Полный текст (826 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
انتفاء اعتقاد المخبر المطابقة – إما لاعتقاده عدمها وإما لخلوه عن اعتقاد أو لم يطابق مع انتفاء اعتقاد المخبر عدم المطابقة إما لاعتقاده للمطابقة وإما لخلوه عن اعتقاد لم يكن صدقا ولا كذبا، بل هو واسطة بينهما وهي أربعة أقسام وقد تناولها قول المصنف: (والثاني فيهما واسطة) ومراده بالثاني نفي الاعتقاد وقوله: (فيهما) أي في المطابق وغير المطابق، ولا يتوقف ذلك عند/ (٩٥أ/د) الجاحظ على الاعتقاد الجازم بل الظن في معناه، كذا حكاه عنه أبو الحسين في المعتمد، قال: وقد أفسده عبد الجبار بأن ظن المخبر واعتقاده يرجع إليه لا إلى المخبر، فلم يكن شرطا في كونه كذبا.
الثاني: أنه يعتبر في الصدق المطابقة لاعتقاد المخبر خاصة، سواء طابق الخارج أم لا، وفي الكذب عدم المطابقة لاعتقاد المخبر سواء طابق في الخارج أم لا، فيخرج عنهما ما إذا لم يكن للمخبر في ذلك اعتقاد وهو مراد المصنف بالساذج وهو بذال معجمة، قال في (المحكم): أرى أصله ساذه فعرب، فهذا واسطة بينهما لا يسمى صدقا ولا كذبا حكاه المصنف عن غير الجاحظ وذكر الخطيئي ذلك احتمالا في كلام صاحب (التلخيص) لكن صرح صاحب (الإيضاح) في علم المعاني والبيان بأن صاحب هذا القول لا يثبت واسطة بينهما، فعلى هذا يدخل في قوله: (عدمها) ما لا اعتقاد معه، وهذا القول في أصله غريب، وقيل: إنه لم يحكه إلا صاحب (الإيضاح).
الثالث: وهو قول أبي القاسم الراغب، إنه يعتبر في الصدق المطابقة في الخارج مع اعتقاد المخبر ذلك،/ (١١٥/أ/م) كذا أطلق المصنف عنه وإنما اعتبر الراغب هذا في الصدق التام، قال: فإن كان اختل أحدهما لم يكن صدقا تاما، بل فيه تفصيل إن انتفى الاعتقاد ككلام المبرسم لم يوصف بصدق ولا كذب وإن كان مطابقا للخارج دون الاعتقاد كقول المنافقين ﴿نشهد
стр. 387
إنك لرسول الله﴾ فيصح وصفه بالصدق لمطابقته للخارج وبالكذب لمخالفته لاعتقادهم، ولذلك كذبهم الله تعالى.
وقد ظهر لك بهذا التقرير أن قول المصنف: (فقدا) غير مطابق لكلام الراغب فإنه إنما ذكر ذلك في فقد أحدهما، فنقل المصنف عنه محتمل من وجهين. أما إذا فقد أي المطابقة في الخارج والاعتقاد فهو عنده كذب تام.
ص: ومدلول الخبر الحكم بالنسبة لا ثبوتها وفاقا للإمام وخلافا للقرافي وإلا لم يكن شيء من الخبر كذبا.
ش: مدلول الخبر الحكم بثبوت النسبة لا نفس الثبوت، فإذا قلت: زيد قائم، فمدلوله الحكم بثبوت قيامه لا نفس ثبوت قيامه إذ لو كان الثاني لزم منه أن لا يكون شيء من الخبر كذبا، بل يكون كله صدقا، وقد ذكر الإمام هذا في (المحصول) لكنه قال في التعليل: وجب أن لا يكون الكذب خبرا فقال بعضهم: هذا معكوس لأن مقتضاه أن يكون الكذب متحققا لا بصيغة الخبرية، والواقع على هذا التقرير انتفاء الكذب فلهذا قال في (التحصيل): وإلا لم/ (٩٥ب/د) يكن الخبر كذبا وهو تعبير فاسد لإيهامه أن كل خبر كذب، فلذلك عدل عنه المصنف إلى قوله: (شيء من الخبر) وهو تعبير حسن، لكن تعليل الإمام أيضا صحيح، وتقريره أن مدلول النسبة لو كان ثبوتيا لكان الكذب غير خبر لكن اللازم منتف ضرورة أن الكذب أحد قسمي الخبر الذي هو صدق وكذب، فالملزوم مثله وبيان الملازمة أن ثبوت النسبة وقوعها في الخارج فغير الواقع في الخارج ليس خبرا على هذا، وتعليل المصنف أوضح، ولما لم يكن نفس تعليل الإمام لم يصله به، لئلا يتوهم أنه من كلامه، وخالف القرافي في ذلك فقال: إن العرب لم تضع الخبر إلا
стр. 388
للصدق لاتفاق اللغويين والنحويين على أن معنى: (قام زيد) حصول/ (١١٥/ب/م) القيام منه في الزمن الماضي، واحتماله للكذب ليس من الوضع بل من جهة المتكلم كذا قال وهو شاذ.
ص: ومورد الصدق والكذب النسبة التي تضمنها ليس غير كقائم في: (زيد بن عمرو قائم) لا بنوة زيد، ومن ثم قال مالك وبعض أصحابنا: الشهادة بتوكيل فلان بن فلان فلانا شهادة بالوكالة فقط، والمذهب بالنسب ضمنا والوكالة أصلا.
ش: هذه قاعدة مهمة أهملها أهل الأصول وأخذها المصنف من البيانيين كالسكاكي وغيره وتقريرها أن مورد الصدق والكذب في الخبر هو النسبة التي تضمنها الخبر لا واحد من طرفيها وهما المسند والمسند إليه فإذا قيل: (زيد بن عمرو قائم) فقيل: صدقت أو كذبت، فالصدق والكذب راجعان إلى القيام لا إلى النبوة الواقعة في المسند إليه ولهذا قال مالك وبعض الشافعية: إذا شهد شاهدان بأن فلان بن فلان وكل فلانا، فهي شهادة بالوكالة فقط ولا ينسب إليهما الشهادة بالنسب، فليس له عند التنازع في النسب أن يكون قد ثبت نسبي بتلك الشهادة لكن الصحيح عندنا أنها تتضمن الشهادة بالنسب وإن كان أصل الشهادة إنما هو بالوكالة، ذكره الهروي في (الإشراف) والماوردي والروياني، قال الشارح: وينبغي أنه يستثنى من ذلك ما لو كانت صفة المسند إليه مقصودة بالحكم بأن يكون المحكوم عليه في المعنى الهيئة الحاصلة من المسند إليه وصفته، كقوله ﵊: ((الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)) فإن المراد الذي جمع كرامة نفسه وآبائه وكذلك الصفات
стр. 389
الواقعة في الحدود، نحو: الإنسان حيوان ناطق فإن المقصود الصفة/ (٩٦أ/د) والموصوف معا، ولو قصدت الإخبار بالموصوف فقط لعسر الحد. انتهى.
واعلم أنه يرد على هذه القاعدة الحديث المرفوع في صحيح البخاري: ((يقال للنصارى: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد)) وكذلك استدل الشافعي وغيره على صحة أنكحة الكفار بقوله تعالى: ﴿وقالت امرأت فرعون﴾ قلت: وقد يدعى أن الآية والحديث مما استثناه الشارح من موضع الخلاف، فإن قصد عابدي/ (١١٦/أ/م) المسيح بنسبته إلى الله إقامة حجتهم في عبادته، وأريد في الآية التعجب من صدور هذه المقالة البديعة في الحسن منها مع انتسابها إلى ذلك المتمرد العاتي، ويمكن أن الذي خص ذلك بالنسبة أراد دلالة المطابقة وهذه دلالة تضمن كما تقدم وأن من قال: لا يثبت النسب بذلك لا ينكر هذه الدلالة ولكنه لا يثبت النسب بدلالة التضمن، وإنما يثبتها بدلالة المطابقة، والله أعلم.
تنبيه:
عبر المصنف بقوله (ليس غير) لإنكار بعضهم أن يقال: لا غير، وقال: إنما يقطع (غير) عن الإضافة مع (ليس) فقط، لكن أنكر ذلك ابن بري وسوى بينهما، ويجوز فيه ضم الراء وفتحها، مع التنوين فيهما وتركه، فهذه أربعة أوجه.
ص: مسألة: الخبر إما مقطوع بكذبه كالمعلوم خلافه ضرورة أو استدلالا، وكل خبر أوهم باطلا ولم يقبل التأويل فمكذوب، أو
стр. 390
نقص منه ما يزيل الوهم، وسبب الوضع نسيان أو افتراء أو غلط أو غيرها، ومن المقطوع بكذبه على الصحيح: خبر مدعي الرسالة بلا معجزة أو تصديق الصادق، وما نقب عنه ولم يوجد عند أهله، وبعض المنسوب إلى النبي ﷺ والمنقول آحادا فيما تتوفر الدواعي على نقله خلافا للرافضة.
