Полный текст (826 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
ص: وأَنْ تَكُونَ ضَابِطًا لِحِكْمَةٍ، وَقِيلَ: يَجُوزُ كَوْنُهَا نَفْسَ الحِكْمَةِ، وَقِيلَ: إِنِ انْضَبَطَتْ.
ش: يُشْتَرَط أَنْ يَكُونَ الوَصْفُ المُعَلَّلُ بِهِ ضَابِطًا لِحِكْمَةٍ وهي المَصْلَحَةُ المَقْصُودَةُ لِشَرْعِ الحُكْمِ.
وقَدْ تُطْلَقُ الحِكْمَةُ علَى الوَصْفِ الضَّابطِ لهَا مجَازًا، مِنْ تَسْمِيَةِ الدَّلِيلِ بِاسْمِ المَدْلُولِ، وَهَلْ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِنَفْسِ الحِكْمَةِ؟ فِيهِ مَذَاهِبُ.
أَحَدُهَا: المَنْعُ، وهو ظَاهِرُ كَلاَمِ المُصَنِّفِ، وَحَكَاهُ الآمِدِيُّ عَنِ الأَكْثَرِينَ.
وَالثَّانِي: الجَوَازُ مُطْلَقًا، وهو اخْتِيَارُ الإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَالبَيْضَاوِيِّ.
وَالثَّالِثُ: الجَوَازُ إِنْ انْضَبَطَتْ وَالمَنْعُ إِنْ لَمْ تَنْضَبِطْ، كَالمَشَقَّةِ فهي خَفِيَّةٌ غَيْرُ مُنْضَبِطَةٍ، إِذْ قَدْ تَحْصُلُ للحَاضِرِ وتَنْتَفِي عَنِ المُسَافِرِ، وَاخْتَارَهُ الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ وَالصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ.
ص: وأَنْ لاَ تَكُونَ عَدَمًا فِي الثُّبُوتِيِّ وِفَاقًا للإِمَامِ، وخِلاَفًا لِلآمِدِيِّ، وَالإِضَافِيُّ عَدَمِيٌّ.
ش: تَعْلِيلُ الحُكْمِ العَدَمِيِّ بِالعِلِّيَّةِ العَدَمِيَّةِ مُتَّفَقٌ علَى جَوَازِهُ، وَاخْتُلِفَ فِي تَعْلِيلِ الحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ بِالعِلَّةِ العَدَمِيَّةِ ـ كَتَعْلِيلِ بُطْلاَنِ بَيْعِ الآبِقِ بِعَدَمِ القُدْرَةِ علَى التَّسْلِيمِ ـ علَى قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهَا: المَنْعُ وهو مُخْتَارُ المُصَنِّفِ، وعَزَاه للإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ، وهو كَذَلِكَ فِي كَلاَمِهِ علَى الدَّوَرَانِ لَكِنَّه صَحَّحَ هُنَا الجَوَازَ.
стр. 527
فَقَوْلُ الشَّارِحِ: (إِنَّ نَقْلَ المُصَنِّفِ عَنْهُ المَنْعَ سَبْقُ قَلَمٍ)، لَيْسَ كذلك، فَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ كَلاَمَه اضْطَرَبَ فِي ذَلِكَ، فَتَبِعَ المُصَنِّفُ أَحَدَ المَوْضِعَينِ، ومِمَّنْ صَحَّحَ المَنْعَ الآمِدِيُّ وَابنُ/ (١٦٠/ب/م) الحَاجِبِ، وعَزْوُ المُصَنِّفِ للآمِدِيِّ عَكْسُه وَهْمٌ/ (١٣١/ب/د).
الثَّانِي: الجَوَازُ، وصَحَّحَه البَيْضَاوِيُّ، وهو أَحَدُ قَوْلَيِ الإِمَامِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ نَقْلَه عَنِ الآمِدِيِّ وَهْمٌ.
وقَالَ الشَّارِحُ: فِي ثُبُوتِ الخِلاَفِ بَيْنَ الإِمَامِ وَالآمِدِيِّ نَظَرٌ، لِعَدَمِ تَوَارُدِهِمَا علَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فإِنَّ الإِمَامَ بَنَاه علَى رَأْيِهِ: أَنَّ العِلَّةَ بِمَعْنَى المُعَرَّفِ، وهو بِهذَا التَّفْسِيرِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ فِيهِ خِلاَفٌ، إِذْ لاَ امْتنَاعَ فِي أَنْ يَكُونَ المَعْدُومُ عَلَيْهِ لِلمَوْجُودِ، وَالآمِدِيُّ بنَاهُ علَى أَنَّهَا بِمَعْنَى البَاعِثِ انْتَهَى.
قُلْتُ: الخِلاَفُ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ، ولوْ بَنَى كُلٌّ مِنْهُمَا قَوْلَه علَى أَصْلٍ يُخَالِفُ أَصْلَ الآخَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْلَم أَنَّ الخِلاَفَ فِي تَعْلِيلِ الثُّبُوتِيِّ بِالعَدَمِ يَجْرِي فِي كَوْنِه العَدَمَ جُزْءُ عِلَّةٍ أَيضًا.
وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الحَاجِبِ، وأَهْمَلَه المُصَنِّفُ لوُضُوحِه، بَلْ قَد يُدَّعَى دُخُولُه فِي كلاَمِهِ، لأَنَّهُ متَى كَانَ جُزْءُ العِلَّةِ عَدَمًا فقَدْ صَدَقَ التَّعْلِيلُ بِالعَدَمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالوَصْفُ الإِضَافِيُّ وهو مَا يُعْقَلُ بِاعْتِبَارِ غَيْرِه، كَالأُبُوَّةِ، وَالبُنُوَّةِ، وَالمَعِيَّةِ، وَالقَبْلِيَّةِ، وَالبَعْدِيَّةِ ـ عَدَمِيٌّ فَيَجْرِي فِيهِ الخِلاَفُ فِي تَعْلِيلِ الثُّبُوتِيِّ بِالعَدَمِ.
стр. 528
ص: وَيَجُوزُ التَّعْلِيلُ بمَا لاَ يُطَّلَعُ علَى حِكْمَتِه فإِنْ قُطِعَ بَانْتِفَائِهَا فِي صُورَةٍ فقَالَ الغَزَالِيُّ وَابْنُ يَحْيَى، يَثْبُتُ الحُكْمُ لِلْمَظَنَّةِ، وقَالَ الجَدَلِيُّونَ: لاَ.
ش: المَعْنَى فِي جَوَازِ التَّعْلِيلِ بمَا لاَ يُطَّلَعُ علَى حِكْمَتِه أَنَّهُ لاَ يَخْلُو عَنْهَا فِي نَفْسِ الأَمْرِ، ويُسَمَّى أَمَارَةً.
وَاخْتُلِفَ فِيمَا لوْ قُطِعَ بَانْتِفَائِهَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، كَاسْتِبْرَاءِ الصَّغِيرَةِ فإِنَّ الاسْتِبْرَاءَ لِتَيَقُّنِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وهو مُتَيَقَّنٌ فِيهَا.
فقَالَ الغَزَالِيُّ وصَاحِبُه مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، يَثْبُتُ الحُكْمُ لِلمَظَنَّةِ.
وقَالَ الجَدَلِيُّونَ: لاَ يَثْبُتُ لانْتِفَاءِ الحِكْمَةِ، فإِنَّهَا رُوحُ العِلَّةِ، ونَظِيرُ هذَا قَوْلُ إِمَامِ الحَرَمَيْنِ: إِنَّهُ يُكْرَه للْمُسْتَيْقِظِ مِنَ النَّوْمِ مَعَ تَيَقُّنِ طَهَارَةِ يَدِه غَمْسَهَا فِي الإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا، مَعَ القَطْعِ بَانْتِفَاءِ المَعْنَى فِي الكَرَاهَةِ، وهو احْتِمَالُ النَّجَاسَةِ.
وقَالَ الجُمْهُورُ: لاَ يُكْرَه، وهو مُوَافِقٌ للمَحْكِيِّ هُنَا عَنِ الجَدَلِيِّينَ، وذَكَرَ الأَصحَابُ فِي بَابِ صَلاَةِ العِيدِ فِيمَا فَعَلَه النَّبِيُّ ﷺ لِمَعْنًى، وزَالَ كَالرَّمَلِ ونَحْوِه هَلْ تَبْقَى سُنِّيَّتُه؟ وَجْهَيْنِ/ (١٦١/أَ/م).
قَالَ الشَّارِحُ: وَلَيْسَ هو هذَا الخِلاَفُ المَذْكُورُ هنَا، لأَنَّا حَيْثُ قُلْنَا بِبَقَاءِ سُنِّيَّتِه فَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ، وهو جَارٍ علَى قَوْلنَا: يَجُوزُُ تَعْلِيلُ الحُكْمِ الوَاحِدِ فِي حَالٍ بِعِلَّةٍ وفِي أُخْرَى بِغَيْرِهَا.
قُلْتُ: اسْتِبْرَاءُ الصَّغِيرَةِ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ المَعْنَى قَطُّ، وأَمَّا الرَّمَلُ فكَانَ مَعْنَاه
стр. 529
حِينَ ابْتُدِئَ فِعْلُه مَعْلُومًا، وَاسْتَمَرَّتِ المَشْرُوعِيَّةُ بَعْدَ زَوَالِ المَعْنَى اسْتِحْضَارًا لتلك الحَالَةِ التي أَوْجَبَتْ ذَلِكَ، لِيَعْرِفَ قَدْرَ النِّعَمِ المُتَجَدِّدَةِ بِتَمَكُّنِ الإِنسَانِ مِنْ إِقَامَةِ المَنَاسِكِ مِنْ غَيْرِ صَادٍّ ولاَ مَانِعٍ، وَانتشَارِ الإِسلاَمِ وقُوَّةِ أَهْلِه بَعْدَ خَفَائِه وضَعْفِ أَهْلِه، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: وَالقَاصِرَةُ مَنَعَهَا قَوْمٌ مُطْلَقًا، وَالحَنَفِيَّةُ: إِنْ لَمْ تَكُنْ/ (١٢٣/أَ/د) بِنَصٍّ أَو إِجْمَاعٍ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهَا، وفَائِدَتُهَا، مَعْرِفَةُ المُنَاسَبَةِ، ومَنْعُ الإِلحَاقِ، وتَقْوِيَةُ النَّصِّ، قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ: وزِيَادَةُ الأَجْرِ عِنْدَ قَصْدِ الامْتِثَالِ لأَجْلِهَا.
ش: اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالعِلَّةِ القَاصِرَةِ وهي التي لاَ تَتَعَدَّى مَحَلَّ النَّصِّ كَتَعْلِيلِ الرِّبَا فِي النَّقْدَينِ بجَوْهَرَيْهِمَا ـ علَى مَذَاهِبَ.
أَحَدُهَا: المَنْعُ مُطْلَقًا، سوَاءَ أَكَانَتْ مَنْصُوصَةً أَو مُسْتَنْبَطَةً، حَكَاهُ القَاضِي عَبْدُ الوَهَّابِ فِي مُلَخَّصِه، وعَزَاه لأَكْثَرِ فُقَهَاءِ العِرَاقِ، وهو يَرُدُّ علَى نَقْلِ القَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالآمِدِيِّ وَابْنِ الحَاجِبِ وَغَيْرِهِم الاتِّفَاقَ علَى الجَوَازِ فِي المَنْصُوصَةِ.
الثَّانِي: التَّفْصِيلُ، فَيُمْتَنَعُ فِي المُسْتَنْبَطَةِ، وَيَجُوزُ فِي الثَّابِتَةِ بِنَصٍّ أَو إِجمَاعٍ، وهو قَوْلُ الحَنَفِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيُّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَالنَّوَوِيُّ فِي (شَرْحِ المُهَذَّبِ) وَجْهًا لِبَعْضِ أَصحَابِنَا.
وَالثَّالِثُ: الجَوَازُ مُطْلَقًا، وهو الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وأَحَمَدُ، وَاختَارَه الإِمَامُ وَالآمِدِيُّ وأَتبَاعُهُمَا.
وعَلَّلَ المَانِعَ مِنْ ذَلِكَ بأَنَّهُ لاَ فَائِدَةَ لهَا، لأَنَّ الحُكْمَ فِي الأَصْلِ ثَابِتٌ بغَيرِهَا،
стр. 530
وَلَيْسَ لهَا فَرْعٌ لقُصُورِهَا.
وذَكَرَ المُجَوِّزُ لهَا فوَائدَ غَيْرَ تَعَدِّي الحُكْمِ:
أَحَدُهَا: مَعْرِفَةُ المُنَاسَبَةِ أَي مُنَاسَبَةُ ذَلِكَ الحُكْمِ لِذَلِكَ الفِعْلِ، فإِنَّ النَّفْسَ إِلَى قَبُولِ مَا تَعْرِفُ عِلَّتَه أَمْيَلُ منهَا إِلَى قَبُولِ مَا تَجْهلُ عِلَّتَه.
ثَانِيهَا: أَنَّهُ إِذَا عُرِفَ قُصُورُهَا عُرِفَ امْتِنَاعُ أَنْ يَلْحَقَ بِذَلِكَ المَنْصُوصِ عَلَيْهِ غَيْرُه.
ثَالِثُهَا:/ (١٦١/ب/م) أَنَّهَا تُقَوِّي النَّصَّ وتُعَضِّدُه، ذَكَرَهُ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وكذَا كُلُّ دَلِيلَيْنِ اجْتَمَعَا فِي مَسْأَلَةٍ، فَيَكُونُ الحُكْمُ ثَابِتًا بِالنَّصِّ وَالعِلَّةِ معًا.
قَالَ الشَّارِحُ: ويَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ هذَا علَى مَا إِذَا كَانَ النَّصُّ ظَاهِرًا فكأَنَّهَا مُتَعَدِّيَةٌ إِلَى مَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، فأَمَّا إِذَا كَانَ قَاطعًا فَلاَ تُقَوِّيه، وَبِهِ صَرَّحَ الإِمَامُ فِي (البُرْهَانِ).
رَابِعُهَا: إِنْ كَانَ المُكَلَّفُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لأَجْلِ تِلْكَ العِلَّةِ، فَيَحْصُلُ لَهُ أَجْرُ قَصْدِ الفِعْلِ للامْتِثَالِ، وأَجْرُ قَصْدِ الفِعْلِ لأَجْلِهَا، فَيَفْعَلُ المأُمُورَ بِهِ لِكَوْنِهِ أَمرًا وللِعِلَّةِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الإِمَامُ السُّبْكِيُّ.
وَقَدْ ظَهَرَ بمَا ذَكَرْنَاه مِنَ الفوَائِدِ بُطْلاَنُ قَوْلِ أَبِي زَيْدٍ مِنَ الحَنَفِيَّةِ: إِنهَا لاَ تُفِيدُ عِلْمًا ولاَ عَمَلاً.
ص: ولاَ تَعَدِّيَ لهَا عِنْدَ كَوْنِهَا مَحَلَّ الحُكْمِ أَو جُزْأَهُ الخَاصُّ أَو وَصْفَه اللاَّزِمَ.
ش: هذه مَسَائِلُ مُفَرَّعَةٌ علَى التَّعْلِيلِ بِالعِلَّةِ القَاصِرَةِ فإِنَّه لاَ تَعْدِيَةَ فِيهَا:
إِحْدَاهَا: أَنْ تَكُونَ العِلَّةُ مَحَلُّ الحُكْمِ، كَتَعْلِيلِ جَرَيَانِ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ بِكَوْنِه ذَهَبًا.
стр. 531
الثَانِيَة: أَنْ تَكُونَ جُزْأَه الخَاصُّ، كَتَعْلِيلِ حُرْمَةِ الخَمْرِ بِكَوْنِهَا مُعْتَصَرَةً.
وخَرَجَ بِالخَاصِّ أَنْ يَكُونَ جُزْأَه العَامُ المُشْتَرَكُ بَيْنَه وَبَيْنَ غَيْرِه كَتَعْلِيلِ إِبَاحَةِ البَيْعِ بِكَوْنِه عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ، فَعَقْدُ المُعَاوَضَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ البَيْعِ وَغَيْرِه، وهذَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي/ (١٣٢/ب/د) المُتَعَدِّيَةِ.
الثَالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ وَصْفُه اللاَّزِمُ كَالتَّعْدِيَةِ فِي الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، فإِنَّه وَصْفٌ لاَزِمٌ لَهُمَا.
وَالأَكْثَرُونَ ـ كَمَا نَقَلَه الأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ (المَحْصُولِ) علَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِمَحَلِّ الحُكْمِ وجُزْئِه الخَاصِّ، وذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى المَنْعِ.
وَحَكَاهُ الآمِدِيُّ عَنِ الأَكْثَرِينَ، وَاخْتَارَ الإِمَامُ وَالآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ وَالصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ جَوَازَهُ فِي القَاصِرَةِ دُونَ المُتَعَدِّيَةِ، وَاسْتُشْكِلَ هذَا لأَنَّ العِلَّةَ بِالمَحَلِّ هي القَاصِرَةُ.
