Полный текст (826 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
ص: مسألة: الأكثر على جواز نقل الحديث بالمعنى للعارف، وقال الماوردي: إن نسي (١١٣/ب/د) اللفظ، وقيل: إن كان موجبه علما وقيل: بلفظ مرادف، وعليه الخطيب ومنعه ابن سيرين وثعلب والرازي وروي عن ابن عمر.
ش: في جواز رواية حديث النبي ﷺ بالمعنى مذاهب:
الأول: وبه قال الأئمة الأربعة والجمهور – الجواز لكن بشرط أن يكون فاعل ذلك عارفا بمدلولات الألفاظ، فإنه يشترط أن يكون اللفظ المأتي به مساويا للفظ الرسول ﷺ في المعنى بلا زيادة ولا نقص ومساويا له في الجلاء والخفاء إذ لو أبدل جليا بخفي أو العكس لترتب على ذلك تقديم ما يجب تأخيره أو العكس لوجوب تقديم أجلى الخبرين المتعارضين على مخالفه.
وروى ابن منده في معرفة الصحابة من حديث عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثي قال: قلت: يا رسول الله إني أسمع منك الحديث ولا أستطيع أن أؤديه كما سمعته منك، يزيد حرفا أو ينقص حرفا، فقال: ((إذا لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس)) فذكر ذلك للحسن فقال: لولا هذا ما حدثنا.
الثاني: أنه يجوز مع نسيان اللفظ، ولا يجوز مع تذكره، لأنه قد تحمل اللفظ والمعنى، وعجز عن أحدهما، فيلزمه أداء الآخر وبه قال الماوردي وجعل محل الخلاف في الصحابي وقطع في غيره بالمنع.
الثالث: التفصيل فإن كان مقتضاه علما جاز وإن اقتضى عملا/ (١٣٨/أ/م) فمنه ما لا يجوز الإخلال بلفظه، كقوله: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم).
стр. 457
و (خمس يقتلن في الحل والحرم) حكاه ابن السمعاني وجها لبعض أصحابنا.
الرابع: أنه يجوز إبدال اللفظ بما يرادفه دون غيره، وبه قال الخطيب: البغدادي.
الخامس: المنع مطلقا وبه قال محمد بن سيرين، واختاره ثعلب وأبو بكر الرازي من الحنفية، ورواه ابن السمعاني عن ابن عمر.
تنبيه: يسأل عن الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة جواز إقامة أحد المترادفين مقام الآخر، وجوابه: أن تلك في بحث اللغوي فالمجيز فيها والمانع كلاهما مستند إلى نقل اللغة، وهي عامة في سائر الكلام، وهذه في أمر شرعي فالمستند فيها الدليل السمعي، وهي خاصة بنقل حديثه ﵊.
ص: مسألة: الصحيح يحتج بقول الصحابي: قال – ﷺ وكذا عن، على الأصح، وكذا سمعته أمر ونهى، أو أمرنا أو حرم، وكذا رخص في الأظهر والأكثر يحتج بقوله من السنة فكنا معاشر الناس أو كان الناس يفعلون في عهده ﷺ فكنا نفعل في عهده ﷺ فكان الناس يفعلون (١١٤/أ/د) فكانوا لا يقطعون في الشيء التافه.
ش: ذكر في هذه المسألة الصيغ التي يعبر بها الصحابي فيما ينقله عن رسول الله ﷺ فأعلاها: أن يأتي بلفظ صريح في الاتصال، كحدثني وأخبرني،
стр. 458
وسمعته يقول: ونحوها، ولم يذكر المصنف هذه لوضوحها وعدم الخلاف فيها.
الثانية: قال ﷺ فالصحيح الاحتجاج بذلك حملا على سماعه منه، لأن الظاهر أنه لا يجزم بذلك إلا وقد سمعه منه، ومقابل الصحيح في كلام المصنف ما حكاه الآمدي وابن الحاجب عن القاضي: أنه متردد بين سماعه منه ومن غيره عنه، فإن قلنا بعدالة جميع الصحابة قبل، وإلا فكالمرسل لكن المصنف في شرح المختصر قال: إنهما وهما في ذلك على القاضي وأنه لا خلاف في/ (١٣٨/أ/م) القبول، ويوافقه قول الصفي الهندي: لا يتجه فيه خلاف لظهوره في الرواية عنه ﷺ وبتقدير روايته عن الصحابي فغير قادح لثبوت عدالتهم وأما احتمال روايته عن تابعي فنادر.
قال الشارح: لكن القاضي في (التقريب) لما اختار رد المرسل قال: وكذلك مرسل الصحابي إذا احتمل سماعه من تابعي وهو مذهب الأستاذ أبي إسحاق وأغرب ابن برهان في (الأوسط) فقال: إنه الأصح.
ويتحصل من كلامهم خلاف في سبب المنع وإن كان الكل عدولا هل هو احتمال روايته عن تابعي أو عن صحابي قام به مانع كسارق رداء صفوان ونحوه. انتهى.
قلت: هذا متناقض كيف يجتمع عدالة كلهم مع اتصاف سارق الرداء بغير ذلك، وهو منهم؟ فالحق عدالة جميعهم للنص عليها ولا يفسق أحد منهم بارتكاب ما يفسق غيرهم بارتكابه والله أعلم.
الثالثة: أن يأتي بصيغة (عن) كذا صححه ابن الصلاح والبيضاوي،
стр. 459
والصفي الهندي وفي (المحصول): في كونه حجة مذهبان من غير ترجيح، ومقتضى كلامه أن مقابل الأصح هنا التوقف لا الجزم بالمنع.
ثم رتب المصنف أن على وكذا عن ومقتضاه تصحيح القبول فيها أيضا إلا أن الخلاف فيها مرتب على الخلاف في عن، وهذا مفهوم من عطف المصنف لها بالفاء، وقد ذكر الخلاف فيها الصفي الهندي، فقال: منهم من ذهب إلى أنه ظاهر في أنه أخبره به إنسان آخر عنه ﵊ وهو ساقط لما سبق في المرسل. انتهى.
والخلاف في ذلك مشهور عند المحدثين في غير الصحابي أكثرهم على القبول وقال أبو بكر البرديجي بأنها محمولة على الانقطاع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى، وحكاه ابن الصلاح عن (١١٤/ب/د) يعقوب بن شيبة وأحمد بن حنبل، ورد عليه والدي ﵀ في نقله ذلك عنهما.
الرابعة: أن يقول: سمعته ﵊ أمر أو نهى، فالجمهور فيها على القبول وحكى القاضي أبو بكر عن بعض أهل العلم أنه ليس بحجة، لاحتمال أن يعتقد ما ليس بأمر أمرا، وفهم الخلاف/ (١٣٩/أ/م) في هذه من قول المصنف: وكذا, فلو لم يقل: سمعته بل اقتصر على أنه ﵊ أمر أو نهى فهذه أحط مرتبة من تلك، لاحتمال الواسطة وإن كان الجمهور على القبول فيها أيضا.
وتوقف الإمام فخر الدين في ذلك، وضعف صاحب (الحاصل) كونها
стр. 460
حجة، فلو قال: أمرنا بكذا، أو نهانا عن كذا، على البناء للمفعول قبل أيضا على الصحيح، لانصرافه إلى من له الأمر والنهي وهو النبي ﷺ .
وعن الكرخي والصيرفي: أنه متردد بين أمره وهو خاصة، وأمر كل الأمة وأمر بعض الولاة.
الخامسة: أن يقول: حرم أو رخص على البناء للمفعول فيهما والأظهر الاحتجاج به واحتمال إسناده إلى استنباط أو قياس بعيد.
قال الشارح: وفي حكاية المصنف الخلاف نظر، فقد قال الشيخ أبو إسحاق في (التبصرة): إذا قال صحابي: أرخص لنا بكذا، رجع إلى رسول الله ﷺ بلا خلاف.
قلت: الظاهر أنه أراد نفي الخلاف تفريعا على الصحيح في المسألة قبلها، فإنه متى جرى الخلاف في تلك جرى في هذه بلا شك والله أعلم.
