← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14252

الغيث الهامع شرح جمع الجوامع

ابن العراقي

Полный текст (826 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ضَرُورِيٌّ، وهو مَا كَانَتْ مَصْلَحَتُه فِي مَحَلِّ الضَّرُورَةِ. وحَاجِيٌّ، وهو مَا كَانَتْ مَصْلَحَتُه فِي مَحَلِّ الحَاجَةِ. وتَحْسِينِيٌّ، وهو مَا كَانتْ مَصْلَحَتُه مُسْتَحْسَنَةٌ فِي العَادَاتِ. وعَطَفَ المُصَنِّفُ بَعْضَهَا علَى بَعْضٍ بِالفَاءِ، لِيُعْلَمَ تَرْتِيبُهَا هكذَا عِنْدَ التَّعَارُضِ، وَقَدْ اجْتَمَعَتِ الأَقْسَامُ فِي النَّفَقَةِ، فَنَفَقَةُ النَّفْسِ ضَرُورِيَّةٌ، وَالزَّوْجَةُ حَاجِيَّةٌ، وَالأَقَارِبُ تَحْسِينِيَّةٌ، ولِهذَا رُتِّبَتْ فِي الوُجُوبِ:/ (١٧٢/ب/م) هكذَا، فَالأَوَّلُ كَحِفْظِ الكُلِّيَّاتِ الخَمْسِ التي اتَّفَقَتْ المِلَلُ علَى حِفْظِهَا، وهي الدِّينُ وَالنَّفْسُ وَالعَقْلُ وَالنَّسَبُ وَالمَالُ. ورَتَّبَهَا المُصَنِّفُ بِالفَاءِ، لِيُعْلَمَ تَرْتِيبُهَا هكذَا، فَحِفْظُ الدِّينِ بِالقِتَالِ، وَالنَّفْسِ بِالقِصَاصِ، وَالعَقْلِ بإِيجَابِ الحَدِّ علَى شَارِبِ الخَمْرِ، وَالنَسَبِ بإِيجَابِ الحَدِّ علَى الزَّانِي، وَالمَالِ بإِيجَابِ الضَّمَانِ علَى مُتْلِفِه وعُقُوبَةُ السَّارِقِ وَالمُحَارِبِ. وزَادَ المُصَنِّفُ ـ وَقَبْلَه الطُّوفِيُّ ـ علَى الخَمْسِ. سَادِسًا: وهو العَرَضُ، ففِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ فِي خُطْبَتِه فِي حِجَّةِ الوَدَاعِ: ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وأَمْوَالَكُمْ وأَعرَاضَكَمُ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ)) وتَحْرِيمُ الأَعرَاضِ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وحِفْظُه بِحَدِّ القَذْفِ، وكَلاَمُ المُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي مَرْتَبَةِ المَالِ لِعَطْفِه عَلَيْهِ بِالوَاوِ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلَ دُونَ الكُلِّيَّاتِ فَيَكُونُ مِنَ المُلْحَقِ (١٤١/أَ/د) بهَا. قَالَ الشَّارِحُ: وَالظَاهِرُ أَنَّ الأَعْرَاضَ تَتَفَاوَتُ، فَمِنهَا مَا هو مِنَ الكُلِّيَّاتِ وهو الأَنْسَابُ، وهي أَرْفَعُ مِنَ الأَموَالِ، فإِنَّ حِفْظَهَا تَارَةً بتَحْرِيمِ الزِّنَا، وتَارَةً بِتَحْرِيمِ القَذْفِ المُفْضِي إِلَى الشَّكِّ فِي أَنْسَابِ الخَلْقِ ونِسْبَتِهِم لآبَائِهِم، وتَحْرِيمُ الأَنْسَابِ مُقَدَّمٌ علَى الأَمْوَالِ.

стр. 562

ومِنْهَا مَا هو دُونَهَا وهو مَا عَدَا الأَنسَابِ. انْتَهَى. وَيُلْحَقُ بِالضَّرُورِيِّ مُكَمِّلُهُ كإِيجَابِ الحَدِّ بِشُرْبِ قَلِيلِ المُسْكِرِ، فإِنَّ كَثِيرَه يُفْسِدُ العَقْلَ، ولاَ يَحْصُلُ إِلا بإِفسَادِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ، فَالقليلُ مُتْلِفٌ لِجُزْءٍ مِنَ العَقْلِ، وإِنْ قَلَّ. وَالثَّانِي وهو الحَاجِيُّ كَالبيعِ وَالإِجَارَةِ فَلاَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِمَا فوَاتُ شَيْء مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ، لكِنِ الحَاجَةُ إِليهمَا. وذَكَرَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ أَنَّ البَيْعَ ضَرُورِيٌّ، فإِنَّ النَّاسَ لو لَمْ يُبَادِلُوا مَا بِأَيْدِيهِم لَجَرَّ ذَلِكَ ضَرُورَةً فَيُلْحَقُ بِالقِصَاصِ، وذَكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّ بَعْضَ هذَا القِسْمِ قَد يَصِيرُ ضَرُورِيًّا لِعَارِضٍ كَاسْتِئْجَارِ الوَلِيِّ لِتَرْبِيَةِ الطِّفْلِ. قُلْتُ: تَحْصُلُ تَرْبِيَتُه بِمُبَاشَرَةِ الوَلِيِّ لذلك، وبِشِرَاءِ جَارِيَةٍ لَه، وبِمُتَبَرِّعٍ بِهِ، وبِمَنْ جُعِلَ له عَلَيْهِ جُعْلٌ، فَلاَ يَنْحَصِرُ الأَمْرُ فِي الاسْتِئْجَارِ، فَلَيْسَ ضَرُورِيًّا، ولَوْ مَثَّلَ بِشِرَاءِ الوَلِيِّ لَهُ المَطْعُومَ وَالمَلْبُوسَ لكَانَ أَوْلَى. وَيَلْحَقُ بِالحَاجِيِّ مُكَمِّلُه كَخِيَارِ البَيْعِ، فإِنَّه شُرِعَ للتَّرَوِّي، وإِنْ حَصَلَ أَصْلُ الحَاجَةِ بِدُونِه. وَالثَّالِثُ ـ وهو/ (١٧٣/أَ/م) التَّحْسِينِيُّ ـ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لاَ يُعَارِضَه شَيْءٌ مِنَ القوَاعِدِ، كَسَلْبِ العَبْدِ أَهْلِيَّة الشَّهَادَةِ لانْحِطَاطِه عَنْهَا، لأَنَّهَا مَنْصِبٌ شَرِيفٌ. ثَانِيهُمَا أَنْ يُعَارِضَ قَاعِدَةً مُعْتَبَرَةً كَالكتَابَةِ، فإِنَّهَا جُوِّزَتْ لاسْتِحْسَانِهَا فِي العَادَةِ، مَعَ مُخَالَفَتِهَا للقَاعِدَةِ فِي امْتِنَاعِ بَيْعِ الإِنْسَانِ مَالَه بمَالِه. ص: ثُمَّ المنَاسبُ إِنِ اعْتُبِرَ بِنَصٍّ أَو إِجمَاعٍ عَيْنُ الوَصْفِ فِي عَيْنِ الحُكْمِ فَالمُؤَثِّرُ، وإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ بِهِمَا بَلْ بِتَرْتِيبِ الحُكْمِ علَى وَفْقِهِ ولو

стр. 563

بِاعْتِبَارِ جِنْسِه فِي جِنْسِه فَالمُلاَئِمُ، وإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ علَى إِلْغَائِه فَلاَ يُعَلَّلُ بِهِ وإِلاَّ فهو المُرْسَلُ، وَقَدْ قَبِلَه مَالِكٌ مُطْلَقًا، وكَادَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ يُوَافِقُه مَعَ مُنَادَاتِه عَلَيْهِ بِالنَّكِيرِ، ورَدَّه الأَكْثَرُ مُطْلَقًا، وَقَوْمٌ فِي العبَادَاتِ، وَلَيْسَ مِنْهُ مَصْلَحَةٌ ضَرُورِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ، لأَنَّهَا مِمَّا دَلَّ الدَّلِيلُ علَى اعْتِبَارِهَا فهي حَقٌّ قَطْعًا، وَاشْتَرَطَهَا الغَزَالِيُّ للقَطْعِ بِالقولِ بِهِ لاَ لأَصْلِ القَوْلِ بِهِ، قَالَ: وَالظَّنُّ القَرِيبُ مِنَ القَطْعِ كَالقَطْعِ. ش: هذَا تَقْسِيمٌ آخَرُ للْمُنَاسِبِ منْ جِهَةِ اعْتبَارِ الشَّرْعِ لَهُ وعَدَمِ اعْتِبَارِه، فإِمَّا أَنْ يُعْلَمَ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لَهُ أَو إِلْغَاؤُه، أَو لاَ يُعْلَمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فهذه ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ: الأَوَّلُ وهو مَا عُلِمَ اعْتِبَارُه، وَالمُرَادُ بِالعِلْمِ هُنَا مَا هو أَعَمُّ مِنْهُ ومِنَ الظَّنِّ، وتَحْتَه أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُعْلَمَ اعْتِبَارُ عَيْنِ الوَصْفِ فِي عَيْنِ الحُكْمِ، إِمَّا بِنَصٍّ كَاعْتِبَارِ الشَّارِعِ عَيْنَ مَسِّ الذَّكَرِ فِي عَيْنِ الحَدَثِ، بِنَصِّه عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ ﵊: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ)) وإِمَا بِالإِجمَاعِ/ (١٤١/ب/د) كَاعْتِبَارِ عَيْنِ الصِّغَرِ فِي عَيْنِ وِلاَيَةِ المَالِ. ويسمَى هذَا القِسْمُ المُؤَثِّرُ. ثَانِيهَا: أَنْ يُعْتَبَرَ عَيْنُ الوَصْفِ فِي جِنْسِ الحُكْمِ، كَاعْتِبَارِ الصِّغَرِ فِي وِلاَيَةِ النِّكَاحِ، فإِنَّه لَمْ يُعْلَمْ مِنَ الشَّارِعِ اعْتبَارَه فِي عَيْنِ وِلاَيَةِ النِّكَاحِ بَلْ فِي جِنْسِ الوِلاَيَةِ لاعْتِبَارِه فِي وِلاَيَةِ المَالِ كَمَا تَقَدَّمَ. ثَالِثُهَا: أَنْ يُعْتَبَرَ جِنْسُ الوَصْفِ فِي عَيْنِ الحُكْمِ، كَاعْتِبَارِ جِنْسِ المّشَقَّةِ فِي نَوْعٍ وهو إِسْقَاطُ الصَّلاَةِ إِمَّا مُطْلَقًا فِي حَقِّ الحَاضِرِ أَوْ لِلْبَعْضِ فِي حَقِّ

стр. 564

المُسَافِرِ بِالقَصْرِ. رَابِعُهَا: أَنْ يُعْتَبَرَ جِنْسُه فِي جِنْسِه كَاعْتِبَارِ المَظِنَّة التي تَنْدَرِج تَحْتَهَا مَظِنَّةُ القَذْفِ وهو شُرْبُ المُسْكِرِ، ومَظِنَّةُ الوَطْءِ الحَرَامِ، وهي الخُلْوَةُ بِالأَجْنَبِيَّةِ/ (١٧٣/ب/م) فِي الحُكْمِ الذي يَنْدَرِجُ تَحْتَه حُكْمُ القَذْفِ، وهو إِيجَابُ الحَدِّ علَى الشَّارِبِ، وحُكْمُ الزِّنَا وهو التَّحْرِيمُ. قَالَ عَلِيٌّ ﵁ فِي شَارِبِ الخَمْرِ: أَرَى أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ هَذَى وإِذَا هَذَى افْتَرَى فَأَرَى عَلَيْهِ حَدَّ المُفْتَرِي، يَعْنِي القَاذِفَ. ووَافَقَه الصَّحَابَةُ علَى ذلك. وهذه الأَقْسَامِ الثَّلاَثَةِ الأَخِيرَةِ تُسَمَّى بِالمُلاَئِمِ، وهي مُنْدَرِجَةٌ فِي قَوْلِ المُصَنِّفِ: (وإِن لَمْ يُعْتَبَرْ) أَي عَيْنُ الوَصْفِ فِي عَيْنِ الحُكْمِ، وذلك صَادِقٌ بِاعْتِبَارِ العَيْنِ فِي الجِنْسِ وعَكْسِه، وبِالجِنْسِ فِي الجِنْسِ، وصَرَّحَ المُصَنِّفُ بهذَا الأَخِيرِ بَعْدَ (لَوْ) فإِنَّه أَبْعَدُ الثَّلاَثَةِ. وَقَوْلُهُ: (بِهِمَا) أَي بِالنَّصِّبِ وَالإِجمَاعِ، أَي لَمْ يَدُلَّ علَى اعْتِبَارِه وَاحِدٌ مِنهَا بَلْ عُلِمَ ذَلِكَ بتَرْتِيبِ الحُكْمِ علَى وَفْقِهِ، وإِنَّمَا قُدِّمِ اعْتِبَارُ عَيْنِ الوَصْفِ فِي جِنْسِ الحُكْمِ علَى عَكْسِه، لأَنَّ الإِبهَامَ فِي العِلَّةِ أَكْثَرُ مَحْذُورًا مِنَ الإِبهَامِ فِي المَعْلُولِ. القِسْمُ الثَّانِي: مَا عُلِمَ إِلْغَاؤُه، فَلاَ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِ اتِّفَاقًا، وَقَدْ أَنْكَرَ علَى بَعْضِ العُلَمَاء لَمَّا أَفتَى بَعْضَ مُلُوكِ المَغْرِبِ فِي جِمَاعِه فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بأَنَّ عَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَيْنِ، مُسْتَنِدًا فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّ الإِعْتَاقَ هَيِّنٌ عَلَيْهِ لاتِّسَاعِ مَالِه، فَلاَ يَزْجُرُه عَنْ مُعَاوَدَةِ الجِمَاعِ، بِخِلاَفِ صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، وهذَا مُنَاسِبٌ لكِنْ أَبْطَلَه الشَّرْعُ بِتَقْدِيمِ الإِعْتَاقِ علَى الصِّيَامِ، فكَانَ اعْتِبَارُه مُصَادِمًا لِصَاحِبِ الشَّرْعِ وتَصَرُّفًا بِالتَّشَهِّي فِي أُمُورِ الدِّينِ. القِسْم الثَّالِثُ: أَن لاَ يُعْلَمَ اعْتِبَارُه ولاَ إِلغَاؤُه وهو المُرْسَلُ، ويُسَمَّى

стр. 565

بِالمَصَالِحِ المُرْسَلَة وفِيه مَذَاهِبُ. أَحَدُهَا ـ وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ ـ: رَدُّه مُطْلَقًا. وَالثَّانِي: قَبُولُه مُطْلَقًا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ. وَقَوْلُ المُصَنِّفِ: (كَادَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ يُوَافِقُه) يَعْنِي لاعْتِبَارِه المَصْلَحَةَ فِي الجُمْلَةِ، لكِنَّه لَمْ يَعْتَبِرْ جِنْسَ المَصْلَحَةِ مُطْلَقًا كَقَوْلِ مَالِكٍ، بَلْ بَالَغَ فِي (البُرْهَانِ) فِي الرَّدِّ عَلَيْه. وقَالَ: نَعْرِضُ عَلَيْهِ وَاقِعَةً نَادِرَةً رأَيَ ذُو نَظَرٍ فِيهَا جَدْعَ أَنْفٍ أَوِ اصْطِلاَمَ سَفَهٍ، وأَبْدَى رأْيًا لاَ تُنْكِرُه العُقُولُ، صَائِرًا إِلَى أَنَّ العُقُوبَةَ شُرِعَتْ لِحَسْمِ الفَوَاحِشِ، وهذه العُقُوبَةُ لاَئِقَةٌ بهذه (١٤٢/أَ/د) النَّازِلَةِ لَلَزِمَكَ الْتِزَامُ هذَا، لأَنَّكَ تُجَوِّزُ لأَصْحَابِ الإِيَالاَتِ القَتْلَ فِي التُّهَمِ العَظِيمَةِ، حتَّى نَقَلَ عَنْكَ الثِّقَاتُ أَنَّك قُلْتَ: أَقْتُلُ ثُلُثَ الأُمَّةِ فِي اسْتِبْقَاءِ ثُلُثَيْهَا .. إِلَى آخِرِ كَلاَمِه فِي ذلك. قُلْتُ: ومِنْ ذَلِكَ مَا بَلَغَنِي عَن بَعْضِ أُمَرَاءِ/ (١٧٤/أَ/م) الحَاجِّ الجَهَلَةِ، وكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَسْتَحْسِنُه أَنَّهُ يَقْطَعُ أَعْقَابَ لُصُوصِ الطَّرِيقِ لاعْتِمَادِ الوَاحِدِ مِنْهُمُ الهَرَبَ علَى قَدَمَيْه، ويَتَعَذَّرُ ذَلِكَ مَعَ قَطْعِ أَعْصَابِ رِجْلَيْه، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالثَّالِثُ: رَدُّه فِي العِبَادَاتِ, وقَبُولُه فِي المُعَامَلاَتِ. قَالَهُ الإِبيَارِيُّ فِي شَرْحِ (البُرْهَانِ). وقَالَ: إِنَّهُ الذي يَقْتَضِيه مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَوْلُ المُصَنِّفِ: (وَلَيْسَ مِنْه) إِلَى آخِرِه، أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا إِذَا تَتَرَّسَ الكُفَّارُ بأُسَارَى المُسْلِمِينَ، وخِيفَ مِنْ تَرْكِ رَمْيِهِمُ اصْطِلاَمَ المُسْلِمِينَ، فَيَجُوزُ رَمْيُ المُتْرَسَ، وإِنْ كَانَ فِيهِ قَتْلُ مُسْلِمٍ لَمْ يُذْنِبْ. وَقَدْ اجْتَمَعَ فِي هذه المَصْلَحَةِ ثلاَثةُ أَوصَافٍ، فإِنَّهَا ضَرُورِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ، أَمَّا كَوْنُهَا ضَرُورِيَّةً، فلأَنَّه لاَ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهَا بطَرِيقٍ آخَرَ، وأَمَّا كَوْنُهَا كُلِّيَّةً فَلِرُجُوعِهَا إِلَى كَافَّةِ الأُمَّةِ، وأَمَّا كَوْنُهَا قَطْعِيَّةً فَلِتَحْصِيلِهَا المَصْلَحَةَ بِالقَطْعِ لاَ

