Полный текст (826 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وَالثَّالِثُ: الوَقْفُ، وَبِهِ قَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ وَالغَزَالِيُّ وَالآمِدِيُّ.
وعلَى الأَوَّلِ، فقِيلَ: كَانَ مُتَعَبِّدًا بشريعةِ آدمَ، وَلَمْ يَحْكِهِ المُصَنِّفُ.
وَقِيلَ: نُوْحٌ، وَقِيلَ: إِبرَاهيمُ، وَقِيلَ: موسَى، وَقِيلَ: عيسَى.
وقَالَ بعضُهم: مَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَرَعَ مِنْ غَيْرِ تخصيصُ بشريعةٍ.
قَالَ المُصَنِّفُ: وَالمُخْتَارُ الوقفُ تأَصيلاً وتفريعًا، أَي: فِي أَصلِ المَسْأَلَةِ وفِي فرعِهَا، وهو تَعيين النَّبِيّ الذي كَانَ مُتَعَبِّدًا بشرعِه.
قَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ: وهذَا تَرْجِعُ فَائدتُه إِلَى مَا يجري مجرَى التّوَاريخ، ولاَ يَخْفَي أَنَّ الخِلاَفَ فِي الفروعِ التي تَخْتَلِفُ فِيهَا الشّرَائعُ، أَمَّا مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ كَالتوحيدِ فَلاَ شكَّ فِي التّعبُّدِ بِهِ.
وأَمَّا بعدَ النُبُوَّةِ فهو مُرَتَّبٌ علَى مَا قبلَهَا، فإِنْ مَنَعْنَا هنَاكَ فهنَا أَوْلَى، وإِنْ جوزنَا هنَاكَ فَالأَكثرونَ هُنَا مِنَ الأَشَاعِرَةِ وَالمُعْتَزِلَةَ علَى المنعِ.
قَالَتِ المُعْتَزِلَةُ بِامْتِنَاعِهِ عَقْلاً، وَغَيْرُهم بِامْتِنَاعِهِ نقلاً، وَاختَارَه الإِمَامُ وَالآمِدِيُّ.
وقَالت طَائفة: كَانَ متعبدًا بمَا لَمْ يُنُسَخْ مِنْ شَرْعِِه مِنْ قبلِه، علَى معنَى أَنَّهُ مُوَافِقٌ لاَ مُتَابِعٌ.
وَاختَارَه ابْنُ الحَاجِبِ.
قَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ: وللشَّافِعِيِّ مَيْلٌ إِلَى هذَا، وبنَى عَلَيْهِ أَصلاً من أَصولِه فِي كتَابِ الأَطْعَمَةِ وتَابَعَهُ معظمُ أَصحَابِهِ./ (١٩٨/ب/م).
ص: مسأَلةٌ: حُكْمُ المنَافعِ وَالمَضَارِّ قَبْلَ الشَّرْعِ مَرَّ وبعدَه الصَّحِيحُ أَنَّ أَصلَ المضَارِّ التَّحْرِيمُ وَالمنَافِعَ الحلُّ قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ: إِلا أَموَالَنَا لقولِهِ ﷺ : ((إِنَّ دمَاءَكُمْ وأَموَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ)).
стр. 632
ش: حُكْمُ المنَافِعِ وَالمضَارُّ فِيمَا قَبْلَ الشَّرْعِ سَبَقَ ذِكْرُهُ أَوَّلُ الكتَابِ، عِنْدَ قَوْلِه: (ولاَ حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ) بَلْ الأَمرُ مَوْقُوفٌ إِلَى ورودِه، وأَمَّا بَعْدَ الشَّرْعِ، فَالأَصْلُ فِي المضَارِّ التَّحْرِيمُ وفِِي المنَافعِ الإِذنُ، كَقَوْلِهِ تعَالَى فِي مَعْرِضِ الامتنَانِ/ (١٦١/أَ/د): ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ وقولُه ﵊: ((لاَ ضَرَرَ ولاَ ضِرَارَ)) وخَالَفَ فِيهِ بعضُهم، وَاسْتَثْنَى- وَالِدُ المُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ أَصْلَ المنَافِعِ الحِلُّ- الأَموَالَ، فقَالَ: وَلَكَ أَنْ تقولَ: الأَموَالُ مِنْ جملةِ المنَافعِ، وَالظَاهرُ أَنَّ الأَصْلَ فِيهَا التَّحْرِيمُ؛ لقولِه ﷺ : ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ)) وهو أَخصُّ مِنَ الأَدلَّةِ التي استدَلَّ بِهَا علَى الإِبَاحةِ فَيَكُونُ قَاضِيًا عَلَيْهَا، إِلا أَنَّهُ أَصلٌ طَاريءٌ علَى أَصلِ سَابقٍ، فإِنَّ المَالَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُه مِنَ المنَافعِ، الأَصْلُ فِيهِ الإِبَاحةُ بِالأَدلَّةِ السَّابقةِ، ومِنْ خُصُوصِيَّتِهِ الأَصْلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ بهذَا الحديثِ.
قُلْتُ: فِي هذَا الكلاَمِ نَظَرٌ، وَالدَّعْوَى عَامَّةٌ، وَالدَّلِيلُ خَاصٌّ فإِنَّه ادَّعَى أَنَّ الأَصْلَ فِي الأَموَالِ التَّحْرِيمُ وَالدَّلِيلُ الذي ذَكَرَهُ خَاصٌّ بِالأَموَالِ المختصَّةِ، فإِذَا وَجَدْنَا مُبَاحًا فِي البَرِّيَّةِ أَو غيرِهَا فَلَيْسَ فِي الحديثِ مَا يَدُلُّ علَى تحريمِهِ، وكونُ المَالِ الذي تعلَّقَ بِهِ حقُّ الغيرِ حرَامًا لاَ يُنَافِي كَوْنَ الأَصْلِ فِي الأَموَالِ الإِبَاحةَ؛ لأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا حُرِّمَ لعَارضٍ وهو تعلُّقُ حقِّ الغيرِ، وذلك لاَ ينَافِي أَنَّ الأَصْلَ فِيهَا الإِبَاحةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 633
ص: مسأَلةٌ: الاستحسَانُ قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وأَنكَرَه البَاقُونَ، وفُسِّر بدليلٍ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ المُجْتَهِدِ تقصُرُ عَنْهُ عبَارَتُهُ ورَدَّ بأَنَّهُ إِنْ تحقَّقَ فَمُعْتَبَرٌ، وبِعُدُولٍ عَن قِيَاسٍ إِلَى أَقوَى ولاَ خِلاَفَ فِيهِ، أَو عَنِ الدَّلِيلِ إِلَى العَادةِ، ورَدَّ بأَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا حقٌّ فَقَدْ قَامَ دليلُهَا وإِلاَّ رُدَّتْ فإِنْ تحقَّقَ اسْتِحْسَانُ مُخْتَلِفٌ فِيهِ فمَنْ قَالَ بِهِ فقد شَرَعَ أَمَّا استحسَانُ الشَّافِعِيُّ/ (١٩٩/أَ/م) التَّحْلِيفُ علَى المصحفِ وَالحطُّ فِي الكتَابةِ ونحوِهمَا فَلَيْسَ منه.
ش: مِنَ الأَدلَّةِ المُخْتَلَفِ فِيهَا الاستحسَانُ، ونَقَلَ المُصَنِّفِ إِنكَارَه عَنِ الجميعِ، إِلا عَن أَبِي حَنِيفَةَ، لكنْ نَقَلَ الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ القَوْلَ بِهِ عَنِ الحنَابلةِ أَيضًا، وحكَى أَبُو الخطَّابِ مِنَ الحنَابلةِ عَن أَحمدَ أَنَّهُ قَالَ: أَصحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا قَالُوا شيئًا خِلاَفَ القِيَاسِ قَالُوا: نَسْتَحْسِنُ هذَا وَنَدَعُ القِيَاسَ، فَيَدَعُونَ مَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ الحقُّ بِالاستحسَانِ، وأَنَا أَذهبُ إِلَى كلِّ حديثٍ جَاءَ ولاَ أَقيسُ عليه.
قَالَ أَبُو الخطَاب: وعندي أَنَّهُ أَنكر عَلَيْهِم الاستحسَانَ مِنْ غَيْرِ دليلٍ، فلو
стр. 634
كَانَ عَن دَلِيلٍ لَمْ يُنْكِرْه لأَنَّهُ حقٌّ وهو معنَى قَوْلِه: أَنَا أَذْهَبُ إِلَى كلِّ حديثٍ جَاءَ ولاَ أَقيسُ عَلَيْهِ؛ أَي: أَتْرُكُ القِيَاسَ بِالخبرِ، وهو الاستحسَانُ بِالدليلِ، انْتَهَى.
وذكَرَ المُصَنِّفُ فِي تفسيرِه ثلاَثَ مقَالاتٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ المجتهدِ، وتقصُرُ عَنْهُ عبَارتُهُ.
وردَّهُ ابْنُ الحَاجِبِ بأَنَّهُ إِن لَمْ يتحقَّقْ كَوْنُه دَلِيلاً فمردُودٌ اتِّفَاقًا، وإِنْ تحقَّقَ فمعتبَرٌ اتِّفَاقًا، وردَّه البَيْضَاوِيُّ بأَنَّهُ لاَ بُدَّ من ظهورِه لِيُمَيِّزَ صحيحَه مِنْ فَاسدِه، فإِنَّ مَا يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ المجتهدِ/ (١٦١/ب/د) قَد يَكُونُ وَهْمًا لاَ عِبْرَةَ بِهِ. الثَانِيَة: أَنَّهُ العدولُ عَن قِيَاسٍ إِلَى قِيَاسٍ أَقوَى مِنْهُ، وعلَى هذَا فَلاَ خِلاَفَ فِيهِ؛ لأَنَّهُ إِذَا تعَارَضَ قيَاسَانِ عُمِلَ بأَقوَاهِمَا.
الثَالثةُ: أَنَّهُ العدولُ عَن حُكْمِ الدَّلِيلِ إِلَى العَادةِ لمصلحةِ النَّاسِ، كدخولِ الحمَّامِ مِنْ غَيْرِ تقديرٍ المَاءِ وشُرْبِ المَاءِ مِنَ السّقَاءِ بعوضٍ مَعَ اخْتِلاَفِ أَحوَالِ النَّاسِ فِي الشُّرْبِ، ورُدَّ بأَنَّ العَادةَ إِن ثَبَتَ أَنَّهَا حقٌّ لجريَانِهَا فِي زمنِه ﵊ فهو ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ، أَو فِي زمَانِ المجتهدينَ من غَيْرِ إِنكَارٍ، فهو إِجمَاعٌ، وإِلاَّ فهو مردودٌ، فقد ظهَرَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لاَ يتحقَّقُ استحسَانٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فإِنْ تَحَقَّقَ استحسَانٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَمَنْ/ (١٩٩/ب/م) قَالَ بِهِ فَقَدْ شَرَعَ.
قَالَ الشَّارِحُ: وهو بتشديدِ الرَّاءِ، لو جَازَ أَنْ يُسْتَحْسَنَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ لكَانَ هذَا +نصبَ شريعةٍ علَى خِلاَفِ مَا أَمَرَ بِهِ اللَّهُ ورسولُه؛ لأَنَّهُ لاَ دَلِيلَ عَلَيْهِ فَوَجَبَ تَرْكُهُ.
قُلْتُ: لاَ معنَى لِجَزْمِهِ بتشديدِ الرَّاءِ فِي قَوْلِهِ: (فَقَدْ شَرَّعَ) وَالذي أَحفظُه بِالتخفِيفِ.
стр. 635
ويقَالُ فِي نصبِ الشّريعةِ: شرَعَ بِالتخفِيفِ، قَالَ اللَّهُ تعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآيةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: (أَمَا اسْتِحْسَانُ الشَّافِعِيِّ) إِلَى آخرِهِ، فأَشَارَ بِهِ إِلَى الجوَابِ عَن قَوْلِ القَائلِ: قَد اسْتَحْسَنَ الشَّافِعِيُّ فِي مَسَائِلَ كثيرةٍ، فقَالَ: أَسْتَحْسِنُ التَّحْلِيفَ علَى المصحفِ، وأَستحسنُ أَنْ يُتْرَكَ للمَكَاتَبِ شَيْءٌ من نجومِ الكتَابةِ.
فأَجَابَ عَنْهُ بأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الاستحسَانِ الذي أَنْكَرْنَاهُ، وهو مَا يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ المُجْتَهِدِ، وتقصُرُ عَنْهُ عبَارتُهُ، ولم يَقُلْ ذَلِكَ إِلا بدليلٍ لكنَّهُ سمَّاهُ استحسَانًا؛ لأَنَّهُ عدَّهُ حسنًا لمَا قَامَ عندَه ممَّا يَقْتَضِي ذَلِكَ، ولاَ يُنْكِرُ التّعبيرَ بِذَلِكَ عَنْ حُكْمٍ ثبَتَ بدليلٍ وفِي التَّنْزِيلِ: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ ونقَلَ أَبُو الوليدِ البَاجيُّ فِي (فصولِ الأَحكَامِ) عَن محمَّدِ بْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادِ: أَن معنَى الاستحسَانِ الذي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَصحَابُ مَالِكٍ القَوْلُ بأَقوَى الدَّلِيلينِ، وكذلك تقدَّمَ عَن أَبِي الخطَّابِ الحنبليِّ تقريرُ كلاَمِ أَحمَدَ فِي ذَلِكَ بِمِثْلِ مَا ذَكَرْنَاه، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الشَّارِحُ: لَكِنْ رَأَيْتُ فِي سُنَنِ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ ذكَرَ خِيَارَ الشُّفْعَةِ ثلاَثًا قَالَ الشَّافِعِيُّ: قُلْتُ هذَا استحسَانًا مني لَيْسَ بأَصلٍ ولاَ بُدَّ من تأَويلِه.
انْتَهَى.
ص: مسأَلةٌ: قَوْلُ الصّحَابيِّ علَى صحَابيٍّ غَيْرِ حُجَّةٍ وفِاقًا وكذَا علَى غَيْرِه قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ إِلَّا فِي التّعبُّدِيِّ وفِي تقليدِه قولاَن لارتفَاعِ الثِّقَةِ بمذهبِهِ إِذ لَمْ يُدَوَّنْ وَقِيلَ حُجَّةٌ فوقَ القِيَاسِ فإِنِ اخْتَلَفَ صحَابِيَّانِ فَكَدَلِيلَيْنِ وَقِيلَ دُونَه وفِي تَخْصِيصِهِ العمومَ
стр. 636
قولاَن وَقِيلَ إِنِ انْتَشَرَ، وَقِيلَ إِنْ خَالَفَ القِيَاسَ وَقِيلَ إِنِ انْضَمَّ إِلَيْهِ قِيَاسُ تقريبٍ، وقيلَ/ (٢٠٠/أَ/م) قَوْلُ الشَّيْخينِ فَقَطْ وَقِيلَ الخلفَاءُ الأَربعةُ وعنِ الشَّافِعِيِّ إِلا عليًّا أَمَّا وِفَاقَ الشَّافِعِيِّ زيدًا فِي الفرَائضِ فلِدَّلِيلِ/ (١٦٢/أَ/د) لاَ تقليدًا.