السادسة: أن يقول من السنة كذا، فالأكثرون على الاحتجاج به حملا له على سنة الرسول ﷺ لأنه المتبادر عند الإطلاق وبه قال الإمام والآمدي وأتباعهما ويوافقه قول الشافعي ﵀ في (الأم) في باب عدد الكفن: (وابن عباس والضحاك بن قيس صحابيان لا يقولان: السنة، إلا لسنة رسول الله ﷺ وخالف فيه الصيرفي والكرخي، وحكاه الإمام في (البرهان) عن المحققين، ويوافقه قول الصيدلاني في أسنان إبل الخطأ: إن الشافعي في القديم كان يرى أن ذلك مرفوع، إذا صدر من الصحابي أو التابعي، ثم رجع عنه، لأنهم قد يطلقونه ويريدون سنة البلد.
السابعة: أن يقول: كنا معاشر الناس، أو: كان الناس يفعلون في عهده ﷺ لأن الظاهر أن قصده بذلك تعليم الشرع، حكاه الصفي الهندي
стр. 461
عن الأكثرين.
وقال المصنف: لا يتجه فيه خلاف لتصريحه بنقل الإجماع المعتضد بمعرفة النبي ﷺ .
قلت:/ (١٣٩/ب/م) وهذا ينافي عطف المصنف هذه على قوله (١١٥/أ/د): من السنة بالفاء المقتضية لتأخرها في المرتبة عنها مع حكايته الخلاف في تلك.
الثامنة: أن يقول: كنا نفعل في عهده ﷺ , فيقبل ذلك وهي أحط من التي قبلها؛ لأن الضمير في (كنا) يحتمل طائفة مخصوصة.
وحكى ابن الصلاح عن أبي بكر الإسماعيلي إنكار كونه مرفوعاً, قال: والاعتماد على الأول.
قال الشارح: أما إذا قال: كنا نفعل, ولم يضفه إلى عهد النبي ﷺ فموقوف بلا خلاف.
قلت: مقتضى كلام الإمام فخر الدين والآمدي – الرفع في هذه أيضاً, فإنهما لم يقيدا ذلك بعصره ﵊, وبه صرح أبو عبد الله الحاكم من المحدثين, وحكاه النووي في (شرح المهذب) عن كثير من الفقهاء, وقال: إنه أقوى من حيث المعنى, ويوافقه قول المصنف بالرفع في الصورتين الأخيرتين, فإنه ليس فيهما إضافة ذلك إلى عهده ﷺ .
التاسعة: أن يقول: كان الناس يفعلون، من غير تصريح بكون ذلك على عهده ﷺ وهي دون التي قبلها لعدم التصريح بزمنه ﵊.
قال الشارح: لكنها فوقها من جهة تصريحه بجميع الناس، فيحتمل تساويهما، والأظهر رجحان تلك لأن التقييد بالعهد ظاهر في التقرير وهو تشريع.
العاشرة: نحو قول عائشة ﵂: (كانوا لا يقطعون في الشيء التافه)، وهذه دون الكل لعدم التصريح بكونه في زمنه عليه الصلاة والسلام
стр. 462
وبما يعود عليه الضمير في قوله: (كانوا).
وفهم ترتيب هذه الصورة الأخيرة من عطف المصنف بعضها على بعض بالفاء والله أعلم.
ص: خاتمة: مستند غير الصحابي قراءة الشيخ إملاء وتحديثا، فقراءته عليه فسماعه، فالمناولة مع الإجازة، فالإجازة لخاص في خاص، فخاص في عام، فعام في خاص فعام في عام فلفلان ومن يوجد من نسله، فالمناولة فالإعلام، فالوصية فالوجادة، ومنع الحربي وأبو الشيخ والقاضي الحسين والماوردي الإجازة، وقوم العامة/ (١٤٠/أ/م) منها والقاضي أبو الطيب من يوجد من نسل زيد وهو الصحيح والإجماع على منع من يوجد مطلقا.
ش: مستند غير الصحابي في تحمل الحديث عن شيخه تنقسم إلى أقسام:
стр. 463
أولها السماع من لفظ الشيخ، وهو مراد المصنف بقراءة الشيخ سواء أكان ذلك إملاء، أي يملي الشيخ ما يقوله والسامع يكتبه حالة الإملاء، أو تحديثا مجردا عن الإملاء وسواء أكان ذلك من حفظ الشيخ أو كتابه.
ثانيها: قراءته على الشيخ وهو ساكت يسمع، فيقول: نعم أو يشير بها أو يقر على ذلك ولا ينكره.
وقد عرض ضمام بن ثعلبة على النبي ﷺ شعائر الإسلام التي سمعها من (١١٥/ب/د)
стр. 464
رسوله، وهو يصدقه على ذلك وكان الناس يذكرون للصحابة ﵃ الأحكام فيقرون الحق وينكرون الباطل.
وشرط إمام الحرمين في صحة التحمل بها أن يكون بحيث لو فرض من القارئ لحن أو تصحف لرده الشيخ ويسمى هذا عرضا، لأن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه.
وتقديم المصنف السماع من لفظ الشيخ على القراءة عليه هو الصحيح، وحكاه ابن الصلاح عن جمهور أهل المشرق وأصله الاقتداء بالنبي ﷺ فإنه كان يقرأ على الناس القرآن، ويعلمهم السنن، وقيل: إن القراءة عليه أعلى وبه قال أبو حنيفة وابن أبي ذئب، وحكاه ابن فارس والخطيب عن مالك، وحكي أيضا عن ابن جريج وشعبة والليث بن سعد وغيرهم.
وقيل: إنهما سواء، وهو المشهور عن مالك وأصحابه، وإليه ذهب معظم علماء الحجاز والكوفة والبخاري، وحكاه الصيرفي في كتاب (الدلائل) عن الشافعي.
ثالثها: سماعه بقراءة غيره، وجعل المصنف هذا قسما غير الذي قبله فيه نظر، فالحق أنه قسم منه.
رابعها: المناولة المقرونة بالإجازة بأن يدفع الشيخ للطالب أصل سماعه أو فرعا مقابلا به فيقول: هذا سماعي أو روايتي عن فلان، فاروه عني أو أجزت لك روايته عني، وهذا مجمع على صحة الرواية به.
قال القاضي عياض: وهو قول كافة أهل النقل والأداء والتحقيق/ (١٤٠/ب/م) من أهل النظر.
وقال قبل ذلك: إنها صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين، بل ذهب بعضهم إلى أنها في رتبة السماع، حكاه أبو عبد الله الحاكم عن ابن شهاب وربيعة الرأي ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك في آخرين، وقال والدي
стр. 465
رحمه الله: إنه خلط غرض المناولة بغرض السماع.
وحكاه الخطيب عن ابن خزيمة، لكن الصحيح انحطاط المناولة عن السماع، وحكاه الحاكم عن الشافعي وصاحبيه البويطي والمزني وأبي حنيفة وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق والأوزاعي وآخرين.
رابعها: الإجازة المجردة عن المناولة وهي أقسام:
أعلاها أن يجيز لخاص في خاص، أي يكون المجاز له معينا، والمجاز به معينا، كأجزت لك أو لفلان – ويرفع في نسبه بما يميزه عن غيره – أن يروي الكتاب الفلاني.
ويليه أن يجيز لخاص في عام كأجزت لك أن تروي عني جميع مسموعاتي.
ويليه: الإجازة لعام في خاص كأجزت لجميع المسلمين رواية صحيح البخاري عني.
ويليه الإجازة لعام في عام، كأجزت لجميع المسلمين أن يرووا عني جميع مسموعاتي
ويليه: الإجازة للمعدوم تبعا للموجود، كأجزت لفلان ومن يوجد بعد ذلك من نسله، وقد فعل ذلك أبو بكر بن أبي داود فقال: أجزت لك ولوالدك ولحبل الحبلة، يعني الذين لم يولدوا بعد.
أما الإجازة للمعدوم ابتداء كقوله: أجزت لمن يتجدد لفلان من الأولاد فالصحيح منعها، وسيأتي لذلك مزيد بيان، فهذه ستة أقسام (١١٦/أ/د) للإجازة، ووراء ذلك أقسام أخر، مذكورة في كتب علم الحديث.
