالحلال لكان أولى ليشمل الأمة.
وقوله: (الأجنبية) مثال، فالأجنبيتان كذلك.
الثالث: إذا طلق إحدى زوجتيه بعينها، ثم نسيها، لزم الكف عنهما حتى يتذكر، فإنه لا يمكن الكف عن المطلقة إلا بذلك.
ص: مطلق الأمر لا يتناول المكروه خلافاً للحنفية، فلا تصح الصلاة في الأوقات المكروهة، وإن كانت كراهة تنزيه.
ش: مطلق الأمر أي لا بقيد، لا يتناول المكروه، فإنه مطلوب الترك، والأمر/ (١٨أ/م) مطلوب الفعل، فيتناقضان، حكى الخلاف في هذا بيننا وبين الحنفية ابن السمعاني في (القواطع) وقال: تظهر فائدة الخلاف في قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ فلا يتناول عندنا الطواف بغير طهارة، وعلى مذهبهم يتناوله، فإنهم وإن اعتقدوا كراهة هذا الطواف ذهبوا إلى أنه دخل في الأمر، حتى يتصل به الإجزاء الشرعي، ونحن لا نقول إنه طواف مكروه، بل لا طواف أصلاً، لقيام الدليل على أن الطهارة شرط فيه كالصلاة.
وجعل المصنف من فروع ذلك الصلاة التي لا سبب لها في الأوقات المكروهة، فإن الراجح أنها لا تنعقد، سواء قلنا: إن تلك الكراهة للتحريم أو للتنزيه، كما اقتضاه كلام (الروضة) وقال في (المطلب): إنه الحق، لأن المقصود منها طلب الأجر وتحريمها أو كراهتها يمنع حصوله، وما لا يترتب عليه مقصوده باطل كما تقرر من قواعد الشريعة.
واستشكل ذلك شيخنا الإسنوي،
стр. 75
فإن الإقدام على المكروه جائز، فكيف لا ينعقد؟ وجوابه ما تقدم من تنافي رجحان/ (١٥ب/د) الترك، ورجحان الفعل، والله أعلم.
ص: أما الواحد بالشخص له جهتان كالصلاة في المغصوب، فالجمهور تصح ولا يثاب، وقيل: يثاب، والقاضي والإمام: لا تصح، ويسقط الطلب عندها، وأحمد: لا صحة ولا سقوط.
ش: للواحد بالشخص حالتان:
إحداهما: أن لا يكون له إلا جهة واحدة، فلا خلاف في امتناع كونه مأموراً به، منهياً عنه، إلا عند من يجوز تكليف ما لا يطاق، لأن مقتضى الأمر المنع من تركه، ومقتضى النهي المنع من فعله، وهما متنافيان.
الثانية: أن يكون له جهتان كالصلاة في الأرض المغصوبة، فهل يجوز الأمر به من وجه والنهي عنه من وجه؟
فيه مذاهب: أحدها ـ وبه قال الجمهور ـ: أنه يصح لتعدد الجهات، فهو كاختلاف المحال، فلا تناقض، وأما كونه لا ثواب فيها، فلم يصرح به الأصوليون، وحكاه النووي في (شرح المهذب) عن أبي منصور ابن أخي ابن الصباغ في فتاويه التي جمعها عن عمه، أنه قال إنه المحفوظ من كلام أصحابنا بالعراق، ثم قال: وذكر شيخنا يعني ابن الصباغ في كتابه (الكامل): أنه ينبغي حصول الثواب عند من صححها، قال أبو منصور: وهو القياس.
стр. 76
قلت: ينبغي أن يقابل بين ثواب العبادة وإثم المكث في المغصوب، فإن تكافآ أحبط الإثم الثواب، وإن زاد ثواب العبادة بقي له قدر من الثواب لا يضيع عليه، وحينئذ فلا يطلق انتفاء الثواب لحصول بعضه في بعض الأحوال، والله أعلم.
وقد ظهر أن قوله: (وقيل: يثاب) هو بحث لابن الصباغ، وهو المذهب الثاني.
والمذهب الثالث: أنه لا يصح، ولكن يسقط الطلب عندها، أي لا بها، وحكاه المصنف عن القاضي أبي بكر والإمام الرازي، وقال الصفي الهندي: الصحيح أن القاضي/ (١٨/ب/ م) إنما يقول بذلك لو ثبت القول بصحة الإجماع على سقوط القضاء، فأما إذا لم يثبت بذلك فلا يقول بسقوط القضاء بها ولا عندها، انتهى.
والمذهب الرابع: أنها لا تصح، ولا يسقط بها الفرض، وهو المنقول عن أحمد بن حنبل، وهو وجه عندنا، حكاه القاضي حسين في تعليقه في باب صلاة المسافر إلا أنه لم يصرح بأن الفرض لا يسقط.
ص: والخارج من المغصوب تائباً آت بواجب، وقال أبو هاشم: بحرام، وقال إمام الحرمين هو مرتبك في المعصية مع انقطاع تكليف النهي وهو دقيق.
ش: إذا دخل أرضا مغصوبة ثم ندم وأراد الخروج منها، ففي خروجه منها أقوال.
أحدها: أنه آت بواجب، فإنه باعتبار شغل بقعة غيره آت بمحرم، وباعتبار السعي في تفريغها آت بواجب، ولا يمكن التفريغ إلا بهذا الشغل.
الثاني وبه قال أبو هاشم: إنه آت بحرام، كاللابث فيها، لتصرفه في ملك غيره بغير إذنه.
الثالث وبه قال إمام الحرمين: إنه مرتبك في المعصية، أي مشتبك
стр. 77
فيها لا يمكنه التخلص ما دام فيها، فهو عاص باستصحاب التعدي السابق مع انقطاع تكليف النهي، واستبعده ابن الحاجب/ (١٦أ/د) وضعفه الغزالي، بأن النهي إذا انتفى فإلى ماذا تستند المعصية؟
ص: والساقط على جريح يقتله إن استمر وغيره، إن لم يستمر، قيل: يستمر، وقيل: يتخير، وقال إمام الحرمين: لا حكم فيه، وتوقف الغزالي.
ش: ذكر هذه عقب ما تقدم، لأن إمام الحرمين قال: إن غرضه يظهر بمسألة ألقاها أبو هاشم، فحارت فيها عقول الفقهاء، وهي: أن من توسط جمعا من الجرحى، وجثم على صدر واحد منهم، وعلم أنه لو بقي لأهلكه، ولو انتقل لأهلك آخر، قال: لم أتحصل فيها من قول الفقهاء على ثبت، والوجه: القطع بسقوط التكليف عنه، مع استمرار حكم سخط الله وغضبه.
وسأله الغزالي عن هذا فقال: كيف تقول: لا حكم، وأنت ترى أنه لا تخلو واقعة عن حكم؟!
فقال: حكم الله أن لا حكم.
قال الغزالي: فقلت له: لا أفهم هذا.
قال الإبياري: وهذا أدب حسن، وتعظيم للأكابر، لأن هذا تناقض إذ لا حكم: نفي عام، فكيف يتصور ثبوت الحكم مع نفيه على العموم؟! فهذا لا يفهم لا لعجز السامع عن الفهم بل لكونه غير مفهوم في نفسه انتهى.
والقولان اللذان حكاهما المصنف في أنه يستمر أو يتخيرهما احتمالان
стр. 78
وتوجيه الأول: أن الانتقال فعل مستأنف.
وأشار المصنف بتوقف الغزالي إلى أنه اختلف كلامه في (المنخول) فمرة قال: المختار أن لا حكم لله فيه، فلا يؤمر بمكث ولا انتقال، ومرة حكى كلام الإمام ثم قال: ولم أفهمه بعد.
وفرض الشيخ عز الدين/ (١٩/أ/م) بن عبد السلام في القواعد المسألة في الساقط على أطفال وقال: ليس في هذه المسألة حكم شرعي، وهي باقية على الأصل في انتفاء الشرائع قبل نزولها، ثم قال: الأظهر عندي فيما لو كان بعضهم كافراً لزوم الانتقال إلى الكافر، لأنا نجوز قتل أولاد الكفار عند التترس بهم.