ش: الخبر من حيث ذاته محتمل للصدق والكذب كما تقدم لكن قد يعرض له ما يقتضي القطع بكذبه أو صدقه، فالمقطوع بكذبه أنواع:
الأول: ما علم خلافه بالضرورة، كقول القائل: النار باردة. أو بالاستدلال كقول الفيلسوف: العالم قديم.
الثاني: أن يوهم أمراً باطلا من غير أن يقبل التأويل، لمعارضته للدليل العقلي كما اختلق بعض الزنادقة حديثا: أن الله تعالى أجرى فرسا ثم خلق نفسه من عرقها تعالى الله عن ذلك وتردد المصنف في هذا النوع بين أن يكون مكذوبا وبين أن يكون سقط منه على/ (٩٦/ب/د) بعض روايته ما يزيل الوهم.
قال الشارح: وقد مثل له بما ذكره ابن قتيبة في (مختلف الحديث) أنه ﵊ ذكر سنة مائة: ((أنه لا يبقى على ظهر الأرض يومئذ نفس منفوسة)) وهو خلاف المشاهدة وقد تبين أن لفظه ((لا يبقى على ظهر/ (١١٦/ب/م) الأرض منكم)) فأسقط الراوي لفظة ((منكم)).
الثالث: أن يدعي شخص الرسالة عن الله تعالى بغير معجزة، وهذا ذكره إمام الحرمين، وفصل فيه بين أن يزعم أن الخلق كلفوا تصديقه فيقطع بكذبه
стр. 391
وإلا فلا، لكنه فرضه في دعوى النبوة، ولما فرضه المصنف في دعوى الرسالة لم يحتج لهذا التقييد ولا يخفى أن هذا قبل بعثة نبينا ﷺ وأما بعده فيقطع بكذبه مطلقا، لقيام القاطع على أنه خاتم النبيين، وهو راجع إلى القسم الأول وهو ما علم خلافه استدلالا وضم المصنف إلى المعجزة تصديق الصادق، وهو نبي معلوم النبوة قبل ذلك، بصدق هذا المدعي للنبوة في دعواه فلا يحتاج معه إلى معجزة.
الرابع: الخبر المنقول عن النبي ﷺ بعد استقرار الأخبار، إذا فتش عنه فلم يوجد في بطون الكتب ولا صدور الرواة، ذكره الإمام فخر الدين وسبقه إليه صاحب (المعتمد) وقال القرافي: يشترط استيعاب الاستقراء بحيث لا يبقى ديوان ولا راو إلا وكشف أمره في جميع أقطار الأرض وهو عسر أو متعذر، وقد ذكر أبو حازم في مجلس هارون الرشيد حديثا وحضره الزهري فقال: لا أعرف هذا الحديث فقال: أحفظت حديث رسول الله ﷺ كله؟ فقال: لا، قال: فنصفه؟ قال: أرجو. قال: اجعل هذا في النصف الذي لم تعرفه، هذا وهو الزهري شيخ مالك فما ظنك بغيره؟ نعم إن فرض دليل عقلي أو شرعي يمنع منه، عاد إلى ما سبق.
قلت: ليس هذا مما نحن فيه، لأن الكلام بعد استقرار الأخبار كهذه الأزمنة وقبلها بمدد لما دونت الأحاديث وضبطت، وأما في الأعصار الأولى فقد كانت السنة منتشرة لانتشار أصحاب النبي ﷺ في الأمصار، بحيث لا يفتش الآن على الأحاديث من صدور الرواة، وإنما يرجع إلى دواوين الإسلام الحديثية وهي معروفة محصورة، فما لم يوجد فيها لا يقبل من راويه، ومن العجب قوله في هذه الحكاية: إن الزهري وأبا/ (٩٧أ/د) حازم اجتمعا في مجلس هارون
стр. 392
الرشيد، وقد ماتا قبل مجيء الدولة العباسية، وإنما كان اجتماعهما في مجلس سليمان بن عبد الملك.
الخامس: بعض الأحاديث المروية/ (١١٧/أ/م) عن النبي ﷺ على الإيهام مقطوع بكذبه، لأنه روي عنه أنه قال: (سيكذب علي) فإن كان هذا الخبر صحيحا فقد حصل المدعى لامتناع الخلف في خبره وإن كان كذبا – وهو الواقع، لأنه لا يعرف لهذا اللفظ إسناد – فقد كذب عليه، وضعف هذا الاستدلال لإمكان التزام صحته ولا يلزم وقوع الكذب في الماضي لجواز وقوعه في المستقبل وقد جاء في معنى هذا الحديث ما في مقدمة (صحيح مسلم) من حديث أبي هريرة مرفوعا: ((يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم)).
السادس: الخبر المنقول بطريق الآحاد فيما لم يتوفر الدواعي على نقله، إما لغرابته كسقوط الخطيب عن المنبر يوم الجمعة أو لتعلقه بأصل من أصول الدين كالنص على الإمامة فعدم تواتره دليل على عدم صحته. وخالفت الرافضة في ذلك فادعوا أن النص دل على استحقاق علي ﵁ للإمامة بعد رسول الله ﷺ ولم يتواتر ورد عليهم بما ذكرناه.
وللوضع أسباب:
أحدها: نسيان الراوي، بأن يطول عهده بالسماع، فيزيد فيه أو يغير معناه أو يرفعه وهو موقوف.
стр. 393
الثاني: افتراء الزنادقة (تنفيرا) للغفلى عن الشريعة قال حماد بن زيد: وضعت الزنادقة على رسول الله ﷺ أربعة عشر ألف حديث.
قلت: وكم وضع بعد زمن حماد بن زيد؟
ثالثها: الغلط، بأن يريد الراوي التلفظ بشيء فيسبق لسانه إلى غيره. وقول المصنف: (أو غيرها) قال الشارح: يعني كما ذهب إليه بعض الكرامية من جواز وضع الحديث في الترغيب والترهيب وهو راجع إلى الافتراء.
قلت: بقى لذلك أسباب، منها: الارتزاق والاحتراف فقد كان جماعة يرتزقون بذلك في قصصهم كأبي سعد المدائني ومنها الاحتساب وطلب الأجر كأحاديث فضائل القرآن، ومنها الانتصار لآرائهم كما يفعل الخطابية.
واعلم أن المصنف ذكر سبب الوضع في أثناء أقسام المقطوع بكذبه، ولو أخره إلى استيفائها لكان أولى، والله أعلم.
ص: وإما بصدقه، كخبر الصادق وبعض المنسوب إلى النبي/ (٩٧/ب/د) (١١٧/ب/م) ﷺ والمتواتر معنى أو لفظا وهو خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عن محسوس وحصول العلم آية اجتماع شرائطه ولا تكفي الأربعة وفاقا للقاضى والشافعية، وما زاد عليها صالح من غير ضبط، وتوقف القاضي في الخمسة، وقال الإصطخري: أقله عشرة. وقيل: اثنا عشر. وعشرون، وأربعون، وسبعون،
стр. 394
وثلاثمائة، وبضعة عشر. والأصح: لا يشترط فيه إسلام ولا عدم احتواء بلد، وأن العلم فيه ضروري وقال الكعبي والإمامان: نظري. وفسره إمام الحرمين بتوقفه على مقدمات حاصلة. لا الاحتياج إلى النظر عقيبه، وتوقف الآمدي، ثم إن أخبروا عن عيان فذاك وإلا فيشترط ذلك في كل الطبقات.
ش: وأما المقطوع بصدقه فهو أنواع أيضا.
الأول: خبر الصادق، وهو يتناول خبر الله تعالى، وخبر رسوله ﷺ وخبر كل الأمة، لأن الإجماع حجة. واعترض على هذا بأنه إن أريد أنه حجة قطعية كما صرح به الآمدي هنا فهو مخالف لقوله وقول الإمام إنه ظني، وإن أراد أنه حجة ظنية، فالظن لا يفيد القطع.
الثاني: بعض المنسوب إلى النبي ﷺ على الإيهام.
الثالث: الخبر الذي بلغت رواته حد التواتر، وسواء أكان التواتر لفظيا: وهو ما اتفق رواته على نقل قضية واحدة، أو معنويا وهو ما نقل رواته قضايا بينها قدر مشترك، كأن ينقل واحد عن حاتم أعطى دنانير وآخر: أعطى دراهم، وآخر: أعطى جمال، فهذه قضايا مختلفة لكن بينها قدر مشترك وهو الإعطاء الدال على الجود.
ثم أخذ المصنف يتكلم على التواتر/اللفظي فعرفه بما حكينا فخرج بالجمع
стр. 395
خبر الواحد، وبقوله: (يمتنع تواطئهم على الكذب) جمع لا يمتنع ذلك فيهم، وزاد بعضهم (بنفسه) ليخرج ما امتنع فيهم ذلك بالقرائن أو موافقة دليل عقلي أو غير ذلك، ولا يحتاج لذلك لأن المفيد للقطع هو مع القرائن، وقوله: (عن محسوس) يدل على أمرين:
أحدهما: أن يكون عن علم لا ظن.
