Полный текст (826 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
ذلك بالإجماع يلزم منه الدور.
ص: ولا يشترط فيه إمام معصوم.
ش: المخالف في ذلك/ (١٤٨/ب/م) الرافضة بناء على زعمهم أنه لا يجوز خلو الزمان عنه، وحينئذ فالحجة به لا بالإجماع.
ص: ولا بد له من مستند وإلا لم يكن لقيد الاجتهاد معنى.
ش: الجمهور على أنه لا بد للإجماع من مستند، أي دليل شرعي من كتاب أو سنة أو قياس على خلاف فيه تقدم، وذلك معلوم من قوله في التعريف: (مجتهد الأمة) وإلا لم يكن لقيد الاجتهاد فائدة.
وجوز قوم حصوله مصادفة بأن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير توقيف على مستند، لكن وافقوا على أنه غير واقع كما قاله الآمدي.
ص: الصحيح إمكانه وأنه حجة، وأنه قطعي حيث اتفق المعتبرون لا حيث اختلفوا كالسكوتي وما ندر مخالفه وقال الإمام والآمدي: ظني مطلقا.
ش: فيه ثلاث مسائل:
الأولى:/الصحيح إمكان الإجماع، وأحاله النظام، واعترف بعضهم بإمكانه، ولكن قال: لا سبيل إلى الاطلاع عليه.
الثانية: إذا ثبت إمكانه فهو حجة، خلافا لمن أنكر ذلك، لتضافر أدلة الكتاب والسنة عليه.
стр. 492
الثالثة: إذا ثبت كونه حجة فهل هو حجة قطعية بحيث يكفر أو يضلل مخالفه أو ظنية؟
ذهب الأكثرون إلى الأول، والإمام والآمدي إلى الثاني، واختار المصنف التفصيل بين أن يتفق المعتبرون على أنه إجماع، فيكون قطعيا وبين أن يكون مختلفا فيه كالإجماع السكوتي، وما ندر مخالفه فيكون ظنيا عند القائل به، وقد عرفت أن الأصح أن الأول حجة دون الثاني، ولهذا جمع المصنف بينهما.
ص: وخرقه حرام، فعلم تحريم إحداث ثالث، والتفصيل إن خرقاه، وقيل: خارقان مطلقا، وأنه يجوز إحداث دليل أو تأويل أو علة إن لم يخرق وقيل: لا.
ش: خرق الإجماع حرام، للتوعد عليه في قوله تعالى: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ وهو متفق عليه إذا/ (١٢٢/ب/د) كان مستنده نصا، فإن كان عن اجتهاد فالصحيح كذلك، وحكى القاضي عبد الجبار قولا: إنه يجوز لمن بعدهم مخالفتهم.
ويتفرع على هذا الأصل مسائل:
الأولى: إذا اختلف أهل العصر على قولين/ (١٤٩/أ/م) فهل لمن بعدهم إحداث قول ثالث؟
فيه مذاهب:
стр. 493
أحدها – وبه قال الجمهور -: المنع، كما لو أجمعوا على قول واحد فإنه يحرم إحداث قول ثان.
والثاني: الجواز.
والثالث – واختاره الإمام والآمدي وابن الحاجب وغيرهم -: أنه إن لم يرفع مجمعا عليه جاز، وإلا فلا، وهو المفهوم من قول المصنف: (إن خرقاه) فإنه متعلق بهذه المسألة والتي بعدها.
ومثل ذلك بمسألة الجد والإخوة، فإن العلماء بين حاجب للإخوة وبين مشرك لهم معه في الإرث، فالقول بحجبهم له مطلقا خارق لما أجمعوا عليه من توريثه بكل حال.
فإن قلت: في (المحلى) لابن جزم قول بحجب الجد بهم؟ قلت: يحتمل أن هذا إن ثبت سابق أجمعوا بعده على خلافه، أو متأخر عن الإجماع فهو حينئذ فاسد غير معتد به، والله أعلم.
تنبيه:
أشار المصنف بالفاء الدالة على التفريع في قوله: (فعلم) إلى أنه لا يجوز إحداث قول ثالث مع اعتقاد أنه خارق، بل من جوزه اعتقده غير خارق.
الثانية: إذا لم يفصل أهل العصر بين مسألتين بل أجابوا فيهما بجواب واحد، فليس لمن بعدهم التفصيل بينهما، وجعل حكمهما مختلفا إن لزم منه خرق الإجماع، وذلك في صورتين:
الأولى: أن يصرحوا بعدم الفرق بينهما.
الثانية: أن يتحد الجامع بينهما كتوريث العمة والخالة، فإن العلماء بين مورث لهما ومانع، والجامع بينهما عند الطائفتين كونهما من ذوي الأرحام، فلا يجوز منع واحدة وتوريث أخرى، فإن التفصيل بينهما خارق لإجماعهم في
стр. 494
الأولى نصا، وفي الثانية تضمنا، ويجوز التفصيل فيما عدا هاتين الصورتين.
ثم حكى المصنف قولا بمنع التفصيل بينهما مطلقا، وأن ذلك خارق للإجماع، وكلام القاضي أبي بكر والإمام فخر الدين يدل على ذلك.
وقول الآمدي: إنه لا خلاف هنا في الجواز – مردود.
تنبيه:
توهم بعضهم أنه لا فرق بين هذه المسألة والتي قبلها، لأن الآمدي وابن الحاجب جمعا بينهما وحكما عليهما بحكم واحد ولأن في كل منهما/ (١٤٩/ب/م) إحداث قول ثالث، لكن الفرق بينهما أن هذه فيما إذا كان محل الحكم متعددا وتلك فيما إذا كان متحدا كذا فرق القرافي وغيره ويمكن أن يقال: تلك مفروضة في الأعم من كون المحل متعددا، وكونه متحدا وهذه في كونه متعددا، فالأولى أعم.
الثالثة: إذا استدل المجمعون على/ (١٢٣/أ/د) حكم بدليل أو ذكروا له تأويلا أو علة فلمن بعدهم إحداث/دليل، وتأويل وعلة، إن لم يكن في ذلك إبطال ما أجمعوا عليه، هذا قول الأكثرين ومنعه بعضهم مطلقا لأن ذلك الدليل ليس سبيلا للمؤمنين فلا يقبل، أما إذا كان فيه إبطال مجمع عليه فلا يجوز.
ص: وأنه يمتنع ارتداد الأمة سمعا وهو الصحيح، لا اتفاقها على جهل ما لم تكلف به على الأصح لعدم الخطأ.
ش: فيه مسألتان:
إحداهما: اختلف في أنه هل يمكن ارتداد جميع الأمة في عصر من الأعصار؟ والصحيح امتناعه لأنه ضلال، وهو منفي عن هذه الأمة، وأشار المصنف بقوله: (سمعا) إلى أن محل الخلاف في امتناعه من جهة السمع ولا يمتنع عقلا قطعا.
стр. 495
الثانية: اختلف أيضا في أنه هل يمكن اتفاق الأمة على الجهل بما لا تكلف العلم به كتفضيل عمار على حذيفة أو عكسه؟
والصحيح: أنه لا يمتنع، فإنه ليس في ذلك خطأ لعدم التكليف به، أما ما كلفوا به فيمتنع جهل جميعهم به، ككون الوتر واجبا أم لا.
ص: وفي انقسامها فرقتين كل مخطئ في مسألة تردد مثاره هل أخطأت.
ش: هل يجوز انقسام الأمة فرقتين كل فرقة مخطئة في مسألة، مخالفة للأخرى، كاتفاق شطر الأمة على أن الترتيب في الوضوء واجب، وفي الصلوات الفائتة غير واجب، والفرقة الأخرى على عكس ذلك في الصورتين؟
ذهب الأكثرون إلى المنع، لأن خطأهم في المسألتين لا يخرجهم عن أن يكونوا قد اتفقوا على الخطأ، ولو في المسألتين، وهو منفي عنهم، وجوزه المتأخرون لأن المخطئ في كل مسألة بعض الأمة، ومثار الخلاف أن المخطئين في المسألتين/ (١٥٠/أ/م) معا كل الأمة أو بعضهم وهو معنى قول المصنف: (هل أخطأت) أي كل الأمة.
ص: وأنه لا إجماع يضاد إجماعا سابقا، خلافا للبصري.
ش: ذهب الجمهور إلى أنه إذا انعقد الإجماع في مسألة على حكم لم يجز أن ينعقد بعده إجماع يضاده لاستلزامه تعارض دليلين قطعيين، وجوزه أبو
стр. 496
عبد الله البصري، وقال: لا امتناع في تخصيص بقاء كون الإجماع حجة قطعية، بما إذا لم يطرأ عليه إجماع آخر، لكن لما أجمعوا على وجوب العمل بالمجمع عليه في جميع الأعصار أمنا من وقوع هذا الجائز، فاستفيد عدم الجواز من الإجماع الثاني دون الإجماع الأول.
ص: وأنه لا يعارضه دليل إذ لا تعارض بين قاطعين ولا قاطع ومظنون.
ش: لا يعارض الإجماع دليل قطعي ولا ظني، أما القطعي فلأن تعارض القاطعين محال، لأن التعارض يقتضي خطأ أحدهما وأما الظني فإنه لا يعارض القطعي، وفهم منه أن محل ذلك في الإجماع القطعي أما الظني فتجوز معارضته/ (١٢٣/ب/د) فالإجماع المتفق عليه أولى من المختلف فيه.
ص: وأن موافقته خبراً لا تدل على أنه عنه بل ذلك الظاهر، إن لم يوجد غيره.
ش: إذا وجدنا إجماعا موافقا لخبر، ولم نجد للإجماع دليلا سواه، فلا يتعين كون الإجماع ناشئا عن ذلك الدليل، لاحتمال أن يكون له مستند آخر استغني عن ذكره بالإجماع، وإن كان الظاهر أنه ناشئ عنه.
وقال أبو عبد الله البصري: بل يتعين أن يكون هو مستنده وأوله بعضهم على أن ذلك هو الظاهر، لا أنه لازم، وحكاه ابن برهان في (الوجيز) عن الشافعي أيضا.
قال القاضي عبد الوهاب: ومحل الخلاف في خبر الواحد، فإن كان متواترا فهو عنه، بلا خلاف.
تنبيه:
قال الشارح: لينظر في هذه المسألة مع قول المصنف في باب
стр. 497
(الأخبار) وأن الإجماع على وفق خبر لا يدل على صدقه.
وثالثها:/ (١٥٠/ب/م) إن تلقوه بالقبول بأن كونه مستندا لإجماع، ودلالة الإجماع على صدقه متقارب.
قلت: تلك المسألة في الاستدلال بذلك على صحة الخبر وهي كعمل العالم على وفق خبر لا يدل على صحته، فالبحث هناك عن الأخبار وصحتها/وهذه المسألة بعد صحة الخبر لا تدل موافقة الإجماع له على أنه ناشئ عنه فهذا من مباحث الإجماع، هل يتعين أن يكون سنده هذا الخبر أو يجوز أن يكون غيره؟ والله أعلم.
ص: خاتمة: جاحد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة كافر قطعا، وكذا المشهور المنصوص في الأصح، وفي غير المنصوص تردد، ولا يكفر جاحد الخفي ولو منصوصا.
ش: من جحد حكما من أحكام الشرع مجمعا عليه فله أحوال:
أحدها: أن يكون معلوما من الدين بالضرورة كالصلوات الخمس فهو كافر.
واعلم أن أحكام الشرع – على قاعدة الأشاعرة – لا يعرف منها شيء إلا بالدليل السمعي فهي نظرية لكن لعدم تطرق الشك إليها واستواء الخلق فيها أشبهت الضروري فسميت باسمه.
ثانيها: أن لا يبلغ رتبة الضروري لكنه مشهور، وفيه نص، فالأصح يكفر جاحده فإن لم يكن منصوصا ففي الحكم بكفره تردد، وهو خلاف لأصحابنا صحح النووي في باب: (الردة) التكفير، وحكى الرافعي في باب (حد الخمر) عن الإمام أنه لم يستحسن إطلاق القول بتكفيره وقال: كيف نكفر من
стр. 498
خالف الإجماع، ونحن لا نكفر من رد أصل الإجماع وإنما نبدعه ونضلله؟ وأول كلام الأصحاب على ما إذا صدق المجمعين على أن التحريم ثابت في الشرع ثم خالفه فإنه يكون رادا للشرع.
ثالثها: أن لا يكون من مشهورات الأحكام، بل من خفياتها فلا يكفر جاحده ولو كان فيه نص مثل كون بنت الابن لها/ (١٢٤/أ/د) مع بنت الصلب السدس تكملة الثلثين، فإنه مجمع عليه، وفيه نص، ومع ذلك فلا يكفر جاحده لخفائه، وأنكر على ابن الحاجب حيث أوهمت عبارته حكاية قول فيه/ (١٥٠/أ/م) بالتكفير.
стр. 499
ص: الكِتَابُ الرَّابِعُ
فِي القِيَاسِ
ص: وهو حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعلومٍ لِمُسَاوَاتِهِ فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ عِنْدَ الحَامِلِ، وإِنْ خُصَّ بِالصَّحيحِ حُذِفَ الأَخِيرُ.
ش: القِيَاسُ لُغَةً: التّقْدِيرُ وَالتَّسْوِيةُ، ومِنْه نَقْلُ اللّفْظِ إِلَى القِيَاسِ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ، لأَنَّ فِيهِ مُسَاوَاةَ الفَرْعِ للأَصْلِ.
وَاخْتَارَ المُصَنِّفُ فِي تَعْرِيفِهِ اصْطِلاَحًا مَا ذَكَرَهُ، لأَنَّ أَصْلَهُ لِلقَاضِي أَبِي بَكْرٍ.
وَالمُرَادُ بِالحَمْلِ الإِلحَاقُ، وَالمُرَادُ بِالمَعْلومِ المُتَصَوَّرُ، فَيَتَنَاوَلُ العِلْمَ اليَقِينِيَّ، وَالاعْتِقَادَ وَالظَّنَّ.
وإِنَّمَا لَمْ يُعَبِّرْ بمَوْجُودٍ ولاَ بِشَيءٍ، لأَنَّ القِيَاسَ يَجْرِي فِي المَوْجُودِ وَالمَعْدُومِ، وَالشَّيءُ لاَ يُطْلَقُ علَى المَعْدُومِ عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ.
وإِنَّمَا لَمْ يُعَبِّرْ بِالفَرْعِ وَالأَصْلِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ ابْنُ الحَاجِبِ، لأَنَّ تَعْرِيفَ القِيَاسِ بِهِمَا دَوْرٌ.
