← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14252

الغيث الهامع شرح جمع الجوامع

ابن العراقي

Полный текст (826 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ومراد الفقهاء: إذا لم يعرف حده في اللغة فإنا نرجع فيه إلى العرف، ولهذا قالوا: كل ما ليس له حد في اللغة، ولم يقولوا: معنى فالمراد أن أهل اللغة لم ينصوا على حده بما يبينه فيستدل عليه بالعرف، انتهى. وحكى الشارح هذا الجمع عن الباجي، قال: وجمع بعضهم بينهما بحمل كلام الأصوليين على اللفظ الصادر من الشارع، وكلام الفقهاء على الصادر من غيره، قال: وفيه نظر، فإن الفقهاء يستعملون هذه العبارة في لفظ الشارع أيضاً، كالقبض في البيع وغيره. قلت: كلام الرافعي يقتضي ترجيح تقديم اللغوي على العرفي في أصول المدلول، فقال في كتاب الطلاق: إذا تعارض المدلول اللغوي والعرفي فكلام الأصحاب يميل إلى اعتبار الوضع، والإمام والغزالي يريان اتباع العرف، ثم ذكر بعده بقليل مثله، فقال في مسألة الأصح: وبه أجاب المتولي مراعاة للفظ، فإن العرف لا يكاد ينضبط. قلت: وهذا لا ينافي الجمع المتقدم عن بعضهم) فإن الظاهر أن كلام الرافعي في ألفاظ الآدميين فالعبارة المتقدمة عن الفقهاء إن أطلقوها في ألفاظ الشارع فالجمع ما ذكره السبكي، وإن أطلقوها في كلام غيره فهي موافقة لكلام الرافعي، والجمع بينهما وبين كلام الأصوليين أنها في ألفاظ غير الشرع، وكلام الأصوليين في ألفاظ الشرع والله تعالى أعلم. ص: وفي تعارض المجاز الراجح والحقيقة المرجوحة أقوال ثالثها المختار مجمل. ش: إذا غلب الاستعمال المجازي على الحقيقي كالدابة فإنها في اللغة كل ما يدب، ثم نقلت في العرف إلى الحمار، وكثر حتى صار حقيقة عرفية، وصار الوضع الأول مجازاً بالنسبة إلى العرف لقلة استعماله فيه: فقال أبو حنيفة: تقدم الحقيقة، وقال أبو يوسف: يقدم المجاز، وقال

стр. 177

الإمام في (المعالم) يتساويان فيكون مجملاً، وحكاه في (المحصول) عن بعضهم، ونقله الصفي الهندي عن الشافعي واختاره/ (٥١أ/ م) المصنف. ومحل الخلاف إذا لم تهجر الحقيقة بالكلية فإن هجرت فالمجاز (٤١أ/د) مقدم بالاتفاق. ص: وثبوت حكم يمكن كونه مراداً من خطاب لكن مجازاً لا يدل على أنه المراد منه بل يبقى الخطاب على حقيقته خلافاً للكرخي والبصري. ش: إذا كان للخطاب حقيقة ومجاز، ووجدنا حكماً شرعياً ثابتاً يمكن كونه مستنبطاً من ذلك الخطاب بتقدير المجاز، فهل نجعله مأخوذاً منه ونقول: إنه المراد منه ويحمل الخطاب المذكور على المجاز، أو يبقى ذلك الخطاب على حقيقته؟ ولعل لذلك الحكم دليلاً غير مجاز هذا الخطاب كقوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ فحقيقة اللمس الجس باليد، ومجازه الجماع، وقد ثبت هذا الحكم للجماع بالإجماع على جواز التيمم للجماع، فهل يدل ذلك على حمل الآية على المجاز دون الحقيقة، حتى لا ينقض الوضوء باللمس أو الآية على حقيقتها دالة على الانتقاض باللمس؟ في المسألة مذهبان: ذهب إلى الأول الكرخي من الحنفية، والبصري من المعتزلة، وذهب إلى الثاني القاضي عبد الجبار، وتبعه في (المحصول) واختاره المصنف. واعلم أن هذا الخلاف مفرع على امتناع استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، كما صرح به الأصفهاني، فإن حمل عليهما فلا ينافي. وكان ينبغي للمصنف التنبيه على هذا، وقد ظهر أن كلامه مفرع على قول مرجوح عنده، والله أعلم.

стр. 178

ص: مسألة: الكناية: لفظ استعمل في معناه مراداً منه لازم المعنى فهو حقيقة فإن لم يرد المعنى وإنما عبرنا بالملزوم عن اللازم فهو مجاز والتعريض: لفظ استعمل في معناه ليلوح بغيره فهو حقيقة أبداً. ش: هذا الكلام لعلماء البيان، وليس للأصوليين، ولكن الشيء بالشيء يذكر، فقالوا: اللفظ ينقسم إلى صريح، وكناية، وتعريض، فاختلف في الكناية هل هي حقيقة أو مجاز على مذاهب؟ الأول: أنها حقيقة، وإليه مال ابن عبد السلام، فقال: إنه الظاهر، لأنها استعملت فيما وضعت له، وأريد بها الدلالة على غيره. الثاني: أنها مجاز. الثالث: أنها ليست بحقيقة ولا مجاز، وإليه ذهب صاحب (التلخيص). الرابع ـ وهو اختيار المصنف تبعاً لوالده ـ: أنها تنقسم إلى حقيقة ومجاز، فإذا قلت: زيد كثير الرماد، فإن أردت معناه استفاد منه الكرم، فإن كثرة الرماد / (٥١ ب/م) والطبخ لازم له غالباً فهو حقيقة، وإن لم ترد المعنى وإنما عبرت بالملزوم وأردت كما إذا استعملت كثرة الرماد وأردت الكريم فهو مجاز، لاستعماله في غير ما وضع له أولى. وحاصله أن الحقيقة منها أن يستعمل اللفظ فيما وضع له ليفيد غير ما وضع له، والمجاز منها أن يريد غير موضوعه استعمالاً وإفادة. وأما التعريض فهو لفظ استعمل في معناه ليلوح به إلى غرض آخر هو المقصود، سمي تعريضاً لفهم المعنى من عرض اللفظ أي جانبه، وهو يشبه الكناية إذا / (٤١ / ب / د) قصد بها الحقيقة، مثاله قوله: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ أي كبير الأصنام، غضب أن تعبد هذه الأصنام الصغار فكسرها،

стр. 179

فكذلك الله تعالى يغضب لعبادة من دونه، وهذا اللفظ مستعمل في معناه، لكن لوح منه للسامع غيره فهو حقيقة أبداً أي في جميع الأحوال بخلاف الكناية فإن فيها تفصيلاً تقدم، والله أعلم. ص: الحروف. ش: المراد الحروف التي يحتاج الفقيه إلى معرفتها، وليس المراد هنا قسيم الاسم والفعل بخصوصه، فقد ذكر معها كثير من الأسماء كـ (إذا) و (كل) وأطلق عليها حروفاً تغليباً باعتبار الأكثر، وقال الصفار: الحرف يطلقه سيبويه على الاسم والفعل. ص: الأول: (إذن) قال سيبويه: للجواب والجزاء، قال الشلوبين: دائماً وقال الفارسي: غالباً. ش: معنى (إذن) الجواب والجزاء كما نص عليه سيبويه، فإذا قيل لك: أنا أقصدك، فقلت: إذن أكرمك، فقد أجبته وصيرت إكرامك جزاء على قصده، فحمله قوم منهم الشلوبين على ظاهره، وقال: إنها لهما دائماً، ويكلف تخريج ما خفي فيه ذلك، وقال الفارسي: هذا هو الغالب، وقد تتمحض للجواب وحده، نحو قولك: أحبك، فتقول: إذن أظنك صادقاً، فلا يتصور هنا الجزاء، وهذا كما قال سيبويه في (نعم) إنها عدة وتصديق وهو باعتبار حالين. ص: الثاني: (إن) للشرط والنفي والزيادة. ش: مجيء (إن) ـ بكسر الهمزة وتخفيف النون ـ للشرط هو الأكثر، والمراد به تعليق حصول مضمون جملة بحصوله بمضمون جملة أخرى فقط، أي من غير اعتبار ظرفية ونحوها، وهي أم أدوات الشرط. ومجيئها للنفي بمعنى (ما) نحو إن زيد قائم، / (٥٢أ/ م) ومذهب الكوفيين أنها ترفع