والثاني: أن يكون علمهم مدركا بإحدى الحواس الخمس، هكذا ذكره الإمام فخر الدين والآمدي وأتباعهما/ (١١٨/أ/م) والذي ذهب إليه القاضي أبو بكر وغيره من المتقدمين – وتابعهم إمام الحرمين -: أن المعتبر أن يكون ذلك العلم ضروريا سواء كان عن حس أو قرينة أو خبر فلو أخبروا عن نظر لم يفد العلم، لتفاوت العقلاء في النظر، ولهذا يتصور الخلاف فيه إثباتا ونفيا.
والجمهور على أنه لا يشترط للمخبرين عدد، بل ضابط ذلك حصول العلم فمتى أفاد خبرهم العلم من غير قرينة انضمت إليه فهو متواتر وإلا فلا، ولا يكفي أن يكون عددهم أربعة لأنه لو اكتفى بذلك/ (٩٨/أ/د) لاستغني عن تزكية شهود الزنا، وبه قال القاضي أبو بكر فقال: أقطع بأن قول الأربعة لا يفيد، وأتوقف في الخمسة، وعزى المصنف عدم الاكتفاء بأربعة للشافعية، اعتمادا على قول ابن السمعاني: ذهب أكثر أصحاب الشافعي إلى أنه لا يجوز التواتر بأقل من خمسة فما زاد. وحكي عن الإصطخري: أنه يشترط أن يكون عددهم عشرة والذي في (القواطع) عنه: أنه لا يجوز أن يتواتر بأقل من عشرة، وإن جاز أن يتواتر بالعشرة فما زاد، لأن ما دونها جمع الآحاد فاختص بأخبار الآحاد، والعشرة فما زاد جمع الكثرة، وقيل: اثنا عشر، عدة النقباء الذين بعثهم موسى ﵇ ليعلموه بأحوال بني إسرائيل.
стр. 396
وقيل: عشرون، لقوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون﴾ وقيل: أربعون لقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ وكانوا عند نزول الآية أربعين.
وقيل: سبعون، لقوله تعالى: ﴿واختار موسى قومه سبعين﴾ وقيل: ثلاثمائة وبضعة عشر، عدة أهل بدر لحصول العلم بخبرهم للمشركين، أو لأن الواقعة تواترت بهم. والبضع بكسر الباء: ما بين الثلاثة إلى التسعة وهذه الأقاويل ضعيفة جدا، فإنه لا تعلق لشيء من هذه الأعداد بالأخبار، وبتقدير أن يكون لها بها تعلق ليس فيها ما يدل على كون ذلك العدد شرطا لتلك الوقائع، ولا على كونه مفيدا للعلم
ثم ذكر المصنف مسائل من التواتر:
الأولى: أنه لا يشترط في رواة المتواتر الإسلام خلافا لابن عبدان من الشافعية ولا ألا يحصيهم عدد ولا يحيط بهم بلد خلافا لقوم لأن أهل الجامع لو أخبروا بسقوط الخطيب عن المنبر وقت الخطبة أفاد العلم.
الثانية: اختلفوا في أن/ (١١٨ب/م) العلم الذي يفيده التواتر ضروري أو نظري: فقال
стр. 397
بالأول الجمهور.
أي: يلزم التصديق به عند اجتماع شرائطه بالضرورة، وقال بالثاني الكعبي وإمام الحرمين والإمام فخر الدين فأما إمام الحرمين فقد صرح بالبرهان بموافقة الكعبي لكنه فسر النظري بتوقفه على مقدمات حاصلة، وأنه ليس المراد الاحتياج إلى نظر عقبه وقال: إن هذا مراد الكعبي، وأما الإمام فخر الدين ففي (المحصول) موافقته للجمهور، وتوقف في ذلك الآمدي وقبله الشريف المرتضى.
الثالثة: إن أخبر عدد التواتر عن معاينة فأمره واضح، وإن لم يخبروا عن معاينة اشترط وجود الجمع الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب في جميع الطبقات، وهو معنى قولهم: لا بد في التواتر من استواء الطرفين والواسطة. ومن هنا يعلم أن المتواتر قد ينقلب آحادا عند الاندراس.
تنبيه:
بقي من أقسام المقطوع به/ (٩٨/ب/د) ما علم مدلوله ضرورة كقولنا: الواحد نصف الاثنين أو استدلالا كقولنا: العالم حادث. وأن يخبر جمع عظيم عن أحوال أنفسهم فنقطع بأن فيهم صادقا وإن لم يتعين. والخبر المحفوف بالقرائن عند جماعة كما سيأتي.
ص: والصحيح ثالثها أن علمه لكثرة العدد: متفق للسامعين وللقرائن قد يختلف، فيحصل لزيد دون/عمرو. وأن الإجماع على وفق خبر لا يدل على صدقه وثالثها: يدل إن تلقوه بالقبول. وكذلك بقاء خبر تتوفر الدواعي على إبطاله خلافاً للزيدية. وافتراق
стр. 398
العلماء بين مؤول ومحتج خلافا لقوم. وأن المخبر بحضرة قوم لم يكذبوه – ولا حامل على سكوتهم – صادق. وكذا المخبر بمسمع من النبي ﷺ ولا حامل على التقرير والكذب، خلافا للمتأخرين وقيل: يدل إن كان عن دنيوي.
ش: فيه مسائل:
الأولى – وهي من بقايا مسائل المتواتر – أنه هل يجب اطراد حصول العلم بالمتواتر لكل من بلغه أو يمكن حصول العلم لبعضهم دون بعض؟ فيه ثلاثة أقوال:
ثالثها – وهو الراجح عند المصنف تبعا للصفي الهندي: إن كان حصول العلم لمجرد كثرة العدد اطرد، وهذا معنى قول المصنف (إن علمه متفق) أي تتفق: الناس كلهم في العلم به ولا يختلفون وإن/ (١١٩/أ/م) كان لإحفاف قرائن به اضطرب فقد يحصل لبعضهم دون بعض. وفيه نظر، فإن الخبر الذي لم يحصل العلم فيه إلا بانضمام القرينة إلى الخبر ليس من التواتر بل لا بد أن يكون حصول العلم بمجرد روايتهم.
الثانية: إذا روي عن النبي ﷺ حديث وانعقد الإجماع على العمل على وفقه فهل يدل ذلك على القطع بصدقه؟ فيه مذاهب:
أصحها: لا لاحتمال أن يكون للإجماع مستند آخر.
والثاني. نعم، وبه قال الكرخي.
والثالث: أن مجرد العمل لا يدل على صدقه، بل إن تلقوه بالقبول حكم بصدقه، وإلا فلا، حكاه إمام الحرمين عن ابن فورك.
قال الشارح: واعلم أنهما مسألتان:
стр. 399
إحداهما: الإجماع على وفقه من غير أن يتبين أنه مستندهم، وفيها قولان في أنه هل يدل على صدقه قطعا أم لا.
والثانية: أن يجمعوا على قبوله والعمل به، ولا خلاف أنه يدل على صدقه وإنما الخلاف في أنه هل يدل عليه قطعا أو ظنا: فالجمهور من أصحابنا على القطع، وذهب القاضي أبو بكر وإمام الحرمين إلى الظن، وجمع المصنف فيهما ثلاثة أقوال، ومقتضاه أن الصحيح أنه لا يدل على صدقه وإن تلقوه بالقبول، وهذا لا يقوله أحد. انتهى.
قلت: الحق أن الجمع بين المسألتين، تخليط فإنه ليس بينهما قدر جامع، فإن الأولى في العمل على وفقه من غير أن يستدلوا به والثاني في معرفته والعمل به وتلقيه بالقبول فكان الواجب إفراد كل منهما/ (٩٩/أ/د) عن الأخرى.
الثالثة: قالت الزيدية: بقاء نقل خبر مع توفر الدواعي على إبطاله يقتضي القطع بصحته كقوله ﷺ يوم غدير خم لعلي ﵁: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) وقوله: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)) فقد سار نقلهما في زمن الأمويين مع توفر دواعيهم على إبطالهما، وخالفهم الجمهور، وقالوا: قد يشتهر خبر الواحد بحيث يعجز العدو عن إخفائه.
الرابعة: إذا ورد حديث فافترق العلماء فيه فمنهم من قبله واحتج به ومنهم من أوله – دل ذلك على القطع بصحته عند طائفة منهم ابن السمعاني والأكثرون على خلافه، لأن المظنون كالمقطوع في العمل به.
стр. 400
الخامسة: إذا أخبر واحد بخبر بحضرة جمع كثير بحيث لا يخفى/ (١١٩/ب/م) على مثلهم عادة حاله، وسكتوا عن تكذيبه، ولا حامل لهم على السكوت من خوف أو رجاء – هل يدل على القطع بصحته؟
قال الجمهور: نعم. وقال آخرون: ليس بقطعي لاحتمال مانع من التكذيب واختاره الإمام فخر الدين والآمدي.
السادسة: إذا أخبر إنسان بأمر والنبي ﷺ يسمعه، فلم ينكر عليه، مع أنه لا حامل له على ترك الإنكار، بأن يكون قد بين الحكم قبل ذلك، والمخبر معاند، لا ينفع فيه الإنكار – ففيه مذاهب:
أحدها – وهو الذي اختاره المصنف -: إن ذلك يدل على صدقه.