قال الشارح: ولا يخفى أن هذا التردد في طفل كافر معصوم الدم، فإن كان حربياً فلا شك في لزوم الانتقال إليه، ويحتمل على بعد طرده فيه. انتهى.
وأجاب الشارح عن الإمام بأن مراده لا حكم أي من الأحكام الخمسة، والبراءة الأصلية حكم الله، ولا تخلو واقعة عن حكم بهذا الاعتبار.
ص: مسألة يجوز التكليف بالمحال مطلقاً، ومنع أكثر المعتزلة والشيخ أبو حامد والغزالي وابن دقيق العيد ما ليس ممتنعاً، لتعلق العلم بعدم وقوعه، ومعتزلة بغداد والآمدي: المحال لذاته، وإمام الحرمين كونه مطلوباً لا ورود صيغة الطلب.
ش: المحال قد يكون امتناعه عادة لا عقلاً، كالطيران في الهواء ونحوه، وقد يكون عقلاً لا عادة، كمن سبق في علم الله تعالى أنه لا يؤمن، فإن
стр. 79
العقل يحيل إيمانه لما يلزم عليه من انقلاب العلم القديم جهلاً، ولو سئل عنه أهل العادة لم يحيلوا إيمانه، وقد يكون عقلاً وعادة، كالجمع بين النقيضين ونحوه، فالقسم الثاني يجوز التكليف به/ (١٦ب/د) بل وقع بالاتفاق، لأن الله تعالى كلف الثقلين بالإيمان مع علمه بأن أكثرهم لا يؤمنون، وهذا مفهوم من تقييد المصنف قول المنع بما ليس ممتنعاً لتعلق العلم القديم بعدم وقوعه، فدل على أن ما امتنع لتعلق العلم القديم بعدم وقوعه ليس محل خلاف ولا يمنع التكليف به أحد.
وأما القسم الأول والثالث ففيهما مذاهب.
أحدهما ـ وبه قال أكثر أصحابناـ: جوازه مطلقاً، أي سواء كان محالاً لذاته وهو الممتنع عقلاً، أو لغيره وهو الممتنع عادة.
الثاني: المنع مطلقاً، وبه قال أكثر المعتزلة، ورجحه ابن الحاجب، وحكي عن الشافعي ﵁ وحكاه المصنف عن الشيخ أبي حامد والغزالي وابن دقيق العيد، وفي النقل عن الأخيرين نظر، أما الغزالي فحكى عنه الآمدي: أنه مال إلى القول الثالث المفصل، وأما ابن دقيق العيد فإنه في (شرح العنوان) بعد أن اختار عدم جوازه، قال: إن المحال بنفسه هو الذي يمنعه.
الثالث: منع التكليف بالممتنع لذاته وهو المحال عقلاً وعادة، وجوازه بالممتنع لغيره وهو الممتنع عادة فقط، وبه قال الآمدي والمعتزلة البغداديون.
الرابع ـ وبه قال إمام الحرمين ـ: أنه/ (١٩/ ب/م) يمتنع التكليف بالمحال، أي طلب فعله، ولا يمتنع ورود صيغته غير مراد بها الطلب مثل: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾
قال الشارح: وهو في الحقيقة تنقيح مناط، ففي جعل المصنف له مذهباً رابعاً نظر، ولهذا قال ابن برهان: الخلاف على هذا لفظي بخلافه على قول
стр. 80
المعتزلة، ومن ثم حاول بعض المتأخرين نفي الجواز عن الأشعري، وزعم أن الذي جوزه ورود صيغة مضاهية لصيغة الأمر والعرض، منها: التعجيز، وبيان حلول العقاب الذي لا محيص عنه، وليس المراد طلبا واقتضاء، انتهى.
تنبيه: قال الشارح: في استثناء ما امتنع لتعلق العلم القديم بعدم وقوعه عن الخلاف خدش، فإنه ليس متفقاً على استحالته، فإن الغزالي قال في (المنخول) إنه لا يسمى مستحيلاً، لأنه في ذاته جائز الوقوع فلا يتغير حقيقته بالعلم.
قلت: مراده ليس مستحيلاً في العادة، ولا شك في استحالته عقلاً، وإلا انقلب العلم القديم جهلاً، وهو الذي ذكرناه أولاً، فلا خدش، والله أعلم.
ص: والحق وقوع الممتنع بالغير لا بالذات.
ش: اختلف القائلون بالجواز في وقوعه على مذاهب: الوقوع مطلقاً، وعدمه مطلقاً، وحكاه الإمام في (الشامل) عن الجمهور، والتفصيل بين الممتنع لذاته كقلب الحجر ذهباً مع بقاء الحجرية فيمتنع، والممتنع لغيره فيجوز وهو ظاهر اختيار الإمام في الشامل، وجرى عليه البيضاوي.
وقال المصنف: إنه الحق.
ص: مسألة: الأكثر أن حصول الشرط الشرعي ليس شرطاً في / (١٧أ/د) صحة التكليف، وهي مفروضة في تكليف الكافر بالفروع، والصحيح وقوعه خلافاً لأبي حامد الإسفراييني وأكثر الحنفية
стр. 81
مطلقاً، ولقوم: في الأوامر فقط، ولآخرين: فيمن عدا المزتد، قال الشيخ الإمام: والخلاف في خطاب التكليف، وما يرجع إليه من الوضع لا الإتلاف والجنايات وترتب آثار العقود.
ش: اختلف الأصوليون في أن حصول الشرط الشرعي وهو ما يتوقف عليه صحة الشيء شرعاً كالوضوء للصلاة، هل هو شرط في صحة التكليف بالمشروط أم لا؟
فذهب أصحاب الرأي إلى اشتراطه، وذهب الجمهور إلى / (٢٠/ أ/ م) أنه لا يشترط، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وقد نازع الصفي الهندي في ذلك، وقال: إن المحدث مكلف بالصلاة بالإجماع، ومقتضى هذه الترجمة طرد الخلاف في هذه الصورة، لكن المصنف وغيره قالوا: إن المسألة مفروضة في تكليف الكافر بالفروع، ـ ومقتضاه أن الخلاف لا يطرد في سائر الشروط الشرعية، ووجه اندارج هذه المسألة في هذه القاعدة أن الإسلام شرط لصحة العبادات شرعاً وخرج بالشرط (الشرعي) العقلي، كالتمكن من الأداء الزائل بالنوم والفهم من الخطاب الزائل بالغفلة والنسيان، فإن حصوله شرط في صحة التكليف، وفي مسألة تكليف الكفار، بفروع الشريعة مذاهب.
أحدها: وهو قول مذهب الأئمة الثلاثة: نعم.
الثاني ـ وبه قال أكثر الحنفية ـ: لا، وقال به من أصحابنا الشيخ أبو حامد
стр. 82
الإسفراييني، وحكى أيضاً عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، وأنه حكاه قولاً عن الشافعي.
الثالث: أنهم مكلفون بالنواهي دون الأوامر، وادعى بعضهم تكليفهم بالمناهي بلا خلاف.
الرابع: تكليف المرتد خاصة، دون الكفار الأصليين، وفي (المحصول) في أثناء الاستدلال ما يقتضي أن الخلاف في غير المرتد، ثم نقل المصنف عن والده الشيخ الإمام السبكي أنه قيد إطلاق الأصوليين محل الخلاف فقال: إن الخلاف في خطاب التكليف وما يرجع إليه من خطاب الوضع، ولذلك أمثلة منها:
ما كان سبب الأمر والنهي، ككون الطلاق سبباً لتحريم الزوجة، فهو من محل الخلاف، والفريقان مختلفان في أنه هل هو سبب في حقهم أم لا؟
ومنها: تعلق الزكاة بالمال تعلق شركة، كما هو الأصح من مذهب الشافعي، فالظاهر عدم ثبوته في حقهم، وإن قيل: إنهم مخاطبون بالزكاة لأمرين.
أحدهما: أن هذا التعلق المقصود به تأكد الوجوب لصيانة الواجب عن الضياع، وليس المقصود بتكليفهم بالزكاة أخذها منهم.