وإِنَّمَا قَالَ: لِمُسَاوَاتِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: لِمُشَارَكَتِهِ، كَمَا فَعَلَ غيرُه لأَمْرَينِ:
أَحَدُهُمَا: لِتَطَابُقِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ، فإِنَّه المُسَاوَاةُ كَمَا تَقَدَّمَ.
ثَانِيهُمَا: أَنَّ لَفْظَ المُشَارَكَةَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ هذَا المَعْنَى وَبَيْنَ المُنَاصَفَةِ فِي المَالِ، كَقَوْلِكَ: اشْتَرَكَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو فِي المَالِ، فَاجْتِنَابُ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ فِي التَّعْرِيف أَولَى.
стр. 500
قَالَ الشَّارِحُ: هَكَذَا حَرَّرَه المُصَنِّفُ، وأَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا عَبَّرَ بِالمُسَاوَاةِ دُونَ المُشَارَكَةِ، لأَنَّ المُشَارَكَةَ فِي أَمْرٍ مَا لاَ يُوجِبُ اسْتِوَاءَهُمَا فِي الحُكْمِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الأَمْرُ فِيهِمَا بِالسَّوَاءِ أَوْ بِالقَرِيبِ مِنَ السَّوَاءِ، قَالَ: وَلَكَ أَنْ تَقُولَ قَوْلُه: فِي عِلَّةِ حُكْمِهِ: كَانَ يَنْبَغِي تَجَنُّبُهُ كَمَا تَجَنَّبَ لَفْظَ الأَصْلِ وَالفَرْعِ، لأَنَّ العِلَّةَ مِنْ أَرْكَانِ القِيَاسِ، فَلاَ يُمْكِنُ تَعْرِيفُهَا إِلاَّ بِهِ، فأَخْذُهَا فِي تَعْرِيفِ القِيَاسِ يَلْزَمُ مِنْهُ الدَّوْرُ، وَلهذَا قَالَ بَعْضُهُم: لاسْتِوَائِهِمَا فِي مَشْغُولٍ بِهِ.
قُلْتُ: فإِنْ أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بأَنَّ العِلَّةَ مِنْ حَيْثُ هي غَيْرُ مُسْتَلْزِمَةٍ لِلقِيَاسِ، فإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ قَاصِرَةً فَلاَ قِيَاسَ مَعَهَا، فهذَا مَرْدُودٌ، لأَنَّ القَاصِرَةَ لاَ اشْتِرَاكَ فِيهَا وَلاَ مُسَاوَاةَ، فَلَمْ تَتَنَاوَلْهَا عِبَارَتُه، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: عِنْدَ الحَامِلِ، عَبَّرَ بِهِ لِيَشْمَلَ القِيَاسَ الصَّحِيحَ وَالفَاسِدَ، فإِنْ أُرِيدَ تَخْصِيصُ التَّعْرِيفِ بِالصَّحِيحِ حُذِفَ قَوْلُهُ: عِنْدَ الحَامِلِ، لِيَخْتَصَّ بِالمُسَاوَاةِ فِي نَفْسِ (١٥١/ب/م) الأَمْرِ، ولَمْ يُعَبِّرْ بِالمُجْتَهِدِ، لِيَتَنَاوَلَ المُقَلِّدَ الذي يَقِيسُ علَى أَصْلِ إِمَامِهِ.
وأَسْقطَ المُصَنِّفُ مِنْ كلاَمِ القَاضِي أَبِي بَكْرٍ قَوْلَه فِي ذَيْلِ هذَا التَّعْرِيفِ: (فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا) فإِنَّه لَيْسَ مِنْ تَمَامِ التَّعْرِيفِ.
وتَوَهَّمَ ابْنُ الحَاجِبِ أَنَّه مِنْ تَمَامِهِ، فأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ إِثْبَاتَ الحُكْمِ فِيهِمَا مَعًا لَيْسَ بِالقِيَاسِ.
ص: وهو/ (١٢٤/ب/د) حُجَّةٌ فِي الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، قَالَ الإِمَامُ: اتِّفَاقًا، وأَمَّا غَيْرُهَا فَمَنَعَه قَوْمٌ عَقْلاً، وَابْنُ حَزْمٍ شَرْعًا ودَاوُدُ: غَيْرَ الجَلِيِّ وأَبُو حَنِيفَةَ: فِي الحُدُودِ وَالكَفَّارَاتِ وَالرُّخَصِ وَالتَّقْدِيرَاتِ، وَابْنُ
стр. 501
عَبْدَانَ: مَا لَمْ يُضْطَرَّ إِلَيْهِ، وَقَوْمٌ: فِي الأَسْبَابِ وَالشَّرَائِطِ وَالمَوَانِعِ، وَقَوْمٌ: فِي أُصُولِ العِبَادَاتِ، وَقَوْمٌ: الجُزْئِيَّ الحَاجِيَّ إِذَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ علَى وَفْقِهِ كَضَمَانِ الدِّرْعِ، وآخَرُونَ: فِي العَقْلِيَّاتِ، وآخَرُونَ: فِي النَّفْيِ الأَصْليِّ، وَتَقَدَّمَ قِيَاسُ اللُّغَةِ، وَالصَّحِيحُ: حُجَّةٌ إِلاَّ فِي العَادِيَّةِ وَالخِلْقِيَّةِ وإِلاَّ فِي كُلِّ الأَحْكَامِ، وإِلاَّ القِيَاسَ عَلَى مَنْسُوخٍ، خِلاَفًا لِلمُعَمِّمِينَ.
ش: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ كَمَا قَالَ الإِمَامُ فِي (المَحْصُول) علَى أَنَّ القِيَاس حُجَّةٌ فِي الأُمُور الدّنْيَوِيَّةِ كَالأَدْوِيَةِ وَالأَغْذِيَةِ وَالأَسْفَارِ، وَاخْتُلِفَ فِي الشَّرْعِيَّةِ علَى مَذَاهِب.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُمْنَعُ التّعَبُّدُ بِهِ عَقْلاً وَبِهِ قَالَ الإِمَامِيَّةُ مِنَ الشِّيعَةِ، وذَهَبَتِ الزّيْدِيَّةُ مِنْهُم إِلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ، ومِمَّنْ قَالَ بَِامْتِنَاعِهِ عَقْلاً أَيْضًا النّظَّامُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، كَذَا حَكَاهُ عَنْهُ البَيْضَاوِيُّ، لَكِنَّ الذي فِي (المَحْصُولِ) (وَالحَاصِلِ) وغَيْرِهِمَا عَنْهُ إِحَالَتُه فِي شَرْعِنَا فَقَطْ.
قَالَ: لأَنَّ مَبْنَاهُ علَى الجَمْعِ بَيْنَ المُخْتَلِفَاتِ وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ المُتَمَاثِلاَتِ.
الثَّانِي: امْتِنَاعُه شَرْعًا فَقَطْ، قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِريُّ.
الثَّالِثُ: مَنَعَ غَيْرِ الجَّلِيِّ ولَوْ كَانَ مُسَاوِيًا، أَمَّا الجَلِيُّ: وهو مَا كَانَ المُلْحَقُ أَولَى بِالحُكْمِ مِنَ المُلْحَقِ بِهِ فهو غَيْرُ مُمْتَنَعٍ، قَالَهُ دَاوُدُ الظَّاهِريُّ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ الآمِدِيّ، لَكنْ نَقَلَ عَنْهُ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ وَالغَزَالِيُّ مَنْعَهُ مُطْلَقًا، ونَقَلَ عَنْهُ الإِمَامُ فَخْرُ الدّينِ إِحَالَتُهُ عَقْلاً، لكنَّ مَا حَكَاهُ عَنْهُ الآمِدِيّ أَثْبَتُ، لِكَونِهِ حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ حَزْمٍ، وهو أَعْرَفُ بِمَذْهَبِه، لكِنْ قَالَ/ (١٥٢/أَ/م) الشَّارِحُ: دَاوُدُ وإِنْ قَالَ بِالجَلِيِّ لاَ يُسَمِّيهِ قِيَاسًا، وَابْنُ حَزْمٍ أَعْلَمُ بِمَذْهَبِهِ.
стр. 502
قَالَ فِي كِتَابِ (الإِحْكَامِ): وَدَاوُدُ وأَصْحَابُه لاَ يَقُولونَ بِشَيْءٍ مِنَ القِيَاس سَوَاءً كَانَتِ العِلَّةُ فِيهِ مَنْصُوصَةً أَمْ لاَ، انْتَهَى.
الرَّابِع ـ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ـ: العَمَلُ بِالقِيَاسِ إِلاَّ فِي الحُدُودِ، كَقَطْعِ النّبَّاشِ قِيَاسًا علَى السَّارِقِ، وجَلْدِ اللاََّّئِطِ إِنْ كَانَ بِكْرًا مَِائَةً، ورَجْمِهِ إِنْ كَانَ ثَيِّبًا قِيَاسًا علَى الزَّانِي، وَالكَفَّارَاتُ كإِيجَابِهَا علَى القَاتِلِ عَمْدًا، قِيَاسًا علَى قَتْلِ الخَطَأِ، وَالرُّخَصُ كَقِيَاس العِنَبِ علَى الرّطَبِ فِي العَرَايَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ، وَالتَّقْدِيرَاتُ كأَعْدَادِ الرّكَعَاتِ.
وأَشَارَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الحَنَفِيَّة نَاقَضُوا أَصْلَهُم، فأَوْجَبُوا الكَفَّارَةَ بِالإِفْطَارِ بِالأَكْلِ، قِيَاسًا علَى الإِفْطَارِ بِالجِمَاعِ، وفِي قَتْلِ الصيدِ خَطَأً قِيَاسًا علَى قَتْلِه عَمْدًا، وَقَاسُوا فِي التّقْدِيرَاتِ حَتَّى قَالُوا فِي الدّجَاجَةِ إِذَا مَاتَتْ فِي البِئْرِ يَجِبُ/ (١٢٥/أَ/د) نَزْعُ كَذَا وكَذَا دَلْوٍ، وفِي الفَأْرَةِ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، ولَيْسَ هذَا التّقْدِيرُ عَنْ نَصٍّ، ولاَ إِجْمَاعٍ، فَيَكُونُ قِيَاسًا.
وقَالَ القَاضِي أَبُو الطّيِّبِ، نَاقَضَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي تَقْدِيرِه مُدَّةَ الرّضَاعِ وَالعَدَدَ الذي يَنْعَقِدُ بِهِ الجُمُعَةِ، ومَسْحِ الرّأْسِ بمَا لَيْسَ فِيهِ تَوْقِيفٌ ولاَ اتِّفَاقٌ، انْتَهَى.
ومَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَرَيَانِ القِيَاس فِي الرّخَصِ هو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، كَمَا حَكَاهُ الإِمَامُ وغَيْرُه، لكِنَّه نَصَّ فِي (البُوَيْطِيِّ) علَى أَنَّه لاَ يَجْرِي فِيهَا، فَلَعَلَّ لَهُ، فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ، ويَدُلُّ لَهُ اخْتِلاَفُ جَوَابِه فِي جَوَازِ العَرَايَا فِي غَيْرِ الرّطَبِ وَالعِنَبِ قِيَاسًا.
الخَامِسُ ـ وَبِهِ قَالَ أَبُو الفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا ـ: مَنْعَ القِيَاس مَا لَمْ يُضْطَرَّ إِلَيْهِ، بأَنْ تَحْدُثَ حَادِثَةٌ تَقْتَضِي الضّرُورَةُ مَعْرِفَةُ حُكْمِهَا، حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الصّلاَحِ فِي طَبَقَاتِهِ وقَالَ: يَأْبَاهُ وَضْعُ الأَئِمَّةِ الكُتُبَ الطَّافِحَةَ بِالمَسَائِلِ
стр. 503
القِيَاسِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالحَادِثَةِ.
السَّادِسُ: مَنَعَ القِيَاسَ فِي الأَسبَابِ، كجَعْلِ الزّنَا سَبَبًا لإِيجَابِ الحَدِّ، فَلاَ يُقَاسُ عَلَيْهِ اللّوَاطُ، قَالَ فِي (المَحْصُولِ) إِنَّه المَشْهُورُ، وصَحَّحَه الآمِدِيّ/ (١٥٢/ب/م) وَابْنُ الحَاجِبِ وجَزَمَ بِهِ البَيْضَاوِيُّ، ونَقَلَ الآمِدِيّ عَنْ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ جَرَيَانَهُ فِيهَا، ومَشَى عَلَيْهِ المُصَنِّفُ، ويَجْرِي الخِلاَفُ فِي الشُّرُوطِ، كَمَا ذَكَرَه الآمِدِيُّ وغَيرُه، وصَرَّحَ بِهِ +إِلكيَاالهرَاسي+ فِي الشُّرُوطِ وَالمَوَانِعِ.
السَّابِعُ: مَنَعَ القِيَاس فِي إِثْبَاتِ أُصُولِ العِبَادَاتِ، حُكِيَ عَنِ الحَنَفِيَّة، وبَنُوا عَلَيْهِ أَنَّه لاَ يَجُوز إِثْبَاتُ الصّلاَةِ بإِيمَاءِ الحَاجِبِ قِيَاسًا علَى الإِيمَاءِ بِالرَّأْسِ؛ لأَنَّهُ لوْ جَازَ لأَمْكَنَ إِثْبَاتُ عِبَادَةٍ مُسْتَقِلَّة قِيَاسًا عَلَى العِبَادَاتِ المَشْرُوعَاتِ بِجَامِعِ المَصَالِحِ المُتَعَلِّقَةِ بِالعِبَادَاتِ، وأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ إِثبَاتِ عِبَادَةٍ زَائِدَةٍ، بأَنَّه تَشْرِيعٌ بَاطِلٌ لاَ قِيَاسٌ.
الثَّامِنُ: مَنَعَ قَوْمٌ القِيَاسَ الجُزْئِيَّ الحَاجِيَّ إِذَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ علَى وَفْقِه مَعَ عُمُومِ الحَاجَةِ إِلَيْهِ، كضَمَانِ الدَّرْكِ، فإِنَّ القِيَاسَ الجُزْئِيَّ يقْتَضِي مَنْعَه؛ لأَنَّهُ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ، وعُمومُ الحَاجةِ إِلَيْه لمُعَامَلَةِ مَنْ لاَ يَعْرِفُ يقْتَضِي جَوَازَه، كَذَا حكَى هذَا الخِلاَفَ عَنْ أَهْلِ الأُصُولِ الشَّيْخ صَدْرُ الدِّينِ بْنُ الوَكِيلِ فِي (الأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ).