ش: مَذْهَبُ الصَّحَابيِّ لَيْسَ حُجَّةً علَى صحَابيٍّ آخرَ بِالاتِّفَاقِ، كذَا قَالَ ابْنُ الحَاجِبِ وَغَيْرُه، لكن فِي (اللُّمَعِ) للشيخِ أَبِي إِسْحَاقَ إِذَا اختلفُوا علَى قولينِ بُنِيَ علَى القولينِ فِي أَنَّهُ حُجَّةٌ أَمْ لاَ؟
فإِن قُلْنَا: إِنَّهُ حُجَّةٌ فهمَا دليلاَنِ تعَارَضَا يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا علَى الآخرِ بكثرةِ العَدَدِ مِنْ أَحدِ الجَانِبَيْنِ أَو يَكُونُ فِيهِ إِمَامٌ.
قُلْتُ: كَذَا نَكَتَ بِهِ الشَّارِحُ علَى نَقْلِ الاتِّفَاقِ، وَلَيْسَ فِيهِ تصريحٌ بأَنَّهُمَا كدليلينِ تعَارَضَا فِي حقِّ الصَّحَابةِ، وإِنَّمَا ذَلِكَ فِي حقِّ مِنْ بعدِهم، وقيَّدَ بَعْضُ الحنَابلةِ الصّحَابيَّ بِالعَالِمِ، ولم يُقَيِّدْه المُصَنِّفُ؛ لأَنَّ غَيْرَ العَالِمِ لاَ قَوْلَ لَهُ لِكَوْنِهِ نشَأَ عن غَيْرِ نَظَرٍ، وَهَلْ قَوْلُ الصّحَابي حُجَّةٌ علَى غَيْرِ الصّحَابيِّ؟
فِيه مَذَاهِبُ: أَصحُّهَا ـ وهو الجديدُ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ـ: أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وكذَا عَنْ أَحمدَ قولاَن.
وقَالَ السُّبْكِيُّ: إِنَّ الشَّافِعِيَّ يَسْتَثْنِي من قَوْلِه فِي الجديدِ لَيْسَ بحُجَّةِ التّعبُّدِيِّ الذي لاَ مجَالَ لِلقِيَاسِ فِيهِ، لأَنَّهُ قَالَ: اخْتِلاَفُ الحديثِ: روي عَن عليٍّ ﵁ أَنَّهُ صلَّى فِي ليلةٍ ستَّ ركعَاتٍ فِي كلِّ ركعةٍ ستَّ سجدَاتٍ، ولو ثَبَتَ ذَلِكَ عَن عليٍّ قُلْتُ بِهِ، لأَنَّهُ لاَ مجَالَ لِلقِيَاسِ فِيهِ، وَالظَاهرُ أَنَّهُ فعلَه توقيفًا. انْتَهَى.
стр. 637
قَالَ الشَّارِحُ: ولاَ نُقِلَ عِنْدَ المُصَنِّفِ ووَالدِهِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ جَزَمَ بِهِ ابْنُ الصّبَّاغِ فِي (الكَاملِ) بِالكَافِ وَالإِمَامُ فِي (المَحْصُولِ) فِي بَابِ الأَخبَارِ.
قُلْتُ: لَيْسَ هذَا عَمَلًا بقولِ الصّحَابيِّ، وإِنَّمَا هو تحسينٌ للظَّنِّ بِهِ، فِي أَنَّهُ لاَ يقولُ مثلَ ذَلِكَ إِلَّا توقيفًا، فهو مرفوعٌ حُكْمًا، وهو نظيرُ مَا اشْتَهَرَ مِنْ أَنَّ قَوْلَ الصّحَابيِّ فِيمَا لاَ مجَالَ للاَجتهَادِ فِيهِ مرفوعٌ حُكْمًا؛ لِحَمْلِهِ علَى أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، فذَاكَ فِي القَوْلِ وهذَا فِي الفعلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وإِذَا فَرَّعْنَا علَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَهَلْ يَجُوزُ لغيرِ المُجْتَهِدِ تقليدُه؟ فِيهِ خِلاَفٌ حَكَاهُ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ، وقَالَ: إِنَّ المُحَقِّقِينَ علَى الامتنَاعِ، وَلَيْسَ هذَا لأَنَّهُمْ دُونَ المُجْتَهِدِينَ غَيْرِ الصَّحَابةِ فَهُمْ أَجَلُّ قَدْرًا، بَلْ لأَنَّ/ (٢٠٠/ب/م) مَذَاهِبَهم لاَ يُوثَقُ بِهَا؛ فإِنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ حَقَّ الثُّبُوتِ كَمَا تَثْبُتُ مَذَاهِبُ الأَئِمَّةِ الذَّينَ لَهم أَتبَاعٌ، وبِهذَا جَزَمَ ابْنُ الصّلاَحِ، ولَمْ يَخُصُّهُ بِالصحَابةِ بَلْ عَزَاهُ إِلَى كُلِّ مَنْ لَمْ يُدَوُّنْ مَذْهَبُهُ.
وقَالَ: إِنَّهُ يَتَعَيَّنُ تقليدُ الأَئِمَّةِ الأَربعةِ؛ لأَنَّ مَذَاهِبَهم انتشََرَتْ وَانبَسَطَتْ حتَّى ظَهَرَ تقييدُ مُطْلَقِهَا، وتخصيصُ عَامِّهَا، بِخلاَفِ غيرِهم، وصَحَّحَ المُصَنِّفُ جَوَازَ تقليدِ الصَّحَابِيِّ، قَالَ: غَيْرَ أَنِّي أَقولُ: لاَ خِلاَفَ فِي الحقيقةِ، بَلْ إِنَّ تَحَقُّقَ ثُبُوتِ مذهبٍ عَنْ وَاحدٍ مِنْهُم جَازَ تقليدُهُ./ (١٦٢/ب/د) وِفَاقًا وإِلاَّ فلاَ، لاَ لِكَوْنِهِ لاَ يُقَلَّدُ؛ بَلْ لأَنَّ مذهبَهُ لَمْ يَثْبُتْ حَقَّ الثُّبُوتِ.
قُلْتُ: المُرَادُ بِكونِهَا لَمْ تَثْبُتْ حَقَّ الثُّبُوتِ؛ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلقولِ شَرْطٌ لَمْ نَعْرِفُهُ أَوْ مَحْمُولٌ علَى حَالةٍ، وإِنْ ثَبَتَ أَصْلُ القولِ.
قَالَ الشَّارِحُ: الخِلاَفُ يَتَحَقَّقُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ذَكَرَهُ ابْنُ بَرْهَانَ فِي (الأَوْسَطِ) فَقَالَ: تَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ مَبْنِيٌّ علَى جَوَازِ الانتقَالِ فِي المَذَاهِبِ؛ فَمَنْ
стр. 638
مَنَعَهُ مَنَعَ تقليدَهم؛ لأَنَّ فَتَاوِيهم لاَ يُقْدَرُ علَى استحضَارِهَا فِي كُلِّ وَاقعةٍ.
القولُ الثَّانِي: أَنَّهُ حُجْةٌ مُطْلَقًا، وهو القَوْلُ القديمُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وقَالَ بِهِ مَالكٌ وأَكثرُ الحَنَفِيَّةِ، وإِذَا قُلْنَا بهذَا فَهَلْ هو فوقَ القِيَاسِ أَو دُونَهُ؟
قولاَنِ، فَإِذَا تعَارَضَ مَعَ القِيَاسِ قُدِّمَ عَلَيْهِ علَى الأَوَّلِ، وقُدِّمَ القِيَاسُ علَى الثَّانِي، ومَا أَدْرِي هَلْ قَالَ أَحدٌ إِنَّهُ كَالقِيَاسِ بِحَيْثُ يَتَعَارَضَانِ أَمْ لاَ.
وفَرَّعَ المُصَنِّفُ علَى كَوْنِه فوقَ القِيَاسِ أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ صَحَابِيَّانِ كَانَا كَدَلِيلَيْنِ تَعَارَضَا فَيُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا بِدليلٍ، وعلَى كَوْنِهِ دُونَ القِيَاسِ أَنَّهُ هَلْ يُخَصَّصُ العمومُ بِهِ أَمْ لاَ؟
فِيه قولاَنِ، وهُمَا وَجْهَانِ لأَصحَابِنَا، حكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ فِي الأَقْضِيَةِ.
أَحَدُهُمَا: الجوَازُ؛ لأَنَّهُ حُجْةٌ شَرْعِيةٌ.
وَالثَّانِي: المَنْعُ؛ لأَنَّهُ مَحْجُوجٌ بِالعمومِ، وَقَدْ كَانَتْ الصَّحَابةُ يَتْرُكُونَ أَقوَالَهم إِذَا سَمِعُوا العمومَ.
قُلْتُ: ويَنْبَغِي جَرَيَانُ التَّفريعِ الأَوَّلِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّهُ فوقَ القِيَاسِ أَو دُونَهُ، ولاَ يُخَصُّ بِمَا إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ فوقَه، وأَمَّا تخصيصُ التّفريعِ الثَّانِي بِمَا إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ دُونَه فَإِنَّه إِذَا كَانَ فوقَهُ فَقُطِعَ بِالتخصيصِ بِهِ؛ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ وَغَيْرَهُ يَقْطَعُونَ بِالتخصيصِ بِالقِيَاسِ/ (٢٠١/أَ/م) فمَا فوقَهُ أَوْلَى.
قَالَ المُصَنِّفُ: وهذه المَسْأَلَةُ غَيْرُ التي سَبَقَتْ فِي التَّخصيصِ، حَيْثُ قُلْنَا: إِنَّ العَامَّ لاَ يُخَصُّ بِمذهبِ الرَّاوِي ولو كَانَ صَحَابِيًّا، أَيْ: سَوَاءٌ أَكَانَ قَوْلُهُ حُجَّةٌ أَمْ لاَ.
وَالمذكورُ هَهُنَا أَنَا إِنْ فَرَّعْنَا علَى أَنَّ قَوْلَه حُجَّةٌ دُونَ القِيَاسِ فَفِي التّخصيصِ بِهِ قولاَنِ، هذَا سَوَاءٌ كَانَ الصَّحَابِيُّ رَاوِيًا أَمْ لاَ.
стр. 639
قَالَ الشَّارِحُ: لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي الأَولَى: (لاَ يُخَصُّ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَوْلُه حُجَّةٌ أَمْ لاَ) ـ فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقٍ وَغَيْرَه قَالُوا هنَاك: إِنْ قُلْنَا: لَيْسَ بِحُجَّةٍ امْتَنَعَ التّخصيصُ بِهِ قَطْعًا.
وإِنْ قُلْنَا: حُجَّةٌ، فَفِي التّخصيصِ بِهِ وَجْهَانِ.
القولُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ إِنْ انْتَشَرَ ولَمْ يُخَالِفِ القِيَاسَ وإِلاَّ فلاَ، قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي القديمِ.
وَحَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي (العُدَّةِ) عَنِ الجَدِيدِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِ عُثْمَانَ فِي الجَدِيدِ فِي مسأَلةِ البَرَاءَةِ مِنَ العيوبِ؛ لأَنَّ مذهبَه أَنَّهُ إِذَا انْتَشَرَ ولَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ كَانَ حُجَّةً، وقَالَ/ (١٦٣/أَ/د) الغَزَالِيُّ: السُّكُوتُ لَيْسَ بِقولٍ؛ فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَنْتَشِرَ أَمْ لاَ؟!
قَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: وَالعَجَبُ تَمَسُّكُهُ بِمِثْلِ هذَا الإِجمَاعِ عَلَى حُجِّيَّةِ خَبَرِ الوَاحِدِ وَالقِيَاسُ.
الرَابِعُ: أَنَّهُ إِنْ خَالفَ القِيَاسَ فهو حُجَّةٌ، وإِلاَّ فلاَ.
قَالَ ابْنُ بَرْهَانَ فِي (الْوَجِيزِ) إِنَّهُ الحقُّ البَيِّنُ، وإِنَّ نُصُوصَ الشَّافِعِيِّ تَدُلُّ عَلَيْهِ.
الخَامِسُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ إِنْ انْضَمَّ إِلَيْهِ قِيَاسُ التَّقْرِيبِ، حَكَاهُ المَاوَرْدِيُّ قَوْلاً لِلشَّافِعِيِّ.
السَّادِسُ: أَنَّ قَوْلَ الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ- ﵄ حُجَّةٌ دُونَ غيرِهمَا.
السَّابِعُ: قَوْلُ الخُلَفَاءِ الأَربعةِ حُجَّةٌ دُونَ غيرِهم.
стр. 640
الثَامِنُ: قَوْلُ الخُلَفَاءِ الأَربعةِ إِلاَّ عَلِيًّا- ﵁ حُجَّةٌ، وهذَا مأَخوذٌ مِنْ كلاَمِ الشَّافِعِيِّ فِي الرّسَالةِ القديمةِ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ ولم يَذْكُرْ عَلِيًّا، فَقِيلَ: حُكْمُهُ كَحُكْمِهم، وإِنَّمَا تَرَكَهُ اختصَارًا أَوْ اكتفَاءً بِذِكْرِ الأَكثرِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ القَاصِّ، وَقِيلَ: لأَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الكوفةَ، ومَاتَ كَثيرٌ مِنَ الصّحَابةِ، وتَفَرَّقُوا فِي البلدَانِ، فَعُدِمَ ذِكْرُهُ لاَ لِنَقْصِ اجتهَادِهِ بَلْ لاجتمَاعِ الصّحَابةِ مَعَ الثّلاَثةِ، فَكَانَ قَوْلُهم كَالإِجمَاعِ أَو قَوْلِ الأَكثرِ، وصَحَّحَهُ الْقَفَّالُ.
وَقَوْلُهُ: (أَمَّا وِفَاقُ الشَّافِعِيِّ) إِلَى آخِرِهِ ـ أَشَارَ بِهِ إِلَى الجوَابِ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وهو أَنَّهُ إِذَا كَانَ الصَّحيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ/ (٢٠١/ب/م) فَكَيْفَ احْتُجَّ بِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي الفرَائضِ.
فأَجَابَ: بِأَنَّهُ لَمْ يأَخُذْ بِقَوْلِهِ علَى سبيلِ التّقليدِ، بَلْ لدليلٍ قَامَ عَنْدَهُ فَوَافَقَهُ، وَاستأَنسَ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: ((أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ)) ولأَنَّهُ لَمْ يُهْجَرْ لَهُ قَوْلٌ فِي الفرَائضِ بِخِلاَفِ غَيْرِهِ مِنَ الصّحَابةِ.
ص: الإِلهَامُ إِيقَاعُ شَيْءٍ فِي الصّدرِ؛ يَثْلَجُ بِهِ الصّدرُ، يَخُصُّ بِهِ اللَّهُ تعَالَى بَعْضَ أَصفِيَائِهِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ لِعَدَمِ ثِقَةِ مَنْ لَيْسَ معصومًا بِخَوَاطِرِهِ خِلاَفًا لِبعضِ الصّوفِيَّةِ.
ش: مِمَّا قِيلَ إِنَّهُ مِنَ الأَدِلَّةِ الإِلهَامُ، فَنَقَلَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي (القَوَاطِعِ) عَنْ أَبِي زَيْدٍ مِنَ الحَنَفِيَّة أَنَّهُ قَالَ: (الإِلهَامُ مَا حَرَّكَ القلبَ بِعلمٍ يَدْعُوكَ إِلَى العَمَل بِهِ مِنْ غَيْرِ استدلاَلٍ بِآيةٍ، ولاَ نَظَرٍ فِي حُجَّةٍ.