وفِي المَسْأَلَةِ قَوْلٌ رَابِعٌ: إِنَّهُ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالجُزْءِ دُونَ المَحَلِّ.
ص: ويَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِمُجَرَّدِ الاسْمِ اللَّقَبِ وِفَاقًا لأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وخِلاَفًا للإِمَامِ، أَمَّا المُشْتَقُّ فوِفَاقٌ، وأَمَّا نَحْوُ الأَبيضِ فشِبْهُ صُورِيٍّ.
ش: يَنْدَرِجُ تَحْتَ التَّعْلِيلِ بِالاسْمِ ثَلاَثُ صُوَرٍ.
الأُولَى: أَنْ يَكُونَ الاسْمُ لَقَبًا جَامِدًا، كَتَعْلِيلِ جَرَيَانِ الرِّبَا فِي النَّقْدَينِ بأَنَّهمَا ذَهَبٌ وفِضَّةٌ، وطُهُورِيَّةُ المَاءِ بأَنَّهُ مَاءٌ، وَالتُّرَابُ بأَنَّهُ تُرَابٌ وفِيه مَذْهَبَانِ.
أَحَدُهُمَا: وَبِهِ قَالَ/ (١٦٢/أَ/م) الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَاخْتَارَه المُصَنِّفُ-: الجَوَازَ, وَقَدْ اسْتَعْمَلَه الشَّافِعِيُّ فقَالَ فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُه: لأَنَّهُ بَوْلٌ فَشَابَهَ
стр. 532
بَوْلَ الآدَمِيَّ.
وَالثَّانِي: الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ، بَلْ نَقْلُ الاتِّفَاقِ عَلَيْه.
الثَانِيَة: أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا كَالسَّارِقِ مُشْتَقٌ مِنَ السَّرِقَةِ، وَالقَاتِلُ مُشْتَقٌّ مِنَ القَتْلِ، فَيَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِ بِالاتِّفَاقِ، كَمَا حَكَاهُ المُصَنِّفُ.
وفِيهِ نَظَرٌ، ففِي (التَّقْرِيبِ) لسُلَيْمٍ الرَّازِيِّ حِكَايَةَ قَوْلٍ بِمَنْعِ الاسْمِ مُطْلَقًا لَقَبًا ومُشْتَقًّا.
الثَالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنْ صِفَةٍ كَالأَبْيَضِ وَالأَسْوَدِ، فقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: هو مِنْ عِلَلِ الأَشْبَاه الصُّورِيَّةِ، فمَنِ احْتَجَّ بِالشَّبَه الصُّورِيِّ احْتَجَّ بِهِ.
وَقَدْ يُسْأَلُ عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ العِلَّةِ القَاصِرَةِ وَالتَعْلِيلِ بِالمَحَلِّ وَالتَعْلِيلِ بِالاسْمِ.
وجَوَابُه أَنَّ القَاصِرَةَ أَعَمُّ مِنَ المَحَلِّ، لأَنَّ المَحَلَّ مَا وُضِعَ لَه اللَّفْظُ كَالخَمْرِ وَالبُرِّ، وَالقَاصِرَةُ وَصْفٌ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَحَلُّ لَمْ يُوضَعْ لَه اللَّفْظُ كَالنَّقْدِيَّةِ، فكُلٌّ مَحَلُّ عِلَّةٍ قَاصِرَةٍ، ولاَ عَكْسَ.
وأَمَّا الفَرْقُ بَيْنَ المَحَلِّ وَالاسْمِ فَفِيه وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّ المُرَادَ بِالاسْمِ الجَامِدِ الذي لاَ يُنَبِّئُ عَنْ وَصْفِه منَاسَبَةٌ تَصِحُّ إِضَافَةُ الحُكْمِ إِليهَا، وهذَا مَنْقُوضٌ بِالبُرِّ فإِنهم جَوَّزُوا التَّعْلِيلَ بِهِ وهو جَامِدٌ.
ثَانِيهُمَا: أَنَّ المُرَادَ التَّعْلِيلُ بِالتَّسْمِيَةِ نحوُ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ لِتَسْمِيَتِهَا خَمْرًا، إِذِ التَّسْمِيَةُ لاَ تَأْثِيرَ لهَا بِخِلاَفِ المَعْنَى المُسْتَفَادِ مِنَ المَحَلِّ بإِشَارَةٍ أَو بِبَيِّنَةٍ.
ص: وَجَوَّزَ الجُمْهُورُ التَعْلِيلَ بِعِلَّتَيْنِ، وَادَّعَوْا وُقُوعَه، وَابنُ فَوْرَكٍ وَالإِمَامُ فِي المَنْصُوصَةِ دُونَ المُسْتَنْبَطَةِ، ومَنَعَه إِمَامُ الحَرَمَيْنِ شَرْعًا مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي التَّعَاقُبِ، وَالصَّحِيحُ: القَطْعُ بِامْتِنَاعِهِ كجَمْعِ النَّقِيضَيْنِ.
стр. 533
ش: اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ تَعْلِيلِ/ (١٣٣/أَ/د) الحُكْمِ الوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ فأَكْثَرَ، علَى أَقوَالٍ:
أَحَدُهَا ـ وَبِهِ قَالَ الجُمْهُورُ ـ: جَوَازُهُ وَوُقُوعُهُ كَاللَّمْسِ وَالمَسِّ وَالبَوْلِ يَثْبُتُ الحَدَثُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا.
الثَّانِي: المَنْعُ مُطْلَقًا أَي عَقْلاً وشَرْعًا فِي المَنْصُوصَةِ وَالمُسْتَنْبَطَةِ، وَاختَارَهُ الآمِدِيُّ وَحَكَاهُ (١٦٢/ب/م) عَنِ القَاضِي أَبِي بَكْرٍ وإِمَامِ الحَرَمَيْنِ، وَصَحَّحَهُ المُصَنِّفُ، وعَلَّلَه بأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِهِ المُحَالُ، وهو أَنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا مُؤَثِّرٌ فِي الحُكْمِ، وَغَيْرُ مُؤَثِّرٍ لِتَأْثِيرِ الآخَرِ، ففِيه الجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، ولاَ يَخْفَى أَنَّ هذَا مَبْنِيٌّ علَى أَنَّ العِلَّةَ مُؤَثِّرَةٌ، فإِنْ قُلنَا: إِنَّهَا مُعَرَّفَةٌ، انْتَفَى ذلك.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ فِي المَنْصُوصَةِ دُونَ المُسْتَنْبَطَةِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ وَاخْتَارَه الغَزَالِيُّ وَالإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وأَتْبَاعُه.
الرَابِعُ: جَوَازُهُ عَقْلاً ومَنْعُه شَرْعًا مُطْلَقًا، أَي فِي المَنْصُوصَةِ وَالمُسْتَنْبَطَةِ، وَبِهِ قَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الحَاجِبِ، وهو المَوْجُودُ فِي (البُرْهَانِ) له، وقَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: إِنَّهُ الأَشْهَرُ عَنْهُ يَعْنِي بِخِلاَفِ نَقْلِ الآمِدِيِّ.
الخَامِسُ: أَنَّهُ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِعِلَّتَيْنِ مُتُعَاقِبَتَينِ أَي إِحْدَاهُمَا فِي وقْتٍ، وَالأُخْرَى فِي وَقْتٍ، ولاَ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ.
وفِي إِدْخَالِ المُصَنِّفِ المَتَعَاقِبَتَينِ فِي مَحَلِّ الخِلاَفِ رَدٌّ علَى ابْنِ الحَاجِبِ، فإِنَّ كَلاَمَه يَقْتَضِي أَنَّ مَحَلَّ الخِلاَفِ فِي حَالَةِ المَعِيَّةِ وأَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ التَّعَاقُبِ قَطْعًا.
تَنْبِيهٌ:
مَحَلُّ الخِلاَفِ فِي الوَاحِدِ بِالشَّخْصِ، أَمَّا الوَاحِدُ بِالنَّوْعِ المُخْتَلِفِ شَخْصًا فَيَجُوزُ تَعَدُّدُ العِلَلِ فِيهِ بِالاتِّفَاقِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الآمِدِيُّ وَالصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا،
стр. 534
كَتَعْلِيلِ إِبَاحَةِ قَتْلِ زَيْدٍ بِرِدَّتِهِ، وعَمْرٍو بِالقِصَاصِ، وخَالدٍ بِالزِّنَا بَعْدَ إِحْصَانٍ، وَمَحَلُّ الخِلاَفِ أَيضًا فِي العِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ فَيُمْتَنَعُ فِي العِلَلِ العَقْلِيَّة قَطْعًا.
ص: وَالمُخْتَارُ وُقُوعُ حُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ إِثْبَاتًا، كَالسَّرِقَةِ لِلْقَطْعِ وَالغُرْمِ، ونَفْيًا كَالحَيْضِ للصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ وَغَيْرِهِمَا، وثَالِثُهَا: إِنْ لَمْ يَتَضَادَّا.
ش: هَلْ يَجُوزُ تَعْلِيلُ حُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ؟
فِيه مَذَاهِبُ:
الصَّحِيحُ جَوَازُهُ سَوَاءَ أَكَانَ فِي الإِثْبَاتِ كَالسَّرِقَةِ فإِنَّهَا عِلَّةٌ للقَطْعِ زَجْرًا للسَّارِقِ حتَّى لاَ يَعُودَ، ولِغَيْرِه حتَّى لاَ يَقَعَ فِيهَا، ولِلتَّغْرِيمِ جَبْرًا لِصَاحِبِ المَالِ ـ أَمْ فِي النَّفْيِ كَالحَيْضِ يُنَاسِبُ المَنْعَ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الأَحْكَامِ كَالطَّوَافِ وقِرَاءَةِ القُرْآنِ وَمَسِّ المُصْحَفِ وَحَمْلِه.
الثَّانِي: المَنْعُ مُطْلَقًا.
الثَّالِثُ: الجَوَازُ إِنْ لَمْ يَتَضَادَّا كَالحَيْضِ لِتَحْرِيمِ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ، وَالمَنْعُ/ (١٦٣/أَ/م) إِنْ تضَادَّا كأَنْ يَكُونَ مُبْطِلاً لِبَعْضِ العُقُودِ مُصَحِّحًا لِبَعْضِهَا كَالتَّأْبِيدِ يُصَحِّحُ البَيْعَ ويُبْطِلُ الإِجَارَةَ.
ص: ومِنْهَا أَنْ لاَ يَكُونَ ثُبُوتُهَا مُتَأَخِّرًا عَنْ ثُبُوتِ حُكْمِ الأَصْلِ خِلاَفًا لِقَوْمٍ.
ش: قَوْلُه (ومنهَا) أَي ومِنْ شُرُوطِ العِلَّةِ أَنْ لاَ يَكُونَ ثُبُوتُهَا مُتَأَخِّرًا عَنْ ثُبُوتِ حُكْمِ الأَصْلِ، بَلْ يُقَارِنُه، كَقَوْلِنَا (١٣٣/ب/د) فِي عَرَقِ الكَلْبِ: هو عَرَقُ حَيَوَانٍ نَجِسٍ فَيَكُونُ نَجِسًا كَلُعَابِه، فيَمْنَعُ كَوْنَ عَرَقِه نَجِسًا، فَيُقَالَ: لأَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ، فإِن اسْتِقْذَارَه إِنَّمَا يَحْصُلُ بَعْدَ الحُكْمِ بِنَجَاسَتِه خِلاَفًا لِقَوْمٍ مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ، فإِنَّهُم لَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ، حَكَاهُ القَاضِي عَبْدُ الوَهَّابِ.
стр. 535
قَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: وَالحقُّ الجوَازُ، إِنْ أُرِيدَ بِالعِلَّةِ المُعَرَّفَ، فإِن أُرِيدَ بِهَا المُوجِبُ أَو البَاعثُ فلاَ.
ص: وَمِنْهَا أَن لاَ تَعُودَ علَى الأَصْلِ بِالإِبطَالِ، وفِي عَوْدِهَا بِالتَّخْصِيصِ لاَ التَّعْمِيمِ قَوْلاَنِ.
ش: ومن شُرُوطِ العِلَّةِ أَن لاَ تَعُودَ علَى الأَصْلِ بِالإِبطَالِ لأَنَّهَا فَرْعُه وَالفَرْعُ لاَ يُبْطِلُ أَصْلَه، إِذ لوْ أَبْطَلَ أَصْلَه لأَبْطَلَ نَفْسَه.
ومَثَّلَه أَصحَابُنَا بتَجْوِيزِ الحَنَفِيَّةِ إِخرَاجَ القِيمَةِ، اسْتِنْبَاطًا مِنْ قَوْلِه ﵊: ((فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ)) أَنَّ المَعْنَى فِي ذَلِكَ دَفْعَ حَاجَةِ مُسْتَحِقِّي الزَّكَاةِ وهي تَنْدَفِعُ بِالقِيمَةِ، فجَوَّزُوا إِخرَاجَ القِيَمِ.
وَقَدْ يقَالَ: إِنَّمَا تَعُودُ بِالإِبطَالِ لوْ مَنَعُوا إِخرَاجَ الشَّاةِ، لكنَّا نقولُ: قَد أَبْطَلُوا تَعَيُّنَهَا، وَالمأُمُورُ لاَ يَخْرُجُ عَنِ العُهْدَةِ إِلا بِامْتِثَالِ المَأْمُورِ بِهِ.
ولَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: مَا الفَرْقُ بَيْنَ هذَا وَبَيْنَ تَجْوِيزِكُمُ الاسْتِنْجَاءَ بِكُلِّ جَامِدٍ طَاهِرٍ قَالِعٍ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ، اسْتِنْبَاطًا من أَمْرِه ﵊ فِي الاسْتِنْجَاءِ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، فإِنَّكُم أَبْطَلْتُم هذَا التَّوْسِيعَ تَعَيُّنُ الأَحْجَارِ المَأْمُورِ بِهَا؟
لكنَّا نَقُولُ: إِنَّمَا فَهِمنَا إِبطَالَ تَعَيُّنِهَا من قَوْلِه ﵊ بَعْدَ أَمْرِه بِالاسْتِنْجَاءِ بثلاَثةِ أَحْجَارٍ: ((ولاَ نَسْتَنْجِي بِرَجِيعٍ ولاَ عَظْمٍ)) فَدَلَّ علَى أَنَّهُ أَرَادَ أَوَّلاً الأَحْجَارَ ومَا فِي مَعْنَاهَا وإِلاَّ لَمْ يكُنْ للنَّهْيِ عَنِ الرَّجِيعِ وَالعَظْمِ وَقْعٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وهل يُشْتَرَطُ فِي العِلَّةِ أَن لاَ تَعُودَ علَى أَصْلِهَا بِالتَّخْصِيصِ؟
стр. 536
فِيه قَوْلاَنِ للشَّافِعِيِّ مُسْتَنْبَطَانِ مِنَ اخْتِلاَفِ قَوْلَيْه فِي نَقْضِ الوُضُوءِ بِمَسِّ/ (١٦٣/ب/م) المَحَارِمِ:
أَحَدُهُمَا: النَّقْضُ تَمَسُّكًا بِالعُمُومِ.
وَالثَّانِي: المَنْعُ نَظَرًا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هو إِذَا كَانَ المَلْمُوسُ فِي مَظَنَّةِ الاسْتِمْتَاعِ، وَالمَحَارِمُ لَسْنَ كذلك، فقَدْ عَادَتِ العِلَّةُ علَى أَصْلِهَا بِالتَّخْصِيصِ.
ونَظِيرُ ذَلِكَ النَّهْيُ عَن بَيْعِ اللَّحْمِ بِالحَيَوَانِ، فإِنَّ عُمُومَه يَقْتَضِي اطِّرَادَهُ فِي المَأْكُولِ وَغَيْرِه، وَالمَعْنَى يَقْتَضِي اخْتِصَاصَه بِالمَأْكولِ لأَنَّهُ بَيعٌ رِبَوِيٌّ بأَصْلِه، فغَيْرُ الرِّبَوِي لاَ مَدْخَلَ له فِي النَّهْيِ.
وللشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ، ولَمَّا اضْطَرَبَ التَّرْجِيحُ فِي ذَلِكَ فكَانَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الأَصْحَابِ فِي الأَولَى عَدَمُ النَّقْصِ، وفِي الثَّانِية بُطْلاَنُ البَيْعِ ـ سَكَتَ المُصَنِّفُ عَنِ التَّرْجِيحِ.
أَمَّا عَوْدُهَا علَى أَصْلِهَا بِالتَّعْمِيمِ فإِنَّه جَائِزٌ بِالاتِّفَاقِ وهو غَالِبُ الأَقْيِسَةِ، كَاسْتِنْبَاطِ جَمِيعِ مَا يُشَوِّشُ الفِكْرَ مِنْ قَوْله ﵊: ((لاَ يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ/ (١٣٤/أَ/د) غَضْبَانٌ)).