ولاَ يُعْرَفُ فِي كُتُبِ الأُصُولِ، وقَدْ مَنَعَ ابْنُ سُرَيْجٍ ضَمَانَ الدَّرْكِ علَى مُقْتَضَى القِيَاسِ، وخَرَّجَهُ قَوْلاً، وَالأَصَحُّ صِحَّتُه بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ؛ لأَنَّهُ وقْتُ الحَاجَةِ
стр. 504
المُؤَكَّدَةِ.
التَّاسِعُ: مَنَعَ قَوْمٌ مِنَ الحَشْوِيَّةِ وغُلاَةُ الظَّاهِريَّةِ القِيَاسَ فِي العَقْلِيَّاتِ، وجَوَّزَه أَكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ كقَوْلِنَا: العَالِمِيَّةُ فِي الشَّاهِدِ مُعَلَّلَةٌ بِالعِلْمِ فكذَا فِي الغَائِبِ. العَاشِرُ: يَكْتَفِي فِي النّفْيِ الأَصْلِيِّ، أَي البَقَاءُ علَى مَا كَانَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ ـ بَاسْتِصْحَابِ حُكْمِ العَقْلِ، وَهَلْ يَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ الاسْتِدْلاَلُ عَلَيْهِ بِالقِيَاسِ، بأَنْ نَجِدَ صُورَةً لاَ حُكْمَ للشَّرْعِ فِيهَا، ثُمَّ نَجِدُ أُخْرَى تُشْبِهُهَا فَنَقِيسُهَا/ (١٢٥/ب/د) علَى التي بَحَثْنَا عَنْهَا ولَمْ نَجِدْ للشَّرْعِ حُكْمًا فِيهَا، أَمْ لاَ؟
فِيهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
ثَالِثُهَا ـ وَبِهِ قَالَ الغَزَالِيُّ وَالإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ ـ التَّفْصِيلُ، فَيجُوزُ بقِيَاسِ الدَّلاَلَةِ ـ وهو الاسْتِدْلاَلُ بَانْتِفَاءِ آثَارِه وخَوَاصِّهِ علَى عَدَمِه ـ دُونَ قِيَاسِ العِلَّةِ؛ لأَنَّ العَدَمَ الأَصْلِيَّ أَوْلَى، وَالعِلَّةُ حَادِثَةٌ بَعْدَه فَلاَ يُعَلَّلُ بِهَا، وعَزَاهُ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ للمُحَقِّقِينَ.
وخَرَجَ بَالأَصْلِيِّ العَدَمُ الطَّارِئُ، فإِنَّه يَجْرِي فِيهِ القِيَاسُ بنَوْعَيْه، أَي قِيَاسُ الدَّلاَلَةِ وَالعِلَّةُ/ (١٥٣/أَ/م) اتِّفَاقًا؛ لأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ حَادِثٌ، فهو كسَائِرِ الأَحْكَامِ الوُجُودِيَّةِ.
الحَادِي عَشَرَ: مَنَعَ بَعْضُهُمُ القِيَاسَ فِي اللُّغَاتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي فَصْلِ اللُّغَاتِ، ثُمَّ ذَكَرَ المُصَنِّفُ بَعْدَ حِكَايَةِ الخِلاَفِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ القِيَاسَ حُجَّةٌ إِلاَّ فِي ثَلاَثَةِ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: الأُمُورُ العَادِيَّةُ وَالخِلْقِيَّةُ، فَلاَ يَجْرِي القِيَاسُ فِيهَا، كَمَا حَكَاهُ فِي (المَحْصُولِ) عَنِ الشَّيْخ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، لكِنَّهُ فَصَلَ فِي (شَرْحِ اللُّمَعِ) بَيْنَ مَا لاَ يَكُونُ عَلَيْهِ أَمَارَةٌ كأَقَلِّ الحَيْضِ وأَكْثَرِهِ، فَلاَ يَجْرِي فِيهِ القِيَاسُ، لأَنَّ اشْتِبَاهَهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لاَ قَطْعًا ولاَ ظَنًَّا وَبَيْنَ مَا عَلَيْهِ أَمَارَةٌ فَيجُوزُ إِثْبَاتُه بِالقِيَاسِ، كَالخِلاَفِ فِي الشِّعْرِ هَلْ تُحِلُّه الرُّوحُ أَمْ لاَ، وذَكَرَ المَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ:
стр. 505
أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُ القِيَاسِ فِي المَقَادِيرِ، كَأَقَلِّ الحَيْضِ وأَكْثَرِه.
قَالَ الشَّارِحُ: وقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ الكَلاَمَيْنِ بِحَمْلِ الأَوَّلِ علَى الحَيْضِ مِنْ حَيْثُ الجُمْلَةِ، وَالثَّانِي فِي الأَشْخَاصِ المُعَيَّنَةِ.
ثَانِيهَا: لاَ يَجُوزُ إِثْبَاتُ جَمِيعِ الأَحْكَامِ بِالقِيَاسِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، بَلْ فِي بعْضُهَا مَا لاَ يَجْرِي القِيَاسُ فِيهِ لاخْتِلاَفِ أَحْكَامِه، وجَوَّزَه قَوْمٌ كَمَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ كُلِّهَا بِالنَّصِّ.
ثَالِثُهَا: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ القِيَاسُ علَى أَصْلٍ منْسوخٍ، وقَوْلُ المُصَنِّفِ: (خِلاَفًا للمُعَمِّمِينَ) يَرْجِعُ للمَسَائِلِ الثَّلاَثِ.
قَالَ الشَّارِحُ: ولاَ يُعرَفٌ خِلاَفٌ فِي امْتِنَاعِ القِيَاسِ علَى منْسوخٍ، إِلا أَنَّهُ سَبَقَ فِي النَّسْخِ عَنِ الحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ إِذَا نُسِخَ حُكْمُ الأَصْلِ يبقَى حُكْمُ الفَرْعِ، وهو يقتَضِي جَوَازَ القِيَاسِ علَى المَنْسوخِ، فإِنهم قَالُوا ببَقَاءِ حُكْمِ الفَرْعِ، ولو قَالَ: وإِلاَّ القِيَاسَ علَى مَخْصُوصٍ، لأَمْكَنَ الخِلاَفُ، فإِن الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ ذَكَرَ فِي (اللُّمَعِ) من مُفْسِدَاتِ القِيَاسِ كونَ الشَّرْعِ وَرَدَ بتَخْصِيصِ الأَصْلِ كقِيَاسِ أَبِي حَنِيفَةَ جَوَازَ النِّكَاحِ بلَفْظِ الهِبَةِ قِيَاسًا علَى النَّبِيِّ ﷺ مَعَ وُرُودِ الشَّرْعِ بتَخْصِيصِه بذلك.
ص: ولَيْسَ النَّصُّ علَى العِلَّةِ ولوْ فِي التَّرْكِ أَمْرًَا بِالقِيَاسِ، خِلاَفًا للبَصْرِيِّ، وثَالِثُهَا: التَّفْصِيلُ.
ش: اخْتُلِفَ فِي النَّصِِّ علَى عِلَّةِ الحُكْمِ هَلْ يكونُ أَمْرًَا بِالقِيَاسِ، فَيكفِي فِي تَعَدِّي الحُكْمِ إِلَى غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ وإِن لَمْ يَرِدِ التَّعَبُّدُ بِالقِيَاسِ، أَمْ لاَ؟ علَى مَذَاهِب.
стр. 506
أَحَدُهَا ـ وبه/ (١٢٦/أَ/د) قَالَ الجُمْهُورُ ـ: لاَ، سَوَاءَ أَكَانَ فِي الفِعْلِ كأُكْرِمُ زَيْدًا لِعِلْمِه، أَو فِي التَّرْكِ، كـ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ لإِسْكَارِهَا.
وَالثَّانِي ـ وَبِهِ قَالَ البَصْرِيُّ، أَي أَبُو الحُسَينِ وَالشَّيْخُ/ (١٥٣/ب/م) أَبُو إِسْحَاقَ وأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ وَالإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وغَيْرُهُم ـ: نَعَمْ.
وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ التَّرْكِ فِيُعَدَّى وَالفِعْلِ فلاَ، وحَكَاهُ ابْنُ الحَاجِبِ عَنِ البَصْرِيِّ، ومُرَادُه أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فَلاَ يُتَخَيَّلُ أَنَّ بَيْنَ نَقْلِهِ ونَقْلِ المُصَنِّفِ اخْتِلاَفًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: وأَرْكَانُه أَرْبَعَةٌ: الأَصْلُ، وهو مَحَلُّ الحُكْمِ المُشَبَّهِ بِهِ وَقِيلَ: دَلِيلُه، وَقِيلَ حُكْمُه.
ش: أَرْكَانُ القِيَاسِ أَرْبَعَةٌ وهي: الأَصْلُ، وَالفَرْعُ، وحُكْمُ الأَصْلِ، وَالوَصْفُ الجَامِعُ.
ولَمْ يذْكُرُوا مِنْهَا حُكْمَ الفَرْعِ لأَنَّهُ ثَمَرَةُ القِيَاسِ، فلَوْ عُدَّ مِنْ أَرْكَانِه كَانَ دَوْرًا.
كذَا أَجَاب بِهِ الآمِدِيّ، وفِيه نَظَرٌ، لأَنَّ ثَمَرَةَ القِيَاسِ العِلْمُ بِحُكْمِ الفَرْعِ، لأَنَّهُ هو المُسْتَفَادُ مِنَ القِيَاسِ، لاَ حُكْمُ الفَرْعِ بِعَيْنِه.
وأَجَابَ بعْضُهم عنْ ذَلِكَ بأَنَّهُ هو حُكْمُ الأَصْلِ فِي الحَقِيقَة وإِنْ غَايَرَه بَاعْتِبَارِ مَحَلِّه.
وفِي المُرَاد بَالأَصْل مَذَاهِب:
أَحَدُهَا ـ وهو قَوْلُ الفُقهَاءِ وبَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ ـ: أَنَّهُ مَحَلُّ الحُكْمِ المُشَبَّهِ بِهِ
стр. 507
كَالخَمْرِ فِيمَا إِذَا قِسْنَا النَّبِيذَ عَلَيْهَا فِي التَّحْرِيمِ، للِعِلَّةِ الجَامِعةِ بَيْنَهُمَا، وهي الإِسْكَارُ، ونَقَلَه ابْنُ الحَاجِبِ عَنِ الأَكْثَرِينَ، وقَالَ الآمِدِيُّ: إِنَّهُ الأَشبَهُ.
الثَّانِي ـ وهو قَوْلُ المُتَكَلِّمِينَ ـ: أَنَّهُ الدَّلِيلُ، وهو هُنَا الدَّلِيلُ الدَّالُّ علَى تَحْرِيمِ الخَمْرِ.
الثَّالِثُ ـ وهو قَوْلُ الإِمَامِ ـ: أَنَّهُ الحُكْمُ، وهو التَّحْرِيمُ الثَّابِتُ للخَمْرِ فِي هذَا المِثَالِ.
وَالخِلاَفُ فِي ذَلِكَ لَفْظِيٌّ.
وقَدِ اعْتُرِضَ علَى المُصَنِّفِ بأَنَّ كَلاَمَه فِي أَوَّلِ الكتَابِ يُخَالفُ جَعْلَه هُنَا القَوْلَ بأَنَّه دَلِيلُه مَرْجُوحًا.
وأُجِيبَ عَنْهُ بأَنَّ اصْطِلاَحَ الأُصُولِيِّينَ فِي المُقَدِّمَاتِ إِطْلاَقُ الأَصْلِ علَى شَيْءٍ وفِي القِيَاسِ إِطْلاَقُه علَى آخَرَ.
ص: ولاَ يُشْتَرَطُ دَالٌّ علَى جَوَازِ القِيَاسِ عَلَيْهِ بِنَوْعِهِ أَوْ شَخْصِه، ولاَ الاتِّفَاقُ علَى وُجُودِ العِلَّةِ فِيهِ، خِلاَفًا لِزَاعِمَيْهِمَا.
ش: فِيهِ مَسْأَلتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: الجُمْهُورُ علَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ القِيَاسِ أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ علَى جَوَازِ القِيَاسِ علَى ذَلِكَ الأَصْلِ بِخُصُوصِهِ، إِمَّا بِنَوْعِهِ أَوْ شَخْصِه، وَاشْتَرَطَه عُثْمَانُ البَتِّيُّ، فقَالَ: لاَ بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ علَى جَوَازِ القِيَاسِ
стр. 508
فِي أَحْكَامِ البَيْعِ إِذَا كَانتِ المَسْأَلَةُ مِنْ مَسَائِلِ البَيْعِ، وكذَا النِّكَاحِ وَغَيْرُه.
الثَانِيَةُ: لاَ يُشْتَرَطُ الاتِّفَاقُ علَى وُجُودِ العِلَّةِ فِي الأَصْلِ، بَلْ يَكْفِي قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، خِلاَفًا لبَعْضِهم.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ:/ (١٥٤/أَ/م) إِنْ أَرَادَ إِجْمَاعَ الأُمَّةِ أَدَّى إِلَى إِبطَالِ القِيَاسِ لأَنَّ نُفَاةَ القِيَاسِ مِنْ جُمْلَتِهِم، وإِنْ أَرَادَ اجْتِمَاعَ بَعْضِ القَائِسِينَ فَهُمْ بَعْضُ الأُمَّةِ وَلَيْسَ قَوْلُهُم بِدَلِيلٍ.
ص: الثَّانِي: حُكْمُ الأَصْلِ، ومِنْ شَرْطِه ثُبُوتُه بِغَيْرِ القِيَاسِ، قِيلَ: وَالإِجمَاعِ، وكَوْنُه غَيْرَ مُتَعَبَّدٍ فِيهِ بِالقَطْعِ، وشَرْعِيًّا إِنِ اسْتَلْحَقَ شَرْعِيًّا (١٢٦/ب/م) وَغَيْرَ فَرْعٍ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ للوَسَطِ فَائِدَةٌ، وَقِيلَ: مُطْلَقًا، وأَنْ لاَ يَعْدِلَ عَنْ سُنَنِ القِيَاسِ ولاَ يَكُونُ دَلِيلُ حُكْمِهِ شَامِلاً لِحُكْمِ الفَرْعِ.