стр. 641
قَالَ: وَالذي عَلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ أَنَّهُ خِيَارٌ لاَ يَجُوزُ العَمَلُ بِهِ إِلَّا عِنْدَ فَقْدِ الحُجَجِ كُلِّهَا فِي بَابِ مَا أُبِيحَ لَهُ عَمَلُهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
وقَالَ بَعْضُ الْجَبْرِيَّةِ: إِنَّهُ حُجَّةٌ بِمَنْزِلَةِ الوَحْيِ المسموعِ عَنْ رسولِ اللَّهِ- ﷺ وَاحَتَجَّ بِقَوْلِهِ تعَالَى: ﴿وَنَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاهَا﴾.
أَيْ: عَرَّفَهَا بِالإِيقَاعِ فِي القلبِ، وبِقَوْلِهِ تعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ وبِقولِهِ ﵊: ((اتَّقُوا فِرَاسَةَ (١٦٣ب/د) الْمُؤْمِنِ)) وقولِهِ ﵊: ((الإِثْمُ مَا حَاكَ فِي قَلْبِكَ، فَدَعْهُ وَإِلاَّ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتُوكَ)) فَقَدْ جَعَلَ ﵊ شَهَادةَ قَلبِه بِلاَ حُجَّةٍ أَوْلَى مِنَ الفَتْوَى، فَثَبَتَ أَن الإِلهَامَ حَقٌّ، وأَنَّهُ وَحْيٌ بَاطِنٌ، إِلاَّ أَنَّ العبدَ إِذَا عَصَى رَبَّهُ، وعَمِلَ بِهَوَاهُ حُرِمَ هذه الكرَامةُ.
قُلْتُ: ولاَ حُجَّةَ فِي شَيْءٍ مِمَّا استدلُوا بِهِ، لأَنَّهُ لَيْسَ المُرَادُ الإِيقَاعَ فِي القلبِ بِلاَ دليلٍ، بَلِ الهدَايةُ إِلَى الحقِّ بِالدليلِ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ- رَضِي اللَّهُ تعَالَى عَنْه-ُ: (إِلاَّ أَنْ يُؤْتِي اللَّهُ عَبْدًا فَهْمًا فِي كِتَابِهِ).
وكَانَ شيخُنَا الإِمَامُ البَلْقِينِيُّ يَقُولُ: إِنَّ الفُتُوحَاتِ التي يُفْتَحُ بِهَا علَى العُلمَاءِ فِي الاهتدَاءِ إِلَى اسْتِنْبَاطِ المَسَائِلِ المُشْكِلَةِ مِنَ الأَدِلَّةِ أَعَمُّ نَفْعًا وأَكثرُ فَائِدَةً مِمَّا يُفْتَحُ بِهِ عَلَى الأَوليَاءِ مِنَ/ (٢٠٢/أَ/م) الاطِّلاَعِ علَى بَعْضِ الغُيوبِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يَحْصُلُ بِهِ مِنَ النّفْعِ مِثْلَ مَا يَحْصُلُ بِهذَا.
قُلْتُ: وأَيضًا، فهذَا موثوقٌ بِهِ لِرجوعِهِ إِلَى أَصْلٍ شَرْعِيٍ، وذَاكَ قَدْ يَضْطَرِبُ
стр. 642
الأَمرُ فِيهِ ويَشْتَبِهُ بِتَسْوِيلِ الشّيطَانِ؛ لِعَدَمِ رُجوعِهِ إِلَى قَاعدةٍ شرعيَّةٍ، وإِنْ كَانَ الغَالِبُ أَنَّ الخوَاطِرَ المَلَكِيَّةَ تَسْتَقِرُّ، وَالشّيطَانِيَّةَ تَضْطَرِبُ، وعلَى كُلِّ حَالٍ فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُعْتَمَدَ مِنْهَا علَى مَا لَيْسَ لَهُ دَلِيلٍ شرعيٍّ.
قَالَ الشَّارِحُ: ومِمَّنْ أَثْبَتَهُ الإِمَامُ شِهَابُ الدّينِ السَّهْرَوَرْدِيُّ قَالَ: قَالَ فِي بَعْضِ أَمَالِيهِ: هو عُلُومٌ تَحْدُثُ فِي النّفْسِ المُطْمَئِنَّةِ الزّكِيَّةِ، وفِي الحديثِ: ((إِنَّ مِنْ أُمَّتِي مُحَدِّثِينَ، وإِنَّ عُمَرَ مِنْهُمْ)) وقَالَ تعَالَى: ﴿فأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاهَا﴾ أَخْبَرَ أَنَّ النّفوسَ مُلْهَمَةٌ؛ فَالنفسُ المُلْهَمَةُ عُلُومًا لَدُنِّيَّةً هي التي تَبَدَّلَتْ صِفَتُهَا، وَاطْمَأَنَّتْ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ أَمَّارَةً، ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَمرٍ حَسَنٍ يَرْتَفِعُ بِهِ الخِلاَفُ، فَقَالَ: وهذَا النّوعُ لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ المصَالحُ العَامَّةُ مِنْ عَالَمِ المُلْكِ وَالشّهَادةِ، بَلْ تَخْتَصُّ فَائدُتُهُ بِصَاحِبِهِ دُونَ غيرِهِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَمَرَةُ السّرَايةِ إِلَى الغيرِ علَى طريقِ العمومِ، وإِنْ كَانَتْ لَهُ فَائِدَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالأَغيَارِ علَى وَجْهٍ خَاصٍ؛ وذلكَ لأَنَّ مَحَلَّهُ النّفسُ، وقُرْبُهَا مِنَ الأَرضِ وَالعَالَمِ السُّفْلِيِّ، بِخلاَفِ المرتبةِ الأُولَى، وهي الوحيُ الذي قَامَ بِهِ المَلَكُ المُلْقِي؛ لأَنَّ مَحَلَّهُ القلبُ المُجَانِسُ لِلرُّوحِ الرُّوحَانِيِّ العُلْوِيِّ.
قُلْتُ: وَقَدْ تَبَيَّنَ بِمَا حَكَاهُ مِنْ عِبَارتِه أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ دَلِيلاً شَرْعِيًّا مُسْتَقِلاًّ، وإِنَّمَا يَعْمَلُ بِهِ الإِنسَانُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ إِذَا لَمْ يُخَالِفْ شريعةً، وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ: كُلُّ حقيقةٍ لاَ تَتَّبِعُ شريعةً فَهِي كُفْرٌ.
وَقَوْلُ المُصَنِّفِ: (يَثْلَجُ بِهِ/ (١٦٤/أَ/د) الصّدرُ) أَيْ: يَطْمَئِنُ، وفِيه لغتَانِ: ثَلَجَ بِفتحِ اللاَّمِ، يَثْلُجُ بِضمِهَا، وثَلِجَ بِكسرِهَا، يَثْلَجُ بِفتحِهَا.
стр. 643
ص: خَاتمةٌ: قَالَ القَاضِي حُسَيْنٌ، مَبْنَى الفِقْهِ عَلَى اليقينِ لاَ يُرْفَعُ بِالشَّكِّ، وَالضَّرَرُ يُزَالُ، وَالمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التّيسيرَ، وَالعَادةُ مُحَكِّمَةٌ، قِيلَ: وَالأُمُورُ بِمقَاصدِهَا.
ش: ذَكَرَ القَاضِي حُسَيْنُ أَنَّ مَبْنَى الفِقْهِ علَى هذه القوَاعدِ الأَربعِ، وَالمُرَادِ بِالقَاعدةِ مَا لاَ يَخُصُّ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الفِقْهِ؛ فَإِنْ اخْتُصَّ بِبِعْضِ الأَبوَابِ سُمِّيَ ضَابِطًا، وذَكَرَ بعضُهم أَنَّهُ أَهْمَلَ قَاعدةً خَامسةً، وهي: الأُمُورُ/ (٢٠٢/ب/م) بِمقَاصدِهَا، وَاسْتَحْسَنَهُ بعضُهم لِقولِ الشَّافِعِيِّ- ﵁: إِنَّهُ يَدْخُلُ فِي حديثِ (الأَعمَالُ بِالنبَاتِ) ثُلُثُ العملِ.
وَاعتذَرَ بعضُهم عَنِ القَاضِي حُسَيْنٍ بِرجوعِهَا إِلَى تحكيمِ العَادةِ؛ فَإِنَّهَا تَقْضِي أَنَّ غَيْرَ المَنْوِيِّ مِنْ غُسْلٍ وصَلاَةٍ وكِنَايةٍ فِي عَقْدٍ لاَ يُسَمَّى غُسْلاً ولاَ قرَابةً ولاَ عقدًا، وَقَدْ رَدَّ الشَّيْخُ عِزُّ الدّينِ أَحكَامَ الشَّرْعِ إِلَى جَلْبِ المصَالحِ ودَرْءِ المفَاسدِ، وبَحَثَ بعضُهم أَنَّ دَرْءَ المفَاسدِ مِنْ جُمْلَةِ جَلْبِ المصَالحِ، وفِي رجوعِ جَمِيعِ الفِقْهِ إِلَى هذه القوَاعدِ تَعَسُّفٌ؛ فَإِنَّ أَصولَهُ مُنتشِرةٌ تَتَّضِحُ بِالتفصيلِ.
فأَمَا القَاعدة الأَولَى وهي أَنَّ اليقينَ لاَ يُرْفَعُ بِالشّكِ فأَصلُهَا قَوْلُهُ ﵊: ((لاَ يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدُ رِيحًا)) وهي مُتَوَغِّلَةٌ فِي أَكثرِ أَبوَابِ الفِقْهِ، بَلْ تجرِي فِي أَصولِه أَيضًا، كَكَوْنِ الاستصحَابِ حُجَّةً، ْ ْوأَنَّهُ لَيْسَ علَى المَانعِ فِي المُنَاظِرةِ دليلٌ.
وأَمَّا الثَّانِيةُ: وهي أَنَّ الضّررَ يُزَالُ، فهي أَيضًا كثيرةُ التّوغُّلِ فِي أَبوَابِ
стр. 644
الفِقْهِ كَالحُدُودِ، فهي لِدَفْعِ الضّررِ عَنِ الضّروريَاتِ الخمسةِ المُعْتَبَرَةِ بِالإِجمَاع.
وأَمَّا الثَّالثةُ: وهي أَنَّ المشقةَ تَجْلِبُ التّيسير فهي دَاخلةٌ أَيضًا فِي العبَادَاتِ وَالمعَاملاَتِِ وَالأَنْكِحَةِ وَالجِنَايَاتِ؛ ففِي العبَادَاتِ كَوْنُ الصّلوَاتِ خَمْسًا فَقَطْ، وتفريقُهَا علَى الأَوقَاتِ، وإِبَاحةُ القَصْرِ وَالجَمْعِ فِيهَا للمسَافرِ، وَاغتفَارِ الفعلِ الفَاحشِ فِي الصّلاَةِ لِلخَائفِ، وكيفَ أَمْكَنَهُ فِي حَالةِ شِدَّةِ الخوفِ.
وأَمْثِلَةُ ذَلِكَ كثيرةٌ فَاعْتَبِرْ بِمَا ذَكَرَتْهُ بِقِيَّةُ الأَحكَامِ.
وأَمَّا الرَّابعةُ: وهي تحكيمُ العَادةِ، وذَكَرَ القَاضِي حُسَيْنُ أَنَّ أَصلَهَا حديثُ: (مَا رَآهُ المُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ) لَكِنَّ المَعْرُوفَ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ فِي هذَا أَنَّهُ موقوفٌ علَى ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَالأَحسنُ الاحتجَاجُ بِقَوْلِهِ ﵊ لِهِنْدٍ ((خُذِي مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بَالمَعْرُوفِ)) وقولُه تعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ﴾.
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيُّ فِي (القَوَاطِعِ) العُرْفُ فِي الآيَةِ مَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ/ (١٦٤/ب/د) ويَتَعَارفونه فِيمَا بينهم، وكذَا قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: معنَاه بِكُلِّ مَا عَرَفَتْهُ النُّفُوسُ فِيمَا، لاَ تَرَاهُ الشّريعةُ.
وقَالَ ابْن ظُفَرٍ فِي (اليَنْبُوعِ): العُرْفُ مَا عَرَّفَتْهُ العَقْلاَءُ أَنَّهُ حَسَنٌ،
стр. 645
وأَقَرَّهُمُ الشَّارعُ عَلَيْهِ، فَمِنْه الرّجوعُ إِلَى العُرْفِ وَالعَادةِ فِي معرفةِ أَسبَابِ الأَحكَامِ مِنَ الصّفَاتِ الإِضَافِيِّةِ كَصِغَرِ صَبِيَّةٍ وكِبَرِهَا، وإِطلاَقِ مَاءٍ وتقييدِهِ وكثرةِ تَغَيُّرِهِ، وقِلَّتِهِ، وغَالبِ/ (٢٠٣/أَ/م) الكثَافةِ، ونَادرِ العُذْرِ ودَائِمِهِ، وطُولِ الفَصْلِ فِي السّهْوِ وقِصَرِهِ، وأَمْثِلَتُهُ كثيرةٌ.
وأَمَّا الخَامسةُ: وهي كَوْنُ الأُمُورِ بِمقَاصدِهَا فدليلُهَا قَوْلُهُ ﵊: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)) فَمِنْهُ العبَادَاتُ لاَ يُمَيِّزُهَا عَنِ العَادَاتِ، ولاَ يُمَيِّزُ رُتَبَ بعضِهَا عَنْ بَعْضٍ إِلَّا النِّيَّةُ، ولاَ يَحْصُلُ الثّوَابُ إِلاَّ بِهَا، ومِنْهُ المُعَامَلاَتُ بِالكنَايَاتِ، لاَ بُدَّ لَهَا مِنْ نِيَّةٍ، ومِنْهُ جَمِيعُ المُبَاحَاتِ تَتَمَيَّزُ عَنِ المَعَاصِي وَالقُرُبَاتِ بِالنِّيَّةِ.
стр. 646
الكتَابُ السَّادسُ
فِي التَّعَادُلِ وَالترَاجِيحِ
ص: الكِتَابُ السَّادسُ فِي التَّعَادُلِ وَالترَاجِيحِ
ص: يُمْتَنَعُ تَعَادُلُ القَاطِعَيْنِ وكَذَا الأَمَارَتَيْنِ فِي نَفْسِ الأَمرِ علَى الصّحيحِ، فَإِنْ تَوَهَّمَ التّعَادُلَ فَالتَّخْيِيرُ أَوِ التّسَاقطُ أَوِ الوَقْفُ أَوِ التّخْيِيرُ فِي الوَاجبَات وَالتسَاقطُ فِي غيرِهَا-أَقْوَالٌ.
ش: لمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ الأَدِلَّةِ المُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَالمُخْتَلَفِ فِيهَا، عَقَدَ هذَا الكتَابَ؛ لِبيَانِ كَيْفِيَّةِ الاستدلاَلِ بِهَا عِنْدَ التّعَارضِ، فَذَكَرَ التّعَادُلَ وهو التّسَاوِي أَوَّلاً، ثُمَّ ذَكَرَ التّرَاجِيحَ.
وَالتعَادُلُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ القَطْعِيَّيْنِ مُمْتَنَعٌ، سَوَاءٌ كَانَا عَقْلِيَّيْنِ أَوْ نَقْلِيَّيْنِ، وإِلاَّ ثَبَتَ مُقْتَضَاهُمَا وهُمَا نَقِيضَانِ، وكَذَا بَيْنَ القَطْعِيِّ وَالظَّنِيِّ لانِتْفَاءِ الظّنِ عِنْدَ القَطْعِ بِالنقيضِ.
وأَمَّا التّعَادلُ بَيْنَ الأَمَارتَيْنِ؛ فَإِنْ كَانَ فِي نَظَرِ المُجْتَهِدِ فهو مُتَّفَقٌ علَى جَوَازِهُ.
وإِنْ كَانَ فِي نَفْسِ الأَمرِ فَفِيهِ قولاَنِ، أَصحُّهمَا عِنْدَ المُصَنِّفِ امتنَاعُهُ، وَبِهِ قَالَ الْكَرْخِيُّ، وحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ.
وَالثَّانِي: الجَوَازُ، وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ كَمَا حَكَاهُ الإِمَامُ وَالآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ وَاختَارَهُ.
стр. 647
وقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي قوَاعدِه: (لاَ يُتَصَوَّرُ فِي الظّنُونِ تعَارضٌ كَمَا لاَ يُتَصَوَّرُ فِي العلومِ، وإِنَّمَا يَقَعُ التّعَارضُ بَيْنَ أَسبَابِ الظُّنونِ) فَإِنْ حَصَلَ الشّكُّ لَمْ نَحْكُمْ بِشَيْءٍ، وإِنْ وُجِدَ الظّنُّ فِي أَحَدِ الطّرفِيْنِ حُكِمَ بِهِ، وإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُكَذِّبًا لِلآخَرِ تَسَاقَطَا، كَتعَارضِ الخَبَرَيْنِ، وَالشّهَادَتَيْنِ، وإِنْ لَمْ يُكَذِّبْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عُمِلَ بِهِ بِحَسَبِ الإِمكَانِ كَدَابَّةٍ عَلَيْهَا رَاكبَانِ يُحْكَمُ بِهِمَا لهمَا؛ لأَنَّ كُلاًّ مِنَ اليَدَيْنِ لاَ تُكَذِّبُ الأُخْرَى. انْتَهَى.
فإِذَا فَرَّعْنَا علَى جَوَازِ التّعَادُلِ فَفِيمَا يَصْنَعُ المُجْتَهِدُ مَذَاهِبُ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا فِي العَمَلِ وَالقضَاءِ، ويَجْعَلَ فِي الفَتْوَى الخِيرَةَ لِلمُسْتَفْتِي، وبِهذَا قَالَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ/ (١٦٥/أَ/د) وأَبُو عَلِيٍّ وَابْنُهُ أَبُو هَاشِمٍ، وجَزَمَ بِهِ الإِمَامُ وَالبَيْضَاوِيُّ فِي الكَلاَمِ علَى تعَارضِ/ (٢٠٣/ب/م) النّصَّيْنِ.
ثَانِيهُمَا: أَنَّهُمَا يَتَسَاقطَانِ ويَرْجِعُ إِلَى غيرِهِمَا وهو البَرَاءَةُ الأَصْلِيَّةُ، حَكَاهُ البَيْضَاوِيُّ عَنْ بَعْضِ الفقهَاءِ.
ثَالِثُهَا: الوَقْفُ كَالبَيِّنَتَيْنِ المُتَعَارِضَتَيْنِ.
رَابِعُهَا: التَّفْصِيلُ، فَإِنْ كَانَ فِي الوَاجبَاتِ تَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا، كَمَالِكِ مَائتَيْنِ مِنَ الإِبلِ يُخْرِجُ أَرْبَعَ حِقَاقٍ أَو خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وإِنْ كَانَ فِي غيرِهَا كَتعَارضِ الإِبَاحةِ وَالتحريمِ تسَاقَطَا، ورَجِعَ إِلَى البرَاءةِ الأَصْلِيَّةِ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَقَوْلُهُ: (فإِنْ تَوَهَّمَ) أَحسنَ مِنْ قَوْلِ غيرِه: (فإِنْ ظَنَّ) لأَنَّ الظَّنَّ لِلطَّرَفِ الرَّاجِحِ ولاَ يُوجَدُ ذَلِكَ، وإِنَّمَا هو بِالنِّسَبَةِ إِلَى ظَنِّ
стр. 648
المُجْتَهِدِ.
قُلْتُ: التّعبيرُ هُنَا بِالتَّوَهُّمِ لاَ يَصِحُّ؛ لأَنَّ هذَا الخِلاَفَ إِنَّمَا هو مُفَرَّعٌ علَى جَوَازِ تعَادلِهمَا فِي نَفْسِ الأَمرِ، وهو خِلاَفُ مَا صَحَّحَهُ المُصَنِّفُ؛ فكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: فإِنْ حَصَلَ التّعَادلُ، وبِتقديرِ تَفْرِيعِهِ علَى المَنْعِ فَقَدْ عَرَفْتَ الاتِّفَاقَ علَى جَوَازِهُ فِي نَظَرِ المُجْتَهِدِ، فَالتعبيرُ بِالظَّنِّ صوَابٌ، ولاَ معنَى لِلتعبيرِ بِالتَّوَهُّمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: وإِنْ نُقِلَ عَنْ مُجْتَهِدٍ قولاَنِ مُتَعَاقِبَانِ فَالمُتأَخِّرُ قَوْلُهُ، وإِلاَّ فَمَا ذُكِرَ فِيهِ مَا المُشْعِرِ بِترجيحِه وإِلاَّ فهو مُتَرَدِّدٌ، ووَقَعَ لِلشَّافِعِيِّ فِي بِضْعَةَ عَشَرَ مَكَانًا، وهو دَلِيلُ علَى عُلُوِّ شأَنِه عِلْمًا ودِينًا، ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامدٍ مُخَالفُ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْهُمَا أَرْجَحُ مِنْ مُوَافقتِه، وعَكَسَ القَفَّالُ، وَالأَصَحُّ الترجيحُ بِالنَّظَرِ فَإِنْ وَقَفَ فَالوقْفُ.
ش: تَعَارُضُ قَوْلِ المُجْتَهِدِ فِي حَقِّ مُقَلِّدِيهِ كتعَارضِ الأَمَارتَيْنِ فِي حَقِّ المُجْتَهدِينَ؛ فَلِذلك ذَكَرَه عَقِبَه، فإِذَا نُقِلَ عَنْ مُجْتَهِدٍ قولاَنِ فِي مسأَلةٍ وَاحدةٍ فَلَهُمَا حَالانِ.
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَذْكُرَهُمَا فِي وَقْتَيْنِ، فَإِنْ عَلِمَ المُتَأَخِّرَ مِنْهُمَا فهو قَوْلُهُ، ويكونُ الأَوَّلُ مرجوعًا عَنْهُ، وإِن جَهِلَ الحَالَ حُكِيَا عَنْهُ، ولاَ يُحْكَمُ علَى أَحَدِهِمَا بِعَيْنِه بِالرجوعِ عَنْهُ، وإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَهُمَا مرجوعٌ عَنْهُ.
الحَالةُ الثَّانِيةُ: أَنْ يَنُصَّ عليهمَا فِي وَقْتٍ وَاحدٍ، فإِنْ ذَكَرَ مَعَ ذَلِكَ مَا يُشْعِرُ بِترجيحِ أَحَدِهُمَا ولوْ بِالتفريعِ عَلَيْهِ فهو مذهبُهُ.
وفَائِدَةُ ذِكْرِ المرجوحِ مَعَهُ بيَانُ مرجوحِيَّتِهِ لئلاَ يُتَوَهَّمَ رُجْحَانُه، وإِن لَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ مَا يُشْعِرُ بِترجيحِ أَحَدِهُمَا فهو مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا.
ثم يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَا احتمَالَيْنِ لَهُ تَرَدُّدٌ بَيْنَهُمَا لِتعَارضِ الأَدلَّةِ عندَه، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا قَوْلَيْنِ لِلعلمَاءِ قَبْلَهَ.
стр. 649
ولَمْ يَقَعْ للشَّافِعِيِّ ذِكْرُ قولَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحدٍ مِنْ غَيْرِ ترجيحٍ لأَحَدِهُمَا إِلاَّ فِي بِضْعِ عشرةَ مسأَلةً، كمَا نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي شَرْحِ (اللُّمَعِ) عَنِ القَاضِي أَبِي حَامدٍ المَرْوَزِيِّ، ووَهِمَ صَاحبُ (المَحْصُولِ) فِي نَقْلِه ذَلِكَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامدٍ، وفِي تعيينِه أَنَّهَا سَبْعَ عشرةَ/ (٢٠٤/أَ/م) وتَتِمَّةُ كلاَمِ/ (١٦٥/ب/د) القَاضِي أَبِي حَامدٍ سِتَّةَ عشرَ أَو سبعةَ عشرَ.
وقَالَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ: قَالَ المُحَقِّقُونَ: لاَ تكَادَ تَبْلُغُ عشرًا.
وَاختلاَفُ أَقوَالِ الشَّافِعِيِّ فِي المَسْأَلَةِ يَدُلُّ علَى عُلَوِّ شأَنِهِ فِي العِلْمِ لاتِّسَاعِ نَظَرِهِ ودَوَامِ اجتهَادِهِ وعملِه، وفِي الدّينِ حيثُ لَمْ يَسْتَنْكِفْ فِي الأُولَى مِنَ الرّجوعِ عمَّا ظَهَرَ لَهُ فَسَادُه، ولَمْ يَتَعَصُّبْ لِترويجِ مذهبِه، ولَمْ يُقَدِّمْ فِي الثَّانِيةِ علَى الجَزْمِ بِمَا هو مُتَرَدِّدٌ فِيهِ.
فإِذَا لَمْ يَعْلَمِ المُتَأَخِّرَ مِنْهُمَا، أَو ذَكَرَهُمَا فِي وقتٍ وَاحدٍ، ولَمْ يَذْكُرْ مَا يُشْعِرُ بِترجيحِ أَحَدِهُمَا، وكَانَ أَحَدَهُمَا مُوَافِقًا لِمَذْهَبِ أَبِي حنيفةَ، وَالآخَرُ مُخَالفًا لَهُ ففِيه ثلاَثةُ أَقوَالٍ.
أَحَدِهَا ـ وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامدٍ ـ: أَنَّ مُخَالفتَه أَوْلَى؛ لأَنَّ الشَّافِعِيَّ إِنَّمَا خَالفَه لاطِّلاَعِه علَى دَلِيلٍ يَقْتَضِي المُخَالفةَ.
وَالثَّانِي ـ وَبِهِ قَالَ الْقَفَّالُ ـ: أَنَّ المُوَافِقَ لَهُ أَوْلَى، وصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ، وكأَنَّهُ بَنَاه علَى طريقتِه فِي التَّرْجِيحِ فِي المَذْهَبِ بِالكثرةِ كَالرِّوَايَةِ، وهو ضعيفٌ.
ثَالِثِهَا: أَنَّهُ يَنْظُرُ فِي أَرجحِهمَا بِالطريقِ المُعْتَبَرِ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا الرَّاجِحُ تَوَقَّفْنَا، وهذَا هو الأَصَحُّ عِنْدَ المُصَنِّفِ.
ص: وإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لِلمُجْتَهِدِ قَوْلٌ فِي مَسْأَلْةٍ لَكِنْ فِي نَظِيرِهَا فهو قَوْلُهُ المُخْرَّجُ فِيهَا علَى الأَصَحِّ، وَالأَصَحُّ لاَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ مُطْلَقًا بَلْ مُقَيَّدًا، ومِنْ مُعَارضةِ نَصٍّ آخَرَ لِلنظيرِ تَنْشَأُ الطُّرُقُ.
ش: إِذَا لَمْ يُعْرَفْ للمجتهدِ فِي مسأَلةٍ قَوْلٌ، وإِنَّمَا عُرِفَ لَهُ مثلُه فِي نظيرِهَا، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يخرجَ مِنْ نصِّه فِي تِلْكَ إِلَى هذه ويُعْرَفُ حكمُهَا قَالَ
стр. 650
الجُمْهُورُ: نَعَمْ.
وقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: لاَ، ولاَ يُجْعَلُ مَا يقتضِيه قَوْلُه قولاً له، إِلا إِذَا لَمْ يَحْتَمِلْ، كقولِه: تُثْبِتُ الشُّفْعَةُ فِي الشَّقْصِ مِنَ الدَّارِ، فيُقَالُ: قَوْلُه فِي الحَانوتِ كذلك.
وإِذَا قلنَا بَالأَوَّلِ فَهَلْ يُنْسَبُ إِليه؟
فِيه وجهَانِ، أَصحُّهمَا المَنْعُ؛ لأَنَّهُ رُبَّمَا ذَكَرَ فَرْقًا ظَاهِرًا لو رُوجِعَ، ومأَخذُ الخِلاَفِ أَنَّ لاَزمَ المذهبِ هَلْ هو مَذْهَبٌ؟
وَالمُخْتَارُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ، نَعَمْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ مُقَيَّدًا، فيُقَالُ: هو قِيَاسٌ قَوْلِه، أَو قِيَاسُ أَصلِه.
وتَنْشَأَ الطُّرُقُ فِي المَذْهَبِ مِنْ كَوْنِ الشَّافِعِيِّ ينصُّ فِي مسأَلةٍ علَى شيءٍ، وينصُّ فِي نظيرِهَا علَى مَا يعَارضُه، ولاَ يظهَرُ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، فِيختلِفُ الأَصحَابُ، فمِنْهُمْ مَنْ يُقَرِّرُ النَّصَّيْنِ، ويتكلَّفُ فِرْقًا، وَمِنْهُم مَنْ ينقِلُ جوَابَهُ فِي كلِّ مسأَلةٍ إِلَى الأُخْرَى، فِيصيرُ فِي كُلِّ مِنْهُمَا قولاَنِ: مَنْصُوصٌ ومَخْرَجٌ.
المنصوصُ فِي هذه هو المخرجُ فِي تلك، وَالمنصوصُ/ (٢٠٤/ب/م) فِي تِلْكَ هو المخرجُ فِي هذه، فِيصيرُ فِيهَا قولاَنِ بِالنقلِ وَالتخريجِ.
ص: وَالترجيحُ تَقْوِيَةُ أَحَدِ الطريقينِ وَالعملُ بِالرَاجحِ وَاجبٌ، وقَالَ القَاضِي: إِلا مَا رَجُحَ ظنًا؛ إِذ لاَ ترجيحُ بِظَنٍّ عندَهُ، وقَالَ البَصْرِيُّ: إِنْ رَجُحُ أَحَدُهُمَا بِالظَّنِّ فَالتخييرُ.
ش: لمَا تَكَلَّمَ علَى التّعَادُلِ شَرَعَ يتكلَّمُ علَى التَّرْجِيحِ، وعرَّفَهُ بأَنَّهُ/ (١٦٦/أَ/د) تقويةُ أَحدِ الطّريقينِ أَي: المتعَارضِينَ علَى الآخرِ؛ لِيعملَ بِالقويِّ، كَذَا عبَّرَ فِي (المَحْصُولِ) وعبَّرَ البَيْضَاوِيُّ بِالأَمَارتينِ؛ أَي: الدَّلِيلينِ الظَّنِّيَّيْنِ، وَاستحسنَه
стр. 651
المُصَنِّفُ فِي شرحِهِ، لامتنَاعِ التَّرْجِيحِ فِي غَيْرِ الأَمَارتينِ، فكَان يَنْبَغِي التَّعْبِيرُ بِهِ هنَا.