ثانيهما: أن المعتمد في ثبوت الشركة قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ وهذه غير متناولة لهم، فأما ما كان من خطاب الوضع لا يرجع
стр. 83
إلى خطاب التكليف، كالإتلاف/ (١٧ب/د) والجنايات، وترتب آثار العقود عليها، كصحة البيع والنكاح وفسادهما فهم داخلون فيه قطعاً / (٢٠ ب/ م)
ص: مسألة: لا تكليف إلا بفعل، فالمكلف به في النهي الكف، أي: الانتهاء، وفاقاً للشيخ الإمام، وقيل: بفعل الضد، وقال قوم: الانتفاء، وقيل: يشترط قصد الترك.
ش: لا خلاف أن المكلف به في الأمر الفعل، وأما في المنهي ففيه أربعة مذاهب.
أصحها عند ابن الحاجب وغيره: أنه كف النفس عن الفعل، والكف فعل، وفسر المصنف تبعاً لوالده الكف بالانتهاء.
قال: فإذا قلت: لا تسافر، فقد نهيته عن السفر، والنهي يقتضي الانتهاء، لأنه مطاوعه، يقال: نهيته فانتهى، والانتهاء هو الانصراف عن المنهي عنه وهو الترك.
قال: واللغة والمعقول يشهدان له، وفرق بين قولنا: لا تسافر، وقولنا: أقم، لأن أقم أمر بالإقامة من حيث هي، فقد لا تستحضر معها السفر، ولا تسافر نهي عن السفر، فمن أقام قاصداً ترك السفر يقال فيه: انتهى عن السفر، ومن لم يخطر له السفر بالكلية لا يقال: انتهى عن السفر، والانتهاء أمر معقول، وهو فعل، ويصح التكليف به، وكذلك في جميع النواهي الشرعية، كالزنا والسرقة والشرب ونحوها، المقصود في جميعها الانتهاء عن تلك الرزائل ومن لازم ذلك الانتهاء التلبس بفعل ضد من أضداد المنهي عنه، انتهى.
فقوله: (وفاقاً للشيخ للإمام) يحتمل أن يكون في اختيار هذا القول، وهو أن المكلف به في النهي الكف، ويحتمل أن يكون في تفسير الكف بالانتهاء،
стр. 84
والله أعلم.
المذهب الثاني: أن المكلف به في النهي فعل ضد المنهي عنه فإذا قال: لا تتحرك، فمعناه افعل ما يضاد الحركة، وحكي هذا عن الجمهور، وضعف بأن النهي قسيم الأمر، والأمر طلب الفعل، فلو كان النهي طلب فعل الضد لكان أمراً، ولكان النهي من الأمر، وقسيم الشيء لا يكون قسيماً منه.
الثالث وبه قال أبو هاشم: أنه انتفاء الفعل، فالمكلف به في قولنا: (لا تتحرك) نفس أن لا يفعل، وهو عدم الحركة.
الرابع: أنه يشترط في امتثال النهي قصد ترك المنهي عنه، وهل يكتفى بنية ترك المنهيات في الجملة، أو لا بد من نية خاصة في كل منهي؟
فيه نظر، وهذا القول/ (٢١/ أ/ م) غير معروف، ومقتضاه أنه إذا لم يقترن بالترك قصد يأثم وهو بعيد، والمتجه نفي الثواب فقط، والمعروف قول مفصل بين الترك المجرد المقصود لنفسه/ (١٨/أ/د) من غير أن يقصد معه ضده كالصوم، فالمكلف به فيه الفعل، ولهذا وجبت فيه النية، وبين الترك المقصود من جهة إيقاع ضده كالزنا، فالمكلف به فيه الضد، وهذا هو ظاهر كلام الغزالي في (المستصفى).
ص: والأمر عند الجمهور يتعلق بالفعل قبل المباشرة بعد دخول وقته إلزاماً وقبله إعلاماً، والأكثر يستمر حال المباشرة، وقال إمام الحرمين والغزالي: ينقطع، وقال قوم: لا يتوجه إلا عند المباشرة، وهو التحقيق، فالملام قبلها على التلبس بالكف المنهي.
ش: هذه المسألة في وقت توجه الأمر للمكلف، وهي كما قال القرافي أغمض مسألة في أصول الفقه مع قلة جدواها، وأنه لا يظهر لها ثمرة في الفروع، وفيها للأشاعرة مذاهب.
الأول: أنه يتوجه قبل مباشرة الفعل بعد دخول وقته على سبيل الإلزام
стр. 85
وقبله على سبيل الإعلام، ثم اختلف هؤلاء في أنه يستمر حال المباشرة أو ينقطع، فالأكثرون على الأول.
واعتمد المصنف في نقل هذه عن الجمهور قول الآمدي: اتفق الناس على جواز كون الفعل مأموراً به قبل حدوثه، سوى شذوذ من أصحابنا، وعلى امتناع كونه كذلك بعد حدوثه، واختلفوا في جواز كونه كذلك، وقت حدوثه، فأثبته أصحابنا، ونفاه المعتزلة، وبه يشعر كلام الغزالي انتهى.
وقال آخرون: ينقطع توجه التكليف حال المباشرة، وحكاه المصنف عن إمام الحرمين والغزالي، وهو المذهب الثاني.
والمذهب الثالث: أنه لا يتوجه قبل المباشرة أصلاً، ولا يتوجه إلا عندها، وادعى المصنف أن هذا هو التحقيق، وحكاه عن الأشعري، واختاره الإمام فخر الدين والبيضاوي وغيرهما، وقال الصفي الهندي: وهو الذي يدل عليه صريح نقل الإمام الرازي عن الأصحاب، قال: ونقل إمام الحرمين في مذهب أصحاب الشيخ ما يقتضي أنه ليس بمأمور به قبل حدوثه، وهو الذي/ (٢١ب/م) يقتضيه أصلهم: أن الاستطاعة مع الفعل لا قبله، لكن أصلهم الآخر وهو جواز التكليف بالمحال يقتضي جواز الأمر بالفعل حقيقة قبل الاستطاعة، فعلى هذا يكون المأمور مأموراً قبل التلبس بالفعل، والمأمور به مأمور به قبل حدوثه، لكن لعلهم فرعوا هذا على استحالته، أو وإن قالوا بجوازه، لكنهم قالوا ذلك بناء على عدم وقوعه، انتهى.
وقوله: (فالملام قبلها) إلى آخره، جواب عن سؤال مقدر على هذا القول الأخير، تقديره: أن القول به يؤدي إلى سلب التكاليف، فإنه يقول: لا أفعل حتى أكلف، والفرض أنه لا يكلف حتى يفعل، وجوابه أنه قبل المباشرة متلبس بالترك وهو فعل، فإنه كف النفس عن الفعل، فقد باشر الترك، فتوجه إليه التكليف بترك الترك حالة مباشرته للترك، وذلك بالفعل، وصار الملام على ذلك، وهذا/ (١٨ب/د) جواب نفيس أشار إليه إمام الحرمين في مسألة تكليف ما لا يطاق، وأما المعتزلة فإنهم متفقون على توجه التكليف قبل
стр. 86
المباشرة وانقطاعه عندها، ولم يحكه المصنف عنهم، وإنما حكاه عن الغزالي وإمامه.
ص: مسألة: يصح التكليف، ويوجد معلوماً للمأمور إثره مع علم الآمر، وكذا المأمور في الأظهر انتفاء شرط وقوعه عند وقته كأمر رجل بصوم يوم علم موته قبله، خلافاً لإمام الحرمين والمعتزلة، أما مع جهل الآمر فاتفاق.
ش: هل يصح تكليف الإنسان بأمر مع أن شرط وقوعه في وقته منتف فلا يمكن وقوعه، لانتفاء شرطه، للمسألة ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يعلم الآمر دون المأمور انتفاءه كأمر الله تعالى رجلاً بصوم يوم وقد علم سبحانه موته قبله، وشرط الصوم الحياة فلا يمكن وقوعه لانتفاء شرطه.
