Полный текст (826 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
مَسْحُ الرَّأْسِ رُكْنٌ فَلاَ يَتَقَيَّدُ بِالرُّبْعِ كَالوجِهِ.
ثَانِيهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِالالتزَامِ، كَقولِ الحَنَفِيِّ فِي بَيْعِ الغَائِبِ: عَقْدُ مُعَاوضَةٍ فَيَصِحُّ بِدُونِ رؤيةِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالنكَاحِ، فَإِنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ رؤيةُ المنكوحةِ، فَنَقُولُ: عَقْدُ مُعَاوضةٍ فَلاَ يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ كَالنكَاحِ، فَنَفَيْنَا ثُبُوتَ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ فِيهِ، ويَلْزَمُ مِنْهُ انْتِفَاءُ صِحَّتِهِ؛ لأَنَّهُ لاَزِمٌ له، إِذْ كُلُّ مَنْ قَالَ بِصِحَّتِهِ قَالَ بِثُبُوتِ الخِيَارِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ.
ص: ومنه خِلاَفًا للقَاضِي: قَلْبُ المُسَاوَاةِ مِثْلُ طهَارةٍ بِالمَائِعِ فَلاَ تَجِبُ فِيهَا النِّيَّةُ كَالنجَاسةِ فَنَقُولُ: فَيَسْتَوِي جَامُدُهَا ومَائِعُهَا كَالنجَاسةِ.
ش: مِنْ هذَا القِسْمِ الأَخيرِ ـ وهو مَا يُرَادُ بِهِ إِبطَالُ مَذْهَبِ المُسْتَدِلِّ ضِمْنًا ـ نَوْعٌ يُسَمَّى قَلْبُ المُسَاوَاةِ، وهو أَنْ/ (١٥١/أَ/د) يَكُونَ فِي الأَصْلِ حُكْمَانِ وأَحَدُهُمَا:/ (١٨٥/ب/م) مُنْتَفٍ عَنِ الفَرْعِ اتفَاقًا وَالآخَرُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فِيثْبِتُ مُسْتَدِلُّ المُخْتَلَفِ فِيهِ إِلحَاقًا بَالأَصْلِ، فَيُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الحُكْمَيْنِ فِي الفَرْعِ كَمَا أَنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي الأَصْلِ، كَقَوْلِ الحَنَفِيَّةِ فِي نِيَّةِ الوضوءِ: طَهَارةٌ بِالمَاءِ فَلا يَجِبُ فِيهَا النِّيَّةُ كَإِزَالةِ النَّجَاسةِ، فَنَقُولُ: فَيَسْتَوِي جَامُدُهَا ومَائِعُهَا كَالنَّجَاسةِ، وهُمْ يُوجِبِونَ النِّيَّةَ فِي الطَّهَارةِ بِالجَامدِ وهو التَّيَمُّمُ.
وَالأَكثرون علَى قبولِه مِنْهُم الأَستَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وإِمَامُ الحَرَمَيْنِ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وذَهَبَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ وطَائفةٌ إِلَى رَدِّهِ؛ لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ التَّصْرِيحُ فِيهِ بِحُكْمِ العِلَّةِ؛ فإِنَّ الحَاصِلَ فِي الأَصْلِ نَفْيٌ، وفِي الفَرْعِ إِثبَاتٌ.
وأَجَابَ الأَكثرونَ بِأَنَّهُ لاَ يَضُرُّ اخْتِلاَفُ حُكْمِهِمَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يُنَافِي أَصْلَ
стр. 597
الاستوَاءِ الذي جُعِلَ جَامعًا.
ص: ومِنْهَا: القَوْلُ بِالمُوجِبِ، وشَاهِدُهُ: ﴿ولِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فِي جَوَابٍ ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ وهو تسليمُ الدَّلِيلِ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ، كَمَا يُقَالُ فِي المُثَقَّلِ: قُتِلَ بِمَا يَقْتِلُ غَالبًا فَلاَ يُنَافِي الْقِصَاصَ كَالإِحرَاقِ فَيُقَالُ: سَلَّمْنَا عَدَمَ المُنَافَاةِ، ولَكِنْ لِمَ قُلْتَ يَقْتَضِيهِ، وكَمَا يُقَالُ: التََّفَاوُتُ فِي الوسيلةِ لاَ يَمْنَعُ القِصَاصَ كَالمْتَوَسِّلِ إِلَيْهِ فَيُقَالُ: مُسْلِمٌ، ولاَ يَلْزَمُ مِنْ إِبطَالِ مَانعٍ انْتِفَاءُ الموَانِعِ ووُجُودِ الشَّرَائِطِ وَالمُقْتَضِي، وَالمُخْتَارُ تصديقُ المُعْتَرِضِ فِي قَوْلِهِ: لَيْسَ هذَا مَأَخَذِي، ورُبَّمَا سَكَتَ المُسْتَدِلُّ عَنْ مُقَدِّمَةٍ غَيْرِ مشهورةٍ مَخَافَةَ المَنْعِ فَيُرَدُّ القَوْلُ بِالمُوجِبِ.
ش: السَّادِسُ: القَوْلُ بِالمُوجَبِ ـ بِفَتْحِ الجِيمِ ـ أَيْ: بِمَا أَوْجَبَهُ دَلِيلُ المُسْتَدِلِّ وَاقْتَضَاهُ، أَمَّا المُوجِبُ بِكَسْرِهَا، فهو الدَّلِيلُ، وهو غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالقِيَاسِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي التَّنْزِيلِ فِي قَوْلِهِ تعَالَى: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ولِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: إِذَا أَخْرَجَ الأَعَزُّ الأَذَلَّ فأَنْتُمْ المُخْرَجُونَ ـ بِفَتحِ الرَّاءِ ـ لأَنَّكُمْ الأَذِلاَّءُ، وَالعِزَّةُ لِلَّهِ ولِمَنْ أَعَزَّهُ اللَّهُ تعَالَى.
وعَرَّفَهُ المُصَنِّفُ بِأَنَّهُ تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ، وتَبِعَ فِي ذَلِكَ ابْنَ الحَاجِبِ، وعَبَّرَ البَيْضَاوِيُّ بِتسليمِ مُقتضَى الدَّلِيلِ، وصَوَّبَهُ بعضُهم؛ لأَنَّ تسليمَ الخَصْمِ إِنَّمَا هو لِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ ومُوجِبُهُ لاَ لِنَفْسِ الدَّلِيلِ/ (١٨٦/أَ/م) لأَنَّ الدَّلِيلَ لَيْسَ مُرَادًا لِذَاتِهِ، بَلْ لِكَوْنِهِ وسيلةً إِلَى معرفةِ المدلولِ.
وذَكَرَ لَهُ المُصَنِّفُ مِثَالَيْنِ:
أَحَدَهُمَا: أَنْ يُقَالَ فِي القتلِ بِالمُثْقَلِ: قُتِلَ بِمَا يُقْتَلُ غَالبًا فَلاَ ينَافِي
стр. 598
وُجُوبَ القصَاصِ كَالإِحرَاقِ، فَيَقُولُ المُعْتَرِضُ: أَنَا أَقُولُ بِمُوجِبِهِ، وأُسَلِّمُ عَدَمَ المُنَافَاةِ، لَكِنْ لاَ يُلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوبُ القصَاصِ الذي هو مَحَلُّ النِّزَاعِ، وكَوْنُ الشَّّيْءِ لاَ يُنَافِي الشَّيْءَ لاَ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَقْتَضِيهِ.
ثَانِيهُمَا: أَنْ يُقَالَ فِي القتلِ بِالمُثْقَلِ أَيضًا: التَّفَاوتُ فِي الوسيلةِ لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ القِصَاصِ، كَالتفَاوتِ فِي المُتَوَسِّلِ إِلَيْهِ، أَيْ أَنَّ المُحَدَّدَ وَالمُثْقَلَ وسيلتَانِ إِلَى القتلِ، فَالتفَاوتُ الذي بَيْنَهُمَاْ/ (١٥١/ب/د) لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ القِصَاصِ كَالتَّفَاوُتِ فِي المُتَوَسَّلِ إِلَيْهِ، وهو النَّفْسُ؛ فَإِنَّهُ لاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالكبيرِ وَالوضِيعِ وَالشَّريفِ، فَيُقَالُ بِمُوجِبِه، وَمَعَ ذَلِكَ فَلاَ يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُوبُ القِصَاصِ؛ فإِنَّه لاَ يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَاءِ هذَا المَانعِ انْتِفَاءُ جَمِيعَ الموَانِعِ، ولاَ وُجُودَ مُقْتَضَيَاتِ ذَلِكَ، وشرَائِطِه، فَيَجُوزُ أَنْ لاَ يَجِبَ القِصَاصُ لِعَدَمِ المُقْتَضِي لَهُ أَوْ لِفَوَاتِ شَرْطٍ أَو لمَانِعٍ آخَرَ، وَهَلْ يُصَدِّقُ المُعْتَرِضُ فِي قَوْلِهِ: لَيْسَ هذَا مأَخَذِي؟
فِيهِ مَذْهَبَانِ:
أَحَدُهُمَا ـ وهو المُخْتَارُ ـ: نَعَمْ؛ لأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمَذْهَبِهِ.
وَالثَّانِي: لاَ، حتَّى نَتَبَيَّنَ مَأَخذًا آخَرَ فَقَدْ يَقُولُ ذَلِكَ عِنَادًا.
ثُمَّ ذَكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّهُ قَدْ يَسْكُتُ المُسْتَدِلُّ عَنْ مُقَدِّمَةٍ غَيْرِ مَشْهُورةٍ؛ خشيةَ أَنْ يَمْنَعَهَا الخَصْمُ فَيَحْتَاجُ إِلَى الاستدلاَلِ عَلَيْهَا فَيَقَعُ فِي أَمْرٍ آخَرَ، وهو أَنْ يَقُولَ المُعْتَرِضُ بِالمُوجِبِ، مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُ شَافِعِيٍّ، فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي الوُضُوءِ: مَا ثَبَتَ أَنَّهُ قُرْبَةٌ فَشَرْطُهُ النِّيَّةُ كَالصلاَةِ، ولاَ يَقُولُ: وَالوُضُوءُ قُرْبَةٌ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَمْنَعَ هذه المُقَدِّمَةَ، فَيَقُولُ المُعْتَرِضُ: أَنَا أَقولُ بِمُوجِبِ مَا ذَكَرْتُهُ، ولَكِنَّ مُقَدِّمَةً وَاحدةً لاَ تُنْتِجُ المُدَّعَى، وإِنَّمَا قَيَّدَهَا بِغَيْرِ المشهورةِ؛ لأَنَّ المشهورةَ كَالمذكورةِ، فَتُمْنَعُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا فَلاَ يُمْكِنُ مَنْعُهَا وَلَوْ صَرَّحَ بِذِكْرِهَا./ (١٧٦/ب/م).
قُلْتُ: هُنَا سؤَالٌ تقديرُه: أَنَّ تَسْمِيَتَهُمْ لِهذَا بِالقولِ بِالمُوجِبِ وتعريفَهم إِيَّاه بِمَا تَقَدَّمَ يَدُلَّانِ علَى تَسْلِيمِ الدَّلِيلِ، وذِكْرَهُمْ لَهُ فِي مُبْطِلاَتِ العِلَّةِ يَدُلُّ علَى إِبطَالِ الدَّلِيلِ وهُمَا أَمرَانِ مُتَنَافِيَانِ.
وَالأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِكلاَمِ الجَدَلِيِّينَ، وعليه يَدُلُّ كلاَمُ إِمَامِ الحَرَمَيْنِ.
стр. 599
وَالثَّانِي مُوَافِقٌ لِمُقْتَضَى كَلاَمِ الآمِدِيِّ وَالصَّفِِيِّ الهِنْدِيِّ وَغَيْرِهِمَا، ووُجِّهَ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ تسليمَ مُوجِبٍ دليلِهِ لاَ يَرْفَعُ الخِلاَفَ بَيْنَهُمَا عُلِمَ أَنَّ مَا أَوْرَدَهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ لِلحكمِ الذي أَرَادَ إِثبَاتَهُ أَو نَفْيَهُ.
وجوَابُهُ: أَنَّهُ لاَ تنَافِيَ فِي ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ المُرَادُ تسليمَ دِلاَلَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ علَى مَا ادَّعَاهُ المُسْتَدِلُّ، بَلْ تسليمَ صِحَّةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، لَكِنْ لاَ علَى قَوْلِ المُسْتَدِلِّ بَلْ علَى خلاَفِهِ، فهو مُبْطِلٌ للِعِلَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: وَمِنْهَا القَدْحُ فِي المُنَاسَبَةِ وفِي صَلاَحِيَّةِ إِفْضَاءِ الحُكْمِ إِلَى المَقْصُودِ وفِي الانضبَاطِ وَالظهورِ، وجَوَابُهَا بِالبيَانِ.
ش: السَّابِعُ: القَدْحُ فِي المُنَاسبةِ، وهو إِظهَارُ مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ أَو مُسَاوِيَةٍ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ المُنَاسَبَةَ تَنْخَرِمُ بِالمعَارضةِ، وَالمذكورُ هُنَا عَيْنُ مَا تَقَدَّمَ، وإِنَّمَا كُرِّرَ؛ لِتَعْدِيدِ صُورِ القوَادحِ.
وجوَابُهُ بِبَيَانِ ترجيحِ تِلْكَ المَصْلَحَةِ علَى تِلْكَ المَفْسَدَةِ تفصيلاً أَو إِجمَالاً.
الثَامِنُ: القَدْحُ فِي صلاَحِيَّةِ إِفضَاءِ الحُكْمِ إِلَى المَصْلَحَةِ المقصودةِ مَنْ شَرْعِ الحُكْمِ لَهُ، كَتَعْلِيلِ الحُرْمَةِ المُؤَبَّدَةِ فِي حَقِّ المُحْرِمِ بِالمصَاهَرَةِ بِالاحتيَاجِ إِلَى ارتفَاع ِ (١٥٢أَ/د) الحجَاب، وهو سَبَبٌ لِلفجورِ غَالِبًا، فَإِذَا تَأَبَّدَ التَّحْرِيمُ انْسَدَّ بَابُ الطَّمَعِ.
فِيقولُ المُعْتَرِضُ: بَلْ سَدُّ بَابُ النِّكَاحِ أَشَدُّ إِفضَاءً لِلفجورِ؛ فَإِنَّ النَّفْسَ مَائلةٌ لِلممنوعِ مِنْه.
وجوَابُهُ بِبَيَانِ أَنَّ التَّأَبِيدَ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ فِي العَادَةِ لانسدَادِ بَابِ الطَّمَعِ، فَلاَ يَبْقَى المَحَلُّ مُشْتَهَى كَالأُمْهَاتِ.
التَاسِعُ: القَدْحُ فِي انْضِبَاطِ الوَصْفِ كَالمَشَقَّةِ فِي القَصْرِ؛ فإِنَّهَا تَخْتَلِفُ بِالأَشخَاصِ وَالأَحْوَالِ وَالزمَانِ.
стр. 600
وجوَابُه: بِبِيَانِ أَنَّهُ مُنْْضَبِطٌ إِمَّا بِنَفْسِهِ كَالمَشَقَّةِ مُنْضَبِطَةٌ فِي العُرْفِ، أَوْ بِوَصْفِهِ كَالمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ.
العَاشرُ: القَدْحُ فِي الوَصْفِ بِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ كَالرِّضَا (١٨٧/أ/م) فِي العُقُودِ، وجَوَابُهُ بَيَانُ ظُهُورِهِ بِصِفَةٍ ظَاهرةٍ، كَضَبْطِ الرِّضَا بما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الصِّيَغِ، ولَمَّا اشتركَتْ هذه القوَادُحُ الأَربعةُ فِي أَنَّ جوَابَهَا بِالبَيَانِ علَى مَا فَصَّلْنَاهُ جَمَعَ المُصَنِّفُ فِي الجَوَابِ بِذلكَ.
ص: وَمِنْهَا الفَرْقُ، وهو رَاجِعٌ إِلَى المُعَارضَةِ فِي الأَصْلِ أَو الفَرْعِ، وَقِيلَ: إِليهمَا مَعًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قَادِحٌ، وإِنْ قِيلَ إِنَّهُ سؤَالانِ وأَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَعَدُّدُ الأُصُولِ للاَنتشَارِ، وإِنْ جُوِّزَ عِلْتَانِ قَالَ المُجِيزُونَ: ثُمَّ لو فَرَّقَ بَيْنَ الفَرْعِ وأَصْلٍ مِنْهَا كَفَى، وثَالِثُهَا: إِنْ قَصَدَ الإِلحَاقَ بِمَجْمُوعِهَا ثُمَّ فِي اقتصَارِ المُسْتَدِلِّ علَى وُجُوبِ أَصْلٍ وَاحدٍ قَوْلاَنِ.