وقولُنَا: (لِيَعْملَ بِالقويِّ) احْتَرِزْ بِهِ عَن تقويتِهَا لاَ لِلْعَمَلِ، بَلْ لبيَانِ كونِهَا أَفصحُ، وَقَدْ ظهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ هذَا فصلٌ لاَ بُدَّ مِنْهُ، فمَا كَانَ يَنْبَغِي إِهمَالُه.
وزَاد صَاحِبُ (البديعِ) فِي التَّعْرِيفِ وصفَا؛ ليخرُجَ التَّرْجِيحَ بدليلٍ مُسْتَقِلٌّ فَلاَ يجوزُ، لأَنَّهُ يؤدِّي إِلَى الانتقَالِ لدليلٍ آخرَ، فإِنَّه لاَ تعلَّقَ للثَاني بَالأَوَّلِ فَالعدولُ إِلَيْهِ انتقَالٌ.
ونَازعَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ فِي تعريفِ التَّرْجِيحِ، بِالتقويةِ التي هي مستندِةٌ إِلَى الشَّارعِ أَو المُجْتَهِدِ حقيقةً، وإِلَى مَا بِهِ التَّرْجِيحُ مجَازًا، وقَالَ: هو فِي الاصطلاَحِ نفسُ مَا بِهِ التَّرْجِيحُ.
وإِذَا تبيَّنَ أَن إِحدَى الأَمَارتينِ أَرجحُ مِنَ الأُخْرَى فقَالَ الأَكْثَرُونَ: يجِبُ العَمَلُ بِالرَاجحِ.
وفصَّلَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ فقَالَ: يجِبُ العَمَلُ بِالرَاجحِ إِذَا ترجَّحَ بقطعيٍّ، كتقديمِ النَّصِّ علَى القِيَاسِ، فإِنَّ تَرَجَّحَ بظنِيٍّ كَالأَوصَافِ وَالأَحوَالِ وكثرةِ الأَدلَّةِ ونحوِهَا، فَلاَ يجِبُ العَمَلُ بِهِ، فإِنَّ الأَصْلَ امتنَاعُ العَمَلِ بِالظنِّ، خَالفنَاه فِي الظّنونِ المستقلَّةِ بأَنفسِهَا لإِجمَاعِ الصّحَابةِ فِيبقَى التَّرْجِيحُ علَى أَصلِ الامتنَاعِ؛ لأَنَّهُ عمَلَ بظِنٍّ لاَ يستقِلُّ بنفسِهِ.
ورُدَّ بِالإِجمَاعِ علَى عدمِ الفرقِ بَيْنَ المستقِلِّ وَغَيْرِه.
وَقَدْ رَجَّحَتِ الصّحَابةُ رضِي اللَّه تعَالَى عَنْهُم قَوْلَ عَائشةَ ﵂ فِي التّقَاءِ الختَانينِ: (فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاغْتَسَلْنَا) علَى الخبرِ الذي رَوَاه جمَاعةٌ
стр. 652
مِنَ الصّحَابةِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: ((إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ)) لكونِهَا أَعرفُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ.
وأَنكرَ أَبُو عبدِ اللَّهِ البَصْرِيُّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ التَّرْجِيحُ، وذهبَ عِنْدَ التّعَارضِ إِلَى التّخييرِ، ولو تفَاوَتَ الظَّنَّانِ.
قَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ: كَذَا حَكَاهُ القَاضِي عَنْهُ، وَلَمْ أَرَهُ فِي كلاَمِهِ.
وقَالَ غيرُه: إِن صَحَّ عَنْهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ، لأَنَّهُ مسبوقٌ بإِجمَاعِ الصّحَابةِ وَغَيْرِهِمْ.
ص: ولاَ تَرْجِيحَ فِي القَطْعيَّاتِ لِعَدَمِ التَّعَارُضِ/ (٢٠٥/أَ/م) وَالمتأَخِّرُ نَاسِخٌ وإِنَّ نَقْلَ التّأَخيرِ بِالآحَادِ عُمِلَ بِهِ؛ لأَنَّ دوَامَه مَظْنُونٌ.
ش: لاَ مدخلَ للترجِيحِ فِي الأَدلَّةِ القَطْعيَّةِ؛ لأَنَّهُ فَرْعُ التّعَارُضِ، وَالتعَارُضُ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مُمْكِنٍ كَمَا تقدَّمَ، فإِنْ عُلِمَ التَّاريخُ وكَانَ المدلولُ قَابلاً للنسخِ، فَالمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ للمتقدِّمِ إِذَا عُلِمَ تأَخُّرُه بِالقطعِ، فإِنْ كَانَ منقولاً بِالآحَادِ عُمِلَ بِهِ أَيضًا، لأَنَّهُ انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ الأَصْلِ فِيهِ الدّوَامُ وَالاستمرَارُ، وهو معنَى قَوْلِ المُصَنِّفِ: (لأَنَّ دوَامَهُ مَظْنُونٌ).
وقَالَ الإِبيَاريُّ فِي شرحِ (البَرْهَانِ): إِنَّ هذَا هو الأَظهرُ، وذَكَرَ مَعَهُ احتمَالاً آخر بِالمنع، لأَنَّهُ يؤدي إِلَى إِسقَاط المتوَاتر بِالآحَاد.
ص: وَالأَصَحُّ التَّرْجِيحُ بكثرةِ الأَدلَّةِ وَالروَاةِ.
ش: فِيهِ مسأَلتَانِ.
الأَولَى: يَجُوزُ التَّرْجِيحُ بكثرةِ الأَدلَّةِ عِنْدَ مَالكٍ وَالشَّافِعِيِّ / (١٦٦/ب/د) وَالجُمْهُورُ،
стр. 653
خِلاَفًا للحنفِيةِ؛ فإِنَّهَا تُفِيدُ تقويةُ الظَّنِّ، وَالظنَّانِ أَقوَى مِنَ الظّنِّ الوَاحِدِ، لِكَوْنِهِ أَقربُ إِلَى القَطْعِ.
الثَانِيَةُ: يَجُوزُ تَرْجِيحُ أَحدِ الخَبَرَيْنِ علَى الآخرِ بكثرةِ الرّوَاةِ، وَالخِلاَفُ هُنَا أَضعفُ مِنَ الذي قبلَه، ولهذَا وَافَقَ هُنَا بَعْضَ المخَالفِين هنَاكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ للمسأَلةِ أَحوَالاً:
إِحدَاهَا: أَنْ لاَ يَكُونَ فِي المَسْأَلَةِ دَلِيلٌ سوَى الخبرينِ، ويَسْتَوِي روَاتُهُمَا فِي العدَالةِ وَالثقةِ، ويزيدُ أَحَدُهُمَا بِعَدَدِ الرّوَاةِ، فقَالَ القَاضِي أَبُو بَكْر: العَمَلُ بِهِ قَطْعِيٌّ.
الثَانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ فِي المَسْأَلَةِ قيَاسٌ، فقَالَ القَاضِي أَبُو بَكْر: المَسْأَلَةُ الآن ظَنِّيَّةٌ.
قَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ: وتُشْبَهُ أَنْ تَكُونَ هذه مَحَلَّ الخِلاَفِ.
الثَالثةُ: أَنْ يَكُونَ رَاوي أَحَدِهِمَا ثِقَةٌ، ويروي الآخرُ جَمْعٌ لاَ يَبْلُغُونَ فِي الثّقةِ وَالعدَالةِ مبلغُه، فَاعتبرَ بَعْضُ المُحْدَثِينَ مَزِيَّةً العددِ، وبعضُهُمْ مَزِيَّةِ الثّقةِ.
قَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ: وَالغَالبُ علَى الظّنِّ المُتَعَلِّقُ بمزيةِ الثّقةِ.
ص: وأَنَّ العَمَلَ بِالمتعَارضِينِ ولو مِنَ وَجْهٍ أَولَى مِنْ إِلغَاءِ أَحَدِهمَا، ولو سُنَّةً قَابلَهَا كتَابٌ، ولاَ يُقَدَّمُ الكتَابُ علَى السُّنَّةِ، ولاَ السُّنَّةُ عَلَيْهِ، خِلاَفًا لزَاعميهمَا، فإِن تعذَّرَ وعُلِمَ المتأَخِّرُ فنَاسِخٌ، وإِلاَّ رجع إِلَى غيرهمَا، وإِن تقَارنَا فَالتخيير إِن تعذر الجمع وَالترجيح، وإِن جهل التَّاريخ وأَمكن النّسخ رجع إِلَى غيرهمَا وإِلاَّ يخير النَّاظر، إِن تعذر الجمع وَالترجيح، فإِن كَانَ أَحَدُهُمَا أَعمَّ فكمَا سبَقَ.
стр. 654
ش: مَحَلُّ ترجيحِ أَحدِ الدَّلِيلينِ المتعَارضِينِ علَى الآخرِ إِذَا لَمْ يُمْكِنُ الجمعُ بَيْنَهُمَا، فلو أَمْكَنَ ولو مِنْ وجهٍ صُيِّرَ إِلَيْهِ؛ لأَنَّ فِيهِ إِعمَالَهمَا وهو/ (٢٠٥/ب/م) أَولَى مِنَ الإِهمَالِ، كحديثِ ((أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ)) مَعَ قَوْلِه ﵊: ((لاَ تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بإِهَابٍ ولاَ عَصَبٍ)) فيُحْمَلُ المَنْعُ علَى مَا قَبْلَ الدِّبَاغِ وَالإِبَاحةِ علَى مَا بعده، ولو كَانَ أَحدُ الدَّلِيلينِ المتعَارضِينِ سُنَّةٌ وَالآخرُ كتَابًا فَالحُكْمُ كذلك، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الكتَابُ لأَنَّهُ أَرجحُ، وَقِيلَ: السُّنَّةُ، لأَنَّهَا بيَانِ.
ومثَالُه قَوْلُه ﵊ فِي البحرِ: ((الحِلُّ مَيْتَتُهُ)) فإِنَّه عَامٌّ فِي مَيْتَةِ البَحْرِ حتَّى خنزيرِه مَعَ قَوْلِه تعَالَى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ فإِنَّهُ يتنَاوَلُ خنزيرَ البحرِ، فتعَارَضَ عمومُ الكتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي خنزيرِ البحرِ فقَدَّمَ بعضُهم الكتَابَ فحرَّمَهُ. وبعضُهُم السُّنَّةَ فأَحَلَّهُ.
وقَالَ بعضُهُمْ: إِنْ أَمْكَنَ الجمعُ وإِلاَّ قَدَّمَ الكتَابَ إِنْ كَانَتِ السُّنَّةِ آحَادًا، فإِن كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً فسَيَأْتِي فِي كلاَمِِهِِ.
وَقَدْ يقَالَ: هذَا مُكَرَّرٌ، فإِنَّه تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّهُ يخصُّ عمومَ القرآنِ بخبرِ الوَاحِدِ) ويلزَمُ مِنْهُ التّنَاقضُ فإِنَّه اختَارَ هنَاك التّخصيصَ وهنَا التّعَارُضُ، فإِنْ تعذَّرَ الجمعُ بَيْنَ الدَّلِيلينِ المتعَارضِين فإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُتَقَدِّمًا وَالآخرُ متأَخِّرًا أَو يتقَارَنَا أَو يَجْهَلَ التَّاريخُ.
الحَالةُ الأُولَى أَنْ يَعْلَمَ المتأَخِّرَ مِنْهُمَا، فهو نَاسِخٌ للأَوَّلِ، إِنْ قَبِلَ حُكْمُهُ النّسخَ، فإِنْ لَمْ يَقْبَلِ النَّسْخَ/ (١٦٧/أَ/د) تسَاقَطَا، ووَجَبَ الرجوعُ إِلَى غيرِهمَا، كَذَا قَالَهُ الإِمَامُ.
وَاعترضَه +النّقْشَوَانِيُّ بأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْبَلِ النَّسْخَ امتنَعَ العَمَلُ بِالمتأَخِّرِ فتعيَّنَ
стр. 655
المتقدِّمُ، ثُمَّ مَحَلُّ مَا أَطلقَهُ المُصَنِّفُ من سقوطِهمَا وَالرجوعِ إِلَى غيرِهمَا مَا إِذَا كَانَا مَعْلُومَيْنِ فإِنْ كَانَا مَظْنُونَيْنِ طُلِبَ التَّرْجِيحُ.
الثَانِيَةُ: أَنْ يتقَارَنَا، أَي: يكونَا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ فَيُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا إِنْ تَعَذَّرَ الجَمْعُ وَالترجيحُ.
وكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يقولَ: (لِتَعَذُّرِ الجَمْعِ) لأَنَّ الكلاَمَ مفروضٌ فِي تعذُّرِ الجَمْعِ.
الثَالثةُ: أَن يَخْتَلِفَ تَاريخُهمَا ولكنْ يُجْهَلُ فإِنْ كَانَ الحُكْمُ قَابلاً للنسخِ وجَبَ الرجوعُ إِلَى غيرِهمَا لإِمكَان التقدُّمِ فِي كلٍّ مِنْهُمَا، فَلاَ يُعْمَلُ بِهِ، وإِِنْ لَمْ يَقْبَلِ النّسخَ فحكمُه حُكْمُ المتقَارِنَيْنِ، وهو التّخييرُ بَيْنَهُمَا، إِنْ تَعَذَّرَ الجمعُ وَالترجيحُ ولو أَحَالَ حُكْمَهُ عَلَيْهِ لكَانَ أَحسنَ، ثُمَّ هذَا إِذَا تَسَاوَيَا فِي العمومِ أَو الخُصُوصِ، فإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعمَّ فكمَا سَبَقَ؛ أَي: فِي آخرِ التخصيصِ مِنْ أَنَّهُ/ (٢٠٦/أَ/م) يُصَارُ إِلَى التَّرْجِيحِ فَلَمْ يَحْتَجَّ إِلَى إِعَادتِهِ.
ص: مسأَلةٌ: يَرْجُحُ بِعُلُوِّ الإِسنَادِ وفقهِ الرَّاوي، ولغتِه، ونحوِه، ووَرَعِهِ، وضَبْطِهِ وفِطْنَتِهِ، وَلَوْ روَى المَرْجُوحَ بِاللفظِ، ويَقَظَتِهِ، وعَدَمِ بِدْعَتِهِ, وَشُهْرَةِ عدَالتِه, وكونِه مُزَكًّى بِالاختبَارِ, أَو أَكثرَ +مُزَكين, ومعروفَ النّسبِ، قِيلَ: ومشهورُه، وصريحُ التّزكيةِ علَى الحُكْمِ بشهَادتِهِ وَالعملِ بروَايتِه وحفظِ المرويِّ، وذِكْرِ السَّبَبِ وَالتعويلِ علَى الحفظِ دُونَ الكتَابةِ وظهورِ طريقِ روَايتِهِ، وسمَاعِهِ مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ، وكونُه مِنْ أَكَابرِ الصّحَابةِ وذَكَرَا خِلاَفًا للأَستَاذِ، وثَالِثُهَا: يَرْجُحُ فِي غَيْرِ أَحكَامِ النّسَاءِ +وحرًا ومتأَخِّرِ الإِسلاَمِ، وَقِيلَ: متقدِّمُهُ، ومتحمِلًا بعدَ التَّكْلِيفِ، وَغَيْرُ مُدَلِّسٍ، وَغَيْرُ ذي اسْمَيْنِ، ومبَاشِرًا، وصَاحِبُ الوَاقَعَةِ، ورَاوِيًا بِاللفظِ، ولم يُنْكِرْه رَاوي الأَصْلِ، وكونِه فِي الصَّحِيحَيْنِ.