стр. 566

بِالظَّنِّ. ويُنَازِعُ فِي اشْتِرَاطِ القَطْعِ حِكَايَةُ الأَصْحَابِ وَجْهَينِ فِي مَسْأَلَةِ التَّتَرُّسِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ القَطْعِ، وعَلَّلُوا المَنْعَ بأَنَّ غَايةَ الأَمرِ أَن نخَافَ علَى أَنفُسِنَا، ودَمُ المُسْلِمِ لاَ يُبَاحُ بِالخَوْفِ. وفِيه تَصْرِيحٌ بِجَرَيَانِ الخِلاَفِ فِي حَالَةِ الخَوْفِ بِدُونِ قَطْعٍ. وَقَدْ يُقَالُ: حَالَةُ القَطْعِ مَحَلَّ جَزْمٍ، وَالخِلاَفُ فِي صُورَةِ الخَوْفِ، وَبِهِ صَرَّحَ الغَزَالِيُّ فِي المُسْتَصْفَى، وهذَا معنَى قَوْلِ المُصَنِّفِ: (وَشَرَطَهَا الغَزَالِيُّ) أَي شَرْطُ كَوْنِهَا قَطْعِيَّةً للقَطْعِ بِالقَوْلِ بِجَوَازِ الرَّمْيِ هُنَا لاَ لأَصْلِ القَوْلِ بِهِ، وأَلْحَقَ الظَّنَّ القَرِيبَ مِنَ القَطْعِ بِالقَطْعِ. وأَشَارَ المُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ مِنْه) إِلَى الرَّدِّ علَى الإِمَامِ وَالآمِدِيِّ وَغَيْرِهِمَا، حَيْثُ قَالُوا: لَمْ يَقُلِ الشَّافِعِيُّ بِالمُرْسَلِ إِلا فِي هذه المَسْأَلَةِ، فإِنَّ هذه الصُّورَةَ قَدْ قَامَ الدَّلِيلُ علَى اعتبَارِهَا، فإِنَّه إِذَا قِيلَ: فِيهِ سَفْكُ دَمٍ مَعْصُومٍ، عُورِضَ بأَن فِي الكفِّ عَنْهُ إِهلاَكُ دِمَاءٍ مَعْصُومَةٍ لاَ حَصْرَ لهَا، وَقَدْ عُلِمَ مِنَ الشَّرْعِ تَقْدِيمُ حِفْظِ الكُلِّيِّ علَى الجُزْئِيِّ، وأَن حِفْظَ أَصْلِ الإِسْلاَمِ عَنِ اصْطِلاَمِ الكُفَّارِ أَهَمُّ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ مِنْ حِفْظِ طَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، ولم يُسَمِّ هذَا قيَاسًا، إِذ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ، بَلْ أَدِلَّتُه مُتَعَدِّدَةٌ مِنَ الكتَابِ وَالسُّنَّةِ وقَرَائنِ الأَحوَالِ/ (١٧٤/ب/م) فلذلك أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ المَصْلَحَةِ المُرْسَلَةِ، وكأَنَّ هذه التَّسْمِيَةَ هي المُوقِعَةُ للإِمَامِ وَغَيْره فِي جَعْلِ الشَّافِعِيِّ قَائِلاً بِالمَصْلَحَةِ المُرْسَلَةِ فِي هذه الصُّورَةِ. ص: مَسْأَلَةٌ: المُنَاسَبَةُ تَنْخَرِمُ بِمَفْسَدَةٍ تَلْزَمُ رَاجِحَةً أَو مُسَاوِيَةً خِلاَفًا للإِمَامِ. ش: إِذَا اشْتَمَلَ/ (١٤٢/ب/د) الوَصْفُ المُنَاسِبُ علَى مَفْسَدَةٍ مُعَارِضَةٍ لِمَا فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ، تَقْتَضِي عَدَمَ مَشْرُوعِيَّةِ الحُكْمِ، سَوَاءً أَكَانَتْ رَاجِحَةً علَى المَصْلَحَةِ أَو مُسَاوِيَةً لهَا، فَهَلْ تَنْخَرِمُ بِهَا المُنَاسَبَةُ؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ:

стр. 567

أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَاختَارَه المُصَنِّفُ تَبَعًا لابْنِ الحَاجِبِ وَالصَّفِيِّ الهِنْدِيِّ. وثَانِيهُمَا: لاَ، وَبِهِ قَالَ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَالبَيْضَاوِيُّ، وَالخِلاَفُ فِي ذَلِكَ لَفْظِيٌّ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ هذَا الوَصْفَ هَلْ يَبْقَى فِيهِ مَعَ ذَلِكَ مُنَاسَبَةٌ أَمْ لاَ مَعَ الاتِّفَاقِ علَى أَنَّهَا غَيْرُ مَعْمُولٍ بهَا. ومِنْ فُرُوعِ هذه المَسْأَلَةِ: لوْ سَلَكَ المُسَافِرُ الطَّرِيقَ البَعِيدَ لِغَيْرِ غَرَضٍ لاَ يَقْصُرُ لانْخِرَامِ المَفْسَدَةِ. ص: السَّادِسُ: الشَّبَهُ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ المُنَاسِبِ وَالطَّرْدِ، وقَالَ القَاضِي: هو المُنَاسِبُ بِالتَّبَعِ ولاَ يُصَارُ إِلَيْهِ مَعَ إِمْكَانِ قِيَاسِ العِلَّةِ إِجمَاعًا, فإِن تَعَذَّرَتْ فقَالَ الشَّافِعِيُّ: حُجَّةٌ، وقَالَ الصَّيْرَفِيُّ وَالشِّيرَازِيُّ: مَرْدُودٌ، وأَعْلاَه: قِيَاسُ غَلَبَةِ الأَشْبَاه فِي الحُكْمِ وَالصِّفَةِ، ثُمَّ الصُّورِيُّ، وقَالَ الإِمَامُ: المُعْتَبَرُ حُصُولُ المُشَابَهَةِ لِعِلَّةِ الحُكْمِ أَو مُسْتَلْزِمِهَا. ش: السَّادِسُ مِنَ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ علَى العِلِّيَّةِ الشَّبَهُ: وهو مَنْزِلَةٌ بَيْنَ المُنَاسِبِ وَالطَّرْدِ، لأَنَّهُ يُشْبِه المُنَاسِبَ لالتفَاتِ الشَّرْعِ إِلَيْهِ، ويُخَالِفُه بأَنَّهُ لَيْسَتْ فِيهِ مُنَاسَبَةٌ عَقْلِيَّةٌ، ويُشْبِه الطَّرْدَ لِعَدَمِ المُنَاسَبَةِ ويُخَالِفُه بِاعْتِبَارِه فِي بَعْضِ الأَحكَامِ، بخلاَفِ الطَّرْدِ فإِنَّ وُجُودَه كَالعَدَمِ. وعرَّفَه القَاضِي أَبُو بَكْرٍ بأَنَّهُ المُنَاسِبُ بِالتَّبَعِ أَي، بِالالْتِزَامِ كَالطَّهَارَةِ لاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، فإِنَّهَا مِنْ حَيْثُ هي لاَ تُنَاسِبُ اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ لكِنْ تُنَاسِبُهَا من حَيْثُ إِنَّهَا عبَادَةٌ، وَالعبَادَةُ مُنَاسِبَةٌ

стр. 568

لاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، كَذَا حَكَاهُ عَنْهُ المُصَنِّفُ وَغَيْرُه، لكِنَّ الذي فِي (مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ) له: أَنَّهُ إِلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ، لِكَثْرَةِ أَشْبَاهِهِ للأَصْلِ فِي الأَوصَافِ مِنْ غَيْرِ أَن يُعْتَقَدَ أَنَّ الأَوصَافَ التي تَشَابَه الفَرْعُ فِيهَا الأَصْلَ عِلَّةٌ لحُكْمِ الأَصْلِ. ولاَ يُصَارُ إِلَى الأَخْذِ به/ (١٧٥/أَ/م) مَعَ إِمكَانِ قِيَاسِ العِلَّةِ كَمَا حكَى القَاضِي أَبُو بَكْرٍ إِجْمَاعَ النَّاسِ عَلَيْه. فإِنْ تَعَذَّرَ قِيَاسُ العِلَّةِ فَاخْتُلِفَ فِي العَمَلِ بقِيَاسِ الشَّبَه، فحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ حُجَّةٌ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: أَشَارَ إِلَى الاحْتِجَاجِ بِهِ فِي موَاضِعَ مِنْ كُتُبِه، كَقَوْلِهِ فِي إِيجَابِ النِّيَّةِ فِي الوُضُوءِ كَالتَّيَمُّمِ: طَهَارَتَانِ، فَكَيْفَ تَفْتَرِقَانِ؟! ورَدَّه القَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالصَّيْرَفِيُّ وأَبُو إِسْحَاقَ المَرْوَزِيُّ وأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، ونَازَعَ فِي صِحَّةِ القَوْلِ بِهِ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وقَالَ: إِنَّمَا أَرَادَ تَرْجِيحَ إِحدَى العِلَّتَيْنِ فِي الفَرْعِ لكَثْرَةِ الشَّبَهِ. ثُمَّ إِنَّ لقِيَاسِ الشَّبَهِ مَرَاتِبُ: أَعْلاَهَا قِيَاسُ عِلَّةِ الأَشبَاهِ فِي الحُكْمِ وَالصِّفَةِ، وهو أَنْ يَتَرَدَّدَ الفَرْعُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ ويُشْبِه أَحَدَهُمَا فِي أَكثرِ الأَحكَامِ فَيُلْحَقُ بِهِ، وعَلَيْه اعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ فِي إِيجَابِ قِيمَةِ العَبْدِ إِذَا أُتْلِفَ، بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، لِشَبَهِه/ (١٤٣/أَ/د) فِي أَكثرِ أَحْكَامِه بِالأَموَالِ، وشَبَهِه بِالأَحرَارِ قَلِيلٌ. ويَلِيهِ الشَّبَهُ الصُّورِيُّ كقِيَاسِنَا الخَيْلَ علَى البِغَالِ وَالحَمِيرِ فِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ، وقِيَاسِهِمْ فِي تَحْرِيمِ اللَّحْمِ. وقَالَ الإِمَامُ فِي (المَحْصُولِ): المُعْتَبَرُ حُصُولُ المُشَابَهَةِ فِيمَا يُظَنُّ أَنَّهُ عِلَّةُ الحُكْمِ أَو يَسْتَلْزِمُ عِلَّتَه، سَوَاءً كَانَ فِي الصُّورَةِ أَوِ الحُكْمِ، عَمَلاً بمُقْتَضَى الظَّنِّ، وظَاهِرُ كَلاَمِ المُصَنِّفِ أَنَّ هذه المَرَاتِبَ للقَائِلِينَ بحُجِّيَّتِه. ويُرَدُّ عَلَيْهِ أَن الشَّافِعِيَّ لاَ يَقُولُ بِالشَّبَه الصُّورِيِّ كَمَا بَيَّنَه ابْنُ بُرْهَانَ وَغَيْرُه.

стр. 569

تَنْبِيهٌ: تَعْبِيرُه بِالطَّرْدِ مُوَافِقٌ لِتَعْبِيرِ إِمَامِ الحَرَمَيْنِ وَالغَزَالِيِّ وَالإِمَامِ وَالبَيْضَاوِيِّ وَغَيْرِهِم، وعَبَّرَ الآمِدِيُّ بِالطَّرْدِيِّ وهو أَحْسَنُ، فإِنَّ الطَّرْدَ بِغَيْرِ يَاءٍ مِنَ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ علَى العِلِّيَّةِ عِنْدَ بَعْضِهِم كَمَا سَيَأْتِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ص: السَّابِعُ: الدَّوَرَانُ، وهو أَنْ يُوجَدَ الحُكْمُ عِنْدَ وُجُودِ وَصْفٍ ويَنْعَدِمُ عِنْدَ عَدَمِه، قِيلَ: لاَ يُفِيدُ، وَقِيلَ قَطْعِيٌّ وَالمُخْتَارُ ـ وِفَاقًا للأَكْثَرِ ـ: ظَنِّيٌّ، ولاَ يَلْزَمُ المُسْتَدِلُّ بَيَانُ نَفْيِ مَا هو أَوْلَى مِنْهُ، فإِنْ أَبْدَى المُعْتَرِضُ وَصْفًا آخَرَ تَرَجَّحَ جَانِبُ المُسْتَدِلِّ بِالتَّعْدِيَةِ وإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا إِلَى الفَرْعِ ضَرَّ عِنْدَ مَانِعِ العِلَّتَيْنِ أَو إِلَى فَرْعٍ آخَرَ طَلَبُ التَّرْجِيحِ / (١٧٥/ب/م). ش: السَّابِعُ: الدَّوَرَانُ، وهو الطَّرْدُ وَالعَكْسُ كَمَا سَمَّاه الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ. وعَرَّفَه المُصَنِّفُ بأَنْ يُوجَدَ الحُكْمُ عِنْدَ وُجُودِ وَصْفٍ ويَنْعَدِمُ عِنْدَ عَدَمِه. فَالوَصْفُ هو المَدَارُ وَالحُكْمُ هو الدَّائِرُ، وَقَدْ يُوجَدُ الدَّوَرَانُ فِي مَحَلٍّ وَاحدٍ كعَصِيرِ العِنَبِ، فإِنَّه كَانَ مُبَاحًا قَبْلَ إِسْكَارِه فَلمَّا أَسْكَرَ حَرُمَ، فلمَّا زَالَ الإِسْكَارُ بِصَيْرُورَتِه خَلاًّ عَادَ الحِلُّ، فدَارَ التَّحْرِيمُ مَعَ الإِسْكَارِ وُجُودًا وعَدَمًا، وَقَدْ يَكُونُ فِي مَحَلَّيْنِ كَالقَمْحِ لَمَّا كَانَ مَطْعُومًا جَرَى فِيهِ الرِّبَا، وَالكتَانُ لمَا لَمْ يَكُنْ مَطْعُومًا لاَ رِبَا فِيهِ، فَدَارَ جَرَيَانُ الرِّبَا مَعَ الطَّعْمِ. وعَدَلَ المُصَنِّفُ عَنْ تَعْبِيرِ البَيْضَاوِيِّ بِالبَاءِ إِلَى التَّعْبِيرِ بـ (عِنْدَ) لأَنَّهُ قَد يُتَوَهَّمُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالبَاءِ المُنَاسَبَةُ وَالكلاَم هُنَا فِي الدَّوَرَانِ المُجَرَّدِ عَنْهَا، ولو عَبَّرَ بِالانْتِفَاءِ كَمَا عَبَّرَ البَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُه لكَانَ أَوْلَى، لأَنَّهُ لاَ يُؤتَى بِالفِعْلِ مُطَاوِعًا لفِعْلٍ

стр. 570

لازِمٍ، فقَوْلُه: انْعَدَمَ: لَحْنٌ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ علَى مَذَاهِبَ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ لاَ يُفِيدُ العِلِّيَّةَ، وهو اخْتِيَارُ الآمِدِيِّ وَابْنِ الحَاجِبِ، وكلاَمُ (المَحْصُولِ) فِي الأَفعَالِ الاخْتِيَارِيَّةِ يقْتَضِيهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ يُفِيدُهَا قَطْعًا، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُفِيدُهَا ظَنًّا وهو المُخْتَارُ عِنْدَ المُصَنِّفِ، وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ، وَمِنْهُمُ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ وإِمَامُ الحَرَمَيْنِ وَالإِمَامُ الرَّازِي وَالبَيْضَاوِيُّ. قَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ: وذَهَبَ القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ إِلَى أَنَّهُ أَعلَى المَسَالِكِ المَظْنُونَةِ، وكَادَ يَدَّعِي إِفْضَاءَه إِلَى القَطْعِ، ولاَ يَلْزَمُ المُسْتَدِلُّ بِهِ بيَانُ نَفْيِ مَا هو أَوْلَى بِالعِلَّةِ مِنْهُ، ومَنِ ادَّعَى وَصْفًا آخَرَ فَعَلَيْه إِبْدَاؤُه، أَطْبَقَ علَى ذَلِكَ الجَدَلِيُّونَ. وذَهَبَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُه ذلك. قَالَ الغَزَالِيُّ: وهو بَعِيدٌ فِي حَقِّ المُنَاظِرِ، مُتَّجِهٌ فِي حَقِّ المُجْتَهِدِ، فإِنَّ عَلَيْهِ تَمَامُ النَّظَرِ لِتَحِلَّ لَهُ الفَتْوَى، فهذَا مَذْهَبٌ ثَالِثٌ. فإِذَا أَبْدَى المُعْتَرِضُ وَصْفًا آخَرَ، فإِنْ كَانَ قَاصِرًا تَرَجَّحَ الوَصْفُ الذي أَبْدَاه المُسْتَدِلُّ فإِنَّه مُتَعَدٍّ، وهو بِنَاءٌ علَى تَرْجِيحِ المُتَعَدِّيَةِ علَى القَاصِرَةِ، وإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا إِلَى الفَرْعِ المُتَنَازَعِ فِيهِ بَنَى علَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ، فإِنْ مَنَعْنَاه ضَرَّ/ (١٧٦/أَ/م) وإِلاَّ فلاَ، لِجَوَازِ اجتمَاعِ مُعَرَّفَيْنِ علَى مُعَرَّفٍ وَاحِدٍ، وإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا إِلَى فَرْعٍ آخَرَ غَيْرِ المُتَنَازَعِ فِيهِ طُلِبَ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا علَى الآخَرِ بَدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ فلو كَانَ وَصْفُ المُسْتَدِلِّ عَلَيْهِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ، ووَصْفُ المُعْتَرِضِ مُنَاسِبًا قُدِّمَ قَطْعًا.

