← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14252

الغيث الهامع شرح جمع الجوامع

ابن العراقي

Полный текст (826 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

قال: (حدثني من لا أتهم) كان في معنى قوله: (حدثني الثقة) أي: في قبوله من مثل الشافعي دون غيره، وليس المراد أنه مثله في المرتبة ولكنه مثله في مطلق القبول ثم حكى عن شيخه الحافظ أبي عبد الله الذهبي أن ذلك ليس توثيقا بل نفي للتهمة، ولم يتعرض لإتقانه ولا لأنه حجة. قال المصنف: وهو صحيح غير أن هذا إذا وقع من الشافعي محتجا به على مسألة في دين الله فهي والتوثيق سواء في أصل الحجة، وإن كان مدلول اللفظ لا يزيد على ما ذكره الذهبي فمن ثم خالفناه في مثل الشافعي أما من ليس مثله فالأمر على ما وصفه شيخنا ﵀. قال الشارح: والعجب اقتصاره على نقله عن الذهبي مع أن ذلك قاله طوائف من فحول أصحابنا ثم حكاه عن أبي بكر الصيرفي والماوردي والروياني/ (١٠٥/أ/د). قلت: هؤلاء منعوا القبول في قوله: (حدثني الثقة) أيضا، فسووا بين اللفظين والمحكي عن الذهبي انحطاط قوله: (من لا أتهم) عن قوله (الثقة) وأنه لا يلزم من كونه لا يتهمه أن يكون ثقة، والله أعلم. ص: ويقبل من أقدم جاهلا على مفسق مظنون أو مقطوع في الأصح. ش: يقبل رواية من أقدم على فعل أمر يقتضي الفسق لشبهة اقتضت عنده جواز الإقدام عليه، سواء أكان دليلنا على فسقه ظنيا أو قطعيا فالأول كقول الشافعي في الحنفي الشارب للنبيذ من غير سكر: (أحده وأقبل شهادته). والثاني: كقوله: (أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، لأنهم يشهدون بالزور لموافقيهم).

стр. 422

وهنا تنبيهات: أحدها: يحتمل أن يكون قول المصنف: (في الأصح) راجعا إلى المقطوع، ويكون قبوله رواية مظنون الفسق متفقا عليه، فيوافق كلام (المحصول) ويحتمل أن يعود إليهما فيوافق قول الصفي الهندي: الأظهر ثبوت الخلاف فيه أيضا. ثانيها: كان ينبغي أن يستثني من قول المقطوع بفسقه المتدين بالكذب، وقد استثناه الشافعي بقوله: (إلا الخطابية). ثالثها: في التعبير عن ذلك بالجهل نظر، وكان ينبغي التعبير عنه بالإقدام عليه بتأويل كما مثلناه، أما الإقدام عليه للجهل بكونه فسقا فلم يتعرض له في الأصول، وذكره الماوردي فقال في المختلف فيه كشرب النبيذ والنكاح بلا ولي، إن فعله معتقدا تحريمه فكبيرة، وإن لم يعتقد/ (١٢٧/أ/م) تحريمه ولا إباحته مع علمه بالخلاف فيه فوجهان قال البصريون بفسقه لتركه الاسترشاد في الشبهات تهاونا بالدين، وقال البغداديون: لا يفسق، لأن اعتقاد الإباحة أغلظ من التعاطي، ولا يفسق معتقد الإباحة. رابعها: قد عرفت صورة المسألة، فلا يخفى عليك أنه لو قامت عليه بينة بارتكاب مفسق، مجمع عليه أنه غير مقبول، وإن كانت البينة المذكورة إنما أفادت الظن لا القطع، والله أعلم. ص: وقد اضطرب في الكبيرة فقيل: ما توعد عليه بخصوصه وقيل: ما فيه حد. والأستاذ والشيخ الإمام: كل ذنب، ونفيا الصغائر والمختار وفاقا لإمام الحرمين: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة. ش: في حد الكبيرة أوجه:

стр. 423

أحدها: أنها ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة هذه عبارة أصل (الروضة) ولم يقيد المصنف الوعيد بكونه شديدا، فيحتمل أن ذلك لأن كل وعيد من الله تعالى فهو شديد، ويكون ذلك من الوصف اللازم، وقوله: (بخصوصه) أي: لم يندرج ذلك تحت عموم وعليه يدل قوله: (بنص) ولا يحتاج إلى التصريح/ (١٠٥/ب/د) بأن ذلك الوعيد في الكتاب والسنة لأن الوعيد لا يكون إلا فيهما. الثاني: إنها المعصية الموجبة لحد، قال الرافعي: وهم إلى ترجيح هذا أميل. والأول أكثر ما يوجد لهم وهو أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر أي لأن الربا وأكل مال اليتيم وقطع الرحم والعقوق ونحوها من الكبائر مع أنه لا حد فيها، واعتمد صاحب (الحاوي الصغير). الثاني: لقول الرافعي: إنهم إلى ترجيحه أميل. الثالث: أنها ما نص الكتاب على تحريمه أو وجب في جنسه حد، حكاه الرافعي عن أبي سعد، الهروي بزيادة لم يذكرها المصنف، وهي ترك فريضة تجب على الفور والكذب في الشهادة والرواية واليمين، ولم يذكر الشارح هذا القول. الرابع: أنها كل ذنب ولا صغيرة في الذنوب، وهذا/ (١٢٧/ب/م) قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني وبه قال القاضي أبو بكر والإمام وابن القشيري، وحكاه ابن فورك عن الأشاعرة وحكاه المصنف عن والده، وما كان ينبغي حكاية هذا القول في ضبط الكبيرة لأمرين: أحدهما: أن القائل به ينكر الصغيرة فلا تحتاج الكبيرة عنده إلى ضبط بل سائر المعاصي كبائر. الثاني: أن الخلاف بينه وبين الجمهور لفظي، فإنه لا يقول بسقوط العدالة بكل ذنب، قال القرافي: كأنهم كرهوا تسمية معصية الله صغيرة إجلالاً له ، مع أنهم وافقوا في الجرح أنه لا يكون بمطلق المعصية، وأن من

стр. 424

الذنوب ما يكون قادحا في العدالة، وما لا يقدح هذا مجمع عليه وإنما الخلاف في التسمية والإطلاق والصحيح التغاير لقوله تعالى: ﴿وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ فجعلها رتبا وسمى بعض المعاصي فسقا دون بعض. وفي الصحيح: (الكبائر سبع) فخص الكبائر ببعض الذنوب ولأن ما عظمت مفسدته أحق باسم الكبيرة. قلت: وقوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ صريح في انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر فلذلك قال الغزالي: لا يليق إنكار الفرق بينهما وقد عرفا من مدارك الشرع، والله أعلم. الخامس: قاله إمام الحرمين في (الإرشاد) وغيره، واختاره المصنف: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة. قال الإمام: وكل جريمة لا تؤذن بذلك بل تنفي حسن الظن بصاحبها لا تحبط العدالة. قال: وهذا أحسن ما يميز أحد الضدين عن الآخر. وقال الواحدي: الصحيح أنه ليس لها حد تعرفه العباد بل أخفاها الله تعالى عنهم ليجتهدوا في اجتناب المناهي خشية الوقوع فيها، كإخفاء الصلاة الوسطى وليلة القدر.

стр. 425

ص: كالقتل والزنا، واللواط، وشرب الخمر، ومطلق المسكر، والسرقة، والغصب، والقذف، والنميمة، وشهادة الزور،/ (١٠٦أ/د) واليمين الفاجرة وقطيعة الرحم، والعقوق/ (١٢٨/أ/م) والفرار، ومال اليتيم وضرب المسلم وسب الصحابة وكتمان الشهادة، والرشوة، والدياثة، والقيادة، والسعاية، ومنع الزكاة، ويأس الرحمة، وأمن المكر، والظهار، ولحم الخنزير، والميتة، وفطر رمضان، والغلول، والمحاربة، والسحر، والربا، وإدمان الصغيرة. ش: لما ذكر الخلاف في ضابط الكبائر شرع في تفصيلها. فإن قيل: كان ينبغي أن يبدأها بالكفر فإنه أكبر الكبائر كما قال ﵊ لما سئل: أي الذنب أعظم؟: ((أن تجعل لله ندا وهو خلقك)). قلت: كلامه في قادح العدالة بعد ثبوت وصف الإسلام. الأولى: القتل والمراد به العمد وشبه العمد، إذا كان على وجه التعدي دون الخطأ، قاله شريح الروياني، وقال الحليمي: إن قتل أبا أو ذا رحم في الجملة أو أجنبيا محرما بالحرم أو في شهر حرام فهو فاحشة فوق الكبيرة. الثانية: الزنا ففي الصحيح عده الكبيرة.