стр. 656
ش: ترجيحُ بَعْضِ الأَخبَارِ علَى بَعْضٍ يَكُونُ مِنْ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: بِحَسَبِ حَالِ الرَّاوي، وذلك بِاعْتِبَارَاتٍ:
أَحَدُهَا: كثرةُ الرّوَاةِ كَمَا تقدَّمَ.
ثَانِيهَا: عُلُوُّ الإِسنَادِ؛ لِتَضَمُّنِهِ قِلَّةَ الوسَائطَ، فَيَقِلُّ احتمَالُ الخَطَأِ فِيهِ؛ ولهذَا رَغِبَ الحُفَّاظُ فِي عُلُوِّ الإِسنَادِ، ورَكِبُوا المَشَقَّةَ فِي تحصيلِهِ.
ثَالِثُهَا: فقه الرَّاوي، سَوَاءً كَانت الرّوَاية بِاللفظ أَو المعنَى، لأَنَّ الفقيهَ إِذَا سُمِعَ مَا يَمْتَنِعُ حَمْلُه علَى ظَاهرِهِ بُحِثَ عَنْهُ حتَّى يَطَّلِعَ علَى مَا يزولُ بِهِ الإِشكَال بخلاَف غيره، وقَالَ بعضهم: إِن روَى بِاللفظ فَلاَ ترجيحَ بذلكَ.
رَابِعُهَا: عِلْمُهُ بِاللغةِ وَالنحوِ؛ لأَنَّ العَالِمَ بِهِمَا يُمْكِنُهُ التّحفُّظَ عَن موَاقعِ الزللِ، فكَانَ الوثوقُ بروَايتِه أَكثرَ، كذَا فِي (المَحْصُولِ) ثُمَّ قَالَ: ويُمْكِنُ أَنْ يقَالَ: هو مَرْجُوحٌ؛ لأَنَّهُ يَعْتَمِدُ علَى معرفتِه فَلاَ يُبَالِغُ فِي الحِفْظِ وَالجَاهلِ بِهِ يخَافُ فَيُبَالَغُ فِي الحفظِ.
خَامِسُهَا: رجحَانُه علَى/ (١٦٧/ب/د) الرَّاوي الآخرِ فِي وصفِ يَغْلِبُ ظنُّ الصّدقِ كَالوَرَعِ وَالضبطِ وَالفِطْنَةِ وَاليَقَظَةِ، وَلَوْ كَانَ الرَّاجِحُ بأَحدِ هذه الأُمُورِ روَى الحديثَ بِالمعنَى، وَالمرجوحُ بِهَا روَاه بِاللفظِ، وَقَدْ تقدَّمَ ذِكْرُ الخِلاَفِ فِيه فِي فَقْهِ الرَّاوي، وظهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَه: (المرجوحُ) مرفوعٌ، فإِنَّه فَاعِلُ رَوَى.,
سَادِسُهَا: حَسُنَ اعتقَادُه فتُقَدَّمَ روَايتُه علَى روَايةِ المُبْتَدِعِ، وإِنْ لم/ (٢٠٦/ب/م) تُسْقِطْ بِدْعَتُهُ عدَالَتَهُ.
سَابِعُهَا: شُهْرَةُ عدَالتِه، وكذَا شهرتُه بِالصفَاتِ السَّابقةِ مِنَ الورعِ وَالفطنةِ وَالعِلْمِ.
ثَامِنُهَا: كَوْنُه مُزَكًّى بِالاخْتِبَارِ وَالمُمَارَسَةِ، فَيُقَدَّمُ علَى مَنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُه
стр. 657
بِالتَّزْكِيَةِ لأَنَّ المُعَايَنَةَ أَقوَى مِنَ الخَبَرِ.
تَاسِعُهَا: كَثْرَةُ المُزَكِّينَ للرَّاوِي؛ ولهذَا قُدِّمَ حَدِيثُ بُسْرَةَ فِي الانْتِقَاضِ بِمَسِّ الذَّكَرِ علَى حَدِيثِ طَلْقٍ فِي نَفْيِهِ.
عَاشِرُهَا: كَوْنُهُ مَعْرُوفَ النَّسَبِ، فَتُقَدَّمُ رِوَايَتُه علَى مَجْهُولِهِ، قَالَه فِي (المَحْصُولِ) وزَادَ الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ: أَنَّهُ يُقَدَّمُ مَشْهُورُ النَّسَبِ، ولَمْ يَرْتَضِهِ المُصَنِّفُ فلذلك ضَعَّفَه وَلَهُ وَجْهٌ؛ لأَنَّ مَنْ لَيْسَ مَشْهُورُ النَّسَبِ قَد يُشَارِكُه ضَعِيفٌ فِي الاسْمِ، وعَلَّلَه الآمِدِيُّ بأَنَّ احْتِرَازَه عمَّا يُوجِبُ نَقِيضَ مَنْزِلَتُه المَشْهُورَةَ أَكْثَرَ.
حَادي عشرِهَا: تُقَدَّمُ روَايةِ مَنْ صُرِّحَ بتزكيتِه علَى مَنْ حُكِمَ بشهَادتِه أَوْ عُمِلَ بروَايتِه، كَذَا ذَكَرَهُ الآمِدِيُّ وَغَيْره، وقدَّم البَيْضَاوِيُّ بعدَ التّعديلِ بِالاختبَارِ العَمَلَ علَى روَايتِه، ومقتضَاه تقديمُه علَى التّزكيَةِ.
ثَاني عشرِهَا: حُفِظَ المرويَّ بأَنْ يَحْكِي لفظَ النَّبِيِّ ﷺ كقولِ أَبِي مَحْذُورَةَ: (لَقَنَّنِي رسولُ اللَّهِ ﷺ الأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً).
وروَايةُ عبدِ اللَّهِ بْنِ زيدِ
стр. 658
بْنِ عبدِ ربِّهِ: (الأَذَانُ لاَ تَرْجِيعَ فِيهَا) وهو لاَ يُحْكِيه لَفْظًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
ثَالثَ عشرِهَا: ذِكْرُ السبَبِ، فَيَرْجُحُ بِهِ علَى روَايةِ مَنْ لَمْ يَذْكُرْهُ لزيَادةِ اهتمَامِ ذَاكرِ السبَبِ بِهِ.
رَابعَ عشرِهَا: تقدَّمَ روَايةِ مِنْ اعتمَادِهِ علَى حفظِهِ علَى روَايةِ مِنْ اعتمَادِهِ علَى كتَابِهِ، للاَختلاَفِ فِي جَوَازِ الاعتمَادِ علَى الكتَابِ مِنْ غَيْرِ حِفْظٍ.
خَامسَ عشرِهَا: ظُهُورُ طريقِ روَايتِهِ؛ أَي: الطّريقِ التي يُحْمَلُ بِهَا الحديثُ مِنْ سَمَاعِ مِنْ لفظِ الشَّيْخِ أَو قرَاءةٍ عَلَيْهِ أَو غيرِهمَا، فتُقَدَّمُ علَى روَايةِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ تَعَيُّنُ طَرِيقِ تَحَمُّلِه، كَذَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ، وَلَمْ أَرَهْ فِي كلاَمِ غيرِه، ولم يَتَعَرَّضْ لَهُ الشَّارِحُ.
سَادسَ عشرِهَا: كَوْنُ سمَاعِهِ شفَاهًا لَيْسَ مِنْ ورَاءِ حِجَابٍ،/ (٢٠٧/أَ/م) كروَايةِ القَاسِمِ بْنِ محمَّدٍ عن عَائشةَ ﵂: (أَنَّ بُرَيْرَةَ عُتِقَتْ وكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا) فهي متقدِّمَةٌ علَى روَايةِ الأَسودِ عَنْهَا (إِنَّهُ كَانَ حُرًّا) فإِنَّ القَاسمَ سُمِعَ مِنْهَا
стр. 659
بلاَ حِجَابٍ؛ لأَنَّهَا عمَّتْهُ، وَالأَسودُ مِنْ ورَاءِ حجَابٍ.
سَابعَ عَشْرِهَا: كَوْنُهُ مِنْ أَكَابرِ الصّحَابةِ؛ أَي: رؤسَائِهم لِقُرْبِهِ مِنْ مَجْلِسِ النَّبِيِّ ﷺ / (١٦٨/أَ/د)، وَلَيْسَ المُرَادُ بِذَلِكَ كِبَرَ السَّنِّ.
وعَنْ أَحْمَدَ روَايةٌ: إِنَّهُ لاَ تَرْجِيحَ به, ومثلُه تقديمُ مَنْ هو أَكثرُ صحبةً.
ثَامنَ عشرِهَا: كَوْنُهُ ذَكَرًا فَتُرَجَّحُ رِوَايتُهُ علَى روَايةِ المَرْأََةِ لأَنَّهُ أَقوَى ضَبْطًا.
قَالَ الشَّارِحُ: وهو ضَعِيفٌ، وَالصوَابُ مَا قَالَهُ الأَستَاذُ أَنَّهُ لاَ يَرْجِعُ بهَا.
وقَالَ ابنُ السَّمْعَانِيُّ فِي (القوَاطِعِ) إِنَّهُ ظَاهِرُ المذهبِ، ولم يَذْكُرِ الأَوَّلَ إِلا احتمَالاً له، وحكَى +إِلكيَاالطَّبَرِيُّ+ الاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، فقَالَ: لَمْ يَقُلْ أَحدٌ: إِنَّ رِوَايَةَ الرِّجَالِ مُرَجَّحَةٌ علَى روَايةِ النِّسَاءِ وكَانَ المَانِعُ مِنْهُ أَنَّ الذي يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ يجِبُ رِجُوعُه إِلَى عينٍ مَا وقَعَ الاحتجَاجُ بِهِ، وَقَدْ تَعْرِضُ امرأَةٌ أَضبطُ مِنَ الرّجلِ أَو أَحْفَظُ.
وفِي المَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: وهو تقديمُ روَايةِ المرأَةِ إِذَا كَانَ المرويُّ فِي أَحكَامِ النسَاءِ، وتقديمُ روَاةِ الذكورِ فِي غَيْرِ ذلك.
تَاسعَ عشرِهَا: كَوْنُهُ حُرًّا وهو ضعيفٌ، كَالذي قبله.
قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيُّ: وَالحُرِّيَّةُ لاَ تَأْثِيرَ لهَا فِي قُّوَّةِ الظَّنِّ.
عشرونُهَا: كَوْنُ رَاوِيه مُتَأَخِّرَ الإِسلاَمِ أَو مُتَأَخِّرَ الصّحبةِ لحفظِه آخرَ الأَمرينِ، ولهذَا قدَّمَ حديثَ ابْنِ عبَاسٍ فِي التشهُّدِ، علَى روَايةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعكَسَهُ الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ فقدَّمَا روَايةَ مُتَقَدِّمِ الإِسلاَمِ لزيَادةِ
стр. 660
أَصَالتِهِ فِي الإِسلاَمِ.
وحكَى ابنُ السّمعَانيُّ عَنِ الحَنَفِيَّة: أَنَّهُ لاَ ترجيحَ بهذَا، لدوَامِ صحبةِ المتقدِّمِ الإِسلاَمِ إِلَى وفَاةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلاَ يترجَّحُ المتأَخِّرُ الإِسلاَمِ عليه.
وقَالَ ابْنُ السمعانيِّ: ومَا قُلْنَاه أَولَى؛ لأَنَّ سَمَاعَ المُتَأَخِّرِ يُحَقِّقُ بآخرِه، وسمَاعُ المُتَقَدِّمِ يَحْتَمِلُ المتقدِّمُ/ (٢٠٧/ب/م) وَالمُتَأَخِّرُ، فمُحَقَّقٌّ التّأَخُّرِ أَولَى.
حَادي عشرينِهَا، أَنْ يَكُونَ تحمُّلُه لِمَا روَاه بعدَ التّكليفِ، فتُقَدَّمُ روَايتُه علَى مَنْ لَمْ يَتَحَمَّلْ إِلَّا فِي صِبَاه، وعلَى المتحمِّل فِي الحَالتينِ، لاحتمَالِ كَوْنِ هذَا المرويِّ مِنَ المتحمِّلِ فِي الصِّبَا.
قَالَ الشَّارِحُ: ويشمَلُ تعبيرُه بِالتكليفِ مَنْ روَى حَالَ الكفرِ أَو حَالَ الكفرِ، وَالإِسلاَمُ، فإِن لَمْ يُرْوَ إِلا فِي الإِسلاَمِ يُقَدَّمُ عليه.
قُلْتُ: هذَا مَبْنِيٌّ علَى أَنَّ الكفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بفروعِ الشّريعةِ، ثُمَّ لو عُبِّرَ بِالتحمُّلِ لكَانَ أَولَى مِنَ التّعبيرِ بِالروَايةِ؛ لأَنَّ الأَغلبَ أَنْ يُرَادَ بِالروَايةِ الأَدَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثَاني عشرينِهَا: كَوْنُهُ غَيْرَ مُدَلِّسٍ، فتُقَدَّمُ رِوَيَتُهُ علَى المُدَلِّسِ، ولاَ يَخْفَى أَنَّ المُرَادَ حَيْثُ قُبِلَتْ رِوَايَتُهُ، وإِلاَّ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ التَّرْجِيحِ.
ثَالثُ عشرينِهَا: أَنْ لاَ يَكُونَ لَهُ اسمَانِ فروَايتُه مُقَدَّمَةٌ علَى روَايةِ مَنِ اشْتَهَرَ بَاسمينِ.
رَابعُ عشرينِهَا: كَوْنُهُ مبَاشرًا للوَاقعةِ فإِنَّه أَعرفُ بِهَا من غيرِه، ولهذَا قدَّمَ الشَّافِعِيُّ روَايةَ أَبِي رَافعٍ فِي نِكَاحِ النَّبِيِّ ﷺ ميمونةَ حلاَلًا علَى روَايةِ ابْنِ عبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ مُحْرِمًا/ (١٦٨/ب/د) لأَنَّ أَبَا رَافِعَ كَانَ السّفِيرُ فِي ذلك.
стр. 661
خَامسُ عشرينِهَا: كَوْنُهُ صَاحبَ الوَاقعةِ، كروَايةِ ميمونةَ أنَّه ﵊ تَزَوَّجَهَا وهو حلالٌ، روَاه مُسْلِمٌ.
سَادسُ عشرينِهَا: كَوْنُهُ روَى الحديثَ بلفظِه، فَيُقَدَّمُ علَى مَنْ روَاه بِالمعنَى أَو شَكَّ هَلْ روَاه بلفظِهِ أَو مَعْنَاه.
سَابع عشرينِهَا: كَوْنُ ذَلِكَ الحديثِ لَمْ يُنْكِرِ الأَصْلَ فِيهِ روَايةُ الفَرْعِ، فَيُقَدَّمُ علَى مَا أَنَكَرَ الأَصْلَ وإِنْ لَمْ يَقْبَلْ إِنكَارُه، وَتَعْبِيرُ المُصَنِّفِ برَاويِ الأَصْلِ تَبَعَ فِيهِ (المَحْصُولُ) و (المِنهَاجُ) لكنه قَالَ فِي شرحِه: الصوَابُ زيَادةُ (ال) فِي الرَّاوي أَو حذفِه بِالكليَّةِ.