стр. 571

ص: الثَّامن: الطَّرْدُ، وهو مُقَارَنَةُ الحُكْمِ للوَصْفِ، وَالأَكثرُ علَى رَدِّه وقَالَ عُلَمَاؤُنَا: قِيَاسُ المَعْنَى مُنَاسِبٌ وَالشَّبَه تَقْرِيبٌ وَالطَّرْدُ تَحَكُّمٌ، وَقِيلَ إِنْ قَارَنَه فِيمَا عَدَا صُورَةِ النِّزَاعِ أَفَادَ وَعَلَيْه الإِمَامُ وكَثِيرٌ، وَقِيلَ: تَكْفِي المُقَارَنَةُ فِي صُورَةٍ وقَالَ الكَرْخِيُّ: يُفِيدُ المُنَاظِرَ دُونَ النَّاظِرِ. ش: الثَّامِنُ مِنْ طُرُقِ العِلِّيَّةِ الطَّرْدُ، وهو ـ كَمَا عَرَّفَه القَاضِي أَبُو بَكْرٍ: مُقَارَنَةُ الحُكْمِ للوَصْفِ، أَي مِنْ غَيْرِ مُنَاسَبَةٍ، فإِنَّه قَالَ: الوَصْفُ المُقَارِنُ للْحُكْمِ إِن نَاسَبَه بِالذَاتِ فهو المُنَاسِبُ، أَو بِالتَّبَعِ أَي الاسْتِلزَامِ فهو الشَّبَه وإِلاَّ فهو الطَّرْدُ، كقَوْلِ مَنْ يرَى طُهُورِيَّةَ المُسْتَعْمِلِ مَائِعٍ تُبْنَى القَنْطَرَةُ علَى جِنْسِه فَصَحَّ التَّطَهُّرُ بِهِ كَالمَاءِ فِي النَّهْرِ، فبِنَاءُ القَنْطَرَةِ لَيْسَ بَيْنَه وَبَيْنَ صِحَّةِ الطَّهَارَةِ مُنَاسَبَةٌ أَصْلاً، ولمْ يُصَرِّحِ المُصَنِّفُ بنَفْيِ المُنَاسَبَةِ لِمَعْرِفَتِه ممَّا تَقَدَّمَ، وظَاهِرُ كَلاَمِه اعْتِبَارُ المُقَارَنَةِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، لكنَّ الذي ذَكَرَهُ البَيْضَاوِيُّ اعْتِبَارُ المُقَارَنَةِ فِيمَا سِوَى صُورَةِ النِّزَاعِ. وَاخْتُلِفَ فِي القَوْلِ بِهِ علَى مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا ـ وَبِهِ قَالَ الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ وَالأَكْثَرُونَ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُم إِمَامُ الحَرَمَيْنِ وَغَيْرُه ـ رَدُّهُ. وبَالَغَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي الإِنْكَارِ علَى القَائِلِ بِهِ، فقَالَ: إِنَّهُ هَازِئٌ بِالشَّرِيعَةِ، ومَثَّلَه الحُلَيْمِيُّ بِمَنْ رَأَى غُبَارًا فقَالَ: ورَاءَه حَرِيقٌ. ومَا حَكَاهُ المُصَنِّفُ عَنْ عُلَمَائِنَا هو الذي أَوْرَدَه ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي (القَوَاطِعِ) فقَالَ: قِيَاسُ المَعْنَى تَحْقِيقٌ، وَالشَّبَهُ تَقْرِيبٌ، وَالطَّرْدُ تَحَكُّمٌ.

стр. 572

الثَّانِي ـ وإِليه ذَهَبَ الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ، وعَزَاه لِكَثِيرٍ مِنْ فُقَهَائِنَا، وصَاحِبُ (الحَاصِلِ) وَالبَيْضَاوِيُّ ـ: أَنَّهُ حُجَّةٌ إِذَا قَارَنَه فِيمَا عدَا صُورَةَ النِّزَاعِ، إِلحَاقًا لِلْفَرْدِ النَّادِرِ بِالأَغْلَبِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ ولو قَارَنَه فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ/ (١٧٦/ب/م). الرَّابِعُ ـ وَبِهِ قَالَ الكَرْخِيُّ ـ: يُفِيدُ المُنَاظِرَ دُونَ النَّاظِرِ المُجْتَهِدِ، قَالَ فِي (البُرْهَانِ) وَقَدْ نَاقَضَ، إِذِ المُنَاظَرَةُ بَحْثٌ عَنِ المَآخِذِ الصَّحِيحَةِ، فإِذَا لَمْ يَصْلُحْ فِي مَذْهَبِه مَأْخَذًا/ (١٤٤/أَ/د) فهو مُرَادُ خَصْمِه فِي الجَدَلِ وَلَيْسَ فِي الجَدَلِ، مَا يُقْبَلُ مَعَ الاعْتِرَافِ بِبُطْلاَنِه. ص: التَّاسِعُ: تَنْقِيحُ المَنَاطِ، وهو أَنْ يَدُلَّ ظَاهِرٌ علَى التَّعْلِيلِ بِوَصْفٍ فَيُحْذَفُ خُصُوصُه عَنِ الاعْتِبَارِ بِالاجْتِهَادِ، ويُنَاطُ بِالأَعَمِّ أَو تَكُونُ أَوصَافٌ يُحْذَفُ بعضُهَا ويُنَاطُ بِالبَاقِي. ش: تَنْقِيحُ المَنَاطِ، أَي تَلْخِيصُ الوَصْفِ الذي نَاطَ الشَّارِعُ بِهِ الحُكْمَ وَرَبَطَه بِهِ، وهو قِسْمَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ علَى التَّعْلِيلِ بِوَصْفٍ فَيُحْذَفُ خُصُوصُ ذَلِكَ الوَصْفِ عَنِ الاعْتِبَارِ بِالاجْتِهَادِ، ويُنَاطُ بِالأَعَمِّ، كَمَا حَذَفَ المَالِكِيَّةُ وَالحَنَفِيَّةُ خُصُوصَ الجِمَاعِ فِي حَدِيثِ المُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وعَلَّقَا الكَفَّارَةَ بِوَصْفٍ عَامٍّ وهو مُطْلَقُ الإِفْطَارِ. الثَّانِي: أَن يَدُلَّ لَفْظٌ ظَاهِرٌ علَى التَّعْلِيلِ بِمَجْمُوعِ أَوصَافٍ، فَيُحْذَفُ بعْضُهَا

стр. 573

عَنْ دَرَجَةِ الاعْتِبَارِ، إِمَّا لأَنَّهُ طَرْدِيٌّ، أَوْ لِثُبُوتِ الحُكْمِ مَعَ بَقِيَّةِ الأَوصَافِ بِدُونِه، ويُنَاطُ بِالبَاقِي كتَعْيِينِ جِمَاعِ المُكَلَّفِ لاعْتِبَارِ الكَفَّارَةِ بِالأَوصَافِ المَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ الوِقَاعِ مِنْ كَوْنِه أَعْرَابِيًّا وكونُ المَوْطُوءَةِ زَوْجَةً، وَغَيْر ذَلِكَ مِنَ الأَوصَافِ الطَّرْدِيَّةِ. وَقَدْ قَالَ بتَنْقِيحِ المَنَاطِ أَكثَرُ مُنْكِرِي القِيَاسِ حتَّى إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لاَ يَقُولُ بِالقِيَاسِ فِي الكفَارَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَسْتَعْمِلُ تَنْقِيحَ المَنَاطِ فِيهَا، ويُسَمِّيهِ اسْتِدْلاَلاً. قَالَ ابْنُ التِّلْمِسَانِيِّ: وَاعْتِرَافُ مُنْكِرِي القِيَاسِ بِهِ بِنَاءً علَى أَنَّ النَّصَّ علَى التَّعْلِيلِ نَصٌّ علَى التَّعْمِيمِ. ص: أَمَّا تَحْقِيقُ المَنَاطِ فإِثبَاتُ العِلَّةِ فِي آحَادِ صُوَرِهَا كتَحْقِيقِ أَنَّ النَّبَّاشَ سَارِقٌ وتَخْرِيجُه مَرَّ. ش: تَنْقِيحُ المَنَاطِ وتَحْقِيقُ المَنَاطِ وتَخْرِيجُ المَنَاطِ مُتَقَارِبَةٌ فِي اللَّفْظِ، فَقَدْ تَشْتَبِه مَعَانِيهَا. أَمَّا تَنْقِيحُ المَنَاطِ فَقَدْ عَرَفْتَه. وأَمَّا تَحْقِيقُ المَنَاطِ فهو إِثْبَاتُ العِلَّةِ المُتَّفَقِ عَلَيْهَا فِي الصُّورَةِ المُتَنَازَعِ فِيهَا، فَالتَعْلِيلُ بِهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالقَصْدُ بَيَانُ وُجُودِهَا/ (١٧٧/أَ/م) فِي الفَرْعِ، ـ كتَحْقِيقِ أَنَّ النَّبَّاشَ سَارِقٌ، فإِنَّ عِلَّةَ قَطْعِ السَّارِقِ أَخْذُ المَالِ خِفْيَةً، وهو مَوْجُودٌ فِيه. وأَمَّا تَخْرِيجُ المَنَاطِ فَقَدْ مَرَّ فِي المُنَاسَبَةِ، وهو الاجْتِهَادُ فِي اسْتِنْبَاطِ عِلَّةِ الحُكْمِ بِطَرِيقٍ دَالَّةٍ علَى ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﵊: ((لاَ تَبِيعُوا البُرَّ بِالبُرِّ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ)) فَاسْتَنْبَطَ المُجْتَهِدُ أَنَّ العِلَّةَ الطَّعْمُ، فكأَنَّه أَخْرَجَ العِلَّةَ من خَفَاءٍ، وفِي تَنْقِيحِ المَنَاطِ هي مَذْكُورَةٌ فِي النَّصِّ فلَمْ يَسْتَخْرِجْهَا

стр. 574

بَلْ نَقَّحَ النَّصَّ وأَخَذَ مِنْهُ مَا يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ وتَرَكَ مَا لاَ يَصْلُحُ. ص: العَاشِرُ: إِلغَاءُ الفَارِقِ كإِلحَاقِ الأَمَةِ بِالعَبْدِ فِي السِّرَايَةِ وهو وَالدَّوَرَانُ وَالطَّرْدُ تَرْجِعُ إِلَى ضَرْبِ شَبَهٍ إِذْ تُحَصِّلُ الظَّنَّ فِي الجُمْلَةِ ولاَ تُعَيِّنُ جِهَةَ المَصْلَحَةِ. ش: العَاشِرُ إِلغَاءُ الفَارِقِ وهو بَيَانُ أَنَّ الفَرْعَ لَمْ يُفَارِقِ الأَصْلَ إِلاَّ فِيمَا لاَ يُؤَثِّرُ فَيَلْزَمُ اشْتِرَاكُهُمَا/ (١٤٤/ب/د) فِي المُؤَثِّرِ، وهو ضِدُّ قِيَاسِ العِلَّةِ لِتَعْيِينِ الجَامِعِ هنَاك، وَالفَارِقِ هُنَا كإِلْحَاقِ الأَمَةِ بِالعَبْدِ فِي سِرَايَةِ العِتْقِ التي دَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُه ﵊: ((مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ)) وهذَا الإِلْحَاقُ لاَ يَصِلُ إِلَى دَرَجَةِ القَطْعِ، لاحْتِمَالِ أَن لاَ يُلاَحَظَ فِي العَبْدِ استِقْلاَلُه بمَا لَيْسَ لَهُ من وَظَائِفِ المَرْأَةِ كَالجِهَادِ وَالجُمُعَةِ وَغَيْرهَا، نَعَمْ مِثْلَ قَوْلِه ﵊: ((لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ)) يُقْطَعُ فِيهِ بإِلحَاقِ البَوْلِ فِي إِنَاءٍ وصَبِّه بِهِ، وَالتَّغَوُّطُ فِيهِ بِالمَنْصُوصِ عَلَيْه. وَقَدْ جَعَلَ البَيْضَاوِيُّ تَنْقِيحَ المَنَاطِ، هو إِلْغَاءُ الفَارِقِ، وغَايَرَ المُصَنِّفُ بَيْنَهُمَا، وقدَّمَ تَنْقِيحَ المَنَاطِ لاعْتِضَادِه بظَاهِرٍ فِي التَّعْلِيلِ مَجْمُوعِ أَوصَافٍ، لكنْ قَد يَكُونُ دَلِيلُ نَفْيِ الفَارِقِ قَطْعِيًّا فَيَكُونُ أَقْوَى مِنْ تَنْقِيحِ المَنَاطِ. ثم ذَكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّ إِلغَاءَ الفَارِقِ وَالدَّوَرَانَ وَالطَّرْدَ يَرْجِعُ إِلَى نَوْعٍ مِنَ الشَّبَه فإِنَّهَا اشْتَرَكَتْ فِي حُصُولِ الظَّنِّ فِيهَا فِي الجُمْلَةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ جِهَةِ المَصْلَحَةِ وهذَا حَقِيقَةُ الشَّبَهِ.

стр. 575

ص: خَاتِمَةٌ لَيْسَ تَأَتِّي القِيَاسِ بِعِلِّيَّةِ وَصْفٍ، ولاَ العَجْزُ عَنْ إِفْسَادِهِ دَلِيلُ عِلِّيَّتِه علَى الأَصَحِّ/ (١٧٧/ب/م) فِيهمَا. ش: ذَكَرَ فِي هذه الخَاتِمَةِ أَمْرَيْنِ، ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الأُصُولِ أَنهمَا يَدُلاَّنِ علَى العِلِّيَّةِ، وَالصَّحِيحُ خِلاَفُه. الأَوَّلُ: أَنْ يُقَالَ: إِذَا كَانَ هذَا الوَصْفُ عِلَّةَ تَأَتِّي القِيَاسِ علَى النّصِّ، وإِذَا لَمْ يكُنْ عِلَّةَ تَعَذُّرِ القِيَاسِ عَلَيْهِ، وَالعَمَلُ بمَا يَسْتَلْزِمُ امْتِثَالَ الأَمرِ بِالقِيَاسِ أَولَى، وهو مَرْدُودٌ بِلُزُومِ الدَّوْرِ، فإِنَّ صِحَّةَ القِيَاسِ تَتَوَقَّفُ علَى عِلِّيَّةِ النَّصِّ فلو أَثْبَتْنَا عِلِّيَّتَه بِهِ لَزِمَ الدَّوْرُ. الثَّانِي ـ وهو مَحْكِيٌّ عَنِ الأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ ـ: أَن يُقَالَ: إِذَا عَجَزْنَا عَنْ إِقَامَةِ الدَّلِيلِ علَى إِفْسَادِ التَّعْلِيلِ بِوَصْفٍ دَلَّ ذَلِكَ علَى أَنَّهُ عِلَّةٌ، وهو مَرْدُودٌ، فإِنَّه لَمْ يَتِمَّ دَلِيلٌ علَى أَنَّهُ عِلَّةٌ فَكَيْفَ تَثْبُتُ عِلِّيَّتُه بِلاَ دَلِيلٍ؟! ص: القوَادِحُ: مِنْهَا تَخَلُّفُ الحُكْمِ عَنِ العِلَّةِ وِفَاقًا للشَّافِعِيِّ، وسَمَّاه النَّقْضَ، وقَالتِ الحَنَفِيَّةُ، لاَ يَقْدَحُ، وسَمَّوْهُ تَخْصِيصَ العِلَّةِ وَقِيلَ: لاَ فِي المُسْتَنْبَطَةِ، وَقِيلَ: عَكْسُه، وَقِيلَ: يَقْدَحُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لِمَانِعٍ أَو فَقْدِ شَرْطٍ وعَلَيْه أَكْثَرُ فُقَهَائِنَا، وَقِيلَ: يَقْدَحُ إِلاَّ أَنْ يَرِدَ علَى جَمِيعِ المَذَاهِبِ كَالعَرَايَا، وعَلَيْه الإِمَامُ وَقِيلَ: يَقْدَحُ فِي الحَاظِرَةِ، وَقِيلَ: فِي المَنْصُوصَةِ إِلاَّ بِظَاهِرٍ عَامٍّ، وَالمُسْتَنْبَطَةِ إِلاَّ لِمَانِعٍ أَو فَقْدِ شَرْطٍ وقَالَ الآمِدِيُّ، إِنْ كَانَ التَّخَلُّفُ لِمَانِعٍ أَو فَقْدِ شَرْطٍ أَو فِي مَعْرِضِ الاسْتِثْنَاءِ أَو كَانَتْ مَنْصُوصَةً بمَا لاَ يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ ـ لَمْ يَقْدَحْ،