стр. 426

الثالثة: اللواط، فهو في معنى الزنا بل أفحش وقد أهلك الله به قوم لوط ﵇، ويلحق به وطء الزوجة أو الأمة في الموضع المكروه. الرابعة: شرب الخمر بل مطلق المسكر وإن لم يكن خمرا فإنها تختص بعصير العنب، ولا فرق بين أن يكون ذلك القدر يسكر أم لا ويلحق به كل مزيل للعقل بلا ضرورة. وقال شريح الروياني: إذا شرب المعتقد لمذهب الشافعي نبيذا هل تكون كبيرة؟ وجهان. وقال الحليمي: من مزج خمرا بمثلها من الماء فذهبت شدتها فشربها صغيرة، واستغربه المصنف في (الطبقات). قال الشارح: وليس بغريب بل هو جار على المذهب لأن المنع حينئذ للنجاسة لا للإسكار. الخامسة: السرقة، وتعليل ذلك بوجوب الحد فيها، ويقتضي أن المراد سرقة نصاب من حرز مثله بلا شبهة. السادسة: الغصب، للوعيد عليه بقوله ﵊: ((من ظلم قيد شبر من الأرض/ (١٢٨/ب/م) طوقه يوم القيامة من سبع أرضين)) ولعنة فاعله بقوله ﵊: ((لعن الله من غير منار الأرض أو سرق منار الأرض)) رواه مسلم، وقيده العبادي وشريح الروياني وغيرهما بغصب ما قيمته ربع دينار وقال الحليمي: سرقة التافه صغيرة إلا إذا كان المسروق منه مسكينا، لا غنى به عن المسروق منه، فيكون كبيرة.

стр. 427

قال الشارح: لا من جهة السرقة بل من جهة الأذى، ويأتي مثله في الغصب. السابعة: القذف أي بالزنا أو اللواط، للوعيد عليه في القرآن، وفي الصحيح عده من السبع الموبقات، ومحله في غير عائشة ﵂، فقذفها كفر لتضمنه تكذيب القرآن، وقال/ (١٠٦/ب/د) ابن عبد السلام: الظاهر أن من قذف محصنا في خلوة بحيث لا يسمعه إلا الله والحفظه أن ذلك ليس بكبيرة موجبة للحد، لانتفاء المفسدة. قال الشارح: وإنما يظهر ذلك في الصادق دون الكاذب لجرأته على الله تعالى ويستثنى من تحريم القذف ما إذا علم الزوج زنا زوجته، فيباح له ذلك، بل يجب إن كان ثمة ولد علم أنه ليس منه، وكذا يباح القذف في جرح الراوي والشاهد. الثامنة: النميمة وهي نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد بينهم قال تعالى: ﴿مشاء بنميم﴾ وفي الصحيحين: ((لا يدخل الجنة نمام)). وأما قوله ﵊: ((وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة)) فعنه أجوبة.

стр. 428

أحدها: أن المراد في كبير تركه والاحتراز عنه. والثاني: أن المراد ليس كبيرا في اعتقادكم كما قال تعالى: ﴿وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم﴾ والثالث: أن المراد أنه ليس أكبر الكبائر، ويدل لكونه كبيرة قوله في بقية الحديث عقب ما حكيناه (بلى إنه لكبير) وهو في صحيح البخاري. وتباح النميمة إذا كان فيها دفع مفسدة كإخبار من عزم على قتله بغير حق بذلك، وقد يفهم من سكوت المصنف عن الغيبة أنها صغيرة وهو ما حكاه الرافعي عن صاحب (العدة) وفيه نظر لورود الوعيد عليها في الكتاب والسنة وذلك ضابط الكبيرة كما تقدم عن الرافعي أنه أكثر ما يوجد/ (١٢٩/أ/م) لهم، وقد نقل القرطبي في تفسيره الإجماع على أنها كبيرة. قال الشارح: وظفرت بنص الشافعي في ذلك. التاسعة: شهادة الزور وقد تقرر في الأدلة السمعية الو عيد عليها، وفي الصحيحين أنها من أكبر الكبائر، قال القرافي: ومقتضى العادة أنها ليست كبيرة إلا إذا عظمت مفسدتها، لكن الشرع جعلها فسوقا مطلقا وإن لم يثبت بها على المشهور عليه غير فلس. العاشرة: اليمين الفاجرة ففي الصحيح: ((من اقتطع حق مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار)) قيل: يا رسول الله ولو كان شيئا يسيرا؟ فقال: ((ولو كان قضيبا من أراك)). الحادية عشر: قطيعة الرحم، وهي فعيلة من القطع، وهو ضد الوصل،

стр. 429

والرحم القريب من جهة الأب أو الأم، وفي التنزيل: ﴿وتقطعوا أرحاكم﴾ وفي الصحيح: ((لا يدخل الجنة قاطع رحم)) كذا نقل الرافعي عن صحاب (العدة) أنها كبيرة ثم قال: إن للتوقف فيه مجالا. قلت: وهل تختص القطيعة بالإساءة أم تتعدى إلى ترك الإحسان؟ فيه نظر والأول أقرب، والله أعلم. الثانية عشر: العقوق ففي الصحيحين أنه من أكبر الكبائر والمشهور اختصاصه بالوالدين. وقال الشارح: لم يقيده بذلك لما في الحديث: (الخالة بمنزلة الأم) صححه الترمذي وعلى قياسه العم أب، وفي الصحيح: ((عم الرجل صنو أبيه)) قلت: لا يمكن أن يتخيل/ (١٠٧/أ/د) في الخالة والعم أن مخالفتهما في الإثم كمخالفة الوالدين، وإنما هما من جملة الأقارب فقطيعتهما قطيعة رحم، وليس في الحديثين المذكورين عموم، فلا يلزم من كونها بمنزلتها وكونه صنوه أن يكون ذلك في جميع الأمور، والله أعلم. الثالثة عشر: الفرار من الزحف، وهو من السبع الموبقات، وفي التنزيل

стр. 430

﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾. الرابعة عشر: أخذ مال اليتيم بغير حق، وعبر بالآية بالأكل لأنه أعم وجوه الانتفاع، وفي الصحيح عده من السبع الموبقات. وقال الشيخ عز الدين في (القواعد) / (١٢٩/ب/م): نص الشرع على أن شهادة الزور وأكل مال اليتيم من الكبائر فإن وقعا في مال خطير فظاهر وإن وقعا في حقير كزبيبة أو تمرة فهو مشكل، يجوز أن يجعل كبيرة قمعا عن المفسدة كشرب قطرة خمر، ويجوز ضبطه بنصاب السرقة. الخامسة عشر: الخيانة في الكيل أو الوزن، وفي معناهما الزرع قال تعالى: ﴿ويل للمطففين﴾. قال الشارح: ومطلق الخيانة أيضاً من الكبائر, قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يحب الخائنين﴾ السادسة عشر: تقديم الصلاة على وقتها وتأخيرها عنه من غير عذر يبيح ذلك كالسفر وغيره، وعليه حمل الحديث الذي رواه الترمذي: ((من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر)) وفهم من