والثاني: لا، وحكاه المصنف عن المتأخرين، ومنهم الآمدي وابن الحاجب.
والثالث: التفصيل، فإن كان ذلك الأمر دنيويا لم يدل ذلك على صدقه، فإنه ﵊ لم يبعث لبيان الدنيويات وإن كان دينيا دل على صدقه قاله في (المحصول) وما عرفت معنى ذكر المصنف هنا الكذب مع التقرير فليحرر.
ص: وأما مظنون الصدق فخبر الواحد، وهو ما لم ينته إلى التواتر ومنه المستفيض، وهو الشائع عن أصل وقد يسمى مشهورا وأقله اثنان وقيل: ثلاثة.
ش: لما ذكر المقطوع بكذبه والمقطوع بصدقه ذكر قسما ثالثا وهو مظنون
стр. 401
الصدق، وهو خبر العدل الواحد/والمراد به ما لم ينته إلى التواتر ولو زادت رواته على واحد، ومن خبر الواحد نوع يسمى المستفيض والمختار في تعريفه أنه الشائع عن أصل، فخرج الشائع لا عن أصل يرجع إليه فإنه مقطوع بكذبه، كذا قال الشارح، وقد يقال: من أين يجيء القطع؟ وجوابه أن ذلك مستفاد من عدم الإسناد، فلما لم ينقله راو دل على أن ذاكره اختلقه. ثم ذكر أن المستفيض قد يسمى مشهورا فهما لفظان مترادفان، وأقل عدد الاستفاضة اثنان وقيل: ثلاثة، وقيل: ما زاد/ (٩٩/ب/د) على ذلك، وجزم الآمدي وابن الحاجب بالثلاثة، وحكى الرافعي في الشهادات عن الشيخ أبي حامد وأبي إسحاق المروزي وأبي حاتم القزويني أن أقل ما يثبت به الاستفاضة سماعه من اثنين، وإليه ميل إمام الحرمين.
قال: واختار ابن الصباغ وغيره سماعه من عدد يمتنع تواطؤهم على الكذب، قال: وهو أشبه بكلام الشافعي. انتهى.
وقال ابن فورك: إن المستفيض يفيد القطع. فجعله من أقسام المتواتر.
ص: مسألة: خبر/ (١٢٠/أ/م) الواحد لا يفيد العلم إلا بقرينة وقال الأكثر: لا مطلقا وأحمد: يفيد العلم مطلقا، والأستاذ وابن فورك: يفيد المستفيض علما نظريا.
ش: اختلف في أن خبر الواحد هل يفيد العلم أم لا؟
على أقوال: أحدها: أنه يفيده إن احتفت به قرائن كإخبار ملك بموت ولده مع سماع الصياح من داره، وخروجه مع جنازته على هيئة غير معتادة،
стр. 402
وإلا فلا وهو اختيار المصنف وفاقا لإمام الحرمين والغزالي والإمام والآمدي وابن الحاجب والبيضاوي.
الثاني: أنه لا يفيد العلم مطلقا، ولو احتفت به قرائن، وبه قال الأكثرون.
الثالث: أنه يفيد العلم مطلقا، وحكاه الباجي عن أحمد بن حنبل وابن خويز منداد، وقال أبو الحسين: حكي عن قوم أنه يقتضي العلم الظاهر وعنوا به الظن.
الرابع – وبه قال الأستاذ أبو إسحاق وابن فورك – أنه إن كان غير مستفيض لم يفد العلم وإن كان مستفيضا أفاد العلم النظري، بخلاف المتواتر فإنه يفيد العلم الضروري.
ص: مسألة: يجب العمل به في الفتوى والشهادة إجماعا، وكذا سائر الأمور الدينية، قيل: سمعا، وقيل: عقلا. وقالت الظاهرية: لا يجب مطلقا. والكرخي: في الحدود وفي ابتداء النصب. وقوم: فيما عمل الأكثر بخلافه، والمالكية: فيما عمل أهل المدينة. والحنفية: فيما تعم به البلوى أو خالفه راويه أو عارض القياس. وثالثها في معارض القياس إن عرفت العلة بنص راجح على الخبر ووجدت قطعا في الفرع – لم يقبل، أو ظنا فالوقف وإلا قبل: والجبائي: لا بد من اثنين أو اعتضاد وعبد الجبار: لا بد من أربعة في الزنا.
ش: يجب العمل بخبر الواحد في الفتوى والشهادة بالإجماع، والمراد في الفتوى واحد، وفي الشهادة اثنان، ويؤخذ من ذلك من طريق الأولى العمل به في الأداء والحروب وسائر الأمور الدنيوية كإخبار طبيب أو مجرب بضرر شيء أو نفعه، وتبع المصنف في تعبيره في ذلك بالوجوب/ (١٠٠/أ/د) البيضاوي وعبر في
стр. 403
(المحصول) بالجواز، واختلف في العمل به في الأمور الدينية الظنية على أقوال:
أحدها: وبه قال الجمهور – وجوبه: ثم قال أكثرهم: دل على ذلك السمع فقط، وقال أبو العباس بن سريج والقفال الشاشي – من أصحابنا – وأبو الحسين/ (١٢٠ب/م) البصري من المعتزلة -: دل عليه العقل أيضا. فكان ينبغي للمصنف أن يقول: وقيل: وعقلا.
القول الثاني: أنه لا يجب العمل به مطلقا، وعزاه المصنف للظاهرية.
قال الشارح: وإنما يعرف عن بعضهم كالقاشاني وابن داود كما نقله ابن الحاجب، بل قال ابن حزم: مذهب داود أنه يوجب العلم والعمل جميعا. والذين ذهبوا إلى عدم وجوب العمل به افترقوا فقالت فرقة: سببه عدم دليل شرعي أو عقلي على ذلك وقالت فرقة: سببه قيام دليل سمعي على عدم العمل به. وقالت فرقة: قيام الدليل العقلي على منع التعبد به.
الثالث – وبه قال الكرخي -: إنه لا يعمل به في الحدود خاصة، لأن الآحاد شبهة والحدود/تدرأ بها.
стр. 404
الرابع – وبه قال بعض الحنفية -: أنه لا يقبل في ابتداء النصب، وإن قبل في أثنائها فيقبل فيما زاد على خمسة أوسق، لأنه فرع، ولا يقبل في ابتداء نصاب الفصلان والعجاجيل، لأنه أصل.
الخامس: أنه لا يقبل فيما عمل الأكثر بخلافه، قاله بعضهم، وهو ضعيف، لأن قول البعض ليس بحجة.
السادس: أنه لا يقبل فيما عمل أهل المدينة بخلافه وبه قال المالكية ولهذا نفوا خيار المجلس.
السابع: أنه لا يقبل فيما تعم به البلوى، كنقض الوضوء بمس الذكر، أو خالفه راويه كالغسل من ولوغ الكلب سبعا، فإن راويه أبا هريرة أفتى بثلاث. أو عارض القياس كخبر المصراة، وعزاه المصنف للحنفية، لكن نقل عنهم البيضاوي أنهم اشترطوا فقه الراوي إذا خالف القياس وهو صريح في أنهم لا يردونه مطلقا، وسيأتي في كلام المصنف.
وفي خبر الواحد المخالف للقياس مذهبان آخران:
أحدهما – وهو الصحيح – تقديم الخبر مطلقا، وقال الباجي: إنه الأصح عندي من قول مالك فإنه سئل عن حديث المصراة فقال: أو لأحد في هذا الحديث رأي.
ثانيهما: وهو المختار عند الآمدي وابن الحاجب -: التفصيل في ذلك، فإن عرفت علة ذلك القياس بنص راجح على الخبر ووجدت في الفرع قطعا، لم يقبل الخبر. وإن كان وجودها فيه ظنا فالوقف وإن لم تعرف العلة بنص راجح قبل الخبر ولو عبر المصنف/ (١٢١/أ/م) بالتقديم كان أولى من تعبيره بعدم القبول.
الثامن – وبه قال أبو علي الجبائي -: أن خبر الواحد لا يقبل إلا إن
стр. 405
رواه اثنان أو اعتضد: إما بظاهر/ (١٠٠/ب/د) أو عمل بعض الصحابة أو كونه منتشرا حكاه عنه أبو الحسين في (المعتمد) وهو أعرف بمذهبه من إمام الحرمين حيث نقل عنه في (البرهان) اعتبار العدد مطلقاً.
التاسع: أنه إن كان خبر الواحد في الزنا لم يقبل إلا برواية أربعة, حكاه المصنف عن القاضي عبد الجبار, والذي في (المعتمد) لأبي الحسين أن عبد الجبار، حكاه عن الجبائي ومقتضى كلام الغزالي في (المستصفى) في حكاية هذا القول: التعميم في كل خبر، فإنه قال: (وقال قوم: لا بد من أربعة، أخذا من شهادة الزنا) فإن صح ذلك فهو قول عاشر. والله أعلم.