стр. 576

وَالخِلاَفُ مَعْنَوِيٌّ لاَ لَفْظِيٌّ خِلاَفًا لابْنِ الحَاجِبِ، ومِنْ فُرُوعِه التَّعْلِيلُ بِعِلَّتَيْنِ وَالانْقِطَاعُ وَانْخِرَامُ المُنَاسَبَةِ بِمَفْسَدَةٍ وَغَيْرِهَا. ش: لَمَّا فَرَغَ مِنْ/ (١٤٥/أَ/د) ذِكْرِ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ علَى العِلِّيَّةِ شَرَعَ فِي ذِكْرِ مُبْطِلاَتِهَا، وأَرَادَ بِالقَوَادِحِ مَا يَقْدَحُ فِي الدَّلِيلِ بجُمْلَتِه، سَوَاءً العِلَّةُ وَغَيْرُهَا: الأَوَّلُ: النَّقْضُ ويُسَمَّى تَخْصِيصُ العِلَّةِ، وهو تَخَلُّفُ الحُكْمِ عَنِ الوَصْفِ المُدَّعَى عِلِّيَّتُه، وفِي القَدْحِ بِهِ مَذَاهِبُ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَادِحٌ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَه المُصَنِّفُ وعَزَاهُ للشَّافِعِيِّ ﵁، اعْتِمَادًا علَى قَوْلِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ فِي (القَوَاطِعِ) إِنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وجَمِيعُ أَصْحَابِه إِلاَّ القَلِيلَ مِنْهُم، لكِنْ قَالَ الغَزَالِيُّ فِي (شِفَاءِ الغَلِيلِ) إِنَّه/ (١٧٨/أَ/م) لاَ يُعْرَفُ لَه فِيهِ نَصٌّ، ومُقْتَضَى إِطْلاَقِ المُصَنِّفِ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ العِلَّةُ مَنْصُوصَةً قَطْعًا أَو ظَنًّا أَو مُسْتَنْبَطَةً، وسَوَاءً كَانَ التَّخَلُّفُ لِفَقْدِ شَرْطٍ أَو لِوُجُودِ مَانِعٍ أَو لاَ، وَالحَاصِلُ من ذَلِكَ تِسْعَةُ أَقْسَامٍ، لأَنَّهَا الخَارِجُ مِنْ ضَرْبِ ثَلاَثَةٍ فِي ثَلاَثَةٍ. ثَانِيهَا: أَنَّهُ غَيْرُ قَادِحٍ مُطْلَقًا، وعَزَاهُ المُصَنِّفُ لِلْحَنَفِيَّةِ، وأَنَّهُمْ لاَ يُسَمُّونَه نَقْضًا بَلْ تَخْصِيصًا للِعِلَّةِ، لكِنَّ ابْنَ السَّمْعَانِيِّ إِنَّمَا حَكَاهُ عَنِ العِرَاقِيِّينَ مِنْهُم، قَالَ: وَادَّعَى أَبُو زَيْدٍ أَنَّهُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وأَصْحَابِهِ. قَالَ: وأَمَّا الخُرَاسَانِيُّونَ مِنْهُم فقَالوا بِالأَوَّلِ، حتَّى قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ المَاتُرِيدِيُّ: تَخْصِيصُ العِلَّةِ بَاطِلٌ، ومَنْ قَالَ بِهِ فَقَدْ وَصَفَ اللَّهَ بِالسَّفَهِ وَالعَبَثِ، فأَيُّ فَائِدَةٍ فِي وُجُودِ العِلَّةِ ولاَ حُكْمَ؟! ثَالِثُهَا: أَنَّهُ يَقْدَحُ فِي المُسْتَنْبَطَةِ كَتَعْلِيلِ القِصَاصِ بِالقَتْلِ العَمْدِ العُدْوَانِ،

стр. 577

مَعَ انْتِفَائِه فِي قَتْلِ الأَبِ دُونَ المَنْصُوصَةِ، كَقَوْلِهِ ﵊: (إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ) مَعَ القَوْلِ بِعَدَمِ النَّقْضِ بِالخَارِجِ النَّجِسِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ. رَابِعُهَا: عَكْسُه، كَذَا حَكَاهُ المُصَنِّفُ تَبَعًا لابْنِ الحَاجِبِ، لكِنْ قَالَ فِي شَرْحِه: إِنَّ مُرَادَه لاَ يَقْدَحُ فِي المُسْتَنْبَطَةِ إِذَا كَانَ لِمَانِعٍ أَو عَدَمِ شَرْطٍ دُونَ المَنْصُوصَةِ. خَامِسُهَا: أَنَّهُ يَقْدَحُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لِمَانِعٍ أَو فَقْدِ شَرْطٍ فَلاَ يَقْدَحُ مُطْلَقًا، سَوَاءً العِلَّةُ المَنْصُوصَةُ وَالمُسْتَنْبَطَةُ، وهو اخْتِيَارُ البَيْضَاوِيِّ وَالصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ، وعَزَاهُ المُصَنِّفُ لأَكْثَرِ فُقَهَائِنَا. سَادِسُهَا: أَنَّهُ يَقْدَحُ مُطْلَقًا إِلاَّ أَنْ يَرِدَ علَى سَبِيلِ الاسْتِثْنَاءِ، ويَعْتَرِضُ علَى جَمِيعِ المَذَاهِبِ كَالعَرَايَا وهو بَيْعُ الرُّطَبِ علَى رُؤُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ أَوِ العِنَبِ علَى الكَرْمِ بِالزَّبِيبِ فإِنَّه نَاقِضٌ لِجَمِيعِ العِلَلِ التي عُلِّلَ بِهَا الرِّبَا، وهي الطَّعْمُ أَوِ القُوتُ أَوِ الكَيْلُ أَوِ المَالُ، وعَزَاهُ المُصَنِّفُ للإِمَامِ، وَقَدْ حَكَاهُ فِي (المَحْصُولِ) عَن قَوْمٍ، وَاقْتَضَى كَلاَمُه مُوَافَقَتَهُم. وقَالَ فِي (الحَاصِلِ): إِنَّهُ الأَصَحُّ، وجَزَمَ بِهِ فِي (المِنْهَاجِ) وَاقْتَضَى كَلاَمُه أَنَّهُ لَيْسَ من مَحَلِّ الخِلاَفِ. سَابِعُهَا: أَنَّهُ إِن كَانتِ العِلَّةُ عِلَّةَ حَظْرٍ/ (١٧٨/ب/م) قَدَحَ فِيهَا، وإِلاَّ فلاَ، حَكَاهُ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَنْ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ. ثَامِنُهَا: أَنَّهُ إِن كَانتِ العِلَّةُ مَنْصُوصَةً قَدَحَ النَّقْضُ فِيهَا، إِلاَّ إِذَا كَانتْ بِظَاهِرٍ عَامٍّ، وإِنَّمَا قَالَ: بِظَاهِرٍ لأَنَّهُ (١٤٥/ب/د) ولو كَانَ بقَاطِعٍ لمْ يَتَخَلَّفِ الحُكْمُ عَنْهُ، وإِنَّمَا قَالَ: عَامٍّ لأَنَّهُ لو كَانَ خَاصًّا بِمَحَلِّ الحُكْمِ لَمْ يَثْبُتِ التَّخَلُّفُ، وهو خِلاَفُ المُقَدَّرِ، وإِن كَانتْ مُسْتَنْبَطَةً قَدَحَ فِيهَا، إِلا إِذَا كَانَ التَّخَلُّفُ لمَانِعٍ أَو انْتِفَاءِ شَرْطٍ،

стр. 578

وَاختَارَه ابْنُ الحَاجِبِ. تَاسِعُهَا: أَنَّهُ إِن كَانَ التَّخَلُّفُ لمَانعٍ أَو فَقْدِ شَرْطٍ أَو فِي مَعْرِضِ الاستثنَاءِ أَو كَانتْ مَنْصُوصَةً بمَا لاَ يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، لَمْ يَقْدَحْ وإِلاَّ قَدَحَ، وَبِهِ قَالَ الآمِدِيُّ. ولاَ يُقَالُ: كَيْفَ يَقْبَلُ النَّصُّ التَّأْوِيلَ؟ لأَنَّ مُرَادَه بِالنَّصِّ مَا هو أَعَمُّ مِنَ الصَّرِيحِ، وَالظَاهِرُ يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ. ثم اخْتُلِفَ فِي أَنَّ هذَا الخِلاَفَ لَفْظِيٌّ أَو مَعْنَوِيٌّ؟ فقَالَ بَالأَوَّلِ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ، وَابْنُ الحَاجِبِ، للاتِّفَاقِ مِمَّنْ جَوَّزَ تَخْصِيصَ العِلَّةِ ومِمَّنْ مَنَعَه علَى أَنَّ اقْتِضَاءَ العِلَّةِ للْحُكْمِ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ عَدَمِ المُخَصَّصِ، فلو ذَكَرَ القَيْدَ فِي ابْتِدَاءِ التَّعْلِيلِ لاسْتَقَامَتِ العِلَّةُ، فَرَجَعَ الخِلاَفُ إِلَى أَنَّ القَيْدَ العَدَمِيَّ هَلْ يُسَمَّى جُزْءَ عِلَّةٍ أَمْ لاَ؟ وقَالَ بَالثَّانِي الإِمَامُ فِي (المَحْصُولِ) وقَالَ: إِذَا فَسَّرْنَا العِلَّةَ بِالدَّاعِي أَو المُوجِبَ لَمْ نَجْعَلِ العَدَمَ جُزْءًا مِنَ العِلَّةِ، بَلْ كَاشِفًا عَن حُدُوثِ جُزْءِ العِلَّةِ، ومَنْ جَوَّزَ التَّخْصِيصَ لاَ يَقُولُ بذلك، وإِنْ فَسَّرْنَاهَا بِالأَمَارَةِ ظَهَرَ الخِلاَفُ فِي المَعْنَى أَيضًا، فإِنَّ مَنْ أَثْبَتَ العِلَّةَ بِالمُنَاسَبَةِ متَى وَجَدَ فِي ذَلِكَ القَيْدِ العَدَمِيِّ مُنَاسَبَةً صَحَّحَ العِلَّةَ وإِلاَّ أَبْطَلَهَا، وَمَنْ جَوَّزَ التَّخْصِيصَ لاَ يُطْلَبُ مِنْهُ مُنَاسَبَةٌ، وَاختَارَه المُصَنِّفُ وقَالَ: يظْهَرُ الخِلاَفُ فِي المَعْنَى فِي أُمُورٍ: أَحَدُهَا: التَّعْلِيلُ بِعِلَّتَيْنِ وَقَدْ سَبَقَ. ثَانِيهَا: انْقطَاعُ الخَصْمِ وأَنَّهُ لاَ تُسْمَعُ دَعْوَاه بعد ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ بِاللَّفْظِ المُطْلَقِ مَا وَرَاءَ مَحَلِّ النَّقْضِ، لأَنَّهُ يُشْبِه الدَّعْوَةَ بَعْدَ الإِقرَارِ، وَمَنْ جَوَّزَ التَّخْصِيصَ قُبِلَ دَعْوَاه. قَالَ الشَّارِحُ: وفِيهِ نَظَرٌ، ففِي (البُرْهَانِ) لإِمَامِ الحَرَمَيْنِ: المُخْتَارُ أَنَّهُ

стр. 579

لاَ يَكُونُ مُنْقَطِعًا لكِنَّه خَالَفَ الأَحْسَنَ، إِذْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشِيرَ إِليهِ. ثَالِثُهَا: انْخِرَامُ المُنَاسَبَةِ بِمَفْسَدَةٍ وَغَيْرِهَا. ص: وجَوَابُه مَنْعُ وُجُودِ العِلَّةِ أَو انْتِفَاءُ الحُكْمِ إِن لَمْ يكُنِ انْتِفَاؤُه مَذْهَبَ المُسْتَدِلِّ وعِنْدَ مَنْ يَرَى الموَانِعَ/ (١٧٩/أَ/م) بَيَانُهَا. ش: لَمَّا بَيَّنَ النَّقْضَ وذَكَرَ الخِلاَفَ فِي قَدْحِه شَرَعَ فِي بَيَانِ أَجْوِبَتِه التي تَدْفَعُ بِهَا، وذَكَرَ مِنْهَا ثَلاَثَةً. أَحَدُهَا: أَن يَمْنَعَ المُسْتَدِلُّ وُجُودَ العِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، لاَ عِنَادًا ومُكَابَرَةً بَلْ بأَنْ يُبْدِي فِي العِلَّةِ قَيْدًا مُعْتَبَرًا فِي الحُكْمِ، مَوْجُودًا فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ مَفْقُودًا فِي صُورَةِ النَّقْضِ، كَقَوْلِنَا فِي النَّبَّاشِ، آخِذٌ لِنِصَابٍ مِنْ حِرْزٍ مِثْلِه عُدْوَانَا فهو سَارِقٌ يَسْتَحِقُّ القَطْعَ، فإِنْ نَقَضَ بِمَا إِذَا سَرَقَ الكَفَنَ مِنْ قَبْرٍ فِي مَفَازَةٍ حَيْثُ لاَ يَجِبُ القَطْعُ فِي الأَصَحِّ، فَجَوَابُه: أَنَّ هذَا لَيْسَ فِي حِرْزٍ مِثْلِه. ثَانِيهَا: مَنْعَ انْتِفَاءِ الحُكْمِ فِي الصُّورَةِ المَنْقُوضِ بِهَا، كَقَوْلِنَا: السَّلَمُ عَقْدُ/ (١٤٦/أَ/د) مُعَاوَضَةٍ فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّأْجِيلُ بَلْ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ حَالاً، فإِنْ نَقَضَ بِالإِجَارَةِ لِكَوْنِهَا عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ، وَالتَّأْجِيلُ شَرْطٌ فِيهَا، فَجَوَابُه إِنَّ اشْتِرَاطَ الأَجَلِ فِي الإِجَارَةِ لَيْسَ لِصِحَّةِ العَقْدِ بَلْ لِيَسْتَقِرَّ المَعْقُودُ عَلَيْهِ وهو المَنْفَعَةُ، فإِنَّ اسْتِقْرَارَ المَنْفَعَةِ فِي الحَالِ وهي مَعْدُومَةٌ بِحَالٍ، ولاَ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِه شَرْطًا فِي اسْتِقْرَارِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ، فَلَمْ يُشْتَرَطِ الأَجَلُ فِي صِحَّةِ الإِجَارَةِ، وَمَحَلُّ صِحَّةِ الجوَابِ بِذَلِكَ أَنْ لاَ يَكُونَ انْتِفَاؤُه فِي صُورَةِ النَّقْضِ مَذْهَبَ المُسْتَدِلِّ، فأَمَّا إِذَا كَانَ مَذْهَبَ المُسْتَدِلِّ فَلَيْسَ لَهُ الجوَابُ بِهِ، سَوَاءً كَانَ مَذْهَبَ المُعْتَرِضِ أَيضًا أَمْ لاَ.

стр. 580

ثَالِثُهَا: أَنْ يُبَيِّنَ المُسْتَدِلُّ فِي صُورَةِ النَّقْضِ مَانِعًا يَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ الحُكْمِ فِيهَا، فَيُبْطِلُ النَّقْضَ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ تَخَلُّفَ الحُكْمِ لِمَانِعٍ لاَ يَقْدَحُ كَقَوْلِنَا: يَجِبُ القِصَاصُ فِي القَتْلِ بِالمُثْقَلِ كَالمُحَدَّدِ، فإِنْ نَقَضَ بِقَتْلِ الأَبِ ابْنَه فإِنَّ الوَصْفَ مَوْجُودٌ فِيهِ مَعَ تَخَلُّفِ الحُكْمِ، فَجَوَابُه أَنَّ ذَلِكَ لِمَانِعٍ وهو كَوْنُه كَانَ سَبَبًا لإِيجَادِه فَلاَ يَكُونُ هو سَبَبًا لإِعْدَامِه. ص: وَلَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ الاسْتِدْلاَلُ علَى وُجُودِ العِلَّةِ بِهِ عِنْدَ الأَكْثَرِ للاَنْتِقَالِ، وقَالَ الآمِدِيُّ: مَا لَمْ يَكُنْ دَلِيلٌ أَولَى بِالقَدْحِ، ولوْ دَلَّ علَى وُجُودِهَا بمَوْجُودٍ فِي مَحَلِّ النَّقْضِ، ثُمَّ مَنَعَ وُجُودَهَا فقَالَ: %%% يُنْتَقَضُ دليلُكَ، فَالصوَابُ أَنَّهُ لاَ يُسمَعُ لانتقَالِه من نَقْضِ العِلَّةِ إِلَى نقْضِ دليلِهَا. ش: إِذَا مَنَعَ المُسْتَدِلُّ وُجُودَ العِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ فَهَلْ لِلْمُعْتَرِضِ الاستدلاَلُ علَى وُجُودِهَا؟ فِيهِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا ـ وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ، وجزَمَ بِهِ الإِمَامُ فخرُ الدَّين وَالبَيْضَاوِيُّ ـ أَنَّهُ لَيْسَ له ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ انتقالٌ عَنِ المَقْصُودِ قَبْلَ تمَامِ الكلاَمِ فِيه إِلَى غيرِه. الثَّانِي: (١٧٩/ب/م) لَهُ ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ متمِّمٌ للنقضِ. الثَّالِثُ ـ وَبِهِ قَالَ الآمِدِيُّ ـ: إِنَّهُ إِنْ تَعَيَّنَ ذَلِكَ طريقًا لِلْمُعْتَرِضِ فِي دفْعِ كلاَمِ المُسْتَدِلِّ وَجَبَ قَبُولُهُ، وإِنْ أَمكنَهُ القَدْحُ بطريقٍ آخرَ هو أَفضَى إِلَى المَقْصُودِ فلاَ، فإِذَا قُلنَا بَالأَوَّلِ، فأَقَامَ المُسْتَدِلُّ الدَّلِيلَ علَى وُجُودِ العِلَّةِ فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ، وكَانَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ دَالاًّ علَى وُجُودِهَا فِي مَحَلِّ النقْضِ لكن قَد مَنَعَ المُسْتَدِلُّ وُجُودَهَا فِي مَحَلِّ النَّقْضِ فقَالَ له المُعْتَرِضُ: ينتقِضُ دليلُك،