خامسها: المناولة المجردة عن الإجازة، وكلام المصنف يقتضي أنها من طرق التحمل، وليس كذلك، بل إن اقتصر على مجرد المناولة لم يجز له روايته
стр. 466
عنه بالاتفاق كما نقله الصفي الهندي وهو واضح، وإن قال له مع ذلك: هذا من سماعي فقال ابن الصلاح: هي مناولة مختلة لا تجوز الرواية بها عند الجمهور، وحكى الخطيب عن قوم جوازها.
قلت: وإنما أراد المصنف هذا التقسيم الثاني. وقد قال ابن الصلاح: إن الرواية به تترجح على الرواية بمجرد إعلام الشيخ لما فيه من المناولة فإنها لا تخلو من إشعار بالإذن في الراوية/ (١٤١/أ/م).
سادسها: الإعلام الخالي عن المناولة والإجازة، بأن يخبره أن الكتاب سماعه من فلان.
وقد حكى القاضي عياض صحة الرواية به عن الأكثرين، وبه قال ابن جريج، وعبيد الله بن عمر، وجماعة من أهل الفقه والحديث وأهل الظاهر، وابن الصباغ – من أصحابنا – ومنع الغزالي روايته عنه، وقال ابن الصلاح: إنه المختار.
وهذا على تقدير جوازه منحط عن الذي قبله كما قدمته.
وزاد بعض من صحح هذا القسم فقال: إنه لو منعه من روايته عنه مع إعلامه بأن سماعه لم يضره ذلك وله روايته عنه قاله أبو محمد بن خلاد الرامهرمزي.
قال القاضي عياض: ولا يقتضي النظر سواه.
ورده ابن الصلاح تشبيها باسترعاء الشهادة، هذا في الرواية به، أما العمل به فإنه واجب كما جزم به ابن الصلاح، وحكاه القاضي عن محققي أصحاب الأصول.
سابعها: الوصية بالكتب، فإذا أوصى بشيء من روايته عند موته أو سفره لشخص فجوز بعض السلف روايته عنه بذلك.
وقال شخص لمحمد بن سيرين: إن فلانا أوصى لي بكتبه أفأحدث بها
стр. 467
عنه؟ فقال: نعم.
ثم قال بعد ذلك: لا آمرك ولا أنهاك.
قال ابن الصلاح: وهذا بعيد جدا، وهو إما زلة عالم أو متأول، على أنه أراد الرواية على سبيل الوجادة.
وأنكر ذلك عليه ابن أبي الدم، وقال: الوصية أرفع رتبة من الوجادة بلا خلاف، وهي معمول بها عند الشافعي وغيره – كما سيأتي – فهذه أولى.
ثامنها: الوجادة وهي مصدر مولد لم تنطق به العرب، فرعه المولدون لما وجدوا العرب فرقوا بين مصادر (وجد) لاختلاف معانيها، وهي أن تجد حديثا بخط رجل سواء عاصرته أم لا، لم يحدثك به، ولم يجزه لك، فتقول: وجدت بخط فلان كذا وكذا، وليس لك روايته عنه بصيغة حدثنا أو أخبرنا أو غيرهما من الصيغ، لكن يجوز العمل بما تضمنه ذلك الحديث، كما قال الشافعي ونظار (١١٦/ب/د) أصحابه، خلافا لمعظم المحدثين والفقهاء من المالكية وغيرهم، كما قاله القاضي عياض.
قال ابن الصلاح: وقطع بعض المحققين من أصحاب الشافعي بوجوب العمل به عند حصول الثقة به، وقال: لو عرض ما ذكرناه على جملة المحدثين/ (١٤١/ب/م) لأبوه.
قال ابن الصلاح: وما قطع به هو الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخرة.
وقال النووي: إنه الصحيح، ثم حكى المصنف الخلاف في الإجازة والجمهور على جواز الرواية بها والعمل بمقتضاها ومنعها آخرون منهم
стр. 468
إبراهيم بن إسحاق الحربي، وأبو الشيخ بن حيان الأصبهاني والقاضي الحسين والماوردي وقالا: لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة، وهذا محكي عن شعبة أيضا، وهو قول عن الشافعي رواه عنه الربيع.
ونقله القاضي عبد الوهاب عن مالك، وحكي عن أبي حنيفة أيضا.
وقال أبو طاهر الزيادي: من قال لغيره: أجزت لك أن تروي عني – فكأنه يقول: أجزت لك أن تكذب علي، إذ الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع.
وقال ابن حزم: إنها بدعة غير جائزة، ومنع قوم الإجازة العامة كأجزت لجميع المسلمين.
ونقلها الخطيب وابن منده وحكاها الخطيب عن القاضي أبي الطيب، ونقلها الحازمي عمن أدركه من الحفاظ، ورجح جوازها ابن الحاجب والنووي.
وأما الإجازة للمعدوم فتقدم عن أبي بكر بن أبي داود أنه أجازها تبعا للموجود، وتكلم المصنف آخرا على فعلها للمعدوم ابتداء، وقال: إن كان له نوع تعيين كتقييده بكونه من ذرية زيد مثلا، فالصحيح المنع منها وبه قال القاضي أبو الطيب، وأجازها الخطيب وحكاه عن أبي يعلى بن الفراء وأبي الفضل بن عمروس.
وحكاه القاضي عياض عن معظم الشيوخ المتأخرين، وإن لم يكن له نوع تعيين كأجزت لمن يوجد مطلقا فالإجماع على المنع منها.
تنبيه:
أهمل المصنف من طرق التحمل المكاتبة، وهي: أن يكتب الشيخ شيئا
стр. 469
من حديثه أو يأمر غيره بكتابته عنه إما لحاضر عنده أو غائب عنه، فإن اقترنت بها إجازة فهي كالمناولة المقرونة بالإجازة في الصحة والقوة، وإن تجردت عن ذلك فالصحيح المشهور عند المحدثين صحتها، وبه قال أيوب السجستاني ومنصور، والليث بن سعد، وغير واحد من الشافعية منهم أبو المظفر السمعاني وجعلها أقوى من الإجازة، وبه جزم في (المحصول) وفي صحيح (البخاري) في (كتاب الأيمان والنذور):/ (١٤٢/أ/م) كتب إلي محمد بن بشار، وفي (صحيح مسلم) عن عامر بن سعد بن أبي وقاص: كتب إلي جابر بن سمرة.
ومنع منها طائفة منهم الماوردي وقال الآمدي: لا يرويه إلا بتسليط من الشيخ، كقوله: فاروه عني أو: أجزت لك روايته، ومن العجب (١١٧/أ/د) كون الشارح مع متابعته للمصنف في إهمال المكاتبة ذكر طرق التحمل عشرة وما هي في الحقيقة بعد إسقاط الكتابة إلا سبعة، لأنه أفرد السماع على الشيخ عن القراءة عليه، وعد المناولة قسمين باعتبار اقترانها بالإجازة وتجردها عنها، وأفرد الإجازة للمعدوم عن بقية أنواع الإجازة وجعلها مرتبة مستقلة، ولو سلك الطريقة المعروفة عند المحدثين وغيرهم لعدها ثمانية، منها: المكاتبة، والله أعلم.
ص: وألفاظ الرواية من صناعة المحدثين.
ش: أي الألفاظ التي يستعملها الراوي عند الأداء إذا تحمل بطريق من
стр. 470
الطرق المتقدمة من صناعة المحدثين - فلا ينبغي ذكرها في كتب الأصول تحرزا من خلط العلوم. والله أعلم.
ص: الكتاب الثالث في الإجماع
وهو اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة محمد ﷺ في عصر على أي أمر كان.
ش: قدم الإجماع على القياس لعصمته عن الخطأ بخلافه وهذا التعريف بديع يستخرج منه جميع مسائل هذا الكتاب.
فالاتفاق جنس يشمل القول والفعل والاعتقاد وما في معناها من السكوت عند القائل به.
وخرج بالمجتهد اتفاق بعض المجتهدين، واتفاق العوام.
ولفظ المجتهد مفرد أريد به الجنس، وليس جمعا فلا يكتب بالياء كما قاله المصنف وانفصل بذلك عن قول القائل: أقل الجمع ثلاثة، فيخرج ما إذا لم يكن في العصر إلا مجتهدان مع أن اتفاقهما إجماع وإذا كان مفردا مضافا عم.