ص: مسألة: المختار – وفاقا للسمعاني وخلافا للمتأخرين -: أن تكذيب الأصل الفرع لا يسقط المروي ومن ثم لو اجتمعا في شهادة لم ترد وإن شك أو ظن والفرع العدل جازم، فأولى بالقبول وعليه الأكثر.
ش: إذا كذب الأصل الفرع، وقال: (لم أحدثك بهذا) أو: (ليس هذا من حديثي) فهل يسقط ذلك المروي؟
فيه قولان:
أحدهما: نعم، وحكاه المصنف عن المتأخرين، وحكاه ابن السمعاني عن الأصحاب وذكر إمام الحرمين أن القاضي أبا بكر عزاه للشافعي وحكى الصفي الهندي الإجماع عليه.
الثاني: لا وهو الذي اختاره المصنف تبعا لابن السمعاني وجزم به الماوردي والروياني في الأقضية، وقالا: لا يقدح ذلك في صحة الحديث، إلا
стр. 406
أنه لا يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل، ومما استدل به على عدم إسقاط المروي أن ذلك لا يقدح في الراوي ولهذا لو اجتمعا في شهادة – أي الأصل والفرع – لم ترد، ومقتضى كلام المصنف الاتفاق على هذا، لكن قال الصفي الهندي: لا يصير واحد منهما بعينه مجروحا بذلك، وإن كان لا بد من جرح أحدهما لا بعينه كالبينتين المتكاذبتين./ (١٢١/ب/م).
قال: ويظهر فائدته في قبول رواية كل منهما وشهادته إذا انفرد، وعدم قبول روايته وشهادته مهما اجتمعا ولو كان في غير ذلك الحديث. أما إذا لم يجزم الأصل بتكذيب الفرع، بل ظن ذلك أو شك فيه، مع جزم الفرع بروايته – عنه فقال المصنف: أنه أولى بالقبول، وعليه الأكثر وفيه وجهان لأصحابنا:
أحدهما: لا تقبل كالشهادة على الشهادة، وبه قال أكثر الحنفية كما حكاه بعضهم.
وأصحهما: القبول، لجواز نسيان الأصل ويقع ذلك كثيرا، وقد صنف فيه الدارقطني والخطيب، والفرق بينه وبين الشهادة زيادة الاحتياط في الشهادة.
قال القاضي أبو بكر: وهو مذهب الدهماء من العلماء/والفقهاء من أصحاب مالك والشافعي/ (١٠١/أ/د) وأبي حنيفة.
وخرج بقول المصنف: (والفرع جازم) ما إذا كان شاكا فلا تقبل روايته
стр. 407
قطعا، أو ظانا فقال الصفي الهندي: إن كان الأصل شاكا فالأشبه أنه من صور الخلاف، وإن كان هو أيضا ظانا عدم تحديثه له فالأشبه أنه من صور الوفاق على عدم القبول، والضابط: أنه متى تعادل قولهما فهي صورة اتفاق وإن رجح قول الفرع فهو من محل الخلاف.
ص: وزيادة العدل مقبولة إن لم يعلم اتحاد المجلس وإلا فثالثها الوقف، ورابعها: إن كان غيره لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة لم تقبل والمختار وفاقا للسمعاني: المنع، إن كان غيره لا يغفل أو كانت تتوفر الدواعي على نقلها، فإن كان الساكت عنها أضبط أو صرح بنفي الزيادة على وجه يقبل تعارضا.
ش: إذا زاد عدل في رواية حديث زيادة لم يذكرها الباقون نحو ما في (صحيح مسلم) وغيره من رواية أبي مالك الأشجعي عن ربعي، عن حذيفة: أن النبي ﷺ قال: ((جعلت لنا الأرض مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا)) فهذه الزيادة تفرد بها أبو مالك الأشجعي، وسائر الرواة قالوا: ((جعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا)) ففيه أقوال:
أحدها: إنها مقبولة إن لم يعلم اتحاد المجلس سواء علم اختلافه أو جهل ذلك فإن علم اتحاد المجلس/ (١٢٢/أ/م) الذي سمع فيه الراويان ذلك الحديث لم
стр. 408
يقبل.
الثاني: القبول مطلقا، نص عليه الشافعي وحكاه الخطيب البغدادي عن جمهور الفقهاء والمحدثين وادعى ابن طاهر اتفاق المحدثين عليه، وهو الصحيح.
الثالث: عدم القبول مطلقا، وحكي عن الحنفية وعزاه ابن السمعاني لبعض أهل الحديث، وقال الأبهري: تحمل الزيادة على الغلط.
الرابع: الوقف للتعارض، فإن من يثبت الزيادة يعارض من ينفيها.
الخامس: إن كان غير الراوي للزيادة لا يغفل مثله عن مثلها في العادة، لم تقبل وإلا قبلت وبه قال الآمدي وابن الحاجب.
السادس: أنها غير مقبولة إن كان غير الراوي لها لا يغفل عن مثلها، أو كانت مما تتوفر الدواعي على نقله، وإلا قبلت، واختاره المصنف وعزاه لابن السمعاني.
قال الشارح: والذي رأيته في (القواطع) بعد أن صحح القبول قال: واعلم أن على موجب هذه الدلالة ينبغي أن من ترك الزيادة لو كانوا جماعة لا يجوز أن يغفل جماعتهم عن تلك الزيادة وكان المجلس واحدا ألا تقبل الزيادة. ثم قال: في الحجاج مع الخصوم: قد بينا أن الذي ترك الزيادة لو كانوا جماعة لا يجوز عليهم الغفلة ينبغي ألا تقبل رواية هذا الواحد/ (١٠١/ب/د)
قال الشارح: وينبغي أن يقول الجماعة: إنهم لم يسمعوه، فإنهم إذا لم يقولوا ذلك يجوز أنهم رووا بعض الحديث ولم يرووا البعض لغرض لهم. انتهى.
ثم جزم المصنف بأنه متى كان الساكت عن رواية الزيادة أضبط من الراوي لها أو صرح بنفي الزيادة على وجه يقبل تعارضا ولم تقدم الزيادة.
وتبع في ذلك الإمام فخر الدين، ومقتضى كلامهما إخراج هذه الصورة عن
стр. 409
محل الخلاف لكن نقل الإبياري في شرح (البرهان) الخلاف فيها، فقال: قال قائلون: هو تعارض.
وقال آخرون: الإثبات مقدم.
قال: وهذا هو الظاهر عندنا فإنه إذا لم يكن بد من تطرق الوهم إلى أحدهما، لاستحالة حديثهما، وامتنع الحمل على تعمد/ (١٢٢/ب/م) الكذب – لم يبق إلا الذهول والنسيان، والعادة ترشد أن نسيان ما جرى أقرب من تخيل ما لم يجر، وحينئذ فالمثبت أولى. انتهى.
وقول المصنف: (على وجه يقبل) من زيادته على كلام الإمام، وكأنه أراد به ما إذا كان النفي مخصوصا فإنه لا يقبل إلا كذلك فأما النفي المطلق فغير مقبول.
تنبيه:
عبارة المصنف تقتضي أنه إذا لم يعلم اتحاد المجلس فهي مقبولة قطعا، وأن ذلك ليس من مجمل الخلاف وهو فيما إذا علم بعدده تابع للإبياري وابن الحاجب والصفي الهندي، لكن أجرى فيه ابن السمعاني التفصيل المذكور فيما إذا علم اتحاد المجلس، وفيما إذا جهل الأمر فيه بتابع للإبياري لكن قال الآمدي: حكمه حكم المتحد وأولى بالقبول ومقتضاه جريان الخلاف فيه.
ص: ولو رواها مرة وترك أخرى فكراويين، ولو غيرت إعراب الباقي تعارضا، خلافا للبصري، ولو انفرد واحد عن آخر قبل عند الأكثر، ولو أسند وأرسلوا أو وقف ورفعوا فكالزيادة.
ش: فيه مسائل تتعلق بزيادة الثقة:
الأولى: الكلام المتقدم مفروض فيما إذا كان راوي الزيادة غير راوي الناقصة فلو أنه راو واحد رواها مرة وتركها مرة، فحكمه كما لو صدر ذلك من راويين ويعود فيه ما تقدم وقال في (المحصول): إن العبرة بما وقع منه
стр. 410
أكثر فإن استوت قبلت أيضا.
الثانية: إذا غيرت الزيادة إعراب الباقي، كأن يروي أحدهما: (في أربعين شاة شاة) ويروي الآخر: (نصف شاة) فقد تغير إعراب الشاة رفعا وجرا، فقال الأكثرون كما قال الصفي الهندي -: يتعارضان فلا يقبل أحدهما إلا بمرجح.
وقال أبو عبد الله البصري: لا فرق بين تغير الإعراب وعدمه لأن الموجب/ (١٠٢/أ/د) للقبول زيادة العلم، وهو حاصل مع تغير الإعراب.