ومِنَ العَجِيبِ قَوْلُ القَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ: أَجْمَعُوا علَى أَنَّهُ لَيْسَ لنَا عِلَّةٌ تَعُودُ علَى أَصْلِهَا بِالتَّعْمِيمِ إِلا هذَا المِثَالَ، وذلك جَائِزٌ بِالإِجمَاعِ، وإِنَّمَا تَعَجَّبْنَا مِنْهُ لِمَا
стр. 537
قَدَّمْنَاه مِنْ غَلَبَةِ ذَلِكَ فِي الأَقْيِسَةِ فَكَيْفَ ينْفِي مَا عَدَاه.
ص: وأَنْ لاَ تَكُونَ المُسْتَنْبَطَةُ مُعَارَضَةٌ بِمُعَارِضٍ مُنَافٍ مَوْجُودٍ فِي الأَصْلِ، قِيلَ: ولاَ الفَرْعِ.
ش: ومِنْ شُرُوطِ العِلَّةِ فِيمَا إِذَا كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً: أَن لاَ يُعَارِضَهَا وُجُودُ وَصْفٍ مُنَافٍ لهَا فِي الأَصْلِ صَالِحٍ لِلْعِلِّيَّةِ مَفْقُودٌ فِي الفَرْعِ فمَتَى اشْتَمَلَ الأَصْلُ علَى وَصْفَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ يَقْتَضِي كُلٌّ مِنْهُمَا نَقِيضَ حُكْمِ الآخَرِ، لَمْ يُقَدَّمْ أَحَدُهُمَا إِلا بِمُرَجِّحٍ، ومثَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِ الحَنَفِيِّ فِي صَوْمِ الفَرْضِ: صَوْمُ عَيْنٍ فَيَتَأَدَّى بِالنِّيَّةِ قَبْلَ الزَّوَالِ كَالنَّفْلِ، فَنقولُ: صَوْمُ فَرْضٍ فَنَحْتَاطُ فِيهِ، ولاَ يُبْنَى علَى السُّهُولَةِ.
وقَوْلُه: (قِيلَ ولاَ فِي الفَرْعِ) أَي اشْتَرَطَ بَعْضُهم أَنْ لاَ يَكُونَ فِي الفَرْعِ وَصْفٌ مُعَارِضٌ، فمتَى وُجِدَ فِيهِ وَصْفٌ مُنَافٍ يَقْتَضِي إِلحَاقَهُ بأَصْلٍ آخَرَ تعَارَضَا، كَقَوْلِنَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ: رُكْنٌ فِي الوُضُوءِ فَلَيْسَ تَثْلِيثُه كَغَسْلِ الوَجْهِ، فَيُعَارَضُ بأَنَّهُ مَسْحٌ فَلاَ يُسَنُّ تَثْلِيثُه كَمَسْحِ الخُفِّ، ومُقْتَضَى كَلاَمِ المُصَنِّفِ أَنَّ الرَّاجِحَ خِلاَفَه، ولاَ يُنَافِي هذَا قَوْلُه فِيمَا تَقَدَّمَ: (وَتُقْبَلُ المُعَارضَةُ فِيهِ بمُقْتضَى نَقِيضٍ أَو ضِدِّ الحُكْمِ علَى المُخْتَارِ) لأَنَّ اشْتِرَاطَ انْتِفَاءِ المُعَارِضِ إِنَّمَا هو فِي ثُبُوتِ حُكْمِ العِلَّةِ لاَ فِي صِحَّتِهَا فِي نَفْسِهَا فهي عِنْدَ المُعَارِضِ صَحِيحَةٌ، لكنَّ تَخَلُّفَ الحُكْمِ للمُعَارِضِ يُظْهِرُ أَثَرَ المُعَارِضِ فِي عَدَمِ ثُبُوتِ الحُكْمِ لاَ فِي بُطْلاَنِهَا.
وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّ المُصَنِّفَ كَانَ يَقُولُ: لَيْسَ فِي هذَا الكتَابِ أَشْكَلَ مِنْ هذه المَسْأَلَةِ ـ وفِيهِ نَظَرٌ.
ص: وأَنْ لاَ تُخَالِفَ نَصَّا أَو إِجمَاعًا، ولاَ تَتَضَمَّنَ زِيَادَةً عَلَيْهِ
стр. 538
إِنْ نَافَتِ الزِّيَادَةُ مُقْتَضَاه وِفَاقًا لِلآمِدِيِّ، وأَنْ تَتَعَيَّنَ خِلاَفًا لِمَنِ اكْتَفَى بِعِلِّيَّةِ مُبْهَمٍ مُشْتَرَكٍ، وأَنْ لاَ تَكُونَ وَصْفًا مُقَدَّرًا وِفَاقًا للإِمَامِ، وأَنْ لاَ يَتَنَاوَلَ دَلِيلُهَا حُكْمَ الفَرْعِ بِعُمُومِه أَو خُصُوصِهِ علَى المُخْتَارِ.
ش: فِي هذه الجُمْلَةِ خَمْسَةٌ مِنْ شُرُوطِ العِلَّةِ:
أَحَدُهَا: أَنْ لاَ تُخَالِفَ نَصًّا، كقَولِ الحَنَفِيِّ: المَرْأَةُ مَالِكَةُ بُضْعِهَا، فَصَحَّ نِكَاحُهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا، كبَيعِ سِلْعَتِهَا، فهذه عِلَّةٌ مُخَالِفَةٌ لِقَوْلِه ﵊: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ)) ولاَ إِجمَاعًا، كقِيَاسِ صَلاَةِ المُسَافِرِ علَى صَوْمِه فِي عَدَمِ الوُجُوبِ بجَامِعِ السَّفَرِ المُوجِبِ لِلْمَشَقَّةِ.
الثَّانِي: أَنْ لاَ تَتَضَمَّنَ زِيَادَةً علَى النَّصِّ، بأَنْ يَدُلَّ النَّصُّ علَى غَلَبَةِ وَصْفٍ فَيَزِيدُ عَلَيْهِ بِالاسْتِنْبَاطِ قَيْدًا.
ثم مِنْهُم مَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ، وقَيَّدَه المُصَنِّفُ ـ تَبَعًا لِلآمِدِيِّ ـ بمَا إِذَا نَافَتِ الزّيَادَةُ مُقْتَضَى النَّصِّ، وقَالَ (١٣٤/ب/د) الهِنْدِيُّ، إِنَّمَا يَتَّجِه الأَوَّلُ لو كَانَتْ الزِّيَادَةُ علَى النَّصِّ نَسْخًا، وَلَيْسَ كذلك.
الثَّالِثُ: أَن تَتَعَيَّنَ، أَي تَكُونُ وَصْفًا مُعَيَّنًا لاَ مُبْهَمًا، وخَالَفَ فِيهِ بعْضُهم فذَهَبَ إِلَى جَوَازِ الإِلحَاقِ بِمُجَرَّدِ الاشْتِرَاكِ فِي وَصْفٍ عَامٍّ أَو مُطْلَقٍ، وإِن لَمْ تَتَعَيَّنِ العِلَّةُ فِيهِ، ورَدَّه الجُمْهُورُ بأَنَّهُ يَلْزَمُه مِنْهُ مُسَاوَاةُ العَامِّيِّ للمُجْتَهِدِ فِي إِثبَاتِ الأَحكَامِ بأَنْ يُعْلَمَ مُسَاوَاةُ ذَلِكَ الفَرْعِ لأَصْلٍ مِنَ الأُصُولِ فِي وَصْفٍ عَامٍّ فِي الجُمْلَةِ.
стр. 539
الرَابِعُ: أَنْ لاَ يَكُونَ وَصْفًا مُقَدَّرًا، أَي مَفْرُوضًا لاَ حَقِيقَةَ له، كَتَعْلِيلِ جَوَازِ التَّصَرُّفِ بِالبيعِ ونحْوِه بِالمِلْكِ، وتَبِعَ المُصَنِّفُ فِي ذَلِكَ الإِمَامَ فإِنَّه قَالَ فِي (المَحْصُولِ): الحقُّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالصِّفَاتِ المُقَدَّرَةِ خِلاَفًا للفقهَاءِ العَصْرِيينَ.
الخَامِسُ: أَن لاَ يَتَنَاوَلَ دَلِيلُهَا حُكْمَ الفَرْعِ بعُمُومٍ أَو خُصُوصٍ، كَمَا لوْ قِيسَ التُّفَّاحُ علَى البُرِّ فِي تَحْرِيمِ/ (١٦٤/ب/م) بَيعِ بَعْضِه بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلاً، فإِنَّه لاَ يَصِحُّ، فإِنَّ النَّصَّ الدَّالَّ علَى جَرَيَانِ الرِّبَا فِي البُرِّ دَالٌّ علَى جَرَيَانِه فِي التُّفَّاحِ، وهو قَوْلُه ﵊: ((الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلاً بِمِثْلٍ)) أَو قِيسَ الشَّعِيرُ علَى البُرِّ فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الشَّعِيرَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ بِخُصُوصِه كَالبُرِّ.
ص: وَالصَّحِيحُ لاَ يُشْتَرَطُ القَطْعُ بحُكْمِ الأَصْلِ ولاَ انْتِفَاءِ مخَالَفَةِ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ ولاَ القَطْعُ بوُجُودِهَا فِي الفَرْعِ.
ش: فِي هذه الجُمْلَةِ ثَلاَثَةُ شُرُوطٍ للِعِلَّةِ علَى قَوْلِ الرَّاجِحِ خِلاَفُه:
الأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ العِلَّةُ مُسْتَنْبَطَةً مِنْ حُكْمٍ قَطْعِيٍّ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ ولو كَانَ الأَصْلُ ظَنِّيًّا.
الثَّانِي: أَنْ لاَ تَكُونَ العِلَّةُ مُخَالِفَةً لِمَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ، وَالصَّحِيحُ خِلاَفُه، لأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وعلَى القَوْلِ بأَنَّهُ حُجَّةٌ فَلَيْسَ أَرْجَحَ مِنَ القِيَاسِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُعْلَمَ وُجُودُهَا فِي الفَرْعِ علَى وَجْهِ القَطْعِ وهو ضَعِيفٌ لأَنَّهُ مِنْ
стр. 540
مُقَدَّمَاتِ القِيَاسِ فجَازَ أَنْ يَكُونَ ظَنَّيًّا كغَيْرِه.
ص: أَمَّا انْتِفَاءُ المُعَارِضِ فمَبْنِيٌّ علَى التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ، وَالمُعَارِضُ هُنَا وَصْفٌ صَالِحٌ لِلْعِلِّيَّةِ كصَلاَحِيَةِ المُعَارِضِ غَيْرُ مُنَافٍ، ولكِنْ يَؤُولُ إِلَى الاخْتِلاَفِ كَالطَّعْمِ مَعَ الكَيْلِ فِي البُرِّ لاَ يُنَافِي، ويَؤُولُ إِلَى الاخْتِلاَفِ فِي التُّفَّاحِ.
ش: تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ العِلَّةِ انْتِفَاءُ المُعَارِضِ المُنَافِي، وَالكلاَمُ هُنَا علَى انْتِفَاءِ المُعَارِضِ غَيْرِ المُنَافِي، وَاشْتِرَاطُه مَبْنِيٌّ علَى التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ، إِنْ جَوَّزْنَاه لَمْ نَشْرُطْه وإِلاَّ اشْتَرَطْنَاهُ، وَالمُرَادُ بِهِ هُنَا وَصْفٌ صَالِحٌ لِلْعِلِّيَّةِ كَصَلاَحِيَةِ مَا فَرَضْنَاه عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُنَافَاةٍ بَيْنَ الوَصْفَينِ، لأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا تَنَاقُضٌ ولاَ تَضَادٌّ، ولكنْ يَؤُولُ إِلَى الاخْتِلاَفِ، ومِثَالُه أَنْ يُعَلَّلَ جَرَيَانُ الرِّبَا فِي البُرِّ بِالطَّعْمِ، فَيُعَارَضُ بأَنَّ العِلَّةَ فِي ذَلِكَ الكَيْلُ، وهمَا وَصْفَانِ اشْتَمَلَ عليهمَا الأَصْلُ يَصْلُحَانِ لِلْعِلِّيَّةِ لاَ مُنَافَاةَ/ (١٣٥/أَ/د) بَيْنَهُمَا فِي الأَصْلِ، لكِنْ يَؤُولُ الأَمرُ إِلَى الاخْتِلاَفِ بَيْنَهُمَا إِذَا كَانَ نِزَاعُ المُتَنَاظِرِينَ فِي إِلحَاقِ التُّفَّاحِ بِالبُرِّ فِي جَرَيَانِ الرِّبَا فِيهِ، فإِن عَلَّلْنَا بِالطَّعْمِ شَارَكَه فِي ذَلِكَ فأُلْحِقَ بِهِ، أَو بِالكَيْلِ لَمْ يُشَارِكْه فِيهِ فَلاَ يُلْحَقُ بِهِ.
ص: ولاَ يَلْزَمُ المُعْتَرِضَ نَفْيُ الوَصْفِ الذي عَارَضَ بِهِ عَنِ الفَرْعِ.
وثَالِثُهَا: إِنْ صَرَّحَ بِالفَرْقِ ولاَ إِبْدَاءُ أَصْلٍ علَى المُخْتَارِ.
ش: ذَكَرَ فِيهِ أَمرَانِ/ (١٦٥/أَ/م) اخْتُلِفَ فِي أَنهمَا يَلْزَمَانِ المُعْتَرِضَ أَمْ لاَ؟
الأَوَّلُ: هَلْ يَلْزَمُه نَفْيُ الوَصْفِ الذي عَارَضَ بِهِ الوَصْفَ المَعْرُوضَ عَلَيْهِ عَنِ الفَرْعِ بأَنْ يَقُولَ فِي المِثَالِ السَّابِقِ: وَلَيْسَ الكَيْلُ مَوْجُودًا فِي التُّفَّاحِ؟ فِيهِ مَذَاهِبُ:
أَصَحُّهَا: لاَ يَلْزَمُه.
стр. 541
وَالثَّانِي: يَلْزَمُه.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ إِنْ صَرَّحَ بِالفَرْقِ بَيْنَ الأَصْلِ وَالفَرْعِ بأَنْ قَالَ: إِنَّ بَيْنَ البُرِّ وَالتُّفَاحِ فَرْقًا لَزِمَه ذَلِكَ لالْتِزَامِه إِيَاهُ فَعَلَيْهِ الوَفَاءُ بِهِ، وإِلاَّ فلاَ.
الثَّانِي: هَلْ يَلْزَمُ المُعْتَرِضَ إِبدَاءُ أَصْلٍ يُبَيِّنُ تَأْثِيرَ الوَصْفِ الذي عَارَضَ بِهِ أَمْ لاَ؟
فِيه مَذْهَبَانِ، المُخْتَارُ: لاَ، لأَنَّ حَاصِلَ اعْتِرَاضِه نَفْيُ الحُكْمِ فِي الفَرْعِ لِعَدَمِ العِلَّةِ، أَو صَدُّ المُسَتَدِلِّ عَنِ التَّعْلِيلِ بِذَلِكَ الوَصْفِ لِجَوَازِ تَأْثِيرِ هذَا، ولمْ يَدَّعِ عَلَيْهِ مَا أَبْدَاه حتَّى يَحْتَاجَ لِشَهَادَةِ أَصْلٍ.
قُلْتُ: كَذَا عَلَّلَهُ الشَّارِحُ، وفِيهِ نَظَرٌ، فَالذي يَظْهَرُ مِنَ الاعترَاضِ إِثبَاتُ مَا يَدَّعِيهِ عِلَّةً، فَيَحْتَاجُ لأَصْلٍ يَشْهَدُ لِذلك، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تَنْبِيه:
عَبَّرَ ابْنُ الحَاجِبِ فِي الأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (بَيَانُ نَفْيِ الوَصْفِ) وأَسْقَطَ المُصَنِّفُ لَفْظَةَ (بَيَانِ) لأَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّفْيِ فِعْل َ الفَاعِلِ، فَلَمْ يَحْتَجْ لِلَفْظَةِ: (بَيَانِ) وأَرَادَ ابْنُ الحَاجِبِ بِالنَّفْيِ نَفْسَ الانْتِفَاءِ فَاحْتَاجَ لذلك، وَالاسْتِعْمَالانِ صَحِيحَانِ، لكنَّ الأَوَّلَ أَظْهَرُ، وهذه نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ حَكَاهَا المُصَنِّفُ عَنْ وَالِدِه رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
ص: وللمُسْتَدِلِّ الدَّفْعُ بِالمَنْعِ وَالقَدْحُ وبِالمُطَالَبَةِ بِالتَّأْثِيرِ أَوِ الشَّبَهِ إِن لَمْ يَكُنْ سَبْرًا وبِبَيَانِ اسْتِقْلاَلِ مَا عَدَاه فِي صُورَةٍ ولو بِظَاهِرٍ عَامٍّ إِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ للتَّعْمِيمِ.