стр. 180

الاسم وتنصب الخبر، وعليه قراءة سعيد بن جبير: ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم﴾ والأكثر إهمالها كما في قوله تعالى: ﴿إن الكافرون إلا في غرور﴾. والأكثر في زيادتها أن تكون بعد (ما) النافية لتأكيد النفي نحو: ما إن زيد قائم، واستغنى المصنف عن ذكر (إن) المشددة هنا بذكرها في مسالك العلة. ص: الثالث: (أو) للشك والإبهام والتخيير ومطلق الجمع والتقسيم وبمعنى (إلى) والإضراب كـ (بل) قال الحريري: والتقريب نحو: ما أدري أسلم أو ودع. ش: مثال الشك: قام زيد أو عمرو، إذا لم يعلم) أيهما قام، والفرق بينها وبين (إما) التي للشك أن الكلام مع (إما) لا يكون إلا مبنياً على الشك بخلاف (أو) فقد يبني المتكلم كلامه على اليقين، ثم يدركه الشك، فيأتي بها. ومثال الإبهام: (قام زيد أو عمرو) إذا علمت القائم منهما، ولكن قصدت الإبهام على المخاطب فالشك من جهة المتكلم / (٤٢أ/ د) والإبهام من جهة السامع. ومثال التخيير: (خذ ديناراً أو درهماً) ولم يذكر المصنف الإباحة، وقد مثلها من غاير بينها وبين التخيير بقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين، وفرق بينهما بامتناع الجمع في التخيير، وجوازه في الإباحة. وقال الشارح: الظاهر أنهما قسم واحد لأن حقيقة الإباحة هي التخيير، وإنما امتنع في: (خذ ديناراً أو درهماً) للقرينة العرفية لا من مدلول اللفظ، كما أن الجمع بين صحبة العلماء والزهاد وصف كمال لا نقص

стр. 181

فيه، انتهى. والتخيير أو الإباحة لا يكونان إلا في الطلب بخلاف الشك أو الإبهام، فإنهما في الخبر. ومثال مطلق الجمع كالواو قوله تعالى: ﴿أو يزيدون﴾ وهذا قول كوفي. ومثال التقسيم الكلمة اسم أو فعل أو حرف، وعبر ابن مالك بالتفريق المجرد أي عن المعاني السابقة، ومثله بقوله تعالى: ﴿وقالوا كونوا هوداً أو نصارى﴾ قال: والتعبير عنه بالتفريق أولى من التقسيم، لأن استعمال الواو فيما هو تقسيم أجود من استعمال (أو). واعترض عليه بأن استعمال الواو في التقسيم / (٥٢ب / م) أكثر لا يقتضي أن (أو) لا تأتي له بل يقتضي ثبوت ذلك، غير أكثر. ومثال كونها بمعنى (إلى): لألزمنك أو تقضي حقي. ومثال الإضراب قوله تعالى: ﴿أو يزيدون﴾ على قول الفراء. ومثال التقريب ما ذكره المصنف أي: لسرعته، وإن كان يعلم أنه سلم أو لا وذكره أبو البقاء أيضاً وجعل منه قوله تعالى: ﴿وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب﴾. وذهب بعضهم في (أو) إلى أنها موضوعة للقدر المشترك بين المعاني السابقة، وهو لأحد الشيئين أو الأشياء وإنما فهمت هذه المعاني من القرائن. ص: (أي) بالفتح والسكون للتفسير ولنداء القريب أو البعيد أو المتوسط أقوال، وبالتشديد للشرط والاستفهام وموصولة ودالة على معنى الكمال ووصلة لنداء ما فيه أل.

стр. 182

ش: (أي) بفتح الهمزة، وإسكان الياء لها معنيان. أحدهما: التفسير، ومعناه أن يكون ما بعدها مفسراً لما قبلها وعبارة عنه وهو أعم من (أن) المفسرة لدخولها على الجملة والمفرد ووقوعها بعد القول وغيره. قال ابن مالك: والمذكور بعدها عطف بيان، يوافق ما قبلها في التعريف والتنكير. ثانيها: النداء، وهل هي لنداء القريب أو البعيد أو المتوسط؟ فيه أقوال، والراجح الثاني، ونقله ابن مالك عن سيبويه، لأنه صرح بأنها مثل هيا وأيا في البعد. أما (أي) بفتح الهمزة والتشديد فلها معان: أحدها: الشرط نحو: (أيهم يكرمني أكرمه). ثانيها: الاستفهام، نحو: ﴿أيكم زادته هذه إيماناً﴾. ثالثها: أن تكون موصولة بمعنى الذي نحو: ﴿ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتياً﴾ التقدير: لننزعن الذي هو أشد. قاله سيبويه. رابعها: أن تكون دالة على معنى/ (٤٢ / ب / د) الكمال، وهي الصفة، وقد تكون صفة لنكرة، نحو: (زيد رجل) أي كامل في صفات الرجال، وتكون حالاً للمعرفة، كمررت بزيد أي رجل. ثم الواقعة صفة إن أضيفت إلى مشتق فهي للمدح بالمشتق منه خاصة، نحو: مررت بعالم أي عالم، وإن أضيفت إلى غير مشتق فهي للمدح بكل صفة يمكن أن يثنى بها كمررت برجل أي رجل، فالثناء / (٥٣/ أ / م) عليه بكل ما يمدح به الرجل.

стр. 183

خامسها: أن تكون وصلة لنداء ما فيه (أل) كقوله: ﴿يا أيها النبي﴾ وقال الشارح: كان ينبغي ذكر (إي) بكسر الهمزة وسكون الياء، ليستوفي جميع أقسامها، وهي حرف جواب بمعنى نعم، ولا يجاب بها إلا مع القسم في جواب الاستفهام كقوله: ﴿أحق هو قل إي وربي﴾. قلت: احتياج الفقيه لهذه اللفظة نادر فلذلك لم يذكرها. ص: الخامس (إذ) اسم للماضي ظرفا ومفعولا به وبدلا من المفعول ومضافاً إليها اسم زمان وللمستقبل في الأصح وترد للتعليل حرفاً وقيل ظرفاً وللمفاجأة وفاقاً لسيبويه. ش: (إذ) اسم بالإجماع، لتنوينها في نحو: (يومئذ)، والإضافة إليها نحو: ﴿بعد إذ هديتنا﴾ ولها معان أغلبها أن تكون ظرفاً للزمان الماضي، نحو قوله تعالى: ﴿فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا﴾. والثاني: أن تكون مفعولاً به نحو: ﴿واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم﴾ الثالث: أن تكون بدلاً من المفعول نحو: ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت﴾ فـ (إذ) بدل اشتمال من مريم. الرابع: أن يضاف إليها اسم الزمان، سواء صلح للاستغناء عنه نحو: يومئذ، أو لا نحو: ﴿بعد إذ هديتنا﴾. الخامس: أن تكون ظرفاً للزمان المستقبل، مثل (إذا) كذا صححه المصنف تبعاً لابن مالك وطائفة ومثاله قوله تعالى: ﴿فسوف يعلمون إذ