ش: الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ القِيَاسِ حُكْمُ الأَصْلِ، وَلَهُ شُرُوطٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ لاَ يَكُونَ دَلِيلُه قِيَاسًا، فإِنَّه إِنِ اتَّحَدَتِ العِلَّةُ فَالقِيَاسُ علَى الأَصْلِ الأَوَّلِ، وإِنِ اخْتَلَفَتْ لَمْ يَنْعَقِدِ القِيَاسُ، لِعَدَمِ التَّسَاوِي فِي العِلَّةِ، هذَا قَوْلُ الجُمْهُورِ، خِلاَفًا لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيِّ وَبَعْضِ الحَنَابِلَةِ.
ثُمَّ قَدْ يَكُونُ نَصًّا وقَدْ يَكُونُ إِجْمَاعًا، ومَنَعَ بَعْضُهُم أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعًا، إِلا أَنْ يُعْلَمَ النَّصُّ الذي أَجْمَعوا عَلَيْهِ كَذَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وأَسْقَطَ المُصَنِّفُ هذَا الاسْتِثْنَاءُ، لأَنَّ القِيَاسَ حِينَئِذٍ علَى النَّصِّ كَذَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وفِيه نَظَرٌ، فلَمْ يتَعَيَّنْ كَوْنُ القِيَاسِ علَى النَّصِّ فإِنَّ الإِجْمَاعَ أَقوَى مِنْهُ، ولهذَا
стр. 509
لاَ يَجُوزُ مُخَالَفَتُه، ولَوْ عَارَضَه نَصٌّ آخَرُ عُمِلَ بِالإِجمَاعِ، ولو كَانَ العَمَلُ بِذَلِكَ النَّصِّ لَتَسَاقَطَا عِنْدَ التَّكَافُؤِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: أَنْ لاَ يُتَعَبَّدَ فِيهِ بِالقَطْعِ، بَلْ يَكْتَفِي فِيهِ بِالظَنِّ، فَيَخْرُجُ مَا تُعُبِّدَ فِيهِ بِالعِلْمِ، كإِثبَاتِ حُجِّيَّةِ خَبَرِ الوَاحِدِ بِالقِيَاسِ علَى قَبُولِ الشِّهَادَةِ، وَالفَتْوَى علَى القَوْلِ بأَنَّهُ مِنَ المَسَائِلِ العِلْمِيَّةِ، كَذَا ذَكَرَه الإِمَامُ.
وقَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إِذَا كَانَ المُرَادُ بِالحُكْمِ الذي هو رُكْنٌ فِي القِيَاسِ الظَّنِّيِّ المُخْتَلَفِ فِيهِ, فأَمَّا إِنْ أُرِيدَ تَعْرِيفُ الحُكْمِ الذي هو رُكْنٌ فِي القِيَاسِ كَيْفَ كَانَ فَلاَ يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ حَذْفُ قَيْدِ العِلْمِ عَنْهُ.
وقَالَ الشَّارِحُ: قَدْ يُسْتَشْكَلُ هذَا الشَّرْطُ مَعَ تَرْجِيحِ المُصَنِّفِ/ (١٥٤/ب/م) جَرَيَانَ القِيَاسِ فِي العَقْلِيَّاتِ مَعَ أَنَّا مُتَعَبِّدُونَ فِيهَا بِالقَطْعِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الأَصْلِ شَرْعِيًّا أَي لاَ لُغَوِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا، كَذَا ذَكَرَهُ الجُمْهُورُ، وعَلَّلُوه بأَنَّا إِذَا أَجْرَيْنَا القِيَاسَ فِيهمَا لَيْسَ شَرْعِيًّا بَلْ لُغَوِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا، وكَلاَمُنَا فِي الشَّرْعِيِّ، فلِذَلِكَ زَادَ المُصَنِّفُ هذَا القَيْدَ وهو (إِنِ اسْتَلْحَقَ شَرْعِيًّا) فإِنَّه لاَ بُدَّ مِنْهُ وهو مَفْهُومٌ مِنْ تَعْلِيلِهِم.
الرَابِعُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الأَصْلِ غَيْرَ فَرْعٍ عَنْ أَصْلٍ آخَرَ، خِلاَفًا لِلحَنَابِلَةِ وبَعْضِ المُعْتَزِلَةِ، كَذَا أَطْلَقَ أَهْلُ الأُصُولِ هذَا الخِلاَفَ، فأَشَارَ المُصَنِّفُ إِلَى تَضْعِيفِه بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ: مُطْلَقًا.
وَاختَارَ المُصَنِّفُ تَقْيِيدَهُ بِمَا إِذَا لَمْ يَظْهَرْ للْوَسَطِ فَائِدَةٌ كقِيَاسِ السَّفَرْجَلِ علَى التُّفَّاحِ، وَالتُّفَّاحِ علَى البُرِّ، فإِنْ ظَهَرَتْ لَهُ فَائِدَةٌ جَازَ كَقَوْلِنَا: التُّفَّاحُ رَبَوِيٌّ، قِيَاسًا علَى الزَّبِيبِ، وَالزَّبِيبُ رَبَوِيٌّ قِيَاسًا علَى التَّمْرِ، وَالتَّمْرُ رَبَوِيٌّ قِيَاسًا علَى الأَرْزِ، وَالأَرْزُ رَبَوِيٌّ قِيَاسًا علَى البُرِّ، إِذَا قَصَدَ بقِيَاسِ التُّفَّاحِ علَى الزَّبِيبِ
стр. 510
الوَصْفَ الجَامِعَ بَيْنَهُمَا وهو الطَّعْمُ، وبقِيَاسِ الزَّبِيبِ علَى التَّمْرِ الطَّعْمَ مَعَ الكَيْلَ، وبِالتَّمْرِ علَى الأَرْزِ/ (١٢٧/أَ/د) الطَّعْمَ وَالكَيْلَ مَعَ التَّقَوُّتِ، وبِالأَرْزِ علَى البُرِّ الطَّعْمَ وَالكَيْلَ وَالقُوتَ الغَالِبَ، ولوْ قِيسَ التُّفَّاحُ علَى البُرِّ ابْتِدَاءً لَمْ يَسْلَمْ مِنْ مَانِعٍ يَمْنَعُ عَلِيَّةَ الطَّعْمِ فجَمَعَ بَيْنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمِْر فِي الكَيْلِ، ثُمَّ أَخَذَ يُسْقِطُ الكَيْلَ وَالقُوتَ عَنِ الاعْتِبَارِ لِيَثْبُتَ لَهُ دَعْوَى أَنَّ العِلَّةَ الطَّعْمَ فَقَطْ.
تَنْبِيهٌ:
اعْتُرِضَ علَى المُصَنِّفِ بأَنَّ ذِكْرَ هذَا الشَّرْطِ تَكَرَّرَ قَدْ عُلِمَ مِنَ الشَّرْطِ الأَوَّلِ، فإِنَّ اشْتِرَاطَ ثُبُوتِه بِغَيْرِ القِيَاسِ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ كَوْنِه غَيْرَ فَرْعٍ، ولِهذَا اقْتَصَرَ البَيْضَاوِيُّ علَى ذَلِكَ الأَوَّلِ وَابْنُ الحَاجِبِ علَى الثَّانِي، ولَمْ يَجْمَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بَيْنَهُمَا، وأَجَابَ عَنْهُ المُصَنِّفُ بأَنَّهُ قَدْ يَثْبُتُ بِالقِيَاسِ، ولاَ يَكُونُ فَرْعًا لِلقِيَاسِ المُرَادُ ثُبُوتُ الحُكْمِ فِيهِ، وإِنْ كَانَ فَرْعًا لأَصْلٍ آخَرَ.
قُلْتُ: فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (وَغَيْرَ فَرْعٍ) أَرَادَ بِهِ غَيْرَ فَرْعٍ لِذَلِكَ الأَصْلِ المَقِيسِ عَلَيْهِ، ولَمْ يُرِدِ انْتِفَاءَ الفَرْعِيَّةِ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الخَامِسُ: أَنْ لاَ يَكُونَ حُكْمُ الأَصْلِ مَعَهُ ولاَ بِهِ عَنْ سُنَنِ القِيَاسِ، أَي خَرَجَ عَنِ المَعْنَى لاَ لِمَعْنَى، فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ/ (١٥٥/أَ/م) أَنَّهُ لاَ يَتَنَاوَلُ أَمْرَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: مَا شُرِعَ ابْتِدَاءً لاَ لِمَعْنَى فإِنَّه لَمْ يَدْخُلْ حتَّى يُقَالَ خَرَجَ.
ثَانِيهُمَا: مَا اسْتُثْنِيَ مِنْ مَعْقُولِ المَعْنَى كَالعَرَايَا اسْتُثْنِيَتْ مِنَ الرِّبَوِيَّاتِ لِحَاجَةِ الفُقَرَاءِ.
وَقَوْلُ الغَزَالِيِّ: إِنَّهُمَا مَعْدُولٌ بِهِمَا عَنْ سُنَنِ القِيَاسِ ـ تَجَوُّزٌ.
السَّادِسُ: أَنْ لاَ يَكُونَ دَلِيلُ حُكْمِ الأَصْلِ شَامِلاً لِحُكْمِ الفَرْعِ، وإِلاَّ فَلَيْسَ حَمْلُ أَحَدُهُمَا أَصْلاً وَالآخَرَ فَرْعًا أَوْلَى مِنَ العَكْسِ.
стр. 511
ص: وكَوْنُ الحُكْمِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، قِيلَ: بَيْنَ الأُمَّةِ، وَالأَصَحُّ: بَيْنَ الخَصْمَيْنِ، وأَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ اخْتِلاَفُ الأُمَّةِ، فإِنْ كَانَ الحُكْمُ مُتَّفَقًا بَيْنَهُمَا ولكِنْ لِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فهو مُرَكَّبُ الأَصْلِ فِيهِ أَو لِعِلَّةٍ يَمْنَعُ الخَصْمُ وُجُودَهَا فِي الأَصْلِ فَمُرَكَّبُ الوَصفِ، ولاَ يُقْبلاَنِ، خِلاَفًا للخِلاَفِيِّينَ، ولوْ سَلَّمَ العِلِّيَّةَ فأَثْبَتَ المُسْتَدِلُّ وُجُودَهَا أَو سَلَّمَه المُنَاظِرُ، انْتَهَضَ الدَّلِيلُ، فإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا علَى الأَصْلِ ولكِنْ رَامَ المُسْتَدِلُّ إِثبَاتَ حُكْمِه ثُمَّ إِثبَاتَ العِلَّةِ فَالأَصَحُّ قَبُولُه.
ش: الشَّرْطُ السَّابِعُ: كَوْنُ حُكْمِ الأَصْلِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لِئَلاَّ يُمْنَعَ فَيَكُونُ الاشْتِغَالُ بإِثبَاتِهِ انْتِقَالاً مِنْ مَسْأَلَةٍ إِلَى أُخْرَى.
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي المُرَادِ بِالاتِّفَاقِ: فَالأَصَحُّ أَنَّ المُرَادَ اتِّفَاقَ الخَصْمَيْنِ، وَقِيلَ: يُشتَرَطُ اتِّفَاقُ الأُمَّةِ، وَمِنْهُم مَنْ عَكَسَ هذَا الشَّرْطَ، فَاشْتَرَطَ فِي صِحَّةِ حُكْمِ الأَصْلِ اخْتِلاَفُ الأُمَّةِ فِيهِ، وهو رَأْيُ الآمِدِيِّ، وسَمَّى بعْضُهُم المُتَّفَقَ عَلَيْهِ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ فَقَطْ بِالقِيَاسِ المُرَكَّبِ، ويَنْدَرِجُ تَحتَه نَوعَانِ مُخْتَلَفٌ فِيهمَا:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ كقِيَاسِ حُلِيِّ البَالِغَةِ علَى حُلِيِّ الصَّبِيَّةِ فِي أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِيهِ، فإِنَّ ذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حُلِيِّ الصَّبِيَّةِ، لكِنْ لِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَينِ، فعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ/ (١٢٧/ب/د) لِكَوْنِه حُلِيًّا مُبَاحًا، وعِنْدَ الحَنَفِيَّةِ لِكَوْنِهِ مَالَ صَبِيَّةٍ،
стр. 512
ويُسَمَّى هذَا مُرَكَّبَ الأَصْلِ، لاخْتِلاَفِهمَا فِي تركيبِ الحُكْمِ علَى العِلَّةِ فِي الأَصْلِ.
ثَانِيهُمَا: أَنْ يَكُونَ الخَصْم مَعَ مُوَافَقَتِه علَى العِلَّةِ يَمْنَعُ وُجُودُهَا فِي الأَصْلِ كَقَوْلِنَا/ (١٥٥/ب/م) فِي تَعْلِيقِ الطَّلاَقِ قَبْلَ النِّكَاحِ: تَعْلِيقٌ للطَّلاَقِ، فَلاَ يَصِحُّ، كَمَا لوْ قَالَ: زَيْنَبُ التي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ، فَيَقُولُ الحَنَفِيُّ: العِلَّةُ وهي التَّعْلِيقُ مَفْقُودَةٌ فِي الأَصْلِ، فإِنَّ قَوْلَه: زَيْنَبُ التي أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ، لَيْسَ تَعْلِيقًا وإِنَّمَا هو تَنْجِيزٌ، ويُسَمَّى هذَا مُرَكَّبُ الوَصْف لاخْتِلاَفِهِمَا فِي نَفْسِ الوَصْفِ الجَامِعِ.
وَالمَشْهُورُ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ أَنَّهُمَا غَيْرُ مَقْبُولَيْنَ، أَمَّا الأَوَّلُ فلأَنَّ الخَصْمَ إِمَّا أَنْ يَمْنَعَ عَدَمَ العِلَّةِ فِي الفَرْعِ أَوِ الحُكْمِ فِي الأَصْلِ، فَلاَ يَتِمُّ القِيَاسُ.
وأَمَّا الثَّانِي: فلأَنَّه إِمَّا أَنْ يَمْنَعَ الأَصْلَ أَو حُكْمَه، ومُخَالَفَتُه الخِلاَفِيِّينَ فِيهِمَا حَكَاهُ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ.
فلو سَلَّمَ الخَصْمُ العِلَّةَ فأَثْبَتَ المُسْتَدِلُّ فِي النَّوْعِ الثَّانِي أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي الأَصْلِ أَو سَلَّمَأَنَّ العِلَّةَ التي عَيَّنَهَا المُسْتَدِلُّ فِي الأُولَى هي العِلَّةُ وأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي الفَرْعِ انْتَهَضَ الدَّلِيلُ، وصَحَّ القِيَاسُ لاعْتِرَافِ الخَصْمِ بمُقْتَضَاه.