ش: الحَادِي عَشَرَ: من قوَادحِ العِلَّةِ: الفرقُ بَيْنَ الأَصْلِ وَالفَرْعِ، إِمَّا بجعلِ تَعَيُّنِ أَصلِ القِيَاسِ ـ أَي خصوصيَّتُهُ ـ عِلَّةً للحُكْمِ، وإِمَا بِجَعْلِ تَعَيُّنِ الفَرْعِ مَانعًا مِنَ الحُكْمِ، فَالأَوَّلُ كأَنْ يَقِيسَ حنفِيٌّ الخَارجَ مِنْ غَيْرِ السّبيلينِ علَى الخَارجِ مِنْهُمَا فِي نقضِ الوضوءِ بجَامعِ خروج ِالنجَاسةِ فِيهمَا.
فِيقولُ شَافعيٌّ: الفرقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الخصوصيَّةَ التي فِي الأَصْلِ ـ وهي خروجُ النّجَاسةِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ ـ هي العِلَّةُ فِي انتقَاضِ الوضوءِ لاَ مُطْلَقَ خروجِهَا.
وَالثَّانِي كقولِ الحَنَفِيِّ: يجِبُ القصَاصُ علَى المُسْلِمِ بقتلِ الذِّمِّيِّ، قِيَاسًا علَى غَيْرِ المسلمِ بجَامعِ القتلِ العمدِ، العدوَانُ فِيهمَا.
فِيقول الشَّافِعِيُّ: الفرقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ
стр. 601
تَعَيُّنِ الفَرْعِ ـ وهو كونُه مسلِمًا ـ مَانعٌ من وُجُوبِ القصَاصِ عَلَيْهِ لشرفِه بِالإِسلاَمِ.
وذَكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّ القَدْحَ بِذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى المُعَارضَةِ فِي الأَصْلِ أَو الفَرْعِ، فحكمُه فِي الرَّدِّ وَالقبولِ حكمُه.
وَاستغنَى المُصَنِّفُ بِذَلِكَ عَن تعريفِه، وعن جوَابِ المُسْتَدِلِّ عَنْهُ لتقدُّمِ ذَلِكَ فِي عدمِ التّأَثيرِ.
وذهَبَ كثيرٌ مِنَ المتقدِّمِينَ إِلَى أَنَّهُ معَارضَةٌ فِي الأَصْلِ وَالفَرْعِ معًا، حتَّى لو اقْتَصَرَ علَى أَحَدِهِمَا لاَ يَكُونُ فَرْقًا، وفِي قبولِه قولاَنِ:
أَصحُّهُمَا قبولُه، وأَنَّهُ قَادِحٌ؛ لأَنَّهُ علَى أَيِّ وَجْهٍ ورَدَ يُوهِنُ غَرَضَ المُسْتَدِلِّ مِنَ الجمعِ، ويبطُلُ مقصودُه، وَحَكَاهُ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ عَن جمَاهيرِ/ (١٨٧/ب/م) الفقهَاءِ.
وقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي (المُلَخَّصِ) إِنَّهُ أَفقَهُ (١٥٢/ب/د) شَيْءٍ يجري فِي النَّظَرِ، وَبِهِ يُعْرَفُ فقهُ المسأَلةِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ مردودٌ لاَ يقدَحُ، وعَزَاهُ ابنُ السَّمْعَانِيُّ للمحقِّقِينَ، وذكَرَ البَيْضَاوِيُّ أَنَّ الخِلاَفَ فِي النوعِ الأَوَّل مبنيٌّ علَى الخِلاَف فِي جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ، فإِنْ جَوَّزْنَاه فهو غَيْرُ قَادِحٍ لجوَازِ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَهُ المُسْتَدِلُّ- وهو مُطْلَقُ خروجِ النّجَاسَةِ فِي مِثَالِنَا- عِلَّةً، ومَا ذَكَرَهُ المُعْتَرِضُ وهو خروجُ النّجَاسةِ مِنَ السّبيلينِ عِلَّةٌ أُخْرَى، وإِنْ مَنَعْنَا كَانَ قَادِحًا، وأَنَّ الخِلاَفَ فِي النوعِ الثَّانِي مَبْنِيٌّ علَى الخِلاَفِ فِي النَّقْضِ إِذَا كَانَ لِمَانعٍ هَلْ يَقْدَحُ فِي العِلِّيَّةِ أَمْ لاَ؟
فإِن قُلْنَا: لاَ يقدَحُ، فهذَا كذلك؛ لأَنَّ الوَصْفَ الذي ادَّعَى المُسْتَدِلُّ عِلِّيَّتَهُ لمَا وُجِدَ فِي الفَرْعِ وتَخَلَّفَ فِيهِ الحُكْمُ لِمَانِعٍ قَامَ بِهِ فهذَا نقضٌ لمَانِعٍ، فِيقدحُ عِنْدَ القَائلِ بِالقدحِ بِالنقضِ لمَانعٍ وإِلاَّ فلاَ، فَيَكُونُ المُخْتَارُ عِنْدَ البَيْضَاوِيِّ قدحُ النّوعِ الأَوَّلِ فِي المُسْتَنْبَطَةِ دُونَ المَنْصُوصَةِ، وعدمُ قدحِ النوعِ الثَّانِي مُطْلَقًا، لاخْتِيَارِه جَوَازَ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ فِي المُسْتَنْبَطَة دُونَ المَنْصُوصَةِ، وأَن النَّقْضَ لمَانعٍ
стр. 602
غَيْرُ قَادحٍ.
وأَشَارَ المُصَنِّف بِقَوْلِهِ: (وإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ سؤَالانِ) إِلَى أَنَّهُ اختلَفَ فِي أَنَّهُ سؤَالٌ أَو سؤَالانِ.
فقِيلَ: إِنَّهُ سؤَالٌ وَاحدٌ لاتِّحَادِ المَقْصُودِ مِنْهُ، وهو قطعُ الجمعِ.
وقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: سؤَالانِ لاشتمَالِه علَى معَارضةِ عِلَّةِ الأَصْلِ بعلَّةٍ، ثُمَّ مُعَارَضَةُ الفَرْعِ بِعِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ فِي جَانبِ الفَرْعِ، وأَنَّهُ مقبولٌ علَى الأَوَّلِ قَطْعًا، وَالخِلاَفُ إِنَّمَا هو إِذَا قُلْنَا بِالثَاني، فَمِنْهُمْ مَنْ ردَّهُ، وقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يُورَدَ كلُّ سؤَالٍ علَى حيَالِهِ، وَالصَّحِيحُ القبولُ، وجوَازُ الجمعِ بَيْنَهُمَا لأَنَّهُ أََْضْبَطُ وأَجمعُ لتفرُّقِ الكلاَمِ.
وقَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ: المُخْتَارُ عندَنَا ـ وَارتضَاه كلُّ مَنْ يَنْتَمِي إِلَى التحقيقِ ـ أَنَّهُ صحيحٌ مقبولٌ، وإِنِ اشتمَلَ علَى معنَى معَارضةِ الأَصْلِ ومعَارضةِ عِلَّةِ الفَرْعِ بعلَّةٍ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ مِنْهُ المُعَارضَةُ بَلْ منَاقضةُ الجمعِ.
قَالَ الشَّارِحُ: فَالقَائِلُ بأَنَّهُ سؤَالانِ لَمْ يَقْبَلْهُ علَى أَنَّهُ فَرْقٌ، بَلْ معَارضةٌ، فكلاَمُ المُصَنِّفِ مُنْخَدِشٌ بهذَا، انْتَهَى.
ثم حكَى المُصَنِّفُ خِلاَفًا فِي أَنَّهُ هَلْ يَمْتَنِعُ/ (١٨٨/أَ/م) تعدُّدُ الأُصُولِ المَقِيسِ عَلَيْهَا؟
وصحَّحَ مَنْعَهُ لإِفضَائِه إِلَى الانتشَارِ مَعَ إِمكَانِ حُصُولِ المَقْصُودِ بوَاحدٍ مِنْهَا، ولو جَوَّزْنَا تَعْلِيلَ الحُكْمِ الوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ.
وصحَّحَ ابْنُ الحَاجِبِ جَوَازَهُ، لمَا فِيهِ من تكثيرِ الأَدلَّةِ، وهو أَقوَى فِي إِفَادةِ الظَّنِّ.
فإِن قُلْتَ: كلاَمُ المُصَنِّفِ فِي الاعترَاضَاتِ، وهذَا الخِلاَفُ فِي الدَّلِيلِ.
قُلْتُ: هو كذلك، ولكنَّهُ حكَى هذَا الخِلاَفَ؛ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ الخِلاَفَ المذكورَ
стр. 603
بعدَه، وهو من مَسَائِلِ الاعترَاضَاتِ، وتقرُّرُهُ أَنَّا إِذَا جوَّزْنَا تعدُّدَ أَصولِ المُسْتَدِلِّ فَهَلْ يَكْفِي المُعْتَرِضُ بيَانَ/ (١٥٣/أَ/د) الفرقِ بَيْنَ أَصلٍ وَاحدٍ وَبَيْنَ الفَرْعِ، أَو لاَ بُدَّ مِنْ إِبدَاءِ الفَرْقِ بَيْنَه وَبَيْنَ جَمِيعِ الأَصولِ.
فِيه ثلاَثةُ مَذَاهِبَ: أَصحُّهَا ـ كمَا قَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ ـ: الاكتفَاءُ لانخرَامِ غرضِ المُسْتَدِلِّ فِي إِلحَاقِه بجميعِ تِلْكَ الأَصولِ.
وَالثَّانِي: لاَ، لبقَاءِ إِلحَاقِه ببقيَّةِ تِلْكَ الأَصولِ.
وَالثَّالِثُ ـ وَاختَارَه الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ ـ: أَنَّهُ إِن كَانَ غرضُ المُسْتَدِلِّ مِنَ الأَقيسةِ المتعدِّدَةِ إِثبَاتُ المطلوبِ بصفةِ الرُّجْحَانِ وغلبةِ الظَّنِّ المخصوصِ ـ كفَى ذَلِكَ، وإِنْ كَانَ غرضُه إِثبَاتَ أَصلِ المطلوبِ لَمْ يَكْفِ؛ لأَنَّهُ متَى سَلَمَ عَنِ القَدْحِ قِيَاسٌ وَاحدٌ بقِي غرضُ المُسْتَدِلِّ.
قُلْتُ: وَالعبَارةُ التي عبَّرَ بِهَا المُصَنِّفُ عَنْ هذَا القَوْلِ الثَّالِثِ لاَ تحصُلُ هذَا الغرضِ، فإِنَّ المُسْتَدِلََّ علَى كلِّ حَالٍ أَلْحَقَ بِالجُمُوعِ، وإِنَّمَا افترَقَا فِي أَنَّهُ قصدَ مَعَ ذَلِكَ صِفَةَ الرُّجْحَانِ، وغَلَبَةُ الظَّنِّ المخصوصِ، أَو لَمْ يُرِدْ إِلا إِثبَاتَ أَصلِ المطلوبِ، فإِذَا فَرَّعْنَا علَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ الفرقِ بَيْنَ ذَلِكَ الفَرْعِ وَبَيْنَ كُلَّ وَاحدٍ مِنَ الأُصُولِ فَهَلْ يَكْفِي المُسْتَدِلُّ فِي الجوَابِ الاقتصَارُ علَى أَصلٍ وَاحدٍ؟
فِيه قولاَنِ، فَمَنْ اكْتَفَى بِهِ قَالَ: يحصُلُ بِهِ مقصودُ المُسْتَدِلِّ، ومَنْ لَمْ يَكْتَفِ بِهِ قَالَ: قَد الْتَزَمَ المُسْتَدِلُّ صِحَّةَ القِيَاسِ علَى كُلِّ الأَصولِ، فإِذَا عُورِضَ فِي الجميعِ وَجَبَ الجوَابُ عَنِ الكلِّ.
ولم يَذْكُرِ الشَّارِحُ هذَا الفَرْعَ الأَخيرَ، وهو ثَابِتٌ فِي النُّسَخِِ الصحيحةِ مِنْ هذَا الكتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: ومنهَا: فسَادُ الوضعِ بأَنْ لاَ يَكُونَ الدَّلِيلُ علَى الهيئةِ الصَّالحَةِ لاعتبَارِهِ فِي ترتيبِ/ (١٨٨/ب/م) الحُكْمِ كتَلَقِّي التّخفِيفِ مِنَ التّغليظِ وَالتوسيعِ مِنَ التّضِييقِ وَالإِثبَاتِ مِنَ النَّفْيِ مثلَ: القتلُ جنَايةٌ
стр. 604
عظيمةٌ فَلاَ يُكَفَّرُ كَالرِّدَّةِ، ومنه كَوْنُ الجَامِعِ ثبَتَ اعتبَارُه بنصٍّ أَو إِجمَاعٍ فِي نقيضِ الحُكْمِ وجوَابُهمَا بتقريرِ كَوْنِهِ كذلك.
ش: الثَّانِي عشرَ: فسَادُ الوضعِ، وهو أَنْ لاَ يَكُونَ الدَّلِيلُ علَى الهيئةِ الصَّالحةِ لاعتبَارِهِ فِي تَرْتِيبِ الحُكْمِ، سَوَاءً أَكَانَ علَى هيئةٍ تصلُحُ لأَنْ يترتَّبَ عَلَيْهِ ضدُّه أَو لاَ، كأَنْ يَكُونَ وصفًا طرديًا لاَ يصلُحُ للعِلِّيَّةِ، وإِنَّمَا سُمِّيَ هذَا فسَادُ الوضعِ؛ لأَنَّ وضْعَ القِيَاسِ أَنْ يَكُونَ علَى هيئةٍ صَالحةٍ؛ لأَنْ يترتَّبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الحُكْمُ المطلوبُ إِثبَاتُهُ، فمتَى خلاَ عن ذَلِكَ فسَدَ وَضْعُهُ، وذلك كتَلَقِّي التّخفِيفِ مِنَ التّغليظِ، كقولِ الحَنَفِيِّ: القتلُ جنَايةٌ عظيمةٌ فَلاَ تجِبُ فِيهِ الكفَارةُ كغيرِهِ مِنَ الكبَائرِ نحوَ الرَّدَّةِ، فإِنَّ كَوْنَهُ جنَايةً عظيمةً تُنَاسِبُ التَّغْلِيظَ لاَ التّخفِيفَ.
أَو التّوسيعَ مِنَ التّضِييقِ، كقولِهم فِي أَنَّ الزّكَاةَ علَى التّرَاخِي: مَالٌ وجَبَ إِرفَاقًا لدفِعِ الحَاجةِ فهو علَى التّرَاخي كَالدِّيَةِ علَى العَاقلةِ، فإِنَّ كَوْنَهُ لدفعِ الحَاجةِ تقتضِي الفورَ.
أَو الإِثبَاتَ مِنَ النَّفْيِ، كَقَوْلِنَا فِي المعَاطَاتِ وَالمحقَّرَاتِ، بيعً لَمْ يُوجَدْ فِيهِ سوَى الرِّضَى/ (١٥٣/ب/د) فوجَبَ أََنْ يبطُلَ كغيرِ المحقَّرَاتِ، فإِنَّ الرِّضَى يُنَاسِبُ الانعقَادَ لاَ عدمَه.
وَاقتصَرَ المُصَنِّفُ علَى مثَالِ الأَوَّلِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ مِنْ أَنوَاعِ فسَادِ الوضعِ أَنْ يثبُتَ بنصٍ أَو إِجمَاعٍ اعتبَارُ الجَامِعِ فِي نقيضِ الحُكْمِ، كقولِ الحَنَفِيِّ فِي سُؤْرِ السّبَاعِ: سَبُعٌ ذو نَابٍ فكَانَ سُؤْرُهُ نجسًا كَالكلبِ.
فنقولُ: قَد ثبَتَ بِالنَّصْبِ اعتبَارُ الجَامِعِ وهو سُؤْرُ السَّبْعِ فِي نقيضِ الحُكْمِ، وهو الطَّهَارةُ، وذلك فِيمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يأَتِي دَارَ قَوْمٍ مِنَ الأَنصَارِ ودونَهم دَارٌ فشَقَّ
стр. 605
ذَلِكَ عليهم، فقَالَ لهم: ((إِنْ كَانَ دَارُكم كَلْبًا)) فقَالُوا: إِن فِي دَارِهم سَبُعًا فقَالَ: ((الهِرَّةُ سَبُعٌ)) فجَعَلَ السَّبُعِيَّةَ عِلَّةَ الطّهَارةِ، ولم يَذْكُرِ ابْنُ الحَاجِبِ لفسَادِ الوضعِ غَيْرَ هذَا النّوعِ، فأَشَار المُصَنِّفِ للاَعترَاضِ عَلَيْهِ، وفِي اقتصَارِهِ علَى نوعٍ مِنْهُ، وتفسيرِ الكلِّ بِالجزءِ.