قال الجمهور: نعم، وقال إمام الحرمين والمعتزلة: لا، فالثاني مبني على أن فائدة التكليف الامتثال فقط، والأول مبني على أنه قد يكون فائدته الابتلاء أيضاً، ويترتب على ذلك وجوب الكفارة في تركة المجامع في نهار رمضان إذا مات أو جن في أثناء ذلك، النهار، فيجب على الأول دون الثاني، وعدم وجوبها هو الأصح، خلاف مقتضى البناء.
الثاني: أن يعلم المأمور أيضاً انتفاءه، فذكر المصنف/ (٢٢/أ/م) أن الأظهر صحته أيضاً.
قال الشارح: وهذا مما خالف فيه الأصوليين، فإنهم أطبقوا على المنع، وفرقوا بينهما بانتفاء فائدة التكليف، ونقل الصفي الهندي الاتفاق
стр. 87
عليه، إلا على رأي من يقول بتكليف ما لا يطاق، ومستند المصنف في خلافهم قول الفقهاء فيمن علمت أنها تحيض في أثناء النهار يجب عليها افتتاح النهار بالصوم.
قال الشارح: وقد سبقه إلى ذلك المجد ابن تيمية في المسودة الأصولية، فقال بعد ذكر الخلاف في الحالة الأولى: (وينبغي على مساق هذا أن نجوزه، وإن علم المأمور أنه يموت قبل الوقت كما نجوز توبة المجبوب من الزنا، ويكون فائدته العزم على الطاعة بتقدير القدرة، قال: وليست هذه المسألة مبنية على تكليف خلاف المعلوم، ولا على تكليف ما لا يطاق، وإن كان لها به ضرب من التعلق، لكن تشبه النسخ قبل التمكن، لأن ذلك رفع الخطاب وهذا رفع للحكم بعجز، وقد نبه ابن عقيل على ذلك، وينبني على أنه قد يأمر بما لا يريد انتهى.
الثالث: أن يجهل الآمر انتفاءه كأمر السيد عبده بخياطة الثوب غداً، فهذا يصح بالاتفاق كما قاله المصنف تبعاً لابن الحاجب، لكن قال الصفي الهندي: في كلام بعضهم إشعار بخلاف فيه، انتهى.
تنبيهان:
أحدهما: اقتصر ابن الحاجب على ذكر الخلاف في صحة هذا التكليف، وزاد عليه المصنف أن الخلاف أيضاً في وجود التكليف معلوماً للمأمور إثره، أي إثر، التكليف، أي عقبه من غير توقف على مضي زمن يمكن فيه الامتثال/ (١٩/أ/د) وقد ترجم الأكثرون المسألة بأنه هل يعلم المأمور كونه مأموراً قبل
стр. 88
التمكن من الامتثال أو لا حتى يمضي عليه زمن الإمكان؟ فمن جوزه قال: قد تحقق ورود الأمر، وهو شك في رفعه بانتفاء شرطه قبل وقوعه، ومن منع قال: يكون شاكاً في ذلك، لأن الشرط سلامة العاقبة، وهو لا يتحققها، ويلزمهم أن لا يوجد من المكلف عبادة لحصول الشك، فلا يصح لهم عمل.
وقوله: (إثره) هو بكسر الهمزة وإسكان الثاء المثلثة وبفتحها لغتان.
الثاني: منع المعتزلة ورود/ (٢٢ب/م) الأمر مقيداً بشرط، سواء علم وقوع الشرط أو عدم وقوعه، لأنه مع العلم بالوقوع لا يكون شرطاً ومع العلم بعدمه لا يكون أمراً إلا على رأي بعض من يجوز تكليف ما لا يطاق، وقد ظهر بهذا الاعتراض على ابن الحاجب والمصنف من وجهين.
أحدهما: تقييد المسألة بالعلم، فذكرا بعض أفراد المسألة.
ثانيهما: نقلهما الاتفاق مع جهل الأمر، والمعتزلة تخالف فيه أيضاً، والله أعلم.
ص: خاتمة: الحكم قد يتعلق بأمرين على الترتيب، فيحرم الجمع أو يباح أو يسن.
ش: الواجب المرتب على ثلاثة أقسام:
أحدها: يحرم الجمع بين أفراده، كأكل المذكي والميتة، فإنه يجب على المضطر أكلها عند فقد المذكي.
ثانيها: يباح، ومثله في المحصول بالوضوء والتيمم، وفيه نظر، فإن التيمم مع القدرة على الوضوء فعل العبادة بدون شرطها، فتكون فاسدة، ويحرم الإتيان بالعبادة الفاسدة إجماعاً، فإن أتى بصورة التيمم بدون نيته فليس تيمماً.
قال الشارح: ويمكن تصويره على رأي ابن سريج في الماء المختلف في
стр. 89
طهوريته، كالمستعمل والنبيذ الذي يجوز أبو حنيفة الطهارة به، فإنه نص في كتاب الودائع على أنه يتوضأ به ويتيمم خروجاً من الخلاف، ومثله قول أبي حنيفة في سؤر الحمار، إن لم يجد غيره توضأ به وتيمم.
وثالثها: كخصال الكفارة المرتبة مثل كفارة القتل، قال السبكي: هذا يحتاج إلى دليل ولا أعلمه، ولم أر أحداً من الفقهاء صرح باستحباب الجمع، ولعل مراد الأصوليين الورع والاحتياط بتكثير أسباب براءة الذمة، ولعلهم أيضاً لم يريدوا أن الجمع قبل فعله مطلوب، بل إذا وقع كان بعضه فرضاً وبعضه ندباً.
وقال الشارح: في تصويره نظر، فإنه إذا كفر بالعتق ثم صام فقد سقطت الكفارة بالأولى، فلا ينوي بالثانية الكفارة، لعدم بقائها عليه، قال: وينبغي أن يكون على الخلاف فيما إذا بطل الخصوص هل يبطل العموم.
ص: وعلى البدل كذلك.
ش: أي تأتي هذه الأقسام في الواجب المخير أيضاً، ومثل الإمام وغيره المحرم الجمع/ (٢٣/أ/م) بتزويج المرأة من كفأين، والمباح بستر العورة بثوبين، والمندوب بالجمع بين خصال كفارة الحنث، وفيه ما تقدم في الكفارة المرتبة.
стр. 90
ص: الكتاب الأول في (الكتاب)
ومباحث الأقوال
الكتاب: القرآن، والمعني به هنا: اللفظ المنزل على/ (١٩ ب/د) محمد ﷺ للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته.
ش: قدم الكلام في الكتاب لكونه أصلاً لبقية الأدلة الشرعية، وهو في الأصل جنس، لكن غلب استعماله في المراد هنا، فصارت اللام فيه للعهد، وتفسيره بالقرآن هو تفسير اللفظ بمرادفه، كقولنا: البر: القمح، وقوله: (والمعنى به هنا) أشار به إلى أن القرآن يطلق، ويراد به مدلول اللفظ، وهو المعنى القائم بالنفس وهو محل نظر المتكلمين، وأخرى ويراد به الألفاظ الدالة على ما في النفس، ومنه قوله تعالى: ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ والمسموع هو العبارات، وهذا محل نظر الأصوليين والفقهاء والنحاة وغيرهم.
فقولنا: (اللفظ) كالجنس خرج به النفسي.
وقولنا: (المنزل) فصل أول أخرج اللفظ غير المنزل
وقولنا: (على محمد) أخرج المنزل على غيره، كالتوراة.
وقولنا: (للإعجاز) أخرج المنزل لا للإعجاز كالأحاديث.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: السنة وحي يتلى.
وقال الحليمي: علوم القرآن توجد في السنة، إلا الإعجاز.
وقولنا: (بسورة) من تتمة هذا الفصل، وهو بيان للواقع، لا للإخراج،
стр. 91
وليس احترازا عن شيء نزل على نبينا ﵊ للإعجاز، لا بسورة.
منه وأشار به إلى أن السورة أقل ما وقع به التحدي، لكن قوله تعالى: ﴿فليأتوا بحدث مثله﴾ قد يقتضي بآية.
وقولنا: المتعبد بتلاوته ـ أخرج منسوخ التلاوة.