стр. 581

كقولِ الحَنَفِيِّ: يصِحُّ صومُ رمضَانَ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزّوَالِ للإِمسَاكِ وَالنيَّةُ، فِينقُضُهُ الشَّافِعِيُّ بِالنيَّةِ بعد الزَّوَالِ، فإِنَّهَا لاَ تكفِي، فِيمْنَعُ الحَنَفِيُّ وُجُودَ العِلَّةِ فِي هذه الصورةِ، فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: مَا أَقمتُه دَلِيلاً علَى وُجُودِ العِلَّةِ فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ دَالٌّ علَى وُجُودِهَا فِي صُورَةِ النقضِ ـ: فَهَلْ يُسْمَعُ ذلك؟ فِيه مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا ـ وهو الذي صوَّبَهُ المُصَنِّفُ وَاختَارَه الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ وَالصفِيُّ الهِنْدِيُّ / (١٤٦/ب/د): أَنَّهُ لاَ يُسْمَعُ، لأَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ نقضِ العِلَّةِ إِلَى نقضِ دليلِهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُسْمَعُ، وهو ظَاهرُ عبَارةِ (المَحْصُولِ) فإِنَّه علَّلَ المَنْعَ فِيمَا تقدَّمَ بأَنَّهُ نقلَ إِلَى مسأَلةٍ أُخْرَى، ثُمَّ قَالَ: بلَى، لو قَالَ المُعْتَرِضُ: مَا دَلَلْتُ بِهِ إِلَى آخرِهِ، لكَانَ نقضًا للدليلِ فَيَكُونُ انتقَالاً مِنَ السّؤَالِ الذي بدأَ بِهِ إِلَى غَيْرِه انْتَهَى. فلم يَجْعَلْه انتقَالا إِلَى مسأَلةٍ أُخْرَى بَلْ إِلَى سؤَالٍ آخرَ، فدلَّ علَى قبولِهِ، ويدلُّ عَلَيْهِ تعبيرُه بِقَوْلِهِ: (بلَى) وعبَارةُ البَيْضَاويِّ: فَهَلْ نقَلَ إِلَى نقضِ الدَّلِيلِ، وَلَيْسَ فِيهِ إِفصَاحٌ بحكمِه، لكنَّ الأَقربَ إِلَى الفهمِ مِنْ كلاَمِه أَنَّهُ غَيْرُ مقبولٍ، لأَنَّهُ علَّلَ مَنْعَ المُعْتَرِضِ مِنْ إِقَامةِ الدَّلِيلِ علَى وُجُودِهِ بأَنَّهُ نَقَلَ، فدلَّ علَى أَن النَّقلَ غَيْرُ مقبولٍ مُطْلَقًا، ويحتمِلُ أَنْ يَكُونَ معنَى كلاَمِه أَنَّ النَّقْلَ فِي هذه الصُّورَةِ مقبولٌ لِكَوْنِهِ لَيْسَ انتقَالاً إِلَى مسأَلةٍ أُخْرَى، وعليه جرَى الشّيرَازِيُّ فِي شرحِهِ. تَنْبِيهٌ: لو قَالَ المُعْتَرِضُ: يَلْزَمُكَ إِمَّا نقضُ العِلَّةِ أَو نقضُ الدَّلِيلِ الدَّالِ علَى وُجُودِهَا فِي الفَرْعِ ـ كَانَ مقبولاً يحتَاجُ المُسْتَدِلُّ إِلَى الجوَابِ عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 582

ص: وَلَيْسَ لَهُ الاستدلاَلُ: (١٨٠/أَ/م) علَى تَخَلُّفِ الحُكْمِ وثَالِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلٌ أَولَى. ش: إِذَا مَنَعَ المُسْتَدِلُّ تَخَلُّفَ الحُكْمِ عَنِ العِلَّةِ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ إِن كَانَ عدمُ الحُكْمِ فِي صُورَةِ النقضِ مجمعًا عَلَيْهِ أَو مَذْهَبَهُ، وإِلاَّ سُمِعَ، وحيثُ سُمِعَ مِنْهُ فَهَلْ لِلْمُعْتَرِضِ إِقَامةُ الدَّلِيلِ علَى تخلُّفِ الحُكْمِ؟ فِيه مَذَاهِبُ: أَحدُهَا: المنعُ، وعليه أَكثرُ النظَارِ، لمَا فِيهِ مِنْ قَلْبِ القَاعدةِ بَانقلاَبِ المُسْتَدِلِّ معترضًا وَالمُعْتَرِضِ مستدلاً. وَالثَّانِي: الجوَازُ، فإِن بِذَلِكَ يتحقَّقُ نقضُ العِلَّةِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يكنُ لَهُ طريقٌ أَوْلَى بِالقدحِ فِي كلاَمِ المُسْتَدِلِّ من ذَلِكَ، فإِنْ كَانَ لَهُ طريقٌ أَفضَى إِلَى المَقْصُودِ فلاَ. ص: ويجبُ الاحترَازُ مِنْهُ علَى المُنَاظِرِ مُطْلَقًا، وعلَى النَّاظرِ إِلا فِيمَا إِذَا اشْتَهَر مِنَ المستثنيَاتِ فصَار كَالمَذْكُورِ، وَقِيلَ: يجِبُ مُطْلَقًا وَقِيلَ: إِلا فِي المستثنيَاتِ مُطْلَقًا. ش: إِذَا قُلْنَا: إِن النَّقْضَ قَادِح فَهَلْ يجِبُ علَى المُسْتَدِلِّ الاحترَازُ عَن دليلِه مِنْهُ ابتدَاءً أَمْ لاَ؟ فِيه أَقوَالٌ: أَحَدُهَا ـ وهو اختيَارُ المُصَنِّفِ ـ: أَنَّهُ يجِبُ الاحترَازُ مِنْهُ علَى المُنَاظِرِ مُطْلَقًا، وأَمَّا النَّاظرُ المُجْتَهِدُ فِيجِبُ عَلَيْهِ أَيضًا، إِلا أَنْ يَكُونَ مشتهرًا فِينزِلُ شهرتَه منزلةَ ذِكْرَهِ فَلاَ يحتَاجُ إِلَى التّصريحِ بِهِ.

стр. 583

الثَّانِي: وُجُوبُ الاحترَازِ مِنْهُ مُطْلَقًا؛ لأَنَّهُ مطَالَبُ بِالمعرَّفِ للحكمِ، وَلَيْسَ هذَا الوَصْف فقط بَلْ هو مَعَ عدمِ المَانعِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ يجِبُ إِلا فِي الصورِ المستثنَاةِ مِنَ القَاعدةِ كَالعرَايَا. الرَابِعُ: أَنَّهُ لاَ يجِبُ مُطْلَقًا؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُطْلَبُ مِنْهُ ذِكْرُ الدَّلِيلِ، وأَمَّا نَفْيُ المَانعِ فمِنْ قبيلِ دَفْعِ المُعَارِضِ فَلَمْ يَجِبْ، وَحَكَاهُ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ عن/ (١٤٧/أَ/د) الأَكثرينَ. ص: ودعوَى صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَو مُبْهَمَةٍ أَو نفِيهَا ينتقِضُ بِالإِثبَاتِ أَو النفيِ العَامَّيْنِ وبَالعَكْسِ. ش: فِي هذه الجُمْلَةِ ذِكْرُ مَا يتَّجِهُ مِنَ النّقوضِ ويستحِقُّ الجوَابُ، ومَا لَيْسَ كذلك، وتقديرُ كلاَمِه أَن دعوَى الحُكْم قَد يَكُونُ فِي بعضِ/ (١٨٠/ب/م) الصورِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي جميعِهَا. الحَالةُ الأُولَى: أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ الصّورِ، فقد يَكُونُ فِي صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ فِي صُورَةٍ مُبْهَمَةٍ، وعلَى كِلَا التقْدِيرَيْنِ فقد يَكُونُ المُدَّعَى ثُبُوتَ الحُكْمِ وَقَدْ يَكُونُ نَفْيُهُ، فهذه أَربعُ صُورٍ: الأُولَى: دعوَى ثُبُوتِهِ فِي صُورَةٍ معيَّنَةٍ فِينقضُه النفْيُ فِي جَمِيعِ الصورِ؛ لأَنَّ نقيضَ الموجبةِ الجزئيَّةِ: سَالبةٌ كُلِّيَّةٌ، ولاَ ينتقِضُ بِنَفْيِهِ عَن بَعْضِ الصورِ لِعَدَمِ تنَاقضِ الجُزْئَيْنِ، وذلك كقولِ الحَنَفِيِّ فِي جريَانِ القصَاصِ بَيْنَ المُسْلِمِ وَالذميِّ مَعَ العَمْدِ: مَحْقُونَا الدَّمِ فجرَى بَيْنَهُمَا القصَاصِ كَالمسلمينِ فِينتقِضُ بِالأَبِ وَالابْنِ فإِنَّهُمَا مَحْقُونَا الدَّمِ ولاَ يجِبُ القصَاصُ علَى الأَبِّ بقتلِ الابنِ. الثَانِيَةُ: دعوَى ثُبُوتِهِ فِي صُورَةٍ مبهمةٍ، وينقضِه النّفِيَ العَامَّ كَالتي قبلَهَا، كَمَا لو قِيلَ: إِنسَان ٌمَا كَاتِبٌ، فَيَنْقُضُه النَّفْيُ العَامُّ كَقَوْلِنَا: لاَ شَيْءَ مِنَ الإِنسَانِ

стр. 584

بكَاتبٍ. الثَالثةُ: دعوَى نفِيه عَن صُورَة معيَّنَةٍ فِيَنْقُضُه الإِثبَاتُ فِي جَمِيعِ الصورِ لاَ فِي بعضِهَا، لمَا بيَّنَّا مِنْ تنَاقضِ الجزئيَّةِ وَالكليَّةِ دُونَ الجزئيَّيْنِ، كقولِ القَائلِ: النَّبِيذُ غَيْرُ نجسٍ قِيَاسًا علَى خَلِّ الزّبيبِ، فِينقُضُهُ أَنَّ كلَّ نبيذٍ مُسْكِرٍ، وكلُّ مُسْكِرٍ نَجِسٌ. الرَابعةُ: دعوَى نفِيه عَن صُورَةِ مُبْهَمَةٍ وهو كَالذي قبلَه، كقولِ القَائلِ: إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ نَهْرُ نفسِه بنهرِ غَيْرِه لَمْ يحلَّ الشّربُ مِنْ وَاحدٍ مِنْهُمَا، كَمَا لو اشتبَه عَلَيْهِ ظرفُ مَائِهِ بظرفِِ مَاءِ غَيْرِه بجَامعِ الاشتبَاهِ فِينقِضُ بحلِّ الشُّرْبِ من نهرِ غَيْرِه الجَاري علَى الأَصحِّ. وَقَوْلُهُ: (ينتقِضُ بِالإِثبَاتِ أَو النَّفْيُ) لَفٌّ وَنَشْرٌ غَيْرُ مُرَتَّبِ الأَوَّلِ للثَاني، وَالثَّانِي للأَوَّلِ، فإِنَّ النَّقْضَ بِالإِثبَاتِ رَاجِعٌ لصورةِ النَّفْيِ، وبِالنفِي رَاجعٌ لصورةِ الإِثبَاتِ، فلو قَالَ بِالنَّفْيِ أَو الإِثبَاتِ لكَانَ أَوْلَى. الحَالةُ الثَانِيَةُ: دعوَى ثُبُوتِ الحُكْمِ فِي جَمِيعِ الصورِ أَو نفِيه فِي جميعِهَا أَيضًا، وَالأَوَّلُ ينتقِضُ بِالنَّفْيِ فِي صُورَةِ مُعَيَّنَةٍ (١٨١/أَ/م) أَو مُبْهَمَةٍ، وَالثَّانِي: ينتقِضُ بِالإِثبَاتِ فِي صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَو مُبْهَمَةٍ. فهذه أَربعُ صُوَرٍ أَشَارَ المُصَنِّفُ إِليهَا بِقَوْلِهِ: (وبَالعَكْسِ) وكلاَمُهُ إِنَّمَا هو فِيمَا إِذَا كَانَ المَقْصُودُ إِثبَاتَ الحُكْمِ أَو نفْيُهُ فَقَطْ، فإِن كَانَ المَقْصُودُ الأَمرينِ معًا وجَبَ كَوْنُ الحُكْمِ مُطَّرِدًا منعكسًا مَعَ عِلَّتِهِ كَالحدِّ مَعَ المحدودِ فِينتقِضُ بِثُبُوتِ الحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الوَصْفِ وبِعَدَمِهِ عِنْدَ ثُبُوتِهِ. ص: وَمِنْهَا الكسرُ قَادِحٌ علَى الصّحيحِ؛ لأَنَّهُ نقضُ المَعْنَى وهو إِسقَاطُ وصفٍ/ (١٤٧/ب/د) مِنَ العِلَّةِ إِمَّا مَعَ إِبدَالِهِ كَمَا يُقَالُ فِي الخوفِ: صلاَةٌ يجِبُ قضَاؤُهَا، فِيجِبُ أَدَاؤُهَا كَالأَمْنِ، فَيعترِضُ بأَنَّ خصوصَ الصّلاَةِ مُلْغًي فَلْيُبْدِلْ بِالعبَادةِ، ثُمَّ ينقضُ بصومِ الحَائضِ أَو لاَ

стр. 585

يبدل فَلاَ يَبْقَى عِلَّةٌ إِلا يجِبُ قضَاؤُهَا، وَلَيْسَ كلُّ مَا يجِبُ قضَاؤُه يُؤَدَّى، دليلُه الحَائضُ. ش: الثَّانِي من مُبْطِلَاتِ العِلَّةِ الكَسْرُ، وعَرَّفَهُ المُصَنِّفُ بأَنَّهُ إِسقَاطُ وَصْفٍ مِنْ أَوصَافِ العِلَّةِ المُرَكَّبَةِ، أَي بيَانُ أَنَّهُ مُلْغًى لاَ أَثرَ له فِي التَّعْلِيلِ، وهذَا مَحْكِيٌّ عَنِ الأَكْثَرِينَ مِنَ الأُصُولِيِّينَ وَالجَدَلِيِّينَ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي (المُلَخَّصِ): وهو سؤَالُ مَلِيحٌ، وَالاشتغَالُ بِهِ ينتهي إِلَى بيَانِ الفقهِ، وتصحيحِ العِلَّةِ، وَاتَّفَقَ أَكثرُ أَهْلِ العِلْمِ علَى صِحَّتِهِ وإِفسَادِ العِلَّةِ بِهِ، ويُسَمُّونَهُ النَّقْضَ من طريقِ المعنَى، وَالإِلزَامَ مِنْ طريقِ الفقهِ، وأَنكَرَ ذَلِكَ طَائفَةٌ مِنَ الخُرَاسَانِيِّينَ. انْتَهَى. وذَكَرَ له المُصَنِّفُ صُورَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَن يجعَلَ بدلَ ذَلِكَ الوَصْفَ وَصْفًا عَامًّا، ثُمَّ ينقِضُ الوَصْفَ الآخرَ كَقَوْلِنَا فِي صلاَةِ الخوفِ: صلاَة يجِبُ قضَاؤهَا فِيجِبُ أَدَاؤُهَا كصلاَةِ الأَمْنِ، فَيُعْتَرَضُ بأَنَّ خصوصَ كونِهَا صلَاةً يُلْغَى لاَ أَثرَ له لأَنَّ الحجَّ كذلك، فِيبقَى الوَصْفُ العَامُّ وهو كونُهَا عبَادةً، ثُمَّ يُنْقَضُ بِصَوْمِ الحَائضِ فإِنَّه يجِبُ قضَاؤُه ولاَ يجِبُ أَدَاؤُه بَلْ يُحْرَمُ. ثَانِيهُمَا: أَن لاَ يَجْعَلَ بدلَه وصفًا عَامًّا، بَلْ يقتصِرُ علَى البَاقي بعدَ إِسقَاطِهِ، فَيُقَالُ: يجِبُ قضَاؤُه فِيحِبُ أَدَاؤُه، وَلَيْسَ كلُّ شَيْءٍ يجِبُ قضَاؤُه يجِبُ أَدَاؤُه، بدليلِ الحَائضِ، وظهَرَ بِذَلِكَ أَنَّهُ نَقْضٌ/ (١٨١/ب/م) يَرُدُّ علَى المعنَى، وَاختَارَ القَدْحَ بِهِ الإِمَامُ وَالآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ إِلا أَنَّهُمَا سَمَّيَاه النقضَ المكسورَ، وجعلاَ الكسرَ اسمًا لِتَخَلُّفِ الحُكْمِ عَنِ الحِكْمَةِ المقصودةِ مِنْهُ، ونقلًا عَنِ الأَكْثَرِينَ أَنَّهُ غَيْرُ قَادِحٍ وَاختَارَاه.

