← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14252

الغيث الهامع شرح جمع الجوامع

ابن العراقي

Полный текст (826 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

مَعَ حديثِ: ((هَلْ هُوَ إِلَّا بِضْعَةٌ مِنْكَ)). وَاختَارَ الإِمَامُ وَالبَيْضَاوِيُّ تقديمَ المقرِّرِ لهَا؛ لأَنَّهُ إِن قَدَّرَ سَابقًا فِي الزَّمَنِ علَى النَّاقلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ لاستفَادةِ مضمونِه مِنَ البرَاءةِ/ (٢٠٩/ب/م) الأَصْليَّةُ، فتعيَّنَ تقديرُه متأَخِّرًا عَنِ النَّاقلِ، فَيَكُونُ نَاسِخًا له، وَالعملُ بِالنَاسخِ وَاجبٌ. ثَانِيهَا: إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُثْبَتًا وَالآخرُ نَافِيًا ففِيه مَذَاهِبُ. أَحَدُهَا: تقديمُ المُثْبَتِ لزيَادةِ عِلْمِهِ. وَالثَّانِي: عَكْسُهُ. وَالثَّالِثُ: يتسَاويَانِ، لمعَارضةِ زيَادةِ العِلْمِ فِي المُثْبِتِ بَاعتضَادِ النَّافِي بَالأَصْلِ وَبِهِ قَالَ القَاضِي عبدُ الجبَّارِ وَالرَابِعُ: تقديمُ النَافِي إِلا فِي الطلاَقِ وَالعِتَاقِ، وهذَا مأَخوذٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الحَاجِبِ: إِنَّ الخبرَ الموجِبَ للطلاَقِ وَالعتَاقِ رَاجحٌ علَى المُزِيلِ لهمَا لموَافقةِ الأَصْلِ. قَالَ: وَقَدْ يُعْكَسُ، فيُقَدَّمُ النَّافِي لهمَا، وهذَا رأَيُ قومٍ. ثَالِثُهَا: ترجيحُ النّهي علَى الأَمرِ. رَابِعُهَا: ترجيحُ الأَمرِ علَى الإِبَاحةِ، لأَنَّهُ أَحوطُ، وَقِيلَ: يترجَّحُ الإِبَاحةُ، ورجَّحَهُ الصّفِيُّ/ (١٧٠/أَ/د) الهِنْدِيُّ. خَامِسُهَا: يُرَجَّحُ الخبرُ علَى الأَمرِ وَالنهيِ؛ لأَنَّ دلاَلتَه علَى الثّبوتِ أَقوَى مِنْ دلاَلةِ غَيْرِه عَلَيْهِ، ولأَنَّهُ لو لَمْ يَقُلْ بِهِ لَزِمَ الخُلْفُ فِي خبرِ الصَّادقِ، وبهذَا يُعْلَمُ أَنَّ المُرَادَ الخبرُ المَحْضُ لاَ مَا صيغتُه خَبَرٌ، ومعنَاه الأَمرُ. سَادِسُهَا: يرجِعُ الحظرُ علَى الإِبَاحةِ للاَحتيَاطِ، وَقِيلَ: عكسُه، وَقِيلَ:

стр. 667

همَا سوَاءٌ، ورجَّحَهُ فِي المستصفَى، وَحَكَاهُ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ عَن أَبِي هَاشمٍ وعيسَى بْنِ أَبَانَ. سَابِعُهَا: يُرَجَّحُ مَا يَقْتَضِي الوُجُوبَ علَى مَا يَقْتَضِي النَّدْبَ احتيَاطًا. ثَامِنُهَا: يرجِعُ مَا يَقْتَضِي الكرَاهَةَ علَى مَا يَقْتَضِي النَّدْبَ. تَاسِعُهَا: يُرَجِّحُ مَا يَقْتَضِي الندبَ علَى مَا يَقْتَضِي الإِبَاحةَ، ومقَابلُ الأَصحُّ فِي كلاَمِ المُصَنِّفِ احتمَالُ للصفِيِّ الهِنْدِيِّ أَنَّهُ يُرَجِّحُ الإِبَاحةَ لتأَبُّدِهَا بَالأَصْلِ وسهولتِهَا، وأَنَّهُ لاَ إِجمَالَ فِي صيغتِهَا بخلاَفِ النّدبِ يثبُتُ بصيغةِ الأَمرِ وفِيهَا الإِجمَالُ. عَاشِرُهَا: إِذَا تعَارَضَ مَا يَدُلُّ علَى نَفْيِ الحَدِّ ومَا يَدُلُّ علَى إِثبَاتِه قِدَمُ الدَّالِّ علَى نفِيهِ؛ لأَنَّ الحدودَ تُدْرَأُ بِالشبهَاتِ، ورجَّحَ الغَزَالِيُّ أَنَّهُمَا سوَاءٌ، وإِليه أَشَارَ بِقَوْلِهِ: خِلاَفًا لقومٍ. حَادي عشرِهَا: يُقَدَّمُ الحُكْمُ المعقولُ المَعْنَى علَى المتعبَّدِ بِهِ الذي لاَ يُعْقَلُ معنَاه. ثَاني عشرِهَا: الأَصحُّ تقديمُ المُثْبِتِ للحُكْمِ الوضعيِّ علَى المُثْبِتِ للحكمِ التّكليفِيِّ؛ لأَنَّ الوضعيَّ لاَ يتوقَّفُ علَى مَا يَتَوقَّفُ عَلَيْهِ التّكليفِيُّ من أَهليَّةِ المخَاطَبِ وفهمِه وتمَكُّنِهِ مِنَ الفعلِ، فهو أَوْلَى، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ التّكليفِِيُّ،/ (٢١٠/أَ/م) لأَنَّهُ مقصودٌ بِالذَاتِ، ولأَنَّهُ أَكثرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ص: وَالموَافِقُ دَلِيلاً آخرَ، وكذَا مُرْسَلًا أَو صحَابيًا، أَو أَهْلَ المدينةِ، أَو الأَكثرَ فِي الأَصحِّ، وثَالِثُهَا فِي موَافِقِ الصّحَابيِّ إِن كَانَ حَيْثُ مَيَّزَهُ النّصُّ، كزيدٍ فِي الفرَائضِ، ورَابِعُهَا: إِن كَانَ أَحدُ الشَّيْخينِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: إِلا أَنْ يخَالفَهمَا معَاذٌ فِي الحلاَلِ وَالحرَامِ، أَو زِيدَ فِي الفرَائضِ ونحوِهمَا، قَالَ الشَّافِعِيُّ، وموَافِقٌ زِيدَ فِي الفرَائضِ، فمعَاذٌ، فعَلِيٌّ ومعَاذٌ فِي أَحكَامِ غَيْر الفرَائضِ، فعَلِيٌّ. ش: الرَّابِعُ التَّرْجِيحُ بِالأُمُورِ الخَارجيَّةِ، وذلك من وجوهٍ:

стр. 668

أَحَدُهَا: موَافقةُ دَلِيلٍ آخرَ مِنْ كتَابٍ أَو سُنَّةٍ أَو إِجمَاعٍ أَو قيَاسٍ، فِيُقَدَّمُ علَى مَا لاَ يُوَافِقُ دَلِيلاً آخرَ، وذلك كتقديمِ حديثِ عَائشةَ فِي التّغليسِ بِالصبحِ علَى حديثِ الإِسفَارِ بِهَا، لموَافقتِه لقولِه تعَالَى: ﴿حَافِظُوا علَى الصَّلَوَاتِ﴾ ومِنَ المحَافظةِ عَلَيْهَا إِيقَاعُهَا فِي أَوَّلِ الوقتِ. ثَانِيهَا: موَافقةُ خبرٍ مُرْسَلٍ، وإِن لَمْ يقُلْ بِحُجِّيَّتِهِ. ثَالِثُهَا: موَافقةُ قَوْلِ بَعْضِ الصّحَابةِ علَى الأَصحِّ، وسَيَأْتِي الخِلاَفُ فِيهِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَنْتَشِرْ، فإِنِ انتشرَ ولم يخَالِفْ وجَعَلْنَاه إِجمَاعًا صَارَ قَاطِعًا، وسقَطَ الظّنُّ المقَابِلُ له. رَابِعُهَا: موَافقةُ عمِلِ أَهْلِ المدينةِ, وإِن لَمْ نجعلْه حُجَّةً علَى الأَصحِّ أَيضًا, كتقديمِ روَايةِ إِفرَادِ الإِقَامةِ علَى حديثِ أَبي/ (١٧٠/ب/د) محذورةٍ فِي تثنيتِهَا. خَامِسُهَا: موَافقةُ فتوَى الأَكثرينَ؛ لأَنَّهُ أَقربُ إِلَى الصَّوَابِ، كَذَا قَالَهُ جمَاعةٌ مِنْهُم البيضَاويُّ، وَحَكَاهُ فِي (المَحْصُولِ) عَن عيسَى بْنِ أَبَانَ، وَصَحَّحَهُ المُصَنِّفُ، ومنع آخرونَ مِنْهُم الغَزَالِيُّ التَّرْجِيحُ بِهِ، لأَنَّهُ لو سَاغَ التَّرْجِيحُ بمَذْهَبِ بَعْضِ المجتهدينِ لانسدَّ بَابُ الاجْتِهَادِ علَى البعضِ الآخرِ، وَلَيْسَ قَوْلُ الأَكثرِ حُجَّةً، ثُمَّ حكَى المُصَنِّفُ بقيَّةَ المَذَاهِبِ فِي التَّرْجِيحِ بقولِ الصّحَابيِّ. ثَانِيهَا: المَنْعُ. ثَالِثُهَا: التَّفْصِيلُ، فإِنْ كَانَ ذَلِكَ الصّحَابيُّ قَد ميَّزَه النَّصُّ علَى غَيْرِه مِنَ

стр. 669

الصّحَابةِ كزيدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي الفرَائضِ كَانَتْ موَافقتُه مُرَجِّحَةً، وإِلاَّ فهو كغيرِه مِنَ الأَئمَّةِ. وَحَكَاهُ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ عَنِ الشَّافِعِيِّ. رَابِعُهَا: يُرَجَّحُ بموَافقةِ أَحدُ الشَّيْخينِ أَبِي بكرٍ وعُمَرَ ﵄ دُونَ غيرِهمَا مِنَ الصَّحَابةِ. خَامِسُهَا: التَّرْجِيحُ بموَافقةِ أَحَدِهِمَا إِلَّا أَنْ يخَالفَهمَا معَاذُ بْنُ جَبَلٍ، ويكونُ ذَلِكَ فِي الحلاَلِ / (٢١٠/ب/م) أَو الحرَامِ، أَو زيدُ بْنُ ثَابِتٍ ويكونُ ذَلِكَ فِي الفرَائضِ. سَادسُهَا وهو مَحْكِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ إِن كَانَ الخبرَانِ فِي الفرَائضِ قَدَّمَ مِنْهُمَا مَا يُوَافِقُ قَوْلَ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ، ثُمَّ مَا يوَافِقُ قَوْلَ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، ثُمَّ مَا يُوَافِقُ عليَّ بْنَ أَبِي طَالبٍ، لشهَادةِ النَّصِّ بترجيحِ زيدٍ فِي الفرَائضِ، ومعَاذٍ فِي الحلاَلِ وَالحرَامِ، وعليٍّ فِي القضَاءِ، وَالحلاَلُ وَالحرَامُ أَعمُّ مِنَ الفرَائضِ، وَالقضَاءُ أَعمُّ مِنَ الحلاَلِ وَالحرَامِ، لدخولِهِ فِي الموَاريثِ ونحوِهَا، وَالدَّلِيلُ الأَخصُّ مُقَدَّمٌ علَى الأَعمِّ، فإِنْ كَانَا فِي غَيْرِ الفرَائضِ قُدِّمَ مِنْهُمَا مَا يوَافِقُ قَوْلَ معَاذٍ، ثُمَّ مَا يوَافِقُ قَوْلَ عَلِيٍّ، لمَا بيَّنَّاهُ مِنَ الذي رَجُحُ فِيهِ معَاذٌ أَخصُّ مِنَ الذي رَجُحَ فِيهِ عَلِيٍّ ﵃. ص: وَالإِجمَاعُ عَلَىَ النَّصِّ، وإِجمَاعُ الصّحَابةِ علَى غيرِهِمْ، وإِجمَاعُ الكلِّ علَى مَا خَالَفَ فِيهِ العوَامَّ، وَالمُنْقَرِضُ عَصْرُهُ، ومَا لَمْ يُسْبَقْ، بخلاَفٍ علَى غيرِهمَا. ش: ذَكَرَ فِي هذه الجُمْلَةِ ترجيحَ بَعْضِ الإِجمَاعَاتِ علَى بعضٍ، وقَدَّمَ أَولاً أَنَّ الإِجمَاعَ مقدَّمٌ علَى النّصِّ؛ أَي: ولو كَانَ كتَابًا أَو سُنَّةً متوَاترةً، فإِذَا تعَارَضَ إِجمَاعَانِ قُدِّمَ المُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا كإِجمَاعِ الصّحَابةِ علَى التَّابعينِ وَالتَابعينَ علَى تَابعيهم وهكذَا، وكذلِكَ يُقَدَّمُ الإِجمَاعُ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ علَى الإِجمَاعِ المُخْتَلَفِ فِيهِ،