стр. 431

ذلك تركها بالكلية. وقال ابن حزم: لا ذنب بعد الشرك أعظم من ترك الصلاة حتى يخرج وقتها، وقتل مؤمن بغير حق. السابعة عشر: الكذب على رسول الله ﷺ لقوله: ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) ولا يخفى تقييد إطلاق المصنف بالتعمد فإنه يصدق مع الخطأ على المشهور. وقال الشيخ أبو محمد الجويني: إن الكذب عليه كفر. قال الشارح: ولا شك أن تعمد الكذب عليه في تحليل حرام أو تحريم حلال كفر محض، وإنما الخلاف في تعمده فيما سوى ذلك، قال: وتقييد المصنف يوهم أن الكذب على غيره ليس بكبيرة وليس على إطلاقه ومنه الكذاب في غالب أقواله. قلت: إنما صار فعل ذلك كبيرة بالإصرار والله أعلم. الثامنة عشر: ضرب المسلم أي بغير حق، كذا حكاه الرافعي عن صاحب (العدة) وفيه نظر وطرده في كل مسلم وفي كل ضرب بعيد. قال الشارح: وخص المصنف المسلم لأنه أفحش أنواعه، وإلا فالذمي

стр. 432

بغير حق كذلك. قلت: إن أراد في التحريم فمسلم، وإن أراد في كونه كبيرة فممنوع والله أعلم. التاسعة عشر: سب الصحابة، ففي الصحيحين النهي عنه وفي صحيح البخاري: ((من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب)). قلت: ولو عبر بسب/ (١٠٧/ب/د) صحابي لكان أحسن، ويستثنى من ذلك سب الصديق/ (١٣٠/أ/م) ﵁ بنفي الصحبة فهو كفر لتكذيب القرآن والله أعلم. العشرون: كتمان الشهادة قال الله تعالى: ﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ وذكر في التفسير أنه مسخ القلب، قال ابن القشيري: من كتمان الشهادة الامتناع من أدائها بعد تحملها، ومنه أن لا يكون عند صاحب الحق علم بأن له شهادة وخانه صاحبه. الحادية والعشرون: الرشوة وهي مثلثة الراء: بذل مال لتحقيق باطل أو إبطال حق. قلت: كذا أطلقه الشارح، وهذا بالنسبة للباذل، فلو بذل ليصل إلى حقه لم يحرم، كفك الأسير أما من جهة الآخذ فهي حرام في الأحوال الثلاثة. والأصل في ذلك قوله ﵊: ((لعن الله الراشي والمرتشي)) وحكي عن العبادي وغيره أنه لو بذل مالا لمن يتكلم في أمره مع

стр. 433

السلطان فهو جعالة. وقال الغزالي: إن بذل المال للتقرب إلى شخص ليتوسل بجاهه إلى أغراضه هدية إن كان جاهه بالعلم أو النسب، ورشوة إن كان بالقضاء والعمل. الثانية والعشرون: الدياثة وهي استحسان الرجل على أهله والقيادة وهي استحسانه على أجنبية، كذا قال الشارح: لكن في أصل (الروضة) في الطلاق عن (التتمة) أن القواد من يحمل الرجال إلى أهله ويخلي بينهم وبين الأهل، ثم قال: ويشبه أن لا يختص بالأهل بل هو الذي يجمع بين الرجال والنساء بالحرام، ثم حكي عن (التتمة) أيضا أن الديوث من لا يمنع الناس الدخول على زوجته، وعن (الرقم) للعبادي أنه الذي يشتري جارية تغني للناس. انتهى. وهذا يقتضي أن يفرق ما بينهما فرق ما بين العام والخاص، والله أعلم. قال الله تعالى: ﴿والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ وفي الحديث: ((ثلاثة لا يدخلون الجنة)) فذكر منهم الديوث. قال الذهبي: إسناده صالح. الثالثة والعشرون: السعاية، أي عند السلطان بما يضر المسلم وإن كان/ (١٣٠/ب/م) صدقا.

стр. 434

الرابعة والعشرون: منع الزكاة أي من غير جحود، فإن جحودها كفر وقد قاتل الصديق ﵁ مانعي الزكاة وإن لم يجحدوا وجوبها وأجمع عليه الصحابة ﵃ ويدخل في ذلك المنع المطلق والمنع وقت الوجوب بلا عذر أما لو جحد وجوب الزكاة مخصوصة كزكاة مال الصبي فإنه لا يكفر للخلاف فيه. الخامسة والعشرون: اليأس من رحمة الله قال الله تعالى: ﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ والآيس مكذب لقوله تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ وفي معناه القنوط، والظاهر أنه أبلغ منه للترقي إليه في قوله تعالى: ﴿وإن/ (١٠٨/أ/د) مسه الشر فيؤوس قنوط﴾ السادس والعشرون: الأمن من مكر الله بالاسترسال في المعاصي والاتكال على الرحمة، قال الله تعالى: ﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين﴾ وقال تعالى: ﴿فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾. السابعة والعشرون: الظهار، وهو قول الزوج لزوجته: أنت علي كظهر أمي، قال تعالى: ﴿وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا﴾ الثامنة والعشرون: أكل لحم الخنزير أو الميتة من غير اضطرار قال تعالى: ﴿إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير﴾ وفي هذه الآية عطف الخاص على العام، وفي كلام المصنف عطف العام

стр. 435

على الخاص. التاسعة والعشرون: فطر رمضان لأن صومه من أركان الإسلام وفي الحديث: ((من أفطر يوما من رمضان من غير عذر ولا رخصة لم يقضه صيام الدهر)). الثلاثون: الغلول، وهو الخيانة من الغنيمة أو بيت المال أو الزكاة، قاله الأزهري وغيره، وقال أبو عبيد: من المغنم خاصة. وقال الإمام أحمد: ما نعلم أن النبي ﷺ ترك الصلاة على أحد إلا على الغال. وقاتل نفسه. الحادية والثلاثون: المحاربة، لقوله تعالى: ﴿إنما جزاؤا الذين يحاربون الله ورسوله﴾ الآية. قلت: ولم يعدها في (الروضة) من الكبائر ولا شك فيه، إذا حصل فيها قتل أو أخذ مال/ (١٣١/أ/م) وهي حينئذ مندرجة فيما سبق فإن لم يوجد إلا إخافة السبيل من غير انضمام أحدهما فقد يتوقف في عدها من الكبائر والله أعلم. الثانية والثلاثون: السحر، ففي الصحيح عده من السبع الموبقات قلت: ونقل ابن عطية في تفسيره/عن مالك والشافعي: أنه كفر، والله أعلم.

стр. 436

الثالثة والثلاثون: الربا وهو معروف، ففي الصحيح عده من السبع الموبقات، وفي التنزيل: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ وجوز الشارح في كلام المصنف أن يكون بالياء المثناة من تحت، فإنه من الكبائر أيضا. وفي صحيح مسلم في حديث الشهيد والعالم والمنفق في سبيل الخير رياء إنه يقال لكل منهم: إنما فعلت ليقال ثم يؤمر به فيسحب إلى النار، وأنهم أول ثلاثة تسعر بهم النار. وصحح الحاكم مرفوعا: ((اليسير من الرياء شرك)). الرابعة والثلاثون: إدمان الصغيرة أي: الإصرار عليها إما فعلا أو عزما وهل المراد المداومة على نوع من الصغائر أم الإكثار من الصغائر؟ سواء أكانت من نوع أو أنواع؟ فيه وجهان. قال الرافعي والنووي: موافق. الثاني – قول الجمهور: من غلبت طاعته معاصيه/ (١٠٩/ب/د) كان عدلا وعكسه فاسق. ولفظ الشافعي في المختصر يوافقه فعلى هذا لا تضر المداومة على نوع من الصغائر إذا غلبت الطاعات. وعلى الأول: تضر. واعترض عليه ابن الرفعة في (المطلب) بأن مقتضاه أن مداومة النوع