стр. 586

ص: وَمِنْهَا العَكْسُ، وهو انْتِفَاءُ الحُكْمِ لانتفَاءِ العِلَّةِ، فإِنْ ثبَتَ مقَابِلُه فأَبْلَغ، وشَاهدُه قَوْلُه: ﷺ ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فكذلك إِذَا وَضَعَهَا فِي الحلاَلِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ)) فِي جوَابِ: أَيأَتي أَحدُنَا شهوتَه وَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ وتَخَلُّفُه قَادِحٌ عِنْدَ مَانعٍ علتين ونعني بَانتفَائه انْتِفَاء العِلْم أَو الظن إِذ لاَ يَلْزَمُ مِنْ عدمِ الدَّلِيلِ عدمُ المدلولِ. ش: الثَّالِثُ: عدمُ العَكْسِ، وَالمُرَادُ بَالعَكْسِ انْتِفَاءُ الحُكْمِ لانتفَاءِ العِلَّةِ، كَذَا فسَّرَهُ ابْنُ الحَاجِبِ، وذكَرَ أَنَّ اشْتِرَاطَه فِي العِلَّةِ مبنيٌّ علَى أَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَعْلِيلُ الحُكْمِ الوَاحِِدِ بِعِلَّتَيْنِ، فإِنَّه حِينَئِذٍ لاَ يَكُونُ لِلحكمِ إِلا دَلِيلٌ وَاحدٌ، فمتَى انتفَى ذَلِكَ الدَّلِيلُ انتفَى الحُكْمُ، وتَبِعَهُ المُصَنِّفُ علَى ذَلِكَ، لكنَّ ذِكْرَهُ العَكْسَ فِي مُبْطِلَاتِ العِلَّةِ كلاَمٌ مظلِمٌ لاَ يُهْتَدَى إِلَى معنَاه. وَالعَجَبُ مَشْيُ شَارحِه عَلَيْهِ، وَالمَعْرُوفُ ـ وهو الذي فِي كلاَمِ ابْنِ الحَاجِبِ وَغَيْرِه ـ أَنَّ العَكْسَ/ (١٤٨/أَ/د) من شُرُوطِ العِلَّةِ عِنْدَ مَانعِ الحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ. وَقَدْ ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ فِي أَثنَاءِ كلاَمِهِ علَى الصّوَابِ، فقَالَ: وتَخَلُّفُهُ ـ أَي الحُكْمُ ـ عَنِ العِلَّةِ بأَنْ لاَ يَنْتَفِِي بَانتفَائِهَا قَادِحٌ عِنْدَ مَانعِ عِلَّتَيْنِ، فَلاَ يَكُونُ العَكْسُ من مبطلاَتِ العِلَّةِ بَلْ مِنْ مُصَحِّحَاتِهَا، وإِنَّمَا المُبْطِلُ عدمُه، فلذلك عَبَّرْتُ أَولاً بقولِي: (عدمُ العَكْسِ) وَالمُرَادُ بَانتفَاءِ الحُكْمِ انْتِفَاءُ العِلْمِ أَو الظّنُ بِهِ، ولاَ يلْزَمُ من انْتِفَاءِ دليلِه انتفَاؤُه، فإِنَّه لاَ يلزَمُ مِنْ عدمِ الدَّلِيلِ عدمُ المدلولِ، كَمَا لاَ يلزَمُ مِنِ انْتِفَاءِ الدَّلِيلِ علَى الصَّانعِ انْتِفَاءَ الصَّانعِ بَلْ انْتِفَاءُ العِلْمِ بِهِ. أَمَا مَنْ جَوَّزَ تَعْلِيلَ الحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ فإِنَّه لاَ يجعَلُ العَكْسَ مِنْ شُرُوطِ العِلَّةِ، لجوَازِ ثُبُوتِ الحُكْمِ مَعَ انْتِفَاءِ تِلْكَ العِلَّةِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى، وعدَّ البَيْضَاوِيُّ مِنْ

стр. 587

مُبْطِلاَتِ العِلَّةِ عدمُ العَكْسِ، بنَاءً علَى مَنْعِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ، لكنَّهُ عرَّفَهُ ـ أَعني عدمَ العَكْسِ ـ بأَنَّهُ ثُبُوتُ الحُكْمِ فِي صُورَةٍ أُخْرَى/ (١٨٢/أَ/م) بدونِ الوَصْفِ المُدَّعَى عِلِّيَّتُه. ومِثْلُ ذَلِكَ بقولِ الحَنَفِيِّ فِي الاستدلاَلِ علَى مَنْعِ الأَذَانِ للصبحِ قَبْلَ وقتِهَا بأَنَّهَا صلاَةٌ لاَ تُقْصَرُ، فَلاَ يُؤْذَنُ لهَا قَبْلَ وقتِهَا كَالمَغْرِبِ، بجَامِعِ عَدَمِ جَوَازِ القَصْرِ فَيَعْتَرِضُ بأَنَّ الحُكْمَ ـ وهو عدمُ التَّأَذِينِ قَبْلَ الوَقْتِ ـ مَوْجُودٌ مَعَ انْتِفَاءِ الوَصْفِ وهو عدمُ القصرِ، لكن لاَ فِي شخصِ المَقِيسِ عَلَيْهِ وهو المَغْرِبُ، بَلْ فِي نوعِه كَالظُّهْرِ مثلاً، فإِنَّهَا تُقْصَرُ ولاَ يُؤَذَّنُ لهَا قَبْلَ وقتِهَا. وَاعترضَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ علَى ذَلِكَ بأَنَّهُ لَيْسَ من شرطِ عدمِ العَكْسِ حُصُولِ مثلُ ذَلِكَ الحُكْم فِي صُورَةِ أُخْرَى، بَلْ لو حَصُلُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ بعينِهَا لِعِلَّةٍ أُخْرَى كَانَ كَذَلِكَ أَيضًا. قَالَ الشَّارِحُ: وإِليه أَشَارَ المُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (فإِن ثَبَتَ مقَابلُه فأَبْلِغْ) وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِهِ ﵊ حينَ ذكَرَ أَنوَاعَ الصّدقةِ: ((وفِي بِضْعِ أَحَدِكُمْ))؛ أَي: جمَاعِه أَهلَه ((صَدَقَةٌ)) قَالُوا: يَا رسولَ اللَّهِ! أَيَأَتِي أَحدُنَا شهوتَه وَلَهُ أَجرٌ؟ قَالَ: ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حرَامٍ)) يَعْنِي أَكَانَ يأثمُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: ((فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي حلاَلٍ)) أَي يُؤْجَرُ. قُلْتُ: كَذَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وفِي مطَابقِةِ قَوْلِ المُصَنِّفِ، (فَإِنْ ثَبَتَ مقَابلُه فأَبْلِغْ) لكلاَمِ الصَّفِيِّ الهِنْدِيِّ هذَا ـ نَظَرٌ، ولم يَظْهَرْ لي وجهُ استشهَادِ المُصَنِّفِ بهذَا الحديثِ، ومَا أَوْرَدَهُ الهِنْدِيُّ قَد سمَّاه البَيْضَاوِيُّ عدمَ التّأَثيرِ، ومثَّلَ لَهُ بِقَوْلِنَا فِي الاستدلاَلِ علَى بُطْلانِ بيعِ الغَائبِ: بيعٍ غَيْرِ مرئيٍّ فَلاَ يصِحُّ كبيعِ الطّيرِ فِي الهوَاءِ بجَامعِ عدمِ الرّؤيةِ، فَيعترَّضُ بوجودِ الحُكْمِ، وهو بطلاَنُ البَيْعِ

стр. 588

بدونِ الوصفِ، وهو عدمُ الرّؤيةِ فِي الصُّورَةِ المَقِيسِ عَلَيْهَا، إِذ لو رآهُ وهو طَائرٌ لَمْ يصِحَّ بيعُه لِكَوْنِهِ غَيْرُ مقدورٍ علَى تسليمِه. وسَيَأْتِي فِي كلاَمِ المُصَنِّفِ التّمثيلُ بذلك/ (١٤٨/ب/د) لأَحدِ أَنوَاعِ عدمِ التّأَثيرِ. ص: وَمِنْهَا عدمُ التّأَثيرِ، أَي أَنَّ الوَصْفَ لاَ منَاسبةَ فِيهِ، ومن ثَمَّ اختصَّ بقِيَاسِ المعنَى، وبِالمُسْتَنْبَطَةِ المختلَفِ فِيهَا، وهو أَربعةٌ فِي الوَصْفِ بِكَوْنِه طردِيًّا، وفِي الأَصْلِ مثلُ: مبيعٌ غَيْرُ مَرْئِيٍّ فَلاَ يصِحُّ كَالطيرِ فِي الهوَاءِ، فِيقولُ: لاَ أَثرَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مرئيٍّ:/ (١٨٢/ب/م) فإِن العَجْزَ عَنِ التّسليمِ كَافٍ، وحَاصلُه معَارضةٌ فِي الأَصْلِ. ش: الرَّابِعُ عدمُ التّأَثيرِ، وعرَّفَه المُصَنِّفُ بأَنْ يَكُونَ الوَصْفُ لاَ منَاسبةَ فِيهِ؛ أَي: لإِثبَاتِ الحُكْمِ ولاَ نفِيهِ، وعرَّفَه فِي (المَحْصُولِ) و (المنهَاجِ) بأَنَّهُ ثُبُوتُ الحُكْمِ بدونِ، الوَصْفِ وهو أَخصُّ مِنْ تعريفِ المُصَنِّفِ كَمَا ستعرِفُه. وَقَوْلُهُ: (ومِنْ ثَمَّ) أَي: ولأَجْلِ تفسيرِه بِذَلِكَ اختصَّ قَدْحُ عدمِ التّأَثيرِ بقِيَاسِ المَعْنَى دُونَ الشَّبَهِ وَالطردِ، وبِالمُسْتَنْبَطَةِ المختلَفِ فِيهَا فَلاَ يَقْدَحُ فِي المَنْصُوصَةِ ولاَ فِي المُسْتَنْبَطَةِ المجمَعِ عَلَيْهَا. وعدمُ التّأَثيرِ علَى أَربعةِ أَقسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الوَصْفِ بِكَوْنِه طرديًا، كقولِهم فِي الصُّبْحِ: صلاَةٌ لاَ تُقْصَرُ، فَلاَ يقدَّمُ أَذَانُهَا كَالمغربِ، فإِنَّ عدمَ القصرِ بِالنِّسَبَةِ لِعَدَمِ التّقديمِ طرديٌّ، ولذلك لاَ يقدَّمُ أَذَانُ الظّهرِ وَغَيْرُهَا، ممَا يقصُرُ، وحَاصلُ هذَا المطَالبةُ بِالدليلِ علَى كَوْنِ الوَصْفِ عِلَّةً.

стр. 589

ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الأَصْلِ بأَنْ يُسْتَغْنَى عَنْهُ بوصفٍ آخرَ، كَقَوْلِنَا فِي بيعِ الغَائبِ، مبيعٌ غَيْرُ مرئيٍّ فَلاَ يصِحُّ كَالطيرِ فِي الهوَاءِ بجَامعِ عدمِ الرّؤيةِ، فَيَقُولُ الخَصْمُ: لاَ أَثرَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مرئيٍّ؛ فإِنَّ العجزَ عَنِ التّسليمِ كَافٍ فِي البطلانِ. وحَاصلُ هذَا معَارضةٌ فِي الأَصْلِ؛ أَي؛ بإِبدَاءِ عِلَّةٍ أُخْرَى، وهي العَجْزُ عَنِ التّسليمِ، ولذلك بنَاه البَيْضَاوِيُّ علَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ فإِنْ قُلْنَا بجَوَازِهِ لَمْ يَقْدَحْ وإِلاَّ قَدَحَ. ص: وفِي الحُكْمِ، وهو أَضربُ؛ لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ لاَ يَكُونَ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ كقولِهم فِي المُرْتَدِّينَ: مُشْرِكُونَ أَتلَفُوا مَالاً فِي دَارِ الحرب فَلاَ ضمَانَ كَالحربيِّ، ودَارِ الحربِ عندهم طرديٌّ فَلاَ فَائِدَةَ لذِكْرِهِ، إِذْ مَنْ أَوْجَبَ الضّمَانَ أَوْجَبَهُ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي دَارِ الحَرْبِ، وكذَا من نفَاهُ، فَيَرْجِعُ إِلَى الأَوَّل؛ لأَنَّهُ يُطَالِبُ بتأَثيرِ كَوْنهِ فِي دَارِ الحربِ، أَو يَكُونُ لَهُ فَائِدَةٌ ضروريَّةٌ كقولِ معتبرِ العددِ فِي الاستجمَارِ بِالأَحجَارِ: عبَادَةً مُتَعَلِّقَةٌ بِالأَحجَارِ لَمْ يتقدَّمْهَا معصيةٌ فَاعْتُبِرَ فِيهَا العددُ كَالجِمَارِ، فقولُه: (لَمْ يَتَقَدَّمْهَا مَعْصِيَةًٌ) عديمُ التّأَثيرِ فِي الأَصْلِ وَالفَرْعِ، لكنَّهُ مضطَّرٌ إِلَى ذِكْرِهِ لِئَلَّا ينتقِضُ بِالرجمِ ـ أَو غيرُ ضروريَّةٍ فإِن لَمْ تُغْتَفَرِ الضّروريَّة لَمْ تُغْتَفَرِ، وإِلاَّ فتردَّدْ+، مثَالُه الجمعةُ: صلاَةٌ مفروضةٌ فلم تفتقرْ إِلَى إِذنِ/ (١٨٣/أَ/م) الإِمَامِ كَالظُّّهْرِ، فإِنَّ (مفروضةً) حشوٌ إِذ لو حُذِفَ لَمْ يُنْتَقَضْ بشيءٍ لكنْ ذُكِرَ لتقريبِ الفَرْعِ مِنَ الأَصْلِ بتقويةِ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا إِذِ الفرضُ/ (١٤٩/أَ/د) بِالفرضِ أَشبَهُ. ش: القِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الحُكْمِ، وقسَّمَهُ المُصَنِّفُ ثلاَثةَ أَقسَامٍ؛ لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ لاَ يَكُونَ لذِكْرِهِ فَائِدَةٌ أَصلاً، أَو لَهُ فَائِدَةٌ ضروريَّةٌ أَو غَيْرُ ضروريَّةٍ، وَمَعَ كونِهَا ضروريَّةً لاَ تَأْثِيرَ له فِي الحُكْمِ، وفَهْمُ أَمثلةِ ذَلِكَ مِنَ الأَصْلِ وَاضحٌ.

стр. 590

وَقَوْلُهُ: (فَيُرْجُعُ إِلَى الأَوَّلُ) أَي: إِلَى القِسْم الأَوَّلِ؛ لأَنَّ كَوْنَ الإِتلاَفِ فِي دَارِ الحربِ لاَ تَأْثِيرَ له فِي الأَصْلِ ولاَ فِي الفَرْعِ، فَالمُسْتَدِلُّ مطَالَبٌ بِالدليلِ علَى أَنَّ لَهُ مدخلاً فِي العِلَّةِ. وَقَوْلُهُ: (فإِِنْ لَمْ يُغْتَفَرِ الضروريَّةٌ) أَي لَمْ يُغْتَفَرْ للمستدلِّ ذِكْرُ مَا هو مضطَّرٌ إِلَيْهِ، فَلاَ يُغْتَفَرُ لَهُ ذِكْرُ مَا لاَ يضطَّرُ إِلَيْهِ، بَلْ هو مجرَّدُ حَشْوٍ. وَقَوْلُهُ: (وإِلاَ) أَي: وَإِنِ اغْتُفِرَ الضّروريُّ ففِي غَيْرِ الضّروريِّ تردُّدٌ، أَي: لخلاَفٍ فِيه. ص: الرَّابعُ فِي الفَرْعِ مثلُ: زوَّجَتْ نفسَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ فَلاَ يصِحُّ كَمَا لو زُوِّجَتْ وهو كَالثَّانِي إِذ لاَ أَثرَ للتقييدِ بِغَيْرِ الكُفْءِ ويُرْجَعُ إِلَى المنَاقشةِ فِي الفرضِ، وهو تخصيصُ بَعْضِ صورِ النّزَاعِ بِالحجَاجِ، وَالأَصَحُّ جَوَازُهُ، وثَالثًا بشرطِ البنَاءِ أَي: بنَاءِ غَيْرِ مَحَلِّ الفرضِ عليه. ش: الرَّابعُ: أَنْ يَكُونَ عدمُ التّأَثيرِ فِي الفَرْعِ لكونِ الوَصْفِ لاَ يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ صورِ النّزَاعِ، مثلُ قولِنَا فِي ولاَيةِ المرأَةِ: زَوَّجَتْ نفسَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ فَلاَ يصِحُّ، كَمَا لو زوَّجَهَا ولِيُّهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ، فَيَكُونُ التّزويجُ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ لاَ يَطَّرِدُ فِي صُورَةِ النّزَاعِ، وهو تزويجُهَا نفسَهَا ولو مِنْ كُفْءٍ، فهو كَالثَّانِي من جهةِ أَنَّ حُكْمَ الفَرْعِ هُنَا مَنُوطٌ بِغَيْرِ الوَصْفِ المذكورِ فِيهِ، كَمَا أَن حُكْمَ الأَصْلِ فِي القِسْمِ الثَّانِي منوطٌ بِغَيْرِ الوَصْفِ المذكورِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الحَاجِبِ فِي مختصرِه الصّغيرِ، لكنَّهُ قَالَ فِي الكبيرِ: إِنَّهُ كَالثَّالِثِ وصوَّبَهُ بعضُهم. وَالكلاَمُ فِي هذه المَسْأَلَةِ مبنيٌّ علَى الخِلاَفِ فِي الفرضِ، وهو تخصيصُ بَعْضِ صورِ النّزَاعِ بِالحجَاجِ فِيهِ، وإِقَامةُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، كَمَا لو قَالَ المُتَكَلِّمُ فِي المُزَوِّجَةِ