ص: ومنه البسملة أول كل سورة غير براءة على الصحيح.
ش: ومنه أي من القرآن البسملة في أول كل سورة على الصحيح.
والثاني: إنكار ذلك، وحكي عن الأئمة الثلاثة، وتحرير مذهب الشافعي على أنه لا خلاف في أنها آية من أول الفاتحة وإثبات الخلاف في غيرها من السور والصحيح: إنها آية من جميعها أيضاً، ومحل الخلاف في غير براءة فليست آية من أولها بلا خلاف، وفي غير سورة النمل، فهي بعض آية منها بلا شك.
ثم اختلف القائلون بإثباتها أول كل سورة: هل هي آية منها؟ أو بعض آية؟ أو آية مستقلة في أولها؟ والقائلون بالثالث أبو بكر الرازي، ومن أحسن أدلتنا ثبوتها في سواد المصحف أول كل سورة بقلم القرآن، مع إجماع الصحابة على أنه لا يكتب في المصحف غير القرآن، ذكر ذلك القاضي حسين والغزالي والنووي وغيرهم.
стр. 92
والجمهور ـ كما قال الماوردي ـ: على أنها آية حكماً لا قطعاً، لاختلاف العلماء فيها.
ومعنى الحكم: أنه لا تصح الصلاة إلا بها في أول الفاتحة، وهي نظير كون الحجر من البيت أي في الحكم، وهو الطواف به، ولم يثبت ذلك بقاطع، وكذا صحح النووي: أنها قرآن على سبيل الحكم، قال: ولو كانت على سبيل القطعي لكفرنا فيها، وهو خلاف الإجماع، لكن في الزوائد للعمراني عن صاحب/ (٢٠/أ/د) (الفروع) وهو سليم الرازي أنا إذا قلنا: إنها من الفاتحة قطعاً كفرنا نافيها وفسقنا تاركها، ونقل الشارح عن شيخنا الإمام بهاء الدين ابن عقيل أنه قال: (الذي يظهر أن إثباتها قرآناً لا يكون إلا بقاطع كغيرها، ويجوز كونه خبر الواحد الذي احتفت به القرائن، وهو إجماعهم على كتبها في المصاحف كلها بقلم القرآن، وعدم تكفير نافيها لكون القطع ناشئاً عن ثبوت الخبر المحفوف بالقرائن، وهذا لم يحصل للنافي) انتهى.
ص: لا ما نقل آحاداً على الأصح.
ش: نقل المصنف خلافاً في أن القرآن هل يثبت بأخبار الآحاد أم لا؟
وقال الشارح: حكاية الخلاف فيها على الإطلاق لم أره في شيء من
стр. 93
كتب الأصول بعد التتبع، ومقصود ابن الحاجب الكلام في البسملة خاصة، ولما أفرد المصنف هذا الكلام عن البسملة أفهم ثبوته على الإطلاق، وأن البسملة ثبتت بالتواتر، قال: والحق أن ثبوت ما هو من القرآن بحسب أصله، لا خلاف في شرط التواتر فيه، وأما بحسب محله ووضعه وترتيبه فهل يشترط فيه التواتر أم يكفي فيه نقل الآحاد؟ هذا الذي يليق أن يكون محل الخلاف, قال: ثم رأيت الخلاف/ (٢٤أ/م) مصرحاً به في كتاب (الانتصار) للقاضي أبي بكر، فقال ما نصه: (وقال قوم من الفقهاء والمتكلمين: يجوز إثبات قرآن وقراءة حكما لا علماً بخبر الواحد دون الاستفاضة، وكره أهل الحق ذلك وامتنعوا منه) انتهى.
قلت: الظاهر أن القاضي أبا بكر إنما أراد مسألة البسملة خاصة، ولهذا قيد ما ذكره بقوله: (حكما لا علماً) فلا يكون سلفاً للمصنف في حكاية الخلاف على الإطلاق، ولعل المصنف انتقل ذهنه من الخلاف في أن المنقول بخبر الواحد على أن يكون قرآناً هل يكون حجة إجراء له مجرى الأخبار أم لا؟ فإن الخلاف في ذلك معروف، وأما في ثبوته قرآناً فلا، والله أعلم.
ص: والسبع متواترة، قيل: فيما ليس من قبيل الأداء، كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة، قال أبو شامة: والألفاظ المختلف فيها بين القراء.
ش: القراءات السبع متواترة بإجماع من يعتد به، بشرط صحة إسنادها إلى أولئك القراء، ولا التفات إلى قول بعض المتأخرين، هي متواترة عن السبعة، ولكن أسانيدهم بها آحاد، لأنا نقول بل هي متواترة، واقتصارهم على بعض طرقهم لا يدل على أنه لا طريق لهم سواها، وقوله: (قيل) أشار به إلى قول ابن الحاجب: إن التواتر إنما هو فيما ليس من قبيل الأداء فأما ما كان من قبيل كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة، فليس متواتراً، وضعف المصنف هذا، ومال إلى تواتره أيضاً، وإنما الآحاد كيفيته، فاختيار القراء
стр. 94
مختلف في تقدير المد، فعن حمزة وورش المد بقدر ست ألفات، وقيل: خمس، وقيل: أربع، وصحح، وعن عاصم: ثلاث، وعن الكسائي: ألفين ونصف، وعن قالون: ألفين، وعن السوسي ألف ونصف، / (٢٠ب/د) وكذلك الإمالة اختلفوا في كيفيتها مبالغة وقصوراً وكذا كيفية تخفيف الهمزة، ـ فهذا هو الذي لا تواتر فيه، وأما أصل المد والإمالة وتخفيف الهمزة فمتواتر.
وقال الشارح: إنما أورد كلام ابن الحاجب بصيغة التمريض، لأنه وإن وافقه في استثناء ما ليس من قبيل الأداء، لكن لا يوافقه في التمثيل.
قلت: وهذا كلام معكوس، فإنه وافقه في التمثيل على أنه ليس متواتراً، أما أصل الاستثناء فلم يوافقه عليه، بل ادعى أنه متواتر، ثم حكى المصنف عن أبي شامة أن الألفاظ/ (٢٤ب/م) المختلف فيها بين القراء ليست متواترة أيضاً، والمراد تنوع القراء في أدائها، فإن منهم من يبالغ في تشديد الحرف المشدد، فكأنه زاد حرفاً، ومنهم من لا يرى ذلك، ومنهم من يرى الحالة الوسطى، ولذلك قال: (وألفاظ القراء) ولم يقل: القراءات، وتوقف المصنف في ذلك، وقال: الظاهر تواترها، فإن اختلافهم ليس إلا في الاختيار ولا يمنع قوم قوماً.
ص: ولا تجوز القراءة بالشاذ.
ش: حكى ابن عبد البر فيه الإجماع، قال النووي في (شرح المهذب): لا في الصلاة ولا في غيرها، وعبارة الرافعي تسوغ القراءة الشاذة إن لم يكن فيها تغيير معنى، ولا زيادة حرف، ولا نقصانه، وعبر عنه في
стр. 95
(الروضة) بقوله: تصح.
ص: والصحيح أنه ما وراء العشرة وفاقاً للبغوي والشيخ الإمام، وقيل ما وراء السبعة.
ش: السبعة معروفة، والثلاثة الأخرى: قراءة يعقوب وخلف وأبي جعفر بن يزيد بن القعقاع، فرجح المصنف أن الشاذ ما وراء هذه العشرة، وحكاه عن البغوي ووالده.
وقال الشارح: والذي رأيته في أول تفسير البغوي: ذكر أبي جعفر، ويعقوب، دون خلف، ثم قال: فذكرت قراءة هؤلاء للاتفاق على جواز القراءة بها، وقال أبو حيان: لا نعلم أحداً من المسلمين حظر القراءة بالثلاثة الزائدة على السبعة، بل قرئ بها في سائر الأمصار.
وقال المصنف: القول بأنها غير متواترة في غاية السقوط، ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله في الدين.
стр. 96
ص: أما إجراؤه مجرى الآحاد فهو الصحيح.