стр. 670

فَيُقَدَّمُ الإِجمَاعُ الذي فِيهِ قَوْلَ الكُلِّ مِنَ المجتهدينَ وَالعوَامِّ علَى إِجمَاعِ المجتهدينَ الذي لَمْ يُوَافِقْ عَلَيْهِ العوَامُّ، وفِي هذَا نَظَرٌ مَعَ قَوْلِ المُصَنِّفِ فِي الإِجمَاعِ إِنَّهُ لَمْ يخَالِفْ أَحدٌ فِي عدمِ اعتبَارِ قَوْلِ العَامَّةِ، ويَنْدَرِجُ فِي ذَلِكَ أَيضًا تقديمُ إِجمَاعِ الذّينَ انقرَضَ عصرُهم علَى إِجمَاعِ الذّينَ لَمْ يَنْقَرِضْ عصرُهم للخلاَفِ فِي الثَّانِي. وَالإِجمَاعُ الذي لَمْ يَسْبِقْ بخلاَفٍ علي المسبوقِ بخلاَفٍ، للخلاَفِ فِي الثَّانِي أَيضًا. وكتَبَ المُصَنِّفُ بخطِّه علَىلحَاشيةِ: وَقِيلَ: المسبوقُ أَوْلَى، وَقِيلَ: سوَاءٌ. ص: وَالأَصَحُّ تسَاوِي المتوَاترينِ مِنْ كتَابٍ أَو سُنَّةٍ، وثَالِثُهَا تقدُّمُ السُّنَّةِ لقولِه + ﴿لِتُبَيِّنَ﴾. ش: إِذَا تعَارَضَ المتوَاترَانِ/ (١٧١/أَ/د) من كتَابٍ أَو سُنَّةٍ وَاسْتَوَتِ دلاَلتُهمَا فِي الرُّتْبَةِ ففِيه مَذَاهِبُ: أَصحُّهَا: تسَاويهمَا. وَالثَّانِي: تقدُّمُ الكتَابِ. وَالثَّالِثُ: السُّنَّةُ لقولِه تعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ للنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وضعَّفَهُ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ بأَنَّهُ لَيْسَ الخِلاَفُ فِي السُّنَّةِ المُفَسِّرَةِ بَلْ فِي السُّنَّةِ المعَارِضَةِ، وخرَجَ/ (٢١١/أَ/ك) بتقييدِ المُصَنِّفِ المُتَوَاتِرَيْنِ بأَنَّهُمَا مِنْ كتَابٍ أَو سُنَّةٍ إِذَا كَانَ المُتوَاتِرَانِ مِنَ السُّنَّةِ فإِنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ قَطْعًا. ص: وَتَرْجِيحُ القِيَاسِ بِقُوَّةٍ دَلِيلُ حُكْمِ الأَصْلِ وكونُه علَى سُنَنِ القِيَاسِ؛ أَي: فَرْعِهِ مِنْ جنسِ أَصلِه. ش: شَرَعَ يتكلَّمُ علَى ترَاجيحِ الأَقيسةِ، وهو الغرضُ الأَعظمُ من بَابِ الترَاجيحِ، وفِيه اتِّسَاعُ الاجْتِهَادِ أَو تنَافسُ القِيَاسَيْنِ، وترجيحُ بعضِهَا علَى بعضٍ، قَد يَكُونُ بحسبِ الأَصْلِ، وَقَدْ يَكُونُ بحسبِ الفَرْعِ، وَقَدْ يَكُونُ بحسبِ العِلَّةِ، وَقَدْ يَكُونُ بخَارجِ عَن ذلك. الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ بحسبِ الأَصْلِ وفِيه قِسْمَانِ.

стр. 671

أَحَدُهُمَا: بِحَسَبِ قُوَّةِ دليلِه، بأَنْ يَكُونَ دَلِيلُ أَحَدِهِمَا قَطْعِيًّا أَو مَنْطُوقًا أَو عُمُومًا لَمْ يُخَصَّ، وَالآخرُ بخلاَفِهِ فَيُقَدَّمُ الأَوَّلُ لِقُوَّتِهِ. ثَانِيهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا علَى سُنَنِ القِيَاسِ، وَالآخرُ لَيْسَ كذلك، فَيُقَدَّمُ الأَوَّلُ، وَالمُرَادُ بِكَوْنِه علَى سُنَنِ القِيَاسِ أَنْ يَكُونَ أَصلُه مِنْ جِنْسِ الفَرْعِ المتنَازَعِ، كقِيَاسِ مَا دُونَ أَرشِ الموضِّحَةِ عَلَيْهَا فِي تَحَمُّلِ العَاقلَةِ له، فهو أَوْلَى مِنْ قِيَاسِ ذَلِكَ علَى ضَمَانِ الأَموَالِ فِي عَدَمِ تحمُّلِهَا له، لأَنَّ الموضِّحَةَ مِنْ جنسِ المُخْتَلَفِ فِيهِ فكَانَ الفَرْعُ علَى سُنَنِ الأَصْلِ، وَالجنسُ بِالجنسِ أَشبَهُ. وإِنَّمَا فسَّرْنَا كَوْنَه علَى سُنَنِ القِيَاسِ بأَنْ يَكُونَ فَرْعُهُ مِنْ جِنْسِ أَصلِه، لِئَلَّا يقَالَ: لَيْسَ هذَا مِنْ وُجُوِه التَّرْجِيحَاتِ فإِنَّه يُشْتَرَطُ فِي كلِّ أَصلٍ أَنْ لاَ يُخَالِفَ سُنَنَ القِيَاسِ، فبينَا المرَادُ هُنَا مِنْ هذَا اللّفظِ. ص: وَالقطعُ بِالعِلَّةِ أَو الظَّنِّ الأَغلبُ، وكونُ مسلكِهَا أَقوَى، وذَاتُ أَصلينِ علَى ذَاتِ أَصلٍ وَقِيلَ: لاَ، وذَاتيةٌ علَى حُكْمِيَّةٍ وعكَسَ السّمعَانيُّ؛ لأَنَّ الحُكْمَ بِالحُكْمِ أَشْبَهُ، وكونُهَا أَقلَّ أَوصَافًا وَقِيلَ عكسُه، وَالمقتضِيةُ احتيَاطًا فِي الفرضِ وعَامَّةِ الأَصْلِ، وَالمُتَّفَقُ علَى تَعْلِيلِ أَصلِهَا، وَالموَافِقَةُ الأُصُولَ علَى موَافَقَةِ أَصلٍ وَاحدٍ، قِيلَ: أَو الموَافِقَةُ عِلَّةً أُخْرَى إِنْ جَوَّزَ عِلَّتَانِ، ومَا ثَبَتَتْ عِلَّتُهُ بِالإِجمَاعِ، فَالنَّصُّ القَطْعيين، فَالظَّنِّيَّيْنِ، فَالإِيمَاءُ فَالسَّبْرُ، فَالمنَاسَبَةُ، فَالشَّبَهُ، فَالدورَانِ، وَقِيلَ: النَّصُّ فَالإِجمَاعُ، وَقِيلَ: الدّورَانِ فَالمنَاسبةُ ومَا قبلَهَا ومَا بعدَهَا وقِيَاسُ المَعْنَى علَى الدّلاَلةِ/ (٢١١/ب/م) وَغَيْرُ المُرَكَّبِ عَلَيْهِ إِن قَبِلَ، وعَكَسَ الأَستَاذُ، وَالوصفُ الحقيقيُّ، فَالعُرْفِيُّ، فَالشَّرْعِيُّ الوُجُودِيُّ، فَالعَدَمِيُّ البسيطُ، فَالمُرَكَّبُ وَالبَاعِثَةُ علَى الأَمَارَةِ، وَالمُطَّرِدَةُ المُنْعَكِسَةٌ، ثُمَّ المُطَّرِدَةٌ فَقَطْ علَى المُنْعَكِسَةِ فَقَطْ، وفِي المُتَعَدِّيَةِ وَالقَاصِرَةِ أَقوَالٌ ثَالِثُهَا سَوَاءً وفِي الأَكثرِ فروعًا قولاَنِ.

стр. 672

ش: الثَّانِي أَنْ يَكُونَ التَّرْجِيحُ بحسبِ العِلَّةِ وذلك من وجوهٍ. أَحدُهَا: القِيَاسُ الذي وُجُودُ عِلَّتُهُ مقطوعٌ بِهِ، مقدَّمٌ علَى الذي وُجُودُ عِلَّتِهِ مظنونٌ، وكذَا لو كَانَا مَظْنُونَيْنِ لكنَّ الظنَّ فِي أَحَدِهِمَا أَغلبُ فَالأَغلبُ/ (١٧١/ب/د) علَى الظّنِ أَوْلَى. ثَانِيهُمَا: يُرَجَّحُ القِيَاسُ الذي مَسْلَكُ عِلَّتِهِ، أَي دليلُهَا، قطعيٌّ علَى مَا مَسْلَكُهُ ظَنِّيٌّ. ثَالِثُهَا: الأَصحُّ ترجيحُ العِلَّةِ المَرْدُودَةِ إِلَى أَصلينِ فأَكثَرَ علَى العِلَّةِ المردودةِ إِلَى أَصلٍ وَاحدٍ، وَقِيلَ: همَا سوَاءٌ. رَابِعُهَا: إِذَا كَانَتْ إِحدَى العِلَّتَيْنِ صِفَةً ذَاتِيَّةً وَالأُخْرَى صفةً حُكْمِيَّةً، فَالأَصحُّ تقديمُ الذَّاتيَّةِ لأَنَّهَا أَلزمُ. وَقِيلَ: الحُكْميةُ، وصححَّهُ ابنُ السّمعَانِي لأَنَّ الحُكْمَ بِالحُكْمِ أَشْبَهُ، فَيَكُونُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَوْلَى. خَامِسُهَا: إِذَا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا أَقلُّ أَوصَافًا وَالأُخْرَى أَكثرُ أَوصَافًا فَالأَصحُّ ترجيحُ قليلةِ الأَوصَافِ؛ لأَنَّهَا أَسْلَمُ، وَقِيلَ: الكبيرةُ أَوْلَى، لأَنَّهَا أَكثرُ شَبَهًا بَالأَصْلِ. سَادِسُهَا: تقدَّمَ التي تقتضِِي احتيَاطًا فِي الفرضِ علَى التي لاَ تقتضِيه، كَذَا بخطِّ المُصَنِّفِ، الفرضُ بِالفَاءِ، ولكنَّ الذي ذَكَرَهُ ابنُ السّمعَاني: فِي الغرضِ، بِالغينِ المُعْجَمَةِ. سَابِعُهَا: تُقَدَّمُ العِلَّةُ التي تَعُمُّ حُكْمَ أَصلِهَا علَى التي يُخَصُّ حُكْمُ أَصلِهَا لتَعْلِيلِ الرِّبَا فِي البُرِّ +بِالطعم، فإِنَّه يَقْتَضِي المُرَادَ الحُكْمَ فِي قليلِهِ وكثيرِه، بخلاَفِ تَعْلِيلِه بِالكيلِ فإِنَّه لاَ يَطَّرِدُ فِيمَا لاَ يُكَالُ مِنَ البُرِّ وهو القليلُ.

стр. 673

ثَامِنُهَا: تُقَدَّمُ العِلَّةُ المُتَّفَقُ علَى تَعْلِيلِ أَصلِهَا علَى العِلَّةِ المُخْتَلَفِ فِي تَعْلِيلِ أَصلِهَا. تَاسِعُهَا: تُقَدَّمُ العِلَّةُ الموَافِقَةُ لأَصولٍ عديدةٍ فِي الشّريعةِ علَى الموَافقةِ لأَصلٍ وَاحدٍ. عَاشِرُهَا: حكَى ابنُ السّمعَانيِّ قولاً: إِنَّهُ يُرَجِّحُ العِلَّةَ الموَافقةَ لِعِلَّةٍ أُخْرَى، بنَاءٌ علَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ، وقَالَ: الأَصحُّ أَنَّهَا لاَ تَتَرَجَّحُ (٢١٢/أَ/م) بذلك؛ لأَنَّ الشّيءَ إِنَّمَا يَتَقَوَّى بصفةٍ فِي ذَاتِهِ لاَ بَانضمَامِ غَيْرِهِ إِليه. حَادي عشرِهَا: تُقَدَّمُ مَا ثَبَتَتْ عِلِّيَّتُهُ بِالإِجمَاعِ علَى مَا ثَبَتَتْ عِلِّيْتُه بِالنَّصِّ لقبولِ النَّصِّ للتأَويلِ بخلاَفِ الإِجمَاعِ، كَذَا قَالَه فِي (المَحْصُولِ) ثُمَّ قَالَ: ويُمْكِنُ تقديمُ النَّصِّ؛ لأَنَّ الإِجمَاعَ فرعُه، وجزَمَ بهذَا البحثِ صَاحبُ (الحَاصِلِ) وَالبَيْضَاوِيُّ وَقَدْ حَكَاهُ المُصَنِّفُ بعدَ ذلك. ثم قَد يَكُونُ كلٌّ مِنَ الإِجمَاعِ وَالنصِّ قَطْعِيَّيْنِ، وَقَدْ يكونَانِ ظَنِّيَّيْنِ، لكن حَمَلَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ الظَّنِّيْيَنْ ِعلَى مَا إِذَا تسَاوَيَا فِي الدّلاَلةِ، قَالَ: فإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ فَالحَقُّ أَنَّهُ يَتَّبِعُ فِيهِ الاجْتِهَادَ فمَا كَانَتْ إِفَادتُهُ للظنِّ أَكثرُ فهو أَوْلَى، فإِنَّ الإِجمَاعَ وإِنْ لَمْ يَقْبَلِ التّخصيصَ وَالنسخَ فَقَدْ تَضْعُفُ دلاَلَتُهُ علَى المطلوبِ فقد يَنْجَبِرُ النّقصُ، وَقَدْ لاَ يَنْجَبِرُ، فَيُتَّبَعُ فِيهِ الاجتهَادُ. ثَاني عشرِهَا: تقدُّمُ مَا يُثْبَتُ عِلِّيَّتُهُ بِالإِيمَاءِ علَى مَا ثَبَتَتْ عِلِّيَّتُهُ بِالطُرُقِ العَقْليَّةِ، لاستنَادِ الظَّنِ فِيه إِلَى سبَبٍ خَاصٍّ. كذَا نقلَهَ الإِمَامُ عَنِ الجُمْهُورِ، ثُمَّ قَالَ: وفِيهِ نَظَرٌ، لأَنَّ الإِيمَاءَ لَيْسَ فِيهِ لفْظٌ يَدُلُّ علَى العِلِّيَّةِ، وإِنَّمَا يَدُلُّ بوَاسطِةِ المنَاسبةِ، أَو الدَّوَرَانِ أَو السَّبْرِ، فهي أَصلٌ وَالأَصْلُ أَقوَى مِنَ الفَرْعِ، فَيَكُونُ كلٌّ مِنْ هذه الثّلاَثَةِ أَقوَى منه. وجزَمَ البَيْضَاوِيُّ بهذَا البحثِ، فقدَّمَ المنَاسبةَ ثُمَّ الدّورَانَ ثُمَّ السَّبْرَ ثُمَّ الإِيمَاءُ ثُمَّ الطَّرْدَ ثُمَّ بقيَّةَ طُرُقَ العِلَّةِ، ومَا بِقي مِنْهَا إِلا تنقيحُ المنَاطِ، وتأَخُّرُه عَنِ الطّردِ مُشْكِلٌ وَالصوَابُ