стр. 184

الأغلال في أعناقهم﴾ ومنع الأكثرون ذلك، وأجابوا عن هذه الآية ونحوها بأن ذلك نزل منزلة الماضي لتحقق وقوعه مثل ﴿أتى أمر الله﴾. السادس: أن تكون للتعليل مثل قوله: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم﴾ ﴿وإذ لم يهتدوا به فسيقولون﴾ ثم اختلف في أنها حينئذ تكون حرفاً بمنزلة لام العلة، ونسب لسيبويه، وصرح به ابن مالك في بعض نسخ (التسهيل) أو ظرفاً والتعليل مستفاد من قوة الكلام لا من اللفظ. السابع: أن تكون للمفاجأة الواقعة بعد بينا وبينما نحو قولك (بينا أنا كذا إذ جاء زيد) نص عليه سيبويه، ويعود هنا الخلاف في أنها حينئذ حرف أو باقية على ظرفيتها الزمانية، ويريد هنا قول إنها ظرف مكان كما قيل به في إذا الفجائية / (٤٣أ/ د). ص: السادس (إذا للمفاجأة حرفاً وفاقاً للأخفش وابن مالك وقال المبرد وابن عصفور/ (٥٣ ب/م) ظرف مكان والزجاج والزمخشري ظرف زمان وترد ظرفاً للمستقبل مضمنة معنى الشرط غالباً وندر مجيئها للماضي والحال. ش: لـ (إذا) معان. أحدها: أن تكون للمفاجأة، وهي التي يقع بعدها المبتدأ فرقاً بينها وبين الشرطية نحو: (خرجت فإذا الأسد) ومنه قوله تعالى: ﴿فألقاها فإذا هي حية تسعى﴾ قال ابن الحاجب: ومعنى المفاجأة: حضور الشيء معك في وصف من أوصافك الفعلية، وتصويره في هذا المثال: حضور السبع معك في زمن وصفك بالخروج أو في مكان خروجك، وحضوره معك في مكان

стр. 185

خروجك ألصق بك من حضوره في زمن خروجك، لأن ذلك المكان يخصك دون من أشبهك، وكذلك الزمان لا يخصك دون من أشبهك، وكلما كان ألصق كانت المفاجأة فيه أقوى. واختلف فيها على ثلاثة مذاهب، أصحها: أنها حرف، وبه قال الأخفش وابن مالك. والثاني: أنها ظرف مكان، وبه قال المبرد وابن عصفور. والثالث: ظرف زمان، وبه قال الزجاج والزمخشري، ونسب القولان الأخيران لسيبويه، وتظهر فائدة الخلاف في أنه لا يصح إعرابها خبراً في قولك: (خرجت فإذا الأسد) لا على الحرفية ولا على ظرفية الزمان، لأن الزمان لا يخبر به عن الجثة، ويصح على ظرفية المكان أي فبالحضرة الأسد.

стр. 186

ثانيها: أن تكون ظرفاً للمستقبل متضمنة معنى الشرط غالباً، وكذلك يجاب بما يجاب به أدوات الشرط نحو: إذا جاء زيد فقم إليه، فهي باقية على ظرفيتها إلا أنها ضمنت معنى الشرط، ولذلك لم يثبت لها سائر أحكام الشرط، فلم يجزم بها المضارع ولا تكون إلا في المحقق، ومنه: ﴿وإذا مسكم الضر في البحر﴾ لأن مس الضر في البحر محقق، ولما لم يقيد بالبحر أتى بـ (أن) التي تستعمل في المشكوك فيه نحو: ﴿وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض﴾. ثالثها: أن تكون ظرفاً للماضي مثل (إذ) كقوله تعالى: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك﴾ قاله ابن مالك، وأنكره الجمهور، وتأولوا ما أوهم ذلك. رابعها: أن تكون ظرفًا للحال كقوله تعالى: ﴿والليل إذا يغشى﴾ قاله ابن الحاجب وقال غيره: كما جردت هنا عن الشرط جردت عن الظرف، وهي هنا لمجرد الوقت من غير أن تكون ظرفاً. ص: السابع/ (٥٤/ أ / م) الباء للإلصاق حقيقة ومجازاً والتعدية والاستعانة والسببية والمصاحبة والظرفية والبدلية والمقابلة والمجاوزة والاستعلاء والقسم والغاية والتوكيد وكذا التبعيض وفاقاً للأصمعي والفارسي وابن/ (٤٣ ب / د) مالك. ش: للباء معان. أحدها: أن تكون للإلصاق، وهو أصل معانيها، ولم يذكر لها سيبويه غيره، ولهذا قالت المغاربة، لا تنفك عنه إلا أنها قد تتجرد له، وقد يدخلها مع ذلك معنى آخر، ثم قد يكون حقيقة نحو: أمسكت الحبل بيدي، وقد يكون مجازاً نحو: مررت بزيد، فإن المرور لم يلصق بزيد، وإنما التصق بمكان

стр. 187

يقرب منه. ثانيها: التعدية، وتسمى بالنقل أيضاً وهي القائمة مقام الهمزة في تصيير الفاعل مفعولاً: نحو ﴿ذهب الله بنورهم﴾ أي أذهب الله نورهم، وأصله ذهب نورهم. ثالثها: الاستعانة وهي الداخلة على آلة الفعل نحو كتبت بالقلم. رابعها: السببية نحو قوله تعالى: ﴿فكلا أخذنا بذنبه﴾ ولم يذكر في (التسهيل) باء الاستعانة، وأدرجها في السببية، وقال في شرحه: النحويون يعبرون عن هذه بالاستعانة، وأثرت التعبير بالسببية من أجل الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى، فإن استعمال السببية فيها يجوز، واستعمال الاستعانة فيها لا يجوز انتهى. واستغنى المصنف بذكر باء السببية عن باء التعليل، لأن العلة والسبب واحد، وغاير ابن مالك بينهما، ومثل التعليلية بقوله تعالى: ﴿فبظلم من الذين هادوا﴾ والفرق بينهما أن العلة موجبة لمعلولها بخلاف السبب لمسببه فهو كالأمارة عليها. خامسها: المصاحبة وهي التي تصلح في موضعها (مع) أو يغني عنها، وعن مصحوبها الحال، كقوله تعالى: ﴿قد جاءكم الرسول بالحق﴾ أي مع الحق، أو محقاً. سادسها: الظرفية بمعنى (في) للزمان في قوله تعالى: ﴿وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل﴾ والمكان في قوله تعالى: ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾.

стр. 188

سابعها: البدل بأن يجيء موضعها بدل كقوله في الحديث: ((ما يسرني بها حمر النعم)) أي بدلها. ثامنها: المقابلة، وهي الداخلة على الأثمان والأعراض، نحو: اشتريت الفرس بألف. تاسعها: المجاورة بمعنى (عن) وتكثر بعد/ (٥٤ب/ م) السؤال نحو: ﴿فاسأل به خبيراً﴾ وتقل بعد غيره، نحو: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ وهذا مذهب كوفي، وتأوله الشلوبين على أنها باء السببية، أي: فاسأل بسببه أو تضمن (اسأل) معنى (اطلب) لأن السؤال طلب في المعنى. عاشرها: الاستعلاء كقوله: ﴿ومنهم من إن تأمنه بدينار﴾ أي عليه، وحكاه إمام الحرمين في البرهان عن الشافعي. حادي عشرها: القسم وهي أصل حروفه نحو: (بالله لأفعلن) ثاني عشرها: الغاية، نحو: ﴿وقد أحسن بي﴾ أي إلي. ثالث عشرها: التوكيد، وهي الزائدة إما مع الفعل نحو: أحسن بزيد، على قول البصريين أنه فاعل، أو مع المفعول نحو: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة﴾ أو مع المبتدأ نحو (بحسبك زيد) والخبر نحو: ﴿أليس الله بكاف عبده﴾.

стр. 189

رابع عشرها: التبعيض/ (٤٤أ / د) قال به الكوفيون وجماعة من غيرهم كالأصمعي وأبي علي الفارسي وغيرهما، واختاره ابن مالك مثل قوله تعالى: ﴿عيناً يشرب بها عباد الله﴾ ومنه قوله: شربن بماء البحر ثم ترفعت ......... وقوله: شرب النزيف ببرد ماء الحشرج .......... وخرج عليه قوله تعالى ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ وأنكره قوم منهم ابن جني، ورد عليه البيضاوي تبعاً للإمام بأنها شهادة نفي، فهي غير مسموعة، وقال ابن دقيق العيد: بل هي إخبار مبني على ظن غالب مستند إلى الاستقراء من أهل ذلك، مطلع على لسان العرب متتبع لسائر أحكامهم في نفي ما دل الاستقراء على نفيه، نعم إن وقع نقل إثبات من معتبر في الصنعة أنها للتبعيض قدم على هذا النفي، انتهى. ص: الثامن (بل) للعطف والإضراب إما للإبطال أو للانتقال من غرض إلى آخر.