ش: إجراء الشاذ مجرى أخبار الآحاد في الاحتجاج به هو الصحيح، لأنه بطل خصوص كونه قرآناً لفقد شرطه، وهو التواتر، فبقي عموم كونه خبراً، ولهذا احتجوا على إيجاب قطع يمين السارق بقراءة ابن مسعود (فاقطعوا أيمانهما) ونص عليه الشافعي في (البويطي) واختار ابن الحاجب أنه ليس بحجة، وحكاه إمام الحرمين في (البرهان) عن الشافعي، لكونه لم يوجب التتابع في كفارة الحنث مع علمه بقراءة ابن مسعود (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات).
ص: ولا يجوز ورود ما لا معنى له في الكتاب والسنة خلافاً للحشوية.
ش: منع الأكثرون أن يرد في الكتاب/ (٢١أ/د) أو السنة ما لا معنى له، لأنه هذيان، فلا يليق النطق به بعاقل، فكيف بالبارئ سبحانه؟! وجوزه الحشوية، وهم قوم يجرون آيات الصفات/ (٢٥أ/م) على ظاهرها، بل قالوا بوقوعه في
стр. 97
الحروف المقطعة أوائل السور، وفي قوله: ﴿كأنه رؤوس الشياطين﴾ وأجاب الجمهور بأن الحروف المقطعة أسماء للسور، وأن رؤوس الشياطين مثل في الاستقباح على عادة العرب في ضرب الأمثال بما يتخيلونه قبيحاً، وقال ابن برهان: الحق التفصيل بين الخطاب الذي يتعلق به تكليف، فلا يجوز، وما لا يتعلق به تكليف فيجوز، وهو مذهب ثالث.
تنبيهات:
أحدهما: إلحاق الحديث بذلك، ذكره في (المحصول) وقال الأصفهاني في (شرح المحصول): لم أره لغيره.
ثانيها: الظاهر أن خلاف الحشوية فيما له معنى ولا نفقهه، أما ما لا معنى له أصلاً فمنعه محل اتفاق.
ثالثها: الحشوية بفتح الشين، لأنهم كانوا يجلسون في حلقة الحسن البصري أمامه، فلما أنكر كلامهم، قال: ردوهم إلى (حشى) الحلقة أي جانبها، وقال ابن الصلاح: الفتح غلط، وإنما هو بالإسكان.
ص: ولا ما يعنى به غير ظاهره إلا بدليل خلافاً للمرجئة.
ش: لا يجوز أن يقع في الخطاب الشرعي ما يراد به غير ظاهره من غير بيان ذلك، خلافاً للمرجئة، وهم طائفة يقولون: بأنه لا يضر مع الإيمان
стр. 98
معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، قالوا: إن آيات الوعيد التي في القرآن الكريم توعد بها الفساق، ليست على ظاهرها، بل المراد بها خلاف الظاهر، وإن لم يبين الشرع ذلك.
ص: وفي بقاء المجمل غير مبين ثالثها الأصح لا يبقى المكلف بمعرفته.
ش: هل يجوز أن يبقى بعد وفاة النبي ﷺ في القرآن مجمل لا يعرف معناه؟ منعه بعضهم، لأن الله تعالى أكمل الدين، وقال آخرون بإمكانه، وفصل إمام الحرمين، فجوزه فما لا تكليف فيه، ومنعه فيما فيه تكليف، وصححه المصنف، وقال الشارح: الظاهر أن هذا تنقيح للقول الثاني، لا مذهب ثالث مفصل.
ص: والحق أن الأدلة النقلية قد تفيد اليقين بإنضمام تواتر أو غيره.
ش: اختلف في أن الأدلة النقلية هل تفيد اليقين أم لا؟ على مذاهب:
أحدها: تفيده مطلقاً، حكاه الآمدي عن الحشوية.
والثاني: لا، مطلقاً لتوقف اليقين فيها على أمور، لا طريق إلى القطع بها.
والثالث: وهو اختيار الآمدي في (الأبكار) والإمام في (المحصول)، و (الأربعين) أنها قد تفيده إذا انضم إليها تواتر أو غيره من القرائن الحالية ولا غيره بالاحتمال فإنه إذا لم ينشأ عن دليل لم يعتبر، وإلا لم يوثق بمحسوس.
стр. 99
ص: المنطوق والمفهوم .
ص: المنطوق ما دل عليه اللفظ في محل النطق
ش: لما توقف الاستدلال بالقرآن لكونه عربياً على معرفة أقسام اللغة، شرع في بيانها، وهي تنقسم باعتبارات/ (٢٥ب/ م)
فباعتبار المراد من اللفظ: إلى منطوق ومفهوم.
وباعتبار دلالة اللفظ على الطلب بالذات: إلى أمر/ (٢١ب/ د) ونهى.
وباعتبار عوارضه وهي إما متعلقاته إلى عام وخاص، أو النسبة بين ذاته ومتعلقاته: إلى مجمل ومبين، أو بقاء دلالته أو رفعها: إلى ناسخ ومنسوخ.
فذكرها المصنف على هذا الترتيب، فبدأ بتقسيمه إلى منطوق ومفهوم.
فالمنطوق: ما دل عليه اللفظ في محل النطق، أي بغير واسطة، كدلالة قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ على تحريم التأفيف، فخرج المفهوم فإن دلالة اللفظ عليه لا في محل النطق، بل في محل السكوت، كدلالة هذه الآية على تحريم الضرب.
ص: وهو نص إن أفاد معنى لا يحتمل غيره كزيد، ظاهر إن احتمل مرجوحاً كالأسد.
ش: قسم المنطوق إلى نص
стр. 100
وظاهر، فالنص ما أفاد معنى لا يحتمل غيره، كزيد لدلالته على شخص بعينه، والظاهر، ما أفاد معنى مع احتمال غيره احتمالا مرجوحاً، كالأسد، فإن دلالته على الحيوان أرجح من دلالته على الرجل الشجاع.
واعلم أن في النص أربعة اصطلاحات:
أحدها: وهو المذكور هنا ما لا يحتمل التأويل.
ثانيها: ما احتمله احتمالاً مرجوحاً، فهو حينئذ بمعنى الظاهر، وهو الغالب في إطلاق الفقهاء.
ثالثها: ما دل على معنى كيف كان.
ذكر هذه الثلاث القرافي في (التنقيح).
رابعها: دلالة الكتاب أو السنة مطلقاً، وهو اصطلاح كثير من متأخري الخلافيين، كما ذكره الشيخ تقي الدين في شرح العنوان، وعليه مشى البيضاوي في القياس، وكلام الشارح هنا في ذكر معاني النص غير محرر.
ص: واللفظ إن دل جزؤه على جزء المعني فمركب وإلا فمفرد.
ش: اللفظ ينقسم إلى مفرد ومركب، فإن دل جزؤه على جزء معناه، فهو مركب، وإن لم يدل جزؤه على جزء معناه فهو مفرد، فتناول ما لا جزء له أصلاً، كالبناء مثلاً، وما له جزء، لكن لا يدل على جزء معناه كـ (زيد) مثلاً، فإن الزاي منه لا تدل على جزء معناه، وهو الذات المعينة.
فإن قلت: قوله: (جزؤه) يتناول كل جزء منه، لأنه اسم جنس مضاف فيعم.
стр. 101
قلت: المراد بالجزء ما صار به اللفظ مركباً، كزيد وحده، وقائم وحده، من قولنا: (زيد قائم) والزاي جزء لزيد الذي هو جزء لقولنا: زيد قائم، فجزئية الزاي كزيد قائم باعتبار أنه جزء جزئه، والله أعلم / (٢٦أ/ م).
ص: ودلالة اللفظ على معناه مطابقة، وعلى جزئه تضمن، وعلى لازمه الذهني التزام.
ش: الدلالة كون الشيء يلزم من فهمه فهم شيء آخر، وبإضافتها إلى اللفظ خرجت (الدلالة العقلية) وهي دلالة وجود المسبب على وجود سببه، (والوضعية) كدلالة الذراع على القدر المعين، وكان ينبغي أن يقول: دلالة اللفظ الوضعية ليخرج دلالة اللفظ العقلية، كدلالة اللفظ على حياة اللافظ، ودلالة اللفظ الطبيعية، كدلالة أح أح على وجع الصدر/ (٢٢أ/د).