وجوَابِهمَا ـ أَي النّوعِ الأَوَّلِ وَالثَّانِي مِنْ فسَادِ الوضعِ ـ بتقديرِ/ (١٨٩/أَ/م) كَوْنِه كَذَلِكَ أَي: بأَنْ يُقَرِّرَ أَنَّ الأَوَّلَ علَى هيئةٍ صَالحةٍ لاعتبَارِهِ فِي ثُبُوتِ الحُكْمِ بأَنْ يَكُونَ للوصفِ جِهَتَانِ ينَاسبُ بإِحْدَاهُمَا التّغليظَ وبِالأُخْرَى التَّخْفِيفَ، وكونُ الثَّانِي كَذَلِكَ إِمَّا بأَنْ يَمْنَعَ كَوْنَ عِلَّتِهِ تقتضِي نقيضَ مَا عَلَّقََ عَلَيْهَا أَو يَسْلَمُ ذَلِكَ، ولكن تبيَّنَ وُجُودُ مَانعٍ فِي أَصلِ المُعْتَرِضِ.
ص: وَمِنْهَا فسَادُ الاعْتِبَارِ بِأَنْ يخَالِفُ نصًّا أَو إِجمَاعًا وهو أَعمُّ مِنْ فسَادِ الوضعِ، وَلَهُ تقديمُه علَى المُنَوَّعَاتِ، وتَأْخِيرُهُ عَنْهَا وجوَابُه الطَّعْنُ فِي سندِهِ، أَو المُعَارضَةِ لَهُ، أَو مَنْعِ الظُّهُورِ، أَو التَّأْوِيلِ.
ش: الثَّالِثَ عشرَ: فسَادُ الاعْتِبَارِ، وعرَّفَهُ المُصَنِّفُ بأَنَّهُ يخَالِفُ نصًّا أَو إِجمَاعًا كَقَوْلِنَا: لاَ يصِحُّ +السَّلْمُ فِي الحيوَانِ؛ لأَنَّهُ عَقْدٌ يشتمِلُ علَى الغَرَرِ، فَلاَ يصِحُّ كَالسَّلْمِ فِي المُخْتَلَطَاتِ.
فَيُقَالَ: هذَا فَاسدُ الاعْتِبَارِ؛ لِمُخَالَفَتِهِ أَنَّهُ ﵊ أَرْخَصَ فِي +السَّلْمِ.
وكقول الحَنَفِيِّ: لاَ يَجُوزُ للرجلِ تغسيلُ زوجتِه المَيْتَةِ؛ لأَنَّهُ يحرُمُ النَّظَرُ إِليهَا كَالأَجنبيَّةِ.
стр. 606
فيقالَ: هذَا مخَالِفٌ للإِجمَاعِ السكوتيِّ أَنَّ عَلِيًّا غسَّلَ فَاطمةَ ﵉، ولم يُنْكِرْه أَحدٌ.
وَاعْتُرِضَ علَى تعريفِه بِذَلِكَ بأَنَّهُ غَيْرُ جَامعٍ، لأَنَّهُ يخرُجُ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ إِحدَى مقدِّمَاتِه مخَالفةً للنصِّ أَو الإِجمَاعِ، أَو يَكُونَ الحُكْمُ ممَا لاَ يُمْكِنُ ثُبُوتُهُ بِالقِيَاسِ، كإِلحَاقِ المَصَرَّاةِ بغير، هَا مِنَ المَعِيبِ لمخَالفتِهِ للنصِّ الوَاردِ فِيهَا، أَو يَكُونَ تركيبُه مشعرًا بنقيضِ الحُكْمِ المطلوبِ.
وسُمِّي بِذَلِكَ لأَنَّ اعتبَارَ القِيَاسِ مَعَ مخَالفةِ النَّصِّ أَو الإِجمَاعِ اعتبَارٌ فَاسِدٌ، لاعتبَارِ الأَضْعَفِ فِي مخَالفةِ الأَقوَى.
ثم ذكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّ فسَادَ الاعْتِبَارِ أَعمُّ مِنْ فسَادِ الوضعِ المذكورِ/ (١٥٤/أَ/د) قَبِلَهُ، فإِنَّ مِنْ أَقسَامِه أَنْ يَكُونَ تركيبُه مشعِرًا بنقيضِ الحُكْمِ المطلوبِ وهذَا لاَ يدخُلُ فِي فسَادِ الوضعِ.
قَالَ الشَّارِحُ: وهذَا ظَاهرٌ علَى تفسيرِ فسَادِ الاعْتِبَارِ بمَا ذَكَرْنَاه فأَمَّا علَى تفسيرِه المُصَنِّفِ، ففسَادُ الوضعِ أَعمُّ.
ثم ذَكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّ المُعْتَرِضَ مخيَّرٌ بَيْنَ تقديمِ ذِكْرِ فسَادِ الاعْتِبَارِ علَى المُنَوَّعَاتِ وتأَخيرِهِ عَنْهُ، وتوجيهِ التّقديمِ أَنَّ فسَادَ الاعْتِبَارِ يغني عَن مَنْعِ المقدِّمَاتِ، وتوجيهُ/ (١٨٩/ب/م) التّأَخيرِ أَنَّهُ يُطَالِبُ أَوَّلاً بتصحيحِ مُقَدِّمَاتِ قيَاسِهِ، فإِذَا صَحَّحَهَا رَدَّ بأَنَّهُ فَاسِدُ الاعْتِبَارِ، ولِلْمُسْتَدِلِّ الجوَابُ عَن فسَادِ الاعْتِبَارِ بطرُقٍ.
منهَا: الطَّعْنُ فِي سندِهِ؛ أَي: فِي النَّصِّ الذي ادَّعَى المُعْتَرِضُ كَوْنَ القِيَاسِ علَى خلاَفِهِ، إِمَّا بِمَنْعِ صِحَّتِهِ لضعفِ إِسنَادِهِ، وإِمَا بِمَنْعِ دلاَلَتِهِ؛ ولهذَا أَطلَقَ ابْنُ الحَاجِبِ الطَّعْنَ، وقيَّدَهُ المُصَنِّفُ بِالسَّنَدِ، وحمَلَ فِي شرحِهِ كلاَمُ ابْنُ الحَاجِبِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كذلك.
ومنهَا: المُعَارضَةُ بِنَصٍّ آخَرَ مِثْلَهُ فِيتسَاقطَانِ ويَسْلَمُ قيَاسُهُ.
стр. 607
ومنهَا: مَنْعُ ظهورِ دلاَلتِه علَى مَنْ يلزَمُ مِنْهُ فسَادُ القِيَاسِ.
ومنهَا: تأَويلُهُ بدليلٍ يُرَجِّحُهُ علَى الظَّاهِرِ.
ص: وَمِنْهَا مَنْعُ عِلِّيَّةِ الوَصْفِ ويُسَمَّى المطَالبةُ بتصحيحِ العِلَّةِ وَالأَصَحُّ قبولُه وجوَابُه بإِثبَاتِهِ.
ش: الرَّابِعَ عشرَ: مَنْعُ كَوْنِ الوَصْفِ عِلَّةً، وهو أَعظمُ الأَمثلةِ لعمومِهِ فِي كلِّ مَا يُدَّعَى عِلِّيَّتُهُ، ويُسَمَّى المطَالبةُ بتصحيحِ العِلَّةِ، بَلْ هو المفهومُ مِنْ إِطلاَقِهِمْ المطَالبةُ، وإِذَا أُرِيدَ غَيْرُه قُيِّدَ، وَالأَصَحُّ قبولُه، وإِلاَّ تَمَسَّكَ المُسْتَدِلُّ بِالأَوصَافِ الطَّرْدِيَّةِ.
وَقِيلَ: لاَ يُقْبَلُ لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى الانتشَارِ وعدمِ الضّبطِ، وجوَابُه بأَنْ يُثْبِتُ المُسْتَدِلُّ عِلِّيَّتَهُ بطريقٍ مِنَ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ علَى ذلك.
ص: ومِنْهُ مَنْعُ وصفِ العِلَّةِ كَقَوْلِنَا فِي إِفسَادِ الصّومِ بِغَيْرِ الجِمَاعِ: الكفَارةُ للزجرِ عَنِ الجمَاعِ المحذورِ فِي الصومِ فوجَبَ اختصَاصُهَا بِهِ كَالحدِّ فيُقَالُ: بَلْ عَنِ الإِفطَارِ المحذورِ فِيهِ وجوَابُهُ بتبيينِ اعتبَارِ الخصوصيَّةِ، وكأَنَّ المُعْتَرِضَ يُنَقِّحُ المَنَاطَ وَالمستدلُّ يُحَقِّقُهُ.
ش: يَنْدَرِجُ فِي القَادحِ المتقدِّمِ ـ وهو مَنْعُ عِلَّيَّةِ الوَصْفِ ـ أُمُورٌ:
منهَا: مَنْعُ وصفِ العِلَّةِ، كَقَوْلِنَا فِي أَنَّ إِفسَادَ صومِ رمضَانَ بِالأَكلِ وَالشُّرْبِ لاَ يُوجِبُ، الكفَارةُ شُرِعَتْ زَجْرًا عَنِ ارتكَابِ الجمَاعِ الذي هو محذورٌ بِالصومِ، فَاخْتُصَّتْ بِهِ كَالحدِّ، فَيَمَنْعُ المُعْتَرِضُ وَصْفَ العِلَّةِ التي هي الإِفطَارُ بخصوصيَّةِ الجِمَاعِ، ويقولُ: بَلِ العِلَّةُ فِي ذَلِكَ الإِفطَارُ وهو محذورُ الصّومِ، سَوَاءً أَكَانَ بِالجمَاعِ أَو غيرِهِ.
стр. 608
وجوَابُهُ أَنْ يُبَيِّنَ المُسْتَدِلُّ اعتبَارَ خصوصيَّةِ الجمَاعِ فِي ذَلِكَ، فإِنَّ الأَعرَابيَّ لمَا سأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الجمَاعِ، أَوْجَبَ عَلَيْهِ الكفَارةَ، فكَانَ كقولِه:/ (١٩٠/أَ/م) جَامَعْتُ فِي نهَارِ رَمَضَانَ فَكَفَّرَ، فترتيبُ الحُكْمِ علَى الوَصْفِ يُشْعِرُ بِالعِلِّيَّةِ/ (١٥٤ب/د) ومقتضَاه أَنْ تَكُونَ العِلَّةُ خُصُوصِيَّةَ الجِمَاعِ لاَ مُطْلَقَ الإِفطَارِ، وكأَنَّ المُعْتَرِضَ يُنَقِّحُ المنَاطَ؛ لأَنَّهُ حَذَفَ خصوصَ الجمَاعِ، ونَاطَ الحُكْمَ بِالأَعمِّ وهو الإِفطَارُ، وَالمُسْتَدِلُّ يحقِّقُ المنَاطَ؛ لأَنَّهُ حقَّقَ علية هذَا الوَصْفَ الخَاصَّ.
فإِن قُلْتَ: كلاَهمَا من مسَالِكِ العِلَّةِ فتعَارَضَا.
قُلْتُ: يُرَجِّحُ التَّحْقِيقَ فإِنَّه يَرْفَعَ النّزَاعَ.
ص: ومَنْعُ حُكْمِ الأَصْلِ وفِي كَوْنِهِ قَطْعًا للمُسْتَدِلِّ مَذَاهِبُ، ثَالِثُهَا قَالَ الأَستَاذُ: إِن كَانَ ظَاهِرًا، وقَالَ الغَزَالِيُّ: يُعْتَبَرُ عُرْفُ المكَانِ، وقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشّيرَازيُ: لاَ يُسْمَعُ فإِنْ دَلَّ عَلَيْهِ لَمْ يَنْقَطِعُ المُعْتَرِضُ علَى المُخْتَارِ بَلْ لَهُ أَن يعودَ ويَعْتَرِضَ.
ش: من أَنوَاعِ المَنْعِ أَنْ يَمْنَعَ المُعْتَرِضُ حُكْمَ الأَصْلِ، كأَنْ يقولَ شَافعيٌّ: الخلُّ مَائعٌ لاَ يَرْفَعُ الحدثَ، فَلاَ يُزِيلُ النجَاسةَ كَالدُّهْنِ.
فِيقولُ الحَنَفِيُّ: لاَ أُسَلِّمُ الحُكْمَ فِي الأَصْلِ، فإِنَّ الدُّهْنَ عندي يُزِيلَ النّجَاسَةَ، فَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ ينقطِعُ المُسْتَدِلُّ بِذَلِكَ أَمْ لاَ؟
علَى مَذَاهِبَ:
أَصحُّهَا: أَنَّهُ لاَ ينقَطِعُ بذلك؛ لأَنَّهُ مَنَعَ مُقَدِّمَةً مِنْ مُقَدِّمَاتِ القِيَاسِ فلَهُ إِثبَاتُهُ كسَائرِ المُقَدِّمَاتِ.
وَالثَّانِي: يَنْقَطِعُ؛ لأَنَّهُ انتقَالٌ مِنْ حُكْمِ الفَرْعِ إِلَى حُكْمِ الأَصْلِ.
стр. 609
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ المَنْعُ ظَاهِرًا يَعْرِفُهُ أَكثرُ الفقهَاءِ صَار مُنْقَطِعًا لبنَائِه المُخْتَلِفِ فِيهِ علَى المُخْتَلِفِ فِيهِ، وإِنْ كَانَ خفِيًّا بِحَيْثُ لاَ يَعْرِفُه إِلا الخوَاصُّ فلاَ، وهو اختيَارُ الأَستَاذِ أَبِي إِسحَاقَ، ونقَلَ ابْنُ بَرْهَانَ فِي (الأَوسطِ) عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنَ الظَّاهِرِ مَا إِذَا قَالَ فِي نَفْسِ الاستدلالِ: إِنْ +سَلَّمْتُ وإِلاَّ نَقَلْتُ الكلاَمَ عَلَيْهِ، فَلاَ يُعَدُّ منقطعًا.
وَالرَّابِعُ ـ وَبِهِ قَالَ الغَزَالِيُّ: يُعْتَبَرُ عُرْفُ ذَلِكَ المكَانِ، فإِنْ عَدُّوه مُنْقَطِعًا فذَاك، وإِلاَّ لَمْ يَنْقَطِعْ، فإِنَّ لِلْجَدَلِ عُرْفًا ومرَاسيمَ فِي كلِّ مكَانٍ فَيُتْبَعُ.
وَالخَامِسُ ـ وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ / (١٩٠/ب/م) الشّيرَازِيُّ ـ: إِنَّهُ لاَ يُسْمَعُ أَصلاً، ولاَ يَلْزَمُ المُسْتَدِلُّ ذِكْرَ دَلِيلِ الأَصْلِ، بَلْ يقولُ: قِسْتُ علَى أَصليٍّ ـ وهو بعيدٌ، فإِنَّ القِيَاسَ علَى أَصلٍ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ولاَ يَعْتَقِدُه الخَصْمُ لاَ يَنْتَهِضُ دَلِيلاً علَى الخَصْمِ، كَذَا حَكَاهُ ابْنُ الحَاجِبِ عَنْهُ، لكنَّ الذي فِي (المُلَخَّصِ) لَهُ سمَاعُ المَنْعِ.
وكَان يَنْبَغِي تقديمُ حكَايةَ الخِلاَفِ فِي أَنَّهُ يَسْمَعُ أَمْ لاَ؟ فإِذَا قُلْنَا بِسَمَاعِهِ فَهَلْ يَنْقَطِعُ المُسْتَدِلُّ أَمْ لاَ؟ فهذَا أَلْيَقُ فِي التّرتِيبِ.
فإِذَا فَرَعْنَا علَى سمَاعِ المَنْعِ، وأَنَّهُ لاَ يَنْقَطِعُ بِهِ المُسْتَدِلُّ بَلْ لَهُ إِقَامةُ الدَّلِيلِ علَى حُكْمِ الأَصْلِ، فأَقَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، فَهَلْ يَنْقَطِعُ المُعْتَرِضُ أَمْ لاَ؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ:
المُخْتَارُ: لاَ، بَلْ لَهُ أَنْ يعودَ وَيَعْتَرِضَ علَى ذَلِكَ الدَّلِيلِ بطريقِه، إِذ لاَ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ صُورَةِ دَلِيلٍ صحَّتُهُ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ، لأَنَّ اشتغَالَه بِذَلِكَ خُرُوجٌ عَنِ المَقْصُودِ الأَصْلِيِّ.
ص: وَقَدْ يُقَالُ: لاَ نُسَلِّمُ حُكْمَ الأَصْلِ،+ سَلَّمْنَا ولاَ نُسَلِّمُ أَنَّهُ ممَا
стр. 610
يُقَاسُ فِيهِ، +سَلَّمْنَا ولاَ نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُعَلَّلٌ، +سَلَّمْنَا، ولاَ نُسَلِّمُ أَن هذَا الوَصْفَ عِلَّتُه، +سَلَّمْنَا ولاَ نُسَلِّمُ وُجُودَه فِيهِ، سَلَّمْنَا ولاَ نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُتَعَدٍّ، سَلَّمْنَا، ولاَ نُسَلِّمُ وُجُودَه فِي الفَرْعِ، فَيُجَابُ بِالدفعِ بمَا عُرِفَ مِنَ الطُّرُقِ.