ش: للمُسْتَدِلِّ دَفْعُ المُعَارَضَةِ بوُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: مَنْعُ وُجُودِ الوَصْفِ فِي الأَصْلِ، كَمَا إِذَا عُلِّلَ جَرَيَانُ الرِّبَا فِي البَطِّيخِ بأَنَّهُ مَطْعُومٌ فَعُورِضَ بأَنَّ العِلَّةَ أَنَّهُ مَكِيلٌ، فَيُمْنَعُ كَوْنُ مِعْيَارِه
стр. 542
الكَيْلَ، لأَنَّ الاعْتِبَارَ بِالمَعْهُودِ فِيه فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وهو إِمَّا الوَزْنُ أَوِ العَدَدُ.
ثَانِيهَا: القَدْحُ فِي الوَصْفِ الذي ادَّعَى المُعْتَرِضُ عِلِّيَّتَهُ، إِمَّا لِخَفَائِه، أَو عَدَمِ انْضِبَاطِهِ، أَو كَوْنِه عَدَمِيًّا أَو غَيْرَ ذَلِكَ من مُفْسِدَاتِ العِلَّةِ، وَلَيْسَ المُرَادُ بِذَلِكَ مُطْلَقُ القَدْحِ، وإِلاَّ لَدَخَلَ فِيهِ المَنْعُ/ (١٦٥/ب/م) المَذْكُورُ قَبْلَه، وَالمُطَالَبَةُ بِالتَّأْثِيرِ أَوِ الشَّبَهِ المَذْكُورِ بَعْدَه، فإِنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا قَدْحٌ، وإِنَّمَا مُرَادُه القَدْحُ فِي عِلِّيَّتِه بإِفْسَادِهَا، وحَذَفَ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ اخْتِصَارًا.
ثَالِثُهَا: أَن يُطَالَبَ المُعْتَرِضُ بِبَيَانِ تَأْثِيرِ (١٣/ب/د) الوَصْفِ الذي أَبْدَاه إِن كَانَ مُنَاسِبًا، وشِبْهِه إِنْ كَانَ غَيْرَ مُنَاسِبٍ، ويَخْتَصُّ هذَا الوَجْهُ بمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ الطَّرِيقُ الذي أَثْبَتَ بِهِ المُسْتَدِلُّ الوَصْفَ سَبْرًا وتَقْسِيمًا، فإِن كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ المُعْتَرِضِ بِالتَّأْثِيرِ، فإِنَّ مُجَرَّدَ الاحْتِمَالِ كَانَ فِي دَفْعِ السَّبْرِ فَعِلِّيَّةُ بَيَانِ الحَصْرِ فِيمَا ذَكَرَهُ بِطَرِيقِه، ولَمَّا اخْتُصَّ هذَا الوَجْهُ بِبَعْضِ الأَحوَالِ أَعَادَ فِيهِ حَرْفَ الجَرِّ فِي قَوْلِهِ: وبِالمُطَالَبَةِ.
رَابِعُهَا: أَن يُبَيِّنَ أَنَّ مَا عَدَا الوَصْفِ الذي ذَكَرَهُ المُعْتَرِضُ مُسْتَقِلٌّ فِي صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ، إِمَّا بِظَاهِرٍ مِنَ النُّصُوصِ أَو إِجمَاعٍ، فَيَبْطُلُ بِهِ كَوْنُ وَصْفِ المُعَارِضِ فِي مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِئَلاَّ يَلْزَمَ إِلْغَاءُ المُسْتَقِلِّ، وَاعْتِبَارُ غَيرِه.
وشَرْطُ هذَا الرَّابِعِ أَن لاَ يَتَعَرَّضَ المُسْتَدِلُّ للتَّعْمِيمِ، فإِنَّه لوْ تَعَرَّضَ لَهُ لكَانَ مُثْبِتًا للحُكْمِ بِالنَّصِّ لاَ بِالقِيَاسِ، ولَمَا كَانَ هذَا الرَّابِعُ مَشْروطًا بِشَرْطٍ أَعَادَ فِيهِ حَرْفَ الجَرِّ أَيضًا كَمَا فَعَلَ بِالذي قَبْلَه، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: ولوْ قَالَ: ثَبَتَ الحُكْمُ مَعَ انْتِفَاءِ وَصْفِكَ، لَمْ يَكْفِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَصْفُ المُسْتَدِلِّ وَقِيلَ: مُطْلَقًا، وَعِنْدِي أَنَّهُ يَنْقَطِعُ
стр. 543
لاعْتِرَافِه ولِعَدَمِ الانْعِكَاسِ.
ش: ولوْ قَالَ المُسْتَدِلُّ: ثَبَتَ الحُكْمُ مَعَ انْتِفَاءِ وَصْفِكَ أَيُّهَا المُعْتَرِضِ ـ فإِنْ أَبْدَى صُورَةً مُشْتَمِلَةً علَى الوَصْفِ الذي ذَكَرَ أَنَّهُ العِلَّةُ كَفَاهُ ذَلِكَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَفْهُومُ كَلاَمِ المُصَنِّفِ، لأَنَّهُ قَادِحٌ فِي وَصْفِ المُعْتَرِضِ لِعَدَمِ الانْعِكَاسِ، وهو شُمُولُ جَمِيعِ الأَفْرَادِ، وهو شَرْطٌ بِنَاءً علَى مَنْعِ تَعَدُّدِ العِلَلِ، وإِن لَمْ يَشْتَمِلْ علَى وَصْفِ المُسْتَدِلِّ لَمْ يَكْفِه ذَلِكَ، لأَنَّهُ كَمَا يُفْسِدُ عِلَّةَ المُعْتَرِضِ يُفْسِدُ عِلَّةَ المُسْتَدِلِّ، لِعَدَمِ الانْعِكَاسِ فِيهِمَا لِوُجُودِ الحُكْمِ بِدُونِ وَصْفِهِمَا معًا.
وقَوْلُه: (وَقِيلَ: مُطْلَقًا) أَي لاَ يَكْفِي ذَلِكَ ولوِ اشْتَمَلَتِ الصُّورَةُ التي ذَكَرَهَا المُسْتَدِلُّ علَى وَصْفِه، وهذَا مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الحَاجِبِ: لاَ يَكْفِي إِثبَاتُ الحُكْمِ فِي صُورَةٍ دُونَه لِجَوَازِ عِلَّةٍ أُخْرَى/ (١٦٦/أَ/م).
ثُمَّ ذَكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّ المُسْتَدِلَّ يَنْقَطِعُ بإِيرَادِه الصُّورَةَ التي لَيْسَ فِيهَا وَصْفَهُ لاعْتِرَافِه بِعَدَمِ انْعِكَاسِ عِلَّتِه، وهو وُجُودُهَا فِي جَمِيعِ الأَفْرَادِ، وَالعِبَارَةُ التي ذَكَرْتُهَا فِي التَّعْلِيلِ مُجَرَّدَةً، ولكنَّ الذي فِي أَكْثَرِ نُسَخِ هذَا الكِتَابِ: (لاعْتِرَافِه ولِعَدَمِ الانْعِكَاسِ) وفِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ المُصَنِّفُ: ويَنْقَطِعُ، ولوْ جَوَّزْنَا التَّعْلِيلَ بِعِلَّتَيْنِ، لأَنَّهُ ـ بإِيرَادِه الصُّورَةَ التي لَمْ تَشْتَمِلْ لاَ علَى وَصْفِ المُعْتَرِضِ، ولاَ علَى وَصْفِه ـ مُعْتَرِفٌ بأَنَّهَا قَادِحَةٌ، وإِلاَّ لَمْ يَكُنْ لإِيرَادِه إِيَاهَا وَجْهٌ، وقَدْحُهَا فِي وَصْفِه كَقَدْحِهَا فِي وَصْفِ المُعْتَرِضِ سَوَاءً، فإِذَا قَدَحَ بِهَا وَصْفَ المُعْتَرِضِ كَانَ مُعْتَرِفًا بِبُطْلاَنِ وَصْفِه، وذلك عَيْنُ الانْقِطَاعِ، انْتَهَى.
ص: ولو أَبْدَى المُعْتَرِضُ مَا يُخْلِفُ المُلْغَى سُمِّيَ تَعَدُّدَ الوَضْعِ وزَالَتْ فَائِدَةُ الإِلغَاءِ مَا لَمْ يُلْغِ المُسْتَدِلُّ الخَلَفَ بِغَيْرِ دَعْوَى قُصُورِهِ/ (١٣٦/أَ/د) أَو دَعْوَى مَنْ سَلَّمَ وُجُودَ المَظِنَّةِ ضَعْفَ المَعْنَي خِلاَفًا لِمَنْ زَعَمَهُمَا إِلْغَاءً.
стр. 544
ش: إِذَا أَبْدَى المُعْتَرِضُ وَصْفًا يَخْلُفُ الوَصْفَ الذي أَلْغَاه المُسْتَدِلُّ، ويَقُومُ مَقَامَه سُمِّيَ تَعَدُّدَ الوَضْعِ لتَعَدُّدِ أَصْلِيِّ العِلَّةِ، فإِنَّ المُعْتَرِضَ لَمَّا عَوَّضَ المُلْغَى بِآخَرَ صَارَ مُعَلَّلاً بِكُلٍّ مِنْهُمَا، كَقَوْلِنَا فِي تَأْمِينِ العَبْدِ حَرْبِيًّا: أَمَانُ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ فَصَحَّ كَالحُرِّ، فَيَدَّعِي المُعْتَرِضُ أَنَّ الحُرِّيَةَ جُزْءُ عِلَّةٍ، وأَنَّ العِلَّةَ أَمَانُ المُسْلِمِ العَاقِلِ الحُرِّ فإِنَّ الحُرِّيَةَ مَظِنَّةُ الفَرَاغِ للنَّظَرِ فَيُلْغِيهَا المُسْتَدِلُّ بِالمَأْذُونِ له فِي القِتَالِ، فإِنَّ الحَنَفِيَّةَ وَافَقُوا علَى صِحَّةِ أَمَانِه فَيَقُولُ المُعْتَرِضُ: خَلَفَ الإِذْنُ الحُرِّيَةَ فِي هذه الصُّورَةِ، فإِنَّ الإِذنَ مَظِنَّةٌ لِبَذْلِ الوُسْعِ فِي النَّظَرِ، إِذ لاَ شَاغِلَ له.
وَقَوْلُهُ: (وزَالَتْ فَائِدَةُ الإِلْغَاءِ) أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الحَاجِبِ: (فَسَدَ الإِلْغَاءُ) فإِنَّ الإِلْغَاءَ لَمْ يَفْسَدْ وَإِتْيَانُ المُعْتَرِضِ بمَا يَخْلُفُه اعْتِرَافٌ، مِنْهُ بِصِحَّتِه لكِنَّه يُزِيلُ فَائِدَتَه وهي سَلاَمَةُ وصْفِ المُسْتَدِلِّ، وإِنَّمَا تَزُولُ فَائِدَتُه إِذَا لَمْ يَبْلُغِ المُسْتَدِلُّ الخُلْفَ، وَيُخْرِجُه عَنْ دَرَجَةِ الاعْتِبَارِ بِمَا عُرِفَ مِنَ الطُّرُقِ إِلاَّ طَرِيقَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدَّعِي أَنَّ الخَلَفَ/ (١٦٦/ب/م) قَاصِرٌ، فإِنَّ قُصُورَهُ لاَ يُخْرِجُه عَن صَلاَحِيَةِ العِلِّيَّةِ لِجَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالقَاصِرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، ولاَ يُرَجِّحُ المُتَعَدَّى عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي.
الثَّانِي: أَنْ يَدَّعِي ضَعْفَ المَعْنَى فِي الوَصْفِ الذي عَارَضَه بِهِ مَعَ تَسْلِيمِه وُجُودَ المَظِنَّةِ، لأَنَّ ضَعْفَ مَعْنَاهُ لاَ يَضُرُّ بَعْدَ ثُبُوتِ المَظِنَّةِ التي بِهَا التَّعْلِيلُ.
ثم أَشَارَ إِلَى خِلاَفٍ فِي الطَّرِيقَيْنِ مَعًا بِقَوْلِهِ: (خِلاَفًا لِمَنْ زَعَمَهُمَا إِلْغَاءً) فقَالَ بَعْضُهُم: دَعْوَى القُصُورِ، وبنَى ذَلِكَ علَى بُطْلاَنِ التَّعْلِيلِ بِالقَاصِرَةِ أَو علَى تَرْجِيحِ التَّعْدِيَةِ عَلَيْهَا، وقَالَ بَعْضُهُم: تَسْلِيمُ وُجُودِ المَظِنَّةِ لاَ يَدْفَعُ الإِلْغَاءَ بِضَعْفِ المَعْنَى، وفُهِمَ من ذَلِكَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ للمُسْتَدِلِّ ذِكْرُهَا، إِلا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُمَا إِلغَاءٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: ويَكْفِي رُجْحَانُ وَصْفِ المُسْتَدِلِّ بِنَاءً علَى مَنْعِ التَّعَدُّدِ.
ش: يَكْفِي فِي تَقْدِيمِ الوَصْفِ الذي أَبْدَاهُ المُسْتَدِلُّ علَى الوَصْفِ الذي أَبْدَاه المُعْتَرِضُ رُجْحَانَه عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ، كَذَا قَالَهُ المُصَنِّفُ، وبَنَاهُ
стр. 545
علَى اخْتِيَارِه مَعَ تَعَدُّدِ العِلَلِ، وَاخْتَارَ ابْنُ الحَاجِبِ أَنَّهُ لاَ يَكْفِي، وهو مَبْنِيٌّ علَى تَرْجِيحِه جَوَازَ اجْتِمَاعِ عِلَّتَيْنِ علَى مَعْلُولٍ وَاحِدٍ.
ص: وَقَدْ يُعْتَرَضُ بِاخْتِلاَفِ جِنْسِ المَصْلَحَةِ، وإِنِ اتَّحَدَ ضَابِطُ الأَصْلِ وَالفَرْعِ، فَيُجَابُ بِحَذْفِ خُصُوصِ الأَصْلِ عَنِ الاعْتبَارِ.
ش: قَدْ يَتَّحِدُ الضَّابِطُ المَذْكُورُ فِي الأَصْلِ وفِي الفَرْعِ، ومَعَ ذَلِكَ فَيُعْتَرَضُ بِأَنَّ جِنْسَ المَصْلَحَةِ فِيهِمَا مُخْتَلِفٌ كَقَوْلِنَا فِي اللِّوَاطِ، إِيلاَجُ فَرْجٍ فِي فَرْجٍ مُشْتَهًى طَبْعًا مُحَرَّمٌ شَرْعًا، فَيُوجِبُ الحَدَّ كَالزِّنَا، فَيُعْتَرَضُ بأَنِّ الضَّابِطَ وإِنِ اتَّحَدَ فِيهِمَا لكِنَّ الحِكْمَةَ مُخْتَلِفَةً، فإِنَّ حِكْمَةَ الفَرْعِ الصِّيَانَةُ عَنْ رَذِيلَةِ اللِّوَاطِ، وفِي الأَصْلِ دَفْعُ اخْتِلاَطِ الأَنْسَابِ، فَيَتَفَاوَتَانِ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، فَيُنِيطُ/ (١٣٦/ب/د) الحُكْمَ بإِحْدَاهُمَا دُونَ الأُخْرَى، ويُجَابُ عن ذَلِكَ بِحَذْفِ خُصُوصِ الأَصْلِ وهو اخْتِلاَطُ الأَنسَابِ فِي هذَا المِثَالِ عَنْ دَرَجَةِ الاعْتِبَارِ/ (١٦٧/أَ/م) بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ، فَتَبْقَى العِلَّةُ القَدْرَ المُشْتَرَكَ.
وَقَدْ يُجَابُ بأَنَّ حُكْمَ الفَرْعِ مِثْلَ حُكْمِ الأَصْلِ أَو أَكْثَرَ بِأَنْ يُقَالُ فِي هذَا المِثَالِ، الزِّنَا وإِنْ أَدَّى إِلَى ضَيَاعِ المَوْلُودِ المُؤَدِّي إِلَى انْقِطَاعِ النَّسْلِ فَاللِّوَاطُ يُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ الوِلاَدَةِ أَصْلاً.
ص: وأَمَّا العِلَّةُ إِذَا كَانَتْ وُجُودُ مَانِعٍ أَوِ انْتِفَاءُ شَرْطٍ فَلاَ يَلْزَمُ وُجُودَ المُقْتَضِي وِفَاقًا للإِمَامِ وخِلاَفًا لِلجُمْهُورِ.
ش: إِذَا كَانتْ عِلَّةُ انْتِفَاءِ الحُكْمِ وُجُودُ مَانِعٍ كَانْتِفَاءِ وُجُودِ القِصَاصِ علَى الأَبِّ لِمَانِعِ الأُبُوَّةِ، أَوِ انْتِفَاءُ شَرْطٍ كَانْتِفَاءِ وُجُوبِ رَجْمِ البِكْرِ لِعَدَمِ الإِحْصَانِ الذي هو شَرْطُ وُجُوبِ الرَّجْمِ ـ فَهَلْ يَلْزَمُ وُجُودُ المُقْتَضَى؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ:
стр. 546
أَحَدُهُمَا ـ وهو اخْتِيَارُ المُصَنِّفِ تَبَعًا للإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وأَتبَاعِه ـ: لاَ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ، وَبِهِ قَالَ الجُمْهُورُ وَمِنْهُمُ الآمِدِيُّ.