стр. 674

تقديمُهُ عليه. ثَالثُ عشرِهَا:/ (١٧٢/أَ/د) ترجيحُ مَا ثَبَتَتْ عِلِّيْةُ وَصْفِهِ بِالسَّبْرِ علَى الثَّابتةِ بِالمنَاسبةِ، لدلاَلتِهِ علَى نَفْيِ المعَارضِ بخلاَفِ المنَاسبةِ، كَذَا اختَارَهُ الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ، وتقدَّمَ عَنِ البَيْضَاوِيِّ خلاَفُه. رَابعُ عشرِهَا: تَقَدُّمَ مَا ثَبَتَتْ عِلِّيَّتُهُ بِالمنَاسبةِ علَى الشَّبَهِ، قَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ: وأَدْنَى المعَاني فِي المنَاسبةِ تَرْجُحُ علَى أَعلَى الاشتبَاهِ. خَامسُ عشرِهَا: تَقَدُّمُ مَا ثَبَتَتْ عِلِّيَّتُهُ بِالشَّبَهِ علَى الثَّابتةِ بِالدورَانِ، كَذَا جزَمَ بِهِ المُصَنِّفُ، لكن قَالَ إِمَامُ/ (٢١٢/ب/م) الحَرَمَيْنِ: إِنَّ مَا ثَبَتَ بِالطردِ وَالعَكْسِ مقدَّمٌ علَى غَيْرِه مِنَ الأَشبَاهِ لجريَانِهِ مجرَى الأَلفَاظِ. وَقَوْلُهُ: وَقِيلَ: النَّصُّ فَالإِجمَاعُ؛ أَي: تقدَّمَ مَا ثَبَتَتْ عِلِّيَّتُهُ بِالنَّصِّ علَى الإِجمَاعِ. وَقَدْ تقدَّمَ هذَا عَن صَاحِبَيِ (الحَاصِلِ) و (المنهَاجِ). وَقَوْلُهُ: وَقِيلَ: الدَّوَرَانُ فَالمُنَاسِبُ أَنْ يَرْجِّحَ بعضُهم العِلَّةَ الثَّابِتَةَ بِالدورَانِ علَى الثَّابِتَةِ بِالمنَاسبةِ، وعلَّلَهُ بَأنَّ المطَّردةَ المُنْعَكِسَةَ أَشبهُ العللِ العَقْليةِ، وضُعِّفَ بأَنَّ العللَ الشَّرْعِيَّةَ أَمَارَاتٌ وَالعَقْلِيَّةَ موجبةٌ، فَلاَ يُمْكِنُ اعتبَارُ هذه بتلك. سَادسُ عشرِهَا: تَقَدُّمُ قِيَاسِ المَعْنَى علَى قِيَاسِ الدّلاَلةِ، وهذَا رَاجِعٌ إِلَى تقديمِ المنَاسبةِ علَى الشَّبَهِ. سَابعُ عشرِهَا: تقدُّمُ القِيَاسِ غَيْرُ المُرَكَّبِ علَى المُرَكَّبِ للاَختلاَفِ فِي المُرَكَّبِ، ولهذَا قَالَ المُصَنِّفُ: إِن قيلَ بِهِ، وَقَدْ يَرْجُحُ فِي شُرُوطِ حُكْمِ الأَصْلِ عدمُ قبولُ مُرَكَّبِ الأَصْلِ، ومُرَكَّبُ الوصفِ، وعكسَ الأَستَاذُ. ثَامنُ عشرِهَا: يَرْجُحُ التَّعْلِيلُ بِالوصفِ الحقيقيِّ وهو المَظِنَّةُ كَالسَّفَرِ علَى التَّعْلِيلِ بِالحُكْمِ كَالمَشَقَّةِ وعلَى الوَصْفِ الاعْتِبَاريِّ أَو الحُكْميِّ كَقَوْلِنَا فِي المَنِيِّ:

стр. 675

مبتدأُ خَلْقِ بَشَرٍ فأَشبهَ الطّينَ مَعَ قَوْلِهم: مَائعٌ يُوجِبُ الغُسْلَ فأَشبهَ الحيضَ. تَاسعُ عشرِهَا: يَرْجُحُ التَّعْلِيلُ بِالوصفِ العُرْفِيِّ علَى الشّرعيِّ؛ لأَنَّ العُرْفَ مُنَاسِبٌ، وَالشّرعيَّ أَمَارةٌ. عشرونُهَا: يرجُحُ الوُجُوديُّ علَى العدميِّ كَقَوْلِنَا: السَّفَرْجَلُ مَطْعُومٌ فهو رِبَوِيٌّ كَالبُرِّ، مَعَ قَوْلِهم: لَيْسَ بِمَكِيلٍ ولاَ مَوْزُونٍ. حَادي عشرينِهَا: تقدُّمُ التَّعْلِيلُ بِالعِلَّةِ البسيطةِ كَتَعْلِيلِ الرِّبَا بِالطُّعْمِ علَى التَّعْلِيل بِالمُرَكَّبَةِ كَالطُّعْمِ مَعَ التَّقْدِيرِ بكيلٍ أَو وزنٍ، لكثرةِ فروعِ البسيطةِ وفوَائدِهَا، ولقلَّةِ الاجْتِهَادِ فِيهَا، وَقِيلَ بترجُّحِ المُرَكَّبَةِ، وَقِيلَ: همَا سوَاءٌ، وفِي (التلخيصِ) لإِمَامِ الحَرَمَيْنِ: قَالَ القَاضِي: ولعلَّهُ الصّحيحُ. ثَاني عشرينِهَا: تُقَدَّمَ العِلَّةُ التي بمعنَى البَاعثةِ، علَى العِلَّةِ التي بمعنَى الأَمَارَةِ؛ لأَنَّهَا أَسْرَعُ قبولاً، كذَا قَالَ ابْنُ الحَاجِبِ، قَالَ المُصَنِّفُ فِي شرحِه: ويقَابِلُ أَنْ يقولَ العِلَّةُ أَبدًا إِمَّا/ (٢١٣/أَ/م) بمعنَى البَاعثِ أَو الأَمَارةِ أَو المُؤَثِّرِ علَى مَا سَبَقَ الخِلاَفُ فِيه. أَمَا أَنَّهَا تَارةً بمعنَى البَاعثِ وتَارةً بمعنَى الأَمَارةِ، فلم يَقُلْ بِهِ أَحدٌ، وكأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ ذَاتَ التّأَثيرِ أَرْجَحُ مِنَ التي لاَ يَظْهَرُ لهَا معنًى. قَالَ الشَّارِحُ: مُرَادُهُ بِالجَامِع فِيهِ البَاعثُ علَى مَا الجَامِعِ فِيهِ الأَمَارةُ للاَتِّفَاقِ علَى صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِالوصفِ البَاعثِ وَالخِلاَفُ فِي الأَمَارةِ. ثَالثُ عشرينِهَا: تُقَدَّمُ المطَّرِدَةُ المنعكِسَةُ علَى التي لاَ تَنْعَكِسُ، لأَنَّ الأُولَى أَغلبُ علَى الظنِّ. رَابعُ عشرينِهَا: تقدَّمُ المطَّرِدَةُ التي ليسَتْ منعكِسةً علَى المُنْعَكِسَةِ التي ليسَتْ

стр. 676

مطَّرِدَةً للاَتِّفَاقِ علَى اعتبَارِ الاطِّرَادِ، وَالخِلاَفُ فِي اعتبَارِ الانعكَاسِ. خَامسُ عشرينِهَا: هَلْ تُقَدَّمُ العِلَّةُ المُتَعَدِّيَةِ علَى القَاصرةِ أَو بَالعَكْسِ أَو يستويَانِ؟ فِيه ثلاَثةُ أَقوَالٍ حكَاهَا إِمَامُ الحَرَمَيْنِ. سَادسُ/ (١٧٢/ب/د) عشرينِهَا: فِي ترجيحِ العِلَّةِ التي هي أَكثرُ فروعًا علَى التي هي أَقلُّ فروعًا قولاَن، فَمَنْ يُرَجِّحُ المتعدِّيَةِ يُرَجِّحُ الكثيرة َالفروعِ علَى القليلةِ. ض: وَالأَعرفُ مِنَ الحدودِ السَّمْعِيَّةِ علَى الأَخْفَى، وَالذَاتِيُّ علَى العرضِيِّ، وَالصريحُّ وَالأَعمُّ، وموَافقةُ نَقْلِ السَّمْعِ وَاللُّغَةِ، ورُجْحَانِ طريقِ اكتسَابِهِ. ش: ذَكَرَ فِي هذه الجُمْلَةِ التَّرْجِيحَ فِي الحدودِ، وهي إِمَّا عقليَّةٌ كتعريفِ المَاهِيَّاتِ، وإِمَا سمعيَّةٌ لثُبُوتِهَا مِنَ الأَحكَامِ، وهو المُرَادُ هنَا، وذلك من وجوهٍ: أَحَدُهَا: ترجيحُ الأَعْرَفِ علَى الأَخفَى، لأَنَّ الأَوَّلَ أَفضَى إِلَى مقصودةِ التَّعْرِيفِ مِنَ الثَّانِي. ثَانِيهَا: ترجيحُ الذَّاتِي علَى العرضِيِّ. ثَالِثُهَا: ترجيحُ مَا كَانَ بِالأَلفَاظِ الصّريحةِ علَى غيرِهَا. رَابِعُهَا: ترجيحُ الأَعمِّ علَى الأَخصِّ لفَائِدَةِ التّكثيرِ، وَقِيلَ: يُرَجَّحُ الأَخصُّ للاَتِّفَاقِ علَى ثُبُوتِ مدلولِهِ، وَالاختلاَفُ فِي الزّيَادةِ التي فِي الأَعمِّ. خَامِسُهَا: يُرَجَّحُ الحَدُّ الموَافِقُ للنقلِ السَّمْعِيِّ أَو اللُّغَوِيِّ علَى غَيْرِه لغلبةِ الظّنِّ بحصَّتِهِ.