стр. 190

ش: إما أن يقع بعد (بل) مفرد أو جملة، فإن وقع بعدها مفرد فهي للعطف، ثم إن كانت في الإثبات نحو: جاء زيد بل عمرو، فهي لنقل الحكم عما قبلها، وجعله لما بعدها قطعاً، وليس المراد بذلك أنها تنفيه عما قبلها، بل تصيره كالمسكوت عنه، وإن كانت في النفي نحو ما قام زيد بل عمرو، فهي لتقرير حكم ما قبلها وجعل ضده لما بعدها، فتقرر نفي القيام عن زيد وتثبته لعمرو، وأجاز المبرد وعبد الوارث وتلميذه الجرجاني مع ذلك أن تكون ناقلة حكم النفي لما بعدها، كما في الإثبات، فيحتمل عندهم/ (٥٥أ/ م) في نحو: ما قام زيد بل عمرو، أن يكون التقدير بل ما قام عمرو، وقال القواس في (شرح الدرة): وأوجبوا تقدير حرف النفي بعدها لتتحقق المطابقة في الإضراب عن منفي إلى منفي، كما تتحقق في الإضراب عن موجب إلى موجب، ويخالف كلام المبرد هذا قول أبي علي الفارسي في (الإيضاح): في (ما زيد خارجاً بل ذاهب) ـ: لا يجوز إلا الرفع، لأن الخبر موجب و (ما) الحجازية لا تعمل في الخبر إلا منفياً، انتهى. وإن وقع بعدها جملة لم تكن حرف عطف بل حرف ابتداء، ومعناها الإضراب ثم هو قسمان. أحدهما: أن يكون لإبطال السابق نحو: ﴿يقولون به جنة بل جاءهم بالحق﴾. ثانيهما: أن يكون للانتقال من غرض إلى آخر كقوله تعالى: ﴿بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون﴾. تنبيه: مقتضى كلام المصنف أنها إذا كانت للعطف لا تكون للإضراب وليس كذلك،

стр. 191

وأنها إذا كانت للإضراب لا تكون عاطفة وبه قال الجمهور، وظاهر كلام ابن مالك أنها عاطفة وصرح به ولده في شرح الألفية. ص: التاسع: (بيد) بمعنى (غير) وبمعنى من أجل وعليه بيد أني من قريش. ش: (بيد) اسم ملازم للإضافة إلى (أن) وصلتها، وله معنيان: أحدهما: بمعنى (غير) كقوله ﵊: ((نحن الآخرون السابقون بيد أنهم/ (٤٤ ب/ د) أوتوا الكتاب من قبلنا)). وثانيهما: بمعنى (من أجل) قاله الشافعي فيما حكاه عنه ابن حبان في صحيحه وعليه الحديث الآخر: ((أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، واسترضعت في بني سعد بن بكر)) وقال الزمخشري في الفائق: هو من تأكيد المدح بما يشبه الذم. ص: العاشر: (ثم) حرف عطف للتشريك والمهلة على الصحيح وللترتيب خلافاً للعبادي. ش: (ثم) حرف عطف يدل على أمور. أحدها: التشريك، أي بين المعطوف والمعطوف عليه، وخالف فيه الكوفيون فقالوا: قد تقع زائدة فلا تكون عاطفة أصلاً كقوله تعالى: ﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم﴾.

стр. 192

ثانيها: المهلة، أي: التراخي، وخالف فيها الفراء فقال: قد تتخلف بدليل: / (٥٥ ب/ م) أعجبني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس أعجب، لأن (ثم) في ذلك لترتيب الإخبار، ولا تراخي بين الإخبارين، ووافقه ابن مالك فقال: قد تقع (ثم) في عطف المتقدم بالزمان، اكتفاء بترتيب اللفظ، وجعل منه قوله تعالى: ﴿ثم آتينا موسى الكتاب﴾ فقول المصنف: (على الصحيح) عائد عليهما. ثالثها: الترتيب وخالف فيها العبادي. وقال الشارح: إنما قاله العبادي في بعض التراكيب الخاصة ففي فتاوى القاضي حسين: لو قال: وقفت على أولادي، ثم أولاد أولادي، بطناً بعد بطن، فهو للترتيب، وقال العبادي: للجمع. قال الشارح: فلم يقل ذلك في الاقتصار على وقفت على أولادي، ثم أولاد أولادي، بل فيما إذا أضاف إليها بطناً بعد بطن، فإن ذلك يقتضي الجمع عنده، فلما اقتضى صدر الكلام الترتيب لـ (ثم) وآخره الجمع ـ وذلك تناقض مبطل للفظ ـ حمل (ثم) على مجازها، وهو الجمع بدون ترتيب، فنقل الكلام من الحقيقة إلى المجاز بقرينة قوله: بطناً بعد بطن. قلت: لم يقل أحد إن قوله: بطناً بعد بطن يدل على الجمع، بل قال فريق: إنه يدل على الترتيب، وقال آخرون: إنه يدل على استيعاب البطون وعدم الاقتصار على بعضها، ولا دلالة له على ترتيب، ولا معية، فإذا استفيد الترتيب من لفظ آخر لم يكن في قوله: بطنا بعد بطن معارضة له، فلولا مخالفة العبادي في (ثم) لما قال هنا: بالجمع بدون ترتيب، والله أعلم. نعم، القول بأنها لا تدل على الترتيب كالواو حكاه السيرافي عن الفراء وعزاه غيره للأخفش.

стр. 193

ص: الحادي عشر: (حتى) لانتهاء الغاية غالباً وللتعليل وندر للاستثناء. ش: لـ (حتى) معان. أحدها وهو الغالب: أن تكون لانتهاء الغاية، نحو قوله تعالى: ﴿حتى مطلع الفجر﴾. ثانيها: التعليل نحو: (كلمته حتى يأمر لي بشيء) وعلامتها أن يصلح موضعها (كي). ثالثها: أن تكون للاستثناء وهذا نادر، ذكره ابن مالك في التسهيل والمراد الاستثناء المنقطع كقول الشاعر: ليس العطاء من الفضول سماحة حتى تجود وما لديك / (٤٥ / أ / د) قليل ويمكن جعلها هنا بمعنى إلى. ومن المهم البحث عن حكمها في الترتيب، وقد قال ابن الحاجب: إنها في ذلك مثل الفاء، وقال ابن مالك في/ (٥٦أ/م) (شرح العمدة) تبعاً لطائفة: هي كالواو، وأنكر على القائل: بأنها للترتيب، فإنك تقول: حفظت القرآن حتى سورة البقرة، وإن كانت أول ما حفظت أو متوسطاً، وقال ابن أبان: ليس ترتيبها كالفاء وثم، فإنهما يرتبان أحد الفعلين على الآخر في الوجود وهي ترتب ترتيب الغاية، وبشرط أن يكون ما بعدها من جنس ما قبلها، ولا يحصل ذلك إلا بذكر الكل قبل الجزء. وقال القواس: تفيد المهلة، إلا أن المهلة فيها أقل من (ثم).