ثَامنُ عشرينِهَا: كَوْنُهُ فِي الصّحيحينِ مُقَدَّمٌ علَى مَا هو فِي أَحَدِهمَا، وعلَى مَا كَانَ علَى شرطِهمَا ولم يخرِّجَاهُ.
ص: وَالقولُ، فَالفعلُ فَالتقريرُ، وَالفصيحُ لاَ زَائدَ الفصَاحةِ علَى الأَصحِّ، وَالمشتمِلُ علَى زيَادةٍ وَالوَاردُ بلغةِ قريشٍ، وَالمدنيُّ وَالمشعرُّ/ (٢٠٨/أَ/م) بِعُلُوِّ شأَنِ رسولِ اللَّه ﷺ وَالمذكورُ فِيهِ الحُكْمُ مَعَ العِلَّةِ، وَالمتقدِّمُ فِيهِ ذِكْرُ العِلَّةِ علَى الحُكْمِ، وعكسَ +النّقشوَانِيُّ، ومَا فِيهِ تهديدٌ أَو تأَكيدٌ، ومَا كَانَ عمومًا مُطْلَقًا علَى ذي السّببِ، إِلا فِي السَّبَبِ، وَالعَامُّ الشَّرْطِيُّ علَى النكرةِ المنفِيَّةِ علَى الأَصحِّ، وهي علَى البَاقي، وَالجمعُ المعرَّفُ علَى (مَا) و (من) وَالكلُّ علَى الجنسِ المعرَّفِ لاحتمَالِ العَهْدِ، وقَالُوا ومَا لَمْ يَخُصَّ وعندي عكسُه، وَالأَقلُّ تخصيصًا وَالاقتضَاءُ علَى الإِشَارةِ
стр. 662
وَالإِيمَاءِ، ويرجِّحَانِ علَى المفهومينِ، وَالموَافقةُ علَى المخَالفةِ، وَقِيلَ عكسُه.
ش: الثَّانِي التَّرْجِيحُ بحسبِ المتنِ، وذلك بأُمُورٍ.
أَحَدُهَا: كَوْنُهُ قولاً مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَيُقَدَّمُ علَى فعلِه إِذَا تعَارَضَ مَعَهُ للاَتِّفَاقِ علَى دلاَلةِ القولِ، ولاَحتمَالِ الفعلِ الاختصَاصَ بِهِ.
ثَانِيهَا: يُقَدَّمُ فعلُه ﵊ علَى تقريرِه.
ثَالِثُهَا: يُقَدَّمُ الخبرُ الفصيحُ اللّفْظِ علَى الرّكيكِ، للاَختلاَفِ فِي قبولِ الرّكيكِ، وإِن كَانَ الحقُّ قبولَه لاحتمَالِ روَايةِ رَاويِه له بِالمعنَى، وإِنْ كَانَ ﵊ لَمْ يَنْطِقْ إِلا بِالفصيحِ.
رَابِعُهَا: الأَصحُّ أَنَّهُ لاَ ترجيحَ بزيَادةِ الفصَاحةِ فَلاَ يُرَجَّحُ الأَفصحُ علَى الفصيحِ؛ لأَنَّهُ ﵊ كَانَ يتكلَّمُ بِالأَمرينِ ولاَ سيَّمَا بحضورِ مَنْ لاَ يَعْرِفُ إِلا الفصيحَ.
وقَالَ الشَّارِحُ: إِنمَا قَالَ المُصَنِّفُ: (لاَ زَائدَ الفصَاحةِ) ولم يقُلْ: (إِلاَّ الأَفصحَ) كمَا فِي المنهَاجِ، لأَنَّ الأَفصحَ أَنْ يَكُونَ فِي كلمةٍ وَاحدةٍ لغتَانِ، إِحْدَاهُمَا أَفصحُّ مِنَ الأُخْرَى، وَالأَزيدُ فصَاحةً أَنْ يَكُونَ فِي كلمَاتِ مِنْهَا الفصيحُ وَالأَفصحُ، ولكنَّ الأَفصحَ فِيهَا أَكثرُ انْتَهَى.
خَامِسُهَا: يقدَّمُ المشتمِلُ علَى زيَادةِ كَالتكبيرِ فِي العيدِ سبعًا تُقدَّمُ علَى روَايةِ الأَربعِ.
стр. 663
سَادِسُهَا: يُقَدَّمُ مَا كَانَ بلغةِ/ (١٦٩/أَ/د) قُرَيْشٍ علَى لغةِ غيرِهم مِنَ العربِ.
سَابِعُهَا: يُقَدَّمُ المَدَنِيُّ علَى المَكِّيِّ؛ لأَنَّ الأَكثرَ فِي المكيِّ كَوْنِه قَبْلَ الهجرةِ فَيُلْحَقَ الأَقلُّ بِالأَكثرِ.
ثَامِنُهَا: يُقَدَّمُ الخبرُ الدَّالُّ علَى علوِّ شأَنِ/ (٢٠٨/ب/م) الرّسولِ ﷺ ؛ لأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الآخرِ وبدأَ الدينُ غريبًا.
تَاسِعُهَا: يُقَدَّمُ مَا ذُكِرَتْ فِيهِ عِلَّتُهُ علَى غيرِه؛ لأَنَّ ذِكْرُ عِلَّتُهُ يَدُلُّ علَى الاهتمَامِ بِهِ كحديثِ: ((مَنْ بدَّلَ دِيْنَهُ فَاقْتُلُوهُ)) مَعَ حديثِ النّهيِ عَنْ قتلِ النسَاءِ لِكَوْنِهِ علَّقَ القتلَ فِيهِ بِالردَّةِ، وذلك لاَ يَخْتَلِفُ بِالذُّكُورةَ. ِ
وَالأَنوثةِ، ولاَ وَصْفَ فِي لفظِ النّسَاءِ، فأَمْكَنَ حملُه علَى الحَرْبِيَاتِ.
عَاشِرُهَا: يقدَّمُ مَا ذُكِرَتْ فِيهِ العِلَّةُ قَبْلَ الحُكْمِ علَى عكسِه، ولم يَذْكُرِ الأُصُولِيُّونَ هذَا فِي الترَاجيحِ، وإِنَّمَا أَخَذَهُ المُصَنِّفُ مِنْ قَوْلِ الإِمَامِ فِي (المَحْصُولِ) يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ تَقَدُّمُ العِلَّةِ علَى الحُكْمِ أَقوَى فِي الإِشعَارِ بِالعلِّيَّةِ مِنَ الثَّانِي.
وعكسَه النّقْشَوَانِيُّ+ فقَالَ: إِذَا تقدَّمَ الحُكْمُ تُطُلِّبَتْ نفسُ السَّامِعِ، فإِذَا سُمِعَ وصفًا مُعَقَّبًا بِالفَاءِ سَكَنَتْ نفسُهُ عَنِ الطلبِ، ورَكَنَتْ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ هو العِلَّةُ، بخلاَفِ مَا إِذَا تقدَّمَ معنَى ثُمَّ ذكَرَ الحُكْمَ فقد يُكْتَفَى فِي العِلَّةِ بمَا سبَقَ إِذَا كَانَ شديدَ المنَاسبةِ مثلُ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ وَقَدْ لاَ، مثلُ قَوْلِهِ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَّاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾.
حَادي عشرِهَا: مَا فِيهِ تهديدٌ علَى مَا لَيْسَ كذلك.
ثَاني عشرِهَا: مَا فِي دلاَلتِه تأَكيدٌ علَى مَا لَيْسَ كذلك، كَقَوْلِهِ ﵊: ((أَيُّمَا امرأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذنِ وليِّهَا فنِكَاحُهَا بَاطلٌ، فنكَاحُهَا بَاطِلٌ،
стр. 664
فنكَاحُهَا بَاطِلٌ)) فهو أَرجحُ مِنْ حديثِ: ((الأَيِّمُ أَحَقُّ بنفسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا)) إِنْ سَلِمَ دلاَلتُهُ علَى المطلوبِ.
ثَالثُ عشرِهَا: إِذَا تعَارَضَ عَامَّانِ: أَحَدُهُمَا وَارِدٌ علَى سببٍ، وَالآخرُ مُطْلَقٌ فإِنْ كَانَ تعَارضُهمَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ السَّبَبِ قُدِّمَ المطلقُ، وإِن كَانَ فِي مَحَلِّ السّببِ قُدِّمَ ذو السَّبَبِ.
رَابعُ عشرِهَا: يُقَدَّمُ العَامُّ الشَّرْطِيُّ؛ أَي: الذي فِي مَعْرِضِ الشَّرْطِ كـ (أَي) و (من) و (مَا) علَى النكرةِ المنفِيَّةِ؛ لأَنَّ الأَوَّلَ فِيهِ معنَى التَّعْلِيلِ، فهو أَدلُّ علَى المَقْصُودِ ممَا لَيْسَ بِمُعَلَّلٍ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الحَاجِبِ وَغَيْرُه، ويوَافِقُه قَوْلُ (المَحْصُولِ) إِنَّ عمومَ الأَوَّلِ بِالوضعِ، وَالثَّانِي بِالقرينةِ.
وجَزَمَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ بتقديمِ النّكرةِ المنفِيَّةِ علَى غيرِهَا مِنْ أَنوَاعِ العمومِ، وتُقَدَّمَ هي ـ؛ أَي: النكرةُ المنفِيَّةُ ـ علَى بَاقي العمومَاتِ،/ (٢٠٩/أَ/م) ويُقَدَّمُ الجَمْعُ المعرَّفُ بـ (أَل) علَى (من) و (مَا) أَي الاستفهَاميتينِ، أَمَّا لو كَانَا للشرطِ فقد تقدَّمَ ترجيحُ الشّرطيِّ علَى غيرِه.
ويقدَّمُ الكلُّ؛ أَي: الجَمْعُ المعرَّفِ و (مَا) و (من) علَى اسمِ الجنسِ المُعَرَّفِ بِال لاحتمَالِهِ العهدَ احتمَالاً قريبًا بخلاَفِ الثَّلاَثَةِ، فإِنَّهَا لاَ تَحْتَمِلُ العهدَ أَو تَحْتَمِلُه علَى بُعْدٍ.
خَامسُ عشرِهَا: يقدَّمُ/ (١٦٩/ب/د) العَامُّ الذي لَمْ يدخلْه تخصيصٌ علَى مَا دخلَه التّخصيصُ لكونِ الأَوَّلِ حقيقةً، وَالثَّانِي مجَازًا، كَذَا قَالُوا.
قَالَ المُصَنِّفُ: وعندي عكسُه.
وعلَّتُهُ أَنَّ غَالِبَ العمومَاتِ مخصصٌ، فمَا
стр. 665
دخلَه التّخصيصُّ بعدَ تخصيصِه مَرَّةً أُخْرَى بخلاَفِ البَاقي علَى عمومِهِ، وسبقَه إِلَى ذَلِكَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ.
سَادسُ عشرِهَا: يُقَدَّمُ مَا قلَّ تخصيصُه علَى مَا كثرِ.
قَالَ الشَّارِحُ: ويَنْبَغِي أَن يجيءَ فِيهِ الاحتمَالُ السَّابقُ.
سَابعُ عشرِهَا: يُقَدِّمُ دلاَلةَ الاقتضَاءِ علَى دلاَلةِ الإِشَارةِ لترجيحِهَا بقصدِ المتكلِّمِ، وعلَى دلاَلةِ الإِيمَاءِ لِتَوَقُّفِ صدقِ المتكلِّمِ أَو صِحَّةِ الملفوظِ بِهِ عَلَيْهَا
ثَامنُ عشرِهَا: يرجحَانِ؛ أَي: دلاَلةُ الإِشَارةِ وَالإِيمَاءُ علَى دلاَلةِ المفهومينِ؛ أَي: مَفْهُومُ الموَافقةِ وَالمخَالفةِ.
تَاسعُ عشرِهَا: يُرَجِّحُ مَفْهُومَ الموَافقةِ علَى مَفْهُومِ المخَالفةِ، للاَتِّفَاقِ علَى الأُولَى وَالخُلْفُ فِي الثَّانِيةِ، وَقِيلَ: عكسُه.
وَاختَارَه الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ لمَا فِيهِ مِنَ التّأَسيسِ بخلاَفِ مَفْهُومِ الموَافقةِ فإِنَّه تأَكيدٌ.
ص: وَالنَاقِلُ عَنِ الأَصْلِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وَالمُثْبِتُ علَى النَّافِي، وثَالِثُهَا: سَوَاءٌ، ورَابِعُهَا: إِلا فِي الطّلاَقِ وَالعِتَاقِ، وَالنهيِ علَى الأَمرِ، وَالأَمرُ علَى الإِبَاحةِ، وَالخبرُ علَى الأَمرِ وَالنهيِ، وخبرُ الحظرِ علَى الإِبَاحةِ وثَالِثُهَا: سوَاءٌ، وَالوُجُوبُ، وَالكرَاهةُ، علَى النّدبِ، وَالندبُ علَى المبَاحِ فِي الأَصحِّ، ونَافِي الحَدِّ خِلاَفًا لقومٍ، وَالمعقولُ معنَاه وَالوصفِيُّ علَى التّكليفِيِّ فِي الأَصحِّ.
ش: الثَّالِثُ: التَّرْجِيحُ بِاعْتِبَارِ مدلولِ الخبرِ، وذلك بأُمُورٍ.
أَحدُهَا: إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مقرِّرًا لحُكْمِ الأَصْلِ، وَالآخرُ نَاقِلًا، فَالجُمْهُورُ علَى ترجيحِ النَّاقلِ، لإِفَادتِه حكمًا شَرْعِيًّا، كحديثِ: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأَ))
стр. 666
مَعَ حديثِ: ((هَلْ هُوَ إِلَّا بِضْعَةٌ مِنْكَ)).
وَاختَارَ الإِمَامُ وَالبَيْضَاوِيُّ تقديمَ المقرِّرِ لهَا؛ لأَنَّهُ إِن قَدَّرَ سَابقًا فِي الزَّمَنِ علَى النَّاقلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ لاستفَادةِ مضمونِه مِنَ البرَاءةِ/ (٢٠٩/ب/م) الأَصْليَّةُ، فتعيَّنَ تقديرُه متأَخِّرًا عَنِ النَّاقلِ، فَيَكُونُ نَاسِخًا له، وَالعملُ بِالنَاسخِ وَاجبٌ.
ثَانِيهَا: إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُثْبَتًا وَالآخرُ نَافِيًا ففِيه مَذَاهِبُ.
أَحَدُهَا: تقديمُ المُثْبَتِ لزيَادةِ عِلْمِهِ.
وَالثَّانِي: عَكْسُهُ.
وَالثَّالِثُ: يتسَاويَانِ، لمعَارضةِ زيَادةِ العِلْمِ فِي المُثْبِتِ بَاعتضَادِ النَّافِي بَالأَصْلِ وَبِهِ قَالَ القَاضِي عبدُ الجبَّارِ
وَالرَابِعُ: تقديمُ النَافِي إِلا فِي الطلاَقِ وَالعِتَاقِ، وهذَا مأَخوذٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الحَاجِبِ: إِنَّ الخبرَ الموجِبَ للطلاَقِ وَالعتَاقِ رَاجحٌ علَى المُزِيلِ لهمَا لموَافقةِ الأَصْلِ.