ص: مَسَالِكُ العِلَّةِ: الأَوَّلُ: الإِجْمَاعُ، الثَّانِي: النَّصُّ الصَّرِيحُ، مِثْلُ لِعِلَّةِ كَذَا، فَلِسَبَبِ، فَمِنْ أَجْلِ فنَحْوُ كَيْ، وَإِذَنْ وَالظَاهِرُ، كَاللاَّمٍ ظَاهِرَةً فَمُقَدَّرَةً: نحوُ: أَنْ كَانَ كَذَا، فَالبَاءُ، فَالفَاءُ فِي كَلاَمِ الشَّارِعِ، فَالرَّاوِي الفَقِيهِ، فَغَيْرِه، ومِنْهُ: إِنْ وإِذْ ومَا مَضَى فِي الحُرُوفِ.
ش: المُرَادُ بِمَسَالِكِ العِلَّةِ الطُّرُقُ الدَّالَّةُ علَى كَوْنِ الوَصْفِ عِلَّةً، فأَوَّلُهَا الإِجمَاعُ، فإِذَا أَجْمَعُوا علَى عِلِّيَّةِ وَصْفِ الحُكْمِ إِجْمَاعَاً قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا ثَبَتَ كَوْنُه عِلَّةً لَه، كإِجْمَاعِهِمْ علَى تَعْلِيلِ تَقْدِيمِ الأَخِ الشَّقِيقِ فِي الإِرثِ علَى الأَخِ لِلأَبٍ بِامْتِزَاجِ النَّسَبَيْنِ أَي وُجُودُهُمَا فِيهِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُه فِي وِلاَيَةِ النِّكَاحِ وَصَلاَةِ الجَنَازَةِ وتَحَمُّلِ العَقْلِ وَالوَصِيَّةِ لأَقْرَبِ الأَقَارِبِ، وَالوَقْفِ عَلَيْهِ ونَحْوِهَا.
فإِنْ قُلْتَ: إِذَا أَجْمَعُوا علَى هذَا التَّعْلِيلِ فَكَيْفَ يَتَّجِهُ الخِلاَفُ فِي هذه الصُّورَةِ؟
قُلْتُ: لَعَلَّ مَنْشَأَ الخِلاَفِ التَّنَازُعُ فِي وُجُودِ العِلَّةِ فِي الأَصْلِ أَوِ الفَرْعِ أَوْ فِي حُصُولِ شَرْطِهَا أَو مَانِعِهَا لاَ فِي كَوْنِهَا عِلَّةً.
قَالَ الشَّارِحُ: وقَدَّمَ المُصَنِّفُ الإِجْمَاعَ علَى النَّصِّ تَبَعًا لِلْبَيْضَاوِيِّ، لأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ فِي العَمَلِ، وقَدَّمَ ابْنُ الحَاجِبِ وَغَيْرُه/ (١٦٧/ب/م) النَّصَّ وهو أَولَى، لأَنَّهُ أَصْلُ الإِجمَاعِ.
قُلْتُ: انْعَكَسَ ذَلِكَ علَى الشَّارِحِ فَابْنُ الحَاجِبِ هو الذي قَدَّمَ الإِجمَاعَ، وأَمَّا
стр. 547
البَيْضَاوِيُّ فإِنَّمَا ذَكَرَهُ بَعْدَ الإِيمَاءِ.
الثَّانِي: النَّصُّ، وَالمُرَادُ بِهِ هُنَا دَلاَلَةُ الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ، وهو مُنْقَسِمٌ إِلَى صَرِيحٍ وظَاهِرٍ، وإِنْ شِئْتَ عَبَّرْتَ عَنِ الصَّرِيحِ بِالقَاطِعِ، كَمَا فَعَلَ البَيْضَاوِيُّ، وهو مَا دَلَّ علَى العِلِّيَّةِ بِالوَضْعِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ لِنَظَرٍ وَاسْتِدْلاَلٍ، وَجَعَلَ المُصَنِّفُ الصَّرِيحَ مَرَاتِبَ، أَعْلاَهَا أَنْ يَرِدَ فِي النَّصِّ لِعِلَّةِ كذَا، ويَلِيهِ أَنْ يُقَالَ: لِسَبَبِ كذَا، وَيَلِيهِ: مِنْ أَجْلِ كذَا، كَقَوْلِه ﵊ فِي عِلَّةِ/ (١٣٧/أَ/د) وُجُوبِ الاسْتِئْذَانِ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ)) ويَلِيهِ: (كَيْ) كَقَوْلِه تَعَالَى فِي عِلَّةِ الفَيْءِ: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ أَي إِنَّمَا جُعِلَ الفَيْءُ لِهَؤُلاَءِ المَذْكُورِينَ كَيْ لاَ يَتَدَاوَلُه الأَغْنِيَاءُ فَيُحْرَمُ مِنْهُ الفُقَرَاءُ.
ومِثْلُه (إِذًا) كَقَوْلِهِ ﵊ لَمَّا سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ: ((أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟)) فقَالُوا: نَعَمْ. فقَالَ: ((فَلاَ إِذًا)).
وفِي هذَا التَّرْتِيبِ الذي ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ نَظَرٌ، وَقَدْ جَعَلَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ (لأَجْلِ) و (كَيْ) دُونَ مَا قَبْلَهُمَا فِي الصَّرَاحَةِ.
وأَمَّا الظَّاهِر فهو مَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ العِلِّيَّةِ احْتِمَالاً مَرْجُوحًا، وَجَعَلَ المُصَنِّفُ أَيضًا أَلفَاظَهُ مَرَاتِبَ، أَعْلاَهَا (اللاَّمُ) ظَاهِرَةً، كَقَوْلِهِ تعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ فَنَصَّ أَهْلُ اللُّغَةِ علَى أَنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ، ولَمْ يُقْطَعْ بِذَلِكَ لاحْتِمَالِهَا
стр. 548
المِلْكَ وَالاخْتِصَاصَ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ (اللاَّمُ) مُقَدَّرَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ لأَنَّ تَقْدِيرَهُ لأَنَّ، ثُمَّ (البَاءُ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ثُمَّ (الفَاءُ) أَي تَرْتِيب الحُكْمِ علَى الوَصْفِ بِالفَاءِ، لأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي التَّعْقِيبِ، ويَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ العِلِّيَّةُ غَالِبًا، لأَنَّهُ لاَ مَعْنَى لِكَوْنِ الوَصْفِ عِلَّةً إِلاَّ بِثُبُوتِ الحُكْمِ عَقِبَهُ وتَرَتُّبِهُ عَلَيْهِ, كَذَا قَرَّرَه الشَّارِحُ، وفِيهِ وفِي كَلاَمِ المُصَنِّفِ نَظَرٌ، لأَنَّ العِلَّةَ علَى هذَا التَّقْدِيرِ إِنَّمَا هي بِالإِيمَاءِ لاَ بِالنَّصِّ الظَّاهِر، وَقَدْ جَعَلَ البَيْضَاوِيُّ قَوْلَه ﵊/ (١٦٨/أَ/م) فِي المُحْرِمِ الذي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ: ((كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ ولاَ تُحَنِّطُوهُ ولاَ تُقْرِبُوهُ طِيبًا، فإِنَّهُ يُبْعَثُ يَومَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا)) مِثَالاً للنَّصِّ الظَّاهِر، ثُمَّ جَعَلَه مِثَالاً للإِيمَاءِ، وقَرَّرَ ذَلِكَ بأَنَّ النَّصَّ قَوْلُه إِنَّ وَالإِيمَاءُ فِي الفَاِء، ثُمَّ قَدْ يُوجَدُ ذَلِكَ فِي كَلاَمِ الشَّارِعِ، مَعَ تَقَدُّمِ الحُكْمِ كَمَا مَثَّلنَاهُ، وَمَعَ تَأَخُّرِهِ كَقَوْلِهِ تعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وَقَدْ يُوجَدُ فِي كَلاَمِ الرَّاوِي وهو أَنْزَلُ رُتْبَةً مِنْ وُجُودِه فِي كَلاَمِ الشَّارِعِ نحوُ: سَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَجَدَ، وسَوَاءً أَكَانَ الرَّاوِي فَقِيهَا أَو غَيْرَه، لكِنَّ ذَلِكَ مِنَ الفَقِيهِ أَقْوَى.
وَمِنْ أَلفَاظِ التَّعْلِيلِ أَيْضًا: (إِنْ) كَقَوْلِهِ تعَالَى: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ و (إِذْ) كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الأُصُولِيُّونَ كَقَوْلِهِ تعَالَى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهُ فَأْوُوا إِلَى الكَهْفِ﴾ وَمِنْهَا
стр. 549
حُرُوفٌ أُخَرُ سَبَقَتْ فِي فَصْلِ الحُرُوفِ فَلْتُرَاجَعْ.
ص: الثَّالِثُ الإِيمَاءُ وهو اقْتِرَانُ الوَصْفِ المَلْفُوظِ ـ قِيلَ: أَوِ المُسْتَنْبَطِ ـ بِحُكْمٍ ولوْ مُسْتَنْبَطًا لوْ لَمْ يَكُنْ للتَّعْلِيلِ هو أَوْ نَظِيرُهُ كَانَ بَعِيدًا كَحُكْمِهِ بَعْدَ سَمَاعِ وَصْفٍ وكَذِكْرِهِ فِي الحُكْمِ وَصْفًا لوْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً لَمْ يُفِدْ، وكتَفْرِيقِه بَيْنَ حُكْمَيْنِ بِصِفَةٍ مَعَ ذِكْرِهِمَا أَوْ ذِكْرِ (١٣٧/ب/د) أَحَدِهِمَا أَوْ بِشَرْطٍ أَو غَايَةٍ أَوِ اسْتِثْنَاءٍ أَو اسْتِدْرَاكٍ وكتَرْتِيبِ الحُكْمِ علَى الوَصْفِ وكمَنْعِه مِمَّا قَدْ يُفَوِّتُ المَطْلُوبَ ولاَ يُشْتَرَطُ مُنَاسَبَةُ المُومَأِ إِلَيْهِ عِنْدَ الأَكثَرِ.
ش: الثَّالِثُ مِنَ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ علَى العِلِّيَّةِ الإِيمَاءُ، وهو اقْتِرَانُ الوَصْفِ بِحُكْمٍ لو لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الوَصْفُ أَو نَظِيرُه للتَعْلِيلِ كَانَ ذَلِكَ الاقْتِرَانُ بَعِيدًا تَنَزَّهَ عَنْهُ فَصَاحَةُ الشَّارِعِ وجَزَالَتُه، وَقَيَّدَ المُصَنِّفُ الوَصْفَ بِكَوْنِه مَلْفُوظًا بِهِ، وَسَتَأْتِي أَمْثِلَتُه.
ثُمَّ حَكَى قَوْلاً بِإِلْحَاقِ الوَصْفِ المُسْتَنْبَطِ بِالمَلْفُوظِ، نحوُ قَوْلِهِ ﵊: ((لاَ تَبِيعُوا البُرَّ بِالبُرِّ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ)) فَالوَصْفُ الذي نِيطَ بِهِ الحُكْمُ ـ وهو الطَّعْمُ عِنْدَ القَائِلِ بِهِ ـ لَيْسَ مَنْصُوصًا بَلْ هو مُسْتَنْبَطٌ.
ثُمَّ قَسَّمَ الحُكْمَ إِلَى مَنْصُوصٍ ومُسْتَنْبَطٍ فَالمُسْتَنْبَطُ نحوُ قَوْلِه تعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ/ (١٦٨/ب/م) اللَّهُ البَيْعَ﴾ فَالحُكْمُ وهو الصِّحَّةُ مُسْتَنْبَطٌ مِنَ الحِلِّ وَلَيْسَ مَلْفُوظًا بِهِ، ومَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ مِنَ الاكْتِفَاءِ فِي الحُكْمِ بِالاسْتِنْبَاطِ وَاشْتِرَاطُ التَّلَفُّظِ فِي الوَصْفِ هو الذي اخْتَارَهُ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ، وَقِيلَ: يَكْفِي فِيهِمَا الاسْتِنْبَاطُ، وَقِيلَ: لاَ يَكْفِي فِيهمَا، ومِثَالُ النَّظِيرِ قَوْلُه ﵊ للسَّائِلَةِ عَنِ الحَجِّ عَن أَبِيهَا: ((أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ
стр. 550
فَقَضَيْتِهِ أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟)) فَقَالَتْ: نَعَمْ: فَنَظِيرُه المَسْؤُولُ عَنْهُ كَذلِكَ، فنَبَّه علَى الأَصْلِ الذي هو دَيْنُ الآدَمِيِّ، وَالفَرْعِ وهو الحَجُّ الوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَالعِلَّةِ وهي قَضَاءِ دَيْنِ المَيِّتِ.
ثُمَّ قَسَّمَ المُصَنِّفُ الإِيمَاءَ إِلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَحْكُمَ الشَّارِعُ بِحُكْمٍ عَقِبَ عِلْمِهِ بِصِفَةٍ اتَّصَفَ بِهَا المُخَاطَبُ، فَيَظُنُّ أَنَّ تِلْكَ الصّفةَ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ، نحوُ حَدِيثِ الأَعْرَابِيِّ الذي قَالَ للنَّبِيِّ ﷺ : وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ! فقَالَ لَه: ((أَعْتِقْ رَقَبَةً)) رَوَاه ابْنُ مَاجَةَ هكذَا، وأَصْلُه فِي بَقِيَّةِ الكُتُبِ السِّتَّةِ، فَحُكْمُه بِالإِعْتَاقِ بَعْدَ عِلْمِه بِجِمَاعِهِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ يَقْتَضِي أَنَّهُ عِلَّةُ الإِعْتَاقِ.
القِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ الشَّارِعُ وَصْفًا لوْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً لِلحُكْمِ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ, كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ امْتَنَعَ مِنَ الدُّخُولِ علَى قَوْمٍ عِنْدَهُمْ كَلْبٌ فَقِيلَ لَه: إِنَّكَ تَدْخُلُ علَى قَوْمٍ عِنْدَهُمْ هِرَّةٌ؟ فقَالَ: ((إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ)).
قُلْتُ: كَذَا ذَكَرَهُ فِي (المَحْصُولِ) وهذَا الحَدِيثُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ هَكذَا، فإِنَّ قِصَّةَ دُخُولِهِ علَى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ رَوَاهَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِه وَالذي فِيهِ أَنَّهُ ﵊ أَجَابَ بِقَوْلِهِ: ((إِنَّ الهِرَّةَ سَبُعٌ)) وأَمَّا قَوْلُه: ((إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ)) فإِنَّمَا وَرَدَ عِنْدَ إِصْغَاءِ الإِنَاءِ لَهَا
стр. 551
لِتَشْرَبَ مِنْه.
القِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُفَرِّقَ/ (١٣٨أَ/د) ﵊ بَيْنَ حُكْمَيْنِ بأَحدِ أُمُورٍ.
أَحَدُهَا: الصِّفَةُ، سَوَاءً ذَكَرَ القِسْمَينِ، كَقَوْلِهِ ﵊: ((لِلفَارِسِ سَهْمَانِ وللرَّاجِلِ سَهْمٌ)) رَوَاهُ البُخَارِيُّ، أَو ذَكَرَ أَحَدَهُمَا نحوُ: ((القَاتِلُ لاَ يَرِثُ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، فمُقْتَضَاه أَنَّ العِلَّةَ فِي نَفْيِ الإِرْثِ القَتْلُ/ (١٦٩/ب/م).
ثَانِيهَا: الشَّرْطُ، كَقَوْلِهِ ﵊: ((فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ)).
ثَالِثُهَا: الغَايَةُ كَقَوْلِهِ تعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾.
رَابِعُهَا: الاسْتِثْنَاءُ، كَقَوْلِهِ تعَالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾.
خَامِسُهَا: الاسْتِدْرَاكُ، كَقَوْلِهِ تعَالَى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ فَهُو دَالٌّ علَى أَنَّ العَقْدَ عِلَّةُ المُؤَاخَذَةِ.
القِسْمُ الرَّابِعُ: تَرْتِيبُ الحُكْمِ علَى الوَصْفِ نحوُ: أَكْرِمِ العُلَمَاءَ، وَالمُرَادُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِغَيْرِ الفَاءِ، فإِنْ كَانَ بِالفَاءِ نحوُ قَوْلِه تعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فَقَدْ ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ فِي دَلاَلَةِ النَّصِّ الظَّاهِر كَمَا تَقَدَّمَ.