ش: ذَكَرَ فِي هذه الجُمْلَةِ سَبْعَ اعترَاضَاتٍ، ثلاَثَةٌ تتعلَّقُ بَالأَصْلِ، وثلاَثَةٌ بَالعِلَّةِ، ووَاحِدَةٌ بَالفَرْعِ، وفُهِمَ مِنْ إِيرَادِهَا علَى هذَا التّرتيبِ وجوبُه لمنَاسبةِ ذَلِكَ للترتيبِ الطَّبِيعِيِّ، فَيُقَدَّمُ مِنْهَا مَا يتعلَّقُ بَالأَصْلِ مِنْ مَنْعِ حُكْمِهِ أَو كَوْنِهِ مِمَّا لاَ يُقَاسُ عَلَيْهِ أَو كَوْنُهُ غَيْرَ مُعَلَّلٍ، ثُمَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالعِلَّةِ؛ لأَنَّهَا فَرْعُهُ لاستنبَاطِهَا مِنْهُ مِنْ مَنْعِ كَوْنِ ذَلِكَ الوَصْفِ عِلَّةً أَو مَنْعِ وُجُودِهِ فِي الأَصْلِ أَو مَنْعِ كَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا، ثُمَّ مَا يتعلَّقُ بَالفَرْعِ لانْبِنَائِهِ عَلَيْهِمَا، كمَنْعِ وُجُودِ الوَصْفِ المُدَّعَى عِلِّيَّتُهُ فِي الفَرْعِ، وجوَابُ هَذِهِ الاعترَاضَاتُ بِدَفْعِ مَا يُرَادُ دَفْعُه مِنْهَا بطريقِه المفهومةِ ممَّا تقدَّمَ.
ص: ومِنْ ثُمَّ عُرِفَ جَوَازُ إِيرَادِ المعَارَضَاتِ مِنْ نوعٍ، وكذَا مِنْ أَنوَاعٍ وإِن كَانَتْ مُتَرَتِّبَةً أَي يَسْتَدْعِي تَالِيهَا/ (١٩١/أَ/م) تَسْلِيمَ مَتْلُوَّهُ؛ لأَنَّ تسليمَه تقديريٌّ، وثَالِثُهَا التَّفْصِيلُ.
ش: أَي: عُرِفَ - ممَّا سَبَقَ فِي ذِكْرِهِ هذه المُنَوَّعَ - جَوَازُ إِيرَادِ معَارضَاتٍ متعدِّدَةٍ مِنْ نوعٍ وَاحدٍ، وهذَا لاَ خِلاَفَ فِيهِ، فإِنْ كَانَتْ مِنْ أَنوَاعٍ مختلِفَةٍ ففِيه مَذَاهِبُ.
أَحَدُهَا ـ وَبِهِ قَالَ الجُمْهُورُ ـ: الجوَازُ.
وَالثَّانِي ـ وهو مَحْكِيٌّ عَن أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ ـ: المَنْعُ للاَنتشَارِ، فِيجِبُ
стр. 611
الاقتصَارُ علَى سؤَالٍ وَاحدٍ.
وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ، فإِنْ كَانَتْ الأَسئلةُ مُتَرَتِّبَةً أَي يَسْتَدْعِي تَاليهَا تَسْلِيمَ مَتْلُوَّهُ، كَالمُعَارضةِ بعدَ مَنْعِ وُجُودِ الوَصْفِ فِي الأَصْلِ ـ امْتَنَعَ، فإِنَّ السؤَالَ الثَّانِي يتضمَّنُ تسليمَ الأَوَّلِ؛ لأَنَّكَ تقولُ: لاَ نُسَلِّمُ ثُبُوتَ الحُكْمِ فِي الأَصْلِ، ولَئِنْ سَلَّمْنَاه فَلاَ نُسَلِّمُ أَنَّ العِلَّةَ فِيهِ مَا ذَكَرَهُ، ومتَى سَلَّمَ الأَوَّلَ صَارَ ذِكْرُهُ مَانِعًا لاَ يَسْتَحِقُّ جوَابًا، وإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَرَتِّبَةٍ كَالنقضِ وعدمِ التّأَثيرِ جَازَ، فإِنَّه لاَ تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا، ومَنْ جَوَّزَ مُطْلَقًا قَالَ: التسليمُ لَيْسَ بحقيقيٍّ، وإِنَّمَا هو تقديريٌّ معنَاه، ولو سُلِّمَ الأَوَّلُ فَالثَّانِي مُطْلَقًا وَارِدٌ، وعلَى هذَا فِيجِبُ ترتيبُهَا وإِلاَّ لَزِمَ مِنْهُ المَنْعَ بعدَ التّسليمِ.
قَالَ الشَّارِحُ: فَيَجْتَمِعُ مَذَاهِبُ ثَالِثُهَا: التَّفْصِيلُ، فَيَجُوزُ فِي المُتَرَتِّبَةِ ويَمْتَنِعُ فِي غيرِهَا.
قُلْتُ: صوَابُهُ العَكْسُ، وهو المَنْعُ فِي المُتَرَتِّبَةِ، وَالجوَازُ فِي غيرِهَا، لمَا يَلْزَمُ فِي المُتَرَتِّبَةِ مِنَ المَنْعِ بعدَ التَّسْلِيمِ، وَقَوْلُ المُصَنِّفِ: (وإِنْ كَانَتْ مُتَرَتِّبَةً) يُفْهَمُ ذَلِكَ.
ص: وَمِنْهَا اخْتِلاَفُ الضَّابطِ فِي الأَصلِ وَالفَرْعِ لِعَدَمِ الثّقةِ بِالجَامِعِ وجوَابُه بأَنَّهُ القَدْرُ المُشْتَرَكُ أَو بأَنَّ الإِفضَاءَ سَوَاءٌ لاَ إِلغَاءُ التّفَاوتِ.
ش: الخَامِسَ عشرَ: اخْتِلاَفُ الضَّابطِ فِي الأَصْلِ وَالفَرْعِ، وذلك رَاجِعٌ إِلَى مَنْعِ وُجُودِ عِلَّةِ الأَصْلِ فِي الفَرْعِ، كَقَوْلِنَا فِي شهَادةِ الزُّورِ بِالقتلِ/ (١٥٤/ب/د): تَسَبَّبَ بِالشَّهَادةِ إِلَى القتلِ عَمْدًا فأَوْجَبَ القصَاصَ كَالإِكرَاهِ، فَيُعْتَرَضُ بأَنَّ الضَّابِطَ فِي الفَرْعِ الشّهَادةُ، وفِي الأَصْلِ الإِكرَاهُ، فَلاَ يَتَحَقَّقُ التّسَاوي بَيْنَهُمَا فِي ضبطِ
стр. 612
الحِكْمَةِ، فلم يَصِحَّ الإِلحَاقُ لِعَدَمِ الثّقةِ بِالجَامِع بَيْنَهُمَا.
ويُجَابُ عَنْهُ بأَحدِ طَرِيقَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: بيَانُ أَنَّ الجَامِعَ هو عمومُ القدرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا وهو التَّسَبُّبِ/ (١٩١/ب/م).
ثَانِيهُمَا: بيَانُ أَنَّ إِفضَاءَ الضَّابطِ فِي الفَرْعِ إِلَى المَقْصُودِ مسَاوٍ لإِفضَاءِ الضَّابطِ فِي الأَصْلِ إِلَيْهِ، +ولم مِنْهُ مَا إِذَا كَانَ أَرْجَحَ بطريقِ الأَوْلَى، ولاَ يَكْفِي فِي الجوَابِ إِلغَاءُ التّفَاوتِ بَيْنَ الشهَادةِ وَالإِكْرَاهِ حفظًا للنفسِ، فإِنَّه لاَ يَلْزَمُ مِنْ إِلغَاءِ هذَا التّفَاوتِ إِلغَاءُ كلِّ تفَاوتٍ.
ص: وَالاعترَاضَاتُ رَاجعةٌ إِلَى المَنْعِ، ومُقَدِّمُهَا الاستفسَارُ وهو طَلَبُ ذِكْرِ معنَى اللّفْظِ حَيْثُ غرَابةٌ أَو إِجمَالٌ، وَالأَصَحُّ أَنَّ بيَانَهمَا علَى المُعْتَرِضِ، ولاَ يُكَلَّفُ بيَانُ تسَاوي المحَاملِ، ويكفِيه أَنَّ الأَصْل عدمُ تفَاوتِهَا فَيُبَيِّنُ المُسْتَدِلُّ عدمَهمَا، الثَّانِي: أَو يُفَسِّرُ اللّفْظَ بمحتمِلٍ، قِيلَ: أَو بِغَيْرِ مُحْتَمِلٍ، وفِي قَبُولِ دَعْوَاه الظهورِ فِي مقصدِه دفعًا للإِجمَالِ لِعَدَمِ الظّهورِ فِي الآخرِ خلاَفٌ.
ش: ذَكَرَ الجَدَلِيُّونَ أَنَّ الاعترَاضَاتِ تَرْجِعُ إِلَى المَنْعِ فِي المقدِّمَاتِ أَو المُعَارضَةِ فِي الحُكْمِ، وبَحَثَ المُصَنِّفُ فِي (شرحِ ابْنِ الحَاجِبِ) أَنَّهَا ترجِعُ إِلَى المَنْعِ وحدَه، لأَنَّ المُعَارضَةَ مَنْعُ العِلَّةِ عَنِ الجريَانِ، وجزمَ بِهِ ههنَا.
وَحَكَاهُ الشَّارِحُ عَن بَعْضِ الجَدَلِيِّينَ، قَالَ: إِنَّ المُعَارضَةَ ترجِعُ إِلَى المَنْعِ، فَعَلَى هذَا يرجِعُ جَمِيعُ الاعترَاضَاتِ لِلْمَنْعِ.
وتقدَّمَ الاعترَاضَاتِ الاستفسَارُ، وهو مَطْلَبُ ذِكْرِ معنَى اللّفْظِ إِذَا كَانَ غَرِيبًا، إِمَّا من حَيْثُ الوضعُ كَقَوْلِنَا، لاَ يَحِلُّ السيِّدُ أَي الذّئبُ، أَو مِنْ حَيْثُ
стр. 613
الاصطلاَحِ، كذِكْرِ لفظِ الدَّوْرِ أَو التسلسلِ أَو نحوِهمَا، أَو مُجْمَلاً كذِكْرِ مُشْتَرَكٍ بلاَ قرينَةٍ، نحوُ قولِنَا: يَلْزَمُ المُطَلَّقَةَ العِدَّةُ بِالأقرَاءِ، فيُقَالُ: مَا المُرَادُ بِالأَقرَاءِ؟
وعبَارةُ القَاضِي أَبِي بكرٍ: (مَا ثَبَتَ فِيهِ الاستبْهَامُ جَازَ فِيهِ الاستفهَامُ، وهو أَعمُّ مِنْ تعبيرِ المُصَنِّفِ، وإِنمَا كَانَ الاستفسَارُ مُقَدَّمُ الاعترَاضَاتِ؛ لأَنَّ الخَصْمَ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ مَدْلُولَ اللّفْظِ استحَالَ مِنْهُ المَنْعُ أَو المعَارضَةُ.
قَالَ الشَّارِحُ: وكَانَ شَيْخُنَا عمَادُ الدِّينِ الإِسْنَوِيُّ ﵀ يقولُ: فِي كَوْنِ الاستفسَارِ مِنَ الاعترَاضَاتِ نظَرٌ، لأَنَّ الاستفسَارَ طليعةُ جنسِ الاعترَاضَاتِ وَلَيْسَ مِنْ أَقسَامِ الاعترَاضَاتِ؛ إِذ الاعترَاضَاتُ عبَارةٌ عمَا يُخْدَشُ بِهِ كلاَمُ المُسْتَدِلِّ، وَالاستفسَارُ لَيْسَ مِنْ هذَا القبيلِ، بَلْ هو مُعَرِّفٌ للمُرَادِ، ومُبَيِّنٌ لَهُ لِيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ السّؤَالُ، فإِذنْ هو طليعةُ السّؤَالِ. انْتَهَى.
قُلْتُ:/ (١٩٢/أَ/م) إِنْ أُرِيدَ بِكَوْنِه مُقَدَّمَهَا أَنَّهُ مُقَدِّمَةٌ لهَا فهو عينُ كلاَمِ الشَّيْخِ عمَادِ الدّينِ، وإِنْ أُرِيدَ/ (١٥٦/أَ/د) أَنَّهُ المُقَدَّمُ مِنْهَا، أَي فِي الذِّكْرِ فقد يُنَازَعُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الاعترَاضَاتِ، بَلْ كلاَمُ الذي يُطْلِقُ المشترَكَ بلاَ قَرِينَةٍ أَو اللّفْظُ الذي هو غَرِيبُ المَعْنَى لاَ يُعْرَفُ غَالِبًا ـ مُعْتَرِضٌ لاخْتِلاَلِ الفَهْمِ مَعَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثم حكَى المُصَنِّف خِلاَفًا فِي أَنَّ بيَانَ اشتمَالِ اللّفْظِ علَى إِجمَالٍ أَو غرَابةٍ علَى المُعْتَرِضِ لِيَصِحَّ مِنْهُ الاستفسَارُ، فَيُبَيِّنُ الغرَابةَ بِعَدَمِ شُهْرَتِهِ لُغَةً أَو اصطلاَحًا وإِجمَالُه بوقوعِهِ علَى مُتَعَدِّدٍ أَو لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَلْ متَى ادَّعَى الإِجمَالَ أَو الغرَابةَ قُلْنَا للمستدلِّ: بَيْنَ مُرَادِكَ، وصَحَّحَ الأَوَّلَ.
ولاَ يُكَلَّفُ المُعْتَرِضُ بيَانُ تسَاوي المَحَامِلِ أَي كَوْنِ إِطلاَقِ اللّفْظِ علَى تِلْكَ المعَاني مستويًا لَمْ يترجَّحْ بعضُهَا، ويكفِيه التّمَسُّكُ بأَنَّ الأَصْلَ عدمُ تفَاوتِهَا، كذَا قَالَ ابْنُ الحَاجِبِ: إِنَّهُ جيِّدٌ، وفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الأَصْلُ وُجُودِه، لأَنَّهُ دَافِعٌ للإِجمَالِ الذي هو خِلاَفُ الأَصْلِ.
стр. 614
وجوَابُهُ ببيَانِ عدمِهمَا؛ أَي: عدمِ الغرَابةِ وَالإِجمَالِ، بأَنْ يَثْبُتَ ظهورُ اللّفظِ فِي مقصدِهِ بِالنقلِ عَن أَئمَّةِ اللّغةِ أَو الشَّرْعِ، أَو تفسيرِهِ بِمُحْتَمَلٍ لغةً أَو عُرْفًا، فإِنْ فَسَّرَهُ بمَا لاَ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ فَالأَصحُّ أَنَّهُ لاَ يُقْبَلُ؛ لأَنَّ مخَالفةَ ظَاهرِ اللّفْظِ مِنْ غَيرِ قرينةٍ بعيدٌ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ؛ لأَنَّ غَايةَ الأَمرِ أَنَّهُ نَطَقَ بِلُغَةٍ جديدةٍ.
قَالَ الشَّارِحُ: وهي المَسْأَلَةُ المَعْرُوفة بِالعِنَايَةِ.
قُلْتُ: إِنَّمَا عُهِدَتِ العِنَايَةُ فِي التعَاريفِ لاَ فِي إِثبَاتِ الأَحكَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فلو قَالَ المُسْتَدِلُّ: الأَصْلُ عدمُ الإِجمَاعِ، فَيَلْزَمُ ظهورُ اللّفْظِ فِيمَا أَسْتَعْمِلُهُ فِيهِ؛ لأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهرٍ فِي غَيْرِه بِالاتِّفَاقِ بينَنَا، فإِنَّه مُجْمَلٌ عندَكَ وظَاهرٌ عندي فِيمَا ادَّعَيْتُهُ ـ ففِي قبولِه خلاَفٌ، وَجْهُ القبولِ دَفْعُ الإِجمَالِ، وَوَجْهُ الرَّدِّ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ مِنْ عدمِ ظُهُورِهِ فِي المَعْنَى الآخرِ ظُهُورِهِ فِي مقصودِه، لجوَازِ عدمِ ظهورِه فِيهِمَا جميعًا.
ص: وَمِنْهَا التّقسيمُ وهو كَوْنُ اللّفْظِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ أَمْرَيْن أَحَدُهُمَا ممنوعٌ وَالمُخْتَارُ وُرُودُهُ، وجوَابُه أَنَّ اللّفْظَ مَوْضُوعٌ ولو عُرْفًا أَو ظَاهِرٌ/ (١٩٢/ب/م) ولو بقرينةٍ فِي المُرَادِ.
ش: السَّادِسَ عشرَ: التّقسيمُ، وهو كَوْنُ اللّفْظِ متردِّدًا بَيْنَ احتمَالينِ متسَاوِيَيْنِ أَحَدُهُمَا مُسَلَّمٌ لاَ يحصلُ المقصودُ، وَالآخرُ ممنوعٌ، وهو الذي يحصلُ المقصودُ.