قُلْتُ: ولوْ حَذَفَ المُصَنِّفُ لَفْظَةَ المَنَاطِ لكَانَ أَولَى، لإِيهَامِه أَنَّ المُسَلَّمَ ثَانِيًا غَيْرَ المُسَلَّمَ أَوَّلاً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا إِذَا كَانَ حُكْمُ الأَصْلِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَهُمَا، فلو لَمْ يَتَّفِقَا عَلَيْهِ فأَرَادَ المُسْتَدِلُّ إِثبَاتَ حُكْمِه بنَصٍّ ثُمَّ إِثبَاتَ العِلَّةِ بطَرِيقٍ مُعْتَبَرٍ فمَنَعَه بعْضُهُم، وَالأَصَحُّ قَبُولُه، وإِلاَّ لَمْ يُقْبَلْ فِي المنَاظَرَةِ مُقَدِّمَةٌ تَقْبَلُ المَنْعَ.
قُلْتُ: وعُلِمَ مِنْ هذَا أَنَّ اشْتِرَاطَه أَوَّلاً اتِّفَاقَ الخَصْمَيْنِ علَى حُكْمِ الأَصْلِ مُسْتَدْرَكٌ، فإِنَّه ذَكَرَ آخِرًا أَنَّهُ يُقْبَلُ وإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَيْهِ إِذَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ الخَصْمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: وَالصَّحِيحُ لاَ يُشْتَرَطُ الاتِّفَاقُ علَى تَعْلِيلِ حُكْمِ الأَصْلِ أَوِ النَّصِّ علَى العِلَّةِ.
ش: لاَ يُشْتَرَطُ الاتِّفَاقُ علَى أَنَّ حُكْمَ الأَصْلِ مُعَلَّلٌ، ولاَ أَنْ يَرِدَ نَصٌّ دَالٌّ
стр. 513
علَى عَيْنِ تِلْكَ العِلَّةِ، هذَا هو الصَّحِيحُ، وخَالفَ فِيهِ بِشْرَ المَرِيسِيَّ، فَاشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا، هذَا مُقْتَضَى كَلاَمِ المُصَنِّفِ، لكِنَّ الذي فِي (المَحْصُولِ) عَنْ بِشْرٍ اشْتِرَاطُ الأَمْرَينِ معًا، وحكَى البَيْضَاوِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ اشْتَرَطَ إِمَّا قيَامَ الإِجْمَاعِ عَلَيْهِ أَو كَوْنَ عِلَّتِه مَنْصُوصَةً، وهو مُخَالِفٌ لِكَلاَمِ الإِمَامِ/ (١٥٦/أَ/م) مِنْ وَجْهَينِ وكَلاَمُ المُصَنِّفِ يُخَالِفُهُمَا.
ص: الثَّالِثُ: الفَرْعُ، وهو المَحَلُّ المُشَبَّهُ، وَقِيلَ: حُكْمُهُ، ومِنْ شَرْطِهِ وُجُودُ تَمَامِ العِلَّةِ فِيهِ، فإِنْ كَانَتْ قَطْعِيَّةً فَقَطْعِيٌّ، أَو ظَنِّيَّةٌ فقِيَاسُ الأَدْوَنِ، كَالتُّفَّاحِ علَى البُرِّ بِجَامِعِ الطَّعْمِ.
ش: حكَى المُصَنِّفُ قَوْلَيْنِ/ (١٢٨/أَ/د) فِي الفَرْعِ: هَلْ هو المَحَلُّ المُشَبَّهُ كَالنَّبِيذِ فِي المِثَالِ السَّابِقِ فِي الأَصْلِ؟ وَبِهِ قَالَ الفُقَهَاءُ، أَو حُكْمِهِ؟ وَبِهِ قَالَ المُتَكَلِّمُونَ، ولَمْ يَقُلْ أَحَدٌ هُنَا: إِنَّهُ دَلِيلُه، وَلَهُ شُرُوطٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ تُوجَدَ فِيهِ العِلَّةُ بتَمَامِهَا، وهذَا أَحسَنُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الحَاجِبِ: أَنْ يُسَاوِي الفَرْعُ فِي العِلَّةِ عِلَّةَ الأَصْلِ، لأَنَّ لَفْظَ المُسَاوَاةِ قَدْ يُفْهَمُ مَنْعُ الزِّيَادَةِ فَيَخْرُجُ قِيَاسُ الأَوْلَى، بِخِلاَفِ عِبَارَةِ المُصَنِّفِ فإِنَّ الزِّيَادَةَ لاَ تُنَافِيهِ، وهو شَامِلٌ لقِيَاسِ الأَوْلَى، وَالمسَاوِي وَالأَدْوَنِ.
فإِن كَانتِ العِلَّةُ فِي الأَصْلِ مَقْطُوعًا بِهَا فقَدْ يَكُونُ الفَرْعُ أَوْلَى، كقِيَاسِ
стр. 514
الضَّرْبِ علَى التَّأَفِيفِ بجَامِعِ الأَذَى، وَقَدْ يَكُونُ مُسَاوِيًا كقِيَاسِ النَّبِيذِ علَى الخَمْرِ بجَامِعِ الإِسْكَارِ.
وإِن كَانتِ العِلَّةُ فِي الأَصْلِ مَظْنُونَةً فهو قِيَاسُ الأَدْوَنِ، وذلك كقِيَاسِ التُّفَّاحِ علَى البُرِّ بجَامِعِ الطَّعْمِ، فَالمَعْنَى المُعْتَبَرُ وهو الطَّعْمُ مَوْجُودٌ فِي الفَرْعِ بتَمَامِهِ، وإِنَّمَا سُمِّيَ قِيَاسًا، أَدْوَنَ لأَنَّهُ لَيْسَ مُلْحَقًا بَالأَصْلِ إِلاَّ علَى تَقْدِيرِ أَنَّ العِلَّةَ فِيهِ الطَّعْمَ.
فإِنْ كَانتْ فِيهِ مُرَكَّبَةً مِنَ الطَّعْمِ مَعَ التَّقْدِيرِ بِالكَيْلِ، أَو كَانتِ العِلَّةُ القُوتُ أَو غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يُلْحَقْ بِهِ التُّفَّاحُ.
وظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ المُرَادُ بِالأَدْوَنِ أَن لاَ يُوجَدَ فِيهِ المَعْنَى بتَمَامِه، بَلْ أَنْ تَكُونَ العِلَّةُ فِي الأَصْلِ ظَنِّيَّةً، وحِينَئِذٍ فَلاَ اعْتِرَاضَ علَى البَيْضَاوِيِّ فِي تَقْسِيمِه الفَرْعَ إِلَى أَوْلَى ومُسَاوٍ وأَدْوَنَ، ولاَ مُنَافَاةَ بَيْنَه وَبَيْنَ قَوْلِ (المَحْصُولِ): يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَكُونَ بَيْنَ العِلَّتَيْنِ تَفَاوُتٌ لاَ فِي المَاهِيَّةِ ولاَ فِي الزِّيَادَةِ ولاَ فِي النُّقْصَانِ، لأَنَّهُ إِذَا وُجِدَ المَعْنَى بتَمَامِه فَالزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ إِنْ وُجِدَا فِي الفَرْعِ فخَارِجَانِ عَنِ المُعْتَبَرِ فِي العِلَّةِ ويَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى الاصْطِلاَحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: وَتُقْبَلُ المُعَارَضَةُ فِيهِ بِمُقْتَضٍ نَقِيضٍ أَو ضِدٍّ لاَ خِلاَفَ الحُكْمِ علَى المُخْتَارِ، وَالمُخْتَارُ قَبُولُ التَّرْجِيحِ، وأَنَّهُ لاَ يَجِبُ الإِيمَاءُ إِلَيْهِ فِي الدَّلِيلِ.
ش: الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ لاَ يُعَارِضَ بِمَا يقْتَضِي نَقِيضَ حُكْمِه أَو ضِدَّ حُكْمِه لاَ خِلاَفَ حُكْمِه، فإِنَّ مُعَارَضَتَه نَقِيضَه أَو ضِدَّه تُبْطِلُه،/ (١٥٦/ب/م) وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِه هذَا فِي فَصْلِ المُعَارَضَةِ، وَاقْتَصَرَ علَى النَّقِيضِ، وذَكَرَه فِي (المُنْتَهَى) فِي شُرُوطِ الفَرْعِ، كَمَا فَعَلَ المُصَنِّفُ، وتَبِعَهُ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ وقَالا: إِنَّمَا يَتِمُّ
стр. 515
اشْتِرَاطُهُ علَى القَوْلِ بجَوَازِ تَخْصِيصِ العِلَّةِ، فإِنْ لَمْ نُجَوِّزْهَا لَمْ يُشْتَرَطْ.
ثم قَالَ الهِنْدِيُّ: وهذَا فِي الحَقِيقَةِ لَيْسَ شَرْطًا للفَرْعِ الذي يُقَاسُ، بَلْ لِلفَرْعِ الذي يَثْبُتُ فِيهِ الحُكْمُ بمُقْتَضَى القِيَاسِ.
مثَالُ النَّقِيضِ: قَوْلُ القَائِلِ: بَيْعُ الجَارِيَةِ إِلاَّ حَمْلَهَا، صَحِيحٌ فِي وَجْهٍ، كَبَيْعِ هذه الصَّبْرَةِ إِلا صَاعًا مِنْهَا، فَيُعَارَضُ بأَنَّهُ لاَ يَصِحُّ كَمَا لو بَاعَ جَارِيَةً إِلاَّ يَدَهَا.
ومِثَالُ الضِّدِّ: قَوْلُ الحَنَفِيِّ: الوِتْرُ وَاجِبٌ قِيَاسًا علَى التَّشَهُّدِ بجَامِعِ مُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ/ (١٢٨/ب/د) ﷺ عَلَيْهِمَا، فَيُعَارَضُ بأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ قِيَاسًا علَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا يُفْعَلُ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لِفَرْضٍ مُعَيَّنٍ مِنْ فُروضِ الصَّلاَةِ، فإِنَّ الوِتْرَ فِي وَقْتِ العِشَاءِ، وَالفَجْرُ فِي وقْتِ الصُّبْحِ، ولمْ نَعْهَدْ مِنَ الشَّرْعِ وضْعَ صَلاَتَيْ فَرْضٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
ومثَالُ الخِلاَفِ قَوْلُ القَائِلِ: اليَمِينُ الغَمُوسُ لاَ تُوجِبُ الكَفَّارَةَ، كشِهَادَةِ الزُّورِ بجَامِعِ إِثْمِ القَائِلِ، فَيُقَالُ: الغَمُوسُ تَوجِبُ التَّعْزِيرَ قِيَاسًا علَى الزُّورِ، بجَامِعِ إِظْهَارِ البَاطلِ علَى وَجْهٍ مِنَ التَّأْكِيدِ، يَغْلِبُ ظَنَّ كَوْنِه حَقًّا، ففِي الغَمُوسِ بِاليَمِينِ، وفِي الزُّورِ بِالشِّهَادَةِ، فهذَا لاَ يَقْدَحُ فإِنَّه لاَ مُنَافَاةَ بَيْنَ ثُبُوتِ التَّعْزِيرِ ونَفْيِ الكَفَّارَةِ.
تَنْبِيهٌ:
قَوْلُه: (نَقِيضٌ) و (ضِدٌّ) و (خِلاَفٌ) مَنْصُوبَاتٌ بِالوَصْفِ قَبْلَهَا، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ للإِضَافَةِ المَلْفُوظَةِ فِي خِلاَفٍ، وَالمَقْدِرَةُ فِي قَوْلِه: (نَقِيضٌ وَضِدٌّ) وحَذْفُ المُضَافِ إِلَيْهِ فِيهِمَا لدَلاَلَةِ ذِكْرِه فِي خِلاَفٍ، وهو نَظِيرُ قَوْلِه:
.......... ... بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَجَبْهَةِ الأَسَدِ.
стр. 516
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وطَرِيقُ دَفْعِ المُعَارَضَةِ القَدْحَ فِيمَا اعْتُرِضَ بِهِ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَجُوزُ دَفْعُه بِالتَّرْجِيحِ؟
فِيه مَذْهَبَانِ، المُخْتَارُ مِنْهُمَا: نَعَمْ، لأَنَّهُ إِذَا تَرَجَّحَ وَجَبَ العَمَلُ بِهِ للإِجمَاعِ علَى وُجُوبِ العَمَلِ بِالرَّاجِحِ، وعلَى المُخْتَارِ فَهَلْ يَجِبُ الإِيمَاءُ إِلَى التَّرْجِيحِ فِي نَفْسِ الدَّلِيلِ؟
فِيه مَذْهَبَانِ:
المُخْتَارُ مِنْهُمَا: أَنَّهُ لاَ يَجِبُ، لأَنَّ التَّرْجِيحَ / (١٥٧/أَ/م) علَى مُعَارَضَةٍ خَارِجٌ عَنِ الدَّلِيلِ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ، لأَنَّهُ شَرْطٌ فِي العَمَلِ بِهِ فَلاَ يَثْبُتُ الحُكْمُ دُونَه فهو كَجُزْءِ عِلَّةٍ.
ص: ولاَ يَقُومُ القَاطِعُ علَى خِلاَفِه وِفَاقًا ولاَ خَبَرُ الوَاحِدِ عِنْدَ الأَكْثَرِينَ.
ش: الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ لاَ يَقُومَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ علَى خِلاَفِه، لأَنَّ القِيَاسَ ظَنِّيٌّ، فَلاَ يُعَارِضُ القَطْعِيَّ، وهذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فإِنْ عَارَضَه خَبَرُ الوَاحِدِ فهي مَسْأَلَةُ تَعَارُضِ القِيَاسِ وخَبَرِ الوَاحِدِ، وَالمَشْهُورُ تقْدِيمُ خَبَرِ الوَاحِدِ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ الأَخْبَارِ.
ص: ولِيُسَاوِ الأَصْلَ وحُكْمُه حُكْمُ الأَصْلِ فِيمَا يُقْصَدُ مِنْ عَيْنٍ أَو جِنْسٍ، فإِنْ خَالَفَ فَسَدَ القِيَاسُ، وجَوَابُ المُعْتَرِضِ بِالمُخَالَفَةِ بِبَيَانِ
стр. 517
الاتِّحَادِ.