стр. 471
وقد أورد عليه حينئذ أنه يتناول المجتهد الواحد إذا لم يكن في العصر سواه، والمختار أنه ليس إجماعا، وأجيب عنه بخروج هذه الصورة/ (١٤٢/ب/م) بلفظ الاتفاق، فإنه إنما يكون من اثنين فصاعدا وخرج بإضافة المجتهد للأمة اتفاق الأمم السالفة فليس حجة على الأصح، وعلى القول بأنه حجة فالكلام فيما هو حجة الآن، وتلك حجة انقرضت.
والألف واللام في الأمة للعهد، والمراد هذه الأمة، وخرج بالوفاة الإجماع في عصره ﵊ فإنه لا ينعقد، ودل بقوله: (في عصر) على أنه يكفي اتفاق المجتهدين في عصر من الأعصار، ثم يصير حجة عليهم وعلى من بعدهم، ودفع به توهم إرادة اجتماع كلهم في جميع الأعصار إلى يوم القيامة.
وهذا من زيادة الآمدي، وأجاب من لم يذكره بأن المقصود العمل وإنما يكون في عصر.
وقوله: (على أي أمر كان) يعم الإثبات والنفي والأحكام الشرعية واللغوية، والعقلية، والدنيوية، فهي حجة فيها كما جزموا به في الأولين، ورجحوه في الآخرين.
وأدخل المصنف على أمر صيغة عموم ولم يفعل ذلك في عصر تأكيدا للتعميم في الأمر، فإنه قد يتخيل الفرق بين بعض الأمور/ (١١٧/ب/د) وبعض، كما منع بعضهم الإجماع في العقليات وفيما أصله أمارة، ولا يتخيل الفرق بين عصر وعصر، ولا يقال: لولا اختلاف الأعصار لما اختص الإجماع بأعصار هذه الأمة وبعصر الصحابة عند القائل به، لأن ذلك ليس لاختلاف الأعصار بل لاختلاف أهلها، ولذلك لو كان بين الصحابة تابعي مجتهد لم يعتد بخلافه من يخص الإجماع بالصحابة، مع أنه في عصرهم، هذا معنى كلام المصنف في انفصاله عن سؤالين والله أعلم.
стр. 472
ص: فعلم اختصاصه بالمجتهدين، وهو اتفاق، واعتبر قوم وفاق العوام مطلقا، وقوم في المشهور بمعنى إطلاق أن الأمة اجتمعت لا افتقار الحجة إليهم، خلافا للآمدي، وآخرون: الأصولي في الفروع.
ش: علم من أخذ المجتهد في التعريف اختصاص الإجماع بالمجتهدين، وأنه لا اعتبار بقول العوام في وفاق ولا خلاف وبهذا قال الأكثرون، واعتبر قوم وفاقهم مطلقا، أي: في المسائل المشهورة والخفية وآخرون: وفاقهم في/ (١٤٣/أ/م) المسائل المشهورة دون الخفية كدقائق الفقه.
ثم بين المصنف أنه ليس معنى اعتبار وفاقهم أن قيام الحجة تفتقر إلى ذلك، وإنما معناه: أنه لا يصدق إطلاق اجتماع الأمة مع مخالفتهم وإن كان الآمدي خالف في ذلك، فجعله في افتقار الحجة إليهم.
وحكاه الإمام وغيره عن القاضي أبي بكر، وهو غلط عليه، فقد صرح في غير موضع من مختصر (التقريب): بعدم اعتبار قولهم، بل زاد على هذا: أن نقل الإجماع على عدم اعتباره وأن الخلاف إنما هو في أنه هل يصدق أن يقال: أجمعت الأمة، أو لا يقال إلا أجمع علماء الأمة؟ لا في أن لقول العلماء مع مخالفة العوام حجة أم لا.
وبهذا التحقيق يظهر أنه لا خلاف في المسألة في المعنى، ولهذا قال المصنف في أول كلامه: إن اختصاصه بالمجتهدين اتفاق، ثم رتب المصنف على عدم اعتبار قول العوام مسألة أخرى، وهي اعتبار قول المجتهد في فن فيما ليس مجتهدا فيه لأنه في غير فنه كالعامي.
لكن اختلفوا في اعتبار قول الأصولي الذي ليس بفقيه والفقيه الذي ليس
стр. 473
أصوليا في الفروع على أربعة أقوال:
الاعتبار مطلقا.
وعدمه مطلقا.
والثالث: اعتبار قول الأصولي، لأنه أقرب إلى مقصود الاجتهاد واستنباط الأحكام من مآخذها، وليس من شرط الاجتهاد حفظ الأحكام، بخلاف الفقيه الحافظ للأحكام، وهذا القول هو المحكي في كلام المصنف، واختاره القاضي أبو بكر، وقال الإمام: إنه الحق.
والرابع: عكسه وهو اعتبار قول الفقيه/ (١١٨/أ/د) دون الأصولي، لأنه أعرف بمواقع الاتفاق والاختلاف.
ص: وبالمسلمين فخرج من نكفره.
ش: علم من اعتبار مجتهد الأمة اختصاصه بالمسلمين.
قلت: بناء على أن المراد بالأمة أمة الإجابة لا أمة الدعوة، فلا اعتبار بقول الكافر في علم من العلوم، ولو بلغ رتبة الاجتهاد فيه، سواء في ذلك المعترف بالكفر وغيره، وهو المبتدع إن فرعنا على تكفيره ببدعته، فإن لم نكفره/ (١٤٣/ب/م) فالمختار: أنه لا ينعقد الإجماع دونه لدخوله في مسمى الأمة.
وقيل: ينعقد دونه، وقيل: لا ينعقد عليه بل على غيره، فيجوز له مخالفة إجماع من عداه، ولا يجوز ذلك لغيره.
стр. 474
قلت: كذا حكاه الشارح، وينبغي عكسه: أنه ينعقد إجماع غيره عليه ولا ينعقد إجماعه على غيره، والله أعلم.
قال الشارح: إذا كان الإجماع في أمر دنيوي فلا يبعد أن لا يختص بالمسلمين لا سيما إذا بلغ المجمعون حد التواتر ولم يشترط في نقل المتواتر الإجماع
قلت: ليس هذا نقلا ورواية وإنما هو اجتهاد واستنباط فلا معنى لما ذكره آخرا. نعم أول بحثه قريب في انعقاد الإجماع بالكافر في الأمور الدنيوية، والله أعلم.
ص: وبالعدول، إن كانت العدالة ركنا، وعدمه إن لم تكن وثالثها: في الفاسق يعتبر في حق نفسه ورابعها: إن بين مأخذه.
ش: ويعلم أيضا من اعتبار الاجتهاد الاختصاص بالعدول إن فرعنا على أن العدالة ركن في الاجتهاد.
فإن قلنا: ليست بركن لم يختص الإجماع بالعدول.
وفهم عنه حكاية خلاف في اعتبار قول الفاسق وبناؤه على اشتراط العدالة في الاجتهاد، وسيأتي في باب الاجتهاد تصحيح عدم اشتراطها فيلزم منه اعتبار الفاسق في ذلك لكن الأكثرون على عدم اعتباره.
وفي المسألة قول ثالث: أنه يعتبر خلافه في حق نفسه دون غيره.
стр. 475
ورابع: إن بين مأخذه اعتبر وإلا فلا.
قال ابن السمعاني: ولا بأس به، ثم هذا في الفاسق بلا تأويل، أما المتأول فكالعدل وقد تقدم من نص الشافعي قبول شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية.
ص: وأنه لا بد من الكل، وعليه الجمهور، وثانيها: يضر الاثنان وثالثها: الثلاثة، ورابعها: بالغ عدد التواتر، وخامسها: إن ساغ الاجتهاد في مذهبه، وسادسها: في أصول الدين، وسابعها: لا يكون إجماعا بل حجة.
ش: علم من قوله (مجتهد الأمة) أنه لا بد من اتفاق جميعهم، لأنه مفرد مضاف فيعم، فلا ينعقد الإجماع مع مخالفة بعض مجتهدي العصر، ولو كان واحدا، هذا هو الصحيح وقول الجمهور.
القول الثاني: أنه إن كان المخالف اثنين قدح في الإجماع، أو واحدا فلا.