ودلالة اللفظ الوضعية وهي كون اللفظ بحيث إذا أطلق فهم منه المعنى من كان عارفاً بالوضع ـ تنقسم إلى ثلاثة أقسام، لأن اللفظ إن دل على معناه الموضوع له فهي المطابقة، لتطابق اللفظ والمعنى، ولم يقل المصنف: (تمام مسماه) كالبيضاوي، لأن التمام إنما يكون في ذي أجزاء، فيخرج عنه دلالة الجوهر الفرد على معناه، وأيضاً فالتعريفات تصان عن الحشو، وهذه الزيادة لا معنى لها، لأن جزء الشيء غير الشيء، ومع ذلك فهي مضرة، وإن دل اللفظ على جزء معناه فهي التضمن، وإن دل على لازمه الذهني فهي الالتزام، وقيدنا اللزوم بالذهني لأنه المعتبر، سواء كان لازماً في الخارج، كالارتفاع مع السرير، أو لا كالعمى مع البصر، فدلالة الإنسان على الحيوان الناطق مطابقة، وعلى الحيوان فقط أو على الناطق فقط تضمن، وعلى الضاحك مثلاً التزام.
قال الشارح: واعلم أن اشتراط اللزوم الذهني هو رأي المنطقيين، وأما الأصوليون وأهل البيان فلا يشترطونه، بل دلالة الالتزام عندهم ما يفهم منه معنى خارج عن المسمى، سواء كان المفهم للزوم بينهما في ذهن كل أحد أو
стр. 102
عند العالم بالوضع أو في الخارج، أو لم يكن بينهما لزوم أصلاً، لكن القرائن الخارجية استلزمته، ولهذا يجري فيها الوضوح والخفاء بحسب اختلاف الأشخاص والأحوال، وهذا أظهر، والأولون إن ذكروه اصطلاحاً فلا مشاحة، أو بالوضع فممنوع انتهى.
قلت: بل ما ذكره المناطقة أظهر، فإن المراد بيان الدلالات التي يقع بها الخطاب الشرعي، وتقوم الحجة بها على المكلف، وذلك لا يأتي في غير اللزوم الذهني، ومراد البياني التفنن في البلاغة، واختبار الفطنة، والغباوة بفهم المعنى القريب والبعيد، / (٢٦ب/م) ولا نسلم اكتفاء الأصولي في الدلالة بما يكتفي به البياني، بل هو كالمنطقي في ذلك، وعنه تلقى هذه الدلالات، والله أعلم.
ص: والأولى لفظية والثنتان عقليتان.
ش: الدلالة الأولى: وهي المطابقة لفظية، والثنتان وهما التضمن والالتزام عقليتان، هذا أحد المذاهب الثلاثة، واختاره صاحب (المحصول) وابن التلمساني والصفي الهندي وغيرهم.
والثاني: أن الثلاثة لفظية، وعزاه بعضهم للأكثرين.
والثالث: أن الالتزام فقط عقلية، وهو رأي الآمدي وابن الحاجب.
ص: ثم المنطوق إن توقف الصدق أو الصحة على إضمار فدلالة اقتضاء، وإن لم يتوقف ودل على ما لم يقصد فدلالة إشارة.
ش: دلالة المنطوق قد لا تستفاد من الصيغة فقط، بل باقتران أمر آخر بها، وتنقسم إلى دلالة اقتضاء
стр. 103
وإشارة.
الأولى: الاقتضاء وهي ما توقف الصدق، أي كون المتكلم صادقاً، أو ثبوت المخبر به، / (٢٢ب/د) وصحته عقلاً أو شرعاً على إضمار، فهذه ثلاثة أقسام:
فالأول نحو قوله ﵊: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) فإنه لا بد من تقدير الحكم أو المؤاخذة لتعذر حمله على حقيقته،
стр. 104
فإنهما واقعان في هذه الأمة.
والثاني: كقوله تعالى: ﴿فانفلق﴾ فإنه إنما ينتظم بإضمار فضرب.
والثالث: كفهم حصول الملك لمن قال لغيره: أعتق عبدك عني على ألف قبيل العتق، لأن العتق لا يصح من جهة الشرع إلا في مملوك، وهذان القسمان داخلان في قول المصنف: (أو الصحة) أي عقلاً أو شرعاً.
الثانية: (الإشارة) وهي أن لا يتوقف الصدق ولا الصحة على إضمار لكن يدل اللفظ على ما ليس مقصوداً منه في الأصل، ولكنه من توابعه، كقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ الآية، فإنه يعلم
стр. 105
من دلالة الآية على جواز ذلك إلى طلوع الفجر جواز صوم الجنب، فإنه متى استمر إلى الفجر كان جنباً في جزء من النهار، وقد حكي هذا الاستنباط عن محمد بن كعب القرظي من أئمة التابعين.
ص: والمفهوم ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق.
ش: خرج بقوله: (لا في محل النطق) المنطوق، وفهم منه أن دلالته ليست وضعية، وإنما هي انتقالات ذهنية، فإن الذهن ينتقل من فهم القليل إلى فهم الكثير، وعرفه بعضهم بأنه ما فهم عند النطق على وجه يناقض المنطوق به أو يوافقه.
ص: فإن وافق حكمه/ (٢٧أ/ م) المنطوق فموافقة، فحوى الخطاب إن كان أولى، ولحنه إن كان مساوياً، وقيل: لا يكون مساوياً.
ش: قسم المفهوم إلى ما يوافق حكمه حكم المنطوق، وإلى ما يخالف حكمه حكمه.
فالأول: مفهوم الموافقة.
والثاني: مفهوم المخالفة.
ثم قسم مفهوم الموافقة إلى ما كان أولى بالحكم من المنطوق، وإلى ما كان
стр. 106
مساوياً له.
فالأول: يسمى فحوى الخطاب، كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب، والفحوى ما يعلم من الكلام بطريق القطع.
والثاني: وهو المساوي، كالأذى بما يساوي التأفيف يسمى لحن الخطاب، أي معناه من قوله تعالى: ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾ أي معناه، وهذا التقسيم مبني على أنه لا يشترط في مفهوم الموافقة الأولوية وهو المختار عند المصنف، وقيل: يشترط، فلا يكون مساوياً وهو مقتضى نقل إمام الحرمين عن الشافعي، وعزاه الصفي الهندي للأكثرين، والخلاف في التسمية، واتفقوا على الاحتجاج بالمساوي كالأولى.
ص: ثم قال الشافعي والإمامان: دلالته قياسية، وقيل: لفظية، فقال الغزالي والآمدي: فهمت من السياق والقرائن وهي مجازية من إطلاق الأخص على الأعم، وقيل: نقل اللفظ لها عرفاً.
ش: في دلالة مفهوم الموافقة ثلاثة مذاهب.
الأول: أنها من باب القياس، نص عليه الشافعي في/ (٢٣أ/د) (الرسالة) وذهب إليه الإمام فخر الدين، وحكاه المصنف في النسخة القديمة عن إمام الحرمين أيضاً، فقال: (قال الإمام الشافعي والإمامان) واعتمد في ذلك نقل بعضهم عن (البرهان) له أنه نقله فيه عن معظم الأصوليين، وهذا وهم فالذي حكاه في (البرهان) عن معظم الأصوليين أنها دلالة مفهوم، والله أعلم.
الثاني: أنها ليست قياسية بل لفظية، فهمت من السياق، والقرائن وهي مجازية، ونوع العلاقة فيها إطلاق الأخص على الأعم، وبهذا قال الغزالي والآمدي.
стр. 107
الثالث: أنها لفظية حقيقية، نقل اللفظ في العرف من وضعه الأصلي لثبوت الحكم في المذكور خاصة إلى ثبوت الحكم في المذكور والمسكوت معاً.
قال الشارح: وهذا الذي أخره المصنف وضعفه هو الذي ذكره المصنف في العموم حيث قال: وقد يعم اللفظ عرفا كالفحوى.