ش: الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يُسَاوِي الفَرْعُ الأَصْلَ، وحُكْمُه حُكْمُ الأَصْلِ، فِيمَا يُقْصَدُ المُسَاوَاةُ فِيهِ، مِنْ عَيْنِ الحُكْمِ أَوْ جِنْسِه، فَالأَوَّلُ كقِيَاسِ القَصَاصِ فِي النَّفْسِ بِالمُثْقَلِ عَلَيْهِ فِي القَتْلِ بِالمُحَدَّدِ، فَالحُكْمُ فِي الفَرْعِ هو الحُكْمُ بِعَيْنِه فِي الأَصْلِ وهو القَتْلُ.
وَالثَّانِي: كقِيَاسِ الأَطرَافِ علَى النَّفْسِ فِي وُجُوُِ القَصَاصِ بجَامِعِ الجِنَايَةِ، فَالحُكْمُ فِي الفَرْعِ لَيْسَ هو عَيْنُ الحُكْمِ فِي الأَصْلِ، وهو القَتْلُ بَلْ جِنْسُه، فإِنْ خَالفَ حُكْمُ الفَرْعِ حُكْمَ الأَصْلِ فَسَدَ القِيَاسُ، مِثْلَ قَوْلِنَا:/ (١٢٩/أَ/د) الظِّهَارُ يقْتَضِي الحُرْمَةَ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ كَالمُسْلِمِ، فَيَعْتَرِضُ الحَنَفِيُّ بِاخْتِلاَفِ حُكْمِهِمَا، لأَنَّ الحُرْمَةَ فِي حَقِّ المُسْلِمِ تَنْتَهِي بِالكَفَّارَةِ، وفِي الذِّمِّيِّ مُؤَبَّدَةٌ، لأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الكَفَّارَةِ.
وجَوَابُه أَنْ يُبَيِّنَ المُسْتَدِلُّ الاتِّحَادَ فَيَمْنَعُ كَوْنَ الذَّمِّيِّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الكَفَّارَةِ،
ص: ولاَ يَكُونُ مَنْصُوصًا بِمُوَافِقٍ، خِلاَفًا لِمُجَوِّزِ دَلِيلَيْنِ، ولاَ بِمُخَالِفٍ إِلاَّ لِتَجْرِبَةِ النَّظَرِ.
ش: الشَّرْطُ الخَامِسُ أَنْ لاَ يَكُونَ حُكْمُ الفَرْعِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، كَذَا أَطْلَقَه الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ، ونَقَلَ الإِمَامُ عَنِ الأَكْثَرِينَ عَدَمَ اشْتِرَاطِهِ، وَذَكَرَ المُصَنِّفُ تَبَعًا للصَّفِيِّ الهِنْدِيِّ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلاً تَقْرِيرَهُ أَنَّ النَّصَّ قَدْ يَكُونُ مُوَافِقًا للقيَاسِ، وقدْ يَكُونُ مُخَالِفًا لَهُ، فإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لَهُ فهو مَوْضِعُ الخِلاَفِ
стр. 518
الذي قَدَّمْنَاه، فمَنْ أَطْلَقَ المَنْعَ تَمَسَّكَ بقَضِيَّةِ مُعَاذٍ فإِنَّهَا تُفْهِمُ امْتِنَاعَ القِيَاسِ عِنْدَ وُجُودِ النَّصِّ/ (١٥٧/ب/م)، ومَنْ قَالَ بِالجَوَازِ فَلِجَوَازِ تَرَادُفِ الأَدِلَّةِ علَى مَدْلُولٍ وَاحِدٍ، ومَحَلُّ الخِلاَفِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنِ النَّصُّ الدَّالُّ علَى ثُبُوتِ حُكْمِ الفَرْعِ هو بِعَيْنِه الذي دَلَّ علَى حُكْمِ الأَصْلِ، فإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فقَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: ينْبَغِي أَنْ يَكُونَ القِيَاسُ بَاطِلاً إِذ لَيْسَ جَعْلَ تِلْكَ الصُّورَةِ أَصْلاً وَالأُخْرَى فَرْعًا أَوْلَى مِنَ العَكْسِ، وإِنْ كَانَ مَدْلُولُ النَّصِّ مُخَالِفًا لِمَدْلُولِ القِيَاسِ بَطَلَ القِيَاسُ، لِئَلاَّ يَلْزَمَ تَقْدِيمُه علَى النَّصِّ. وَقَوْلُه: (إِلاَّ لِتَجْرِبَةِ النَّظَرِ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَي لاَ فَائِدَةَ لِلقِيَاسِ فِي هذه الحَالَةِ إِلاَّ تَجْرِبَةَ النَّظَرِ أَي التَّمْرِينَ ورِيَاضَةَ الذِّهْنِ فِي المَسَائِلِ ولاَ سَبِيلَ إِلَى قَبُولِه وَالعَمَلِ بِهِ.
ص: ولاَ مُتَقَدِّمًا علَى حُكْمِ الأَصْلِ وجَوَّزَه الإِمَامُ عِنْدَ دَلِيلٍ آخَرَ.
ش: الشَّرْطُ السَّادِسُ أَن لاَ يَتَقَدَّمَ حُكْمُ الفَرْعِ علَى حُكْمِ الأَصْلِ، كقِيَاسِ الوُضُوءِ علَى التَّيَمُّمِ فِي إِيجَابِ النِّيَّةِ فِيهِ لأَنَّ التَّعَبُّدَ بِالتَيَمُّمِ إِنَّمَا جَاءَ بَعْدَ الوُضُوءِ فلو قِيسَ عَلَيْهِ لَثَبَتَ حُكْمُ الفَرْعِ قَبْلَ ثُبُوتِ العِلَّةِ لِتَأَخُّرِ الأَصْلِ.
وقَالَ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ ـ تَبَعًا لأَبِي الحُسَيْنِ البَصْرِيِّ ـ: يَجُوزُُ إِن كَانَ لِحُكْمِ الفَرْعِ دَلِيلٌ آخَرُ مُتَقَدِّمٌ، لِجَوَازِ أَن يَدُلَّنَا اللَّهُ تعَالَى علَى الحُكْمِ بأَدِلَّةٍ مُتَرَادِفَةٍ كَمَا يَتَرَادَفُ مُعْجِزَاتُ النُّبُوَّةِ بَعْدَ المُعْجِزَةِ المُقَارِنَةِ لابْتِدَاءِ الدَّعْوَةِ.
قَالَ الشَّارِحُ: ولمْ يَحْفَظِ المُصَنِّفُ فِي هذه المَسْأَلَةِ خِلاَفًا سِوَى تَفْصِيلِ
стр. 519
الإِمَامِ، وقَدْ أَطْلَقَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي (العِدَّةِ) امْتِنَاعُ هذَا الشَّرْطُ، وجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ علَى الحُكْمِ أَمَارَاتٌ مُتَقَدِّمَةٌ ومُتَأَخِّرَةٌ كَالمُعْجِزَاتِ بجَوَازِ الاسْتِدْلاَلِ علَى النُّبُوَّةِ بمَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ بِالمَدِينَةِ فكذَا فِي الأَحْكَامِ المَظْنُونَةِ.
قُلْتُ: كَلاَمُ ابْنِ الصّبَّاغِ هو كَتَفْصِيلِ الإِمَامِ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: الكَلاَمُ فِي تَفْرِيعِه عَنِ الأَصْلِ/ (١٢٩/ب/د) المُتَأَخِّرِ وذلك لاَ يُمْكِنُ سَوَاءً أَكَانَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ غَيْرُه أَمْ لاَ.
قُلْتُ: لاَ امْتِنَاعَ فِي تَفَرُّعِه عَنْ مُتَأَخِّرٍ إِذَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ فَرْعًا لأَصْلَيْنِ وُجِدَ أَحَدُهُمَا قَبْلَه، وَالآخَرُ بَعْدَه، وقَوْلُه: (إِنَّه لاَ يُمْكِنُ) فِيهِ نَظَرٌ، فإِنَّه مَوْضِعُ النِّزَاعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: ولاَ يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ حُكْمِه بِالنَّصِّ جُمْلَةً خِلاَفًا لِقَوْمٍ ولاَ انْتِفَاءُ نَصٍّ أَو إِجْمَاعٍ يُوَافِقُه خِلاَفًا للْغَزَالِيِّ/ (١٥٨/أَ/م) وَالآمِدِيِّ.
ش: ذَكَرَ فِي هذه الجُمْلَةِ شَرْطَيْنِ مُخْتَلَفًا فِيهمَا:
أَحَدُهُمَا: ذَهَبَ قَوْم ـ مِنْهُم أَبُو هَاشِمٍ ـ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الفَرْعِ وُرُودُ نَصٍّ عَلَيْهِ فِي الجُمْلَةِ دُونَ التَّفْصِيلِ، وَالقِيَاسُ يَدُلُّ علَى تَفْصِيلِه.
قَالُوا: ولولاَ وُرُودُ الشَّرْعِ بمِيرَاثِ الجَدِّ فِي الجُمْلَةِ لَمَا اسْتَعْمَلَ الصَّحَابَةُ القِيَاسَ فِي كَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِه مَعَ الإِخْوَةِ.
وأَنْكَرَ الجُمْهُورُ اشْتِرَاطَهُ، وقَالُوا: قَاسَ الصَّحَابَةُ ﵃: (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ) علَى الطَّلاَقِ تَارَةً، وعلَى الظِّهَارِ أُخْرَى، وعلَى اليَمِينِ أُخْرَى،
стр. 520
وَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ، لاَ جُمْلَةً ولاَ تَفْصِيلاً.
ثَانِيهُمَا: ذَهَبَ الغَزَالِيُّ وَالآمِدِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ انْتِفَاءُ نَصٍّ أَو إِجْمَاعٌ يُوَافِقُه، ولمْ يَشْتَرِطِ الجُمْهُورُ ذَلِكَ، وقَالُوا: فَائِدَةُ القِيَاسِ مَعَ النَّصِّ زِيَادَةُ مَعْرِفَةِ العِلَّةِ أَو الحُكْمِ، وفَائِدَةُ النَّصِّ ثُبُوت الحُكْمِ.
فإِن قُلْتَ: مَا الجَمْعُ بَيْنَ هذَا وَبَيْنَ قَوْلِه فِيمَا سَبَقَ وأَنْ لاَ يَكُونَ مَنْصُوصًا.
قُلْتُ: ذَلِكَ فِي الفَرْعِ نَفْسِه، وهذَا فِي النَّصِِّ علَى مُشَبَّهِه، كَذَا أَجَابَ بِهِ الشَّارِحُ، وفِيه نَظَرٌ، فَكَيْفَ نَتَخَيَّلُ أَنَّ النَّصَّ علَى مُشَبَّهِه يَمْنَعُ جَرَيَانَ القِيَاسِ فِيهِ، وَهَلْ النَّصُّ علَى مُشَبَّهِه إِلاَّ النَّصُّ علَى أَصْلِه الذي هو مُشَبَّهُه وذلك مُقْتَضٍ لِلقِيَاسِ لاَ مَانِعَ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: الرَّابعُ: العِلَّةُ، قَالَ أَهْلُ الحَقِّ: المُعَرَّفُ، وحُكْمُ الأَصْلِ ثَابِتٌ بِهَا لاَ بِالنَّصِّ خِلاَفًا للحَنَفِيَّةِ، وَقِيلَ: المُؤَثِّرُ بِذَاتِه، وقَالَ الغَزَالِيُّ: بإِذْنِ اللَّهِ، وقَالَ الآمِدِيُّ: البَاعِثُ.
ش: الرُّكْنُ الرَّابِعُ من أَركَانِ القِيَاسِ العِلَّةُ.
وفِي تَعْرِيفِهَا أَقوَالٌ:
أَحَدُهَا ـ وَبِهِ قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّهَا المَعْرِفَةُ للحُكْمِ أَي تَدُلُّ علَى وُجُودِهِ، ولاَ تُؤَثِّرُ فِيهِ، لأَنَّ المُؤَثِّرَ هو اللَّهُ تَعَالَى.
ثم حَكَى المُصَنِّفُ خِلاَفًا فِي أَنَّ حُكْمَ الأَصْلِ ثَابِتٌ بِالعِلَّةِ أَو بِالنَّصِّ، وبِالأَوَّلِ قَالَ أَصْحَابُنَا، وبِالثَّانِي قَالَ الحَنَفِيَّةُ.
ووَجْهُ ذِكْرِه هذه المَسْأَلَةَ بَعْدَ هذَا التَّعْرِيفِ التَّنْبِيهُ علَى خَطَأِ ابْنِ الحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ أَصحَابَنَا بَنَوْا قَوْلَهُم أَنَّ حُكْمَ الأَصْلِ ثَابِتٌ بِالعِلَّةِ علَى
стр. 521
تَفْسِيرِهَا بِالبَاعِثِ، فأَشَارَ المُصَنِّفُ إِلَى أَنَّهُم قَالُوا هذَا مَعَ تَفْسِيرِهِمُ العِلَّةَ بِالعُرْفِ، ووَجْهُ تَوَهُّمِ ابْنِ الحَاجِبِ/ (١٥٨/ب/م) ذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ العِلَّةَ فَرْعًا للأَصْلِ أَصْلاً للفَرْعِ خَوْفًا مِنْ لُزُومِ الدَّوْرِ/ (١٣٠/أَ/د) فإِنَّهَا مُسْتَنْبَطَةٌ مِنَ النَّصِّ فلو كَانتْ مَعْرِفَةً لَهُ ـ وهي إِنَّمَا عُرِّفَتْ بِهِ ـ لُزُومُ الدَّوْرِ.
وَالحَقُّ تَفْسِيرُهَا بِالمُعَرَّفِ يَعْنِي أَنَّهَا نُصِبَتْ أَمَارَةً يَسْتَدِلُّ بِهَا المُجْتَهِدُ علَى وُجُودِ الحُكْمِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِهِ، وَيَجُوزُ تَخَلُّفُه فِي حَقِّ العَارِفِ كَالغَيْمِ الرَّطْبِ أَمَارَةُ المَطَرِ.
وقَدْ يَتَخَلَّفُ، وتَخَلُّفُ التَّعْرِيفِ بِالنِّسَبَةِ للعَارِفِ لاَ يُخْرِجُهَا عَن كَوْنِهَا أَمَارَةً، فَاتَّضَحَ أَنَّ العِلَّةَ هي المُعَرَّفُ فِي الأَصْلِ وَالفَرْعِ ولاَ يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
القَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا المُؤَثِّرُ بِذَاتِهِ لاَ بِجَعْلِ اللَّهِ تعَالَى، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، بِنَاءً علَى قَاعِدَتِهِم فِي التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ العَقْلِيَّيْنِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهَا المُؤَثِّرَةُ لاَ بِذَاتِهَِا ولاَ بِصِفَةٍ فِيهَا، ولكِنْ بِجَعْلِ الشَّارِعِ لَهَا مُؤَثِّرَةً، قَالَهُ الغَزَالِيُّ، وزَيَّفَه الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ بأَنَّ الحُكْمَ قَدِيمٌ، وَالعِلَّةُ حَادِثَةٌ، وَالحَادِثُ لاَ يُؤَثِّرُ فِي القَدِيمِ.