стр. 677

سَادِسُهَا: إِذَا كَانَ أَحدُ الحدَّيْنِ طريقُ اكتسَابِهِ أَرجحُ مِنْ طريقِ اكتسَابِ الآخرِ كَكَوْنِ طريقِ الأَوَّلِ قطعيًّا، وَالثَّانِي ظنيًّا،/ (٢١٣/ب/م) قُدِّمَ الأَوَّلُ. ص: وَالمُرَجَّحَاتُ لاَ تَنْحَصِرُ ومثَارُهَا غلبةُ الظَّنِّ وسبَقَ كثيرٌ فَلَمْ نَعُدَّه. ش: أَي: إِنَّ مَرْجِعَ جَمِيعِ المُرَجَّحَاتِ إِلَى غلبةِ الظّنِّ. وأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وسبَقَ كثيرٌ) إِلَى تقديمِ بَعْضِ أَنوَاعِ المفَاهيمِ علَى بعضٍ، فسَبَقَ فِي بحثِ المفهومِ، وإِلَى تقديمِ الشّرعيِّ، ثُمَّ العُرْفِيِّ، ثُمَّ اللُّغَوِيِّ، فسَبَقَ فِي بحثِ الحقيقةِ، وإِلَى تعَارُضِ مَا يَخِلُّ بِالفهمِ كَالمجَازِ وَالاشترَاكِ وَغَيْرِهمَا، وإِلَى تعَارُضِ القَوْلِ وَالفعلِ، فسَبَقَ فِي الكلاَمِ علَى السُّنَّةِ، وإِلَى دخولِهَا الفَاءَ فِي كلاَمِ الشَّارعِ أَو الرَّاوي، فسَبَقَ فِي مسَالِكِ العِلَّةِ، وإِلَى تقديمِ بَعْضِ أَنوَاعِ المنَاسبِ علَى بَعْضٍ فسبَقَ فِي المنَاسبةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 678

ص: الكتَابُ السَّابعُ فِي الاجْتِهَادِ الاجْتِهَاد: استفرَاغُ الفقيهِ الوُسْعَ؛ لتحصيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ. ش: الاجْتِهَادُ لُغَةً بَذْلُ الوُسْعِ فِيمَا فِيهِ كُلْفَةً، وهو مأَخوذٌ ـ كمَا قَالَ المَاورديِّ ـ من جهَاد، النُّفْس، وكدّ، هَا فِي طَلَبِ المُرَادِ. وفِي الاصطلاَحِ مَا ذَكَرَهُ. فَالاستفرَاغُ، جِنْسٌ، وهو بَذْلُ تمَامِ الطَّاقةِ، بحيثُ تحسُّ النّفسُ بِالعجزِ عَنِ الزّيَادةِ. وَخَرَجَ بـ (الفقيه) المُقَلِّدُ. وعبر بِالظن لأَنَّهُ لاَ اجتهَاد فِي القَطْعيَات. وأَطلَق البَيْضَاوِيُّ ذَلِكَ فتنَاوَلَ تحصيلَهَا بِالظنِّ، وتحصيلَهَا بِالقطعِ، ولم يُقَيِّدِ المُصَنِّفُ الحُكْمَ بِكَوْنِه شَرْعِيًّا كَمَا فَعَلَ ابْنُ الحَاجِبِ، لإِشَارتِهِ إِلَى ذَلِكَ بِذِكْرِ الفقيهِ، وإِلاَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ معنًى. ص: وَالمجتهدُ: الفقيهُ، وهو البَالغُ العَاقلُ؛ أَي: ذُو مَلَكَةٍ، يُدْرِكُ بِهَا العُلُومَ، وَقِيلَ: العَقْلُ نَفْسُ العِلْمِ، وَقِيلَ: +ضرورِيَّةٌ فقيهُ النفسِ وإِنْ أَنكَرَ القِيَاسَ، وثَالِثُهَا: إِلا الجَلِيُّ، العَارفُ بِالدليلِ العَقْليِّ، وَالتكليفُ بِهِ، ذُو الدَّرَجَةِ الوسطَى لُغَةً، وعربيَّةً، وأَصولاً، وبلاَغةً، ومتعلِّقُ الأَحكَامِ مِنْ كتَابِ وَسُنَّةٍ، وإِنْ لَمْ يَحْفَظِ (١٧٢/أَ/د) المُتُونِ، وقَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ: هو مِنْ هذه العلومِ مَلَكَةٌ له، وأَحَاطَ بِمُعْظَمِ قوَاعِدِ الشَّرْعِ ومَارَسَهَا، بحيثُ اكتَسَبَ قُوَّةً يَفْهَمُ بِهَا مقصودَ الشَّارعِ. ش: ذَكَرَ المُصَنِّفُ ﵀ أَنَّ المُجْتَهِدَ هو الفقيهُ، فهمَا لفظَانِ مترَادفَانِ. فإِن قُلْتُ:/ (٢١٤/أَ/م) كَانَ يَنْبَغِي علَى هذَا إِذَا وقَفَ علَى حدِّ الفقهَاءِ أَنْ يُخْتَصَّ بِهِ المُجْتَهِدُونَ ولاَ اسْتُحَضِرَ ذَلِكَ لِأَََحَدٍ مِنَ أَصحَابِنَا، بَلْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ ومَنْ تَبِعَهُ أَنَّهُ إِذَا وَقَفَ علَى الفقهَاءِ دَخَلَ فِيهِ من حَصَّلَ مِنْهُ شيئًا وإِنْ قَلَّ.

стр. 679

وفِي هذَا نَظَرٌ؛ لأَنَّ فقيهًا اسمُ فَاعلٍ مِنْ فَقِهَ؛ أَي: صَارَ الفِقْهُ لَهُ سَجِيَّةً، ولاَ تحصُلُ هذه الصِّفَةُ لِمَنْ حَصَلَ مِنْهُ شيئًا قليلاً، وَالأَقربُ مَا قَالَهُ الغَزَالِيُّ فِي الإِحيَاءِ: (إِنَّهُ يدخِلُ الفَاضلُ فِي الفقهِ، ولاَ يدخُلُ المبتدِي من شهرٌٍ ونحوه، وللمتوسط بَيْنَهُمَا درجَاتٌ يجتهِدُ المُفْتِي فِيهَا). قَالَ: (وَالوَرَعُ لهذَا المتوسِّطُ تَرْكُ الأَخذِ) انْتَهَى. وجوَابُ مَا ذكَرْنَاه أَنَّ اختصَاصَ اسمِ الفقهِ بِالمُجْتَهِدِ اصطلاَحِ خَاصٌّ، وَالمرجعُ فِي مثلِ ذَلِكَ إِلَى اللّغةِ أَو العرفِ العَامِ، وإِلَى هذَا أَشَارَ المتوليِّ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ يرجِعُ فِيه إِلَى العَادةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ويعتبرُ فِيهِ أَوصَافٌ: أَحَدُهَا: البلوغُ. وَالثَّانِي: العَقْلُ. وَاستطردَ المُصَنِّفُ مِنْ هذَا الذِّكْرِ الخِلاَفَ فِي تعريفِ العَقْلِ فحكَى فِيهِ ثلاَثة أَقوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَلَكَةٌ أَي هيئةٍ رَاسخِةٍ يُدْرَكُ بِهَا العلوم. ثَانِيهَا: أَنَّهُ نفسُ العِلْمِ، وهو مَحْكِيٌّ عَنِ الأَشعريِّ، وَحَكَاهُ الأَستَاذُ أَبُو إِسْحَاقُ عَن أَهْلِ الحقِّ. قَالُوا: وَاختلاَفُ النَّاسِ فِي العُقُولِ لكثرةِ العلومِ وقلَّتِهَا. ثَالِثُهَا: أَنَّهُ بَعْضُ العلومِ الضّروريَّةِ، وإِليه أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ضروريَّةٌ، أَي: علومُ ضروريَّةٌ. وهم َمِنْ تكثيرِهَا أَنَّهَا بَعْضُ العلومِ الضّروريَّةُ، وَبِهِ قَالَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وتَبِعَه مِنْ أَصحَابِنَا سَلِيمٌ الرَّازيُّ، وَابْنُ الصّبَّاغِ وَغَيْرُهمَا، فخَرَجَ بـ (الضروريَّةِ) النّظريةُ لصِحَّةِ الاتِّصَافِ بِالعَقْلِ مَعَ انتفَائِهَا، ولم نجعلْه جَمِيعُ العلومِ الضّروريَّةِ لِئَلَّا يلزَمُ أَنَّ مَنْ فقَدَ العِلْمَ بِمُدْرِكٍ لِعَدَمِ الإِدرَاكِ غَيْرُ عَاقلٍ. وقَالَ القَاضِي عبدُ الوهَابِ، فقلْتُ له: أَنخصَّ هذَا النّوعُ مِنَ الضّرورةِ بوصفٍ؟

стр. 680

فقَالَ: يُمْكِنُ أَنْ يقَالَ: مَا صَحَّ مَعَهُ الاستنبَاطُ. ونقَلَ القُشَيْرِيُّ فِي (المرشدِ) عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لاَ أُنْكِرُ وُرُودَ العَقْلِ فِي اللّغةِ بمعنَى العِلْمِ، ولكن غرضِي أَنْ أُبَيِّنَ العَقْلَ الذي يُرْبَطُ بِهِ التّكليفُ. الوصفُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فقيهَ النفسِ، أَي: يَكُونُ الفقهُ لَهُ سَجِيَّةً، وَالمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ قُوَّةُ الفهمِ علَى التّصرُّفِ،/ (٢١٤ ب/م) قَالَهُ الأَستَاذ أَبُو إِسْحَاقَ. قَالَ: ومَنْ كَانَ موصفًا بِالبلاَدةِ وَالعجزِ عَنِ التصرُّفِ فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الاجتهَادِ، وعنِ الغَزَالِيِّ أَنَّهُ قَالَ: (إِذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ الفقيهُ فِي مسأَلةٍ لَمْ يسمعْهَا ككلاَمِه فِي مسأَلةٍ سمعَهَا فَلَيْسَ بفقيهٍ). ثم حكَى ثلاَثةَ أَقوَالٍ فِي إِنكَارِ القِيَاسِ هَلْ يَقْدَحُ فِي الاجْتِهَادِ أَمْ لاَ؟ أَحَدُهَا: لاَ، وهو مقتضَى كلاَمِ أَصحَابِنَا، حَيْثُ ذكُروا خِلاَفَ الظَّاهِريَّةِ فِي تعَاليقِهِمْ وحَاجُّوهُمْ. ثَانِيهَا: نَعَمْ، وَبِهِ قَالَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وإِمَامُ الحَرَمَيْنِ. ثَالِثُهَا: أَنَّهُ لاَ يَقْدَحُ إِنْ أَنكَرَ القِيَاسَ الخفِيَّ فَقَطْ، فإِنْ أَنْكَرَ الجليَّ أَيضًا قَدَحَ ذَلِكَ فِي كَوْنِه مجتهدًا، وهو/ (١٧٣/ب/د) ظَاهرُ كلاَمِ ابْنِ الصّلَاحِ وَغَيْرِه، ويترتَّبُ علَى ذَلِكَ أَنَّهُ هَلْ يَقْدَحُ خِلاَفَ الظَّاهِريَّةِ فِي الإِجمَاعِ أَمْ لاَ؟ الوصفُ الرَّابعُ: أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالدليلِ العَقْليِّ وهو البرَاءةُ الأَصْليةُ, وبأَنَّا مكلَّفُونَ بِالتمسُّكِ بِهِ مَا لَمْ يَرِدْ دَلِيلٌ نَاقلٌ عَنْهُ مِنْ نصٍّ أَو إِجمَاعٍ أَو غيرِهمَا، كَذَا شَرَطَهُ الغَزَالِيُّ وَالإِمَامُ فخرُ الدِّينِ. الخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بلغةِ العربِ وبِالعربيَّةِ، أَي: وهو النحوُ إِعرَابًا، وتصريفًا وبأَصولِ الفقهِ؛ لِيقوَى علَى معرفةِ الأَدلَّةِ، وكيفِيةُ الاستنبَاطِ، وبِالبلاَغةِ، لأَنَّ الكتَابَ وَالسُّنَّةِ فِي غَايةِ البلاَغةِ، فَلاَ بدَّ مِنْ معرفتِهَا، ليتمكَّنَ مِنَ

стр. 681

الاستنبَاطِ. وَاعتبرَ المُصَنِّفُ أَنْ يَكُونَ فِي معرفةِ هذه الأُمُورِ فِي درجةٍ متوسِّطَةٍ أَي لاَ يَكْفِي فِي ذَلِكَ الأَقلِّ، ولاَ يحتَاجُ إِلَى بلوغِه الغَايةِ فِي ذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ بحيثُ يميِّزُ العبَارةَ الصّحيحةَ عَنِ الفَاسدةِ وَالرَاجحةِ عَنِ المرجوحةِ. وقَالَ الأَستَاذُ: أَمَّا الحروفُ التي تختلِفُ عَلَيْهَا المعَاني فِيجِبُ فِيهَا التبحُّرُ وَالكمَالُ، ويُكْتَفَى بِالتوسُّطِ فِيمَا عدَاهَا، ويجِبُ فِي معرفةِ اللّغةِ الزّيَادةِ علَى التّوسُّطِ حتَّى لاَ يشذَّ عَنْهُ المستعمَلُ فِي الكلاَمِ فِي غَالبِ اللّغةِ، وأَمَّا أَصولُ الفَقْهِ فكلَّمَا كَانَ أَكمَلُ فِي معرفتِه كَانَ أَتمَّ فِي اجتهَادِه. السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ عَارفًا بِالكتَابِ وَالسُّنَّةِ، ولاَ يُعْتَبَرُ العِلْمُ بجميعِهَا، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَعْرِفَ مِنَ الكتَابِ آيَاتِ الأَحكَامِ، وهو معنَى قَوْلِ المُصَنِّفِ: (مُتَعَلِّقُ الأَحكَامِ) وهو بفتحِ اللاَّمِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنهَا مِائَةُ آيةٍ، وَقِيلَ: خمسُمِائةِ آيةٍ، وهو مُشْكِلٌ لأَنَّ تَمْيِيزَ آيَاتِ الأَحكَامِ مِنْ غيرِهَا مُتَوَقِّفٌ علَى معرفةِ الجميعِ، ولاَ يُمْكِنُ المُجْتَهِدُ تقليدَ غَيْرِه فِي تَمَيُّزِهَا، وَالقرَائحُ تتفَاوتُ فِي اسْتِنْبَاطِ الأَحكَامِ. وكذَا لاَ يُشْتَرَطُ معرفةُ جَمِيعِ السُّنَّةِ بَلْ يَكْفِيه معرفةُ مَا تعلَّقَ مِنْهَا بِالأَحكَامِ. قَالَ الغَزَالِيُّ: ويكفِيه أَنْ يَكُونَ عندَه أَصلٌّ مصحِّحٌ يجمَعُ أَحَاديثَ الأَحكَامِ/ (٢١٥/أَ/م) كسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ومعرفةِ السُّنَنِ للبيهقِيِّ، أَو أَصلُ وقَعَتِ العنَايةُ فِيهِ بِجَمْعِ أَحَاديثِ الأَحكَامِ، ويكتفِي مِنْهُ بمعرفةِ موَاقِعَ كلِّ بَابٍ فَيُرَاجِعُه وقتَ الحَاجةِ. قَالَ النّوويُّ: وَالتمثيلُ بأَبي دَاوُدَ لاَ يصحُّ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْعِبْ الصّحيحَ مِنْ أَحَاديثِ الأَحكَامِ، ولاَ معظمَه، وكم فِي صحيحِ البخَاريِّ ومسلمٍ من حديثٍ حُكْمِيٍّ لَيْسَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، انْتَهَى. وفَهِمَ مِنَ التّعبيرِ بِالمعرفةِ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ حفظُهمَا، وَبِهِ صرَّحَ الإِمَامُ فخرُ الدّينِ، وأَشَارَ إِلَيْهِ المُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وإِنْ لَمْ يَحْفَظِ المُتُونَ) لكنْ نقَلَ القَيْرَاوَنِيُّ