стр. 552
القِسْمُ الخَامِسُ: المَنْعُ مِنْ فِعْلٍ قَدْ يُفَوِّتُ مَا طَلَبَه الشَّارِعُ مِنَّا قَبْلَ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تعَالَى: ﴿فَاسْعَوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْعَ﴾ فإِنَّه يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ عَنِ البَيْعِ تَفْوِيتُهُ السَّعْيَ المَأُمُورَ بِهِ ثُمَّ حَكَى المُصَنِّفُ عَنِ الأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي التَّعْلِيلِ بِالإِيمَاءِ مُنَاسَبَةُ المُومَأِ إِلَيْهِ، وَوَرَاءَهُ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: اشْتِرَاطُهُ مُطْلَقًا، وَاختَارَهُ الغَزَالِيُّ.
ثَانِيهُمَا ـ وَاختَارَهُ ابْنُ الحَاجِبِ ـ: الاشْتِرَاطُ إِنْ فُهِمَ التَّعْلِيلُ مِنَ المُنَاسَبَةِ، كَقَوْلِهِ ﵊: ((لاَ يَقْضِي القَاضِي وَهُوَ غَضْبَانٌ)) وإِلاَّ فلاَ، وَالخِلاَفُ بِالنِّسَبَةِ إِلَى الظَّاهِرِ، وهي مُعْتَبَرَةٌ فِي نَفْسِ الأَمْرِ قَطْعًا للاتِّفَاقِ علَى امْتِنَاعِ خُلُوِّ الأَحكَامِ مِنَ الحِكْمَةِ إِمَّا فَضْلاً أَو وُجُوبًا، علَى الخِلاَفِ المَعْرُوفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: الرَّابِعُ: السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ، وهو حَصْرُ الأَوصَافِ فِي الأَصْلِ، وإِبطَالُ مَا لاَ يَصْلُحُ فَيتَعَيَّنُ البَاقِي، ويَكْفِي قَوْلُ المُسْتَدِلِّ: بَحَثْتُ فَلَمْ أَجِدْ، وَالأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَاهَا، وَالمُجْتَهِدُ يَرْجِعُ إِلَى ظَنِّه، فإِنْ كَانَ الحَصْرُ وَالإِبطَالُ قَطْعِيًّا فَقَطْعِيٌّ وإِلاَّ فَظَنِّيٌّ، وهو حُجَّةٌ للنَّاظِرِ وَالمُنَّاظِرِ عِنْدَ الأَكْثَرِ، وثَالِثُهَا: إِنْ أَجْمَعَ علَى تَعْلِيلِ ذَلِكَ الحُكْمِ، وَعَلَيْهِ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ، ورَابِعُهَا: للنَّاظِرِ دُونَ المُنَاظِرِ.
ش: الرَّابِعُ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ، وهو أَنْ يَحْصُرَ المُسْتَدِلُّ الأَوصَافَ التي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الأَصْلُ المَقِيسُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُبْطِلُ مِنْهَا مَا لاَ يَصْلُحُ للتَعْلِيلِ، فَيَتَعَيَّنُ البَاقِي لِلْعِلِّيَّةِ.
стр. 553
وَالسَّبْرُ فِي اللُغَةِ: الاخْتِبَارُ، (١٦٩/ب/م) وَالتَّقْسِيمُ مُتَقَدِّمٌ فِي الوُجُودِ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ تِعْدَادُ الأَوْصَافِ التي يُتَوَهَّمُ صَلاَحِيَّتَهَا للتَعْلِيلِ، ثُمَّ يَسْبِرُهَا أَي يَخْتَبِرُهَا لِيَمِيزَ الصَّالِحَ للتَعْلِيلِ مِنْ غَيْرِه.
وأُجِيبَ عَنْهُ بأَنَّ/ (١٣٨/ب/د) السَّبْرَ وإِنْ تَأَخَّرَ عَنِ التَّقْسِيمِ فهو مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ أَيضًا، لأَنَّهُ أَوَّلاً يَسْبِرُ المَحَلَّ هَلْ فِيهِ أَوْصَافٌ أَمْ لاَ ثُمَّ يُقَسِّمُ ثُمَّ يَسْبِرُ ثَانِيًا، فَقَدَّمَ السَّبْرَ فِي اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ السَّبْرِ الأَوَّلِ.
ثُمَّ إِنْ أَقَامَ المُسْتَدِلُّ دَلِيلاً علَى الحَصْرِ دَائِرًا بَيْنَ النَّفْيِ وَالإِثبَاتِ فهو أَكْمَلُ، كَقَوْلِنَا: وِلاَيَةُ الإِجْبَارِ فِي النِّكَاحِ إِمَّا أَنْ لاَ تُعَلَّلَ أَوْ تُعَلَّلَ بِالبَكَارَةِ أَو بِالصِّغَرِ أَو بِغَيْرِهِمَا، وعَدَمُ التَّعْلِيلِ وَالتَعْلِيلُ بِغَيْرِهِمَا بَاطِلاَنِ بِالإِجْمَاعِ.
وَالدَّلِيلُ علَى بُطْلاَنِ التَّعْلِيلِ بِالصِّغَرِ أَنَّهُ يَقْتَضِي إِجْبَارَ الصَّغِيرَةِ الثَّيِّبَ، وَيَرُدُّه قَوْلُه ﵊: ((الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِه مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فتَعَيَّنَ تَعْلِيلُه بِالبَكَارَةِ، وإِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلاً حَاضِرًا فَيُكْتَفَى مِنْهُ بِقَوْلِهِ: بَحَثْتُ فَلَمْ أَجِدْ فِي الأَصْلِ غَيْرَ مَا ذَكَرْتُه مِنَ الأَوصَافِ ـ أَوْ يَسْتَدِلُّ علَى نَفْيِ مَا عَدَاهَا بأَنَّهُ خِلاَفُ الأَصْلِ، وَمَحَلُّ الاكْتِفَاءِ مِنْهُ بِذَلِكَ إِذَا كَانَ أَهْلاً للنَّظَرِ ثِقَةً.
وهذَا كُلُّه فِي حَقِّ المُنَاظِرِ أَمَّا المُجْتَهِدُ فإِنَّه يَرْجِعُ إِلَى ظَنِّه فَيَلْزَمُه الأَخذُ بِهِ ولاَ يُكَابِرُ نَفْسَهُ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الحَصْرُ فِي الأَوْصَافِ المَذْكُورَةِ وإِبطَالُ مَا عَدَا الوَصْفِ المُدَّعَى عِلِّيَّتُه قَطْعِيَّيْنِ فَالتَعْلِيلُ بِالبَاقِي مِنَ الأَوصَافِ قَطْعِيٌّ، وإِن كَانَا ظَنِّيَّيْنِ أَو أَحَدُهُمَا قَطْعِيٌّ وَالآخَرُ ظَنِّيٌّ، فَالتَعْلِيلُ ظَنِّيٌّ.
وَهَلِ الظَّنِّيُّ حُجَّةٌ أَمْ لاَ؟
فِيه مَذَاهِبُ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حُجَّةٌ مُطْلَقًا، أَي للنَّاظِرِ وَالمُنَاظِرِ، وَاخْتَارَه القَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وقَالَ: إِنَّهُ مِنْ أَقوَى مَا يُثْبِتُ العِلَلَ، وَحَكَاهُ المُصَنِّفُ عَنِ الأَكْثَرِينَ.
стр. 554
وَالثَّانِي: لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا، حَكَاهُ فِي (البُرْهَانِ) عَن بَعْضِ الأُصُولِيِّينَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ إِنِ انْعَقَدَ الإِجمَاعُ علَى أَنَّ حُكْمَ الأَصْلِ مُعَلَّلٌ فِي الجُمْلَةِ، وإِلاَّ فلاَ، وَاختَارَهُ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ.
وَالرَابِعُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ للنَّاظِرِ دُونَ المُنَاظِرِ وَاختَارَهُ الآمِدِيُّ.
ص: فإِنْ أَبْدَى المُعْتَرِضُ وَصْفًا زَائِدًا لَمْ يُكَلَّفْ بَيَانَ صَلاَحِيَّتِهِ للتَعْلِيلِ، ولاَ يَنْقَطِعُ المُسْتَدِلُّ حتَّى يَعْجَزَ عَنْ إِبْطَالِه، وَقَدْ/ (١٧٠/أَ/م) يَتَّفِقَانِ علَى إِبطَالِ مَا عَدَا وَصْفَينِ فَيَكْفِي المُسْتَدِلَّ التَّرْدِيدُ بَيْنَهُمَا.
ش: لِلْمُعْتَرِضِ بَعْدَ إِتمَامِ المُسْتَدِلِّ السَّبْرَ وَالتَّقْسِيمَ إِبْدَاءُ وَصْفٍ زَائِدٍ علَى الأَوصَافِ التي ذَكَرَهَا المُسْتَدِلُّ، ولاَ يَلْزَمُه أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الوَصْفَ المَذْكُورَ صَالِحٌ للتَعْلِيلِ، بَلْ إِبْطَالُ صَلاَحِيَّتِه لِذَلِكَ وَظِيفَةُ المُسْتَدِلِّ لاَ يَتِمُّ دَلِيلُه إِلاَّ بِذَلكَ، ولاَ يَنْقَطِعُ إِلا بِعَجْزِه عَنْهُ.
وَقِيلَ: يَنْقَطِعُ بِمُجَرَّدِ إِبْدَاءِ المُعْتَرِضِ الوَصْفَ بِظُهُورِ بُطْلاَنِ مَا ادَّعَاهُ مِنَ الحَصْرِ، فإِنِ اتَّفَقَ المُتَنَاظِرَانِ علَى أَنَّ انْحِصَارَ العِلَّةِ فِي وَصْفَيْنِ وإِبْطَالِ مَا عَدَاهُمَا ـ كَفَى المُسْتَدِلَّ فِي السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ التَّرْدِيدُ بَيْنَهُمَا، ولاَ يَلْزَمُه التَّعَرُّضُ لِمَا اتَّفَقَا علَى إِبْطَالِه، فلو قَالَ: اتَّفَقْنَا علَى أَنَّ العِلَّةَ المَعْنَى الذي ذَكَرْتُه أَنَا، وَالذي ذَكَرْتَهُ أَنْتَ، وتَرَجَّحَتْ عِلَّتِي بكذَا، فقَالَ القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ/ (١٣٩/أَ/د) فِي مُنَاظَرَتِه مَعَ القَدُورِيِّ: لاَ يَكْفِي، فإِنَّ اتِّفَاقِي مَعَكَ علَى أَنَّ العِلَّةَ أَحَدُ المَعْنَيَيْنِ لَيْسَ دَلِيلاً، فإِنَّ اجْتِمَاعَنَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وإِنَّمَا الحُجَّةُ فِي إِجْمَاعِ الأُمَّةِ، وقَالَ القَدُورِيُّ: يَكْفِي ذَلِكَ
стр. 555
لِقَطْعِ المُنَازَعَةِ.
ص: ومِنْ طُرُقِ الإِبطَالِ بيَانُ أَنَّ الوَصْفَ طُرِدَ ولوْ فِي ذَلِكَ الحُكْمِ كَالذُّكُورَةِ وَالأُنُوثَةِ فِي العِتْقِ.
ش: مِنْ طُرُقِ إِبطَالِ عِلِّيَّةِ بَعْضِ الأَوصَافِ بَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ طَرْدِيُّ عُلِمَ مِنَ الشَّرْعِ إِلْغَاؤُه إِمَّا مُطْلَقًا، أَي فِي جَمِيعِ الأَحْكَامِ، كَالطُّولِ وَالقِصَرِ، فإِنَّه لاَ اعْتِبَارَ بِهِمَا فِي شَيْء مِنَ الأَحكَامِ، وإِمَّا فِي ذَلِكَ الحُكْمِ كَالذُّكُورَةِ وَالأُنُوثَةِ فِي أَحكَامِ العِتْقِ، فإِنَّه لاَ تَفَاوُتَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا فِي الشَّهَادَةِ وَالقَضَاءِ، وَوِلاَيَةِ النِّكَاحِ وَالإِرْثِ، فَلاَ يُعَلَّلُ بِهَا شَيْءٌ مِنْ أَحكَامِ العِتْقِ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَقَدْ يُنَازَعُ فِي هذَا بأَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَهَا فِي حُصُولِ الأَجْرِ فَرَوَى التِّرْمِذِيُّ: ((مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا مُسْلِمًا أَعْتَقَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ أَعْتَقَ أَمَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ أَعْتَقَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ)).
قُلْتُ: التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا فِي الأَجْرِ مِنْ أَحْكَامِ الآخِرَةِ، وَالكلاَمُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا مِنْ عِتْقِ الوَاجِبِ فِي الكَفَّارَةِ وَغَيْرِهَا.
ص: وَمِنْهَا أَنْ لاَ تَظْهَرَ مُنَاسَبَةُ المَحْذُوفِ للْحُكْمِ/ (١٧٠/ب/م) وَيَكْفِي قَوْلُ المُسْتَدِلِّ: بَحَثْتُ فَلَمْ أَجِدْ مُوهِمَ مُنَاسَبَةً، فإِنِ ادَّعَى المُعْتَرِضُ أَنَّ المُسْتَبْقَى كَذَلِكَ فَلَيْسَ لِلْمُسْتَدِلِّ بَيَانُ مُنَاسَبَتِه، لأَنَّهُ انْتِقَالٌ،
стр. 556
ولكِنْ يُرَجِّحُ سَبْرَهُ بِمَوَافَقَةِ التَّعْدِيَةِ.
ش: وَمِنْ طُرُقِ إِبْطَالِ عِلِّيَّةِ بَعْضِ الأَوْصَافِ أَنْ لاَ يُظْهِرَ مُنَاسَبَةَ الوَصْفِ الذي يُرِيدُ المُسْتَدِلُّ إِسْقَاطَهُ وحَذْفَه للْحُكْمِ، ويَكْفِي فِي ذَلِكَ قَوْلُ المُسْتَدِلِّ: بَحَثْتُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ مَا يُوهِمُ المُنَاسَبَةَ، فإِنِ ادَّعَى المُعْتَرِضُ أَنَّ الوَصْفَ الذي اسْتَبْقَاهُ المُسْتَدِلُّ وَاعْتَبَرَه ولَمْ يَحْذِفْه كَذَلِكَ ـ أَي لاَ يُظْهِرُ فِيهِ مُنَاسَبَةً ـ فَلَيْسَ لِلْمُسْتَدِلِّ بَيَانُ مُنَاسَبَتِهِ، لأَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنَ السَّبْرِ إِلَى المُنَاسَبَةِ، لكِنْ لَهُ تَرْجِيحُ سَبْرِهِ علَى سَبْرِ المُعْتَرِضِ، بأَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ سَبْرَه مُوَافِقٌ لِتَعْدِيَةِ الحُكْمِ، وَسَبْرَ المُعْتَرِضِ قَاصِرٌ، وهذَا مَبْنِيٌّ علَى أَنَّ المُتَعَدِّيَةَ أَرْجَحُ مِنَ القَاصِرَةِ وهو المُخْتَارُ.
ص: الخَامِسُ: المُنَاسَبَةُ وَالإِخَالَةُ ويُسَمَّى اسْتِخْرَاجُهَا تَخْرِيجُ المَنَاطِ، وهو: تَعْيِينُ العِلَّةِ بإِبدَاءِ مُنَاسَبَةٍ مَعَ الاقْتِرَانِ وَالسَّلاَمَةِ، عَنِ القَوَادِحِ كَالإِسْكَارِ وَيَتَحَقَّقُ الاسْتِقْلاَلُ بِعَدَمِ مَا سِوَاهُ بِالسَّبْرِ.
ش: الخَامِسُ: مِنَ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ علَى العِلِّيَّةِ المُنَاسَبَةُ، وتُسَمَّى أَيضًا الإِخَالَةُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وبِالخَاءِ المُعْجَمَةِ، مِنْ خَالَ إِذَا ظَنَّ، لأَنَّهُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ يُخَالُ أَنَّهُ عِلَّتُهُ، ويُسَمَّى أَيضًا تَخْرِيجَ المَنَاطِ، لِمَا فِيهِ مْنِ إِبْدَاءِ مَا نِيطَ بِهِ الحُكْمُ أَي عُلِّقَ عَلَيْهِ، وَعَرَّفَه المُصَنِّفُ/ (١٣٩/ب/د) بأَنَّهُ تَعْيِينُ العِلَّةِ بإِبْدَاءِ مُنَاسَبَةٍ مَعَ الاقْتِرَانِ وَالسَّلاَمَةِ مِنَ القَوَادِحِ.
وَالمُرَادُ إِبْدَاءُ مُنَاسَبَةٍ بينهَا وَبَيْنَ الحُكْمِ.
وَالمُرَادُ بِالاقْتِرَانِ مُقَارَنَةُ الحُكْمِ لِلْوَصْفِ.
فَخَرَجَ بإِبدَاءِ المُنَاسَبَةِ تَعْيِينُ العِلَّةِ بِالطَّرْدِ أَو الشَّبَهِ.