стр. 194

ص: الثاني عشر: (رب) للتكثير وللتقليل ولا تختص بأحدهما خلافاً لزاعمي ذلك. ش: اختلف في (رب) على مذاهب. أحدها: أنها للتقليل وعليه الجمهور. الثاني: أنها للتكثير، ونسب كل منهما إلى سيبويه. الثالث: أنها ترد لهما ولا تختص بأحدهما، وظاهر تعبير المصنف ورودها لهما على السواء، وهو قول الفارسي، واختار ابن مالك أن أكثر ورودها للتكثير، وندرت للتقليل، واختار أبو حيان أنها حرف إثبات لم توضع لتقليل ولا تكثير، وإنما يستفاد ذلك من القرائن. ص: الثالث عشر: (على) الأصح أنها قد تكون اسماً بمعنى (فوق) وتكون حرفاً للاستعلاء والمصاحبة والمجاوزة والتعليل والظرفية والاستدراك والزيادة أما علا يعلو ففعل. ش: اختلف في (على) هل تكون اسماً أم لا؟ على مذاهب. أحدهما: أنها اسم دائماً، وبه قال ابن طاهر، وابن خروف وابن الطراوة والآمدي

стр. 195

والشلوبين، وحكي عن سيبويه. ثانيها: أنها لا تكون اسماً إلا إذا دخل عليها حرف جر كقوله: غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها ....... وهو المشهور عند البصريين. ثالثها وبه قال الأخفش ـ: أنها تكون اسما في موضع آخر، وهو أن يكون مجرورها وفاعل متعلقها ضميرين لمسمى واحد كقوله تعالى: ﴿أمسك عليك زوجك﴾. رابعها وبه قال الفراء: أنها لا تكون اسماً أبداً، والظاهر أن الثاني هو الذي صححه المصنف. فأما إذا كانت حرفاً فلها معان. أحدها ـ ولم يثبت لها أكثر البصريين سواه ـ: الاستعلاء، سواء كان حسياً كقوله تعالى ﴿كل من عليها فان﴾ أو معنوياً كقوله تعالى: ﴿ولعلا بعضهم على بعض﴾. ثانيها: المصاحبة نحو: ﴿وأتى المال على حبه﴾. ثالثها: المجاورة بمعني (عن) كقوله:

стр. 196

إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها. رابعها: / (٥٦ ب/ م) التعليل نحو: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾. خامسها: الظرفية نحو: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾. سادسها: الاستدراك نحو: فلان لا يدخل الجنة، على أنه لا ييأس من رحمة الله. سابعها: / (٤٥ ب/ د) الزيادة، كقوله ﵊: ((من حلف على يمين)) أي يمينا، وأنكر سيبويه وقوعها زائدة. أما مثل قوله تعالى: ﴿إن فرعون علا في الأرض﴾ فإنها فعل إذ لو كانت حرفاً لما دخلت على (في) وقد اجتمعت الفعلية والحرفية في قوله تعالى: ﴿ولعلا بعضهم على بعض﴾ ونبه المصنف بذكر المضارع في قوله: (يعلو) إلى أن الفعلية تفارق الاسمية والحرفية بتصرفها. ص: الرابع عشر: الفاء العاطفة للترتيب المعنوي والذكري وللتعقيب في كل شيء بحسبه وللسببية. ش: للفاء معنيان: أحدهما: الترتيب والتعقيب. فالترتيب معنوي، نحو: قام زيد فعمرو، وذكري وهو عطف مفصل على مجمل هو في المعنى، نحو: ﴿فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه﴾ ونحو: توضأ فغسل وجهه إلى آخره، والمشهور أن معنى التعقيب كون الثاني

стр. 197

بعد الأول بغير مهلة. وقال المحققون: تعقيب كل شيء بحسبه، فيقال: تزوج فلان فولد له، إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل، وإن طالت. ونقل الإمام فخر الدين وأتباعه الإجماع على أنها للترتيب والتعقيب، لكن قال الفراء: إنها لا تدل على الترتيب بل قد تستعمل مع انتفائه كقوله تعالى: ﴿وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسناً﴾ مع أن مجيء البأس متقدم على الإهلاك، وأجيب بأنها للترتيب الذكري أو فيه حذف تقديره أردنا إهلاكها. وقال الجرمي: إنها لا تدل على الترتيب إن دخلت على الأماكن والمطر، وقال ابن مالك: إنها تكون للترتيب بمهلة كـ (ثم) بدليل قوله: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة﴾ وقال غيره: هذا من تعقيب كل شيء بحسبه. ثانيهما: أن تكون للسببية نحو: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه﴾ ورد السهيلي ذلك إلى التعقيب. تنبيه: تقييد المصنف الفاء بالعاطفة ليخرج الرابطة للجواب، وبه صرح القاضي أبو بكر في (التقريب) فقال: إنها لا تقتضي التعقيب/ (٥٧أ/ م) ص: الخامس عشر: في للظرفين والمصاحبة والتعليل والاستعلاء والتوكيد والتعويض وبمعنى الباء وإلى ومن. ش: لـ (في) معان:

стр. 198

أحدها: أن تكون للظرفين أي المكان والزمان، ومثالهما قوله تعالى: ﴿ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين﴾ وقد تكون مجازاً نحو: (نظر زيد في الكتاب) لأنه قد صار وعاء لنظره. ثانيها: المصاحبة نحو: ﴿فخرج على قومه في زينته﴾ ثالثها: التعليل نحو: ﴿فذلكن الذي لمتنني فيه﴾ أثبته ابن مالك وغيره وأنكره الإمام وتبعه البيضاوي. رابعها: الاستعلاء نحو: ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ كذا ذكره الكوفيون وتبعهم ابن مالك، وأنكر ذلك سيبويه والجمهور، وجعلها الزمخشري والبيضاوي/ (٤٦أ/ د) في هذه الآية للظرف مجازاً، كأن الجذع ظرف للمصلوب، لما تمكن عليه تمكن المظروف من الظرف. خامسها: التأكيد نحو: ﴿وقال اركبوا فيها﴾. سادسها: التعويض وهي الزائدة عوضاً من أخرى محذوفة كقولك: (رغبت فيمن رغبت أي فيه). سابعهاً: أن تكون بمعنى (الباء) نحو: ﴿يذرؤكم فيه﴾ أي يلزمكم به. ثامنها: أن تكون بمعنى (إلى) نحو: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾. تاسعها: أن تكون بمعنى (من) كقول امرئ القيس: وهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال.

стр. 199

أي: من ثلاثة. ص: السادس عشر: (كي) للتعليل وبمعنى أن المصدرية. ش: (كي) لها معنيان: أحدهما: أن تكون للتعليل بمعنى اللام، قال أبو بكر بن طلحة: (كي) حرف سبب وعلة، كذا يقول النحويون، وإذا تأملتها وجدتها حرفاً يقع بين فعلين: الأول سبب للثاني، والثاني علة للأول، وذلك قولك: (جئتك كي تكرمني) فالمجيء سبب لوجود الكرامة، والكرامة علة في وجود المجيء. قلت: المجيء سبب الكرامة في الخارج، والكرامة علة المجيء في الذهن فاختلفت الجهة، والله أعلم. ثانيهما: أن تكون بمعنى (أن) المصدرية كقوله تعالى: ﴿لكيلا تأسوا﴾ فإنها لو كانت للتعليل لم يدخل فيها حرف تعليل. ص: السابع عشر: (كل) اسم لاستغراق أفراد المنكر والمعرف المجموع وأجزاء المفرد المعرف. ش: لـ (كل) ثلاثة أحوال: أحدها: أن تضاف إلى نكرة، فهي دالة على استغراق أفراده نحو: ﴿كل نفس / (٥٧ ب/ م) ذائقة الموت﴾. ثانيها: أن يضاف إلى معرف مجموع نحو: (كل الرجال قاموا) فهي لاستغراق أفراده أيضاً، لكن أبدى السبكي احتمالين في أن الألف واللام أفادت العموم، و (كل) تأكيد لها، أو لبيان الحقيقة و (كل) تأسيس، ثم قال: ويمكن أن يقال: إن الألف واللام تفيد العموم في مراتب ما دخلت عليه، وكل تفيد العموم في أجزاء كل من تلك المراتب، فلكل منهما معنى وهو أولى

стр. 200

من التأكيد. ثالثها: أن يضاف إلى معرف مفرد، نحو: كل زيد حسن، فيفيد التعميم، في أجزائه، وجعل بعضهم منه قوله تعالى: ﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل﴾ وقوله ﵊: ((كل الطلاق واقع إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله)) رواه الترمذي وقال بعضهم: بل هذان المثالان من قسم المجموع لأن المقصود به الجنس، ونظيره: (كل الناس يغدو). ص: الثامن عشر: اللام للتعليل والاستحقاق والاختصاص والملك والصيرورة أي العاقبة والتمليك وشبهه وتوكيد النفي والتعدية والتأكيد وبمعنى إلى وعلى وفي وعند وبعد ومن وعن. ش: لللام معان: أحدها: التعليل نحو: زرتك/ (٤٦ب/ د) لشرفك، ومنه قوله: ﴿لتحكم بين الناس﴾ وقوله: (أنت طالق لرضى زيد) فيقع عند الإطلاق رضي أم سخط. ثانيها: الاستحقاق نحو: النار للكافرين.