стр. 437

الواحد مضر على الوجهين، أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأنه في ضمن حكايته قال: إن الإكثار من نوع واحد كالإكثار من أنواع. نعم يظهر أثرهما فيما لو أتى بأنواع من الصغائر، فإن قلنا بالأول لم يضر لمشقة كف النفس عنه، وهو ما حكاه في (الإبانة) وإن قلنا بالثاني ضر. وكان شيخنا الإمام البلقيني يقول: الإكثار من النوع غير المداومة عليه ويحمل الإكثار على الأكثرية التي يغلب بها معاصيه على طاعته وهذا غير المداومة/ (١٣١/ب/م) فالمؤثر إنما هو الغلبة لا المداومة. ص: مسألة: الإخبار عن عام لا ترافع فيه الرواية وخلافه الشهادة. ش: مما يحتاج إليه الفرق بين الرواية والشهادة واختلافهما في بعض الأحكام، كاشتراط العدد والحرية والذكورة في الشهادة دون الرواية، لا يدل على اختلاف حقيقتيهما. وقال القرافي: أقمت مدة أطلب الفرق بينهما حتى ظفرت به في كلام الماوردي، وهو أن المخبر عنه إن كان عاما لا يختص بمعين ولا ترافع فيه إلى الحكام، فهو الرواية. وإن اختص بمعين والترافع فيه ممكن فهو الشهادة، ولذلك استظهر في الشهادة باشتراط العدد فيها لما فيها من التهمة لتعلقها بمعين، ويعارضه أن الرواية شرع عام لجميع المكلفين، فهي أجدر بالاحتياط من إثبات على معين لكن فرق الشيخ عز الدين بوجوه: أحدها: هيبة الكذب على رسول الله ﷺ بخلاف غيره. ثانيها: أنه لو لم يقبل رواية واحد لفات على أهل الإسلام تلك المصلحة

стр. 438

العامة، بخلاف فوات حق واحد. ثالثها: كثرة العداوة بين الناس، وهي حاملة لهم على شهادة الزور، بخلاف الأحاديث النبوية. قلت: وكون الرواية لا تختص بمعين هو الغالب، فإن خصائص النبي ﷺ أو غيره كإجزاء العناق عن أبي بردة بن نيار في الأضحية مختصة بمعين. ص: وأشهد إنشاء تضمن الإخبار لا محض إخبار أو إنشاء على المختار. ش: في قول الشاهد: أشهد بكذا – ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه إخبار محض وهو ظاهر كلام أهل اللغة، قال ابن فارس في (المجمل): الشهادة خبر عن علم، وقال الإمام فخر الدين: قوله: أشهد، إخبار عن الشهادة وهي الحكم الذهني المسمى كلام/ (١٠٩/أ/د) النفس. الثاني: أنه إنشاء، وإليه مال القرافي لأنه لا يدخله تكذيب شرعا وأما قوله تعالى: ﴿والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ راجع إلى تسميتهم ذلك شهادة، لأنها ما واطأ فيه القلب اللسان. الثالث – وهو المختار -: أنها إنشاء تضمن الخبر عما في النفس. قال الشارح: واعلم/ (١٣٢/أ/م) أن نقل المذاهب في هذه المسألة هكذا لا يوجد مجموعا، وإنما هو مفرق في كلام الأئمة بالتلويح. ص: وصيغ العقود كبعت إنشاء خلافا لأبي حنيفة.

стр. 439

ش: صيغ العقود كـ (بعت واشتريت) وكذا الفسوخ نحو: (فسخت وطلقت وأعتقت) اختلفوا في أنها في الشرع باقية على مدلولها اللغوي، وهو الإخبار، أو نقلت عنه إلى الإنشاء؟ فذهب أصحابنا إلى الثاني، وفي (المحصول) أنه الأقرب، وعزاه الصفي الهندي والأصفهاني للأكثرين، وحكي الأول عن الحنفية وفي حكاية المصنف ذلك عن أبي حنيفة نظر، فإنه لا يعلم له فيه نص. وقد أنكره القاضي شمس الدين السروجي وقال: لا أعرفه لأصحابنا والمعروف عندهم أنه إنشاء. ص: فقال القاضي: يثبت الجرح والتعديل بواحد وقيل: في الرواية فقط وقيل: لا فيهما. ش: اختلف في اشتراط العدد في الجرح والتعديل على مذاهب: أحدها: أنه يكتفى فيهما بواحد سواء أكان في الرواية أو الشهادة، وهو اختيار القاضي أبي بكر، قال: هذا القول قريب لا شيء عندنا يفسده وإن كان الأحوط أنه لا يقبل في تزكية الشاهد خاصة أقل من اثنين. الثاني: أنه لا يقبل فيهما إلا اثنان، حكاه القاضي أبو بكر عن أكثر

стр. 440

الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم. الثالث: الفرق بينهما فيكفي في الرواية واحد ويشترط في الشهادة اثنان، حكاه الآمدي وابن الحاجب عن الأكثرين ورجحه الإمام والآمدي وأتباعهما. ص: وقال القاضي: يكفي الإطلاق فيهما، وقيل: يذكر سببهما وقيل: سبب التعديل فقط، وعكس الشافعي وهو المختار في الشهادة وأما الرواية: فالمختار: يكفي الإطلاق إذا عرف مذهب الجارح، وقول الإمامين: يكفي إطلاقهما للعالم بسببهما هو رأي القاضي إذ لا تعديل وجرح إلا من العالم. ش: اختلف في اشتراط بيان السبب في الجرح والتعديل على مذاهب: أحدها: أنه لا يشترط ذلك بل يكتفى بالإطلاق. الثاني: لا بد من بيان سببهما. الثالث: أنه يشترط ذكر سبب التعديل دون الجرح لكثرة التصنع في أسباب العدالة. الرابع: عكسه أنه يشترط بيان سبب الجرح دون التعديل لاحتياجه في ذكر سبب التعديل إلى تفصيل/ (١٠٩/ب/د) جميع الأوامر والنواهي بخلاف الجرح فإنه يحصل بخصلة واحدة، وهو قول الشافعي ﵀. وتبع المصنف في نقله القول الأول عن القاضي أبي بكر – الإمام فخر الدين والآمدي، ونقل عنه إمام الحرمين والغزالي في (المنخول) القول الثالث:

стр. 441

وهو بيان سبب التعديل دون الجرح، والموجود في (مختصر التقريب) له القول الرابع وهو ذكر سبب الجرح دون التعديل. ورواه الخطيب البغدادي في (الكفاية) بسنده إليه، ونقله على الصواب الغزالي في (المستصفى) واختار المصنف في ذلك التفصيل وهو الاحتياج إلى ذكر سبب الجرح دون التعديل في الشهادة، والاكتفاء بالإطلاق في الرواية، إذا علم أن مذهب الجارح أنه لا يجرح إلا بقادح ثم نبه المصنف على أن قول الإمامين – إمام الحرمين والإمام فخر الدين الرازي، أنه يكفي إطلاقهما أي الجرح والتعديل من العالم بأسبابهما دون غيره، ليس مذهبا خارجا عما سبق، بل هو رأي القاضي أبي بكر الذي بدأنا بذكره، لأن الجرح والتعديل إنما يعتبران من العالم بأسبابهما، فالجاهل بذلك لا يعتد بقوله والله أعلم. تنبيه: قال الشارح: ينبغي أن يكون الواو في قوله: (وقال القاضي) بمعنى (ثم) لأنه دخول منه في مسألة أخرى. قلت: وليس كما قال، بل الواو على بابها، ولو كان دخولا في مسألة أخرى، وإنما يحسن الإتيان بـ (ثم) لو تفرعت هذه المسألة على التي قبلها، وليس كذلك بل هما مسألتان مستقلتان ليست إحداهما مفرعة على الأخرى، والله أعلم. ص: والجرح مقدم إن كان عدد الجارح أكثر من المعدل إجماعا وكذا إن تساويا أو كان الجارح أقل، وقال ابن شعبان:

стр. 442

يطلب الترجيح. ش: إذا تعارض الجرح والتعديل فإما أن يكون عدد الجارح أقل من المعدل/ (١٣٣أ/م) أو أكثر أو يتساويا فإن كان الجارح أكثر قدم بالإجماع كما حكاه غير واحد وإن تساويا فكذلك، وحكى القاضي في (مختصر التقريب) الإجماع عليه أيضا، لكن حكى ابن الحاجب قولا: إنهما يتعارضان ولا يرجح أحدهما إلا بمرجح. وإن كان الجارح أقل فكذلك أيضا عند الجمهور، وقيل: يقدم التعديل لزيادة عدده، وقال ابن شعبان من المالكية: يطلب الترجيح بينهما وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: إنما يقوى تقديم الجرح بشرطين: أحدهما: مع التفريع على أن الجرح لا يقبل إلا مفسرا. ثانيهما: أن يبنى على أمر مجزوم به، لا بطريق اجتهادي، كما اصطلح أهل الحديث في الاعتماد في الجرح على اعتبار حديث الراوي بحديث غيره والنظر إلى كثرة الموافقة والمخالفة. قلت: لم يعتمد أهل الحديث على ذلك في معرفة العدالة والجرح، وإنما اعتمدوا عليه في معرفة الضبط والتغفل (١١٠/أ/د) والله أعلم. ويستثنى من ذلك صورتان: إحداهما: إذا عين الجارح سببا فنفاه المعدل بطريق معتبر بأن قال: (قتل فلانا ظلما يوم كذا) فقال المعدل: (رأيته حيا بعد ذلك) أو: (كان القاتل في ذلك الوقت عندي) فإنهما يتعارضان.