وذِكْرُ الاقْتِرَانَ مِنْ زِيَادَةِ المُصَنِّفِ علَى ابْنِ الحَاجِبِ وهو لِبَيَانِ اعْتِمَادِ المُنَاسَبَةِ، لاَ لِتَحْقِيقِ مَاهِيَّتِهَا فإِنَّهم يَقُولُونَ: المُنَاسَبَةُ مَعَ الاقْتِرَانِ دَلِيلُ العِلِّيَّةِ، فَلَوْ
стр. 557
دَخَلَ الاقْتِرَانُ فِي مَاهِيَّةِ المُنَاسَبَةِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، ومِثَالُه الإِسْكَارُ فإِنَّه عِلَّةُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، وَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ، ولَكِنَّه مُسْتَنْبَطٌ فإِنَّ الإِسْكَارَ لإِزَالَتِه لِلْعَقْلِ المَطْلُوبِ حِفْظُه يُنَاسِبُ التَّحْرِيمَ، وأُلْحِقَ بِهِ النَّبِيذُ وَالحَشِيشَةُ وَغَيْرُهُمَا.
وَقَدْ اعْتُرِضَ علَى هذَا التَّعْرِيفِ بأَنَّ فِيهِ دَوْرًا، لأَنَّ مَعْرِفَةَ إِبْدَاءِ المُنَاسَبَةِ يَتَوَقَّفُ علَى مَعْرِفَتِهَا فَكَيْفَ يُعْرَفُ بِهَا؟
وأُجِيبَ عَنْهُ بأَنَّ المُنَاسَبَةَ/ (١٧١/أَ/م) المَأْخُوذَةَ فِي التَّعْرِيفِ لُغَوِيَّةٌ بِمَعْنَى المُلاَئَمَةِ فَلاَ دَوْرَ، ويَتَحَقَّقُ الاسْتِدْلاَلُ علَى أَنَّ الوَصْفَ الذي أَبدَاه هو العِلَّةُ بِعَدَمِ مَا سِوَاهُ بِطَرِيقِ السَّبْرِ، ولاَ يَكْفِي أَن يَقُولَ: بَحَثْتُ فَلَمْ أَجِدْ غَيْرَه، وإِلاَّ لَلَزِمَ الاكْتِفَاءُ بِهِ ابْتِدَاءً ولاَ قَائِلَ بِهِ.
ص: وَالمنَاسِبُ: المُلاَئِمُ لأَفعَالِ العُقَلاَءِ عَادَةً، وَقِيلَ: مَا يَجْلِبُ نَفْعًا أَو يَدْفَعُ ضَرَرًا وقَالَ أَبُو زَيْدٍ: مَا لَوْ عُرِضَ علَى العُقُولِ لَتَلَقَّتْهُ بِالقَبُولِ، وَقِيلَ: وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ يَحْصُلُ عَقْلاً مِنْ تَرْتِيبِ الحُكْمِ عَلَيْهِ مَا يَصْلُحُ كَوْنُه مَقْصُودًا لِلشَّارِعِ مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ أَو دَفْعِ مَفْسَدَةٍ فإِنْ كَانَ خَفِيًّا أَو غَيْرَ مُنْضَبِطٍ اعْتُبِرَ مُلاَزِمُه وهُوَ المَظِنَّةُ.
ش: للْمُنَاسِبِ تَعْرِيفَاتٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ الوَصْفُ المُلاَئِمُ لأَفْعَالِ العُقَلاَءِ فِي العَادَةِ، أَي يَقْصِدُه العُقَلاَءُ لِتَحْصِيلِ مَقْصُودٍ مَخْصُوصٍ، كَمَا يقَالَ: هذه اللُّؤْلُؤَةُ تُنَاسِبُ هذه اللُّؤْلُؤَةَ، وهذه الجُبَّةُ تُنَاسِبُ هذه العِمَامَةَ.
الثَّانِي: أَنَّهُ مَا يَجْلِبُ للإِنسَانِ نَفْعًا أَو يَدْفَعُ عَنْهُ ضَرَرًا، وقَيَّدْنَا ذَلِكَ بِالإِنسَانِ كَمَا فَعَلَ البَيْضَاوِيُّ لِتَعَالِي الرَّبِّ سُبْحَانَه عَنِ الضَّرَرِ وَالانْتِفَاعِ.
وَقَدْ اعْتُرِضَ علَى هذَا التَّعْرِيفِ بأَنَّ فِيهِ تَفْسِيرَ العِلَّةِ بِالحُكْمِ، لأَنَّ الوَصْفَ المُنَاسِبَ
стр. 558
مِنْ أَقْسَامِ العِلَّةِ كَالقَتْلِ يُنَاسِبُ إِيجَابَ القِصَاصِ وَالجَالِبُ لِلنَّفْعِ الدَّافِعُ للضَّرَرِ هو الحُكْمُ، كإِيجَابِ القِصَاصِ جَالِبٌ لِمَنْفَعَةِ بَقَاءِ الحَيَاةِ، ودَافِعٌ لِضَرَرِ التَّعَدِّي، فَلِذَلكَ قَالَ بَعْضُهُم فِي تَعْرِيفِه: إِنَّهُ الوَصْفُ المُفْضِي إِلَى مَا يَجْلِبُ للإِنْسَانِ نَفْعًا أَو يَدْفَعُ عَنْهُ ضَرَرًا، وَمَعَ ذَلِكَ فَاعْتَرَضَه شَيْخُنَا الإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الإِسْنَوِيُّ بأَنَّ فِعْلَ الجَانِي لَيْسَ جَالِبًا ولاَ دَافِعًا، بَلِ الجَالِبُ أَو الدَّافِعُ المَشْرُوعِيَّةُ، وفِيمَا اعْتَرَضَ/ (١٤٠/أَ/د) بِهِ نَظَرٌ، فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ التَّعْرِيفَ جَالِبٌ دَافِعٌ، وإِنمَا فِيهِ أَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى ذَلِكَ، وهو صَحِيحٌ لأَنَّ القَتْلَ مُنَاسِبٌ لإِيجَابِ القِصَاصِ ومُفْضٍ إِلَيْهِ بَمَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وحَكَى فِي (المَحْصُولِ) التَّعْرِيفَ الأَوَّلَ عَمَّنْ لاَ يُعَلِّلُ أَحكَامَ اللَّهِ تعَالَى، وَالثَّانِي: عَمَّنْ يُعَلِّلُهَا، ولمَّا كَانَ/ (١٧١/ب/م) المُعْتَمَدُ قَوْلُ الأَشْعَرِيِّ فِي عَدَمِ تَعْلِيلِهَا اخْتَارَ المُصَنِّفُ الأَولَ.
الثَّالِثُ: قَوْلُ أَبِي زَيْدٍ.
قَال فِي البَدِيعِ: وهو أَقْرَبُ إِلَى اللُّغَةِ، وبَنَى عَلَيْهِ امْتِنَاعَ الاحْتِجَاجِ بِهِ فِي المُنَاظَرَةِ، دُونَ النَّظَرِ لإِمْكَانِ قَوْلِ الخَصْمِ: لاَ يَتَلَقَّاه عَقْلِي بِالقَبُولِ.
ومِنْهُم مَنِ اعْتَنَى بِهِ، وقَالَ: لَيْسَ المُرَادُ عَقْلَ المُتَنَاظِرِينَ، بَلْ إِذَا تَلَقَّتْه العُقُولُ السَّلِيمَةُ بِالقَبُولِ انْتَهَضَ دَلِيلاً علَى المُنَاظِرِ.
الرَابِعُ: لِلآمِدِيِّ وَابْنِ الحَاجِبِ، وتَصْدِيرُه بِالوَصْفِ جَرَى علَى الغَالِبِ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ العِلَّةَ قَدْ تَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، فلو قَالَ: (مَعْلُومٌ) لَتَنَاوَلَ ذَلِكَ، وخَرَجَ بِالظَّاهِرِ الخَفِيُّ، وبِالمُنْضَبِطِ مَا لاَ يَنْضَبِطُ، فَلاَ يُسَمَّى مُنَاسِبًا، وَقَوْلُهُ: (مَا يَصْلُحُ) فَاعِلٌ لِـ (يَحْصُلُ) وَخَرَجَ بِهِ الوَصْفُ المُسْتَبْقَى فِي السَّبْرِ، وَالمَدَارُ فِي الدَّوَرَانِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الأَوصَافِ التي تَصْلُحُ للِعِلَّةِ، ولاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَا ذَكَرَ.
стр. 559
وَقَوْلُهُ: (مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ أَو دَفْعِ مَفْسَدَةٍ) بيَانٌ لِمَا فِي (مَا يَصْلُحُ) ثُمَّ فَرَّعَ المُصَنِّفُ علَى هذَا التَّعْرِيفِ أَنَّهُ مَتَى كَانَ الوَصْفُ خَفِيًّا أَو غَيْرَ مُنْضَبِطٍ اعْتُبِرَ مُلاَزِمُه، وهو وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ مُلاَزِمٌ للوَصْفِ الخَفِيِّ، وهو المَظِنَّةُ، أَي مَظِنَّةُ المُنَاسِبِ كَالسَّفَرِ، فإِنَّه مُلاَزِمٌ لِلْمَشَقَّةِ، لكنَّ اعْتبَارَهَا مُتَعَذَّرٌ، لِعَدَمِ انْضِبَاطِهَا، فَنِيطَ التَّرْخُّصُ بِمُلاَزِمِهَا وهو السَّفَرُ.
ص: وَقَدْ يَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الحُكْمِ يَقِينًا أَو ظَنًّا كَالبَيْعِ وَالقِصَاصِ وَقَدْ يَكُونُ مُحْتَمَلاً سَوَاءً كَحَدِّ الخَمْرِ أَو نَفْيُه أَرْجَحُ كنِكَاحِ الآيِسَةِ للتَّوَالُدِ وَالأَصَحُّ جَوَازُ التَّعْلِيلِ بَالثَّالِثِ وَالرَّابِعِ كَجَوَازِ القَصْرِ لِلْمُتَرَفِّهِ، فإِنْ كَانَ فَائِتًا قَطْعًا فقَالتِ الحَنَفِيَّةُ، يُعْتَبَرُ وَالأَصَحُّ لاَ يُعْتَبَرُ سَوَاءً مَا لاَ تَعَبُّدَ فِيهِ كَلُحُوقِ نَسَبِ المَشْرِقِيِّ بِالمَغْرِبِيَّةِ ومَا فِيهِ تَعَبُّدٌ كَاسْتِبْرَاءِ جَارِيَةٍ اشْتَرَاهَا بَائِعُهَا فِي المَجْلِسِ.
ش: لِحُصُولِ المَقْصُودِ مِنْ شَرْعِ الحُكْمِ مَرَاتِبُ:
أَحَدُهَا: أَن يَحْصُلَ يَقِينًا كَالبَيْعِ، فإِنَّه إِذَا صَحَّ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَقْصُودُه مِنْ حِلِّ الانْتِفَاعِ يَقِينًا.
الثَّانِي: أَنْ يَحْصُلَ ظَنًّا كَالقِصَاصِ، فإِنَّ حُصُولَ الانْزِجَارِ بِهِ عَنِ القَتْلِ لَيْسَ قَطْعِيًّا لإِقدَامِ كَثِيرٍ علَى القَتْلِ مَعَ وُجُودِ القِصَاصِ، وَذَكَرَ المُصَنِّفُ مِثَالَهُمَا مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ المُرَتَّبِ.
وظَاهِرُ كَلاَمِه الاتِّفَاقُ علَى اعْتِبَارِهِمَا تَفْرِيعًا علَى القَوْلِ بِالمُنَاسَبَةِ، وهو كذلك.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُحْتَمِلاً احْتِمَالاً مُسْتَوِيًا.
стр. 560
وقَال فِي (البَدِيعِ): لاَ مِثَالَ لَهُ علَى التَّحْقِيقِ، ومَّثَلَ له المُصَنِّفُ ـ تَبَعًا لابْنِ الحَاجِبِ/ (١٤٠/ب/د) بِحَدِّ الخَمْرِ لِحِفْظِ العَقْلِ، فإِنَّ حُصُولَ المَقْصُودِ بِهِ مُسَاوٍ لِنَفْيِهِ، لأَنَّ كَثْرَةَ المُجْتَنِبِينَ لَهُ مُسَاوِيَةٌ تَقْرِيبًا لِكَثْرَةِ المُقْدِمِينَ عَلَيْه.
الرَابِعُ: أَنْ يَكُونَ نَفْيُ حُصُولِ المَقْصُودِ بِهِ أَرْجَحُ، كَنِكَاحِ الآيِسَةِ للتَّوَالُدِ، فإِنَّ حُصُولَه مُمْكِنٌ عَقْلاً لاَ عَادَةً، وَالأَصَحُّ وِفَاقًا لابْنِ الحَاجِبِ جَوَازُ التَّعْلِيلِ بِالقِسْمَينِ الأَخِيرَيْنِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ القَصْرِ للْمَلِكِ المُتَرَفِّهِ بِالسَّفَرِ وإِنِ انْتَفَتِ المَشَقَّةُ فِي حَقِّهِ، فلو قَطَعْنَا بِفَوَاتِ المَقْصُودِ مِنْ شَرْعِ الحُكْمِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كإِلحَاقِ النَّسَبِ بِمَشْرِقِيٍّ تَزَوَّجَ مَغْرِبِيَّةً فَأَتَتْ بِوَلَدٍ مَعَ القَطْعِ بَانْتِفَاءِ اجْتِمَاعِهمَا فَاعْتَبَرَه الحَنَفِيَّةُ أَيضًا، وأَلْحَقُوا بِهِ النَّسَبَ، وخَالَفَهُم الجُمْهُورُ فَلَمْ يُلْحِقُوه بِهِ.
فإِنْ قِيلَ: قَدِ اعْتَبَرَه الشَّافِعِيَّةُ أَيضًا فَأَوْجَبُوا الاسْتِبْرَاءَ علَى مَنْ بَاعَ جَارِيَةً ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنَ المُشْتَرِي مِنْهُ فِي مَجْلِسِ العَقْدِ، مَعَ القَطْعِ بَانْتِفَاءِ شَغْلِ رَحِمِهَا مِنَ الثَّانِي؟
قُلْتُ: ذَلِكَ تَعَبُّدٌ غَيْرُ مَعْقُولِ المَعْنَى، وَلَيْسَ مُعَلَّلاً بَاحْتِمَالِ الشَّغْلِ، ولهذَا غَايَرَ المُصَنِّفُ بَيْنَ المِثَالَيْنِ.
ص: وَالمُنَاسِبُ ضَرُورِيٌّ، فحَاجِيٌّ، فَتَحْسِينِيٌّ، وَالضَّرُورِيُّ كَحِفْظِ الدِّينِ فَالنَّفْسِ فَالعَقْلِ فَالنَّسَبِ فَالمَالِ وَالعِرْضِ، ويُلْحَقُ بِهِ مُكَمِّلُهُ كَحَدِّ قِلِيلِ المُسْكِرِ وَالحَاجِيُّ كَالبَيْعِ فَالإِجَارَةِ، وَقَدْ يَكُونُ ضَرُورِيًّا كَالإِجَارَةِ لِتَرْبِيَةِ الطِّفْلِ، ومُكَمِّلُهُ كخِيَارِ البَيْعِ، وَالتَّحْسِينِيُّ غَيْرُ مُعَارِضِ القَوَاعِدِ كَسَلْبِ العَبْدِ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ، وَالمُعَارِضُ كَالكِتَابَةِ.
ش: المُنَاسِبُ علَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
стр. 561
ضَرُورِيٌّ، وهو مَا كَانَتْ مَصْلَحَتُه فِي مَحَلِّ الضَّرُورَةِ.
وحَاجِيٌّ، وهو مَا كَانَتْ مَصْلَحَتُه فِي مَحَلِّ الحَاجَةِ.
وتَحْسِينِيٌّ، وهو مَا كَانتْ مَصْلَحَتُه مُسْتَحْسَنَةٌ فِي العَادَاتِ.
وعَطَفَ المُصَنِّفُ بَعْضَهَا علَى بَعْضٍ بِالفَاءِ، لِيُعْلَمَ تَرْتِيبُهَا هكذَا عِنْدَ التَّعَارُضِ، وَقَدْ اجْتَمَعَتِ الأَقْسَامُ فِي النَّفَقَةِ، فَنَفَقَةُ النَّفْسِ ضَرُورِيَّةٌ، وَالزَّوْجَةُ حَاجِيَّةٌ، وَالأَقَارِبُ تَحْسِينِيَّةٌ، ولِهذَا رُتِّبَتْ فِي الوُجُوبِ:/ (١٧٢/ب/م) هكذَا، فَالأَوَّلُ كَحِفْظِ الكُلِّيَّاتِ الخَمْسِ التي اتَّفَقَتْ المِلَلُ علَى حِفْظِهَا، وهي الدِّينُ وَالنَّفْسُ وَالعَقْلُ وَالنَّسَبُ وَالمَالُ.