стр. 201

ثالثها: الاختصاص نحو: الجنة للؤمنين، وفرق القرافي بين الاستحقاق والاختصاص بأن الاختصاص أخص، فإن ضابطه ما شهدت به العادة كما شهدت للفرس بالسرج، وللدار بالباب، وقد يختص الشيء بالشيء من غير شهادة عادة نحو: هذا ابن لزيد، فإنه ليس من لوازم الإنسان أن يكون له ولد. رابعها: الملك نحو: ﴿ولله ملك السماوات والأرض﴾ قال الراغب: وقد يطلق على ملك نوع من التصرف كقولك لمن يأخذ معك خشبة: خذ طرفك لآخذ طرفي. قال الشارح: كذا جعلوا الملك والاستحقاق قسيماً للاختصاص، والظاهر أن أصل معانيها الاختصاص، ولهذا لم يذكر الزمخشري في مفصله غيره، وأما الملك فهو نوع من أنواع الاختصاص، وهو أقوى أنواعه، وكذا الاستحقاق لأن من استحق شيئاً فقد حصل له نوع اختصاص. خامسها: أن تكون للصيرورة وهي لام/ (٥٨أ/ م) العاقبة، والمآل نحو: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزناً﴾. سادسها: التمليك نحو: وهبت لزيد ديناراً ومنه: ﴿إنما الصدقات للفقراء.﴾. وشبه التمليك نحو: ﴿والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً﴾. سابعها: تأكيد النفي نحو قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم﴾ وتسمى لام الجحود لمجيئها بعد النفي.

стр. 202

ثامنها: التعدية نحو: ما أضرب زيداً لعمرو! وجعل منه ابن مالك قوله: ﴿فهب لي من لدنك ولياً﴾ قال الشارح: والظاهر أنها لشبه التمليك. تاسعها: التوكيد إما لتقوية عامل ضعف بالتأخير نحو: ﴿إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾ أو لكونه فرعاً في العمل نحو: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾. عاشرها: أن تكون بمعنى إلى نحو: ﴿فسقناه إلى بلد ميت﴾. حادي عشرها: أن تكون بمعنى (على) نحو قوله: ﴿يخرون للأذقان﴾ وحكى البيهقي عن حرملة، عن الشافعي في قوله ﷺ : ((واشترطي لهم الولاء)) أن المراد عليهم. ثاني عشرها: أن تكون بمعنى (في) نحو: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾. ثالث عشرها: تكون بمعنى (عند) والمراد بها التأقيت إذا قرن بها الوقت أو بما يجري مجراها مثل ((صوموا لرؤيته)).

стр. 203

رابع عشرها: أن تكون بمعنى (بعد) كذا رأيته في نسخة مقروءة على المصنف ولم يذكرها الشارح، ويمكن أن يكون منه قراءة الجحدري ﴿بل كذبوا بالحق لما جاءهم﴾ بتخفيف اللام، أي: بعد ما جاءهم، وجعلها الزمخشري في هذه القراءة بمعنى (عند). خامس عشرها: أن تكون بمعنى (من) نحو سمعت له صراخاً، أي: منه. سادس عشرها: أن تكون / (٤٧أ / د) بمعنى (عن) وهي الجارة اسم من غاب حقيقة أو حكماً عن قول قائل يتعلق به نحو: ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً﴾ أي عن الذين آمنوا، وإلا لقيل: ما سبقتمونا إليه. قال الشارح: واعلم أن مجيئها لهذه المعاني مذهب كوفي، وأما حذاق البصريين فهي عندهم على بابها ثم يضمنون الفعل ما يصلح معها، ويرون التجوز في الفعل أسهل من التجوز في الحرف، انتهى. ص: التاسع عشر: (لولا) حرف مقتضاه في الجملة الاسمية امتناع جوابه لوجود شرطه، وفي المضارعة التحضيض، وفي الماضية التوبيخ، وقيل: ترد للنفي. ش: (لولا) له أحوال: أحدها: أن يدخل على جملة اسمية فيكون معناه امتناع جوابه لوجود شرطه، نحو: (لولا زيد لأكرمتك) أي لولا زيد موجود، فامتنع الإكرام لوجود زيد. ثانيها: أن تدخل على جملة فعلية مصدرة بفعل مضارع نحو: ﴿لولا

стр. 204

تستغفرون الله﴾ فهو للتحضيض وهو طلب بحث وفي معناه العرض، وهو طلب بلين نحو: ﴿لولا أخرتني إلى أجل قريب﴾. قال الشارح: وكأن المصنف / (٥٨ أ / م) استغنى عنه بالتحضيض، لأنه يفهم من باب أولى. ثالثها: أن تدخل على مصدرة بماض نحو: ﴿لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء﴾ فهو للتوبيخ، وذكر الهروي أنها ترد للنفي مثل (لم) وجعل منه قوله تعالى: ﴿فلولا كانت قرية آمنت﴾ وقال الجمهور: هي هنا للتوبيخ أيضاً، أي فهلا كانت قرية من القرى المهلكة آمنت قبل حلول العذاب فنفعها ذلك. ص: (لو) حرف شرط للماضي، ويقل للمستقبل، قال سيبويه: حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وقال غيره: حرف امتناع لامتناع، وقال الشلوبين: لمجرد الربط، والصحيح وفاقاً للشيخ الإمام: امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه ثم ينتفي التالي إن ناسب ولم يخلف المقدم وغيره كـ ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ لا إن خلفه كقولك لو كان إنساناً لكان حيواناً ويثبت التالي إن لم يناف وناسب بالأولى كـ (لو لم يخف الله لم يعصه) أو بالمساواة كـ (لو لم تكن ربيبته لما حلت للرضاع أو الأدون كقولك: لو انتفت أخوة النسب لما حلت للرضاع وترد

стр. 205

للتمني وللعرض والتحضيض والتقليل نحو: (ولو بظلف محرق). ش: (لو) حرف شرط للماضي، وإن دخلت على مضارع صرفته للمضي وهذا عكس (إن) الشرطية، فإنها تصرف الماضي إلى الاستقبال، كذا قال الزمخشري وابن مالك وغيرهما، وأنكر قوم كونها حرف شرط، لأن الشرط في الاستقبال، و (لو) للتعليق في الماضي. وقال بعضهم: النزاع لفظي، فإن أريد بالشرط الربط المعنوي/ (٤٧ ب / د) الحكمي فهي شرط، وإن أريد به ما يعمل في الجزأين فلا. وقد ترد للمستقبل مثل (إن) فتصرف في الماضي إلى الاستقبال كقوله: ﴿وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين﴾ قاله جماعة وخطأهم ابن الحاج، فإنك لا تقول: لو يقوم زيد فعمرو منطلق، كما تقول: إن لا يقم زيد فعمرو منطلق، وكذا قال بدر الدين بن مالك: عندي أنها لا تكون لغير الشرط في الماضي. ولا حجة فيما تمسكوا به لصحة حمله على المضي. واختلف في معناها على أربعة أقوال: أحدها وبه قال سيبويه: أنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، أي أنها تقتضي فعلاً ماضياً كان يتوقع ثبوته لثبوت غيره، والمتوقع غير واقع فكأنه قال: حرف يقتضي فعلاً امتنع لامتناع ما كان ثبت بثبوته. الثاني ـ / (٥٩أ / م) وبه عبر الأكثرون ـ: أنها حرف امتناع لامتناع، أي: يدل على امتناع الثاني لامتناع الأول، فقولك: لو جئتني لأكرمتك، دال على

стр. 206

انتفاء المجيء والإكرام، واعترض على هذا بأن جوابها قد لا يكون ممتنعاً، بل يثبت كقولك لطائر: لو كان هذا إنساناً لكان حيواناً، فإنسانيته منتفية وحيوانيته ثابتة، وكذا قول عمر في صهيب ﵄ إن ثبت: (لو لم يخف الله لم يعصه) فعدم المعصية محكوم بثبوته لأنه إذا ثبت مع عدم الخوف فثبوته مع الخوف أولى. وأشرت بقولي: (إن ثبت) إلى أني لا أعلم لهذا الكلام إسناداً، ويغني عنه ما رواه أبو نعيم في الحلية أن النبي ﷺ قال في سالم مولى أبي حذيفة: ((إنه شديد الحب لله لو كان لا يخاف الله ما عصاه)) أي لانتفاء المعصية، سببين: المحبة والخوف، فلو انتفى الخوف لم توجد المعصية لوجود السبب الآخر لانتفائها وهو المحبة.