стр. 443

الثانية: إذا عين الجارح سببا فقال المعدل: تاب عنه، وحسنت توبته، فيقدم التعديل، لأن معه هنا زيادة علم، كما حكاه الرافعي عن جماعة منهم ابن الصباغ، وجزم به الرافعي في (المحرر) والنووي في (المنهاج). ص: ومن التعديل حكم مشترط العدالة بالشهادة، وكذا عمل العالم في الأصح، ورواية من لا يروي إلا للعدل. ش: قد يكون التعديل بالتصريح بعدالته وقد يكون بالتضمن، وذلك في صور. الأولى – وهي أعلاها -: أن يحكم بشهادته من يشترط العدالة في قبول الشهادة: وتقييد الحاكم بكونه يشترط العدالة في قبول الشهادة ذكره الآمدي وغيره ولا بد منه، وهذه من خواص الشهادة ولكن إذا قبلت شهادته قبلت روايته. الثانية: أن يعمل عالم بروايته إذا لم يعلم منه أنه إنما عمل بها احتياطا ونقل الآمدي فيه الاتفاق/ (١٣٣ب/م) لكن الخلاف فيها محكي في (البرهان) و (المنخول) وغيرهما، ولذلك عبر فيه المصنف بالأصح. الثالثة: أن يروي عنه من عرف منه أنه لا يروي إلا عن عدل، إما بتصريحه بذلك، وإما بالاستقراء من حاله كشعبة ومالك ويحيى القطان وقيل الرواية عنه تعديل له مطلقا، وقيل: لا، مطلقا.

стр. 444

وعبر المصنف باللام في قوله: (للعدل) دون (عن) للإعلام بأنه لا ينحصر ذلك في الرواية عنه، بل روايته له في كتاب التزم فيه أن لا يروي فيه إلا للعدل – تعديل له، وذلك كصحيحي (البخاري) و (مسلم) ويلتحق بهما المستخرجات عليهما وصحيح (ابن خزيمة) و (ابن حبان) وكذلك (مستدرك) الحاكم، لولا ما شانه به من التساهل في تمشية حال الرواة والله أعلم. ص: وليس من الجرح ترك العمل بمرويه والحكم بمشهوده، ولا الحد في شهادة الزنا، ونحو النبيذ ولا التدليس بتسمية غير مشهورة، قال ابن السمعاني: إلا أن يكون بحيث لو سئل لم يبينه ولا بإعطاء شخص اسم آخر تشبيها كقولنا: أبو عبد الله الحافظ يعني الذهبي، تشبيها بالبيهقي يعني الحاكم، ولا بإيهام اللقي والرحلة، أما مدلس المتون فمجروح. ش: ثم ذكر أمورا قد يتوهم أنها تقتضي جرح الراوي وليس كذلك. أحدها: ترك العمل بحديث قد رواه، أو ترك الحكم بشهادة قد أداها، فإنه لم يتعين أن يكون ذلك يجرحه، فقد يكون ذلك (١١٠/ب/د) لمعارض وقال القاضي أبو بكر: إن تحقق تركه له مع ارتفاع الموانع كان جرحا، وإن لم يثبت قصده إلى مخالفته لم يكن جرحا. الثاني: أن يقام عليه حد القذف لشهادته على شخص بالزنا إذا لم يكمل النصاب، لأن الحد لنقص العدد لا لمعني في الشاهد وهذا مبني على

стр. 445

الأظهر في إقامة الحد على شهود الزنا إذا لم يكمل النصاب، وألحق به الرافعي الجارح للراوي بذكر الزنا إذا لم يكمل النصاب حتى يكون قاذفا على الأصح، وقال النووي: المختار أو الصواب أنه لا يجعل قاذفا لأنه معذور في شهادته بالجرح، فإنه مسؤول عنها وهي في حقه فرض الكفاية، أو متعينة بخلاف شهود الزنا فإنهم مندوبون إلى الستر فهم مقصرون. الثالث: ارتكاب مختلف فيه كشرب قدر من النبيذ لا يسكر، ولهذا قال الشافعي: (أحده وأقبل شهادته)، وقد تقدم هذا في قول المصنف: (ويقبل من أقدم على مفسق مظنون). وقال مالك في/ (١٣٤أ/م) المستحل لنكاح المتعة: أحده للمعصية وأرد شهادته لفسقه. الرابع: أن يستعمل الإنسان تدليس الشيوخ بأن يسمي الراوي بتسمية غير مشهورة لأنه صادق في نفس الأمر، وقد فعله غير واحد من الأئمة، واستثنى منه ابن السمعاني ما إذا كان لو سئل عنه لم يفصح عنه ولم يسمه باسمه المشهور، لأنه تزوير وإيهام لما لا حقيقة له، وذلك يؤثر في صدقه، وفصل الآمدي بين أن يكون سبب تدليسه ضعفه فهو جرح، وإن كان لصغر سنه أو للاختلاف في قبول روايته كالمبتدع، وهو يرى قبولها فليس جرحا. قلت: ويلتحق بالقسم الثاني ما إذا فعل ذلك إيهاما لكثرة الشيوخ كما حكي عن الخطيب البغدادي. ثم نبه المصنف أيضا على أن مما لا يقدح وصف الإنسان بصفة اشتهر بها غيره للتشبيه به، إذا لم يحصل بذلك التباس كما كان المصنف ﵀ يقول في بعض مصنفاته: أنا أبو عبد الله الحافظ، يريد به الذهبي ومما حكي عن الشارح أنه قال في بعض تصانيفه: أنا أبو عبد الله الحافظ يريد به مغلطاي تشبيها بقول البيهقي فيما يرويه عن شيخه الحاكم: حدثنا أبو عبد الله الحافظ. وكذلك مما لا يقدح استعمال الراوي لفظا يوهم الرحلة ولقي المشايخ الذين

стр. 446

تباعدت أقطارهم كقوله: حدثنا فلان بما وراء النهر، موهما نهر جيحون وإنما أراد نهر عيسى ببغداد، أو الجيزة بمصر، ومن ذلك قول القائل: حدثنا فلان بحلب، يوهم إرادة البلدة المعروفة وإنما يريد محلة بظاهر (١١١/أ/د) القاهرة. أما تدليس المتون فهو جرح، قال الأستاذ أبو منصور: وهو الذي يسميه المحدثون بالمدرج، أي أنه أدرج كلامه مع كلام النبي ﷺ ولم يميز بينهما فظن أن جميعه كلام النبي ﷺ تنبيه: سكت المصنف عن تدليس الإسناد، والمراد به أن يسقط الراوي اسم شيخه ويرتقي إلى شيخ شيخه بلفظ محتمل للاتصال كـ (عن) ونحوها مع إيهام أنه سمعه منه لكونه عاصره أما لو أتى بصيغة صريحة في الاتصال كسمعت، فهذا كذب وإن لم يدرك/ (١٣٤/ب/م) شيخ شيخه فليس بتدليس وإنما هو إرسال، والحكم في هذا النوع من التدليس قبول رواية فاعله إذا صرح بالسماع كحدثنا وأخبرنا، فإن عنعن فروايته مردودة، فليس حينئذ جرحا. وقالت طائفة: بل هو جرح ترد به رواية فاعله مطلقا، والله أعلم. ص: مسألة: الصحابي من اجتمع مؤمنا بمحمد ﷺ وإن لم يرو ولم يطل بخلاف التابعي مع الصحابي وقيل: يشترطان وقيل: أحدهما، وقيل: الغزو أو سنة. ش: عدل عن تعبير ابن الحاجب وغيره بـ (الرؤية) إلى (الاجتماع) لتناول من اجتمع به من العميان كابن أم مكتوم.