وأَهملَ المُصَنِّفُ ـ تبعًا لابْنِ الحَاجِبِ ـ هذَا القَيْدَ الأَخيرَ، ولاَ بُدَّ مِنْهُ؛ لأَنَّهُمَا لو كَانَا مُسْلِمَيْنِ يحصلاَنِ المَقْصُودِ أَو لاَ يحصلاَنه لَمْ يَكُنْ للتقسيمِ معنًى؛ لأَنَّ المَقْصُودَ حَاصِلٌ أَو غَيْرُ حَاصلٍ علَى التَّقْدِيرينِ معًا، وَمَعَ زيَادتِه فَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا لو حَصُلَ المقصودُ، ووَرَدَ علَى أَحَدِهِمَا مِنَ القوَادحِ مَا لاَ يَرِدُ علَى الآخرِ، فإِنَّه
стр. 615
مِنَ التّقسيمِ أَيضًا لحصولِ غرضِ المُعْتَرِضِ بِهِ.
وَقَوْلُ المُصَنِّفِ (بينَ أَمْرَيْنِ) أَي: علَى السَّوَاءِ؛ فإِنَّه لو كَانَ ظَاهرًا فِي أَحَدِهِمَا لَوَجَبَ تَنْزِيلُهُ عَلَيْهِ، وذِكْرُ/ (١٥٦/ب/د) الأَمرين مثَالٌ، فلو تَرَدَّدَ بَيْنَ ثلاَثةٍ أَو أَكثرَ منهَا كَانَ الأَمرُ كذلك.
ومثَالُ ذَلِكَ أَنْ يستدِلَّ علَى ثُبُوتِ المُلْكِ للمُشْتَرِي فِي زَمَنِ الخَيَارِ بوجودِ سببِه، وهو البَيْعُ الصَّادرُ مِنْ أَهلِهِ فِي مَحَلِّهِ، فَيَعْتَرِضُ بأَنَّ السّببَ مُطْلَقُ البَيْعِ أَو البَيْعُ المطلقُ الذي لاَ شَرْطَ فِيهِ، وَالأَوَّلُ ممنوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، لكنَّهُ مفقودٌ فِي مَحَلِّ النّزَاع، لأَنَّهُ لَيْسَ مُطْلَقًا بَلْ هو مشروط بِالخيَارِ وَاخْتُلِفَ فِي قبولِ هذَا السّؤَالِ علَى قَوْلَيْنِ، المُخْتَارُ مِنْهُمَا قبولُهُ، لكنْ بعدَ أَن يُبَيِّنَ المُعْتَرِضَ الاحتمَالينَ، وَقِيلَ: لاَ، استغنَاءً عَنْهُ بِالاستفسَارِ ويجَابُ هذَا الاعترَاضُ بأُمُورٍ:
أَحَدُهَا: بيَانُ أَنَّ اللّفْظَ موضوعٌ للمعنَى المَقْصُودِ إِثبَاتُه بِالنقلِ عَنْ أَئمَّةِ اللّغةِ، أَو بِالاستعمَالِ فإِنَّه دَلِيلُ الحقيقةِ.
ثَانِيهَا: بيَانُ أَنَّهُ ظَاهرٌ فِيه.
ثَالِثُهَا: بيَانُ ظهورِ أَحدِ الاحتمَالينِ بقرينةٍ لفظيَّةٍ أَو عقليَّةٍ أَو حَاليَّةٌ.
ص: ص: ثُمَّ المَنْعُ لاَ يَعْتَرِضُ الحكَايةَ بَلِ الدَّلِيلُ إِمَّا قَبْلَ تمَامِهِ لِمُقَدِّمَةٍ مِنْهُ أَو بَعْدَهُ وَالأَوَّلُ إِمَّا مُجَرَّدٌ أَو مَعَ المُسْتَنَدِ كلاَ نُسَلِّمُ كَذَا، ولِمَ لاَ يَكُون كذَا؟ أَو إِنَّمَا يَلْزَمُ كَذَا لو كَانَ كَذَا وهو المُنَاقَضَةُ؛ فَإِنْ احْتَجَّ لانتفَاءِ المُقَدِّمَةِ/ (١٩٣/أ/م) فَغَصْبٌ لاَ يَسْمَعُهُ المُحَقِّقُونَ، وَالثَّانِي: إِمَّا
стр. 616
مَعَ مَنْعِ الدَّلِيلِ بِنَاءً علَى تَخَلُّفِ حُكْمِهِ فَالنَّقْضُ الإِجمَاليُّ أَو مَعَ تَسْلِيمِهِ، وَالاستدلاَلُ بِمَا يُنَافِِي ثُبُوتَ المدلولِ فَالمعَارضةُ، فَيَقُولُ: مَا ذَكَرْتُ، وإِنْ دَلَّ فَعِنْدِي مَا يَنْفِيهِ، ويَنْقَلِبُ مُسْتَدِلاًّ، وعلَى الممنوعِ الدَّفْعُ بِدليلٍ فَإِنْ مُنِعَ ثَانِيًا، فَكَمَا مَرَّ، وهكذَا إِلَى إِفحَامِ المُعَلَّلِ إِنْ انْقَطَعَ بِالمُنُوعِ، أَو إِلزَامُ المَانِعِ إِنْ انْتَهَى إِلَى ضَرُورِيٍّ أَوْ يَقِينِيٍّ مَشْهُورٍ.
ش: لمَّا فَرَغَ مِنَ الكلاَمِ علَى القوَادحِ ذَكَرَ أَلفَاظًا يَتَدَاولُهَا أَهْلُ الجَدَلِ، وتَقْرِيرُ كلاَمِهِ أَنَّ المَنْعَ لاَ يَعْتَرِضُ حكَايةَ الشَّيْءِ، وإِنَّمَا يَعْتَرِضُ الدَّلِيلَ؛ فُتَارُةً يَكُونُ قَبْلَ تَمَامِهِ لِبعضِ مُقَدِّمَاتِهِ، وتَارةً يَكُونُ بَعْدَهُ؛ فَالأَوَّلُ قَدْ يَكُونُ مُجَرَّدًا عَنْ ذِكْرِ مُسْتَنَدِ المَنْعِ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ ذِكْرِ المُسْتَنَدِ، وهو مَا يُبْنَى عَلَيْهِ المَنْعُ، كَقولِهِ: لاَ نُسَلِّمُ كذَا، أَوْ لَمَ لاَ يَكُون كذَا؟، وإِنَّمَا يَلْزَمُ كَذَا لَوْ كَانَ كذَا.
وهذَا القِسْمُ الأَوَّلُ يُسَمِّيهِ الجَدَلِيُّونَ المُنَاقَضَةَ، سَوَاءً ذُكِرَ المُسْتَنَدُ أَمْ لاَ، فَإِنْ أَقَامَ المُعْتَرِضُ الحُجَّةَ علَى انْتِفَاءِ تِلْكَ المُقَدِّمَةِ التي مَنَعَهَا فَهَذَا يُسَمَّى غَصْبًا؛ أَيْ: غَصْبُ مَنْصِبِ الدَّلِيلِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ وَظِيفَةُ المُسْتَدِلِّ؛ فَلِهذَا كَانَ غَيْرَ مَسْمُوعٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ، لِلِزُومِ التَّخَبُّطِ فِي البحثِ.
نَعَمْ، إِذَا أَقَامَ المُسْتَدِلُّ الدَّلِيلَ علَى تِلْكَ المُقَدِّمَةِ فَلِلْمُعْتَرِضِ حِينَئِذٍ الاستدلاَلُ علَى انتفَائِهَا. ْ
وَالقِسْمُ الثَّانِي ـ وهو المَنْعُ بَعْدَ تَمَامِهِ ـ لَهُ حَالتَانِ.
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ منعًا لِلدليلِ، فَيَتَخَلَّفُ الحُكْمُ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ، وسَمَّاهُ المُصَنِّفُ النَّقْضَ الإِجْمَالِيَّ، وَالذي/ (١٥٧/أَ/د) ذَكَرَهُ الجَدَلِيُّونَ أَنَّ النَّقْضَ تَخَلُّفُ الحُكْمِ عَنِ الدَّلِيلِ، وقَسَّمُوهُ إِلَى إِجْمَالِيٍّ وتَفْصِيلِيٍّ؛
فَالإِجْمَالِيُّ تَخَلُّفُهُ لِلْقَدْحِ فِي بَعْضِ مُقَدِّمَاتِهِ لاَ علَى التَّعْيِينِ.
وَالتَّفْصِيلِّيُّ لِلْقَدْحِ فِي مُقَدِّمَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
وَالمُصَنِّفُ سَمَّى مُطْلَقَ مَنْعِ الدَّلِيلِ نَقْضًا إِجمَاليًّا، فَقَيَّدَ فِي مَوْضِعِ الإِطلاَقِ؛ لأَنَّ مُطْلَقَ المَنْعِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِجميعِ مُقَدِّمَاتِهِ أَوْ لِبعضِهَا
стр. 617
مَعَ التََّعْيِينِ أَوْ الإِبهَامِ.
الثَانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مَنْعُ الحُكْمِ مَعَ تَسْلِيمِ الدَّلِيلِ/ (١٩٣/ب/م) وَالاستدلاَلُ بِمَا يُنَافِي ثُبُوتَ المدلولِ بِأَنْ يَقُولَ المُعْتَرِضُ: مَا ذَكَرْتُهُ مِنَ الدَّلِيلِ، وإِنْ دَلَّ علَى مَا تَدَّعِيهِ فعندي مَا يَنْفِيه أَو يَدُلُّ علَى نَقِيضِهِ، وتََبَيَّنَ ذَلِكَ بِطريقِهِ، وهذَا هو المعَارضةُ، ولاَ يُسْمَعُ بعدَهَا مَنْعٌ.
وأَشَارَ المُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (ويَنْقَلِبُ مُسْتَدِلاً) إِلَى أَنَّ فِي قبولِهِ خِلاَفًا لَمْ يَقْبَلْه بعضُهمَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ انقلاَبِ المُعْتَرِضِ مُسْتَدِلاًّ، وَالمُسْتَدِلُّ مُعترِضًا؛ ولأَنَّ وظيفةَ المُعْتَرِضِ الهدمَ لاَ البنَاءَ. وَالصَّحِيحُ قبولُهُ؛ لأَنَّهَا بنَاءٌ بِالعَرْضِ هَدْمٌ بِالذَاتِ، وَالمُسْتَدِلُّ مُدَّعٍ بِالذَاتِ مُعْتَرِضٌ بِالعَرَضِ، وَالمُعْتَرِضُ عَكْسُهُ، فَصَارَا كَالمتخَالفَينِ.
ومثَالُه: مَسْحُ الرَّأَسِ رُكْنٌ فِي الوُضُوءِ، فَيُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَالوجِِِِِِه، فِِِِيُقَالُ: مَسْح ٌ فَلاَ يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ، كَالْمَسْحِ علَى الخُفَّيْنِ.
ثُمَّ بَيَّنَ المُصَنِّفُ أَنَّ علَى المَمْنُوعِ ـ وهو المُسْتَدِلُّ ـ دَفْعَ الاعترَاضِ بِدَلِيلٍ، ولاَ يَكْفِي المَنْعُ المُجَرَّدِ فَإِنْ ذَكَرَ دَلِيلَهُ فَمَنَعَهُ المُعْتَرِضُ ثَانِيًا فَعَلَ كَمَا مَرَّ مِنْ دَفْعِ الاعترَاضِ بِدليلٍ، ويَسْتَمِرُّ الأَمْرُ هَكَذَا إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى إِفْحَامِ المُعَلِّلِ، وهو المُسْتَدِلُّ، وهو انقطَاعُه بِالمَنْعِ أَو المُعَارَضَةِ، أََوْ إِلزَامُ المُعْتَرِضِ بِأَنْ يَنْتَهِيَ دَلِيلُ المُسْتَدِلِّ إِلَى مُقَدِّمَاتٍ ضروريةٍ أَوْ يَقِينِيَّةٍ مَشْهُورةٍ؛ بِحَيْثُ يَلْزَمُ المُعْتَرِضُ الاعترَافَ بِهِ، ولاَ يُمْكِنَهُ جَحْدُهُ.
قُلْتُ: وعِنْدِي فِي تَعْبِيرِ المُصَنِّفِ فِي الحَالَةِ الثَّانِيةِ نَظَرٌ مِنْ ثَلاَثةِ أَوْجُهٍ.
أَحدِهَا فِي قَوْلِهِ: (مَعَ مَنْعِ الدَّلِيلِ) كَانَ يَنْبَغِي الاقتصَارُ علَى قَوْلِهِ: مَنْعُ الدَّلِيلِ، ولَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ لَفْظِةِ: (مَعَ).
ثَانِيهَا فِي قَوْلِهِ: (بِنَاءً علَى تَخَلُّفِ حُكْمِهِ) كَانَ يَنْبَغِي التََّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ: (فَيَتَخَلَّفُ حُكْمُهُ) ولَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ استعمَالِ لَفْظَةِ البِنَاءِ.
ثَالِثِهَا: تقييدُه النَّقْضَ بِالإِجْمَالِيِّ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَفْصِيلِيًّا، وَقَدْ تَقَدَّمَ
стр. 618
ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: خَاتِمَةٌ: القِيَاسُ مِنَ الدِّينِ، وثَالِثُهَا: حَيْثُ يَتَعَيَّنُ، ومِنْ أُصُولِ الفِقْهِ خِلاَفًا لإِمَامِ الحَرَمَيْنِ، وحُكْمُ المَقِيسِ قَالَ السَّمْعَانِيُّ: يُقَالُ: إِنَّهُ دِينُ اللَّهِ ولاَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: قَالَ اللَّهُ، ثُمَّ القِيَاسُ فَرْضُ كِفَايَةٍ يَتَعَيَّنُ عَلَى مُجْتَهِدٍ احتَاجَ إِليه.
ش: فِيهِ مَسَائِلُ:
الأَولَى: اخْتُلِفَ فِي أَنَّ القِيَاسَ/ (١٩٤/أَ/م) هَلْ هو مِنْ دِينِ اللَّهِ تعَالَى أَمْ لاَ؟
علَى ثلاَثةِ مَذَاهِبَ لِلْمُعْتَزِلَةِ، نَقَلَهَا أَبُو الْحُسَيْنِ البَصْرِيِّ/ (١٥٧/ب/د) فِي (الْمُعْتَمَدِ).
الأَوَّلِ ـ وَبِهِ قَالَ القَاضِي عُبْدُ الْجَبَّارِ ـ: نَعَمْ.
وَالثَّانِي ـ وَبِهِ قَالَ أَبُو الْهُذَيْلِ ـ: لاَ؛ لأَنَّ اسمَ الدِّينِ إِنَّمَا يَقَعُ علَى مَا هو ثَابِتٌ مُسْتَمِرٌّ.
وَالثَّالِثِ ـ وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الجُبَّائِيِّ ـ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا كَانَ مِنْهُ وَاجبًا فَهُوَ مِنَ الدِّينِ ـ وإِليه أَشَارَ المُصَنِّفُ بِالتعينِ ـ أَوْ نَدْبًا فَلاَ.
وجَعَلَ أَبُو الْحُسَيْنِ مَوْضِعِ الخِلاَفِ مَا إِذَا لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعَةٍ، فَإِنْ أُرِيدَ ذَلكَ: فَلاَ رَيْبَ أَنَّهُ مِنْ دِينِ اللَّهِ.
الثَانِيَةِ: المشهورُ أَنَّ القِيَاسَ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ.
وخَالَفَ فِيهِ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ؛ لأَنَّ الدَّلِيلَ إِنَّمَا يُطْلَقُ علَى المقطوعِ بِهِ، وَالقِيَاسُ لاَ يُفِيدُ إِلاَّ الظَّنَّ.
ورُدَّ بِأَنَّ القِيَاسَ قَدْ يَكُونُ قَطْعِيًّا.
سَلَّمْنَا، ولَكِنْ لاَ نُسَلِّمُ أَنَّ أُصولَ الفِقْهِ
стр. 619
أَدِلَّتُهُ فَقَطْ سَلَّمْنَا، لَكِنْ لاَ نُسَلِّمُ أَنَّ الدَّلِيلَ لاَ يَقَعُ إِلَّا علَى المَقْطُوعِ بِهِ.
الثَالثةِ: قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي حُكْمِ المَقِيسِ: إِنَّهُ دِينُ اللَّهِ تعَالَى، ودِينُ رسولِهِ، ولاَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ تعَالَى، ولاَ قَوْلُ ورسولِهِ.
الرَابعةِ: القِيَاسُ فَرْضُ كِفَايةٍ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهِ وتَعَدَّدَ المُجْتَهِدُونَ، وفَرْضُ عَيْنٍ عَلَى مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ.
ومندوبٌ فِيمَا لاَ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الحَالِ لَكِنَّ الحَاجَةَ إِلَيْهِ مُتَوَقِّعَةٌ.