стр. 207

الثالث ـ وبه قال الشلوبين ـ: أنها لمجرد الربط، أي: إنما تدل على التعليق في الماضي، كما تدل على التعليق في المستقبل، ولا تدل على امتناع شرط ولا جواب، وضعف بأنه جحد للضرورات، إذ كل من سمع (لو فعل) فهم عدم وقوع الفعل، ولهذا جاز استدراكه فتقول: لو جاءني زيد لأكرمته، لكنه لم يجئ. الرابع: أنه يقتضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه، أي: يقتضي أمرين. أحدهما: امتناع ما يليه وهو شرطه. والثاني: كون ما يليه مستلزماً لتاليه وهو جوابه، ولا يدل على امتناع الجواب في نفس الأمر ولا ثبوته، فإذا قلت: لو قام زيد لقام عمرو، فقيام زيد محكوم بانتفائه فيما مضى، فيكون ثبوته مستلزماً لثبوت قيام عمرو، وهل لعمرو قيام أو لا؟ ليس في الكلام تعرض له، وصحح المصنف هذه العبارة، وحكاها عن والده، ووقعت في بعض نسخ التسهيل، واعترضت بأنها لا تفيد لأن اقتضاءها للامتناع في الماضي. فكان ينبغي التصريح به. ثم قسم/ (٤٨أ/ د) صاحب هذه المقالة الجواب، وهو مراده بالتالي إلى أقسام: أحدها: أن يكون منتفياً، وذلك فيما إذا كان الترتيب بينه وبين الأول مناسباً ولم يخلف الأول/ (٥٩ ب/ م) غيره نحو: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾. ثانيها: أن يكون مع مناسبه خلفه غيره، كقولنا لطائر: لو كان إنسانا لكان حيواناً فإنه خلف الإنسانية شيء آخر يدل على الحيوانية فثبتت. ثالثها: أن لا يكون الترتيب بين الأول والثاني مناسباً، فيثبت التالي. ثم قسم المصنف ثبوته إلى أقسام: أحدها: أن يكون بالثبوت أولى من الأول، نحو: لو لم يخف الله لم يعصه.

стр. 208

الثاني: أن يكون مساوياً كقوله ﵊ في بنت أم سلمة: ((إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة)) فإن لتحريمها سببين: كونها ربيبته، وكونها ابنة أخيه من الرضاعة. الثالث: أن تكون أدون منه ولكن يلحق به لمشاركته في المعنى، كقولك في أخت النسب والرضاعة: لو انتفت أخوة النسب لما كانت حلالاً، لأنها أخت من الرضاعة، فتحريم أخت الرضاعة دون تحريم أخت النسب، لكنه مستقل بالتعليل لصلاحيته له، ثم ذكر المصنف لها معاني أخر غير معناها المشهور. الأول: التمني نحو ﴿فلو أن لنا كرة﴾ أي: فليت، ولهذا نصب ﴿فنكون﴾ في جوابها، وهل هي الامتناعية أشربت معنى التمني، أو قسم برأسه، أو هي المصدرية أغنت عن التمني؟ ثلاثة أقوال: وبالأخير قال ابن مالك. الثاني: العرض نحو: لو تنزل عندنا فتصيب خيراً. الثالث: التحضيض نحو لو فعلت كذا بمعنى افعل، وتقدم أن العرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحث. الرابع: التقليل نحو: في قوله في الحديث: ((ردوا السائل ولو بظلف محرق)). قال الشارح: أثبته ابن هشام الخضراوي وابن السمعاني في

стр. 209

(القواطع) والحق أنه مستفاد مما بعدها لا من الصيغة. ص: الحادي والعشرون: لن حرف نفي ونصب واستقبال ولا تفيد توكيد النفي ولا تأبيده خلافاً لمن زعمه وترد للدعاء وفاقاً لابن عصفور. (٦٠أ/ م) ش: (لن) حرف يدل على النفي، وتنصب الفعل المضارع، وتخلصه للاستقبال، وزعم الزمخشري في (الكشاف) أنها تفيد تأكيد النفي، وفي (الأنموذج) تأبيده، وقال ابن مالك: وحمله على ذلك اعتقاده أن الله لا يرى، وهو باطل. وقال ابن عصفور: ما ذهب إليه دعوى لا دليل عليها، بل قد يكون النفي (بلا) آكد من (لن) لأن المنفي بـ (لا) قد يكون جواباً للقسم، والمنفي بـ (لن) لا يكون جواباً له، ونفي الفعل إذا أقسم عليه آكد، ورده غيره بأنها لو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في قوله / (٤٨ ب/ د) تعالى: ﴿فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ ولكان ذكر الأبد في قوله تعالى: ﴿ولا يتمنونه أبداً﴾ تكراراً، والأصل عدمه، ولما صح التوقيت في قوله: ﴿لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾ ووافق الزمخشري على التأكيد جماعة، منهم ابن الخباز، وعلى التأبيد ابن عطية، وقالوا: لو بقينا على هذا النفي لتضمن أن موسى لا يراه أبداً ولا في الآخرة، لكن في الحديث المتواتر: أن أهل الجنة يرونه.

стр. 210

وأثبت لها المصنف معنى آخر، وهو الدعاء مثل: (لا) وحكاه ابن السراج عن قوم، وخرج عليه قوله تعالى: ﴿فلن أكون ظهيراً للمجرمين﴾ ورده ابن مالك وغيره وقالوا: هذا خبر، والدعاء لا يكون للمتكلم، وفي تعبير المصنف تجوز، والمراد أن الفعل المقترن بها يكون في الدعاء، كما عبر به في التسهيل فقال: ولا يكون الفعل معها دعاء خلافاً لبعضهم. ص: الثاني والعشرون: (ما) ترد اسمية وحرفية موصولة ونكرة موصوفة وللتعجب واستفهامية وشرطية زمانية وغير زمانية ومصدرية كذلك ونافية وزائدة كافة وغير كافة. ش: قد تكون (ما) اسمية، وهي التي لها وحدها موضع من الإعراب، وقد تكون حرفية وهي بخلافها وللإسمية موارد. أحدها: أن تكون موصولة، وهي التي يصلح موضعها (الذي) نحو: يعجبني ما عندك، ومنه: ﴿ما عندكم ينفد﴾. ثانيها: نكرة موصوفة، وتقدر بشيء نحو: مررت بما معجب لك أي: بشيء. ومنه: ربما تكره النفوس من الأمـ ... ـر له فرجة كحل العقال. أي رب شيء، (وتكره النفوس) صفة له، والعائد محذوف أي تكرهه. ثالثها: تعجبية، نحو: ما أحسن زيداً أي: شيء أحسن زيداً، أي صيره حسناً. وجاز الابتداء بالنكرة للتعجب، وعبارة المصنف توهم أن / (٦٠ ب/ م) التعجبية قسيمة