стр. 447

وقيد الاجتماع بحالة الإيمان ليخرج من اجتمع به في حالة الكفر، فإنه ليس صحابيا. ولا يشترط في ذلك أن يروي عنه حديثا، ولا أن تطول صحبته له هذا هو الصحيح المشهور. قوله: (وقيل: يشترطان) أي: الرواية عنه، وطول الصحبة له فلا يسمى صحابيا إلا باجتماعهما. وقوله: (وقيل: أحدهما) مقتضاه أنه يكتفى على هذا القول بالرواية أو طول الصحبة. وقال الشارح: مراد المصنف بقوله: (وقيل أحدهما) أنه يشترط الصحبة الطويلة، ولا تشترط الرواية لأنه لم يذهب أحد إلى اشترط الرواية دون المجالسة كما يوهمه ظاهر هذه العبارة. وقيل: يشترط أحد أمرين، إما الغزو معه أو صحبته سنة، وهو المحكي عن سعيد بن المسيب وهو ضعيف لإخراجه مثل جرير البجلي ووائل بن حجر، وغيرهما ممن لم يشهد معه غزوة، ولا أقام معه سنة مع أن

стр. 448

الإجماع على عدهم من الصحابة، وهذا بخلاف التابعي فإنه لا يثبت له هذا الاسم بمجرد رؤية الصحابي بل لا بد من صحبته له، هكذا ذهب إليه جماعة منهم الخطيب البغدادي. والفرق: شرف رؤية النبي ﷺ فمن اجتمع به ولو مرة انطبع قلبه على الاستقامة بخلاف رؤية الصحابي، وذهب آخرون إلى الاكتفاء فيه بمطلق الاجتماع كالصحابي بل هو أولى بذلك منه من حيث الاشتياق لتأكد الأمر في الصحبة بخلاف التبعية، والله أعلم. ص: ولو ادعى المعاصر العدل الصحبة قبل وفاقا للقاضي. ش:/ (١٣٥/أ/م) إنما حكاه المصنف عن القاضي لأن كلام ابن الحاجب يقتضي أن المسألة غير منقولة وتوقف فيها من جهة أنه يدعي لنفسه (رتبة) فيتهم في ذلك كما لو/ (١١١/ب/د) قال: أنا عدل. قلت: وفي النفس من عمل المحدثين في ذلك شيء، وهم أنهم يثبتون الصحبة لكن من ادعاها في العصر الذي كان الصحابة فيه موجودين ثم يستدلون على عدالته بصحبته لا يطلبون على ذلك مزيدا وذلك يقتضي اكتفاءهم في معرفة العدالة بمجرد دعوى الصحبة، ولعلهم اكتفوا في ثبوت عدالته برواية من روى عنه ادعاءه للصحبة، فإنه لولا معرفته بعدالته لما روى عنه وتلقى دعواه بالقبول والله أعلم. ص: والأكثر على عدالة الصحابة وقيل: كغيرهم وقيل: إلى قتل عثمان وقيل: إلا من قاتل عليا.

стр. 449

ش: جمهور العلماء من السلف والخلف على أن الصحابة كلهم عدول لا يحتاج إلى البحث عن عدالتهم من لابس منهم الفتنة وغيرهم لأن الله تعالى عدلهم في آيات منها قوله: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ قال إمام الحرمين: ولعل السبب في أنهم حملة الشرع، فلو ثبت توقف في رواياتهم لانحصرت الشريعة في عصر الرسول ﷺ ولما استرسلت على سائر الأعصار. ووراء ذلك مذاهب شاذة: أحدها: أن حكمهم في ذلك كغيرهم فيجب في كل منهم البحث عن عدالتهم. الثاني: أنهم على عدالتهم إلى قتل عثمان ﵁ لظهور الفتن فيحتاج بعده للبحث عن العدالة. الثالث: أن من قاتل عليا ﵁ فهو فاسق لخروجه عن الإمام الحق. ص: مسألة: المرسل قول غير الصحابي قال ﷺ . ش: هذا تعريف الأصوليين وغير الصحابي يتناول التابعي وتابع التابعي ومن بعدهما، وخصه المحدثون بالتابعي وقيده بعضهم بالكبير منهم وهو من أكثر رواياته عن الصحابة فإن كان الساقط واحدا قبل التابعي كرواية الشافعي/ (١٣٥/ب/م) عن نافع سمي منقطعا، وإن كان أكثر من واحد كرواية أحمد بن حنبل عن نافع سمي معضلا.

стр. 450

ولو عبر المصنف برواية غير الصحابي لكان أحسن ليتناول ما إذا كانت صيغة روايته غير قال من صيغ الرواية. وفهم منه أن رواية الصحابي عن النبي ﷺ لا توصف بالإرسال وإن لم يسمع ذلك من النبي ﷺ وهو كذلك من حيث الحكم كما سيأتي وأما الصورة فإذا روى قصة لم يدركها فهي مرسلة. ص: واحتج به أبو حنيفة ومالك والآمدي مطلقا، وقوم: إن كان المرسل من أئمة النقل، ثم هو أضعف من المسند، خلافا لقوم والصحيح: رده، وعليه الأكثر منهم الشافعي والقاضي أبو بكر الباقلاني قال مسلم: وأهل العلم بالأخبار. ش: لما ذكر صورة المرسل أخذ يذكر حكمه، وفيه مذاهب: أحدها: أنه حجة مطلقا وبه قال أبو حنيفة ومالك: (١١٢/أ/د) وأحمد في أشهر الروايتين عنه، واختاره الآمدي. الثاني: التفصيل بين أن يكون المرسل – بكسر السين – من أئمة النقل فهو حجة، أو غيرهم فلا، وبه قال عيسى بن أبان، واختاره ابن الحاجب وصاحب (البديع) ثم ذكر المصنف تفريعا على القول بأنه حجة أنه أضعف من المسند بحيث لو تعارضا قدم المسند عليه خلافا لقوم من الحنفية قالوا: إنه أقوى من المسند. الثالث: رده، وأنه ليس بحجة وبه قال الشافعي واختاره القاضي

стр. 451

أبو بكر، وعزاه المصنف للأكثر اعتمادا على قول مسلم في مقدمة صحيحة: (والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة). وقد اعترض على نقل ذلك عن مسلم بأنه لم يقله من عند نفسه وإنما حكاه عن خصمه. وجوابه أنه لما حكاه عن خصمه ولم يرده عليه وإنما رد من كلامه غير هذا، كان موافقا له عليه وفي هذا الكلام رد على من زعم أن الشافعي أول من رد المرسل، ولا يقال كونه قول الأكثر لا ينافي أن يكون أولهم الشافعي لأنه جعله/ (١٣٦/أ/م) أصل قول أهل العلم بالأخبار مطلقا، فكيف يكون هذا من أصولهم المقررة عندهم، وهو قول اخترعه الشافعي بعد دهور متطاولة. قال الشارح: وفي تسوية المصنف بين الشافعي والقاضي في الإنكار مطلقا نظر، فإن الشافعي قبله في بعض المواضع. قال القاضي: ونحن لا نقبل المراسيل مطلقا، ولا في الأماكن التي قبلها فيه الشافعي حسما للباب، بل وزاد القاضي وأنكر حجية مرسل الصحابي إذا احتمل سماعه من تابعي، نص عليه في (التقريب) انتهى. ص: فإن كان لا يروي إلا عن عدل كابن المسيب قبل وهو مسند. ش: هذا استثناء من رد المرسل فيحتج به فيما إذا كان المرسل – بكسر السين – لا، يروي أي المرسلات إلا عن عدل، أي أنه استقرئ أمره فكان إذا أرسل لا يرسل إلا عن ثقة. وقول المصنف: (وهو مسند) أي له حكم المسند في الاحتجاج به ولم يرد أنه مسند حقيقة وهذا معنى قول الشافعي ﵀: (أقبل مراسيل ابن المسيب لأني اعتبرتها فوجدتها لا ترسل إلا عمن يقبل خبره، ومن هذا حاله