ص: وهُوَ جَلِيٌّ وخَفِيٌ؛ فَالجَلِيُّ: مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ الفَارقِ أَوْ كَانَ احتمَالاً ضعيفًا، وَالخفِيُّ خِلاَفُه، وَقِيلَ: الجَلِيُّ هذَا، وَالخَفِيُّ: الشَّبَهُ، وَالوَاضحُ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: الجَلِيُّ الأَوْلَى، وَالوَاضِحُ: المُسَاوِي، وَالخَفِيُّ: الأَدْوَنُ.
ش: يَنْقَسِمُ القِيَاسُ بِاعْتِبَارِ قُوَّتِهِ وضَعْفِهِ إِلَى جَلِيٍّ وخَفِيٍّ؛ فَالجَلِيُّ مَا قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيٍ بِالفَارقِ، كَإِلحَاقِ الأَمَّةِ بِالعَبْدِ فِي التَّقْوِيمِ فِي الْعِتْقِ، أَوْ كَانَ احْتِمَالُ الفَارقِ فِيهِ ضَعِيفًا، ومَثَّلَ بِإِلحَاقِ العَمْيَاءِ بِالعورَاءِ فِي المَنْعِ مِنَ التَّضْحِيَةِ.
قُلْتُ: وفِيهِ نَظَرٌ؛ فَالذي يَظْهَرُ أَنَّ هذَا المِثَالَ مِنْ قِسْمِ القَطْعِيِّ، وَالقِيَاسُ الخَفِيُّ خِلاَفُ الجَلِيِّ.
وقَسَّمَهُ بعضُهم ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ: جَلِيٍّ وخَفِيٍ ووَاضِحٍ.
فَالجَلِيُّ مَا تَقَدَّمَ، وَالخَفِيُ قِيَاسُ الشّبَهِ، وَالوَاضحُ مَا كَانَ بَيْنَهُمَا.
وقَالَ بعضُهم: الجَلِيُّ مَا كَانَ ثُبُوتُ الحُكْمِ فِيهِ فِي الفَرْعِ أَوْلَى مِنَ الأَصْلِ.
قُلْتُ: ويَنْبَغِي تَمْثِيلُهُ بِقِيَاسِ العميَاءِ علَى العورَاءِ فِي مَنْعِ التَّضْحِيَةِ بِهَا. وَالوَاضِحُ/ (١٩٤/ب/م) مَا كَانَ مُسَاويًا لَهُ كَالنَّبِيذِ مَعَ الخَمْرِ.
وَالخَفِيُّ مَا كَانَ دُونَهُ كَقِيَاسِ اللَّيْنُوفَرَ علَى الأَرُزِّ بِجَامعِ الطَّعْمِ، ويَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى الاصطلاَحِ.
стр. 620
ص: وقِيَاسُ العِلَّةِ مَا صُرِّحَ فِيهِ بِهَا، وقِيَاسُ الدَّلاَلَةِ مَا جُمِعَ فِيهِ بِلاَزِمِهَا فَأَثرِهَا فَحُكْمِهَا، وَالقِيَاسُ فِي مَعْنَى الأَصْلِ الجَمْعُ بِنَفِيِ الفَارقِ.
ش: ويَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ عِلَّتِهِ إِلَى: قِيَاسِ عِلَّةٍ، وقِيَاسِ دِلاَلَةٍ، وقِيَاسٍ فِي مَعْنَى الأَصْلِ؛ لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِذِكْرِ الجَامِعِ، أَوْ بِإِلغَاءِ الفَارقِ، فَإِنْ كَانَ بِذِكْرِ الجَامِعِ فَالجَامِعُ إِنْ كَانَ هو العِلَّةُ سُمِّيَ قِيَاسَ العِلَّةِ، كَقَوْلِنَا فِي المُثَقَّلِ قُتِلَ: عَمْدُ عُدْوَانٍ، فَيَجِبُ فِيهِ القِصَاصُ كَالجَارحِ، وإِنْ كَانَ الجَامِعُ/ (١٥٨/أَ/د) وَصْفًا لاَزِمًا مِنْ لَوَازِمِ العِلَّةِ أَوْ أَثرًا مِنْ آثَارِهَا أَو حَكْمًا مُنْ أَحكَامِهَا فَهُو قِيَاسُ الدِّلاَلةِ؛ لأَنَّ المذكورَ لَيْسَ عَيْنُ العِلَّةِ، بَلْ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَيْهَا، مِثَالُ الأَوَّلِ: قِيَاسُ النَّبِيذِ علَى الخَمْرِ بِجَامِعِ الرَّائحةِ الفَائحةِ الملاَزمةِ لِشِدَّةِ المُطْرِبَةِ، ولَيْسَتْ نَفْسُ العِلَّةِ، وإِنَّمَا هي لاَزِمَةٌ لَهَا.
ومِثَالُ الثَّانِي: قولُنَا فِي المُثَقَّلِ: قَتْلٌ أَثِمَ بِهِ فَاعِلُهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قُتِلَ، فَوَجَبَ فِيهِ القِصَاصُ كَالجَارحِ؛ فَالإِثْمُ بِهِ لَيْسَ نَفْسَ العِلَّةِ بَلْ أَثَرٌ مِنْ آثَارِهَا.
ومِثَالُ الثَّالِثُ: قولُنَا فِي قَطْعِ الأَيدِي بِاليَدِ الوَاحِدةِ: قَطْعٌ يَقْتَضِي وُجُوبَ الدِّيَةِ عليهم، فَيَكُونُ وُجُوبُهُ كَوُجُوبِ القِصَاصِ علَيهم، فوُجُوبُ الدِّيَةِ لَيْسَ عَيْنَ عِلَّةِ القِصَاصِ بَلْ حُكْمٌ مِنْ أَحكَامِهَا.
وإِنْ كَانَ بِإِلغَاءِ الفَارقِ فهو القِيَاسُ فِي مَعْنَى الأَصْلِ، كَإِلحَاقِ البَوْلِ فِي إِنَاءٍ وصَبِّهِ فِي المَاءِ الدَّائمِ بِالبَوْلِ فِيهِ.
стр. 621
الكتَابُ الخَامِسَ الاستدلاَلُ
ص: الكتَابُ الخَامسَ فِي الاستدلاَلِ.
وهو دَلِيلٌ لَيْسَ بنصٍ ولاَ إِجمَاعٍ ولاَ قيَاسٍ، فِيدخُلُ الاقترَانِيُّ، وَالاستثنَائِيُّ وقِيَاسُ العَكْسِ، وقولُنَا: الدَّلِيلُ يَقْتَضِي أَنْ لاَ يَكُونَ كذَا، خُولِفَ فِي كذَا، لِمَعْنًى مفقودٍ فِي صُورَةِ النّزَاعِ، فِيبقَى علَى الأَصْلِ، وكذَا انْتِفَاءُ الحُكْمِ لانتفَاءِ مُدْرِكِه، كَقَوْلِنَا: الحُكْمُ يَسْتَدْعِي دَلِيلاً وإِلاَّ لَزِمَ تَكْلِيفُ الغَافِلِ، ولاَ دَلِيلَ بِالسَّبْرِ أَو الأَصْلِ، وكذَا نحوُ قَوْلُهم: وُجِدَ/ (١٩٥/أَ/م) المُقْتَضِي أَو المَانعُ أَو فُقِدَ الشَّرْطُ خِلاَفًا للأَكْثَرِ.
ش: عقَدَ المُصَنِّفِ هذَا الكتَابَ الخَامِسَ للأَدلَّةِ المختلَفِ فِيهَا، وعبَّرَ عَنْهَا بِالاستدلاَلِ، لأَنَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ فِيهِ إِنَّمَا قَالَهُ عَالِمٌ بطريقِ الاستدلالِ وَالاستنبَاطِ، وَلَيْسَ لَهُ دَلِيلٌ قطعيٌّ، ولاَ أَجْمَعُوا عليه.
وعرَّفَهُ المُصَنِّف بأَنَّهُ: دَلِيلٌ لَيْسَ بنصٍّ ولاَ إِجمَاعٍ ولاَ قيَاسٍ؛ أَي: شرعيٍّ بِالمعنَى الخَاصِ المتقدِّمِ ذِكْرُهُ فإِنَّ القِيَاسَ الاقترَانيَّ وَالاستثنَائيَّ دَاخلاَنِ فِي هذَا التَّعْرِيفِ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَيْسَ فِي هذَا التَّعْرِيفِ إِفصَاحٌ عَن كلِّ مَا دخَلَ فِيهِ، وإِنَّمَا ذُكِرَ ذَلِكَ إِجمَالاً،
стр. 622
ويَتَبَيَّنُ الأَمْرُ فِيهِ بِالتفصيلِ فِيدخُلُ فِي ذَلِكَ أُمُورٌ.
أَحَدُهَا: القِيَاسُ الأَقترَانِيُّ، وهو الذي لاَ يَذْكُرُ النّتيجةَ ولاَ نقيضَهَا فِي المُقَدِّمَتَيْنِ.
وعرَّفَهُ أَهْلُ المَنْطِقِ بأَنَّهُ قَوْلُ مُؤَلِّفٍ من قضَايَا متَى سَلِمَتْ لَزِمَ عَنْهُ لِذَاتِهِ قَوْلٌ آخَرُ كَقَوْلِنَا: العَالَمُ مُتَغَيِّرٌ وكلُّ مُتَغَيِّرٍ حَادِثٌ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ كلَّ مُتَغَيِّرٍ حَادِثٌ.
الثَّانِي: القِيَاسُ الاستثنَائِيُّ، وهو مَا يُذْكَرُ فِيهِ النّتيجةُ أَو نقيضُهَا، كَقَوْلِنَا: إِنْ كَانَ هذَا إِنسَانًا، فهو حيوَانٌ لكنَّهُ إِنسَانٌ فهو حيوَانٌ أَو هذَا لَيْسَ بحيوَانٍ فَلَيْسَ بإِنسَانٍ.
الثَّالِثُ: قِيَاسُ العَكْسِ، وهو إِثبَاتُ نقيضُ حُكْمِ الشيءِ فِي شَيْءٍ آخرَ لافْتِرَاقِهِمَا فِي العِلَّةِ، كَقَوْلِنَا فِي الصّبحِ: لاَ يُقْصَرُ شَفْعٌ فَيصِيُرُ وِتْرًا، كَمَا أَنَّ الوِتْرَ لاَ يُقْصَرُ شَفْعًا؛ أَي: صلاَةُ المَغْرِبِ.
وحكَى الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي (المُلَخَّصِ) فِي الاستدلاَلِ بِهِ وَجْهَيْنِ لأَصحَابِنَا/ (١٥٨/ب/د) أَصحُّهمَا ـ وقَالَ: إِنَّهُ المَذْهَبُ ـ: أَنَّهُ يَصِحُّ.
وَاستدلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي عِدَّةِ موَاضِعَ، ومِنْ أَدِلَّتِهِ أَنَّ اللَّهَ تعَالَى دلَّ علَى التّوحيدِ بَالعَكْسِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ وهذه دلاَلةُ بَالعَكْسِ تَدُلُّ علَى أَنَّ ذَلِكَ طريقُ الأَحكَامِ.
стр. 623
الرَابِعُ: الدَّلِيلُ المُسَمَّى بِالنَافِي، كَقَوْلِنَا: الدَّلِيلُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ قَتْلِ الإِنسَانِ مُطْلَقًا، إِلَّا أَنَّهُ خُولِفَ فِي صُوَرٍ لِمَعْنًى يختصُّ بِهَا لَيْسَ مَوْجُودًا فِي صُورَةِ النِّزَاعِ، فِيجِبُ العَمَلُ بِالدليل النَّافِي فِيمَا عدَاهَا.
الخَامِسُ: الاستدلاَلُ علَى انْتِفَاءِ الحُكْمِ بَانتفَاءِ دليلِه كَقَوْلِنَا: الحُكْمُ الشَّرْعِيُّ/ (١٩٥/ب/م) لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ دليلٍ، فإِنَّه لو ثَبَتَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وكُلِّفَ بِهِ لَزِمَ تَكْلِيفُ الغَافلِ، أَو لَمْ يُكَلَّفْ بِهِ فَلاَ معنَى لثُبُوتِهِ مِنْ غَيْرِ تَكْلِيفٍ بِهِ، فإِنَّه لاَ معنَى للحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إِلا خطَابُ يَتَعَلَّقُ بفعِلِ المكلَّفِ، ولاَ دَلِيلَ إِمَّا بِالسَّبْرِ كأَن نقولَ: الدَّلِيلُ إِمَّا نصٌّ أَو إِجمَاعٌ أَو قيَاسٌ، ولم يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْهَا، أَو بِالأَصْلِ فَإِنَّ الأَصْلَ عَدَمُهُ، وَقَدْ اخْتَارَ البَيْضَاوِيُّ هذَا وجَعَلَهُ مِنْ جُمْلَةِ الأَدلَّةِ فَيَكُونُ النَّفْيُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، سَوَاءٌ اسْتُفِيدَ مِنْ دَلِيلٍ نَافٍ أَو انْتِفَاءِ دَلِيلٍ مُثْبَتٍ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ دَلِيلاً فِي بَعْضِ المَسَائِلِ لانتفَاءِ غيرِهِ، ويُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِأَنَّ عَدَمَ الوِجْدَانِ، لاَ يَدُلُّ علَى عَدَمِ الوُجُودِ.
السَّادِسُ: أَنْ يَقْتَصِرَ علَى إِحدَى المُقَدَّمَتَيْنِ اعتمَادًا علَى شُهْرَةِ الأُخْرَى، كَقَوْلِنَا: وُجِدَ المُقْتَضِِي؛ أَيْ: السَّبَبَ فَيُوجَدُ الْمُسَبَّبُ، أَو وُجُودُ المَانِعِ فَيَنْتَفِي الحُكْمُ، أَو فُقِدَ الشَّرْطُ فَيَنْتَفِي أَيضًا، فإِنَّه يُنْتِجُ مَعَ مُقَدِّمَةٍ أُخْرَى مُقَدَّرَةٍ، وهي قولُنَا: وكُلُّ سَبَبٍ إِذَا وُجِدَ وُجِدَ الحُكْمُ، فَلَمْ يُذْكَرُ لِظُهُورِهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لفَسَدَتَا﴾ فَإنَّ حُصُولَ النَّتِيجةِ مِنْهُ يَتَوَقَّفُ علَى مُقَدِّمَةٍ أُخْرَى ظَاهرةٍ، وهي: ومَا فَسَدَتَا.
وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي هذَا فَالأَكثرونَ علَى مَا نقلَه المُصَنِّفُ علَى أَنَّهُ لَيْسَ بدليلٍ، وإِنَّمَا هو دعوَى دليلٍ، فإِنَا إِذَا قلنَا: وُجِدَ المُقْتَضَى معنَاه الدَّلِيلُ، ولم نُقِمْ علَى وُجُودِه دَلِيلاً.
стр. 624
وَاختَارَ المُصَنِّفُ أَنَّهُ دليلٌ، فإِنَّه يَلْزَمُ من ثُبُوتِهِ ثُبُوتُ المطلوبِ.
ثم اخْْتَلَفَ القَائلونَ بهذَا، فقِيلَ: هو استدلاَلٌ لدخولِه فِي تعريفِ الاستدلاَلِ، وهو ظَاهرُ كلاَمِ المُصَنِّفِ، وَقِيلَ: إِنْ أَثبَتَ السَّبَبَ أَو المَانِعَ أَو الشَّرْطَ بِغَيْرِ النَّصِّ أَو الإِجمَاعِ أَو القِيَاسِ فهو استدلاَلٌ، وإِلاَّ فلاَ.
ص: مسأَلةٌ: الاستقرَاءُ بِالجزئِيِّ علَى الكليِّ إِن كَانَ تَامًّا أَي بِالكلِّ، إِلا صُورَةَ النّزَاعِ فقطعِيٌّ عِنْدَ الأَكثرِ أَو نَاقصًا أَي: بِأَكثرِ الجزئيَاتِ فظنيٌّ ويُسَمَّى إِلحَاقُ الفردِ بِالأَغْلَبِ.
ش: مِنْ أَنوَاعِ الاستدلاَلِ الاستقرَاءُ وهو علَى قسمينِ.
أَحَدُهُمَا: الاستقرَاءُ/ (١٩٦/أَ/م) التَّامُّ، وهو إِثبَاتُ الحُكْمِ فِي جزئيٍّ لثُبُوتِهِ فِي الكلِّ، كَقَوْلِنَا: كلُّ جِسْمٍ مُتَحَيِّزٍ، فإِِنَّهُ/ (١٥٨/أَ/د) اسْتُقْرِئَتْ جَمِيعُ الأَجسَامِ فَوُجِدَتْ كَذَلِكَ، ولاَ خِلاَفَ ـ كمَا قَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ ـ فِي أَنَّهُ حُجَّةٌ، وَالأَكثرونَ علَى أَنَّهُ مفِيدٌ للقَطْعِ.