الثالث: إنما يضر الثلاثة، حكاه الإمام/ (١١٨/ب/د) عن محمد بن جرير الطبري وأبي بكر الرازي وأبي الحسين الخياط من المعتزلة ونقل عنهم البيضاوي: أنه لا يضر مخالفة الأقل، ومقتضاه أن العبرة بقول الذين هم أكثر من النصف، وإن كثر عدد المخالفين ولم يحك المصنف هذا القول.
стр. 476
الرابع: إن بلغ المخالفون عدد التواتر قدحت مخالفتهم في الإجماع، وإلا فلا.
وقال القاضي أبو بكر: إنه الذي يصح عن ابن جرير.
الخامس: إن كان مذهب المخالف في ذلك مما يسوغ الاجتهاد فيه عند الأكثرين قدح في الإجماع، وإلا فلا.
ومثل الشارح الأول بخلاف ابن عباس في العول/.
والثاني: بخلافه في المتعة وربا الفضل.
قال: وهو قول الجرجاني من الحنفية، وحكاه السرخسي عن أبي بكر الرازي.
السادس: إن كان في أصول الدين قدح، وإلا فلا.
السابع: إن ندر المخالف لم يكن إجماعا قطعيا لكنه حجة لأنه يبعد أن يكون الراجح مع الأقلين، صححه ابن الحاجب.
قال الشارح: وحكي ثامن: أنه إجماع وحجة.
стр. 477
وتاسع: أنه ليس بحجة ولا إجماع، لكن الأولى اتباع الأكثر وإن كان لا تحرم مخالفتهم.
قلت: وعاشر تقدمت حكايته عن البيضاوي والله أعلم.
ص: وأنه لا يختص بالصحابة وخالف الظاهرية وعدم انعقاده في حياة النبي ﷺ وأن التابعي المجتهد معتبر معهم فإن نشأ بعد فعلى الخلاف في انقراض العصر.
ش: فيه مسائل:
الأولى: أن الإجماع لا يختص بالصحابة، وهذا مفهوم من إطلاق مجتهد الأمة، وبه قال الجمهور، خلافا للظاهرية.
قال ابن حزم: ذهب داود وأصحابنا إلى أن الإجماع إنما هو إجماع الصحابة فقط، وهو قول لا يجوز خلافه، لأن الإجماع إنما يكون عن توقيف، والصحابة هم الذين شهدوا التوقيف.
فإن قيل: فما تقولون في إجماع من بعدهم أيجوز أن يجمعوا على خطأ؟
قلنا: هذا لا يجوز لأمرين.
أحدهما: أن النبي ﷺ أمننا من ذلك بقوله: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق)).
والثاني: أن سعة الأقطار بالمسلمين وكثرة العدد لا يمكن أحد ضبط أقوالهم، ومن ادعى هذا لم يخف على أحد كذبه. انتهى.
стр. 478
ومقتضاه: أن الظاهرية لا يمنعون الاحتجاج بإجماع من بعد الصحابة ولكن يستبعدون العلم به/ (١٤٤/ب/م)
الثانية: أنه لا ينعقد الإجماع في حياته ﵊ كما صرح به في التعريف، لأنه إن كان مع المجمعين فالحجة في قوله، وإلا فلا اعتبار بقولهم.
الثالثة: إذا كان في عصر الصحابة تابعي بلغ رتبة الاجتهاد اعتبر قوله معهم، وهذا مأخوذ من إطلاق المجتهد، فلا ينعقد إجماع الصحابة مع مخالفته خلافا لقوم، ولا يخفى أن هذا مبني على اعتبار مخالفة النادر، فإن لم يتصف بصفة الاجتهاد/ (١١٩/أ/د) إلا بعد إجماعهم فنشأ له الاجتهاد، وخالف قبل انقراضهم بني على الخلاف في اعتبار انقراض العصر، فإن لم نعتبره لم يعتد بخلافه، وإن اعتبرناه اعتد بخلافه.
ص: وأن إجماع كل من أهل المدينة وأهل البيت والخلفاء الأربعة والشيخين وأهل الحرمين وأهل المصرين الكوفة والبصرة غير حجة.
ش: علم من العموم في قوله: مجتهد الأمة، انتفاء الإجماع في كل من هذه المسائل الست.
فالأولى: خالف فيها مالك، فأخذه أكثر أصحابه على ظاهره، وأوله بعضهم على ترجيح روايتهم على غيرهم.
стр. 479
وخالف في الثانية الشيعة، والمراد بأهل البيت علي وفاطمة وأبناؤهما الحسن والحسين ﵃، وحكى الشيخ أبو إسحاق في (شرح اللمع) عن الشيعة أيضا أن قول علي – ﵁ – وحده حجة.
فإن قلت: كيف يجتمع هذا النقل عن الشيعة مع أنه اشتهر عنهم إنكار حجية الإجماع؟
قلت: أنكروا كونه حجة على تفسيره المعروف، لا مطلقا.
وخالف في الثالثة القاضي (أبو خازم بالخاء والزاي المعجمتين) وهو من أئمة الحنفية ولهذا لم يعتبر خلاف زيد في منع توريث ذوي الأرحام بناء على أن الخلفاء الأربعة يورثونهم وأنفذ المعتضد حكمه بذلك، وكتب به إلى الآفاق، وكان قاضيا في زمنه.
وقال بإجماعهم أيضا الإمام أحمد كما نقله ابن الحاجب.
ومدرك المخالف في الرابعة قوله ﵊: ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)) رواه الترمذي وحسنه، وصححه ابن حبان والحاكم.
ومدرك المخالف في الأخيرتين انتشار الصحابة – ﵃ – في هذه البلاد دون غيرها./ (١٤٥/أ/م)
ص: وأن المنقول بالآحاد حجة.
стр. 480
ش: إذا نقل الإجماع لنا بطريق الآحاد فالصحيح عند الإمام والآمدي وابن الحاجب وغيرهم: أنه حجة كنقل السنة وهذا مفهوم من إطلاق التعريف/ المتقدم.
وحكى الآمدي عن الأكثرين: أنه لا يكون حجة، إلا إذا نقل إلينا بطريق التواتر.
ص: وهو الصحيح في الكل.
ش: أي أن ما ذكرناه هو الصحيح في جميع المسائل المتقدمة، وعلم من ذلك نقل الخلاف في المسائل الست المتقدمة، وإن لم يصرح به هناك.
ص: وأنه لا يشترط عدد التواتر، وخالف إمام الحرمين.
ش: علم من إطلاق مجتهد الأمة أنه لا يشترط للمجمعين عدد وذلك يقتضي أنه لا يشترط بلوغهم عدد التواتر وبه قال الأكثرون خلافا لإمام الحرمين.
قال الشارح: والذي رأيته في (البرهان) بعد حكاية الخلاف في ذلك: والذي نرتضيه – وهو الحق – أنه يجوز انحطاط عددهم، بل يجوز شغور الزمان عن العلماء وتعطيل الشريعة.
وأما/ (١١٩/ب/د) القول بأن إجماع المنحطين عن التواتر حجة فهو غير مرضي، قاله الشارح.
فعلى هذا، هنا مسألتان: جواز ذلك، وهل هو حجة أم لا؟.
والإمام يوافق على الأول ويخالف في الثاني.
стр. 481
وكلام المصنف فيه.
قلت: فلا اعتراض على المصنف، والله أعلم.
ص: وأنه لو لم يكن إلا واحد لم يحتج به، وهو المختار.
ش: علم من لفظ الاتفاق أنه لو لم يكن في العصر إلا مجتهد واحد لم يكن قوله حجة، واختاره المصنف.
وقال أبو إسحاق: إنه حجة، وعزاه الصفي الهندي للأكثرين. وقال بعضهم: لا خلاف في أنه ليس بإجماع.
وقال الغزالي: إن اعتبرنا موافقة العوام: فإن ساعده العوام فهو إجماع الأمة، وإن لم يلتفت إلى قولهم فلم يوجد ما يتحقق به اسم الإجماع، لأنه يستدعي عددا حتى يسمى إجماعا.
ص: وأن انقراض العصر لا يشترط، وخالف أحمد وابن فورك وسليم فشرطوا انقراض كلهم أو غالبهم أو علمائهم، أقوال اعتبار العامي والنادر، وقيل: يشترط الانقراض في السكوتي, وقيل: إن كان فيه مهلة وقيل: إن بقي منهم كثير، وأنه لا يشترط تمادي الزمن واشترطه إمام الحرمين في الظني.