стр. 682

عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ حِفْظُ جَمِيعِ القرآنِ، ومَا نقَلَه المُصَنِّفُ عَنْ وَالدِهِ الشَّيْخِ الإِمَامِ السُّبْكِيِّ لَيْسَ مخَالفًا لمَا تقدَّمَ، ولكنَّهُ تمهيدٌ لَهُ وتقريرٌ. وَقَوْلُهُ: (مَلَكَةٌ له) أَي: هيئةٌ رَاسِخَةٌ، وهذَا قَد يَقْتَضِي أَنَّهُ لاَ يُكْتَفَى بِالتوسُّطِ فِي ذَلِكَ، وإِحَاطتُه بمعظمِ قوَاعدِ الشرعِ، ومُمَارَسَتُهَا بِالحيثيَّةِ المذكورةِ نَاشئٌ عَن كَوْنِ هذه العلومِ مَلَكَةً له، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ص: وَيُعْتَبَرُ (/١٧٤/د) قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ: لإِيقَاعِ الاجْتِهَادِ لاَ لِكَوْنِهِ صِفَةً فِيهِ ـ كَوْنُهُ خبيرًا بموَاقِعِ الإِجمَاعِ، كي لاَ يُخَرِّقَهُ، وَالنَاسخِ وَالمنسوخِ، وأَسبَابِ النّزولِ، وشرطِ المتوَاترِ وَالآحَادِ، وَالصَّحِيحِ وَالضعيفِ، وحَالِ الرّوَاةِ وسِيَرِ الصّحَابةِ، ويكفِي فِي زمَانِنَا الرّجوعُ إِلَى أَئمَّةِ ذلك. ش: هذه الأَوصَافُ المذكورةُ فِي هذه الجُمْلَةِ لاَ تُعْتَبَرُ لِتَوَقُّفِ صدقِ اسمِ الاجْتِهَادِ عَلَيْهَا، وإِنَّمَا تُعْتَبرُ لإِيقَاعِ الاجْتِهَادِ كَمَا حَكَاهُ المُصَنِّفُ عَن وَالدِه ﵀. قَالَ الشَّارِحُ: وفِي كلاَمِ الغَزَالِيِّ مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ، فإِنَّه مَيَّزَ هذه عمَا قبلَهَا، وجعَلَهَا مُتَمِّمَةً للاَجتهَادِ ولم يُدْرِجْهَا فِي شُرُوطِهِ الأَصْليَّةِ. أَحَدُهَا: أَن يَعْرِفَ موَاقِعَ الإِجمَاعِ حتَّى لاَ يَخْرِقَهُ ولاَ يُفْتِي بخلاَفِهِ، ولاَ يُشْتَرَطُ حِفْظُهَا بَلْ يَكْفِي مَعْرِفَتُهُ بأَنَّ مَا أَفْتَى بِهِ لَيْسَ مُخَالِفًا للإِجمَاعِ، إِمَّا بأَنْ يُعْلَمَ مُوَافَقَتُه لعَالِمٍ، أَو يَظُنَّ أَن تِلْكَ الوَاقعةَ حَادِثَةٌ لَمْ يَسْبِقْ لأَهلِ الأَعصَارِ المتقدِّمَةِ فِيهَا كلاَمٌ. ثَانِيهَا: معرفةُ النَّاسخِ وَالمنسوخِ؛ لِئَلَّا يَعْمَلَ بِالمنسوخِ ولاَ يُشْتَرَطُ حفظُ جميعِه، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَعْلَمَ فِي كلِّ مَا يُفْتِي بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ.

стр. 683

ثَالِثُهَا: معرفةُ أَسبَابِ النزولِ فِي آيَاتِ الأَحكَامِ؛ لِيَعْلَمَ البَاعثَ علَى الحُكْمِ، وَقَدْ يَقْتَضِي التّخصيصُ بِهِ أَو يَفْهَمُ بِهِ معنَاه. رَابِعُهَا: مَعْرِفَةُ شرطِ المتوَاترِ وَالآحَادِ؛ لِيُقَدِّمَ الأَوْلَى/ (٢١٥/ب/م) عِنْدَ التّعَارُضِ. خَامِسُهَا: أَنْ يُمَيِّزَ الأَحَاديثَ الصَّحِيحَةَ مِنَ الضّعيفةِح لِيَحْتَجَّ بِالصَّحِيحِ وَيَطْرَحَ الضَّعِيفَ. سَادِسُهَا: معرفةُ حَالِ الرّوَاةِ فِي القُوَّةِ وَالضعفِ، لِيُمَيِّزَ المقبولَ مِنَ المردودِ، وهذَا قَدْ يُسْتَغْنَي عَنْهُ بِالذي قبلَه. وأَشَارَ المُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (ويَكْفِي فِي زمَانِنَا الرجوعُ إِلَى أَئمَّةِ ذلك) إِلَى قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ وَالغَزَالِيِّ وَغَيْرِهمَا: وَيُعَوَّلُ فِي ذَلِكَ علَى قَوْلِ أَئمَّةِ الحديثِ كأَحْمَدَ وَالبخَاريِّ ومسلِمٍ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وأَبي دَاوُدَ ونحوِه؛ لأَنَّهم أَهْلُ المعرفةِ بذلكِ، فجَازَ الأخذُ بِقَوْلِهِم كَمَا نأَخُذُ بقولِ المُقَوِّمِينَ فِي القِيَمِ. سَابِعُهَا: مَعْرِفَةُ سِيَرِ الصّحَابةِ، وَلَيْسَ المُرَادُ بِذَلِكَ توَاريخُهم وتفصيلُ وقَائِعهم، وإِنَّمَا المُرَادُ أَحكَامُهم وفتَاوِيهم. وفِي هذَا نَظَرٌ فمعرفتُه بمسَائلِ الإِجمَاعِ وَالخِلاَفِ يُغْنِي عَن ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ص: ولاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الكلاَمِ وتفَاريعُ الفِقْهِ وَالذكورةُ وَالحُرِّيَّةُ وكذَا العدَالةُ علَى الأَصحِّ. ش: ذَكَرَ فِي هذه الجُمْلَةِ أُمُورًا لاَ تُشْتَرَطُ فِي الاجتهَادِ: أَحَدُهَا: معرفةُ عِلْمِ الكلَامِ، قَالَهُ الأُصُولِيُّونَ. وقَالَ الرَّافعِيُّ: عدَّ الأَصحَابُ مِنْ شُرُوطِ الاجْتِهَادِ مَعْرِفَةُ أَصولِ العقَائدِ. قَالَ الغَزَالِيُّ: وعندي أَنَّهُ يَكْفِي اعتقَادٌ جَازِمٌ، ولاَ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهَا علَى طريقِ المُتَكَلِّمِينَ وبأَدلَّتِهِمْ التي يُحْرِزُونَهَا.

стр. 684

ثَانِيهَا: مَعْرِفَةُ تفَاريعِ الفِقْهِ، فإِنَّهَا بِنَتِيجَةِ الاجتهَادِ، فلو شُرِطَتْ فِيهِ لَزِمَ الدّورُ، وصحَّحَ ابْنُ الصّلاَحِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِي المُفْتَى، الذي يتأَدَى بِهِ فرضُ الكفَايةِ؛ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ إِدراكُ أَحكَامِ الوقَائعِ عَنِ القربِ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ كثيرٍ+ وإِن/ (١٧٤/ب/د) لَمْ يُشْتَرَط ذَلِكَ فِي المُجْتَهِدِ المُسْتَقِلِّ، وهو معنَى قَوْلِ الغَزَالِيِّ: إِنَّمَا يحصُلُ الاجْتِهَادُ فِي زمَانِنَا بممَارسةِ الفقهِ، فهو طريقُ تحصيلِ الدُّرْبَةِ فِي هذَا الزّمَانِ ولم تكنِ الطّريقُ فِي زمنِ الصحَابةِ ﵃ ذلك. ثَالِثُهَا: لاَ تُعْتَبُر الذّكورةُ ولاَ الحريَّةُ، فقد يَكُونُ المُجْتَهِدُ امرأَةً وعبدًا. وفِي اشْتِرَاطِ العدَالةِ خِلَاَفٌ، الأَصحُّ عدمُ اشْتِرَاطِهَا، فِيأَخُذُ الفَاسِقُ بَاجتهَادِ نفسِهِ. قَالَ الشَّارِحُ: ومقَابِلُه قَوْلُ الغَزَالِيِّ: إِنهَا شَرْطٌ لجوَازِ الاعتمَادِ علَى قَوْلِه. قُلْتُ: فَلاَ يَكُونُ فِي ذَلِكَ خلاَفٌ؛ لأَنَّ الفَاسِقَ لاَ يُعْتَمَدُ قَوْلُه اتفَاقًا، فَلاَ يُخْتَصُّ ذَلِكَ بِالغَزَالِيِّ فقبولُ الفتوَى أَخصُّ مِنَ الاجتهَادِ، لاعتبَارِ العدَالةِ فِيهِ، وَالحُكْمُ أَخصُّ من ذَلِكَ لاعتبَارِ الذُّكُورِيَّةِ وَالحُرِّيَّةِ فِيه. ص: وَلْيَبْحَثْ عَنِ المعَارضِ وَاللفظِ/ (٢١٦/أَ/م) هَلْ مَعَهُ قرينةٌ. ش: من شُرُوط ِالاجْتِهَادِ البحثُ عَنِ المعَارضِ، فَيَبْحَثُ فِي العَامِّ هَلْ لَهُ مُخَصَّصٌ وفِي المُطْلَقِ هَلْ لَهُ مُقَيَّدٌ، وفِي النَّصِّ هَلْ لَهُ نَاسِخٌ، وهكذَا، وتَبِعَ فِيهِ المُصَنِّفُ (المَحْصُولَ) وَغَيْرَه. قَالَ الشَّارِحُ: وهو لاَ يُخَالِفُ مَا سَبَقَ مِنْهُم فِي بَابِ التّخصيصِ أَنَّهُ يَجُوزُ التّمسُّكُ بِالعَامِّ قَبْلَ البحثِ عَنِ المُخَصَّصِ لأَنَّ ذَلِكَ فِي جَوَازِ التّمَسُّكِ بِالظَّاهِرِ المُجَرَّدِ عَنِ القرَائنِ، وَالكلاَمُ هُنَا فِي اشْتِرَاطِ مَعْرِفَةِ المُعَارِضِ، أَي: بَعْدَ