الرَابِعُ: أَنَّهَا البَاعِثُ علَى التَّشْرِيعِ بمَعْنَى اشْتِمَالِ الوَصْفِ علَى مَصْلَحَةٍ صَالِحَةٍ أَنْ تَكُونَ المَقْصُودَ للشَارِعِ مِنْ شَرْعِ الحُكْمِ، وهو اخْتِيَارُ الآمِدِيِّ وَابْنِ الحَاجِبِ، وهو مَبْنِيٌّ علَى جَوَازِ تَعْلِيلِ أَفعَالِ البَارِي تعَالَى بِالغَرَضِ.
وهو مَحْكِيٌّ عَنِ الفُقَهَاءِ.
стр. 522
وَالمَنْصُورُ عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ خِلاَفُه، فإِنَّه تعَالَى لاَ يَبْعَثُه شَيْءٌ علَى شَيْءٍ.
وقَالَ المُقْتَرِحُ: إِنْ أُرِيدَ بأَنَّهَا البَاعِثُ للشَارِعِ علَى الحُكْمِ إِثبَاتُ غَرَضٍ حَادِثٍ لَهُ فهو مُحَالٌ، وإِن أُرِيدَ أَنْ يَعْقُبَهَا حُصُولُ الصَّلاَحِ فِي العَادَةِ فسُمِّيَتْ بَاعِثَةً تَجَوُّزًا، فهذَا لاَ يَجُوزُ إِطْلاَقُه علَى البَارِي تعَالَى، لمَا فِيهِ مِنْ إِيهَامِ المُحَالِ، إِلاَّ أَنْ يَتَحَقَّقَ إِذنٌ مِنَ الشَّارِعِ فِي إِطْلاَقِه لاَ سَبِيلَ إِلَيْهِ.
وجَمَعَ السُّبْكِيُّ بَيْنَ كَلاَمِ المُتَكَلِّمِينَ وَالفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ بأَنَّ مُرَادَ الفُقَهَاءِ أَنَّ العِلَّةَ بَاعِثٌ للمُكَلَّفِ علَى امْتِثَالِ الحُكْمِ، لاَ أَنَّهَا بَاعِثٌ للشَّارِعِ علَى شَرْعِ الحُكْمِ كَمَا تَوَهَّمَه بَعْضُهُم، فَالمُعَلَّلُ فِعْلُ المُكَلَّفِ لاَ حُكْمُ اللَّهِ تعَالَى.
قُلْتُ: وسَيَأْتِي بعد ذَلِكَ مَا يَشْهَدُ لَه.
ص: وقدْ تَكُونُ دَافِعَةً أَو رَافِعَةً أَو فَاعِلَةَ الأَمْرَيْنِ.
ش: الوَصْفُ المَجْعُولُ عِلَّةً ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ دَافِعًا للْحُكْمِ/ (١٥٩/أَ/م) فَقَطْ، كَالعِدَّةِ تَدْفَعُ حِلَّ النِّكَاحِ فِي الابْتِدَاءِ ولاَ يَرْفَعُه فِي الأَثْنَاءِ، كَالمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ تَعْتَدُّ، وهي بَاقِيَةٌ علَى الزَّوْجِيَّةِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ رَافِعًا للحُكْمِ فَقَطْ، كَالطَّلاَقِ يَرْفَعُ الحِلَّ ولاَ يَدْفَعُه فإِنَّه لاَ يَمْنَعُ عَقْدَ نِكَاحٍ جَدِيدٍ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ دَافِعًا رَافِعًا كَالرَّضَاعِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ ودَوَامَه.
ص: وَوَصْفًا حَقِيقِيًّا ظَاهِرًا مُنْضَبِطًا أَو عُرْفِيًّا مُطَّرَدًا، وكذَا فِي
стр. 523
الأَصَحِّ لُغَوِيًّا أَو حُكْمًا شَرْعِيًّا، وثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ المَعْلُولُ حَقِيقِيًّا.
ش: قَسَّمَ المُصَنِّفُ العِلَّةَ إِلَى أَقسَامٍ:
الأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ وصْفًا حَقِيقِيًّا، وهو مَا يُعْقَلُ بِاعْتِبَارِ نَفْسِه، ولاَ يَتَوَقَّفُ علَى وَضْعٍ، كَقَوْلِنَا: مَطْعُومٌ فَيَكُونُ رَبَوِيًّا/ (١٣٠/ب/د)، فَالطَّعْمُ يُدْرَكُ بِالحِسِّ، وهو أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ، أَي لاَ يَتَوَقَّفُ مَعْقُولِيَّتُه علَى مَعْقُولِيَّةِ غَيْرِه، ويُعْتَبَرُ فِيهِ أَمْرَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ظَاهرًا لاَ خفِيًا.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُنْضَبِطًا أَي يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِه، ولاَ خِلاَفَ فِي التَّعْلِيلِ بِهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عُرْفِيًّا، ويُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُطَّرَدًا لاَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الأَوْقَاتِ، فإِنَّه لو لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَجَازَ أَنْ لاَ يَكُونَ ذَلِكَ العُرْفُ حَاصِلاً فِي زَمَنِه ﵊، فَلاَ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِ.
ومَثَّلَ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ ذَلِكَ بِقَوْلِنَا فِي بَيْعِ الغَائِبِ إِنَّهُ مُشْتَمِلٌ علَى جَهَالَةٍ مُجْتَنَبَةٍ فِي العُرْفِ، ثُمَّ أَعَادَهُ ومَثَّلَ له بِالشَّرَفِ وَالخِسَّةِ وَالكَمَالِ وَالنُّقْصَانِ، فتَعَلَّلَ بِهَا فِي الكَفَّارَةِ وَغَيْرِهَا، فإِنَّ الشَّرَفَ يُنَاسِبُ التَّعْظِيمَ، وَالخِسَّةَ تُنَاسِبُ ضِدَّه.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ لُغَوِيًّا، وفِي التَّعْلِيلِ بِهِ خِلاَفٌ، وَالأَصَحُّ جَوَازُهُ، كَقَوْلِنَا فِي النَّبِيذِ: إِنَّهُ يُسَمَّى خَمْرًا، فَيَحْرُمُ كَالمُعْتَصِرِ مِنَ العِنَبِ.
وَالرَابِعُ: أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا وفِي التَّعْلِيلِ بِهِ مَذَاهِبُ.
أَحَدُهَا ـ: وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ ـ: جَوَازُهُ، لأَنَّ العِلَّةَ هي المُعَرَّفُ، فَلاَ بِدْعَ فِي جَعْلِ حُكْمٍ مُعَرِّفًا لِحُكْمٍ.
стр. 524
وَالثَّانِي: مَنْعُه، لأَنَّهُ مَعْلُولٌ، فَلاَ يَكُونُ عِلَّةً.
وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الحُكْمُ المَعْلُولُ حَقِيقِيًا، فَيَمْتَنِعُ، أَوْ شَرْعِيًّا فَيَجُوزُ، وتَعْبِيرُ المُصَنِّفِ قَدْ يُوهِمُ خِلاَفَه.
وَاخْتَارَ ابْنُ الحَاجِبِ الجَوَازَ، إِن كَانَ التَّعْلِيلُ بَاعِثًا/ (١٥٩/ب/م) علَى تَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ كَتَعْلِيلِ رَهْنِ المَسَاغِ بجَوَازِ بَيْعِه، وَالمَنْعَ إِنْ كَانَ لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ كَتَعْلِيلِ بُطْلاَنِ البَيْعِ بِالنَّجَاسَةِ.
ومِثَالُ تَعْلِيلِ الحَقِيقِيِّ بِالشَّرْعِيِّ تَعْلِيلُه إِثْبَاتَ الحَيَاةِ فِي السِّعْرِ + كذا بالأصل؟ + بأَنَّهُ تَحْرِيمٌ بِالطَّلاَقِ، ويَحِلُّ بِالنِّكَاحِ، فتَكُونُ حَيًّا كَاليَدِ.
وَوَجْهُ الانْحِصَارِ فِي هذه الأَقْسَامِ الأَرْبَعَةِ أَنَّ الوَصْفَ إِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ علَى وَضْعٍ فهو الحَقِيقِيُّ، وإِنْ تَوَقَّفَ علَى وَضْعٍ فإِنْ كَانَ الوَاضِعُ الشَّرْعُ فهو الشَّرْعِيُّ، أَو غَيْرُه، فإِنْ كَانَ العَرَبُ فهو اللُّغَوِيُّ، أَو مَنْ بَعْدَهُم فَالعُرْفِيُّ.
ص: أَوْ مُرَكَّبًا وثَالِثُهَا لاَ يَزِيدُ علَى خَمْسٍ.
ش: تَنْقَسِمُ العِلَّةُ إِلَى بَسِيطَةٍ وهي مَا لاَ جُزْءَ لهَا كَالإِسْكَارِ، ومُرَكَّبَةٌ وهي التي لَهَا جُزْءٌ كَالقَتْلِ العَمْدِ العُدْوَانِ، وفِي التَّعْلِيلِ بِالمُرَكَّبَةِ ثَلاَثَةُ أَقوَالٍ:
أَصَحُّهَا ـ وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ ـ: جَوَازُهُ.
وَالثَّانِي: مَنْعُه.
وَالثَّالِثُ: جَوَازُهُ إِلَى خَمْسَةِ أَوْصَافٍ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا، وعَزَاه صَاحِبُ (الخِصَالِ) إِلَى الجُرْجَانِيِّ مِنْ الحَنَفِيَّةِ، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وغَلَطَ قَائِلُه، وذَكَرَ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ أَنَّ الشَّيْخَ حَكَاهُ فِي سَبْعَةٍ.
стр. 525
ص: ومِنْ شُرُوطِ الإِلْحَاقِ بِهَا اشْتِمَالُهَا علَى حِكْمَةٍ تَبْعَثُ علَى الامْتِثَالِ، وتَصْلُحُ شَاهِدًا لإِنَاطَةِ الحُكْمِ، ومِنْ ثَمَّ كَانَ مَانِعُهَا وَصْفًا وُجُودِيًّا يُخِلُّ بِحِكْمَتِهَا.
ش: يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الإِلْحَاقِ بِالعِلَّةِ أَن تَشْتَمِلَ علَى حِكْمَةٍ تَبْعَثُ المُكَلَّفَ علَى امْتِثَالِ الحُكْمِ، وتَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ شَاهِدًا لإِنَاطَةِ/ (١٣١/أَ/د) الحُكْمِ بِهَا.
ومَثَّلَ ذَلِكَ بِحِفْظِ النُّفُوسِ، فإِنَّه عِلَّةٌ بَاعِثَةٌ علَى القَصَاصِ، الذي هو فِعْلُ المُكَلَّفِ المَحْكُومِ بِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، فحُكْمُ الشَّرْعِ لاَ عِلَّةَ ولاَ بَاعِثَ عَلَيْهِ لِقُدْرَتِه علَى حِفْظِ النُّفُوسِ بِدُونِ ذَلِكَ، بِخِلاَفِ المُكَلَّفِ، فإِذَا انْقَادَ المُكَلَّفُ امْتِثَالاً لأَمْرِ اللَّهِ ووَسِيلَةً إِلَى حِفْظِ النُّفُوسِ فَلَه أَجْرَانِ: أَحَدُهُمَا علَى القَصَاصِ، وَالآخَرُ علَى حِفْظِ النُّفُوسِ.
وقَدْ أَمَرَ بِالأَولِ فِي قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ﴾ وأَوْمأَ إِلَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ وهذَا يَدُلُّ علَى أَنَّ المُرَادَ بِكَوْنِ العِلَّةِ بَاعِثًا أَنَّهَا بَاعِثَةٌ للمُكَلَّفِ علَى الامْتِثَالِ لاَ للشَّارِعِ علَى شَرْعِ الحُكْمِ، وهو/ (١٦٠/أَ/م) شَاهِدٌ لِمَا قَدَّمْتُه عَنِ السُّبْكِيِّ.
وَعُلِمَ مِنَ اشْتِرَاطِ اشْتمَالِ العِلَّةِ علَى حُكْمِه أَنَّ مَانِعَ العِلَّةِ وَصْفٌ وُجُودِيٌّ يُخِلُّ بِحِكْمَتِهَا، كَالدَّيْنِ عِنْدَ مَنْ جَعَلَه مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فإِنَّه يُخِلُّ بِحِكْمَةِ إِيجَابِ الزَّكَاةِ، وهي الاسْتِغْنَاءُ بِالنِّصَابِ لاحْتِيَاجِ مَالِكِهِ إِلَيْهِ فِي وَفَاءِ دَيْنِه.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَانِعَ العِلَّةِ هو الذي عَبَّرَ عَنْهُ الأُصُولِيُّونَ بِمَانِعِ السَّبَبِ، فَإِنَّهم جَعَلُوا مِنْ خِطَابِ الوَضْعِ الحُكْمَ علَى الوَصْفِ بِالمَانِعِ، وَقَسَّمُوهُ إِلَى مَانِعِ الحُكْمِ، وقَدْ ذَكَرَه المُصَنِّفُ فِي صَدْرِ الكتَابِ، ومَانِعُ السَّبَبِ وذَكَرَه هنَا.
стр. 526
ص: وأَنْ تَكُونَ ضَابِطًا لِحِكْمَةٍ، وَقِيلَ: يَجُوزُ كَوْنُهَا نَفْسَ الحِكْمَةِ، وَقِيلَ: إِنِ انْضَبَطَتْ.
ش: يُشْتَرَط أَنْ يَكُونَ الوَصْفُ المُعَلَّلُ بِهِ ضَابِطًا لِحِكْمَةٍ وهي المَصْلَحَةُ المَقْصُودَةُ لِشَرْعِ الحُكْمِ.
وقَدْ تُطْلَقُ الحِكْمَةُ علَى الوَصْفِ الضَّابطِ لهَا مجَازًا، مِنْ تَسْمِيَةِ الدَّلِيلِ بِاسْمِ المَدْلُولِ، وَهَلْ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِنَفْسِ الحِكْمَةِ؟ فِيهِ مَذَاهِبُ.