قلت: لعله مثل به هناك لهذا القسم على رأي مرجوح، والله أعلم.
ص: وإن خالف (٢٧ب/ م) فمخالفة، وشرطه أن لا يكون المسكوت ترك لخوف ونحوه، ولا يكون المذكور خرج للغالب، خلافاً لإمام الحرمين، أو لسؤال أو حادثة أو للجهل بحكمه أو غيره مما يقتضي التخصيص بالذكر.
ش: هذا قسيم لقوله أولاً: (فإن وافق حكم المنطوق) أي، وإن خالف حكم المسكوت عنه حكم المنطوق فهو مفهوم مخالفة، ويسمى دليل الخطاب، وللاحتجاج به شروط:
أحدها: أن لا يكون المسكوت إنما ترك ذكره لخوف ونحوه، فالخوف هو المانع من الذكر فلا يكون المفهوم معتبراً.
قال الشارح: وكلام ابن الحاجب يقتضي عد هذا من شروط المذكور، أي لا يرد المذكور لدفع خوف، ـ فإن ورد لذلك فلا مفهوم له.
الثاني: ألا يكون المذكور خرج مخرج الغالب، فما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، فإنه إنما خص بالذكر لغلبة حضوره في الذهن، كذا نقله إمام الحرمين عن الشافعي، ثم نازع فيه، وقال: الذي أراه أن ذلك لا يسقط التعلق بالمفهوم ولكن ظهوره أضعف من ظهور غيره، وقال ابن عبد السلام: إن القاعدة تقتضي العكس، وهو أن الوصف إذا خرج مخرج الغالب يكون له مفهوم، بخلاف ما إذا لم يكن غالباً، وذلك لأن الوصف الغالب على الحقيقة تدل العادة على ثبوته لتلك الحقيقة، فالمتكلم يكتفي بدلالة العادة على ثبوته لها
стр. 108
عن ذكر اسمه، فذكره له إنما هو ليدل على سلب الحكم عما عداه لانحصار غرضه فيه، فإذا لم يكن عادة فقد يقال: إن غرض المتكلم بتلك الصفة إفهام السامع ثبوت هذه الصفة لهذه الحقيقة، وأجاب في أماليه بأن المفهوم إنما قلنا به لخلو القيد عن الفائدة لولاه، أما إذا كان الغالب وقوعه فإذا نطق/ (٢٣ب/د) باللفظ أولا فهم القيد لأجل غلبته، فذكره بعده يكون تأكيداً لثبوت الحكم للمتصف بذلك القيد، فهذه فائدة أمكن اعتبار القيد فيها فلا حاجة إلى المفهوم بخلاف غير الغالب.
وأجاب القرافي بأن الوصف إذا كان غالباً كان ملازماً لتلك الحقيقة في الذهن فذكره إياه مع الحقيقة عند الحكم عليها لحضوره في ذهنه، لا لتخصيص الحكم به، بخلاف غير الغالب.
الثالث: أنه لا يخرج المذكور جواباً لسؤال كأن يسأل هل في الغنم السائمة زكاة؟ فيجاب: في الغنم السائمة زكاة.
الرابع: أن لا يخرج مخرج حادثة، كما لو/ (٢٨أ/ م) قيل: (لزيد غنم سائمة) فيقال: فيها زكاة.
الخامس: أن لا يكون المنطوق إنما ذكر لجهل المخاطب بحكمه، كأن يعلم حكم المعلوفة بالنسبة إلى الزكاة ويجهل حكم السائمة، فيذكر حكمها، والضابط لهذه الشروط وما في معناها أن لا يظهر لتخصيص المنطوق بها، بالذكر فائدة غير نفي الحكم عن المسكوت عنه، وعلى ذلك اقتصر البيضاوي وتبع المصنف ابن الحاجب في سردها.
ص: ولا يمنع قياس المسكوت بالمنطوق، بل قيل: يعمه المعروض، وقيل: لا يعمه إجماعاً.
ش: إذا ظهر للتخصيص بالذكر فائدة غير اختصاص الحكم به، كأن يعلم
стр. 109
أن قوله: (في سائمة الغنم الزكاة) خرج جواباً لسؤال عن السائمة ـ جاز لنا أن نقيس المسكوت عنه وهي المعلوفة على السائمة في الحكم، وهو وجوب الزكاة، إذا وجد شرط القياس، ولا يكون التخصيص بالذكر في هذه الحالة مانعاً من القياس، فالضمير في قوله: (ولا يمنع) عائد على قوله: (ما يقتضي التخصيص بالذكر أو على التخصيص).
ثم حكى المصنف خلافاً في أن اللفظ المعروض في هذه الحالة كالغنم هل يعم المعلوفة فيستغني بذلك عن القياس أو لا يعمه، بل هو مسكوت عنه، وإنما عبر بالمعروض لأن السوم عارض له، ولم يعبر بالموصوف لئلا يتخيل اختصاص ذلك بالصفة، وأشار بقوله: (إجماعاً) إلى أن بعضهم حكى الإجماع على القول الثاني، وهو ابن الحاجب، فإنه قال في أثناء المسألة: وأجيب بأن ذلك فرع العموم، ولا قائل به، ولا يقال: كيف يحكي الإجماع على قول حكاه بصيغة التمريض، لأن حكاية الإجماع من تتمة هذه القولة التي عبر عنها بـ (قيل) وحاصله نقل حكاية الإجماع عن بعضهم.
ص: وهو صفة كالغنم السائمة أو سائمة الغنم، لا مجرد السائمة على الأظهر، وهل المنفي غير سائمتها أو غير مطلق السوائم؟ قولان.
ش: شرع في ذكر مفاهيم المخالفة، فمنها:
مفهوم الصفة، وهو تعليق الحكم بإحدى صفتي الذات، فهو عند القائل بمفهوم الصفة يدل على انتفاء الحكم عند انتفاء تلك الصفة، وذكر له المصنف ثلاثة أمثلة:
أحدها: في الغنم السائمة الزكاة.
ثانيها: وهو لفظ الحديث (في سائمة الغنم الزكاة) وبين الصيغتين فرق في: / (٢٤/أ/د) المعنى، فمقتضى الأولى عدم الوجوب في الغنم المعلوفة التي لولا القيد
стр. 110
بالسوم لشملها لفظ الغنم، ومقتضى الثانية: عدم الوجوب/ (٢٨/ب/م) في سائمة غير الغنم كالبقر مثلاً التي لولا تقييد السائمة بإضافتها إلى الغنم لشملها لفظ السائمة، كذا قال المصنف.
والحق عندي أنه لا فرق بينهما فإن قولنا: (سائمة الغنم) من إضافة الصفة إلى موصوفها، فهو في المعنى كالأولى، فالغنم موصوفة، والسائمة صفة على كل حال، وقد عرف أنه ليس المراد بالصفة هنا النعت، ولهذا مثل بقوله ﵊: ((مطل الغني ظلم)) والتقييد فيه بالإضافة لكنه في المعنى صفة، فإن المراد به المطل الكائن من الغني لا من الفقير.
ثالثها: أن يقتصر على ذكر الصفة من غير ذكر الذات، كقولنا: (في السائمة الزكاة) واختلف في أن ذلك من مفهوم الصفة، كالمثالين قبله، أو لا مفهوم له كاللقب، بخلاف المثالين قبله، فإنه لا فائدة فيهما لذكر الصفة إلا نفي الحكم، والكلام بدونها لا يختل، حكاه الشيخ أبو حامد وابن السمعاني وغيرهما، وحكى ابن السمعاني الأول عن جمهور الشافعية، على خلاف ما رجحه المصنف، ثم نقل المصنف خلافاً في المثالين الأولين، هل المنفي فيهما غير سائمة الغنم، أو غير مطلق السوائم؟ فعلى الأول: إنما يدل على نفي الزكاة عن معلوفة الغنم، وعلى الثاني يدل على نفي الزكاة عن كل معلوفة ولو من الإبل أو البقر، وصحح الشيخ أبو حامد في كتابه في الأصول وصاحب
следующие страницы →