ش:/ (١٤٥/ب/م) علم من قوله: (في عصر) أنه لا يشترط في انعقاد الإجماع انقراض عصر المجمعين، لحصول مسمى اتفاقهم في عصر، وبهذا قال الأكثرون.
стр. 482
والثاني: اشتراطه فلو رجع بعضهم قبل موتهم فله ذلك، وبه قال أحمد بن حنبل وابن فورك وسليم الرازي من الشافعية.
وإذا قلنا بهذا فهل يشترط انقراض كلهم أو غالبهم أو علمائهم؟
فيه ثلاثة أقوال:
فالأول: قول من يعتبر قول العامي والفرد النادر.
والثاني: قول من لا يعتبر قول النادر.
والثالث: قول من لا يعتبر قول العامي.
القول الثالث: أنه لا يشترط انقراضهم في الإجماع السكوتي دون القولي، وهو قول الأستاذ، واختاره الآمدي.
الرابع: اشتراطه فيما فيه مهلة، فأما ما لا مهلة فيه، ولا يمكن استدراكه من قتل نفس أو استباحة فرج فلا يشترط فيه انقراضهم.
الخامس: أنه إن بقي كثير منهم، وضبط بعدد التواتر لم يكن إجماعهم حجة, وإن كان الباقي منهم قليلا, وهو دون عدد التواتر انعقد الإجماع قبل انقراضهم.
وقوله: (وأنه لا يشترط تمادي الزمن) مفرع على الأول، وهو عدم اشتراط الانقراض أي: لا يشترط أيضا في حصول الإجماع مرور الأزمنة
стр. 483
وطول المدة، وهذا مفهوم من إطلاق الاتفاق المذكور في التعريف، واشترطه إمام الحرمين إن كان الحكم ظنيا، فإن قطعوا بالحكم فلا. ويرد على المصنف أن إمام الحرمين لم يقتصر على طول الزمان بل شرط/ (١٢٠/أ/د) معه تكرار الواقعة وعبارته في (البرهان): وشرط ما ذكرناه أن يغلب عليهم في الزمن الطويل ذكر تلك الواقعة وترداد الخوض فيها فلو وقعت الواقعة، فسبقوا إلى حكم فيها ثم تناسوها إلى ما سواها فلا أثر للزمان، والحالة هذه. ثم بنى على ذلك أنهم لو قالوا عن ظن، ثم ماتوا على الفور، لا يكون إجماعهم إجماعا، ثم أشار إلى ضبط الزمن فقال: المعتبر زمن لا يعرض في مثله استقرار الجم الغفير على رأي إلا عن قاطع أو نازل منزلة القاطع انتهى.
وظهر بذلك أن نقل ابن الحاجب عن إمام الحرمين/ (١٤٦/أ/م) أنه إن كان عن قياس اشترط انقراض العصر، وإلا فلا – غلط عليه، فإنه لا ينظر إلى الانقراض وإنما تعتبر طول المدة وتكرر الواقعة، والله أعلم.
ص: وأن إجماع السالفين/غير حجة وهو الأصح.
ش: علم من لفظ الأمة – وهو للعهد كما تقدم – أن إجماع الأمم السالفة ليس حجة وبه قال الجمهور، لأن العصمة لم تثبت إلا لهذه الأمة وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أن إجماع كل أمة حجة.
قال الشارح: ولم يثبتوا أن الخلاف في كونه حجة عندنا أو عندهم. ويحتمل أنه عندنا، وهو مفرع على كونه حجة عندهم، ويتفرع على حجيته عندهم الخلاف في أنه شرع عندنا أم لا، فإن قلنا: نعم، كان إجماعهم عندنا حجة، وإلا فلا.
стр. 484
وفيه نظر. انتهى.
ص: وأنه قد يكون عن قياس خلافا لمانع جواز ذلك أو وقوعه مطلقا أو في الخفي.
ش: علم من إطلاق الاجتهاد أنه قد يكون مستنده نصا ولا خلاف فيه أو قياسا وهو جائز واقع عند الجمهور.
وقيل: إنه غير ممكن وقيل: إنه ممكن إلا أنه غير واقع وقيل: إن كانت الأمارة جلية جاز، أو خفية فلا.
وعلى القول الأول: فاختلفوا في تحريم مخالفته إذا وقع مع إطباقهم على أنه حجة.
ص: وأن اتفاقهم على أحد القولين قبل استقرار الخلاف جائز، ولو من الحادث بعدهم، وأما بعده منهم فمنعه الإمام، وجوزه الآمدي مطلقا، وقيل: إلا أن يكون مستندهم قاطعا، وأما من غيرهم فالأصح ممتنع إن طال الزمان.
ش: إذا اختلف أهل العصر على قولين فهل يجوز بعد ذلك الاتفاق على أحدهما؟
للمسألة حالان.
إحداهما: أن يكون قبل استقرار الخلاف، فجزم المصنف بجوازه، سواء
стр. 485
أكان الاتفاق منهم أو ممن حدث بعدهم من المجتهدين، وهو مفهوم من إطلاق الاتفاق، وبه قال الجمهور لرجوع الصحابة إلى الصديق ﵃ في قتال/ (١٢٠/ب/د) مانعي الزكاة بعد الاختلاف قبل ذلك وخالف فيه الصيرفي.
قلت: ولك أن تقول: إن أريد بالاستقرار الخلاف جزم كل بقوله، فقبل الجزم لا خلاف، وإن أريد موتهم فيرده أن المسألة/ (١٤٦/ب/م) أعم من اتفاقهم واتفاق من بعدهم كما تقدم، ولست أرتضي قول من قال: إن المراد اشتهاره وأن يصير مذهبا يعزى إلى قائله، لأن شهرة القول لا تحدث له حكما لم يكن له قبل شهرته.
ولعل المراد باستقراره طول الزمان، وتكرر الواقعة مع تصميم كل على قوله، ولا يلزم من كون ذلك غير مشترط في انعقاد الإجماع عدم اشتراطه في هذه الصورة الخاصة عند بعضهم، والله أعلم.
الثانية: أن يكون بعد استقرار الخلاف وتحته صورتان:
إحداهما: أن يكون الاتفاق من أهل ذلك العصر بعينه، ففيه مذاهب.
أحدها: المنع، وهو اختيار الإمام.
والثاني: الجواز، وهو اختيار الآمدي.
والثالث: أنه يجوز إن كان مستندهم ظنيا، ولا يجوز إن كان قطعيا ولا يخفى أن محل الخلاف إذا لم يشترط انقراض العصر، فإن شرطناه جاز قطعا.
الثانية: أن يكون الاتفاق من أهل العصر الذي بعدهم ففيه مذاهب:
الجواز مطلقا وبه قال الإمام وأتباعه وابن الحاجب.
стр. 486
والمنع مطلقا وبه قال الإمام أحمد، والشيخ أبو الحسن، والصيرفي وإمام الحرمين، والغزالي والآمدي ونقل كل منهما عن الجمهور والأصح عند المصنف: الامتناع إن طال الزمان، والجواز إذا قرب وحكي عن إمام الحرمين.
والفرق أن استمرار الخلاف مع طول الزمان يقتضي العرف فيه، بأنه لو كان ثم وجه لسقوط أحد القولين لظهر.
ص: وأن التمسك بأقل ما قيل حق.
ش: من الأدلة التي اعتمدها الشافعي الأخذ بأقل ما قيل إذا لم يجد دليلا سواه، ووافقه القاضي أبو بكر والجمهور، وذلك كدية الكتابي قيل: إنها كدية المسلم، وقيل: على النصف منها، وقيل:/الثلث، فأخذ الشافعي بالثلث، وهو مركب من الإجماع والبراءة الأصلية، فإن إيجاب الثلث مجمع عليه، ووجوب الزيادة عليه مدفوع بالبراءة الأصلية، والصورة أنه لم يقم دليل على إيجاب الزيادة، ولذلك أدخله المصنف في مسائل الإجماع، وأشار إلى أنه مفهوم من التعريف المتقدم، وقد عرفت أنه ليس إجماعا محضا بل مركب من أمرين، وقال القاضي أبو بكر: إن الناقل عن الشافعي/ (١٤٧/أ/م) أنه من الإجماع لعله زل في كلامه.