стр. 452

أحببت مراسيله) وأشار إمام الحرمين إلى أن هذا مذهب الشافعي، ومنه يعلم أنه لا يخص القبول بمراسيل سعيد بن المسيب بل يطرده في كل من هذه صفته. وقال النووي في (الإرشاد) اشتهر عند أصحابنا أن مرسل سعيد حجة عند الشافعي وليس كذلك، وإنما قال الشافعي في (مختصر المزني): (إرسال ابن المسيب عندنا حسن) فذكر صاحب (التهذيب) وغيره من أصحابنا في أصول الفقه في (١١٢/ب/د) معنى كلامه وجهين: أحدهما: أن مراسيله حجة، لأنها فتشت فوجدت مسانيد. والثاني: ليس بحجة، بل هي كغيرها، وإنما رجح الشافعي به والترجيح بالمرسل صحيح، وحكاه الخطيب ثم قال: والصحيح عندنا الثاني، لأن في مراسيل سعيد ما لم يوجد مسندا بحال من وجه يصح، وذكر البيهقي نحوه، وأن الشافعي لم يقبل مراسيل ابن المسيب حيث لم يجد/ (١٣٦/ب/م) لها ما يؤكدها، وإنما يزيد ابن المسيب على غيره أنه أصح الناس إرسالا فيما زعم الحفاظ. قال النووي: فهذا كلام الخطيب والبيهقي وهما ما هما في معرفة نصوص الشافعي وطريقته، وأما قول القفال في شرح (التلخيص) قال الشافعي في الرهن الصغير: (مرسل ابن المسيب عندنا حجة) فهو محمول على ما قاله الخطيب والبيهقي. ص: وإن عضد مرسل كبار التابعين ضعيف يرجح كقول الصحابي أو فعله أو الأكثر أو إسناد أو إرسال أو قياس، أو انتشار أو عمل العصر كان المجموع حجة، وفاقا للشافعي لا مجرد المرسل ولا المنضم فإن تجرد ولا دليل سواه فالأظهر الانكفاف لأجله. ش: يستثنى من رد المرسل مطلقا ما إذا كان المرسل – بكسر السين –

стр. 453

من كبار التابعين، وهو من أكثر رواياته عن الصحابة، واعتضد بأمر ضعيف أي لا يصلح، للاحتجاج به على انفراده ولكنه ترجح بصلاحيته للاحتجاج به عند انضمام غيره إليه، فإن بعض الضعف ينجبر وبعضه لا ينجبر كما قرره المحدثون في الكلام على ألفاظ التجريح وذلك يتناول صورا: أحدها: أن يعتضد بقول صحابي أو فعله فإن الظن يقوى عنده. قلت: وكان فتوى الصحابي على وفقه تدل على أن له أصلا في الشريعة، وقد احتج بعضهم بالمرسل وبعضهم بقول الصحابي، فإذا اجتمع تأكد أحدهما بالآخر. ثانيها: أن يوافق قول أكثر أهل العلم. قال الشارح: وظن القاضي أن الشافعي يريد الإجماع أو قول العوام، فردد عليه الكلام، وإنما أراد أكثر أهل العلم. ثالثها: أن يروى مثله مسندا من جهة أخرى، قال في (المحصول) وهذا في مسند لم تقم الحجة بإسناده وهو مقتضى إدراج المصنف له في صور الضعيف، وقال غيره: بل هو في مسند صحيح، وهذا مقتضى إطلاق المصنف الإسناد. فعلى الأول يحصل لهما قوة بالاجتماع، ويتقوى كل منهما بالآخر. وعلى الثاني يتبين بمجيء المسند صحة المرسل ويصيران دليلين يرجحان إذا عارضهما دليل آخر. رابعها: أن يروى مثله مرسلا من راو آخر أخذ العلم عن غير شيوخ الأول واحترز بذلك عن مثل مرسل أبي العالية في انتقاض الوضوء بالقهقهة

стр. 454

في الصلاة، فإنه روى (١١٣/أ/د) من مرسلات غيره أيضا لكن تتبعت فوجدت كلها ترجع لمرسل أبي العالية. خامسها: أن يوافق قياسا. سادسها: أن ينتشر من غير نكير. سابعها: أن ينضم إليه عمل أهل العصر به. قال الشارح: وأشار المصنف بقوله: (كان المجموع حجة) إلى الجواب عما اعترض به القاضي وغيره على الشافعي من أن ضم الضعيف إلى الضعيف لا يوجب القبول. وأجاب عنه المحققون بأن صورة الاجتماع تثير ظنا غالبا، وهذا شأن كل ضعيفين اجتمعا لأن الظن يتقوى فلا يلزم، من عدم الاحتجاج بالأضعف عدم الاحتجاج بالأقوى، ونظير ذلك الخبر المحتف بالقرائن يفيد القطع عند قوم، مع أنه لا يفيد ذلك بمجرده ولا القرائن بمجردها انتهى. أما إذا تجرد المرسل ولم ينضم إليه شيء مما تقدم ففيه أقوال: أحدها: أنه لا يحتج به حكاه البيهقي عن الشافعي. الثاني: أنه يحتج به إذا لم يكن في الباب سواه، حكاه الماوردي عن الشافعي أيضا. الثالث – وهو الذي قال المصنف: إنه الأظهر -: الانكفاف لأجله. قال الشارح: وهو توسط بين القولين.

стр. 455

قلت: الذي فهمته من هذه العبارة: أن المجتهد ينكف عن العمل في تلك المسألة بما يقتضيه المرسل لأنه غير حجة وبما يخالفه لاحتمال كونه حجة، وهذا معنى قوله: (لأجله). وحاصله: أنه يحدث شبهة توجب التوقف في تلك المسألة، والله أعلم. تنبيه: قال الشارح: من تأمل نصوص الشافعي في (الرسالة) وجدها مصرحة بأنه لم يطلق أن المرسل حينئذ حجة، بل يسوغ الاحتجاج به ولهذا قال الشافعي بعد ذلك: ولا أستطيع أن أقول: الحجة تثبت به كثبوتها بالمتصل. قال الشارح: فائدة ذلك أنه إذا عارضه متصل كان المتصل مقدما عليه، ولو كان حجة مطلقا لتعارض. وقد قال القاضي: في (التقريب): قال الشافعي في هذه المواضع: أستحب قبوله ولا أستطيع أن أقول الحجة تثبت به كثبوتها بالمتصل. قال: فقد نص على أن القبول القول عند هذه الأمور مستحب لا واجب، لكن قال البيهقي: مراده بقوله أحببنا: اخترنا، انتهى. قلت: لا فرق بين كونه حجة وبين كونه يسوغ الاحتجاج به، فإنه لا يسوغ الاحتجاج إلا بما هو حجة، وقول الشافعي: لا أستطيع أن أقول: إن الحجة تثبت به كثبوتها بالمتصل) لا يدل على أنه ليس حجة، بل هو حجة لكن غيره أقوى منه فلو عارضه متصل أقوى منه قدم عليه. وقول الشارح: لو كان حجة مطلقا لتعارضا ٠ مردود فإن الذي هو حجة مطلقا يقدم عليه معارضه إذا كان أقوى منه، والله أعلم.