стр. 685

ثُبُوتِ كَوْنِه معَارِضًا. ومن شُرُوطِهِ أَيضًا البحثُ عن اللّفْظِ هَلْ مَعَهُ قرينةٌ إِلَى أَنْ يَغْلِبَ علَى الظنِ وُجُودُهَا فيعملُ بمقتضَاهَا من صرفِ اللفْظِ عَن ظَاهرِه أَو تخصيصِه أَو غَيْرِ ذَلِكَ أَو عدمِهَا، فيعمَلُ بمَا يقتضِيه ظَاهرُ اللّفظِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ص: ودونُه مُجْتَهِدُ المذهبِ، وهو المُتَمَكِّنُ مِنْ تخريجِ الوجوهِ علَى نصوصِ إِمَامِه، ودُونَه مجتهِدُ الفُتْيَا، وهو المُتَبَحِّرُ المُتَمَكِّنُ من ترجيحِ قَوْلٍ علَى آخرَ. ش: إِنَّمَا يُشْتَرَطُ الأُمُورُ المتقدِّمَةُ فِي المُجْتَهِدِ المُطْلَقِ وَقَدْ فَقَدَ الآنَ، ودُونَه فِي الرُّتْبَةِ مجتهدُ المذهبِ، وهو المُقَلِّدُ لإِمَامٍ مِنَ الأَئمَّةِ، فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ إِلا معرفةُ قوَاعدِ إِمَامِه، فإِذَا سُئِلَ عَن حَادثةٍ لاَ يُعْرَفُ لإِمَامِهِ فِيهَا نصًّا اجتهَدَ فِيهَا علَى مذهبِه، وخَرَّجَهَا علَى أَصولِه، وَادَّعَى ابْنُ أَبِي الدَّمِّ أَنَّ هذَا النوعِ قَد انقطَعَ أَيضًا، وهو مردودٌ. قَالَ ابْنُ الصّلاَحِ: وَالذي رأَيتُه من كلاَمِ الأَئمَّةِ مُشْعِرٌ بأَنَّهُ لاَ يَتَأَدَّى فَرْضُ الكفَايةِ بِالمُجْتَهِدِ المقيَّدِ، وَالذي يظهُر أَنَّهُ يتأَدَّى بِهِ فرضُ الكفَايةِ فِي الفتوَى، وإِنْ لَمْ يتأَدَّ بِهِ فرضُ الكفَايةِ فِي إِحيَاءِ العلومِ التي مِنْهَا الاستمدَادُ فِي الفتوَى، انْتَهَى. ودُونَه فِي المرتبةِ مُجْتَهِدُ الفُتْيَا وهو المُتَبَحِّرُ فِي مذهبِه المُتَمَكِّنِ مِنْ ترجيحِ قَوْلٍ علَى آخَرَ، وهذَا أَدْنَى المَرَاتِبِ، ومَا بَقِيَ بعدَه إِلا العَاميُّ ومن فِي معنَاه ص: وَالصَّحِيحُ جَوَازُ تَجَزُّئِ الاجتهَادِ. ش:/ (١٧٥/أَ/د) أَي يحصُلُ لإِنسَانٍ رُتْبَةُ الاجْتِهَادِ فِي بَعْضِ المَسَائِلِ دُونَ بعضٍ، فمَا تَمَكَّنَ فِيهِ مِنَ الاجْتِهَادِ اجتهَدَ فِيهِ، ومَا لَمْ يَتَمَكَّنْ فِيهِ قلَّدَ مجتهدًا، وَقَدْ سُئِلَ الإِمَامُ مَالكٌ ﵀ عَن أَربعينَ مسأَلةً، فقَال فِي ستٍّ وثلاَثينَ: لاَ أَدري.

стр. 686

وَقِيلَ: لاَ يَجُوزُ لِتَعَلُّقِ البعضِ بِالبعضِ وهو ممنوعٌ. ص: وجوَازُ الاجتهَادِ/ (٢١٦/ب/م) للنبيِّ ﷺ وَوُقُوعُهُ، وثَالِثُهَا: فِي الآرَاءِ وَالحروبِ فقط، وَالصوَابُ: أَنَّ اجتهَادَهُ ﷺ لاَ يُخْطِئُ. ش: اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الاجْتِهَادِ للنبيِّ ﷺ فِيمَا لاَ نصَّ فِيهِ علَى مَذَاهِبِ: أَحدُهَا وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ ـ: جَوَازُهُ، وحُكِيَ عَن نصِّ الشَّافِعِيِّ وأَحمدَ وَغَيْرِهمَا. وَالثَّانِي: مَنَعَهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عليٍّ الجُبَّائِيُّ وَابنُه أَبُو هَاشمٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ له فِي الآرَاءِ وَالحروبِ دُونَ غيرِهَا، حَكَاهُ فِي (المَحْصُولِ) مَعَ قَوْلٍ رَابعٍ حَكَاهُ عَنْ أَكثرِ المحقِّقِينَ، وهو التَّوَقُّفُ فِي هذه الثّلاَثةِ. وإِذَا قلنَا بجَوَازِهُ ففِي وقوعِه مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا ـ وهو اختيَارُ الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ ـ: نَعَمْ. وَالثَّانِي: لاَ. وَالثَّالِثُ: الوقفُ، وذَكَرَ القِرَافِي أَنَّ مَحَلَّ الخِلاَفِ فِي الفتوَى دُونَ القضَاءِ, فَيَجُوزُ فِيهِ قَطْعًا وتَبِعَهُ غَيْرُ وَاحدٍ، ويشهَدُ لَهُ مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، عَن أَمِّ سلمةَ ﵂ قَالت: أَتَى رسولَ اللَّه ﷺ رجُلاَن يَخْتَصِمَانِ فِي موَاريثَ وأَشيَاءَ قَد دَرَسَتْ، فقَالَ: ((إِنِّي إِنَّمَا أَقْضِِي بَيْنَكُم بِرَأْيِي فِيمَا لَمْ يُنَزَّلْ عليَّ فِيه)) ***********ً فإِذَا قُلْنَا بجَوَازِهِ لَهُ فهو ﵊ معصومٌ مِنَ الخطأِ فِيهِ، هذَا هو المُخْتَارُ، وقَالَ الإِمَامُ وَغَيْرُه: إِنَّهُ الحقُّ.

стр. 687

وَاختَار الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ جَوَازهُ، لكنْ لاَ يَقِرُّ عَلَيْهِ، ونقلَه الآمِدِيُّ عَن أَكثرِ أَصحَابِنَا وَالحنَابلةِ وأَصحَابِ الحديثِ. ص: وأَنَّ الاجْتِهَادَ جَائزٌ فِي عصرِه ﷺ ، وثَالِثُهَا: بإِذنِه صريحًا، قِيلَ: أَو غَيْر صريحٍ، ورَابِعُهَا: للبعيدِ، وخَامِسُهَا للولاَةِ، وأَنَّهُ وقَعَ، وثَالِثُهَا لَمْ يقع للحَاضرِ، ورَابعُهَا الوقفُ. ش: الاجْتِهَادُ بعدَ وفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وأَمَّا فِي عصرِه ففِيه أَقوَالٌ: أَحَدُهَا ـ وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ وهو الصّحيحُ ـ: الجوَازُ. وَالثَّانِي: المنع. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ بإِذنِه، ويمتنِعُ بِغَيْرِ إِذنِه، ثُمَّ مِنْهُم مَنِ اعتبرَ الإِذنَ الصّريحَ، وَمِنْهُم مَنْ نزَّلَ السّكوتَ عَنِ المَنْعِ مِنْهُ، مَعَ العِلْمِ بوقوعِهِ منزلةَ الإِذنِ. وَالرَابِعُ: أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ للبعيدِ عَنْهُ، ولاَ يَجُوزُ بحضرتِه، وَقَدْ حكَى الأَستَاذُ أَبُو منصورٍ الإِجمَاعِ فِي الغَائبِ. وقَال فِي (المَحْصُولِ) إِنَّهُ جَائزٌ بلاَ شكٍّ، وجعلَه البَيْضَاوِيُّ موضعٌ وفَاقٌ، لكنَّ المشهورَ إِجرَاءُ الخِلاَفِ فِيهِ، وممَّنْ حَكَاهُ فِيهِ الآمِدِيُّ وَغَيْرُه. ثم هَلِ المُرَادُ الغيبةُ عَن مجلِسه ﷺ أَو عَنِ البلدِ التي هو فِيهَا، أَو إِلَى مسَافةٍ القصرِ/ (٢١٧/أَ/م) فمَا فوقهَا، أَو إِلَى مسَافةٍ يشقُّ معهَا الارتحَالُ للسؤَالِ عَنِ النَّصِّ عِنْدَ كلِّ نَازلةٍ؟ لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَقْلاً وهو محتمِلٌ. وَالرَابعُ/ (١٧٥/ب/د) جَوَازُهُ للغَائبِ عَنْهُ بشرطِ كَوْنِهُ مِنَ الولاَةِ، كعليٍّ ومعَاذٍ لمَا بعثَهمَا ﵊ إِلَى اليمنِ، حَكَاهُ الغَزَالِيُّ وَالآمِدِيُّ. وإِذَا قلنَا بجَوَازِهِ

стр. 688

ففِي وقوعِه مَذَاهِبُ. أَحَدُهَا: وقوعُهُ، وَاختَارَهُ الغَزَالِيُّ وَالآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يقَعِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمْ يقَعْ للحَاضرِ، لكنْ وقَعَ للغَائبِ. وَالرَابِعُ: الوقفُ، وَاختَارَهُ البيضَاويُّ، وقَالَ: لَمْ يَثْبُتْ وقوعُهُ وفِيهِ نَظَرٌ، فقد صحَّ عَنْ أَبِي بكرٍ الصّديقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ فِي قصَّةِ أَبِي قتَادةَ ـ لمَا قتَل رجلاً مِنَ المشركين فأَخذَ غَيْرُه سَلَبَه، وأَرَادَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِمضَاءَ ذَلِكَ له: لاَ هَا اللَّه إِذًا، لاَ نعمَدُ إِلَى أَسدٍ من أَسدِ اللَّهِ يقَاتِلُ عَنِ اللَّه ورسولِهِ فنعطيكَ سَلَبَهُ، فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((صَدَقَ)) فأَبُو بَكْرٍ ﵁ إِنمَا قَالَ ذَلِكَ اجتهَادًا وإِلاَّ لأَسندَهُ إِلَى النصِّ؛ لأَنَّهُ أَدعَى إِلَى الانقيَادِ، وأَقرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ علَى ذَلِكَ، فإِذَا ثَبَتَ هذَا فِي الحَاضرِ فَالغَائبُ أَولَى، لكن قَالَ بعضُهُم: هذَا خبرُ آحَادٍ، وَالمَسْأَلَةُ عِلْمِيَّةُ. وقَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: هي وإِنْ كَانَتْ أَخبَارُ آحَادٍ لكن تَلَقَّتْهَا الأُمَّةُ بِالقبولِ فجَازَ أَنْ يقَالَ: إِنهَا تُفِيدُ القَطْعَ. قَالَ الإِمَامُ: وَالخوضُ فِي هذه المَسْأَلَةِ قليلُ الفَائِدَةِ؛ لأَنَّهُ لاَ ثمرةَ له فِي الفقهِ. وَاعترضَه الشَّيْخُ صدرُ الدّينِ بنُ الوكيلِ، وقَالَ: فِي مَسَائِلِ الفقهِ مَا

стр. 689

يُبْنَى عَلَيْهِ كَمَا لو شَكَّ فِي نجَاسةِ أَحدِ الإِنَاءينِ ومعه مَاءٌ طَاهرٌ بيقينٍ ففِي جَوَازِ الاجْتِهَادِ وجهَانِ. أَصحُّهُمَا: نَعَمْ، وهو قَوْلُ مَنْ يُجَوِّزُ الاجْتِهَادَ فِي زمنِه. وَالثَّانِي: المنعُ، وتبعَه المُصَنِّفُ فِي شرحِ (المنهَاج). قُلْتُ: ليسَتْ هذه المَسْأَلَةُ مبنيَّةً علَى تلك، وإِنَّمَا اتَّفَقَتَا فِي المُدْرِكِ وفِي وصفٍ جَامعٍ، وهو الاجْتِهَادُ مَعَ القدرةِ علَى اليقينِ، فإِذَا وُصِفَتِ المَسْأَلَةُ هكذَا كَانَ لهَا ثمرةٌ فِي الفقهِ، وإِذَا وُصِفَتْ علَى مَا تقدَّمَ كَانَتْ كلاَمًا فِي أَمرٍ انقَضَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ص: مسأَلةٌ: المُصِيبُ فِي العَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ، ونَافِي الإِسلاَمَ مُخْطِئٌ آثِمٌ كَافِرٌ، وقَالَ الجَاحظُ وَالعنبريُّ، لاَ يأَثَمُ المجتهِدُ، قِيلَ: مُطْلَقًا، وَقِيلَ: إِن كَانَ مُسْلِمًا، وَقِيلَ: زَادَ العنبريُّ: كلٌّ مصيبٌ، أَمَّا المَسْأَلَةُ التي لاَ قَاطِعَ فِيهَا، فقَالَ الشَّيْخُ وَالقَاضِي وأَبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدُ وَابنُ/ (٢١٧/ب/م) سُرَيْجٍ: كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ، ثُمَّ قَالَ الأَوَّلاَنِ: حُكْمُ اللَّهِ تَابِعٌ لظنِّ المجتهِدِ، وقَالَ الثّلاَثةُ: هنَاك مَا لو حَكَمَ لكَانَ بِهِ، ومِنْ ثَمَّ قَالُوا: أَصَابَ اجتهَادًا لاَ حُكْمًا، وَابتدَاءً لاَ انتهَاءَ وَالصَّحِيحُ وفَاقًا للجمهورِ: أَنَّ المصيبَ وَاحدٌ، ولِلَّهِ تعَالَى حُكْمٌ قَبْلَ الاجتهَادِ، قِيلَ: لاَ دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ أَمَارةٌ، وأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بإِصَابتِه، وأَنَّ مُخْطِئَهُ لاَ يأَثَمُ بَلْ يُؤْجَرُ، أَمَّا الجزئيَّةُ التي فِيهَا قَاطِعٌ، فَالمُصِيبَ فِيهَا وَاحدٌ وِفَاقًا، وَقِيلَ علَى الخِلاَفِ، ولاَ يأَثَمُ المخطئُ علَى الأَصحِّ، ومتَى قَصَّرَ مُجْتَهِدٌ أَثِمَ وفَاقًا. ش: اخْتُلِفَتِ النُّسَخُ فِي هذه المسأَلةِ، وَالذي حَكَيْتُه هو الذي استقرَّ عَلَيْهِ المُصَنِّفُ، وتقريرُه: أَنَّ الاختلاَفَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي العَقْليَّاتِ أَو غيرِهَا.