وقال الغزالي: هو سوء ظن به، فإن المجمع عليه وجوب هذا القدر ولا مخالفة فيه، والمختلف فيه سقوط الزيادة ولا إجماع فيه، وحينئذ فليس تمسكا
стр. 487
بالإجماع بل مجموع هذين/ (١٢١/أ/د) الدليلين.
قال شارحه العبدري: قوله: (ليس تمسكا بالإجماع) أي: في إبطال الزيادة على أقل ما قيل، أما في أقل ما قيل فهو تمسك بالإجماع بدليل قوله: المجمع عليه وجوب هذا القدر، ولا مخالف، فيه انتهى.
أما إذا قام دليل على الزيادة فإن الشافعي يأخذ به، كما قال بالتسبيع في غسلات الكلب، لقيام الدليل عليه، ولم يتمسك بأقل ما قيل، وهو الاقتصار على ثلاث غسلات. والله أعلم.
ص: أما السكوتي فثالثهما حجة لا إجماع ورابعها: بشرط الانقراض وقال ابن أبي هريرة: إن كان فتيا، وأبو إسحاق المروزي عكسه، وقوم: إن وقع فيما يفوت استدراكه، وقوم: في عصر الصحابة، وقوم: إن كان الساكتون أقل، والصحيح: حجة، وفي تسميته إجماعا خلاف لفظي، وفي كونه إجماعا تردد، مثاره أن السكوت المجرد عن أمارة رضا وسخط مع بلوغ الكل ومضي مهلة النظر عادة عن مسألة اجتهادية تكليفية هل يغلب ظن الموافقة؟
ش: ما تقدم في الإجماع القولي، أما السكوتي وهو أن يفتي بعض المجتهدين ويبلغ الباقين فيسكتوا من غير تصريح بموافقة ولا إنكار، ففيه مذاهب:
أحدها: أنه ليس بإجماع، ولا حجة، لاحتمال توقف الساكت في ذلك أو ذهابه إلى تصويب كل مجتهد، واختاره القاضي أبو بكر، ونقله عن الشافعي، وقال: إنه آخر أقواله وإمام الحرمين وقال: إنه ظاهر مذهبه، ولهذا قال: لا ينسب إلى ساكت قول.
стр. 488
قال إمام الحرمين: وهي من عباراته الرشقة.
وقال الغزالي في (المنخول): نص عليه في الجديد، واختاره الإمام فخر الدين وأتباعه.
الثاني: أنه إجماع وحجة، ويوافقه استدلال الشافعي بالإجماع السكوتي في مواضع، وأجاب من نقل عنه الأول: بأنه إنما استدل به في وقائع تكررت كثيرا بحيث انتفت/ (١٤٧/ب/م) فيها الاحتمالات التي اعتل بها من منع كونه حجة.
ويمكن الجواب بأن تلك الوقائع ظهرت من الساكتين فيها قرينة الرضى فليست من محل النزاع، كما ادعى الاتفاق على ذلك الروياني من أصحابنا والقاضي عبد الوهاب من المالكية.
الثالث: أنه حجة وليس بإجماع، وهو قول أبي هاشم والصيرفي وهو معنى قول الآمدي: إنه إجماع ظني يحتج به, ووافقه ابن الحاجب في مختصره الكبير وتردد في مختصره الصغير بين القول بكونه إجماعا، والقول بكونه حجة.
الرابع: أنه إجماع بشرط انقراض العصر وبه قال أبو علي الجبائي والبندنيجي من أصحابنا وفي (اللمع) للشيخ أبي إسحاق: إنه المذهب، قال: فأما قبل انقراضه فهل نقول: ليس إجماعا/ (١٢١/ب/د) قطعا أو على الخلاف؟ طريقان.
الخامس: أنه إجماع إن كان فتيا لا إن كان حكما، وبه قال ابن أبي هريرة، كذا حكاه الآمدي، والذي في (المحصول) عنه: لا، إن كان من حاكم، وبينهما فرق، فلا يلزم من صدوره من حاكم أن يكون حكما فقد يكون فتوى.
стр. 489
السادس: عكسه، وبه قال أبو إسحاق المروزي، لأن الأغلب أن الصادر من الحاكم لا يصدر إلا عن تشاور.
السابع: أنه إجماع إن كان في أمر يفوت استدراكه كإباحة/فرج وإراقة دم، وإلا فلا، حكاه ابن السمعاني.
الثامن: إنه إن كان في عصر الصحابة فإجماع، وإلا فلا، حكاه الماوردي.
التاسع: أنه إجماع إن كان الساكتون أقل، وإلا فلا، حكاه السرخسي من الحنفية.
ولما حكى المصنف هذه المذاهب صحح منها كونه حجة، اقتداء بالرافعي فإنه قال في كتاب القضاء: إنه المشهور.
قال: وهل هو إجماع؟ فيه وجهان.
ثم أشار المصنف إلى أن الخلاف في كونه إجماعا مع الجزم بأنه حجة خلاف لفظي، أي: هل نسميه بذلك أم لا؟ وأن التردد في كونه إجماعا حقيقة مثاره ومنشؤه: أن السكوت المجرد عن أمارة الموافقة والمخالفة مع علم جميع مجتهدي العصر بفتوى أولئك وبمضي مدة يمكن من حيث العادة الاجتهاد فيها في تلك المسألة هل يغلب على الظن الموافقة/ (١٤٨/أ/م) أم لا؟
وقيد المصنف ذلك بقيدين:
أحدهما: أن يكون السكوت عن مسألة اجتهادية، أي واقعة في محل الاجتهاد ليخرج مسائل الوفاق فليست من ذلك.
ثانيهما: أن يكون من مسائل التكليف ليخرج به ما لو كانت المسألة في تفضيل شخص على آخر.
وفاته قيد ثالث أن يتكرر مع طول الزمان.
ورابع: وهو أن يكون بعد استقرار المذاهب.
стр. 490
ص: وكذا الخلاف فيما لم ينتشر.
ش: تقدم الكلام في فتوى البعض وسكوت الباقين مع علمهم به، فإن انتشر ولم يدر هل علموا به أم لا، فيجري فيه الخلاف المتقدم أيضا، لكن الظاهر هنا أنه ليس بحجة، وهو المحكي عن الأكثرين، واختاره الآمدي وهو خلاف ما يقتضيه عبارة المصنف.
وقال الإمام فخر الدين: الحق أنه إن كان فيما تعم به البلوى –أي: تقع فيه الناس كثيرا كنقض الوضوء بمس الذكر – فهو حجة وإلا فلا، وجزم به البيضاوي.
واعلم أن المراد بالانتشار الشهرة لا العلم ببلوغ الخبر للباقين، وألا تتحد مع المسألة التي قبلها.
واشترط الآمدي وابن الحاجب عدم الانتشار يريدان به نفي العلم باطلاعهم ولم يريدا به عدم/ (١٢٢/أ/د) الشهرة، فلا خلاف في المعنى.
ص: وأنه قد يكون في دنيوي وديني وعقلي لا تتوقف، صحته عليه.
ش: علم من قوله: (على أي أمر كان) أن الإجماع حجة في الأمور الدنيوية كالآراء والحروب وتدبير الجيوش، وأمور الرعية، وللقاضي عبد الجبار فيه قولان: وجه المنع اختلاف المصالح بحسب الأحوال، فلو كان حجة للزم ترك المصلحة وإثبات المفسدة، وقطع به الغزالي وصححه ابن السمعاني وأما الأمور الدينية فلا خلاف فيها، وأما العقلية فإنها تكون حجة فيما لا يتوقف الإجماع عليه، كحدوث العالم ووحدة الصانع لإمكان تأخر معرفتهما عن الإجماع دون ما يتوقف الإجماع عليه كإثبات الصانع والنبوة، فإن إثبات
стр. 491
ذلك بالإجماع يلزم منه الدور.
ص: ولا يشترط فيه إمام معصوم.
ش: المخالف في ذلك/ (١٤٨/ب/م) الرافضة بناء على زعمهم أنه لا يجوز خلو الزمان عنه، وحينئذ فالحجة به لا بالإجماع.