ثَانِيهُمَا: الاستقرَاءُ النَّاقصُ ـ وهو إِثبَاتُهُ فِي فَرْدٍ لثُبُوتِهِ فِي أَكثرِ الجزئيَاتِ، ويُسَمَّى عِنْدَ الفقهَاءِ إِلحَاق الفردِ بِالأَعمِّ الأَغلبِ، كَقَوْلِنَا فِي الوِتْرِ: لَيْسَ بوَاجبٍ لأَنَّهُ يُؤَدَّى علَى الرَّاحِلَةِ، ومُسْتَنَدُ هذه المقدِّمَةِ وهي أَدَاءُ النّوَافلِ دُونَ الفرَائضِ علَى الرَّاحِلَةِ الاستقرَاءُ.
قُلْتُ: وفِي هذَا نَظَرٌ، لقولِ الصّحَابيِّ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الوَتْرَ علَى الرَّاحلةِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يُصَلِّي عَلَيْهَا المَكْتُوبَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالقَائلون بِهَا القِسْمُ الأَخيرُ قَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُفِيدُ إِلا الظّنُّ لاحتمَالِ مخَالفةِ هذَا الفردِ للأَكثرِ.
стр. 625
وقَالَ الإِمَامُ فخرُ الدِّينِ: الأَظهرُ أَنَّهُ لاَ يفِيدُ الظنُّ إِلا بدليلٍ مُنْفَصِلٍ، أَمَّا ثُبُوتُهُ فِي جُزْئِيٍّ لثُبُوتِهِ فِي جُزْئِيٍّ آخَرَ بجَامِعِ فهو القِيَاسُ الشَّرْعِيُّ، وأَمَّا هذَا فإِنَّه أَُلْحِقَ الفَرْدُ بِالأَكثرِ بِغَيْرِ جَامِعٍ.
ص: مسأَلةٌ: قَالَ علمَاؤُنَا: استصحَابُ العَدَمِ الأَصْليِّ، وَالعمومُ أَو النَّصُّ إِلَى وُرُودِ المغيرِ ومَا دلَّ الشَّرْعُ علَى ثُبُوتِهِ لوجودِ سببِه حُجَّةً مُطْلَقًا وَقِيلَ فِي الدّفعِ دُونَ الرَّفْعِ وَقِيلَ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يعَارِضُه ظَاهرٌ مُطْلَقًا وَقِيلَ ظَاهِرٌ غَالَبٌ قيلَ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: دُونَ سببٍ؛ لِيَخْرُجَ بولٌ وَقَعَ فِي مَاءٍ كثيرٍ فَوَجَدَ مُتَغَيِّرًا وَاحْتَمَلَ كَوْنَ التّغِييرِ بِهِ، وَالحقُّ سقوطُ الأَصْلِ إِنَّ قُرْبَ العهدِ وَاعتمَادَه إِنْ بَعُدَ ولاَ يُحَتَّجُّ بَاستصحَابِ حَالِ الإِجمَاعِ فِي مَحَلِّ الخِلاَفِ خِلاَفًا للمُزَنِيِّ وَالصيرفِي وَابْنِ سُرَيْجٍ وَالآمِدِيُّ فَعُرِفَ أَنَّ الاستصحَابَ ثُبُوتُ أَمْرٍ فِي الثَّانِي لثُبُوتِهِ فِي الأَوَّلِ لِفُقْدَانِ مَا يصلُحُ للتغييرِ أَمَّا ثُبُوتُه فِي الأَوَّلِ لثُبُوتِهِ فِي الثَّانِي فَمَقْلُوبٌ، وَقَدْ يقَالُ فِيهِ لو لَمْ يَكُنِ الثَّابتُ اليومَ ثَابِتًا أَمسِ لكَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ فِيقتضِي استصحَابُ أَمسِ بأَنَّهُ الآنَ غَيْرُ ثَابِتٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فدَلَّ علَى أَنَّهُ ثَابِتٌ.
ش:/ (١٩٦/ب/م) مِنَ الأَدلَّةِ المُخْتَلِفِ فِيهَا الاستصحَابُ، وأَطلَقَ جمَاعةٌ الخِلاَفَ فِيهِ، وَالتحقيقُ أَنَّ لَهُ صورًا.
الأَولَى: استصحَابُ العدمُ الأَصْلِيُّ، كنفِي وُجُوبِ صلاَةِ سَادِسَةٍ.
دلَّ العَقْلُ علَى انتفَائِه، وإِن لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ تصريحٌ بِهِ لانتفَاءِ المُثْبِتِ للوجوبِ.
стр. 626
الثَانِيَةُ: اسْتِصْحَابُ مقتضَى العمومِ أَو النَّصِّ إِلَى أَنْ يَرِدَ المُخَصَّصِ أَو النَّاسِخِ.
وقَالَ ابنُ السَّمْعَانِيُّ: لاَ يُسَمَّى هذَا استصحَابًا، لأَنَّ ثُبُوتَ الحُكْم فِيهِ بِاللفظِ.
الثَالثةُ: اسْتِصْحَابُ حُكْمٍ دلَّ الشَّرْعُ علَى ثُبُوتِهِ لوجودِ سببِه، كَالمُلْكِ إِذَا حصَلَ سبَبُهُ وشُغْلِ الذِّمَّةِ عَن فرضٍ أَو إِتلاَفٍ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ وقَارُهُ، لَمْ يَخْتَلِفْ أَصحَابُنَا فِي العَمَلِ بِالاستصحَابِ فِي هذه/ (١٥٩/ب/د) الصُّوَرِ الثّلاَثِ، وفِي الصُّورَةِ الثَّالثةِ عِنْدَ غيرِنَا مَذَاهِبُ أُخَرْ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا، حُكِيَ عَن بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ، وعَزَاهُ الإِمَامُ لِلْحَنَفِيَّةِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ حُجَّةٌ لإِبقَاءِ مَا كَانَ علَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ لإِثبَاتِ أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ، ولهذَا كَانَ المَفْقُودُ لاَ يَرِثُ لانتفَاءِ مُلْكِهِ لمَالِ مُوَرِّثِهِ قَبْلَ هذه الحَالةِ، وَالأَصْلُ دوَامُهُ، ولاَ يُوَرَّثُ لإِبقَاءِ مَا كَانَ علَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وهذَا هو الموجودُ فِي كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ.
ويشهدُ لَهُ مَسَائِلُ فِي مَذْهَبِنَا وهو معنَى قَوْلِ المُصَنِّفِ: ((وَقِيلَ: فِي الدَّفْعِ دُونَ الرَّفْعِ))؛
أَي: أَنَّهُ حُجَّةٌ فِي الدَّفْعِ دُونَ الرَّفْعِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ حجَّةٌ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يُعَارِضُهُ ظَاهرٌ، فإِنَّ عَارضُه ظَاهرٌ عمَلَ بِالظَّاهِرِ سَوَاءً كَانَ الظَّاهِرُ مستندًا إِلَى غَلَبةٍ أَمْ لاَ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ للشَّافِعِيِّ قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ فِي تعَارُضِ الأَصْلِ وَالظَاهرِ أَيُّهَمَا يُقَدَّمُ.
الرَابِعُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ إِن لَمْ يُعَارِضْهُ ظَاهرٌ مُسْتَنِدٌ إِلَى غَلَبَةٍ، سَوَاءٌ انْتَفَى المعَارِضُ
стр. 627
أَو لَمْ يَكُنْ الظَّاهِرُ مستندًا إِلَى غَلَبَةٍ، فإِنْ أُسْنِدَ الظَّاهِرُ إِلَى غَلَبَةِ قُدِّمَ علَى الأَصْلِ.
الخَامِسُ: أَنَّهُ إِنَّمَا يُقَدَّمُ الظَّاهِرُ الغَالِبُ علَى الأَصْلِ إِذَا كَانَ لَهُ سَبَبٌ كَمَا لو رأَى مِنْ بعدُ ظَبْيَةٍ تَبُولُ فِي مَاءٍ كثيرٍ ثُمَّ قُرِّبَ إِلَيْهِ فَوَجَدَه متغيِّرًا، فإِنَّا نَحْكُمُ بنجَاسَتِهِ إِحَالةً علَى السَّبَبِ الظَّاهِرِ، نصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وتَابعَه الأَصحَابُ إِعمَالاً للسبَبِ الظَّاهِرِ.
السَّادِسُ: الفَرْقُ فِي هذه الصُّورَةِ بَيْنَ أَنْ يَعْهَدَهُ/ (١٩٧/أَ/م) عَن قُرْبٍ غَيْرِ مُتَغَيِّرٍ فَيَعْمَلُ بِالسبَبِ المذكورِ، وَبَيْنَ أَنْ لاَ يَكُونَ له بِهِ عَهْدٌ أَو يَعْهَدُه مِنْ زمنٍ بعيدٍ، فِيُعْمَلُ بَاستصحَابِ الأَصْلِ، قَالَهُ القفَّالُ وَالجُرْجَانِيُّ المَعْرُوفُ بِالحُسَيْنِ، كلاَهمَا فِي (شرحِ التّلخيصِ).
وقَالَ المُصَنِّفُ: إِنَّهُ الحقُّ.
الرَابعةُ: استصحَابُ حَالِ الإِجمَاعِ فِي مَوْضِعِ الخِلاَفِ، بأَنْ يَجْمَعُوا علَى حُكْمٍ فِي حَالٍ، فَيَتَغَيَّرُ الحَالُ، ويقَعُ الخِلاَفُ، فَالأَكثرونَ علَى أَنَّهُ لاَ يستصْحِبُ حَالَ الإِجمَاعِ.
وقَالَ بَاستصحَابِهِ مِنْ أَصحَابِنَا المُزَنِيِّ وأَبُو بَكْرٍ الصّيرفِيُّ وَابْنُ سُرَيْجٍ وَذَهَبَ إِلَيْهِ الآمِدِيُّ.
ومثَالَه إِذَا رأَى المُتَيَّمِّمُ المَاءَ أَثنَاءَ الصّلَاةِ لَمْ تَبْطُلْ صلاَتُه، لِانْعِقَادِ الإِجمَاعِ علَى صِحَّةِ صلاَتِهِ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ، فَيَسْتَصْحِبُ الصحَّةُ بعدَهَا، حتَّى يقومَ دَلِيلٌ علَى أَنَّ الرّؤيةَ قَاطِعَةٌ.
إِذَا تقرَّرَ ذَلِكَ، فَالاستصحَابُ ثُبُوتُ أَمرٍ فِي الزّمنِ الثَّانِي لثُبُوتِه فِي الزَّمَنِ الأَوَّلِ لانتفَاءِ مَا يصلُحُ أَنْ يتغيَّرَ بِهِ الحُكْمُ بعدَ البَحْثِ التَّامِّ.
فأَمَا عكسُه وهو ثُبُوتُهُ فِي الأَوَّلِ لثُبُوتِهِ فِي الثَّانِي فهو الاستصحَابُ المعكوسُ أَو المَقْلُوبُ. قَالَ السُّبْكِيُّ: ولم يَقُلْ الأَصحَابُ بِهِ، إِلا فِي مسأَلةٍ وَاحدةٍ فِيمَنِ اشْتَرَى
стр. 628
شَيْئًا وَادَّعَاه مدَّعٍ وأَخَذَهُ مِنْهُ بِحُجَّةٍ مُطْلَقَةٍ، فقَالُوا: يَثْبُتُ لَهُ الرّجوعُ علَى البَائعِ، وهو استصحَابُ الحَالِ فِي المَاضِي، فإِنَّ البَيِّنَةَ لاَ تَثْبِتُ +المُلْكَ، ولكنَّهَا تُظْهِرُهُ، فِيجِبُ كَوْنُ المُلْكِ سَابقًا علَى إِقَامتِهَا، ويُقَدَّرُ لَهُ لَحْظَةٌ لَطِيفَةٍ، ومِنَ المُحْتَمَلِ/ (١٦٠/أَ/د) انتقَالَ المُلْكِ مِنَ المُشْتَرِي إِلَى المُدَّعِي، ولكنَّهُمُ اسْتَصْحَبُوا مُقْلُوبًا وهو عدمُ الانتقَالِ منه.
قُلْتُ: وعدمُ الرجوعِ وجهٌ مشهورٌ، وكَانَ شَيْخُنَا الإِمَامُ البَلْقِينِيُّ يُرَجِّحُه ويقولُ: إِنَّهُ الصّوَابُ المُتَّعَيَّنُ، وَالمَذْهَبُ الذي لاَ يَجُوزُ غيرُه، قَالَ: وحكَى القَاضِي حُسَيْنٌ الأَوَّلُ عَنِ الأَصحَابِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ فِي غَايةِ الإِشكَالِ.
وأَنكرَ ذَلِكَ شيخُنَا، وقَالَ: نقلَه هذَا عَنِ الأَصحَابِ لاَ يُعْرَفُ فِي كتَابٍ مِنْ كُتُبِ الأَصحَابِ فِي الطَّرِيقَيْنِ قَبْلَ القَاضِي ولاَ بَعْدَهُ، إِلا فِي كلاَمِ الإِمَامِ وَالغَزَالِيِّ ومَنْ تَبِعَهُمَا حكَايةً عَنِ القَاضِي.
قَالَ: وهي طريقُةُ غَيْرُ مستقيمةٍ جَامعةٌ لأَمْرِ محَالِ، وهُوَ أَنَّهُ يَأَخُذُ النَّتَاجَ وَالثَّمَرَةَ وَالزَّوَائِدَ المنفصلَةَ كلُّهَا وهي قَضِيَّةُ صِحَّةِ البَيْعِ، ويرجِعُ علَى البَائعِ بِالثَّمَنِ وهو قضِيَّةُ فسَادِ البَيْعِ، وهذَا مُحَالٌ وَخَرْقٌ عظيمٌ/ (١٩٧/ب/م) وظوَاهرُ نصوصِ الشَّافِعِيِّ وكلاَمُ الأَصحَابِ يُبْطِلُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فإِن قُلْتُ: قَد قَالُوا بِالاستصحَابِ المَقْلُوبِ فِيمَا لو قَذَفَهُ، فَزَنَا المَقْذُوفُ أَنَّهُ يَسْقُطُ الحَدُّ عَنِ القَاذفِ.
قُلْتُ: لَمْ يَثْبِتُوا زنَاه فِيمَا تقدَّمَ، ولذلكَ لَمْ يَرَدُّوا شهَادتُه السَّابقُةُ، وإِنَّمَا أَسقطُوا الحَدَّ للشُّبْهَةِ لاحتمَالِ أَنَّ افتضَاحَه متقدِّمٌ السَّبَبِ، وَالحدودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَقَوْلُ المُصَنِّفِ: (وَقَدْ يقَالُ) إِلَى آخرِه، أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنَّ الطّريقَ فِي تقريرِ الاستصحَابِ المقلوبِ أَن يُقَالَ: لو لَمْ يَكُنْ الحُكْمُ الثَّابِتُ الآنَ ثَابِتًا أَمسِ لكَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ، إِذ لاَ وَاسِطَةَ، وإِذَا كَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ أَمسِ اقتضَى الاستصحَابَ أَنَّهُ
стр. 629
الآنَ غَيْرُ ثَابِتٍ لكنَّهُ ثَابِتٌ الآنَ فدلَّ علَى أَنَّهُ كَانَ ثَابِتًا أَمسِ أَيضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: مسأَلةٌ لاَ يُطَالَبُ النَّافِي بِالدليلِ إِنِ ادَّعَى علمًا ضَرُورِيًّا وإِلاَّ فَيُطَالَبُ بِهِ علَى الأَصحِّ.
ش: هَلْ يُطَالَبُ النَّافِي للشيءِ بدليلٍ علَى نفِيه.
يُنْظُرُ، فإِنْ دلَّ علَى النّفِيِ أَمْرٌ ضرورِيٌّ لَمْ يُطَالَبْ عَلَيْهِ بدليلٍ.
وإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَرُورِيًّا ففِيه مَذَاهِبُ.
أَصحُّهَا ـ وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ ـ: إِنَّهُ يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ كَالإِثبَاتِ.
وَالثَّانِي: لاَ، وعَزَاهُ المُصَنِّفُ فِي (شرحِ المختصرِ) للظَاهِرِيَّةِ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَالذي فِي (الإِحكَامِ) لابْنِ حَزْمٍ الأَوَّلُ.
وَالثَّالِثُ: يجب فِي العَقْليَاتِ دُونَ الشَّرْعِيَاتِ، وقَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ، بعدَ إِطلاَقِ الخِلاَفِ: لاَ يَتَّجِهُ فِيهَا خِلاَفٌ؛ لأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِالنَافِي مَنْ يَدِّعِي العِلْمَ أَو الظَّنَّ بِالنَّفْيِ فهذَا يجِبُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وإِنْ أَرِيدَ بِهِ مَنْ يَدَّعِي عدمَ عِلْمِهِ أَو ظَنِّهِ فهذَا لاَ دَلِيلَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ يَذْكُرُ جَهْلَهُ بِالشّيءِ، وَالجَاهِلُ بِالشَّيْءِ غَيْرُ مطَالَبٍ بِالدليلِ علَى جَهْلِهِ.
ص: ويجِبُ الأَخذُ بأَقلِّ المقولِ وَقَدْ مَرَّ.