стр. 690

القِسْمُ الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ فِي العَقْليَاتِ/ (١٧٦/أَ/د) فَالمصيبُ فِيهَا وَاحدٌ، كَمَا نَقَلَ الآمِدِيُّ وَغَيْرُه الإِجمَاعَ عَلَيْهِ، فمَنْ لَمْ يصَادِفِ الحُكْمَ فهو آثِمٌ، وإِنْ بِالَغْ فِي النّظرِ، سَوَاءٌ كَانَ مدركُه عقليًّا كحدوثِ العَالِمِ وخلَقِ الأَفعَالِ، أَو شَرْعِيًّا كعذَابِ القبرِ. أَمَا +نفاةُ الإِسلاَمِ كَاليهودِ وَالنصَارَى، فَهُمْ مُخْطِئُونَ آثِمُونَ كَافرونَ، ولاَ عبرةَ بمخَالفةِ عمرِو بْنِ بحرٍ الجَاحظِ، وعبيدِ اللَّهِ بْنِ الحسنِ العنبريِّ فإِنَّهُمَا قَالا: إِنَّ المُجْتَهِدَ فِي العَقْليَّاتِ لاَ يأَثَمُ، فمنهم من أَطلقَ ذَلِكَ عَنْهُمَا، وَمِنْهُم مَنْ قيَّدَهُ عَنْهُمَا، فقَالَ: بشرطِ الإِسلاَمِ وهو أَليقُ بهمَا. وقَالَ القَاضِي فِي (مختصرِ التقريبِ): إِنَّهُ أَشهرُ الرّوَايتينِ عَنِ العنبريِّ. وقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُئِلَ عَن أَهْلِ القَدَرِ وأَهلِ الإِجبَارِ فقَالَ: كلٌّ مصيبٌ فهؤلاَءِ قَوْمٌ عظَّمُوا اللَّهَ، وهؤلاَءِ قَوْمٌ نزَّهُوا اللَّهَ. وقَالَ +إِلكيَاالهرَاسيُّ: ذَهَبَ العنبريُّ إِلَى أَنَّ المصيبَ فِي العَقْليَاتِ وَاحدٌ،

стр. 691

ولكنَّ مَا تعلَّقَ بتصديقِ الرّسلِ وإِثبَاتِ حدوثِ العَالمِ فَالمخطئُ فِيه غَيْرُ معذورٍ، وأَمَّا مَا تعلَّقَ بِالقدرِ وَالجَبْرِ وإِثبَاتِ الجهةِ ونفِيهَا فَالمخطئُ فِيهِ معذورٌ، ولو كَانَ مبطلاً فِي اعتقَادِه بعدَ الموَافقةِ فِي تصديقِ الرّسلِ وَالتزَامِ المِلَّةِ. القِسْمُ الثَّانِي: المَسَائِلُ غَيْرُ العَقْلِيَّةِ وهي التي ليسَتْ أَصلاً من أَصولِ الشَّرْعِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ، ولهَا حَالتَانِ. إِحْدَاهُمَا: أَنْ لاَ يَكُونَ فِيهَا نصٌّ قَاطعٌ وفِيهَا مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الحسنِ الأَشعريُّ وَالقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وأَبُو يُوسَفَ ومحمَّدُ بْنُ الحسنِ وَابْنُ سُرَيْجٍ: كلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ. ثم اختلَفَ هؤلاَءِ فقَالَ الأَوَّلاَنِ ـ وهمَا الشَّيْخُ وَالقَاضِي: حُكْمُ اللَّهِ تعَالَى تَابعٌ لظنِّ المُجْتَهِدِ فمَا ظنُّه فهو حُكْمُ اللَّهِ فِي حقِّهِ، وقَالَ الثّلاَثةُ البَاقونَ ـ وهم أَبُو يُوسُفَ، ومحمد، وَابْنُ سُرَيْجٍ فِي أَصحِّ الرّوَايَاتِ/ (٢١٨/أَ/م) عَنْهُ: إِن فِي كلِّ حَادثةٍ لو حَكَمَ اللَّهَ لَمْ يَحْكُمْ إِلا بِهِ، وتُسَمَّى هذه المقَالةُ الأَشبهَ. قَال فِي (المنخولِ) وهذَا حُكْمٌ علَى الغيبِ، ومِنْ ثَمَّ؛ أَي: ولأَجلِ قَوْلِ هؤلاَءِ: إِنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِي الحَادثةِ مَغِيبٌ عنَا ـ قَالُوا: فِيمنِ اجْتَهَدَ وَلَمْ يُصَادِفْ ذَلِكَ الحُكْمَ: إِنَّهُ مُصِيبٌ فِي اجتهَادِهِ مُخْطِئٌ فِي الحُكْمِ، وربَّمَا عبَّرُوا عن ذَلِكَ بِقَوْلِهِم: مصيبٌ ابتدَاءً مخطئٌ انتهَاءٌ. المذهبُ الثَّانِي ـ وَبِهِ قَالَ الجُمْهُورُ، وهو الصّحيحُ ـ أَنَّ المُصِيبَ وَاحِدٌ، وقَالَ ابنُ السّمعَانيِّ فِي (القوَاطعِ) إِنَّهُ ظَاهرُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، فمَنْ حكَى عَنْهُ غَيْرُه فقد أَخطَأَ.

стр. 692

قَالُوا: ولِلَّه تعَالَى فِي كلِّ وَاقعةٍ حُكْمٌ سَابِقٌ علَى اجتهَادِ المُجْتَهِدِينَ، ثُمَّ اختلَفُوَا، فقَالَ بعضُهم: لاَ دَلِيلَ عَلَيْهِ، وإِنَّمَا هو كَدَفِِينٍ يصيبُه مَنْ شَاءه اللَّهُ تعَالَى، ويُخْطِئُه مَنْ شَاءه. وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ أَمَارةً أَي: دَلِيلٌ ظنيٌّ، وَبِهِ قَالَ الأَئمَّةُ الأَربعةُ، وأَكثرُ الفقهَاءِ وكثيرٍ مِنَ المتكلِّمِينَ، وعلَى هذَا فقَالَ بعضُهم: لَمْ يُكَلَّفُ المُجْتَهِدُ بإِصَابتِه لخفَائِهِ وغموضِه، وَالأَصَحُّ أَنَّهُ مكلَّفٌ بإِصَابتِه، فإِنْ أَخطأَه لَمْ يأْثَمْ لعذرِهِ بَلْ يُؤْجَرُ لقولِه ﷺ ((إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فأَصَابَ فله أَجرَانِ، وإِنْ أَخطأَ فلَه أَجْرٌ)) لكن هَلْ يُؤْجَرُ المخطئُ علَى القصدِ للصوَابِ وَالاجْتِهَادِ أَو علَى القصدِ فقطْ؟ فِيهِ وجهَانِ لأَصحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ. وَالثَّانِي مِنْهُمَا هو اختيَارُ المُزَنِيُّ، ولاَ يُؤْجَرُ/ (١٧٦/ب/د) علَى نفسِ الخطأِ، وقَالَ بعضُهم: بَلْ يأَثَمُ المُخْطِئُ. الحَالة الثَّانِيةُ: أَنْ يَكُونَ فِي تِلْكَ الجزئيَّةِ نصٌّ قَاطعٌ فَالمصيبُ فِيهَا وَاحدٌ بِالاتِّفَاقِ، وإِن دقَّ مسلكُ ذَلِكَ القَاطعِ، وَقِيلَ: علَى الخِلاَفِ فِي التي قبلَهَا وهو غريبٌ. ثم إِذَا أَخطَأَ ذَلِكَ القَاطِعُ، فإِن لَمْ يُقَصِّرْ فِي الاجْتِهَادِ بَلْ بِذَلِكَ المجهودِ لكن لَمْ يقَعْ عَلَيْهِ ففِي إِثْمِهِ قولاَن: أَصحُّهُمَا: لاَ يأْثَمُ، وإِنْ قَصَّرَ فِي الاجْتِهَادِ فهو آثِمٌ بِالاتِّفَاقِ. وَاعْلَمْ أَنَّ شَرْطَ تصويبِ كلِّ مُجْتَهِدٍ ـ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ عزُّ الدّينِ ـ أَنْ لاَ يَكُونَ مَذْهَبُ الخَصْمِ مستندًا إِلَى دَلِيلٍ ينقضُ الحُكْمَ المستنِدَ إِليه. ص: لاَ يُنْقَضُ الحُكْمُ فِي الاجتهَاديَاتِ وفَاقًا، فإِنْ خَالَفَ نصًّا أَو ظَاهرًا جَلِيًا، ولو قِيَاسًا أَو حَكَمَ بخلاَفِ اجتهَادِه، أَو بخلاَفِ نصِّ إِمَامِهِ غَيْرَ مُقَلِّدٍ غيرَه/ (٢١٨/ب/م) حَيْثُ يَجُوزُ نَقْضُ، ولو تَزَوَّجَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجتهَادُهُ فَالأَصحُّ تحريمُهَا، وكذَا المُقَلِّدُ يتغيَّرُ اجتهَادُ إِمَامِه وَمَنْ

стр. 693

تغيَّرَ اجتهَادُه أَعْلَمَ المُسْتَفْتِي لِيَكُفَّ ولاَ يَنْقُضُ مَعْمُولَه، ولاَ يَضْمَنُ المُتْلِفُ إِنْ تغيَّرَ لاَ لقَاطِعٍ. ش: المَسَائِلُ الاجتهَاديَّةُ لاَ يَجُوزُ نقضُ الحُكْمِ فِيهَا، لاَ مِنَ الحَاكمِ نفسِه إِذَا تغيَّرَ اجتهَادُه، ولاَ من غَيْرِه بِالاتِّفَاقِ، لكنْ يُعْمَلُ بِالاجْتِهَادِ الثَّانِي فِيمَا عدَا الأَحكَامَ المَبْنِيَّةَ علَى الاجْتِهَادِ الأَوَّلَ. نَعَمْ، إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ خَالَفَ فِي حكمِهِ الأَوَّلِ نصُّ كتَابٍ أَو سُنَّةٍ أَو إِجمَاعًا أَو ظَاهرًا جَلِيًا وَلو قيَاسيًّا ـ نقَضَ حُكْمَهُ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّصُّ المخَالِفُ مَوْجُودًا قَبْلَ الاجتهَادِ، فإِنْ حَدَثَ بعدَه ـ وهذَا إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي عصرِه ﵊ لَمْ يَنْقَضِ مَا مضَى، صرَّحَ بِهِ المَاوردِيُّ وهو وَاضحٌ. ثم ذكَرَ المُصَنِّفُ أَنَّهُ يَنْقُضُ الحُكْمَ فِي المَسَائِلِ الاجتهَاديَّةِ فِي صورتينِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يحكُمَ المُجْتَهِدُ علَى خِلاَفِ اجتهَادِ نفسِهِ، فهو بَاطِلٌ لمخَالفتِه مَا وَجَبَ عَلَيْهِ العَمَلُ بِهِ مِنَ الظَّنِّ. ثَانِيهُمَا: أَن يَحْكُمَ المُقَلِّدُ بخلاَفِ اجتهَادِ إِمَامِهِ، اللَّهم إِلا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لتقليدِهِ غيرَه، وَيَجُوزُ ذَلِكَ فإِنَّه حِينَئِذٍ لاَ يَنْقُضُ، وفِي الحَقِيقَةِ صَارَ ذَلِكَ المُجْتَهِدُ الثَّانِي هو مُقَلِّدُهُ فِي تِلْكَ الوَاقعةِ. ثم ذكَرَ المُصَنِّفُ ﵀ فُرُوعًا مُتَرَتِّبَةً علَى ذلك. الأَوَّلُ: إِذَا كَانَ مِنْ عقيدةِ المُجْتَهِِدِ جَوَازُ النِّكَاحِ بلاَ وَلِيٍّ فتزوَّجَ كَذَلِكَ ثُمَّ تغيَّرَ اجتهَادُه وَاعْتَقَدَ بطلاَنَه ـ فَالمُخْتَارُ عِنْدَ ابْنِ الحَاجِبِ تحريمُهَا عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ الرَّافعيُّ عَنِ الغَزَالِيِّ، ولم يَنْقِلْ غيرَه، ومقَابلَةُ التَّفْصِيلِ بَيْنَ أَن يَتَّصِلَ بِهِ حُكْمٌ فَلاَ تُحَرَّمُ وإِلاَّ حُرِّمَتْ، وهو مَا جَزَمَ بِهِ البَيْضَاوِيُّ وَالصفِيُّ الهِنْدِيُّ.