ص: ولا بد له من مستند وإلا لم يكن لقيد الاجتهاد معنى.
ش: الجمهور على أنه لا بد للإجماع من مستند، أي دليل شرعي من كتاب أو سنة أو قياس على خلاف فيه تقدم، وذلك معلوم من قوله في التعريف: (مجتهد الأمة) وإلا لم يكن لقيد الاجتهاد فائدة.
وجوز قوم حصوله مصادفة بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير توقيف على مستند، لكن وافقوا على أنه غير واقع كما قاله الآمدي.
ص: الصحيح إمكانه وأنه حجة، وأنه قطعي حيث اتفق المعتبرون لا حيث اختلفوا كالسكوتي وما ندر مخالفه وقال الإمام والآمدي: ظني مطلقا.
ش: فيه ثلاث مسائل:
الأولى:/الصحيح إمكان الإجماع، وأحاله النظام، واعترف بعضهم بإمكانه، ولكن قال: لا سبيل إلى الاطلاع عليه.
الثانية: إذا ثبت إمكانه فهو حجة، خلافا لمن أنكر ذلك، لتضافر أدلة الكتاب والسنة عليه.
стр. 492
الثالثة: إذا ثبت كونه حجة فهل هو حجة قطعية بحيث يكفر أو يضلل مخالفه أو ظنية؟
ذهب الأكثرون إلى الأول، والإمام والآمدي إلى الثاني، واختار المصنف التفصيل بين أن يتفق المعتبرون على أنه إجماع، فيكون قطعيا وبين أن يكون مختلفا فيه كالإجماع السكوتي، وما ندر مخالفه فيكون ظنيا عند القائل به، وقد عرفت أن الأصح أن الأول حجة دون الثاني، ولهذا جمع المصنف بينهما.
ص: وخرقه حرام، فعلم تحريم إحداث ثالث، والتفصيل إن خرقاه، وقيل: خارقان مطلقا، وأنه يجوز إحداث دليل أو تأويل أو علة إن لم يخرق وقيل: لا.
ش: خرق الإجماع حرام، للتوعد عليه في قوله تعالى: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ وهو متفق عليه إذا/ (١٢٢/ب/د) كان مستنده نصا، فإن كان عن اجتهاد فالصحيح كذلك، وحكى القاضي عبد الجبار قولا: إنه يجوز لمن بعدهم مخالفتهم.
ويتفرع على هذا الأصل مسائل:
الأولى: إذا اختلف أهل العصر على قولين/ (١٤٩/أ/م) فهل لمن بعدهم إحداث قول ثالث؟
فيه مذاهب:
стр. 493
أحدها – وبه قال الجمهور -: المنع، كما لو أجمعوا على قول واحد فإنه يحرم إحداث قول ثان.
والثاني: الجواز.
والثالث – واختاره الإمام والآمدي وابن الحاجب وغيرهم -: أنه إن لم يرفع مجمعا عليه جاز، وإلا فلا، وهو المفهوم من قول المصنف: (إن خرقاه) فإنه متعلق بهذه المسألة والتي بعدها.
ومثل ذلك بمسألة الجد والإخوة، فإن العلماء بين حاجب للإخوة وبين مشرك لهم معه في الإرث، فالقول بحجبهم له مطلقا خارق لما أجمعوا عليه من توريثه بكل حال.
فإن قلت: في (المحلى) لابن جزم قول بحجب الجد بهم؟ قلت: يحتمل أن هذا إن ثبت سابق أجمعوا بعده على خلافه، أو متأخر عن الإجماع فهو حينئذ فاسد غير معتد به، والله أعلم.
تنبيه:
أشار المصنف بالفاء الدالة على التفريع في قوله: (فعلم) إلى أنه لا يجوز إحداث قول ثالث مع اعتقاد أنه خارق، بل من جوزه اعتقده غير خارق.
الثانية: إذا لم يفصل أهل العصر بين مسألتين بل أجابوا فيهما بجواب واحد، فليس لمن بعدهم التفصيل بينهما، وجعل حكمهما مختلفا إن لزم منه خرق الإجماع، وذلك في صورتين:
الأولى: أن يصرحوا بعدم الفرق بينهما.
الثانية: أن يتحد الجامع بينهما كتوريث العمة والخالة، فإن العلماء بين مورث لهما ومانع، والجامع بينهما عند الطائفتين كونهما من ذوي الأرحام، فلا يجوز منع واحدة وتوريث أخرى، فإن التفصيل بينهما خارق لإجماعهم في
стр. 494
الأولى نصا، وفي الثانية تضمنا، ويجوز التفصيل فيما عدا هاتين الصورتين.
ثم حكى المصنف قولا بمنع التفصيل بينهما مطلقا، وأن ذلك خارق للإجماع، وكلام القاضي أبي بكر والإمام فخر الدين يدل على ذلك.
وقول الآمدي: إنه لا خلاف هنا في الجواز – مردود.
تنبيه:
توهم بعضهم أنه لا فرق بين هذه المسألة والتي قبلها، لأن الآمدي وابن الحاجب جمعا بينهما وحكما عليهما بحكم واحد ولأن في كل منهما/ (١٤٩/ب/م) إحداث قول ثالث، لكن الفرق بينهما أن هذه فيما إذا كان محل الحكم متعددا وتلك فيما إذا كان متحدا كذا فرق القرافي وغيره ويمكن أن يقال: تلك مفروضة في الأعم من كون المحل متعددا، وكونه متحدا وهذه في كونه متعددا، فالأولى أعم.
الثالثة: إذا استدل المجمعون على/ (١٢٣/أ/د) حكم بدليل أو ذكروا له تأويلا أو علة فلمن بعدهم إحداث/دليل، وتأويل وعلة، إن لم يكن في ذلك إبطال ما أجمعوا عليه، هذا قول الأكثرين ومنعه بعضهم مطلقا لأن ذلك الدليل ليس سبيلا للمؤمنين فلا يقبل، أما إذا كان فيه إبطال مجمع عليه فلا يجوز.
ص: وأنه يمتنع ارتداد الأمة سمعا وهو الصحيح، لا اتفاقها على جهل ما لم تكلف به على الأصح لعدم الخطأ.
ش: فيه مسألتان:
إحداهما: اختلف في أنه هل يمكن ارتداد جميع الأمة في عصر من الأعصار؟ والصحيح امتناعه لأنه ضلال، وهو منفي عن هذه الأمة، وأشار المصنف بقوله: (سمعا) إلى أن محل الخلاف في امتناعه من جهة السمع ولا يمتنع عقلا قطعا.
стр. 495
الثانية: اختلف أيضا في أنه هل يمكن اتفاق الأمة على الجهل بما لا تكلف العلم به كتفضيل عمار على حذيفة أو عكسه؟
والصحيح: أنه لا يمتنع، فإنه ليس في ذلك خطأ لعدم التكليف به، أما ما كلفوا به فيمتنع جهل جميعهم به، ككون الوتر واجبا أم لا.
ص: وفي انقسامها فرقتين كل مخطئ في مسألة تردد مثاره هل أخطأت.
ش: هل يجوز انقسام الأمة فرقتين كل فرقة مخطئة في مسألة، مخالفة للأخرى، كاتفاق شطر الأمة على أن الترتيب في الوضوء واجب، وفي الصلوات الفائتة غير واجب، والفرقة الأخرى على عكس ذلك في الصورتين؟
ذهب الأكثرون إلى المنع، لأن خطأهم في المسألتين لا يخرجهم عن أن يكونوا قد اتفقوا على الخطأ، ولو في المسألتين، وهو منفي عنهم، وجوزه المتأخرون لأن المخطئ في كل مسألة بعض الأمة، ومثار الخلاف أن المخطئين في المسألتين/ (١٥٠/أ/م) معا كل الأمة أو بعضهم وهو معنى قول المصنف: (هل أخطأت) أي كل الأمة.
ص: وأنه لا إجماع يضاد إجماعا سابقا، خلافا للبصري.
ش: ذهب الجمهور إلى أنه إذا انعقد الإجماع في مسألة على حكم لم يجز أن ينعقد بعده إجماع يضاده لاستلزامه تعارض دليلين قطعيين، وجوزه أبو
следующие страницы →