قَالَ: وَقَدْ يُعْكَسُ، فيُقَدَّمُ النَّافِي لهمَا، وهذَا رأَيُ قومٍ.
ثَالِثُهَا: ترجيحُ النّهي علَى الأَمرِ.
رَابِعُهَا: ترجيحُ الأَمرِ علَى الإِبَاحةِ، لأَنَّهُ أَحوطُ، وَقِيلَ: يترجَّحُ الإِبَاحةُ، ورجَّحَهُ الصّفِيُّ/ (١٧٠/أَ/د) الهِنْدِيُّ.
خَامِسُهَا: يُرَجَّحُ الخبرُ علَى الأَمرِ وَالنهيِ؛ لأَنَّ دلاَلتَه علَى الثّبوتِ أَقوَى مِنْ دلاَلةِ غَيْرِه عَلَيْهِ، ولأَنَّهُ لو لَمْ يَقُلْ بِهِ لَزِمَ الخُلْفُ فِي خبرِ الصَّادقِ، وبهذَا يُعْلَمُ أَنَّ المُرَادَ الخبرُ المَحْضُ لاَ مَا صيغتُه خَبَرٌ، ومعنَاه الأَمرُ.
سَادِسُهَا: يرجِعُ الحظرُ علَى الإِبَاحةِ للاَحتيَاطِ، وَقِيلَ: عكسُه، وَقِيلَ:
стр. 667
همَا سوَاءٌ، ورجَّحَهُ فِي المستصفَى، وَحَكَاهُ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ عَن أَبِي هَاشمٍ وعيسَى بْنِ أَبَانَ.
سَابِعُهَا: يُرَجَّحُ مَا يَقْتَضِي الوُجُوبَ علَى مَا يَقْتَضِي النَّدْبَ احتيَاطًا.
ثَامِنُهَا: يرجِعُ مَا يَقْتَضِي الكرَاهَةَ علَى مَا يَقْتَضِي النَّدْبَ.
تَاسِعُهَا: يُرَجِّحُ مَا يَقْتَضِي الندبَ علَى مَا يَقْتَضِي الإِبَاحةَ، ومقَابلُ الأَصحُّ فِي كلاَمِ المُصَنِّفِ احتمَالُ للصفِيِّ الهِنْدِيِّ أَنَّهُ يُرَجِّحُ الإِبَاحةَ لتأَبُّدِهَا بَالأَصْلِ وسهولتِهَا، وأَنَّهُ لاَ إِجمَالَ فِي صيغتِهَا بخلاَفِ النّدبِ يثبُتُ بصيغةِ الأَمرِ وفِيهَا الإِجمَالُ.
عَاشِرُهَا: إِذَا تعَارَضَ مَا يَدُلُّ علَى نَفْيِ الحَدِّ ومَا يَدُلُّ علَى إِثبَاتِه قِدَمُ الدَّالِّ علَى نفِيهِ؛ لأَنَّ الحدودَ تُدْرَأُ بِالشبهَاتِ، ورجَّحَ الغَزَالِيُّ أَنَّهُمَا سوَاءٌ، وإِليه أَشَارَ بِقَوْلِهِ: خِلاَفًا لقومٍ.
حَادي عشرِهَا: يُقَدَّمُ الحُكْمُ المعقولُ المَعْنَى علَى المتعبَّدِ بِهِ الذي لاَ يُعْقَلُ معنَاه.
ثَاني عشرِهَا: الأَصحُّ تقديمُ المُثْبِتِ للحُكْمِ الوضعيِّ علَى المُثْبِتِ للحكمِ التّكليفِيِّ؛ لأَنَّ الوضعيَّ لاَ يتوقَّفُ علَى مَا يَتَوقَّفُ عَلَيْهِ التّكليفِيُّ من أَهليَّةِ المخَاطَبِ وفهمِه وتمَكُّنِهِ مِنَ الفعلِ، فهو أَوْلَى، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ التّكليفِِيُّ،/ (٢١٠/أَ/م) لأَنَّهُ مقصودٌ بِالذَاتِ، ولأَنَّهُ أَكثرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: وَالموَافِقُ دَلِيلاً آخرَ، وكذَا مُرْسَلًا أَو صحَابيًا، أَو أَهْلَ المدينةِ، أَو الأَكثرَ فِي الأَصحِّ، وثَالِثُهَا فِي موَافِقِ الصّحَابيِّ إِن كَانَ حَيْثُ مَيَّزَهُ النّصُّ، كزيدٍ فِي الفرَائضِ، ورَابِعُهَا: إِن كَانَ أَحدُ الشَّيْخينِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: إِلا أَنْ يخَالفَهمَا معَاذٌ فِي الحلاَلِ وَالحرَامِ، أَو زِيدَ فِي الفرَائضِ ونحوِهمَا، قَالَ الشَّافِعِيُّ، وموَافِقٌ زِيدَ فِي الفرَائضِ، فمعَاذٌ، فعَلِيٌّ ومعَاذٌ فِي أَحكَامِ غَيْر الفرَائضِ، فعَلِيٌّ.
ش: الرَّابِعُ التَّرْجِيحُ بِالأُمُورِ الخَارجيَّةِ، وذلك من وجوهٍ:
стр. 668
أَحَدُهَا: موَافقةُ دَلِيلٍ آخرَ مِنْ كتَابٍ أَو سُنَّةٍ أَو إِجمَاعٍ أَو قيَاسٍ، فِيُقَدَّمُ علَى مَا لاَ يُوَافِقُ دَلِيلاً آخرَ، وذلك كتقديمِ حديثِ عَائشةَ فِي التّغليسِ بِالصبحِ علَى حديثِ الإِسفَارِ بِهَا، لموَافقتِه لقولِه تعَالَى: ﴿حَافِظُوا علَى الصَّلَوَاتِ﴾ ومِنَ المحَافظةِ عَلَيْهَا إِيقَاعُهَا فِي أَوَّلِ الوقتِ.
ثَانِيهَا: موَافقةُ خبرٍ مُرْسَلٍ، وإِن لَمْ يقُلْ بِحُجِّيَّتِهِ.
ثَالِثُهَا: موَافقةُ قَوْلِ بَعْضِ الصّحَابةِ علَى الأَصحِّ، وسَيَأْتِي الخِلاَفُ فِيهِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَنْتَشِرْ، فإِنِ انتشرَ ولم يخَالِفْ وجَعَلْنَاه إِجمَاعًا صَارَ قَاطِعًا، وسقَطَ الظّنُّ المقَابِلُ له.
رَابِعُهَا: موَافقةُ عمِلِ أَهْلِ المدينةِ, وإِن لَمْ نجعلْه حُجَّةً علَى الأَصحِّ أَيضًا, كتقديمِ روَايةِ إِفرَادِ الإِقَامةِ علَى حديثِ أَبي/ (١٧٠/ب/د) محذورةٍ فِي تثنيتِهَا.
خَامِسُهَا: موَافقةُ فتوَى الأَكثرينَ؛ لأَنَّهُ أَقربُ إِلَى الصَّوَابِ، كَذَا قَالَهُ جمَاعةٌ مِنْهُم البيضَاويُّ، وَحَكَاهُ فِي (المَحْصُولِ) عَن عيسَى بْنِ أَبَانَ، وَصَحَّحَهُ المُصَنِّفُ، ومنع آخرونَ مِنْهُم الغَزَالِيُّ التَّرْجِيحُ بِهِ، لأَنَّهُ لو سَاغَ التَّرْجِيحُ بمَذْهَبِ بَعْضِ المجتهدينِ لانسدَّ بَابُ الاجْتِهَادِ علَى البعضِ الآخرِ، وَلَيْسَ قَوْلُ الأَكثرِ حُجَّةً، ثُمَّ حكَى المُصَنِّفُ بقيَّةَ المَذَاهِبِ فِي التَّرْجِيحِ بقولِ الصّحَابيِّ.
ثَانِيهَا: المَنْعُ.
ثَالِثُهَا: التَّفْصِيلُ، فإِنْ كَانَ ذَلِكَ الصّحَابيُّ قَد ميَّزَه النَّصُّ علَى غَيْرِه مِنَ
стр. 669
الصّحَابةِ كزيدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي الفرَائضِ كَانَتْ موَافقتُه مُرَجِّحَةً، وإِلاَّ فهو كغيرِه مِنَ الأَئمَّةِ.
وَحَكَاهُ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ عَنِ الشَّافِعِيِّ.
رَابِعُهَا: يُرَجَّحُ بموَافقةِ أَحدُ الشَّيْخينِ أَبِي بكرٍ وعُمَرَ ﵄ دُونَ غيرِهمَا مِنَ الصَّحَابةِ.
خَامِسُهَا: التَّرْجِيحُ بموَافقةِ أَحَدِهِمَا إِلَّا أَنْ يخَالفَهمَا معَاذُ بْنُ جَبَلٍ، ويكونُ ذَلِكَ فِي الحلاَلِ / (٢١٠/ب/م) أَو الحرَامِ، أَو زيدُ بْنُ ثَابِتٍ ويكونُ ذَلِكَ فِي الفرَائضِ.
سَادسُهَا وهو مَحْكِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ إِن كَانَ الخبرَانِ فِي الفرَائضِ قَدَّمَ مِنْهُمَا مَا يُوَافِقُ قَوْلَ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ، ثُمَّ مَا يوَافِقُ قَوْلَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، ثُمَّ مَا يُوَافِقُ عليَّ بْنَ أَبِي طَالبٍ، لشهَادةِ النَّصِّ بترجيحِ زيدٍ فِي الفرَائضِ، ومعَاذٍ فِي الحلاَلِ وَالحرَامِ، وعليٍّ فِي القضَاءِ، وَالحلاَلُ وَالحرَامُ أَعمُّ مِنَ الفرَائضِ، وَالقضَاءُ أَعمُّ مِنَ الحلاَلِ وَالحرَامِ، لدخولِهِ فِي الموَاريثِ ونحوِهَا، وَالدَّلِيلُ الأَخصُّ مُقَدَّمٌ علَى الأَعمِّ، فإِنْ كَانَا فِي غَيْرِ الفرَائضِ قُدِّمَ مِنْهُمَا مَا يوَافِقُ قَوْلَ معَاذٍ، ثُمَّ مَا يوَافِقُ قَوْلَ عَلِيٍّ، لمَا بيَّنَّاهُ مِنَ الذي رَجُحُ فِيهِ معَاذٌ أَخصُّ مِنَ الذي رَجُحَ فِيهِ عَلِيٍّ ﵃.
ص: وَالإِجمَاعُ عَلَىَ النَّصِّ، وإِجمَاعُ الصّحَابةِ علَى غيرِهِمْ، وإِجمَاعُ الكلِّ علَى مَا خَالَفَ فِيهِ العوَامَّ، وَالمُنْقَرِضُ عَصْرُهُ، ومَا لَمْ يُسْبَقْ، بخلاَفٍ علَى غيرِهمَا.
ش: ذَكَرَ فِي هذه الجُمْلَةِ ترجيحَ بَعْضِ الإِجمَاعَاتِ علَى بعضٍ، وقَدَّمَ أَولاً أَنَّ الإِجمَاعَ مقدَّمٌ علَى النّصِّ؛ أَي: ولو كَانَ كتَابًا أَو سُنَّةً متوَاترةً، فإِذَا تعَارَضَ إِجمَاعَانِ قُدِّمَ المُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا كإِجمَاعِ الصّحَابةِ علَى التَّابعينِ وَالتَابعينَ علَى تَابعيهم وهكذَا، وكذلِكَ يُقَدَّمُ الإِجمَاعُ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ علَى الإِجمَاعِ المُخْتَلَفِ فِيهِ،
стр. 670
فَيُقَدَّمُ الإِجمَاعُ الذي فِيهِ قَوْلَ الكُلِّ مِنَ المجتهدينَ وَالعوَامِّ علَى إِجمَاعِ المجتهدينَ الذي لَمْ يُوَافِقْ عَلَيْهِ العوَامُّ، وفِي هذَا نَظَرٌ مَعَ قَوْلِ المُصَنِّفِ فِي الإِجمَاعِ إِنَّهُ لَمْ يخَالِفْ أَحدٌ فِي عدمِ اعتبَارِ قَوْلِ العَامَّةِ، ويَنْدَرِجُ فِي ذَلِكَ أَيضًا تقديمُ إِجمَاعِ الذّينَ انقرَضَ عصرُهم علَى إِجمَاعِ الذّينَ لَمْ يَنْقَرِضْ عصرُهم للخلاَفِ فِي الثَّانِي.
وَالإِجمَاعُ الذي لَمْ يَسْبِقْ بخلاَفٍ علي المسبوقِ بخلاَفٍ، للخلاَفِ فِي الثَّانِي أَيضًا.
وكتَبَ المُصَنِّفُ بخطِّه علَىلحَاشيةِ: وَقِيلَ: المسبوقُ أَوْلَى، وَقِيلَ: سوَاءٌ.
ص: وَالأَصَحُّ تسَاوِي المتوَاترينِ مِنْ كتَابٍ أَو سُنَّةٍ، وثَالِثُهَا تقدُّمُ السُّنَّةِ لقولِه + ﴿لِتُبَيِّنَ﴾.
ش: إِذَا تعَارَضَ المتوَاترَانِ/ (١٧١/أَ/د) من كتَابٍ أَو سُنَّةٍ وَاسْتَوَتِ دلاَلتُهمَا فِي الرُّتْبَةِ ففِيه مَذَاهِبُ:
أَصحُّهَا: تسَاويهمَا.
وَالثَّانِي: تقدُّمُ الكتَابِ.
وَالثَّالِثُ: السُّنَّةُ لقولِه تعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ للنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وضعَّفَهُ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ بأَنَّهُ لَيْسَ الخِلاَفُ فِي السُّنَّةِ المُفَسِّرَةِ بَلْ فِي السُّنَّةِ المعَارِضَةِ، وخرَجَ/ (٢١١/أَ/ك) بتقييدِ المُصَنِّفِ المُتَوَاتِرَيْنِ بأَنَّهُمَا مِنْ كتَابٍ أَو سُنَّةٍ إِذَا كَانَ المُتوَاتِرَانِ مِنَ السُّنَّةِ فإِنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ قَطْعًا.
ص: وَتَرْجِيحُ القِيَاسِ بِقُوَّةٍ دَلِيلُ حُكْمِ الأَصْلِ وكونُه علَى سُنَنِ القِيَاسِ؛ أَي: فَرْعِهِ مِنْ جنسِ أَصلِه.
ش: شَرَعَ يتكلَّمُ علَى ترَاجيحِ الأَقيسةِ، وهو الغرضُ الأَعظمُ من بَابِ الترَاجيحِ، وفِيه اتِّسَاعُ الاجْتِهَادِ أَو تنَافسُ القِيَاسَيْنِ، وترجيحُ بعضِهَا علَى بعضٍ، قَد يَكُونُ بحسبِ الأَصْلِ، وَقَدْ يَكُونُ بحسبِ الفَرْعِ، وَقَدْ يَكُونُ بحسبِ العِلَّةِ، وَقَدْ يَكُونُ بخَارجِ عَن ذلك.
الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ بحسبِ الأَصْلِ وفِيه قِسْمَانِ.
следующие страницы →