стр. 456

ص: مسألة: الأكثر على جواز نقل الحديث بالمعنى للعارف، وقال الماوردي: إن نسي (١١٣/ب/د) اللفظ، وقيل: إن كان موجبه علما وقيل: بلفظ مرادف، وعليه الخطيب ومنعه ابن سيرين وثعلب والرازي وروي عن ابن عمر. ش: في جواز رواية حديث النبي ﷺ بالمعنى مذاهب: الأول: وبه قال الأئمة الأربعة والجمهور – الجواز لكن بشرط أن يكون فاعل ذلك عارفا بمدلولات الألفاظ، فإنه يشترط أن يكون اللفظ المأتي به مساويا للفظ الرسول ﷺ في المعنى بلا زيادة ولا نقص ومساويا له في الجلاء والخفاء إذ لو أبدل جليا بخفي أو العكس لترتب على ذلك تقديم ما يجب تأخيره أو العكس لوجوب تقديم أجلى الخبرين المتعارضين على مخالفه. وروى ابن منده في معرفة الصحابة من حديث عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثي قال: قلت: يا رسول الله إني أسمع منك الحديث ولا أستطيع أن أؤديه كما سمعته منك، يزيد حرفا أو ينقص حرفا، فقال: ((إذا لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس)) فذكر ذلك للحسن فقال: لولا هذا ما حدثنا. الثاني: أنه يجوز مع نسيان اللفظ، ولا يجوز مع تذكره، لأنه قد تحمل اللفظ والمعنى، وعجز عن أحدهما، فيلزمه أداء الآخر وبه قال الماوردي وجعل محل الخلاف في الصحابي وقطع في غيره بالمنع. الثالث: التفصيل فإن كان مقتضاه علما جاز وإن اقتضى عملا/ (١٣٨/أ/م) فمنه ما لا يجوز الإخلال بلفظه، كقوله: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم).

стр. 457

و (خمس يقتلن في الحل والحرم) حكاه ابن السمعاني وجها لبعض أصحابنا. الرابع: أنه يجوز إبدال اللفظ بما يرادفه دون غيره، وبه قال الخطيب: البغدادي. الخامس: المنع مطلقا وبه قال محمد بن سيرين، واختاره ثعلب وأبو بكر الرازي من الحنفية، ورواه ابن السمعاني عن ابن عمر. تنبيه: يسأل عن الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة جواز إقامة أحد المترادفين مقام الآخر، وجوابه: أن تلك في بحث اللغوي فالمجيز فيها والمانع كلاهما مستند إلى نقل اللغة، وهي عامة في سائر الكلام، وهذه في أمر شرعي فالمستند فيها الدليل السمعي، وهي خاصة بنقل حديثه ﵊. ص: مسألة: الصحيح يحتج بقول الصحابي: قال – ﷺ وكذا عن، على الأصح، وكذا سمعته أمر ونهى، أو أمرنا أو حرم، وكذا رخص في الأظهر والأكثر يحتج بقوله من السنة فكنا معاشر الناس أو كان الناس يفعلون في عهده ﷺ فكنا نفعل في عهده ﷺ فكان الناس يفعلون (١١٤/أ/د) فكانوا لا يقطعون في الشيء التافه. ش: ذكر في هذه المسألة الصيغ التي يعبر بها الصحابي فيما ينقله عن رسول الله ﷺ فأعلاها: أن يأتي بلفظ صريح في الاتصال، كحدثني وأخبرني،

стр. 458

وسمعته يقول: ونحوها، ولم يذكر المصنف هذه لوضوحها وعدم الخلاف فيها. الثانية: قال ﷺ فالصحيح الاحتجاج بذلك حملا على سماعه منه، لأن الظاهر أنه لا يجزم بذلك إلا وقد سمعه منه، ومقابل الصحيح في كلام المصنف ما حكاه الآمدي وابن الحاجب عن القاضي: أنه متردد بين سماعه منه ومن غيره عنه، فإن قلنا بعدالة جميع الصحابة قبل، وإلا فكالمرسل لكن المصنف في شرح المختصر قال: إنهما وهما في ذلك على القاضي وأنه لا خلاف في/ (١٣٨/أ/م) القبول، ويوافقه قول الصفي الهندي: لا يتجه فيه خلاف لظهوره في الرواية عنه ﷺ وبتقدير روايته عن الصحابي فغير قادح لثبوت عدالتهم وأما احتمال روايته عن تابعي فنادر. قال الشارح: لكن القاضي في (التقريب) لما اختار رد المرسل قال: وكذلك مرسل الصحابي إذا احتمل سماعه من تابعي وهو مذهب الأستاذ أبي إسحاق وأغرب ابن برهان في (الأوسط) فقال: إنه الأصح. ويتحصل من كلامهم خلاف في سبب المنع وإن كان الكل عدولا هل هو احتمال روايته عن تابعي أو عن صحابي قام به مانع كسارق رداء صفوان ونحوه. انتهى. قلت: هذا متناقض كيف يجتمع عدالة كلهم مع اتصاف سارق الرداء بغير ذلك، وهو منهم؟ فالحق عدالة جميعهم للنص عليها ولا يفسق أحد منهم بارتكاب ما يفسق غيرهم بارتكابه والله أعلم. الثالثة: أن يأتي بصيغة (عن) كذا صححه ابن الصلاح والبيضاوي،

стр. 459

والصفي الهندي وفي (المحصول): في كونه حجة مذهبان من غير ترجيح، ومقتضى كلامه أن مقابل الأصح هنا التوقف لا الجزم بالمنع. ثم رتب المصنف أن على وكذا عن ومقتضاه تصحيح القبول فيها أيضا إلا أن الخلاف فيها مرتب على الخلاف في عن، وهذا مفهوم من عطف المصنف لها بالفاء، وقد ذكر الخلاف فيها الصفي الهندي، فقال: منهم من ذهب إلى أنه ظاهر في أنه أخبره به إنسان آخر عنه ﵊ وهو ساقط لما سبق في المرسل. انتهى. والخلاف في ذلك مشهور عند المحدثين في غير الصحابي أكثرهم على القبول وقال أبو بكر البرديجي بأنها محمولة على الانقطاع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى، وحكاه ابن الصلاح عن (١١٤/ب/د) يعقوب بن شيبة وأحمد بن حنبل، ورد عليه والدي ﵀ في نقله ذلك عنهما. الرابعة: أن يقول: سمعته ﵊ أمر أو نهى، فالجمهور فيها على القبول وحكى القاضي أبو بكر عن بعض أهل العلم أنه ليس بحجة، لاحتمال أن يعتقد ما ليس بأمر أمرا، وفهم الخلاف/ (١٣٩/أ/م) في هذه من قول المصنف: وكذا, فلو لم يقل: سمعته بل اقتصر على أنه ﵊ أمر أو نهى فهذه أحط مرتبة من تلك، لاحتمال الواسطة وإن كان الجمهور على القبول فيها أيضا. وتوقف الإمام فخر الدين في ذلك، وضعف صاحب (الحاصل) كونها

стр. 460

حجة، فلو قال: أمرنا بكذا، أو نهانا عن كذا، على البناء للمفعول قبل أيضا على الصحيح، لانصرافه إلى من له الأمر والنهي وهو النبي ﷺ . وعن الكرخي والصيرفي: أنه متردد بين أمره وهو خاصة، وأمر كل الأمة وأمر بعض الولاة. الخامسة: أن يقول: حرم أو رخص على البناء للمفعول فيهما والأظهر الاحتجاج به واحتمال إسناده إلى استنباط أو قياس بعيد. قال الشارح: وفي حكاية المصنف الخلاف نظر، فقد قال الشيخ أبو إسحاق في (التبصرة): إذا قال صحابي: أرخص لنا بكذا، رجع إلى رسول الله ﷺ بلا خلاف. قلت: الظاهر أنه أراد نفي الخلاف تفريعا على الصحيح في المسألة قبلها، فإنه متى جرى الخلاف في تلك جرى في هذه بلا شك والله أعلم. السادسة: أن يقول من السنة كذا، فالأكثرون على الاحتجاج به حملا له على سنة الرسول ﷺ لأنه المتبادر عند الإطلاق وبه قال الإمام والآمدي وأتباعهما ويوافقه قول الشافعي ﵀ في (الأم) في باب عدد الكفن: (وابن عباس والضحاك بن قيس صحابيان لا يقولان: السنة، إلا لسنة رسول الله ﷺ وخالف فيه الصيرفي والكرخي، وحكاه الإمام في (البرهان) عن المحققين، ويوافقه قول الصيدلاني في أسنان إبل الخطأ: إن الشافعي في القديم كان يرى أن ذلك مرفوع، إذا صدر من الصحابي أو التابعي، ثم رجع عنه، لأنهم قد يطلقونه ويريدون سنة البلد. السابعة: أن يقول: كنا معاشر الناس، أو: كان الناس يفعلون في عهده ﷺ لأن الظاهر أن قصده بذلك تعليم الشرع، حكاه الصفي الهندي
следующие страницы →