стр. 211

للنكرة، وقال الشارح: وليس كذلك، بل النكرة قسمان: ناقصة وهي الموصوفة وتامة وهي التعجبية. رابعها: استفهامية نحو: ﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ خامسها: الشرطية وهي تنقسم إلى: زمانية نحو: ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم، وغير زمانية نحو: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾. وأما الحرفية فلها استعمالات: أحدها: أن تكون مصدرية، أي تكون مع ما بعدها في تأويل المصدر نحو قولك: أعجبني ما قلت، أي: قولك. وأشار بقوله: (كذلك) إلى أنها قد تكون زمانية أي ظرف زمان وهي الواقعة موقع الظرف نحو: ﴿ما دمت حياً﴾ أي مدة دوامي، وقد تكون غير زمانية نحو: يعجبني ما تقوم، أي قيامك، ومنه قوله تعالى: ﴿لما تصف ألسنتكم الكذب﴾ أي: لوصف، كذا قسمه الجزولي ونازع فيه ابن عصفور، لأن الظرفية ليست من معاني (ما) بل (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر والمصادر، قد تستعمل ظروفاً نحو: أتيتك خفوق النجم، أي: وقت خفوقه، فلا ينبغي أن يعد قسماً للمصدر. ثانيها: أن تكون (٤٩أ / د) نافية إما عاملة كقوله تعالى: ﴿ما هن أمهاتهم﴾ أو غير عاملة نحو: ما قام زيد. ثالثها: أن تكون زائدة، إما كافة، إما عن عمل الرفع، نحو: قلما

стр. 212

وطالما، أو الرفع والنصب وهي المتصلة بـ (إن) وأخواتها، نحو: ﴿إنما الله إله واحد﴾ أو الجر، وهي المتصلة بـ (رب) وإما غير كافة نحو شتان ما بين زيد وعمرو. تنبيه: لا يفهم أن الموصولة وما بعدها إلى المصدرية أقسام الإسمية وأن قوله: (ومصدرية) إلى آخر كلامه أقسام الحرفية إلا بتوقيف. ص: الثالث والعشرون (من) لابتداء الغاية غالباً، وللتبعيض والتبيين والتعليل والبدل والغاية وتنصيص العموم والفصل ومرادفة الباء وعن وفي وعند وعلى. ش: لـ (من) معان: أحدها: ابتداء الغاية في المكان اتفاقاً، نحو: ﴿من المسجد الحرام﴾ وفي الزمان عند الكوفين نحو: من أول يوم، وصححه ابن مالك لكثرة شواهده. وأشار المصنف بقوله: (غالباً) إلى أنه الغالب عليها، حتى رد بعضهم سائر معانيها لابتداء الغاية / (٦١أ/ م) فإذا قلت: أخذت من الدراهم، فقد جعلت الدراهم ابتداء غاية الأخذ. ثانيها: التبعيض نحو: ﴿تلك ... منهم من كلم الله﴾، وعلامتها صحة أن يوضع موضعها بعض. ثالثها: التبيين نحو: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ وعلامتها أن يصلح موضعها الذي هو.

стр. 213

رابعها: التعليل، نحو: ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق﴾. خامساً: البدل نحو: ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾. سادسها: الغاية، أي انتهاء الغاية، مثل (إلى) فيكون لابتداء الغاية من الفاعل ولانتهاء غاية الفعل من المفعول نحو: رأيت الهلال من داري من خلل السحاب، أي من مكاني إلى خلل السحاب. فابتداء الرؤية واقع من الدار وانتهاؤها في خلل السحاب، ذكر ابن مالك أن سيبويه أشار إلى هذا المعنى وأنكره جماعة، وقالوا: هي لابتداء الغاية لكن في حق المفعول، ومنهم من جعلها في هذا المثال لابتداء الغاية في حق الفاعل بتقدير: رأيت الهلال من داري ظاهراً من خلل السحاب، ويحتمل أن يريد المصنف الغاية كلها ابتداء وانتهاء حكاه ابن أبي الربيع عن قوم فيما إذا دخلت (من) على فعل ليس له امتداد فيكون المبتدأ والمنتهى واحداً. سابعها: تنصيص العموم، وهي الداخلة على نكرة لا تختص بالنفي، نحو ما جاءني من رجل، فإنه قبل دخولها يحتمل نفي الوحدة، ولهذا يصح معه بل رجلان، فإذا دخلت تعين لنفي الجنس. أما الداخلة على نكرة تختص بالنفي نحو: ما جاءني من أحد، فهي للتأكيد، وهذا كله في النفي ولا يجوز زيادتها في الإثبات خلافاً للكوفيين، ولا حجة/ (٤٩ب/د) لهم في قوله تعالى: ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾ لجواز إرادة البعض. ثامنها: الفصل نحو: ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾ وتعرف بدخولها على ثاني المتضادين. تاسعها: مرادفة الباء، نحو: ﴿ينظرون من طرف خفي﴾، قال

стр. 214

يونس: بطرف، ويحتمل ابتداء الغاية. عاشرها: مرادفة (عن) كقوله تعالى: ﴿فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله﴾ أي عن. حادي عشرها: مرادفة (في) نحو: ﴿ماذا خلقوا من الأرض﴾ كذا قيل: والظاهر أنها على بابها، وينبغي تمثيله بما في (الشامل) لابن الصباغ عن الشافعي ﵁ في قوله: ﴿فإن كان من قوم عدو لكم﴾ أنها بمعنى (في) بدليل قوله وهو ﴿مؤمن﴾. ثاني عشرها: مرادفة (عند) نحو: ﴿لن/ (٦١/ ب/ م﴾ تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً وأولئك هم وقود النار﴾ قاله أبو عبيدة. ثالث عشرها: مرادفة (على) نحو: ﴿ونصرناه من القوم الذين كذبوا﴾ وقيل: ضمن قوله: (نصرناه) معنى (منعناه). ص: الرابع والعشرون: من شرطية واستفهامية وموصولة ونكرة موصوفة قال أبو علي ونكرة تامة. ش: (من) بالفتح تكون شرطية نحو: ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ واستفهامية نحو: ﴿فمن ربكما يا موسى﴾ وموصوله نحو: ﴿ألم تر أن الله

стр. 215

يسجد له من في السماوات ومن في الأرض﴾ ونكرة موصوفة نحو: مررت بمن معجب لك، أي: بإنسان معجب لك، فوصفك لـ (من) بمعجب وهو نكرة، دليل على أن (من) نكرة. وقال أبو علي الفارسي: تكون نكرة تامة لقوله: (ونعم من هو في سر وإعلان). فقال: إن الفاعل مستتر، ومن تمييز، وقوله: (هو) مخصوص بالمدح، وقال غيره: من موصول فاعل. ص: الخامس والعشرون: (هل) لطلب التصديق الإيجابي لا للتصور ولا للتصديق السلبي. ش: (هل) حرف استفهام، ولا يستفهم بها عن التصور، وهو العلم بالمفردات، أي لا يسأل بها عن ماهية الشيء، وإنما يستفهم بها عن التصديق وهو النسبة أي إسناد شيء إلى شيء، ولا يستفهم بها عن النفي فلا يقال: (هل لم يقم زيد؟) وإنما يستفهم بها عن التصديق الإيجابي، كقولك: هل قام زيد؟ وقد ترك الشارح هذا فلم يذكره ولم يشرحه؟ ص: السادس والعشرون الواو لمطلق الجمع وقيل للترتيب وقيل للمعية. ش: في (الواو) العاطفة مذاهب: أصحها: أنها لمطلق الجمع، أي لا تدل على ترتيب ولا معية، فإذا قلت: قام زيد وعمرو، احتمل قيامهما معاً، وتقدم قيام زيد وتقدم، قيام عمرو، والتعبير بهذا أحسن من تعبير ابن الحاجب والبيضاوي وغيرهما بالجمع المطلق، فإن الجمع المطلق هو الجمع الموصوف بالإطلاق، فلا يتناول المقيد بمعية، ولا بتقديم ولا بتأخير، بخلاف مطلق الجمع، فإنه يتناول الصور كلها، وهذا
следующие страницы →