стр. 591

نفسُهَا: أَفْرِضُهُ فِي التّزويجِ بِغَيْرِ كُفْءٍ، وأَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ خَاصَّةً، فَمَنْ منَعَ/ (١٨٣/ب/م) الفَرْضُ ردَّ هذَا ومَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ قبلَه. وفِي قبولِ الفرضِ مَذَاهِبُ: أَصحُّهَا ـ وَبِهِ قَالَ الجُمْهُورُ ـ: جَوَازهُ، فقد لاَ يسَاعدُه الدَّلِيلُ فِي جَمِيعِ الصورِ أَو لاَ يقدِرُ علَى دَفْعِ كلاَمِ المُعْتَرَضِ فِي بعضِهَا لإِشكَالِه فِيستفِيدُ مِنَ الفرضِ غرضًا صحيحًا. وَالثَّانِي ـ وَبِهِ قَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ ـ المنعُ، وقَالَ: شرطُ الدَّلِيلِ أَنْ يَكُونَ عَامًّا لجميعِ صورِ النّزَاعِ، ليكونَ مُطَابِقًا للسؤَالِ، ودَافِعًا لاعترَاضِ الخَصْمِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ بشرطِ البنَاءِ، أَي: يُبْنَى غيرُ مَا فَرَضَهُ، وأَقَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ علَى مَا فَرَضَهُ. ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ/ (١٤٩/ب/د) البنَاءِ، فقِيلَ: يَكْفِيه أَنْ يقولَ: إِذَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ الصّورِ ثَبَتَ فِي جميعِهَا، إِذ لاَ قَائلَ بِالفرقِ، وقيلَ، لاَ يَكْفِي ذَلِكَ، بَلْ يحتَاجُ إِلَى ردِّ مَا يخرُجُ عَن مَحَلِّ الفرضِ إِلَيْهِ بجَامِعِ صحيحٍ علَى قَاعدةِ القِيَاسِ. وَقِيلَ: إِنَّ فَرْضَ الاستدلاَلِ فِي صُورَةِ السّؤَالِ فَلاَ يحتَاجُ إِلَى البنَاءِ، وإِنْ فرَضَهُ فِي غَيْرِهِ اشْتَرَطَ بنَاءَ صُورَةِ السّؤَالِ علَى مَحَلِّ الفرضِ بطريقِ القِيَاسِ. ص: وَمِنْهَا القَلْبُ، وهو دعوَى أَنَّ مَا استدَلَّ بِهِ فِي المَسْأَلَةِ علَى ذَلِكَ الوجهِ عَلَيْهِ لاَ لَهُ إِن صحَّ، ومن ثَمَّ أَمْكَنَ مَعَهُ تسليمُ صِحَتِّهِ وَقِيلَ: هو تَسْلِيمُ للصحَّةِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: إِفسَادُ مُطْلَقًا، وعلَى المُخْتَارِ فهو مقبولٌ، معَارضةٌ عِنْدَ التّسليمِ قَادِحٌ عِنْدَ عدمِهِ، وَقِيلَ: شَاهدٌ زُورٌ لَك وعليكَ.

стр. 592

ش: الخَامِسُ: القلبُ، وعرَّفَه المُصَنِّفُ بأَنَّهُ دعوَى المُعْتَرِضِ أَنَّ مَا استدَلَّ بِهِ المُسْتَدِلُّ فِي تِلْكَ المَسْأَلَةِ علَى ذَلِكَ الوجهِ عَلَيْهِ لاَ لَهُ إِنْ صحَّ، كَاستدلاَلِ الحَنَفِيِّ فِي توريثِ الخَالِ بِقَوْلِهِ ﵊: ((الخَالُ وَارِثٌ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ)) فأَثبَتَ إِرْثَهُ عِنْدَ عدمِ إِرثِ غيرِهِ، فَيعترِضُ بأَنَّ هذَا عَلَيْهِ لاَ له؛ لأَنَّ معنَاه نَفْيُّ تَوْرِيثِ الخَالِ بطريقِ المبِالغَةِ، أَي: إِنَّ الخَالَ لاَ يَرِثُ كَمَا يقَالَ: الجوعُ زَادُ مَنْ لاَ زَادَ لَهُ، وَالصبرُ حِيلَةُ مَنْ لاَ حيلَةَ له، أَي لَيْسَ الجوعُ زَادًا ولاَ الصّبرُ حيلَةً. وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا فِي تِلْكَ المَسْأَلَةِ أَنْ يَدَّعِي المُعْتَرِضُ أَنَّ مَا استدلَّ بِهِ هو عَلَيْهِ فِي مسأَلةٍ أُخْرَى لاَ فِي تِلْكَ المَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا. ِ وبِقَوْلِنَا: (علَى ذَلِكَ الوجهِ) أَنْ يَكُونَ فِي تِلْكَ المَسْأَلَةِ لكن علَى غَيْرِ ذَلِكَ الوجهِ، كأَنْ يَكُونَ استدلاَلُ المُسْتَدِلِّ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ مِنْ جهةِ الحَقِيقَةِ وَاستدلاَلُ المُعْتَرِضِ بِهِ مِنْ جهةِ المجَازِ. قُلْتُ: وكَانَ يَنْبَغِي تأَخيرُ قَوْلِهِ: (فِي تِلْكَ المسأَلةِ/ (١٨٤/أَ/م) علَى ذَلِكَ الوجهِ) عَنْ قَوْلِهِ (عَلَيْهِ)؛لأَنَّ المَقْصُودَ تَقِييدُ كَوْنِهِ عَلَيْهِ بِتلكَ المَسْأَلَةِ، وبِذلكَ الطََّرِيقِ فِي الاستدلاَلِ، وَلَيْسَ المُرَادُ تقييدَ استدلاَلِ المُسْتَدِلِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الشَّارِحُ: وكَانَ يَنْبَغِي إِسقَاطُ قَوْلِهِ: (لاَ لَهُ) ولهذَا قَالَ الآمِدِيُّ: قَلْبُ الدَّلِيلِ هو أَنْ يُبَيِّنَ القَالِبُ أَنْ مَا ذَكَرَهُ المُسْتَدِلُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ (لاَ له)، أَو يَدُلُّ عَلَيْهِ (وله)، قَالَ: وَالأَوَّلُ قَلَّمَا يَتَّفِقُ لَهُ مِثَالٌ فِي الأَقيسةِ، ومَثَّلَه مِنَ النّصوصِ بحديثِ: ((الخَالُ وَارِثُ مَنْ لاَ وَارِثَ له)) كَمَا تقدَّمَ. وَقَوْلُ المُصَنِّفُ: (إِنْ صحَّ) أَي: علَى تقديرِ التَّرْكِ، ولهذَا يُمْكِنُ مَعَ القَلْبِ تَسْلِيمُ صِحَّةِ الدَّلِيلِ وهو معنَى قَوْلِ المُصَنِّفِ، ومِنْ ثُمَّ أَمْكَنَ مَعَهُ تسليمُ صِحَّتِهِ.

стр. 593

ثم حكَى المُصَنِّفُ قَوْلَيْنِ فِي أَن َّالقلبَ تسليمٌ للصحَّةِ مُطْلَقًا/ (١٥٠/أَ/د) أَو إِفسَادٌ للِعِلَّة مُطْلَقًا، وَوَجْهُ الأَوَّلِ أَنَّ الجَامِعَ دَلِيلٌ صحيحٌ، وإِنَّمَا اختلَفَا فِي أَنَّهُ دَلِيلٌ للمستدِلِّ أَو عَلَيْهِ. وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لاَ يصلُحُ التّعليقُ بِهَا لوَاحدٍ مِنْهُمَا؛ لأَنَّ الشيءَ الوَاحِدَ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَعْتَبِرَ بِالشيءِ وضِدِّهِ، وذَكَرَ المُصَنِّفُ فِي شرحِ المختصَرِ أَنَّ هذَا الخِلاَفَ لاَ يُوجَدُ هكذَا صريحًا، وإِنَّمَا استنبَطَ الأَوَّلَ مِنْ تسميةِ بعضِهم القلبَ معَارضةَ، فإِنَّ المُعَارضَةَ لاَ تفِسُد العِلَّةُ بَلْ تَمْنَعُ مِنَ التَّعَلُّقِ بِهَا إِلَى أَنْ يثبُتُ رُجْحَانُهَا من خَارجِ، وَاستنبطَ الثَّانِي ممَا سَيَأْتِي فِي كلاَمِهِ عَن بعضِهم أَنَّهُ قَالَ: القلبُ شَاهدُ زورٍ لَك وعليكَ؛ أَي: كَمَا يشهدُ لَكَ يشهَدُ عليك، ومِنْ قَوْلِ ابنِ السَّمْعَانِيِّ: توجيهُ سؤَالِ القَلْبِ أَنْ يقَالَ: إِذَا عَلَّقَ علَى العِلَّةِ ضدَّ مَا عَلَّقَهُ المُسْتَدِلِّ مِنَ الحُكْمِ فَلاَ يَكُونُ أَحدُ الحُكْمَيْنِ أَولَى مِنَ الآخرِ، ويَبْطُلُ تعلُّقُهَا بِهَا، وَاعترضَه الشَّارِحُ بأَنَّ هذَا الخِلاَفَ ذَكَرَهُ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ فِي (البُرْهَانِ) فقَالَ: ذَهَبَ ذَاهبونَ إِلَى ردِّهِ لكونِ مَا جَاءَ بِهِ القَالِبُ لَيْسَ منَاقِضًا لمَا صرَّحَ بِهِ المُعَلَّلُ بَلْ كَالمعَارضةِ. وَقِيلَ بقبولِه، لاشتمَالِ العِلَّةِ، وقلبِهَا علَى حُكْمَيْنِ يستحِيلُ الجمعُ بَيْنَهُمَا فهو منَاقضٌ للمقصودِ. قَالَ: ولاَ يُمْكِنُ القَالِبُ أَن يعتقِدَ صِحَّةَ قَلْبِهِ لكونِ قِيَاسِ المُعَلَّلِ قَلْبًا له، بَلْ هو عندَه من بَابِ/ (١٨٤/ب/م) معَارضةِ الفَاسدِ بِالفَاسدِ، بخلاَفِ المُعَارضَةِ إِذ قَد تكونُ صحيحةً لترجيحِهَا علَى قِيَاسِ المعللِ. وقَالَ النَّيْليُّ فِي جدلِه: القِسْمُ الأَوَّلُ مِنَ القلبِ وهو مَا يَدُلُّ علَى

стр. 594

المُسْتَدِلِّ لاَ لَهُ من قبيلِ الاعترَاضَاتِ، ولاَ يتَّجِهُ فِي قبولِه خلاَفَ. فأَمَا الثَّانِي وهو مَا يَدُلُّ علَى المُسْتَدِلِّ مِنْ وجهٍ آخرَ كمثَالِ الاعتكَافِ، ومسحِ الرّأَسِ وبيعِ الغَائبِ، فَاختلفُوا فِيهِ هَلْ هو اعْتِرَاضٌ أَو معَارَضَةٌ، ثُمَّ بسَطَ ذَلِكَ، ثُمَّ فَرَّعَ المُصَنِّفُ علَى المُخْتَارِ عندَه أَنَّهُ لاَ يلزَمُ مِنَ القلبِ إِفسَادُ الدَّلِيلِ، بَلْ يُمْكِنُ مَعَهُ تسليمُ صحَّتِهِ أَنَّهُ علَى قسمينِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ معَارضةً بقِيَاسٍ بجَامعِ المُسْتَدِلِّ وأَصلُه، وذلك إِذَا اقتَرَنَ بِهِ تسليمُ صِحَّةِ الدَّلِيلِ فَيُجَابُ عَنْهُ بِالترجيحِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ اعترَاضًا قَادحًا، وذلك عِنْدَ عدمِ تسليمِ صِحَّةِ الدَّلِيلِ، وعلَى التَّقْدِيرينِ فهو مقبولٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ المُعَارضَةَ إِنْ كَانَتْ لِعِلَّةِ المُسْتَدِلِّ نَفْسِهَا فهي القلبُ، وتُسَمَى مشَاركَةً فِي الدَّلِيلِ، وإِنْ كَانَتْ لِعِلَّةٍ أُخْرَى فهي مَا عدَاه. وقَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: يمتَازُ القلبُ عَن مطلقِ المُعَارضَةِ بأَمرينِ. **************** أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ فِيهِ الزِّيَادةُ فِي العِلَّةِ وفِي سَائرِ المعَارضَاتِ يُمْكِنُ. الثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ مَنْعَ وُجُودِ العِلَّةِ فِي الأَصْلِ وَالفَرْعِ، لأَنَّ أَصلَ القَالبِ وفرعَهُ همَا أَصلُ المُسْتَدِلِّ وَفَرْعَهُ، ويُمْكِنُ ذَلِكَ فِي سَائرِ المعَارضَاتِ/ (١٥٠/ب/د)،وَقَوْلُ المُصَنِّفِ: (وَقِيلَ: هو شَاهدٌ زُورٌ) هو القَوْلُ الذي حَكَاهُ أَولًّا بِالإِفسَادِ كَمَا تقدَّمَ. ص: وهو قسمَانِ: الأَوَّلُ لتصحيحِ مَذْهَبِ المُعْتَرِضِ فِي المَسْأَلَةِ إِمَّا مَعَ إِبطَالِ مَذْهَبِ المُسْتَدِلِّ صريحًا كَمَا يقَالُ فِي بيعِ الفضولِيِّ: عَقْدٌ فِي حقِّ الغيرِ بلاَ وِلَايةٍ فَلاَ يصِحُّ كَالشّرَاءِ، فَيُقَالُ: عَقْدٌ فِيصِحُّ كَالشِّرَاءِ أَو لاَ مِثْلَ لِبَثَِّ فَلاَ يَكُونُ بنفسِه قُرْبَةٌ كوقُوفِ عَرَفَةَ فِيقَالُ:

стр. 595

فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الصّومُ كعرفةَ، الثَّانِي: لإِبطَالِ مَذْهَبِ المُسْتَدِلِّ بِالصرَاحةِ: عُضْوُ وُضُوءٍ فَلا يَكْفِي أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسمُ كَالوجِهِ فَيُقَالُ: فَلا يَتَقَدَّرُ غُسْلُه بِالرُّبْعِ كَالوجِهِ أَو بِالالتزَامِ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَصِحُّ مَعَ الجهلِ بِالمُعَوَّضِ كَالنكَاحِ فَيُقَالُ: فَلا يُشْتَرَطُ خيَارُ الرُّؤْيَةِ كَالنكَاحِ. ش: قَد يُرَادُ بِالقَلْبِ/ (١٨٥/أَ/م) تصحيحُ مَذْهَبِ المُعْتَرِضِ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ إِبطَالُ مَذْهَب المُسْتَدِلِّ، فهذَانِ قِسْمَانِ، وَالأَوَّلُ مِنْهُمَا تحتَهُ قِسْمَانِ أَيضًا. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَعَ تصحيحِ مَذْهَبِ المُعْتَرِضِ إِبطَالُ مَذْهَبِ المُسْتَدِلِّ صريحًا، كَقَوْلِنَا فِي بَيْعِ الفُضُولِيِّ: عَقَدَ فِي حَقِّ الغيرِ بِلا وِلاَيةٍ ولاَ نيَابةٍ، فَلاَ يَصِحُّ كَمَا لو اشترَى شيئًا لِغيره بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَيَقُولُ الخَصْمُ: عَقَدَ فِي حَقِّ الغيرِ بلاَ ولاَيةٍ ولاَ نيَابةٍ فَيَصِحُّ كَالشِّرَاءِ؛ فَإِنَّهُ صحيحٌ، إِلَّا أَنَّهُ لاَ يَقَعُ لِمَنْ أُضِيفَ لَهُ، وهو المُشْتَرَى لَهُ، وإِنَّمَا يَقَعُ لِلمشترِي وهو الفُضُولِيُّ. ثَانِيهُمَا: أَنْ لاَ يَكُونَ فِيهِ إِبطَالُهُ صريحًا، كَقولِ الحَنَفِيِّ فِي الاعتكَافِ: لُبْثٌ مخصوصٌ، فَلا يَكُونُ قُرْبَةٌ بِنفسِهِ بَلْ بَانضمَامِ غَيْرِهِ إِلَيْهِ كَالوقوفِ بِعَرَفَةَ؛ فَإِنَّه لَيْسَ قُرْبَةٌ بِنفسِهِ بَلْ بِانضمَامِ الإِحرَامِ بِالحَجِّ إِليه, ومقصودُه إِثبَاتُ الصَّومِ فِيهِ, ولم يُصَرِّحْ بِهِ؛ لأَنَّهُ لاَ يَجِدُ أَصلاً يَقِيسُ عَلَيْهِ لو صَرَّحَ بِهِ؛ فَنَقُولُ: الاعتكَافُ لُبْثٌ مخصوصٌ فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الصَّوْمُ كَالوقوفِ بِعرفةَ. وَالقِسْمُ الثَّانِي وهو مَا يُرَادُ بِهِ إِبطَالُ مَذْهَبِ المُسْتَدِلِّ تَحْتَهُ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالصرَاحةِ كَقَوْلِ الحَنَفِيِّ: مَسْحُ الرَّأَسِ رُكْنٌ مِنْ أَركَانِ الوُضُوءِ؛ فَلاَ يَكْفِي فِيهِ أَقلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسمُ كَالوجِهِ، فَتَقُولُ:

стр. 596

مَسْحُ الرَّأْسِ رُكْنٌ فَلاَ يَتَقَيَّدُ بِالرُّبْعِ كَالوجِهِ. ثَانِيهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِالالتزَامِ، كَقولِ الحَنَفِيِّ فِي بَيْعِ الغَائِبِ: عَقْدُ مُعَاوضَةٍ فَيَصِحُّ بِدُونِ رؤيةِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالنكَاحِ، فَإِنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ رؤيةُ المنكوحةِ، فَنَقُولُ: عَقْدُ مُعَاوضةٍ فَلاَ يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ كَالنكَاحِ، فَنَفَيْنَا ثُبُوتَ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ فِيهِ، ويَلْزَمُ مِنْهُ انْتِفَاءُ صِحَّتِهِ؛ لأَنَّهُ لاَزِمٌ له، إِذْ كُلُّ مَنْ قَالَ بِصِحَّتِهِ قَالَ بِثُبُوتِ الخِيَارِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ. ص: ومنه خِلاَفًا للقَاضِي: قَلْبُ المُسَاوَاةِ مِثْلُ طهَارةٍ بِالمَائِعِ فَلاَ تَجِبُ فِيهَا النِّيَّةُ كَالنجَاسةِ فَنَقُولُ: فَيَسْتَوِي جَامُدُهَا ومَائِعُهَا كَالنجَاسةِ. ش: مِنْ هذَا القِسْمِ الأَخيرِ ـ وهو مَا يُرَادُ بِهِ إِبطَالُ مَذْهَبِ المُسْتَدِلِّ ضِمْنًا ـ نَوْعٌ يُسَمَّى قَلْبُ المُسَاوَاةِ، وهو أَنْ/ (١٥١/أَ/د) يَكُونَ فِي الأَصْلِ حُكْمَانِ وأَحَدُهُمَا:/ (١٨٥/ب/م) مُنْتَفٍ عَنِ الفَرْعِ اتفَاقًا وَالآخَرُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فِيثْبِتُ مُسْتَدِلُّ المُخْتَلَفِ فِيهِ إِلحَاقًا بَالأَصْلِ، فَيُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الحُكْمَيْنِ فِي الفَرْعِ كَمَا أَنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي الأَصْلِ، كَقَوْلِ الحَنَفِيَّةِ فِي نِيَّةِ الوضوءِ: طَهَارةٌ بِالمَاءِ فَلا يَجِبُ فِيهَا النِّيَّةُ كَإِزَالةِ النَّجَاسةِ، فَنَقُولُ: فَيَسْتَوِي جَامُدُهَا ومَائِعُهَا كَالنَّجَاسةِ، وهُمْ يُوجِبِونَ النِّيَّةَ فِي الطَّهَارةِ بِالجَامدِ وهو التَّيَمُّمُ. وَالأَكثرون علَى قبولِه مِنْهُم الأَستَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وإِمَامُ الحَرَمَيْنِ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وذَهَبَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ وطَائفةٌ إِلَى رَدِّهِ؛ لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ التَّصْرِيحُ فِيهِ بِحُكْمِ العِلَّةِ؛ فإِنَّ الحَاصِلَ فِي الأَصْلِ نَفْيٌ، وفِي الفَرْعِ إِثبَاتٌ. وأَجَابَ الأَكثرونَ بِأَنَّهُ لاَ يَضُرُّ اخْتِلاَفُ حُكْمِهِمَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يُنَافِي أَصْلَ

стр. 597

الاستوَاءِ الذي جُعِلَ جَامعًا. ص: ومِنْهَا: القَوْلُ بِالمُوجِبِ، وشَاهِدُهُ: ﴿ولِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فِي جَوَابٍ ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ وهو تسليمُ الدَّلِيلِ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ، كَمَا يُقَالُ فِي المُثَقَّلِ: قُتِلَ بِمَا يَقْتِلُ غَالبًا فَلاَ يُنَافِي الْقِصَاصَ كَالإِحرَاقِ فَيُقَالُ: سَلَّمْنَا عَدَمَ المُنَافَاةِ، ولَكِنْ لِمَ قُلْتَ يَقْتَضِيهِ، وكَمَا يُقَالُ: التََّفَاوُتُ فِي الوسيلةِ لاَ يَمْنَعُ القِصَاصَ كَالمْتَوَسِّلِ إِلَيْهِ فَيُقَالُ: مُسْلِمٌ، ولاَ يَلْزَمُ مِنْ إِبطَالِ مَانعٍ انْتِفَاءُ الموَانِعِ ووُجُودِ الشَّرَائِطِ وَالمُقْتَضِي، وَالمُخْتَارُ تصديقُ المُعْتَرِضِ فِي قَوْلِهِ: لَيْسَ هذَا مَأَخَذِي، ورُبَّمَا سَكَتَ المُسْتَدِلُّ عَنْ مُقَدِّمَةٍ غَيْرِ مشهورةٍ مَخَافَةَ المَنْعِ فَيُرَدُّ القَوْلُ بِالمُوجِبِ. ش: السَّادِسُ: القَوْلُ بِالمُوجَبِ ـ بِفَتْحِ الجِيمِ ـ أَيْ: بِمَا أَوْجَبَهُ دَلِيلُ المُسْتَدِلِّ وَاقْتَضَاهُ، أَمَّا المُوجِبُ بِكَسْرِهَا، فهو الدَّلِيلُ، وهو غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالقِيَاسِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي التَّنْزِيلِ فِي قَوْلِهِ تعَالَى: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ولِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: إِذَا أَخْرَجَ الأَعَزُّ الأَذَلَّ فأَنْتُمْ المُخْرَجُونَ ـ بِفَتحِ الرَّاءِ ـ لأَنَّكُمْ الأَذِلاَّءُ، وَالعِزَّةُ لِلَّهِ ولِمَنْ أَعَزَّهُ اللَّهُ تعَالَى. وعَرَّفَهُ المُصَنِّفُ بِأَنَّهُ تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ، وتَبِعَ فِي ذَلِكَ ابْنَ الحَاجِبِ، وعَبَّرَ البَيْضَاوِيُّ بِتسليمِ مُقتضَى الدَّلِيلِ، وصَوَّبَهُ بعضُهم؛ لأَنَّ تسليمَ الخَصْمِ إِنَّمَا هو لِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ ومُوجِبُهُ لاَ لِنَفْسِ الدَّلِيلِ/ (١٨٦/أَ/م) لأَنَّ الدَّلِيلَ لَيْسَ مُرَادًا لِذَاتِهِ، بَلْ لِكَوْنِهِ وسيلةً إِلَى معرفةِ المدلولِ. وذَكَرَ لَهُ المُصَنِّفُ مِثَالَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنْ يُقَالَ فِي القتلِ بِالمُثْقَلِ: قُتِلَ بِمَا يُقْتَلُ غَالبًا فَلاَ ينَافِي

стр. 598

وُجُوبَ القصَاصِ كَالإِحرَاقِ، فَيَقُولُ المُعْتَرِضُ: أَنَا أَقُولُ بِمُوجِبِهِ، وأُسَلِّمُ عَدَمَ المُنَافَاةِ، لَكِنْ لاَ يُلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوبُ القصَاصِ الذي هو مَحَلُّ النِّزَاعِ، وكَوْنُ الشَّّيْءِ لاَ يُنَافِي الشَّيْءَ لاَ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَقْتَضِيهِ. ثَانِيهُمَا: أَنْ يُقَالَ فِي القتلِ بِالمُثْقَلِ أَيضًا: التَّفَاوتُ فِي الوسيلةِ لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ القِصَاصِ، كَالتفَاوتِ فِي المُتَوَسِّلِ إِلَيْهِ، أَيْ أَنَّ المُحَدَّدَ وَالمُثْقَلَ وسيلتَانِ إِلَى القتلِ، فَالتفَاوتُ الذي بَيْنَهُمَاْ/ (١٥١/ب/د) لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ القِصَاصِ كَالتَّفَاوُتِ فِي المُتَوَسَّلِ إِلَيْهِ، وهو النَّفْسُ؛ فَإِنَّهُ لاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالكبيرِ وَالوضِيعِ وَالشَّريفِ، فَيُقَالُ بِمُوجِبِه، وَمَعَ ذَلِكَ فَلاَ يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُوبُ القِصَاصِ؛ فإِنَّه لاَ يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ هذَا المَانعِ انْتِفَاءُ جَمِيعَ الموَانِعِ، ولاَ وُجُودَ مُقْتَضَيَاتِ ذَلِكَ، وشرَائِطِه، فَيَجُوزُ أَنْ لاَ يَجِبَ القِصَاصُ لِعَدَمِ المُقْتَضِي لَهُ أَوْ لِفَوَاتِ شَرْطٍ أَو لمَانِعٍ آخَرَ، وَهَلْ يُصَدِّقُ المُعْتَرِضُ فِي قَوْلِهِ: لَيْسَ هذَا مأَخَذِي؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا ـ وهو المُخْتَارُ ـ: نَعَمْ؛ لأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمَذْهَبِهِ. وَالثَّانِي: لاَ، حتَّى نَتَبَيَّنَ مَأَخذًا آخَرَ فَقَدْ يَقُولُ ذَلِكَ عِنَادًا. ثُمَّ ذَكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّهُ قَدْ يَسْكُتُ المُسْتَدِلُّ عَنْ مُقَدِّمَةٍ غَيْرِ مَشْهُورةٍ؛ خشيةَ أَنْ يَمْنَعَهَا الخَصْمُ فَيَحْتَاجُ إِلَى الاستدلاَلِ عَلَيْهَا فَيَقَعُ فِي أَمْرٍ آخَرَ، وهو أَنْ يَقُولَ المُعْتَرِضُ بِالمُوجِبِ، مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُ شَافِعِيٍّ، فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي الوُضُوءِ: مَا ثَبَتَ أَنَّهُ قُرْبَةٌ فَشَرْطُهُ النِّيَّةُ كَالصلاَةِ، ولاَ يَقُولُ: وَالوُضُوءُ قُرْبَةٌ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَمْنَعَ هذه المُقَدِّمَةَ، فَيَقُولُ المُعْتَرِضُ: أَنَا أَقولُ بِمُوجِبِ مَا ذَكَرْتُهُ، ولَكِنَّ مُقَدِّمَةً وَاحدةً لاَ تُنْتِجُ المُدَّعَى، وإِنَّمَا قَيَّدَهَا بِغَيْرِ المشهورةِ؛ لأَنَّ المشهورةَ كَالمذكورةِ، فَتُمْنَعُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا فَلاَ يُمْكِنُ مَنْعُهَا وَلَوْ صَرَّحَ بِذِكْرِهَا./ (١٧٦/ب/م). قُلْتُ: هُنَا سؤَالٌ تقديرُه: أَنَّ تَسْمِيَتَهُمْ لِهذَا بِالقولِ بِالمُوجِبِ وتعريفَهم إِيَّاه بِمَا تَقَدَّمَ يَدُلَّانِ علَى تَسْلِيمِ الدَّلِيلِ، وذِكْرَهُمْ لَهُ فِي مُبْطِلاَتِ العِلَّةِ يَدُلُّ علَى إِبطَالِ الدَّلِيلِ وهُمَا أَمرَانِ مُتَنَافِيَانِ. وَالأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِكلاَمِ الجَدَلِيِّينَ، وعليه يَدُلُّ كلاَمُ إِمَامِ الحَرَمَيْنِ.

стр. 599

وَالثَّانِي مُوَافِقٌ لِمُقْتَضَى كَلاَمِ الآمِدِيِّ وَالصَّفِِيِّ الهِنْدِيِّ وَغَيْرِهِمَا، ووُجِّهَ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ تسليمَ مُوجِبٍ دليلِهِ لاَ يَرْفَعُ الخِلاَفَ بَيْنَهُمَا عُلِمَ أَنَّ مَا أَوْرَدَهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ لِلحكمِ الذي أَرَادَ إِثبَاتَهُ أَو نَفْيَهُ. وجوَابُهُ: أَنَّهُ لاَ تنَافِيَ فِي ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ المُرَادُ تسليمَ دِلاَلَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ علَى مَا ادَّعَاهُ المُسْتَدِلُّ، بَلْ تسليمَ صِحَّةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، لَكِنْ لاَ علَى قَوْلِ المُسْتَدِلِّ بَلْ علَى خلاَفِهِ، فهو مُبْطِلٌ للِعِلَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ص: وَمِنْهَا القَدْحُ فِي المُنَاسَبَةِ وفِي صَلاَحِيَّةِ إِفْضَاءِ الحُكْمِ إِلَى المَقْصُودِ وفِي الانضبَاطِ وَالظهورِ، وجَوَابُهَا بِالبيَانِ. ش: السَّابِعُ: القَدْحُ فِي المُنَاسبةِ، وهو إِظهَارُ مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ أَو مُسَاوِيَةٍ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ المُنَاسَبَةَ تَنْخَرِمُ بِالمعَارضةِ، وَالمذكورُ هُنَا عَيْنُ مَا تَقَدَّمَ، وإِنَّمَا كُرِّرَ؛ لِتَعْدِيدِ صُورِ القوَادحِ. وجوَابُهُ بِبَيَانِ ترجيحِ تِلْكَ المَصْلَحَةِ علَى تِلْكَ المَفْسَدَةِ تفصيلاً أَو إِجمَالاً. الثَامِنُ: القَدْحُ فِي صلاَحِيَّةِ إِفضَاءِ الحُكْمِ إِلَى المَصْلَحَةِ المقصودةِ مَنْ شَرْعِ الحُكْمِ لَهُ، كَتَعْلِيلِ الحُرْمَةِ المُؤَبَّدَةِ فِي حَقِّ المُحْرِمِ بِالمصَاهَرَةِ بِالاحتيَاجِ إِلَى ارتفَاع ِ (١٥٢أَ/د) الحجَاب، وهو سَبَبٌ لِلفجورِ غَالِبًا، فَإِذَا تَأَبَّدَ التَّحْرِيمُ انْسَدَّ بَابُ الطَّمَعِ. فِيقولُ المُعْتَرِضُ: بَلْ سَدُّ بَابُ النِّكَاحِ أَشَدُّ إِفضَاءً لِلفجورِ؛ فَإِنَّ النَّفْسَ مَائلةٌ لِلممنوعِ مِنْه. وجوَابُهُ بِبَيَانِ أَنَّ التَّأَبِيدَ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ فِي العَادَةِ لانسدَادِ بَابِ الطَّمَعِ، فَلاَ يَبْقَى المَحَلُّ مُشْتَهَى كَالأُمْهَاتِ. التَاسِعُ: القَدْحُ فِي انْضِبَاطِ الوَصْفِ كَالمَشَقَّةِ فِي القَصْرِ؛ فإِنَّهَا تَخْتَلِفُ بِالأَشخَاصِ وَالأَحْوَالِ وَالزمَانِ.

стр. 600

وجوَابُه: بِبِيَانِ أَنَّهُ مُنْْضَبِطٌ إِمَّا بِنَفْسِهِ كَالمَشَقَّةِ مُنْضَبِطَةٌ فِي العُرْفِ، أَوْ بِوَصْفِهِ كَالمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ. العَاشرُ: القَدْحُ فِي الوَصْفِ بِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ كَالرِّضَا (١٨٧/أ/م) فِي العُقُودِ، وجَوَابُهُ بَيَانُ ظُهُورِهِ بِصِفَةٍ ظَاهرةٍ، كَضَبْطِ الرِّضَا بما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الصِّيَغِ، ولَمَّا اشتركَتْ هذه القوَادُحُ الأَربعةُ فِي أَنَّ جوَابَهَا بِالبَيَانِ علَى مَا فَصَّلْنَاهُ جَمَعَ المُصَنِّفُ فِي الجَوَابِ بِذلكَ. ص: وَمِنْهَا الفَرْقُ، وهو رَاجِعٌ إِلَى المُعَارضَةِ فِي الأَصْلِ أَو الفَرْعِ، وَقِيلَ: إِليهمَا مَعًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قَادِحٌ، وإِنْ قِيلَ إِنَّهُ سؤَالانِ وأَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَعَدُّدُ الأُصُولِ للاَنتشَارِ، وإِنْ جُوِّزَ عِلْتَانِ قَالَ المُجِيزُونَ: ثُمَّ لو فَرَّقَ بَيْنَ الفَرْعِ وأَصْلٍ مِنْهَا كَفَى، وثَالِثُهَا: إِنْ قَصَدَ الإِلحَاقَ بِمَجْمُوعِهَا ثُمَّ فِي اقتصَارِ المُسْتَدِلِّ علَى وُجُوبِ أَصْلٍ وَاحدٍ قَوْلاَنِ. ش: الحَادِي عَشَرَ: من قوَادحِ العِلَّةِ: الفرقُ بَيْنَ الأَصْلِ وَالفَرْعِ، إِمَّا بجعلِ تَعَيُّنِ أَصلِ القِيَاسِ ـ أَي خصوصيَّتُهُ ـ عِلَّةً للحُكْمِ، وإِمَا بِجَعْلِ تَعَيُّنِ الفَرْعِ مَانعًا مِنَ الحُكْمِ، فَالأَوَّلُ كأَنْ يَقِيسَ حنفِيٌّ الخَارجَ مِنْ غَيْرِ السّبيلينِ علَى الخَارجِ مِنْهُمَا فِي نقضِ الوضوءِ بجَامعِ خروج ِالنجَاسةِ فِيهمَا. فِيقولُ شَافعيٌّ: الفرقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الخصوصيَّةَ التي فِي الأَصْلِ ـ وهي خروجُ النّجَاسةِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ ـ هي العِلَّةُ فِي انتقَاضِ الوضوءِ لاَ مُطْلَقَ خروجِهَا. وَالثَّانِي كقولِ الحَنَفِيِّ: يجِبُ القصَاصُ علَى المُسْلِمِ بقتلِ الذِّمِّيِّ، قِيَاسًا علَى غَيْرِ المسلمِ بجَامعِ القتلِ العمدِ، العدوَانُ فِيهمَا. فِيقول الشَّافِعِيُّ: الفرقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ
следующие страницы →