الثالثة: لو كان الراوي للزيادة واحدا، وللناقصة واحدا، فالأكثرون على أنها كحالة التعدد لقبول خبر الواحد، ومقابله قول الجبائي في اشتراط العدد ولا حاجة لذكر هذه المسألة هنا، لأن قبول/ (١٢٣/أ/م) الواحد الفرد قد عرف الخلاف فيه وهذه مرتبة على تلك.
الرابعة: لو أسند راو الحديث – أي ذكر صحابيه – وأرسل الباقون فلم يذكروا الصحابي أو وقف راوي الحديث على الصحابي ورفعه الباقون إلى النبي ﷺ : فهو كزيادة الثقة فيعود فيه ما سبق ويكون الراجح قبول قول المسند والرافع لما معهما من زيادة العلم ورجح آخرون الإرسال والوقف،
стр. 411
ومنهم من رجح قول الأحفظ، ومنهم من رجح قول الأكثر.
ص: وحذف بعض الخبر جائز عند الأكثر إلا أن يتعلق الحكم به.
ش: قال الأكثرون: يجوز للراوي أن يقتصر على بعض الحديث ويحذف باقيه إذا لم يكن للمحذوف تعلق بالمذكور، كأن يكون غاية له نحو: (لا تباع الثمرة حتى تزهو) أو استثناء نحو: (لا يباع البر بالبر إلا سواء بسواء).
ومقابله فيما حكاه إمام الحرمين وغيره قولان: الجواز والمنع.
والتجويز مع تعلق المحذوف بالمذكور بعيد، وقد صرح الإبياري والصفي الهندي بأنه لا خلاف في منعه، وهو الحق.
ص: وإذا حمل الصحابي – قيل: أو التابعي – مرويه على أحد محمليه المتنافيين فالظاهر حمله عليه، وتوقف أبو إسحاق الشيرازي وإن لم يتنافيا فكالمشترك في حمله على معنييه، فإن حمله على غير ظاهره فالأكثر على الظهور، وقيل: على تأويله مطلقا، وقيل: يحمل على تأويله.
إن صار إليه، لعلمه بقصد النبي ﷺ إليه.
ش: إذا روى الصحابي حديثا فيه لفظ مشترك وحمله على أحد معنييه، فله حالتنان:
стр. 412
إحداهما: أن يكونا متنافيين، كالقرء المشترك بين الطهر والحيض، فالظاهر اتباعه فيه، وحمله على ذلك المعنى، وتوقف فيه الشيخ أبو إسحاق.
قال الشارح: كذا حكاه عنه، وعبارته في (اللمع): (وإذا احتمل اللفظ أمرين احتمالا واحدا، فصرفه إلى أحدهما، كما روي عن عمر ﵁ أنه حمل قوله ﵊: ((الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء)) على القبض في المجلس، فقد قيل: إنه يقبل، لأنه أعرف بمعنى الخطاب وفيه نظر عندي) انتهى.
الثانية: ألا يتنافيا فهو كسائر المشتركات/ (١٢٣ب/م) عند من يحمل المشترك على معنييه في الحمل على معنييه، ولا يختص بما حمله عليه الصحابي. فإن قلنا: لا يحمل على جميعها، ففي (البديع) أن المعروف حمله على ما عينه، لأن الظاهر أنه لم يحمله عليه إلا لقرينة، قال: ولا يبعد أن يقال/ (١٠٢/ب/د): لا يكون تأويله حجة على غيره.
قال الشارح: وينبغي تقييد كلام المصنف في الحمل على جميعها بما إذا لم يجمعوا على أن المراد أحدهما، وجوزوا كلا منهما. ثم استشهد لذلك ثم قال: والخلاف – كما قاله الهندي فيما إذا قال ذلك لا بطريق التفسير للفظه، وإلا فتفسيره، أولى بلا خلاف.
أما إذا لم يكن من مروي باب المشترك، بل كان له ظاهر، فحمله على
стр. 413
غير ظاهره ففيه مذاهب:
أصحها – وبه قال الأكثرون: حمله على ظاهره قال الآمدي: وفيه قال الشافعي: كيف أترك الخبر لأقوال أقوام لو عاصرتهم لحججهم.
الثاني: أنه يحمل على تأويله مطلقا، لأنه لا يقوله إلا بتوقيف، وحكي عن أكثر الحنفية.
والثالث – وبه قال أبو الحسين البصري: أنه يحمل على تأويله إن صار إليه، لعلمه بقصد النبي ﷺ من مشاهدته قرائن تقتضي ذلك فإن جهل وجوز أن يكون لظهور نص أو قياس أو غيرهما، وجب النظر في الدليل فإن اقتضى ما ذهب إليه عمل به، وإلا فلا.
تنبيه:
فرض الجمهور المسألة في الصحابي، ومنهم من أجراه في التابعي أيضا، ومقتضى كلام المصنف في (التخصيص) ترجيحه، وجعله هنا مرجوحا.
قال الشارح: ولا بد من التقييد بكونه من الأئمة.
ص: مسألة: لا يقبل مجنون وكافر وكذا صبي في الأصح، فإن تحمل فبلغ فأدى قبل عند الجمهور.
стр. 414
ش: يشترط فيمن تقبل روايته شروط.
أحدها: كونه عاقلا، فلا تقبل رواية المجنون.
قال الشارح: والمراد بالجنون: المطبق، أما المنقطع فإن أثر جنونه في زمن إفاقته لم تقبل، وإلا قبل، قاله ابن السمعاني في (القواطع).
قلت: لا يحتاج لذكر ذلك، فإنه في حال الإفاقة – إذا لم يستمر به الخبل – ليس مجنونا، فإن استمر به الخبل فهو في تلك الحالة مجنون، إلا أن أحوال المجنون تختلف والله أعلم.
ثانيها: كونه مسلما، فلا تقبل رواية الكافر، سواء علم من دينه التحرز عن الكذب أم لا، هذا في المخالف في القبلة أما الموافق فيها كالمبتدع الذي يكفر ببدعته/ (١٢٤/أ/م) كالمجسمة إن كفرناهم فسيأتي الكلام فيه.
ثالثها: البلوغ، فلا تقبل رواية الصبي غير المميز بلا شك، وكذا المميز على الصحيح، وادعى القاضي أبو بكر الإجماع عليه، لكن يستثنى من ذلك الإذن في دخول الدار، وحمل الهدية، فيقبل قوله فيهما على الصحيح إن لم يجرب عليه الكذب، وكذا إخباره بطلب صاحب الوليمة لإنسان فإنه يجب به الإجابة كما صرح به الماوردي وكذا الروياني، إلا أنه اشترط أن يقع في قلب المدعو (١٠٣/أ/د) صدقه، وفي باب الأذان من شرح (المهذب) للنووي: عن الجمهور قبول روايته فيما طريقه المشاهدة دون ما طريقه الاجتهاد، وسبقه إلى ذلك المتولي ومحل الخلاف فيه أيضا أن يكون المخبر به رواية محضة، فلو أخبر برؤية الهلال وجعلناه رواية لم يقبل جزما، ولم يخرجوه على الخلاف.
فإن تحمل قبل البلوغ وأدى بعده، فقال الجمهور: إنه يقبل، للإجماع على قبول رواية أحداث الصحابة عن النبي ﷺ كابن عباس وابن الزبير وغيرهما، من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده.
قال الشارح: ولو قال المصنف: (فبلغ أو أسلم فأدى) لكان
стр. 415
أحسن ليشمل ما لو تحمل في حال كفره ثم أسلم وأدى، والحكم سواء على الصحيح.
قلت: هذه الصورة لا خلاف فيها، إنما الخلاف في التحمل صبيا والله أعلم.
ص: ويقبل مبتدع يحرم الكذب، وثالثها: قال مالك: إلا الداعية.
ش: اختلف في قبول رواية المبتدع على أقوال:
أحدها: قبول روايته، إلا أن يستحل الكذب لنصرة مذهبه أو غيره. فإن الاتفاق على أنه لا تقبل روايته.
قال الشافعي: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة، لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقهم واختاره المصنف تبعا للإمام والبيضاوي.
والثاني: المنع من ذلك مطلقا، وهو قول القاضي أبي بكر واختاره الآمدي وعزاه للأكثر وابن الحاجب.
والثالث: التفصيل بين أن يكون داعية إلى مذهبه فترد روايته، أو غير داعية فلا، وعزاه المصنف لمالك، والخطيب لأحمد، ونقل ابن حبان من المحدثين الاتفاق عليه، وعزاه ابن الصلاح للأكثرين وقال: إنه أعدل المذاهب وأولاها.
تنبيه:
لا فرق في جريان/ (١٤٤ب/م) هذا الخلاف بين أن يكون ذلك المبتدع يكفر ببدعته كالمجسمة إن كفرناهم، أم لا، ولذلك أطلق المصنف الخلاف والترجيح.
стр. 416
ص: ومن ليس فقيها – خلافا للحنفية – فيما يخالف القياس والمتساهل في غير الحديث، وقيل: يرد مطلقا، والمكثر وإن ندرت مخالطته للمحدثين إذا أمكن تحصيل ذلك القدر في ذلك الزمان.
ش: فيه مسائل:
الأولى: لا يشترط في الراوي أن يكون فقيها، قال النبي ﷺ : ((فرب حامل فقه غير فقيه)).