أَحَدُهَا: المَنْعُ، وهو ظَاهِرُ كَلاَمِ المُصَنِّفِ، وَحَكَاهُ الآمِدِيُّ عَنِ الأَكْثَرِينَ.
وَالثَّانِي: الجَوَازُ مُطْلَقًا، وهو اخْتِيَارُ الإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَالبَيْضَاوِيِّ.
وَالثَّالِثُ: الجَوَازُ إِنْ انْضَبَطَتْ وَالمَنْعُ إِنْ لَمْ تَنْضَبِطْ، كَالمَشَقَّةِ فهي خَفِيَّةٌ غَيْرُ مُنْضَبِطَةٍ، إِذْ قَدْ تَحْصُلُ للحَاضِرِ وتَنْتَفِي عَنِ المُسَافِرِ، وَاخْتَارَهُ الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ وَالصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ.
ص: وأَنْ لاَ تَكُونَ عَدَمًا فِي الثُّبُوتِيِّ وِفَاقًا للإِمَامِ، وخِلاَفًا لِلآمِدِيِّ، وَالإِضَافِيُّ عَدَمِيٌّ.
ش: تَعْلِيلُ الحُكْمِ العَدَمِيِّ بِالعِلِّيَّةِ العَدَمِيَّةِ مُتَّفَقٌ علَى جَوَازِهُ، وَاخْتُلِفَ فِي تَعْلِيلِ الحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ بِالعِلَّةِ العَدَمِيَّةِ ـ كَتَعْلِيلِ بُطْلاَنِ بَيْعِ الآبِقِ بِعَدَمِ القُدْرَةِ علَى التَّسْلِيمِ ـ علَى قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهَا: المَنْعُ وهو مُخْتَارُ المُصَنِّفِ، وعَزَاه للإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ، وهو كَذَلِكَ فِي كَلاَمِهِ علَى الدَّوَرَانِ لَكِنَّه صَحَّحَ هُنَا الجَوَازَ.
стр. 527
فَقَوْلُ الشَّارِحِ: (إِنَّ نَقْلَ المُصَنِّفِ عَنْهُ المَنْعَ سَبْقُ قَلَمٍ)، لَيْسَ كذلك، فَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ كَلاَمَه اضْطَرَبَ فِي ذَلِكَ، فَتَبِعَ المُصَنِّفُ أَحَدَ المَوْضِعَينِ، ومِمَّنْ صَحَّحَ المَنْعَ الآمِدِيُّ وَابنُ/ (١٦٠/ب/م) الحَاجِبِ، وعَزْوُ المُصَنِّفِ للآمِدِيِّ عَكْسُه وَهْمٌ/ (١٣١/ب/د).
الثَّانِي: الجَوَازُ، وصَحَّحَه البَيْضَاوِيُّ، وهو أَحَدُ قَوْلَيِ الإِمَامِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ نَقْلَه عَنِ الآمِدِيِّ وَهْمٌ.
وقَالَ الشَّارِحُ: فِي ثُبُوتِ الخِلاَفِ بَيْنَ الإِمَامِ وَالآمِدِيِّ نَظَرٌ، لِعَدَمِ تَوَارُدِهِمَا علَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فإِنَّ الإِمَامَ بَنَاه علَى رَأْيِهِ: أَنَّ العِلَّةَ بِمَعْنَى المُعَرَّفِ، وهو بِهذَا التَّفْسِيرِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ فِيهِ خِلاَفٌ، إِذْ لاَ امْتنَاعَ فِي أَنْ يَكُونَ المَعْدُومُ عَلَيْهِ لِلمَوْجُودِ، وَالآمِدِيُّ بنَاهُ علَى أَنَّهَا بِمَعْنَى البَاعِثِ انْتَهَى.
قُلْتُ: الخِلاَفُ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ، ولوْ بَنَى كُلٌّ مِنْهُمَا قَوْلَه علَى أَصْلٍ يُخَالِفُ أَصْلَ الآخَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْلَم أَنَّ الخِلاَفَ فِي تَعْلِيلِ الثُّبُوتِيِّ بِالعَدَمِ يَجْرِي فِي كَوْنِه العَدَمَ جُزْءُ عِلَّةٍ أَيضًا.
وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الحَاجِبِ، وأَهْمَلَه المُصَنِّفُ لوُضُوحِه، بَلْ قَد يُدَّعَى دُخُولُه فِي كلاَمِهِ، لأَنَّهُ متَى كَانَ جُزْءُ العِلَّةِ عَدَمًا فقَدْ صَدَقَ التَّعْلِيلُ بِالعَدَمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالوَصْفُ الإِضَافِيُّ وهو مَا يُعْقَلُ بِاعْتِبَارِ غَيْرِه، كَالأُبُوَّةِ، وَالبُنُوَّةِ، وَالمَعِيَّةِ، وَالقَبْلِيَّةِ، وَالبَعْدِيَّةِ ـ عَدَمِيٌّ فَيَجْرِي فِيهِ الخِلاَفُ فِي تَعْلِيلِ الثُّبُوتِيِّ بِالعَدَمِ.
стр. 528
ص: وَيَجُوزُ التَّعْلِيلُ بمَا لاَ يُطَّلَعُ علَى حِكْمَتِه فإِنْ قُطِعَ بَانْتِفَائِهَا فِي صُورَةٍ فقَالَ الغَزَالِيُّ وَابْنُ يَحْيَى، يَثْبُتُ الحُكْمُ لِلْمَظَنَّةِ، وقَالَ الجَدَلِيُّونَ: لاَ.
ش: المَعْنَى فِي جَوَازِ التَّعْلِيلِ بمَا لاَ يُطَّلَعُ علَى حِكْمَتِه أَنَّهُ لاَ يَخْلُو عَنْهَا فِي نَفْسِ الأَمْرِ، ويُسَمَّى أَمَارَةً.
وَاخْتُلِفَ فِيمَا لوْ قُطِعَ بَانْتِفَائِهَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، كَاسْتِبْرَاءِ الصَّغِيرَةِ فإِنَّ الاسْتِبْرَاءَ لِتَيَقُّنِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وهو مُتَيَقَّنٌ فِيهَا.
فقَالَ الغَزَالِيُّ وصَاحِبُه مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، يَثْبُتُ الحُكْمُ لِلمَظَنَّةِ.
وقَالَ الجَدَلِيُّونَ: لاَ يَثْبُتُ لانْتِفَاءِ الحِكْمَةِ، فإِنَّهَا رُوحُ العِلَّةِ، ونَظِيرُ هذَا قَوْلُ إِمَامِ الحَرَمَيْنِ: إِنَّهُ يُكْرَه للْمُسْتَيْقِظِ مِنَ النَّوْمِ مَعَ تَيَقُّنِ طَهَارَةِ يَدِه غَمْسَهَا فِي الإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا، مَعَ القَطْعِ بَانْتِفَاءِ المَعْنَى فِي الكَرَاهَةِ، وهو احْتِمَالُ النَّجَاسَةِ.
وقَالَ الجُمْهُورُ: لاَ يُكْرَه، وهو مُوَافِقٌ للمَحْكِيِّ هُنَا عَنِ الجَدَلِيِّينَ، وذَكَرَ الأَصحَابُ فِي بَابِ صَلاَةِ العِيدِ فِيمَا فَعَلَه النَّبِيُّ ﷺ لِمَعْنًى، وزَالَ كَالرَّمَلِ ونَحْوِه هَلْ تَبْقَى سُنِّيَّتُه؟ وَجْهَيْنِ/ (١٦١/أَ/م).
قَالَ الشَّارِحُ: وَلَيْسَ هو هذَا الخِلاَفُ المَذْكُورُ هنَا، لأَنَّا حَيْثُ قُلْنَا بِبَقَاءِ سُنِّيَّتِه فَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ، وهو جَارٍ علَى قَوْلنَا: يَجُوزُُ تَعْلِيلُ الحُكْمِ الوَاحِدِ فِي حَالٍ بِعِلَّةٍ وفِي أُخْرَى بِغَيْرِهَا.
قُلْتُ: اسْتِبْرَاءُ الصَّغِيرَةِ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ المَعْنَى قَطُّ، وأَمَّا الرَّمَلُ فكَانَ مَعْنَاه
стр. 529
حِينَ ابْتُدِئَ فِعْلُه مَعْلُومًا، وَاسْتَمَرَّتِ المَشْرُوعِيَّةُ بَعْدَ زَوَالِ المَعْنَى اسْتِحْضَارًا لتلك الحَالَةِ التي أَوْجَبَتْ ذَلِكَ، لِيَعْرِفَ قَدْرَ النِّعَمِ المُتَجَدِّدَةِ بِتَمَكُّنِ الإِنسَانِ مِنْ إِقَامَةِ المَنَاسِكِ مِنْ غَيْرِ صَادٍّ ولاَ مَانِعٍ، وَانتشَارِ الإِسلاَمِ وقُوَّةِ أَهْلِه بَعْدَ خَفَائِه وضَعْفِ أَهْلِه، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: وَالقَاصِرَةُ مَنَعَهَا قَوْمٌ مُطْلَقًا، وَالحَنَفِيَّةُ: إِنْ لَمْ تَكُنْ/ (١٢٣/أَ/د) بِنَصٍّ أَو إِجْمَاعٍ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهَا، وفَائِدَتُهَا، مَعْرِفَةُ المُنَاسَبَةِ، ومَنْعُ الإِلحَاقِ، وتَقْوِيَةُ النَّصِّ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ: وزِيَادَةُ الأَجْرِ عِنْدَ قَصْدِ الامْتِثَالِ لأَجْلِهَا.
ش: اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالعِلَّةِ القَاصِرَةِ وهي التي لاَ تَتَعَدَّى مَحَلَّ النَّصِّ كَتَعْلِيلِ الرِّبَا فِي النَّقْدَينِ بجَوْهَرَيْهِمَا ـ علَى مَذَاهِبَ.
أَحَدُهَا: المَنْعُ مُطْلَقًا، سوَاءَ أَكَانَتْ مَنْصُوصَةً أَو مُسْتَنْبَطَةً، حَكَاهُ القَاضِي عَبْدُ الوَهَّابِ فِي مُلَخَّصِه، وعَزَاه لأَكْثَرِ فُقَهَاءِ العِرَاقِ، وهو يَرُدُّ علَى نَقْلِ القَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالآمِدِيِّ وَابْنِ الحَاجِبِ وَغَيْرِهِم الاتِّفَاقَ علَى الجَوَازِ فِي المَنْصُوصَةِ.
الثَّانِي: التَّفْصِيلُ، فَيُمْتَنَعُ فِي المُسْتَنْبَطَةِ، وَيَجُوزُ فِي الثَّابِتَةِ بِنَصٍّ أَو إِجمَاعٍ، وهو قَوْلُ الحَنَفِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيُّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَالنَّوَوِيُّ فِي (شَرْحِ المُهَذَّبِ) وَجْهًا لِبَعْضِ أَصحَابِنَا.
وَالثَّالِثُ: الجَوَازُ مُطْلَقًا، وهو الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وأَحَمَدُ، وَاختَارَه الإِمَامُ وَالآمِدِيُّ وأَتبَاعُهُمَا.
وعَلَّلَ المَانِعَ مِنْ ذَلِكَ بأَنَّهُ لاَ فَائِدَةَ لهَا، لأَنَّ الحُكْمَ فِي الأَصْلِ ثَابِتٌ بغَيرِهَا،
стр. 530
وَلَيْسَ لهَا فَرْعٌ لقُصُورِهَا.
وذَكَرَ المُجَوِّزُ لهَا فوَائدَ غَيْرَ تَعَدِّي الحُكْمِ:
أَحَدُهَا: مَعْرِفَةُ المُنَاسَبَةِ أَي مُنَاسَبَةُ ذَلِكَ الحُكْمِ لِذَلِكَ الفِعْلِ، فإِنَّ النَّفْسَ إِلَى قَبُولِ مَا تَعْرِفُ عِلَّتَه أَمْيَلُ منهَا إِلَى قَبُولِ مَا تَجْهلُ عِلَّتَه.
ثَانِيهَا: أَنَّهُ إِذَا عُرِفَ قُصُورُهَا عُرِفَ امْتِنَاعُ أَنْ يَلْحَقَ بِذَلِكَ المَنْصُوصِ عَلَيْهِ غَيْرُه.
ثَالِثُهَا:/ (١٦١/ب/م) أَنَّهَا تُقَوِّي النَّصَّ وتُعَضِّدُه، ذَكَرَهُ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وكذَا كُلُّ دَلِيلَيْنِ اجْتَمَعَا فِي مَسْأَلَةٍ، فَيَكُونُ الحُكْمُ ثَابِتًا بِالنَّصِّ وَالعِلَّةِ معًا.
قَالَ الشَّارِحُ: ويَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ هذَا علَى مَا إِذَا كَانَ النَّصُّ ظَاهِرًا فكأَنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ إِلَى مَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، فأَمَّا إِذَا كَانَ قَاطعًا فَلاَ تُقَوِّيه، وَبِهِ صَرَّحَ الإِمَامُ فِي (البُرْهَانِ).
رَابِعُهَا: إِنْ كَانَ المُكَلَّفُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لأَجْلِ تِلْكَ العِلَّةِ، فَيَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ قَصْدِ الفِعْلِ للامْتِثَالِ، وأَجْرُ قَصْدِ الفِعْلِ لأَجْلِهَا، فَيَفْعَلُ المأُمُورَ بِهِ لِكَوْنِهِ أَمرًا وللِعِلَّةِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الإِمَامُ السُّبْكِيُّ.
وَقَدْ ظَهَرَ بمَا ذَكَرْنَاه مِنَ الفوَائِدِ بُطْلاَنُ قَوْلِ أَبِي زَيْدٍ مِنَ الحَنَفِيَّةِ: إِنهَا لاَ تُفِيدُ عِلْمًا ولاَ عَمَلاً.
ص: ولاَ تَعَدِّيَ لهَا عِنْدَ كَوْنِهَا مَحَلَّ الحُكْمِ أَو جُزْأَهُ الخَاصُّ أَو وَصْفَه اللاَّزِمَ.
ش: هذه مَسَائِلُ مُفَرَّعَةٌ علَى التَّعْلِيلِ بِالعِلَّةِ القَاصِرَةِ فإِنَّه لاَ تَعْدِيَةَ فِيهَا:
إِحْدَاهَا: أَنْ تَكُونَ العِلَّةُ مَحَلُّ الحُكْمِ، كَتَعْلِيلِ جَرَيَانِ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ بِكَوْنِه ذَهَبًا.
следующие страницы →