ش: تقدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ عِنْدَ الكلاَمِ علَى الإِجمَاعِ السّكوتيِّ، وأَشَارُّ إِلَيْهِ هُنَا لِئْلاَ
стр. 630
يُتْوَهَّمَّ أَنَّهُ أَهْمَلَهَا.
ص: وَهَلْ يَجِبُ الأَخذُ بِالأَخفِّ أَو الأَثقلِّ أَو لاَ يجِبُ (١٦٠/ب/د) شيءٌ؟ أَقوَالٌ.
ش: إِذَا تعَارَضَتِ المَذَاهِبُ، أَو أَقوَال الرّوَاة، أَو الاحتمَالات النَّاشئة عَنِ الأَمَارَاتِ فَهَلْ يجِبُ الأَخذُ بأَخفِّهَا، ويكونُ ذَلِكَ مِنْ طُرُقِ الاستدلالِ كَمَا قيلَ بوُجُوبِ الأَخذِ/ (١٩٨/أَ/م) بأَقلَّ مَا قيلَ، أَو بأَثقلِهَا وأَشدَّهَا كَمَا قيلَ هنَاكَ: يجِبُ بِالأَكثرِ، أَو لاَ يجِبُ الأَخذُ بشيءٍ منهَا؟ فِيهِ ثلاَثةُ مَذَاهِبَ.
ص: مسأَلةٌ: اخْتَلَفَوا هَلْ كَانَ المصطفَى ﷺ مُتَعَبِّدًا قَبْلَ النبُوَّةِ بِشَرْعٍ، وَاخْتَلَفَ المُثْبِتُ، فَقِيلَ: نُوحٌ وإِبرَاهيمُ وموسَى وعيسَى ومَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَرْعٌ أَقوَالٌ، وَالمُخْتَارُ الوقفُ تأَصيلاً وتفريعًا وبعدَ النّبوَّةِ المَنْعِ.
ش: اخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ ﵊ هَلْ تَعَبَّدَ بشرعٍ أَحدٍ مِنَ الأَنبيَاءِ قَبْلَ النُّبوةِ أَو بعدَهَا، فأَمَّا مَا قَبْلَ النّبوَّةِ ففِيه مَذَاهِبُ.
أَحَدُهَا: نَعَمْ، وَاختَارَه ابْنُ الحَاجِبِ وَالبيضَاويُّ.
وَالثَّانِي: لاَ، ونقلَه القَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَن جمهورِ المُتَكَلِّمِينَ، وعلَى هذَا فَانْتِفَاؤُه بِالعَقْل أَو النَّقْلِ؟ فِيهِ خلاَفٌ.
стр. 631
وَالثَّالِثُ: الوَقْفُ، وَبِهِ قَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ وَالغَزَالِيُّ وَالآمِدِيُّ.
وعلَى الأَوَّلِ، فقِيلَ: كَانَ مُتَعَبِّدًا بشريعةِ آدمَ، وَلَمْ يَحْكِهِ المُصَنِّفُ.
وَقِيلَ: نُوْحٌ، وَقِيلَ: إِبرَاهيمُ، وَقِيلَ: موسَى، وَقِيلَ: عيسَى.
وقَالَ بعضُهم: مَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَرَعَ مِنْ غَيْرِ تخصيصُ بشريعةٍ.
قَالَ المُصَنِّفُ: وَالمُخْتَارُ الوقفُ تأَصيلاً وتفريعًا، أَي: فِي أَصلِ المَسْأَلَةِ وفِي فرعِهَا، وهو تَعيين النَّبِيّ الذي كَانَ مُتَعَبِّدًا بشرعِه.
قَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ: وهذَا تَرْجِعُ فَائدتُه إِلَى مَا يجري مجرَى التّوَاريخ، ولاَ يَخْفَي أَنَّ الخِلاَفَ فِي الفروعِ التي تَخْتَلِفُ فِيهَا الشّرَائعُ، أَمَّا مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ كَالتوحيدِ فَلاَ شكَّ فِي التّعبُّدِ بِهِ.
وأَمَّا بعدَ النُبُوَّةِ فهو مُرَتَّبٌ علَى مَا قبلَهَا، فإِنْ مَنَعْنَا هنَاكَ فهنَا أَوْلَى، وإِنْ جوزنَا هنَاكَ فَالأَكثرونَ هُنَا مِنَ الأَشَاعِرَةِ وَالمُعْتَزِلَةَ علَى المنعِ.
قَالَتِ المُعْتَزِلَةُ بِامْتِنَاعِهِ عَقْلاً، وَغَيْرُهم بِامْتِنَاعِهِ نقلاً، وَاختَارَه الإِمَامُ وَالآمِدِيُّ.
وقَالت طَائفة: كَانَ متعبدًا بمَا لَمْ يُنُسَخْ مِنْ شَرْعِِه مِنْ قبلِه، علَى معنَى أَنَّهُ مُوَافِقٌ لاَ مُتَابِعٌ.
وَاختَارَه ابْنُ الحَاجِبِ.
قَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ: وللشَّافِعِيِّ مَيْلٌ إِلَى هذَا، وبنَى عَلَيْهِ أَصلاً من أَصولِه فِي كتَابِ الأَطْعَمَةِ وتَابَعَهُ معظمُ أَصحَابِهِ./ (١٩٨/ب/م).
ص: مسأَلةٌ: حُكْمُ المنَافعِ وَالمَضَارِّ قَبْلَ الشَّرْعِ مَرَّ وبعدَه الصَّحِيحُ أَنَّ أَصلَ المضَارِّ التَّحْرِيمُ وَالمنَافِعَ الحلُّ قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ: إِلا أَموَالَنَا لقولِهِ ﷺ : ((إِنَّ دمَاءَكُمْ وأَموَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ)).
стр. 632
ش: حُكْمُ المنَافِعِ وَالمضَارُّ فِيمَا قَبْلَ الشَّرْعِ سَبَقَ ذِكْرُهُ أَوَّلُ الكتَابِ، عِنْدَ قَوْلِه: (ولاَ حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ) بَلْ الأَمرُ مَوْقُوفٌ إِلَى ورودِه، وأَمَّا بَعْدَ الشَّرْعِ، فَالأَصْلُ فِي المضَارِّ التَّحْرِيمُ وفِِي المنَافعِ الإِذنُ، كَقَوْلِهِ تعَالَى فِي مَعْرِضِ الامتنَانِ/ (١٦١/أَ/د): ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ وقولُه ﵊: ((لاَ ضَرَرَ ولاَ ضِرَارَ)) وخَالَفَ فِيهِ بعضُهم، وَاسْتَثْنَى- وَالِدُ المُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ أَصْلَ المنَافِعِ الحِلُّ- الأَموَالَ، فقَالَ: وَلَكَ أَنْ تقولَ: الأَموَالُ مِنْ جملةِ المنَافعِ، وَالظَاهرُ أَنَّ الأَصْلَ فِيهَا التَّحْرِيمُ؛ لقولِه ﷺ : ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ)) وهو أَخصُّ مِنَ الأَدلَّةِ التي استدَلَّ بِهَا علَى الإِبَاحةِ فَيَكُونُ قَاضِيًا عَلَيْهَا، إِلا أَنَّهُ أَصلٌ طَاريءٌ علَى أَصلِ سَابقٍ، فإِنَّ المَالَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُه مِنَ المنَافعِ، الأَصْلُ فِيهِ الإِبَاحةُ بِالأَدلَّةِ السَّابقةِ، ومِنْ خُصُوصِيَّتِهِ الأَصْلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ بهذَا الحديثِ.
قُلْتُ: فِي هذَا الكلاَمِ نَظَرٌ، وَالدَّعْوَى عَامَّةٌ، وَالدَّلِيلُ خَاصٌّ فإِنَّه ادَّعَى أَنَّ الأَصْلَ فِي الأَموَالِ التَّحْرِيمُ وَالدَّلِيلُ الذي ذَكَرَهُ خَاصٌّ بِالأَموَالِ المختصَّةِ، فإِذَا وَجَدْنَا مُبَاحًا فِي البَرِّيَّةِ أَو غيرِهَا فَلَيْسَ فِي الحديثِ مَا يَدُلُّ علَى تحريمِهِ، وكونُ المَالِ الذي تعلَّقَ بِهِ حقُّ الغيرِ حرَامًا لاَ يُنَافِي كَوْنَ الأَصْلِ فِي الأَموَالِ الإِبَاحةَ؛ لأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا حُرِّمَ لعَارضٍ وهو تعلُّقُ حقِّ الغيرِ، وذلك لاَ ينَافِي أَنَّ الأَصْلَ فِيهَا الإِبَاحةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 633
ص: مسأَلةٌ: الاستحسَانُ قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وأَنكَرَه البَاقُونَ، وفُسِّر بدليلٍ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ المُجْتَهِدِ تقصُرُ عَنْهُ عبَارَتُهُ ورَدَّ بأَنَّهُ إِنْ تحقَّقَ فَمُعْتَبَرٌ، وبِعُدُولٍ عَن قِيَاسٍ إِلَى أَقوَى ولاَ خِلاَفَ فِيهِ، أَو عَنِ الدَّلِيلِ إِلَى العَادةِ، ورَدَّ بأَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا حقٌّ فَقَدْ قَامَ دليلُهَا وإِلاَّ رُدَّتْ فإِنْ تحقَّقَ اسْتِحْسَانُ مُخْتَلِفٌ فِيهِ فمَنْ قَالَ بِهِ فقد شَرَعَ أَمَّا استحسَانُ الشَّافِعِيُّ/ (١٩٩/أَ/م) التَّحْلِيفُ علَى المصحفِ وَالحطُّ فِي الكتَابةِ ونحوِهمَا فَلَيْسَ منه.
ش: مِنَ الأَدلَّةِ المُخْتَلَفِ فِيهَا الاستحسَانُ، ونَقَلَ المُصَنِّفِ إِنكَارَه عَنِ الجميعِ، إِلا عَن أَبِي حَنِيفَةَ، لكنْ نَقَلَ الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ القَوْلَ بِهِ عَنِ الحنَابلةِ أَيضًا، وحكَى أَبُو الخطَّابِ مِنَ الحنَابلةِ عَن أَحمدَ أَنَّهُ قَالَ: أَصحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا قَالُوا شيئًا خِلاَفَ القِيَاسِ قَالُوا: نَسْتَحْسِنُ هذَا وَنَدَعُ القِيَاسَ، فَيَدَعُونَ مَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ الحقُّ بِالاستحسَانِ، وأَنَا أَذهبُ إِلَى كلِّ حديثٍ جَاءَ ولاَ أَقيسُ عليه.
قَالَ أَبُو الخطَاب: وعندي أَنَّهُ أَنكر عَلَيْهِم الاستحسَانَ مِنْ غَيْرِ دليلٍ، فلو
стр. 634
كَانَ عَن دَلِيلٍ لَمْ يُنْكِرْه لأَنَّهُ حقٌّ وهو معنَى قَوْلِه: أَنَا أَذْهَبُ إِلَى كلِّ حديثٍ جَاءَ ولاَ أَقيسُ عَلَيْهِ؛ أَي: أَتْرُكُ القِيَاسَ بِالخبرِ، وهو الاستحسَانُ بِالدليلِ، انْتَهَى.
وذكَرَ المُصَنِّفُ فِي تفسيرِه ثلاَثَ مقَالاتٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ المجتهدِ، وتقصُرُ عَنْهُ عبَارتُهُ.
وردَّهُ ابْنُ الحَاجِبِ بأَنَّهُ إِن لَمْ يتحقَّقْ كَوْنُه دَلِيلاً فمردُودٌ اتِّفَاقًا، وإِنْ تحقَّقَ فمعتبَرٌ اتِّفَاقًا، وردَّه البَيْضَاوِيُّ بأَنَّهُ لاَ بُدَّ من ظهورِه لِيُمَيِّزَ صحيحَه مِنْ فَاسدِه، فإِنَّ مَا يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ المجتهدِ/ (١٦١/ب/د) قَد يَكُونُ وَهْمًا لاَ عِبْرَةَ بِهِ. الثَانِيَة: أَنَّهُ العدولُ عَن قِيَاسٍ إِلَى قِيَاسٍ أَقوَى مِنْهُ، وعلَى هذَا فَلاَ خِلاَفَ فِيهِ؛ لأَنَّهُ إِذَا تعَارَضَ قيَاسَانِ عُمِلَ بأَقوَاهِمَا.
الثَالثةُ: أَنَّهُ العدولُ عَن حُكْمِ الدَّلِيلِ إِلَى العَادةِ لمصلحةِ النَّاسِ، كدخولِ الحمَّامِ مِنْ غَيْرِ تقديرٍ المَاءِ وشُرْبِ المَاءِ مِنَ السّقَاءِ بعوضٍ مَعَ اخْتِلاَفِ أَحوَالِ النَّاسِ فِي الشُّرْبِ، ورُدَّ بأَنَّ العَادةَ إِن ثَبَتَ أَنَّهَا حقٌّ لجريَانِهَا فِي زمنِه ﵊ فهو ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ، أَو فِي زمَانِ المجتهدينَ من غَيْرِ إِنكَارٍ، فهو إِجمَاعٌ، وإِلاَّ فهو مردودٌ، فقد ظهَرَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لاَ يتحقَّقُ استحسَانٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فإِنْ تَحَقَّقَ استحسَانٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَمَنْ/ (١٩٩/ب/م) قَالَ بِهِ فَقَدْ شَرَعَ.
قَالَ الشَّارِحُ: وهو بتشديدِ الرَّاءِ، لو جَازَ أَنْ يُسْتَحْسَنَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ لكَانَ هذَا +نصبَ شريعةٍ علَى خِلاَفِ مَا أَمَرَ بِهِ اللَّهُ ورسولُه؛ لأَنَّهُ لاَ دَلِيلَ عَلَيْهِ فَوَجَبَ تَرْكُهُ.
قُلْتُ: لاَ معنَى لِجَزْمِهِ بتشديدِ الرَّاءِ فِي قَوْلِهِ: (فَقَدْ شَرَّعَ) وَالذي أَحفظُه بِالتخفِيفِ.
стр. 635
ويقَالُ فِي نصبِ الشّريعةِ: شرَعَ بِالتخفِيفِ، قَالَ اللَّهُ تعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآيةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: (أَمَا اسْتِحْسَانُ الشَّافِعِيِّ) إِلَى آخرِهِ، فأَشَارَ بِهِ إِلَى الجوَابِ عَن قَوْلِ القَائلِ: قَد اسْتَحْسَنَ الشَّافِعِيُّ فِي مَسَائِلَ كثيرةٍ، فقَالَ: أَسْتَحْسِنُ التَّحْلِيفَ علَى المصحفِ، وأَستحسنُ أَنْ يُتْرَكَ للمَكَاتَبِ شَيْءٌ من نجومِ الكتَابةِ.
فأَجَابَ عَنْهُ بأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الاستحسَانِ الذي أَنْكَرْنَاهُ، وهو مَا يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ المُجْتَهِدِ، وتقصُرُ عَنْهُ عبَارتُهُ، ولم يَقُلْ ذَلِكَ إِلا بدليلٍ لكنَّهُ سمَّاهُ استحسَانًا؛ لأَنَّهُ عدَّهُ حسنًا لمَا قَامَ عندَه ممَّا يَقْتَضِي ذَلِكَ، ولاَ يُنْكِرُ التّعبيرَ بِذَلِكَ عَنْ حُكْمٍ ثبَتَ بدليلٍ وفِي التَّنْزِيلِ: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ ونقَلَ أَبُو الوليدِ البَاجيُّ فِي (فصولِ الأَحكَامِ) عَن محمَّدِ بْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادِ: أَن معنَى الاستحسَانِ الذي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَصحَابُ مَالِكٍ القَوْلُ بأَقوَى الدَّلِيلينِ، وكذلك تقدَّمَ عَن أَبِي الخطَّابِ الحنبليِّ تقريرُ كلاَمِ أَحمَدَ فِي ذَلِكَ بِمِثْلِ مَا ذَكَرْنَاه، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الشَّارِحُ: لَكِنْ رَأَيْتُ فِي سُنَنِ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ ذكَرَ خِيَارَ الشُّفْعَةِ ثلاَثًا قَالَ الشَّافِعِيُّ: قُلْتُ هذَا استحسَانًا مني لَيْسَ بأَصلٍ ولاَ بُدَّ من تأَويلِه.
انْتَهَى.
ص: مسأَلةٌ: قَوْلُ الصّحَابيِّ علَى صحَابيٍّ غَيْرِ حُجَّةٍ وفِاقًا وكذَا علَى غَيْرِه قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ إِلَّا فِي التّعبُّدِيِّ وفِي تقليدِه قولاَن لارتفَاعِ الثِّقَةِ بمذهبِهِ إِذ لَمْ يُدَوَّنْ وَقِيلَ حُجَّةٌ فوقَ القِيَاسِ فإِنِ اخْتَلَفَ صحَابِيَّانِ فَكَدَلِيلَيْنِ وَقِيلَ دُونَه وفِي تَخْصِيصِهِ العمومَ
следующие страницы →