وحكى المصنف عن الحنفية اشتراط فقهه فيما إذا روى ما يخالف القياس، كحديث المصراة ولم يحكه الشيخ أبو إسحاق عنهم إلا فيما خالف قياس الأصول لا مطلق القياس ولم يحكه صاحب (البديع) منهم إلا عن فخر الإسلام منهم خاصة بشرط، فحكى عنه أنه إن كان الراوي من المجتهدين، كالخلفاء الراشدين والعبادلة (١٠٣/ب/د) قدم الخبر على القياس لأنه يقيني الأصل والقياس ظنية أو من الرواة كأبي هريرة وأنس، فالأصل العمل بما لم يوجب الضرورة تركه كحديث المصراة فإنه معارض بالإجماع في ضمان العدوان بالمثل أو القيمة، وقد تكررت هذه المسألة لقول المصنف فيما تقدم قريبا: (أو عارض القياس).
الثانية: إذا كان الراوي يتساهل في أحاديث الناس مع تحرزه في حديث النبي ﷺ فروايته مقبولة على الصحيح. وقيل: ترد رواية المتساهل مطلقا ونص عليه أحمد أما المستاهل في الحديث فلا خلاف في أنه لا يقبل، كما قاله في (المحصول) وغيره.
стр. 417
الثالثة: إذا أكثر الراوي من الروايات مع قلة مخالطته لأهل الحديث فإن أمكن تحصيل ذلك القدر في ذلك الزمان، قبلت روايته وإلا ردت كلها ذكره في (المحصول).
ص: وشرط الراوي العدالة، وهي ملكة تمنع عن اقتراف الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة، وهوى النفس، والرذائل المباحة كالبول في الطريق.
ش: يشترط في قبول رواية الراوي كونه عدلا، والعدالة لغة: التوسط وشرعا ملكة أي هيئة راسخة في النفس تمنعها عن اقتراف الكبائر.
والصغائر الدالة على الخسة كسرقة لقمة وتطفيف/ (١٢٥/أ/م) حبة عمدا، واستثنى الحليمي من كون هذا القسم من الصغائر: ما إذا كان المسروق منه مسكينا محتاجا إلى المأخوذ منه فتكون كبيرة، ولم يحتج إلى ذكر الإصرار على الصغائر، لأن الإصرار عليها يصيرها كبيرة، وقوله: (وهوى النفس) أي تمنعه عن هوى النفس.
قال الشارح: وهذا من تفقه والده فإنه قال: لا بد عندي في العدالة من وصف لم يتعرضوا له، وهو الاعتدال عند انبعاث الأغراض حتى يملك نفسه عن اتباع هواه، فإن المتقي للكبائر والصغائر الملازم للطاعة والمروءة قد يستمر على ذلك ما دام سالما من الهوى فإذا غلبه هواه خرج عن الاعتدال وانحل عصام التقوى وانتفاء هذا الوصف هو المقصود من العدول، قال تعالى: ﴿وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى﴾ انتهى.
قلت: إن أراد المصنف أن تلك الملكة تمنع وجود هوى النفس – وهو ظاهر كلامه وكلام الشارح – فهذا مردود فليس يعتبر في العدل، ألا يهوى خلاف الحق، وإنما المعتبر فيه ألا يوقعه الهوى في الباطل، فمن خالف هواه
стр. 418
فهذا من أكمل العدول، ولا تظهر ثمرة التقوى إلا إذا هوي الإنسان غير الحق، فأما إذا كان هوى الإنسان تابعا للحق واجتمعا في جانب واحد، فلا تظهر ثمرة التقوى وإن أراد المصنف أن تلك الملكة تمنعه عن اقتراف الكبائر والصغائر الخسة ولو هويتها النفس، فهذا داخل في كلامهم، ومتى لم تمنعه من ذلك فليست ملكة، فمن لم يمتنع من الكبائر إلا إذا لم يهواها ليس عدلا ولا فيه تلك الملكة (١٠٤/أ/د) ولا يحتاج إلى هذا لدخوله في إطلاقهم، وقوله: (والرذائل المباحة كالبول في الطريق) أي: وما في معناه من الأكل في الطريق وعشرة من لا يليق به عشرته، فإنه دال على عدم/ (١٢٥/ب/م) اكتراثه باستهزاء الناس، وهذا هو المراد بالمحافظة على المروءة بأن يسير سيرة أمثاله زمانا ومكانا.
قال الغزالي: إلا أن يكون ممن يقصد كسر النفس، وإلزامها التواضع كما يفعله كثير من العباد.
فإن قلت: التعبير بالكبائر والرذائل يخرج اقتراف كبيرة واحدة أو رذيلة واحدة مع أنه مخل بالعدالة.
قلت: المراد الجنس فيصدق بالواحد، وبتقدير إرادة الجمع فإذا قويت تلك الملكة على دفع الجمع فهي على دفع الواحد أقوى.
فإن قلت: اجتناب الرذائل المباحة ليس جزءا من حقيقة العدالة وإن اشترط في قبول الشهادة فإن اسم العدالة صادق بدونه.
قلت: قسم الماوردي المروءة المشترطة في قبول الشهادة ثلاثة أقسام، وجعل منها قسما شرطا في العدالة، وهو مجانبة ما يستحق من الكلام المؤدي إلى الضحك وترك ما قبح من الفعل.
قال: فمجانبة ذلك من المروءة المشترطة في العدالة، وارتكابها مفسق انتهى.
стр. 419
ص: فلا يقبل المجهول باطنا، وهو المستور، خلافا لأبي حنيفة وابن فورك وسليم، وقال إمام الحرمين: يوقف، ويجب الانكفاف إذا روى التحريم إلى الظهور، وأما المجهول ظاهرا وباطنا فمردود إجماعا وكذا مجهول العين، فإن وصفه نحو الشافعي بالثقة فالوجه قبوله وعليه إمام الحرمين خلافا للصيرفي والخطيب، وإن قال: لا أتهمه فكذلك، وقال الذهبي: ليس توثيقا.
ش: إذا تقرر اشتراط العدالة ترتب على ذلك رد رواية المجهول، فإن الشرط لا بد من تحققه وهو أقسام:
أحدها: من جهلت حاله باطنا لا ظاهرا وهو المستور، والمشهور رد روايته، وقبله أبو حنيفة ومن أصحابنا ابن فورك وسليم الرازي.
وقال ابن الصلاح: يشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة بهم. انتهى.
وذكر صاحب (البديع) أن أبا حنيفة إنما قبل ذلك في صدر الإسلام حيث كان الغالب على الناس العدالة فأما اليوم فلا بد من التزكية لغلبة الفسق.
وقال إمام الحرمين: يتوقف إلى أن يتبين حاله، فلو روى لنا مستور ما يقتضي تحريم شيء تقرر عندنا حله، وجب الانكفاف عنه إلى الظهور.
قال الشارح: وهذا إذا أمكن البحث عنه فلو فرض/ (١٢٦/أ/م) اليأس من ذلك فهذه مسألة اجتهادية، فالظاهر أنه لا يجب الانكفاف وانقلبت الإباحة
стр. 420
كراهة.
القسم الثاني: مجهول الحال باطنا وظاهرا، وهو مردود الرواية بالإجماع كذا حكاه المصنف، وفيه نظر فقد (١٠٤/ب/د) نقل ابن الصلاح الخلاف في ذلك.
القسم الثالث: مجهول العين، وهو من لم يرو عنه إلا واحد، وقيل: من لم يرو عنه إلا اثنان، حكاه ابن عبد البر، ومقتضى كلام المصنف الإجماع على رد روايته وهو مصرح به في بعض نسخه فقال: أما المجهول باطنا وظاهرا ومجهول العين فمردودان إجماعا لكن الخلاف في ذلك موجود ثم محل رد روايته: إذا لم ينضم إلى ذلك توثيق إمام له، فإن وثق مع رواية واحد عنه اكتفي بذلك، ذكره أبو الحسين بن القطان وهو واضح، لأن من وثقه لم يوثقه إلا بعد معرفة عينه، وما زلت أعجب من رد المحدثين رواية مجهول العين، وكيف لا تثبت العين برواية ثقة عنه، وأي معنى لتوقف ثبوت عينه على رواية اثنين عنه مع الاكتفاء في معرفة حاله بتوثيق واحد؟
وقوله: (فإن وصفه) قال الشارح: الضمير فيه عائد إلى أقرب مذكور وهو مجهول العين، لا مطلق المجهول، ومراده به نحو: حدثني رجل أو امرأة أو إنسان ووصفه الراوي عنه بالثقة أو قال: أخبرني الثقة كما يقع للشافعي كثيرا.
قلت: هذا تخليط من المصنف والشارح، فليس المراد بمجهول العين من لا يسمى، وإنما المراد به من يسمى، لكن لم يرو عنه إلا واحد كما تقدم وأما هذه فمسألة أخرى وهي التوثيق على الإبهام من غير تسمية المروي عنه، فذهب أبو بكر الصيرفي والخطيب إلى عدم الاكتفاء بذلك، لأنه لو سماه فقد يعرف غيره من جرحه ما لا يعرفه هو.