ورَتَّبَهَا المُصَنِّفُ بِالفَاءِ، لِيُعْلَمَ تَرْتِيبُهَا هكذَا، فَحِفْظُ الدِّينِ بِالقِتَالِ، وَالنَّفْسِ بِالقِصَاصِ، وَالعَقْلِ بإِيجَابِ الحَدِّ علَى شَارِبِ الخَمْرِ، وَالنَسَبِ بإِيجَابِ الحَدِّ علَى الزَّانِي، وَالمَالِ بإِيجَابِ الضَّمَانِ علَى مُتْلِفِه وعُقُوبَةُ السَّارِقِ وَالمُحَارِبِ.
وزَادَ المُصَنِّفُ ـ وَقَبْلَه الطُّوفِيُّ ـ علَى الخَمْسِ.
سَادِسًا: وهو العَرَضُ، ففِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ فِي خُطْبَتِه فِي حِجَّةِ الوَدَاعِ: ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وأَمْوَالَكُمْ وأَعرَاضَكَمُ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ)) وتَحْرِيمُ الأَعرَاضِ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وحِفْظُه بِحَدِّ القَذْفِ، وكَلاَمُ المُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي مَرْتَبَةِ المَالِ لِعَطْفِه عَلَيْهِ بِالوَاوِ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلَ دُونَ الكُلِّيَّاتِ فَيَكُونُ مِنَ المُلْحَقِ (١٤١/أَ/د) بهَا.
قَالَ الشَّارِحُ: وَالظَاهِرُ أَنَّ الأَعْرَاضَ تَتَفَاوَتُ، فَمِنهَا مَا هو مِنَ الكُلِّيَّاتِ وهو الأَنْسَابُ، وهي أَرْفَعُ مِنَ الأَموَالِ، فإِنَّ حِفْظَهَا تَارَةً بتَحْرِيمِ الزِّنَا، وتَارَةً بِتَحْرِيمِ القَذْفِ المُفْضِي إِلَى الشَّكِّ فِي أَنْسَابِ الخَلْقِ ونِسْبَتِهِم لآبَائِهِم، وتَحْرِيمُ الأَنْسَابِ مُقَدَّمٌ علَى الأَمْوَالِ.
стр. 562
ومِنْهَا مَا هو دُونَهَا وهو مَا عَدَا الأَنسَابِ. انْتَهَى.
وَيُلْحَقُ بِالضَّرُورِيِّ مُكَمِّلُهُ كإِيجَابِ الحَدِّ بِشُرْبِ قَلِيلِ المُسْكِرِ، فإِنَّ كَثِيرَه يُفْسِدُ العَقْلَ، ولاَ يَحْصُلُ إِلا بإِفسَادِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ، فَالقليلُ مُتْلِفٌ لِجُزْءٍ مِنَ العَقْلِ، وإِنْ قَلَّ.
وَالثَّانِي وهو الحَاجِيُّ كَالبيعِ وَالإِجَارَةِ فَلاَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِمَا فوَاتُ شَيْء مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ، لكِنِ الحَاجَةُ إِليهمَا.
وذَكَرَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ أَنَّ البَيْعَ ضَرُورِيٌّ، فإِنَّ النَّاسَ لو لَمْ يُبَادِلُوا مَا بِأَيْدِيهِم لَجَرَّ ذَلِكَ ضَرُورَةً فَيُلْحَقُ بِالقِصَاصِ، وذَكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّ بَعْضَ هذَا القِسْمِ قَد يَصِيرُ ضَرُورِيًّا لِعَارِضٍ كَاسْتِئْجَارِ الوَلِيِّ لِتَرْبِيَةِ الطِّفْلِ.
قُلْتُ: تَحْصُلُ تَرْبِيَتُه بِمُبَاشَرَةِ الوَلِيِّ لذلك، وبِشِرَاءِ جَارِيَةٍ لَه، وبِمُتَبَرِّعٍ بِهِ، وبِمَنْ جُعِلَ له عَلَيْهِ جُعْلٌ، فَلاَ يَنْحَصِرُ الأَمْرُ فِي الاسْتِئْجَارِ، فَلَيْسَ ضَرُورِيًّا، ولَوْ مَثَّلَ بِشِرَاءِ الوَلِيِّ لَهُ المَطْعُومَ وَالمَلْبُوسَ لكَانَ أَوْلَى.
وَيَلْحَقُ بِالحَاجِيِّ مُكَمِّلُه كَخِيَارِ البَيْعِ، فإِنَّه شُرِعَ للتَّرَوِّي، وإِنْ حَصَلَ أَصْلُ الحَاجَةِ بِدُونِه.
وَالثَّالِثُ ـ وهو/ (١٧٣/أَ/م) التَّحْسِينِيُّ ـ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لاَ يُعَارِضَه شَيْءٌ مِنَ القوَاعِدِ، كَسَلْبِ العَبْدِ أَهْلِيَّة الشَّهَادَةِ لانْحِطَاطِه عَنْهَا، لأَنَّهَا مَنْصِبٌ شَرِيفٌ.
ثَانِيهُمَا أَنْ يُعَارِضَ قَاعِدَةً مُعْتَبَرَةً كَالكتَابَةِ، فإِنَّهَا جُوِّزَتْ لاسْتِحْسَانِهَا فِي العَادَةِ، مَعَ مُخَالَفَتِهَا للقَاعِدَةِ فِي امْتِنَاعِ بَيْعِ الإِنْسَانِ مَالَه بمَالِه.
ص: ثُمَّ المنَاسبُ إِنِ اعْتُبِرَ بِنَصٍّ أَو إِجمَاعٍ عَيْنُ الوَصْفِ فِي عَيْنِ الحُكْمِ فَالمُؤَثِّرُ، وإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ بِهِمَا بَلْ بِتَرْتِيبِ الحُكْمِ علَى وَفْقِهِ ولو
стр. 563
بِاعْتِبَارِ جِنْسِه فِي جِنْسِه فَالمُلاَئِمُ، وإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ علَى إِلْغَائِه فَلاَ يُعَلَّلُ بِهِ وإِلاَّ فهو المُرْسَلُ، وَقَدْ قَبِلَه مَالِكٌ مُطْلَقًا، وكَادَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ يُوَافِقُه مَعَ مُنَادَاتِه عَلَيْهِ بِالنَّكِيرِ، ورَدَّه الأَكْثَرُ مُطْلَقًا، وَقَوْمٌ فِي العبَادَاتِ، وَلَيْسَ مِنْهُ مَصْلَحَةٌ ضَرُورِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ، لأَنَّهَا مِمَّا دَلَّ الدَّلِيلُ علَى اعْتِبَارِهَا فهي حَقٌّ قَطْعًا، وَاشْتَرَطَهَا الغَزَالِيُّ للقَطْعِ بِالقولِ بِهِ لاَ لأَصْلِ القَوْلِ بِهِ، قَالَ: وَالظَّنُّ القَرِيبُ مِنَ القَطْعِ كَالقَطْعِ.
ش: هذَا تَقْسِيمٌ آخَرُ للْمُنَاسِبِ منْ جِهَةِ اعْتبَارِ الشَّرْعِ لَهُ وعَدَمِ اعْتِبَارِه، فإِمَّا أَنْ يُعْلَمَ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لَهُ أَو إِلْغَاؤُه، أَو لاَ يُعْلَمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فهذه ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ:
الأَوَّلُ وهو مَا عُلِمَ اعْتِبَارُه، وَالمُرَادُ بِالعِلْمِ هُنَا مَا هو أَعَمُّ مِنْهُ ومِنَ الظَّنِّ، وتَحْتَه أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُعْلَمَ اعْتِبَارُ عَيْنِ الوَصْفِ فِي عَيْنِ الحُكْمِ، إِمَّا بِنَصٍّ كَاعْتِبَارِ الشَّارِعِ عَيْنَ مَسِّ الذَّكَرِ فِي عَيْنِ الحَدَثِ، بِنَصِّه عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ ﵊: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)) وإِمَا بِالإِجمَاعِ/ (١٤١/ب/د) كَاعْتِبَارِ عَيْنِ الصِّغَرِ فِي عَيْنِ وِلاَيَةِ المَالِ.
ويسمَى هذَا القِسْمُ المُؤَثِّرُ.
ثَانِيهَا: أَنْ يُعْتَبَرَ عَيْنُ الوَصْفِ فِي جِنْسِ الحُكْمِ، كَاعْتِبَارِ الصِّغَرِ فِي وِلاَيَةِ النِّكَاحِ، فإِنَّه لَمْ يُعْلَمْ مِنَ الشَّارِعِ اعْتبَارَه فِي عَيْنِ وِلاَيَةِ النِّكَاحِ بَلْ فِي جِنْسِ الوِلاَيَةِ لاعْتِبَارِه فِي وِلاَيَةِ المَالِ كَمَا تَقَدَّمَ.
ثَالِثُهَا: أَنْ يُعْتَبَرَ جِنْسُ الوَصْفِ فِي عَيْنِ الحُكْمِ، كَاعْتِبَارِ جِنْسِ المّشَقَّةِ فِي نَوْعٍ وهو إِسْقَاطُ الصَّلاَةِ إِمَّا مُطْلَقًا فِي حَقِّ الحَاضِرِ أَوْ لِلْبَعْضِ فِي حَقِّ
стр. 564
المُسَافِرِ بِالقَصْرِ.
رَابِعُهَا: أَنْ يُعْتَبَرَ جِنْسُه فِي جِنْسِه كَاعْتِبَارِ المَظِنَّة التي تَنْدَرِج تَحْتَهَا مَظِنَّةُ القَذْفِ وهو شُرْبُ المُسْكِرِ، ومَظِنَّةُ الوَطْءِ الحَرَامِ، وهي الخُلْوَةُ بِالأَجْنَبِيَّةِ/ (١٧٣/ب/م) فِي الحُكْمِ الذي يَنْدَرِجُ تَحْتَه حُكْمُ القَذْفِ، وهو إِيجَابُ الحَدِّ علَى الشَّارِبِ، وحُكْمُ الزِّنَا وهو التَّحْرِيمُ.
قَالَ عَلِيٌّ ﵁ فِي شَارِبِ الخَمْرِ: أَرَى أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ هَذَى وإِذَا هَذَى افْتَرَى فَأَرَى عَلَيْهِ حَدَّ المُفْتَرِي، يَعْنِي القَاذِفَ.
ووَافَقَه الصَّحَابَةُ علَى ذلك.
وهذه الأَقْسَامِ الثَّلاَثَةِ الأَخِيرَةِ تُسَمَّى بِالمُلاَئِمِ، وهي مُنْدَرِجَةٌ فِي قَوْلِ المُصَنِّفِ: (وإِن لَمْ يُعْتَبَرْ) أَي عَيْنُ الوَصْفِ فِي عَيْنِ الحُكْمِ، وذلك صَادِقٌ بِاعْتِبَارِ العَيْنِ فِي الجِنْسِ وعَكْسِه، وبِالجِنْسِ فِي الجِنْسِ، وصَرَّحَ المُصَنِّفُ بهذَا الأَخِيرِ بَعْدَ (لَوْ) فإِنَّه أَبْعَدُ الثَّلاَثَةِ.
وَقَوْلُهُ: (بِهِمَا) أَي بِالنَّصِّبِ وَالإِجمَاعِ، أَي لَمْ يَدُلَّ علَى اعْتِبَارِه وَاحِدٌ مِنهَا بَلْ عُلِمَ ذَلِكَ بتَرْتِيبِ الحُكْمِ علَى وَفْقِهِ، وإِنَّمَا قُدِّمِ اعْتِبَارُ عَيْنِ الوَصْفِ فِي جِنْسِ الحُكْمِ علَى عَكْسِه، لأَنَّ الإِبهَامَ فِي العِلَّةِ أَكْثَرُ مَحْذُورًا مِنَ الإِبهَامِ فِي المَعْلُولِ.
القِسْمُ الثَّانِي: مَا عُلِمَ إِلْغَاؤُه، فَلاَ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِ اتِّفَاقًا، وَقَدْ أَنْكَرَ علَى بَعْضِ العُلَمَاء لَمَّا أَفتَى بَعْضَ مُلُوكِ المَغْرِبِ فِي جِمَاعِه فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بأَنَّ عَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَيْنِ، مُسْتَنِدًا فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّ الإِعْتَاقَ هَيِّنٌ عَلَيْهِ لاتِّسَاعِ مَالِه، فَلاَ يَزْجُرُه عَنْ مُعَاوَدَةِ الجِمَاعِ، بِخِلاَفِ صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، وهذَا مُنَاسِبٌ لكِنْ أَبْطَلَه الشَّرْعُ بِتَقْدِيمِ الإِعْتَاقِ علَى الصِّيَامِ، فكَانَ اعْتِبَارُه مُصَادِمًا لِصَاحِبِ الشَّرْعِ وتَصَرُّفًا بِالتَّشَهِّي فِي أُمُورِ الدِّينِ.
القِسْم الثَّالِثُ: أَن لاَ يُعْلَمَ اعْتِبَارُه ولاَ إِلغَاؤُه وهو المُرْسَلُ، ويُسَمَّى
стр. 565
بِالمَصَالِحِ المُرْسَلَة وفِيه مَذَاهِبُ.
أَحَدُهَا ـ وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ ـ: رَدُّه مُطْلَقًا.
وَالثَّانِي: قَبُولُه مُطْلَقًا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
وَقَوْلُ المُصَنِّفِ: (كَادَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ يُوَافِقُه) يَعْنِي لاعْتِبَارِه المَصْلَحَةَ فِي الجُمْلَةِ، لكِنَّه لَمْ يَعْتَبِرْ جِنْسَ المَصْلَحَةِ مُطْلَقًا كَقَوْلِ مَالِكٍ، بَلْ بَالَغَ فِي (البُرْهَانِ) فِي الرَّدِّ عَلَيْه.
وقَالَ: نَعْرِضُ عَلَيْهِ وَاقِعَةً نَادِرَةً رأَيَ ذُو نَظَرٍ فِيهَا جَدْعَ أَنْفٍ أَوِ اصْطِلاَمَ سَفَهٍ، وأَبْدَى رأْيًا لاَ تُنْكِرُه العُقُولُ، صَائِرًا إِلَى أَنَّ العُقُوبَةَ شُرِعَتْ لِحَسْمِ الفَوَاحِشِ، وهذه العُقُوبَةُ لاَئِقَةٌ بهذه (١٤٢/أَ/د) النَّازِلَةِ لَلَزِمَكَ الْتِزَامُ هذَا، لأَنَّكَ تُجَوِّزُ لأَصْحَابِ الإِيَالاَتِ القَتْلَ فِي التُّهَمِ العَظِيمَةِ، حتَّى نَقَلَ عَنْكَ الثِّقَاتُ أَنَّك قُلْتَ: أَقْتُلُ ثُلُثَ الأُمَّةِ فِي اسْتِبْقَاءِ ثُلُثَيْهَا .. إِلَى آخِرِ كَلاَمِه فِي ذلك.
قُلْتُ: ومِنْ ذَلِكَ مَا بَلَغَنِي عَن بَعْضِ أُمَرَاءِ/ (١٧٤/أَ/م) الحَاجِّ الجَهَلَةِ، وكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَسْتَحْسِنُه أَنَّهُ يَقْطَعُ أَعْقَابَ لُصُوصِ الطَّرِيقِ لاعْتِمَادِ الوَاحِدِ مِنْهُمُ الهَرَبَ علَى قَدَمَيْه، ويَتَعَذَّرُ ذَلِكَ مَعَ قَطْعِ أَعْصَابِ رِجْلَيْه، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالثَّالِثُ: رَدُّه فِي العِبَادَاتِ, وقَبُولُه فِي المُعَامَلاَتِ. قَالَهُ الإِبيَارِيُّ فِي شَرْحِ (البُرْهَانِ).
وقَالَ: إِنَّهُ الذي يَقْتَضِيه مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَوْلُ المُصَنِّفِ: (وَلَيْسَ مِنْه) إِلَى آخِرِه، أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا إِذَا تَتَرَّسَ الكُفَّارُ بأُسَارَى المُسْلِمِينَ، وخِيفَ مِنْ تَرْكِ رَمْيِهِمُ اصْطِلاَمَ المُسْلِمِينَ، فَيَجُوزُ رَمْيُ المُتْرَسَ، وإِنْ كَانَ فِيهِ قَتْلُ مُسْلِمٍ لَمْ يُذْنِبْ.
وَقَدْ اجْتَمَعَ فِي هذه المَصْلَحَةِ ثلاَثةُ أَوصَافٍ، فإِنَّهَا ضَرُورِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ، أَمَّا كَوْنُهَا ضَرُورِيَّةً، فلأَنَّه لاَ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهَا بطَرِيقٍ آخَرَ، وأَمَّا كَوْنُهَا كُلِّيَّةً فَلِرُجُوعِهَا إِلَى كَافَّةِ الأُمَّةِ، وأَمَّا كَوْنُهَا قَطْعِيَّةً فَلِتَحْصِيلِهَا المَصْلَحَةَ بِالقَطْعِ لاَ
следующие страницы →