واختار المصنف أن من كان إماما عارفا بأسباب الجرح والتعديل واختلاف العلماء في ذلك قبل منه، وإلا فلا، وحكاه عن إمام الحرمين ثم ذكر أنه لو
стр. 421
قال: (حدثني من لا أتهم) كان في معنى قوله: (حدثني الثقة) أي: في قبوله من مثل الشافعي دون غيره، وليس المراد أنه مثله في المرتبة ولكنه مثله في مطلق القبول ثم حكى عن شيخه الحافظ أبي عبد الله الذهبي أن ذلك ليس توثيقا بل نفي للتهمة، ولم يتعرض لإتقانه ولا لأنه حجة.
قال المصنف: وهو صحيح غير أن هذا إذا وقع من الشافعي محتجا به على مسألة في دين الله فهي والتوثيق سواء في أصل الحجة، وإن كان مدلول اللفظ لا يزيد على ما ذكره الذهبي فمن ثم خالفناه في مثل الشافعي أما من ليس مثله فالأمر على ما وصفه شيخنا ﵀.
قال الشارح: والعجب اقتصاره على نقله عن الذهبي مع أن ذلك قاله طوائف من فحول أصحابنا ثم حكاه عن أبي بكر الصيرفي والماوردي والروياني/ (١٠٥/أ/د).
قلت: هؤلاء منعوا القبول في قوله: (حدثني الثقة) أيضا، فسووا بين اللفظين والمحكي عن الذهبي انحطاط قوله: (من لا أتهم) عن قوله (الثقة) وأنه لا يلزم من كونه لا يتهمه أن يكون ثقة، والله أعلم.
ص: ويقبل من أقدم جاهلا على مفسق مظنون أو مقطوع في الأصح.
ش: يقبل رواية من أقدم على فعل أمر يقتضي الفسق لشبهة اقتضت عنده جواز الإقدام عليه، سواء أكان دليلنا على فسقه ظنيا أو قطعيا فالأول كقول الشافعي في الحنفي الشارب للنبيذ من غير سكر: (أحده وأقبل شهادته).
والثاني: كقوله: (أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، لأنهم يشهدون بالزور لموافقيهم).
стр. 422
وهنا تنبيهات:
أحدها: يحتمل أن يكون قول المصنف: (في الأصح) راجعا إلى المقطوع، ويكون قبوله رواية مظنون الفسق متفقا عليه، فيوافق كلام (المحصول) ويحتمل أن يعود إليهما فيوافق قول الصفي الهندي: الأظهر ثبوت الخلاف فيه أيضا.
ثانيها: كان ينبغي أن يستثني من قول المقطوع بفسقه المتدين بالكذب، وقد استثناه الشافعي بقوله: (إلا الخطابية).
ثالثها: في التعبير عن ذلك بالجهل نظر، وكان ينبغي التعبير عنه بالإقدام عليه بتأويل كما مثلناه، أما الإقدام عليه للجهل بكونه فسقا فلم يتعرض له في الأصول، وذكره الماوردي فقال في المختلف فيه كشرب النبيذ والنكاح بلا ولي، إن فعله معتقدا تحريمه فكبيرة، وإن لم يعتقد/ (١٢٧/أ/م) تحريمه ولا إباحته مع علمه بالخلاف فيه فوجهان قال البصريون بفسقه لتركه الاسترشاد في الشبهات تهاونا بالدين، وقال البغداديون: لا يفسق، لأن اعتقاد الإباحة أغلظ من التعاطي، ولا يفسق معتقد الإباحة.
رابعها: قد عرفت صورة المسألة، فلا يخفى عليك أنه لو قامت عليه بينة بارتكاب مفسق، مجمع عليه أنه غير مقبول، وإن كانت البينة المذكورة إنما أفادت الظن لا القطع، والله أعلم.
ص: وقد اضطرب في الكبيرة فقيل: ما توعد عليه بخصوصه وقيل: ما فيه حد. والأستاذ والشيخ الإمام: كل ذنب، ونفيا الصغائر والمختار وفاقا لإمام الحرمين: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة.
ش: في حد الكبيرة أوجه:
стр. 423
أحدها: أنها ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة هذه عبارة أصل (الروضة) ولم يقيد المصنف الوعيد بكونه شديدا، فيحتمل أن ذلك لأن كل وعيد من الله تعالى فهو شديد، ويكون ذلك من الوصف اللازم، وقوله: (بخصوصه) أي: لم يندرج ذلك تحت عموم وعليه يدل قوله: (بنص) ولا يحتاج إلى التصريح/ (١٠٥/ب/د) بأن ذلك الوعيد في الكتاب والسنة لأن الوعيد لا يكون إلا فيهما.
الثاني: إنها المعصية الموجبة لحد، قال الرافعي: وهم إلى ترجيح هذا أميل.
والأول أكثر ما يوجد لهم وهو أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر أي لأن الربا وأكل مال اليتيم وقطع الرحم والعقوق ونحوها من الكبائر مع أنه لا حد فيها، واعتمد صاحب (الحاوي الصغير).
الثاني: لقول الرافعي: إنهم إلى ترجيحه أميل.
الثالث: أنها ما نص الكتاب على تحريمه أو وجب في جنسه حد، حكاه الرافعي عن أبي سعد، الهروي بزيادة لم يذكرها المصنف، وهي ترك فريضة تجب على الفور والكذب في الشهادة والرواية واليمين، ولم يذكر الشارح هذا القول.
الرابع: أنها كل ذنب ولا صغيرة في الذنوب، وهذا/ (١٢٧/ب/م) قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني وبه قال القاضي أبو بكر والإمام وابن القشيري، وحكاه ابن فورك عن الأشاعرة وحكاه المصنف عن والده، وما كان ينبغي حكاية هذا القول في ضبط الكبيرة لأمرين:
أحدهما: أن القائل به ينكر الصغيرة فلا تحتاج الكبيرة عنده إلى ضبط بل سائر المعاصي كبائر.
الثاني: أن الخلاف بينه وبين الجمهور لفظي، فإنه لا يقول بسقوط العدالة بكل ذنب، قال القرافي: كأنهم كرهوا تسمية معصية الله صغيرة إجلالاً له ، مع أنهم وافقوا في الجرح أنه لا يكون بمطلق المعصية، وأن من
стр. 424
الذنوب ما يكون قادحا في العدالة، وما لا يقدح هذا مجمع عليه وإنما الخلاف في التسمية والإطلاق والصحيح التغاير لقوله تعالى: ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ فجعلها رتبا وسمى بعض المعاصي فسقا دون بعض.
وفي الصحيح: (الكبائر سبع) فخص الكبائر ببعض الذنوب ولأن ما عظمت مفسدته أحق باسم الكبيرة.
قلت: وقوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ صريح في انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر فلذلك قال الغزالي: لا يليق إنكار الفرق بينهما وقد عرفا من مدارك الشرع، والله أعلم.
الخامس: قاله إمام الحرمين في (الإرشاد) وغيره، واختاره المصنف: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة.
قال الإمام: وكل جريمة لا تؤذن بذلك بل تنفي حسن الظن بصاحبها لا تحبط العدالة.
قال: وهذا أحسن ما يميز أحد الضدين عن الآخر.
وقال الواحدي: الصحيح أنه ليس لها حد تعرفه العباد بل أخفاها الله تعالى عنهم ليجتهدوا في اجتناب المناهي خشية الوقوع فيها، كإخفاء الصلاة الوسطى وليلة القدر.
стр. 425
ص: كالقتل والزنا، واللواط، وشرب الخمر، ومطلق المسكر، والسرقة، والغصب، والقذف، والنميمة، وشهادة الزور،/ (١٠٦أ/د) واليمين الفاجرة وقطيعة الرحم، والعقوق/ (١٢٨/أ/م) والفرار، ومال اليتيم وضرب المسلم وسب الصحابة وكتمان الشهادة، والرشوة، والدياثة، والقيادة، والسعاية، ومنع الزكاة، ويأس الرحمة، وأمن المكر، والظهار، ولحم الخنزير، والميتة، وفطر رمضان، والغلول، والمحاربة، والسحر، والربا، وإدمان الصغيرة.
ش: لما ذكر الخلاف في ضابط الكبائر شرع في تفصيلها.
فإن قيل: كان ينبغي أن يبدأها بالكفر فإنه أكبر الكبائر كما قال ﵊ لما سئل: أي الذنب أعظم؟: ((أن تجعل لله ندا وهو خلقك)).
قلت: كلامه في قادح العدالة بعد ثبوت وصف الإسلام.
الأولى: القتل والمراد به العمد وشبه العمد، إذا كان على وجه التعدي دون الخطأ، قاله شريح الروياني، وقال الحليمي: إن قتل أبا أو ذا رحم في الجملة أو أجنبيا محرما بالحرم أو في شهر حرام فهو فاحشة فوق الكبيرة.
الثانية: الزنا ففي الصحيح عده الكبيرة.
следующие страницы →