стр. 694

الثَّانِي: إِذَا قلَّدَ المُجْتَهِدُ المذكورُ مُقَلِّدٌ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجتهَادُه ففِيه الخِلاَفُ المُتَقَدِّمُ. الثَّالِثُ: إِذَا أَفتَى المُجْتَهِدُ بشيءٍ، ثُمَّ تغيَّرَ اجتهَادُه، لَزِمَهُ إِعلاَمُ المستفتَى بِذَلِكَ؛ لِيَكُفَّ عَنِ العَمَلِ بمَا أَفتَاه بِهِ أَوَّلاً، كَذَا أَطلقَهُ المُصَنِّفُ، وَالمنقولُ فِي أَصلِ (الروضةِ) فِي القضَاءِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِعلاَمُه قَبْلَ العَمَلِ وكذَا بعدَه حَيْثُ يجِبُ النَّقْضُ، وأَطلَقَ ابنُ السّمعَانيِّ فِي (القوَاطعِ) / (١٧٧/أَ/د) أَنَّهُ متَى عمَلَ بِهِ لَمْ يلزمْه إِعلاَمُه. ثم أَطلَقَ المُصَنِّفُ: أَنَّهُ لاَ ينقُضُ معمولُه عِنْدَ تغيُّرِ اجتهَادِ مقلِّدِهِ، ومَحَلُّهُ إِذَا كَانَ/ (٢١٩/أَ/م) فِي مَحَلِّ الاجتهَادِ، فإِنْ كَانَ بدليلٍ قَاطِعٍ فِيجِبُ نقضُه كَمَا صرَّحَ بِهِ الصّيمريُّ وَغَيْرُه، وهو وَاضحٌ. الثَّالِثُ: إِذَا عَمِلَ بفتوَاه فِي إِتلاَفٍ ثُمَّ بَانَ خَطَؤُه فإِن لَمْ يخَالِفْ قَاطِعًا لَمْ يُضْمَنْ؛ لأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وإِنْ خَالَفَ القَاطِعُ فأَطْلَقَ المُصَنِّفُ تَضْمِينَهُ، ونقلَ النّوويُّ عَنِ الأَستَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَضْمَنُ إِذَا كَانَ أَهلاً للفتوَى وإِلاَّ فَالمُسْتَفْتِي لَهُ مُقَصِّرٌ، ولم يقيِّدْه المُصَنِّفُ؛ لأَنَّ الكلاَمَ فِي المجتهدِ. وقَالَ النّوويُّ: يَنْبَغِي أَنْ يخرُجَ علَى قولِي الغرورِ أَو يقطعَ بعدمِ الضَّمَانِ مُطْلَقًا إِذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إِتلاَفٌ ولاَ إِلجَاءٌ إِلَيْهِ بإِلزَامٍ. ص: مسأَلةٌ: يَجُوزُ أَن يقَالَ لنبيٍّ أَو مجتهِدٍ: احْكُمْ بمَا تشَاءُ فهو صوَابٌ ويكونُ مُدْرِكًا شَرْعِيًّا، ويُسَمَّى التّفويضَ، وتردَّدَ الشَّافِعِيُّ، قِيلَ: فِي الجوَازِ، وَقِيلَ: فِي الوقوعِ، وقَالَ ابنُ السّمعَانيِّ: يَجُوزُ للنبيِّ دُونَ العَالمِ ثُمَّ المُخْتَارُ: لَمْ يقَعْ، وفِي تعليقِ الأَمرِ بِاخْتِيَارِ المأُمُورِ تردُّدِ. ش: مُسْتَنِدُ الحُكْمِ الشّرعيِّ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: التّبليغُ عَنِ اللَّهِ تعَالَى، وهذَا يختصُّ بِالرسلِ. الثَّانِي: المستفَادُ مِنَ الاجتهَادِ، وهذَا وظيفةُ علمَاءِ الأُمَّةِ، وفِي جَوَازِه للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ

стр. 695

خِلاَفٌ سَبَقَ. الثَّالِثُ: المُسْتَفَادُ مِنَ التّفويضِ بأَنْ يقَالَ لنبيٍّ أَو مُجْتَهِدٍ: احْكُمْ بمَا تشَاءُ، فمَا حَكَمْتَ بِهِ فهو حُكْمُ اللَّهِ، فِيصيرُ قَوْلُه مِنْ جملةِ المدَارِكِ الشَّرْعِيَّةِ. وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ، فقَالَ جمهورُ المُعْتَزِلَةِ بمنعِهِ، وجوَّزَهُ البَاقونَ. وقَالَ أَبُو عليٍّ الجبَّائِيُّ فِي أَحدِ قوليه: يَجُوزُ ذَلِكَ للنبيِّ دُونَ العَالمِ، وَاختَارَه ابنُ السّمعَانيِّ، وتردَّدَ الشَّافِعِيُّ وَاختلَفَ فِي مَحَلِّ تَرَدُّدِهِ، فقَالَ الإِمَامُ: فِي الجوَازِ: وقَالَ الجُمْهُورُ: فِي الوقوعِ مَعَ جزمِهِ بِالجوَازِ، وإِذَا قُلْنَا بِالجوَازِ فَالمُخْتَارُ عِنْدَ ابْنِ الحَاجِبِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَمْ يقَعْ، ولهذَا لَمْ يَذْكُرِ المُصَنِّفُ المَسْأَلَةَ فِي بَابِ الاستدلاَلِ، وَقَدْ ذكرَهَا البَيْضَاوِيُّ فِيهِ، وجزَمَ موسَى بْنُ عمرَانَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ بوقوعِهِ. ثم حكَى المُصَنِّفُ خِلاَفًا فِي جَوَازِ تعليقِ الأَمرِ بِاخْتِيَارِ المأُمُورِ، وجهُ المَنْعِ التّضَادُ فإِنَّ الأَمرَ يَقْتَضِي الجزمَ بِالفعلِ، وَالتخييرُ مُنَافٍ له، وَوَجْهُ الجوَازِ كمَا فِي خِصَالِ الكفَّارةِ فإِنَّ الوَاجبَ مِنْهَا وَاحدٌ، وَمَعَ ذَلِكَ يُخَيَّرُ المُكَلَّفُ بَيْنَ خصَالٍ، وهذه/ (٢١٩/ب/م) المَسْأَلَةُ مذكورةٌ هُنَا استطرَادًا للتنظيرِ، ومحلُّهَا بَابُ الأَوَامرِ. ص: مسأَلةٌ: التّقليدُ أَخْذُ قَوْلِ الغيرِ مِنْ غَيْرِ معرفِةِ دليلِهِ، ويلزَمُ غَيْرَ المُجْتَهِدِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ تَبَيُّنُ صِحَّةِ اجتهَادِهِ، ومَنَعَ الأَستَاذُ التّقليدَ فِي القوَاطِعِ، وَقِيلَ: لاَ يُقَلَّدُ عَالِمٌ وإِنْ لَمْ يَكُنْ مجتهدًا، أَمَّا ظَانُّ الحَاكمِ بَاجتهَادِه فَيَحُرُمُ عَلَيْهِ التّقليدُ، وكذَا المُجْتَهِدُ عِنْدَ الأَكثرِ، وثَالِثُهَا: يَجُوزُ للقَاضِي، ورَابِعُهَا: يَجُوزُ تقليدُ الأَعلمِ، وخَامِسُهَا: يُقَلَّدُ عِنْدَ ضِيقِ الوقتِ، وسَادِسُهَا: فِيمَا يَخُصُّه. ش: لمَا ذَكَرَ المُصَنِّفُ الاجْتِهَادَ ذكَرَ التّقليدَ/ (١٧٧/ب/د) وعرَّفَهُ بأَنَّهُ (أَخْذُ قَوْلِ الغَيْرِ مِنْ

стр. 696

غَيْرِ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ) كذَا فِي النُّسْخَةِ القديمةِ، ثُمَّ ضَرَبَ المُصَنِّفُ علَى قولِ: (الغيرِ) وجعَلَ بدلَه: (المذهبَ) ودعَاه إِلَى ذَلِكَ اعترَاضُ إِمَامِ الحَرَمَيْنِ علَى التّعبيرِ بِالقولِ فإِنَّه لَيْسَ مِنْ شرطِ المَذْهَبِ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا، وقَالَ: يَنْبَغِي الإِتيَانُ بلفظِ يَعُمُّهمَا. ولكنْ فِيمَا ذَكَرَهُ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ نَظَرٌ، لأَنَّ القَوْلَ يُطْلَقُ علَى الرّأَيِ وَالاعتقَادِ إِطلاَقًا شَائِعًا، حتَّى صَارَ كأَنَّهُ حقيقةٌ عُرْفِيَّةٌ، فَلاَ فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ التّعبيرينِ. فَالأَخذُ جنسٌ، وَالمُرَادُ بِهِ تَلَقِّيهِ بِالاعتقَادِ سَوَاءٌ انضمَّ إِلَيْهِ العَمَلُ بِهِ أَمْ لاَ. وَخَرَجَ بِالمذهبِ أَقوَالٌ وأَفعَالٌ لقَائلِهَا وفَاعلِهَا ليسَتْ مَذَاهِبَ لهم صَادرةً عَن اجتهَادٍ، إِمَّا لأَنَّهَا ليسَتْ مِنْ مَسَائِلِ الاجْتِهَادِ، بَلْ معلومةً مِنَ الدّينِ بِالضرورةِ، أَو ليسَتْ مِنْ مَسَائِلِ الدّينِ أَو لغيرِ ذلك. وَخَرَجَ بَانتفَاءِ معرفةِ الدَّلِيلِ مَا إِذَا عَرَفَه حقَّ المعرفةِ فإِنَّه مُجْتَهِدٌ فِيمَا عرَفَ دليلَه. ثم أَخَذَ المُصَنِّفُ يَذْكُرُ حُكْمَهَ فقسَّمَ مَنْ يُرِيدُ التّقليدَ إِلَى مُجْتَهِدٍ وَغَيْرِه. القِسْمُ الأَوَّلُ: غَيْر المُجْتَهِدِ وفِيه مَذَاهِبُ: أَصحُّهَا أَنَّهُ يلزمُه تقليدُ مجتهدٍ. الثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ كَانَ عَالِمًا لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الاجْتِهَادِ اشترطَ فِيهِ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ صِحَّةُ اجتهَادُ مَنْ يقلِّدُه فِيمَا يُقَلِّدُه فِيهِ بدليلٍ وإِلاَّ فَلاَ يلزَمُهُ. الثَّالِثُ: وَبِهِ قَالَ الأَستَاذُ: مَنْعُ التّقليدِ فِي القوَاطعِ التي هي أَصولُ الشّريعةِ. الرَابِعُ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ للعَالِمِ التّقليدِ، وإِن لَمْ يَكُنْ مجتهدًا، بَلْ يلزمُه معرفةُ الحُكْمِ بدليلِه؛ لأَنَّ لَهُ صلاَحيَّةَ المعرفةِ، بخلاَفِ العَاميِّ، ولم يَحْكِ المُصَنِّفُ قولًا يمنَعُ العَاميَّ أَيضًا مِنَ التّقليدِ، وَقَدْ قَالَ بِهِ معتزِلةُ بغدَادَ، فأَوجبُوا عَلَيْهِ الوقوفَ علَى طريقِ الحُكْمِ، وقَالُوا: إِنَّمَا يرجِعُ إِلَى العَالِم لتَنْبِيهِهِ علَى/ (٢٢٠/أَ/م) أَصولِهَا. وقَالَ الجبَّائِيُّ: يَجُوزُ لَهُ التّقليدُ فِي المَسَائِلِ الاجتهَاديَّةِ دُونَ مَا عدَاهَا،

стр. 697

كَالعبَادَاتِ الخمسِ، وكَادَ ابْنُ حَزْمِ يدَّعِي الإِجمَاعَ علَى النّهيِ عَنِ التّقليدِ، وحكَى ذَلِكَ عَن مَالكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهمَا. قَالَ: ولم يَزَلْ الشَّافِعِيُّ فِي جَمِيعِ كتبِه ينهَى عَنِ تقليدِهِ وتقليدِ غيرِهِ. وقَالَ الصّيدلاَنِيُّ: إِنَّمَا نهَى الشَّافِعِيُّ عَنِ التّقليدِ لمن بَلَغَ رُتْبَةَ الاجْتِهَادِ فَمَنْ قصَّرَ عَنْهَا فَلَيْسَ لَهُ إِلا التّقليدُ. وقَالَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ فِي الشّريعةِ تقليدٌ، فإِنَّه قبولُ القَوْلِ من غَيْرِ حُجَّةٍ، وأَقوَالُ المُفْتِينَ وَالحُكَّامُ مقبولةٌ بِالإِجمَاعِ لقيَامِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ علَى وُجُوبِ العَمَلِ بهَا. القِسْمُ الثَّانِي: المُجْتَهِدُ فإِنِ اجْتَهَدَ وظنَّ الحُكْمُ وجَبَ عَلَيْهِ العَمَلُ بمَا ظنُّهُ وحرَّمَ عَلَيْهِ التّقليدُ، وهذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وإِن لَمْ يَكُنْ قَدِ اجتهَدَ ففِيه مَذَاهِبُ/ (١٧٨/أَ/د). أَحَدُهَا ـ وَبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ: مَنَعَهُ مِنَ التّقليدِ أَيضًا لِقُدْرَتِهِ علَى الاجتهَادِ. وَالثَّانِي: الجوَازُ، وهو محكيٌّ عَن سفِيَانَ الثّوريِّ وأَحمدَ وإِسحَاقَ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ للقَاضِي دُونَ غيرِه. الرَابِعُ: يَجُوزُ تقليدُه لأَعلَمَ مِنْهُ، ولاَ يَجُوزُ لمسَاويه ودونه، وَبِهِ قَالَ محمَّدُ بنُ

стр. 698

الحسنِ. الخَامِسُ: جَوَازُهُ عِنْدَ ضِيقِ الوقتِ بأَنْ يخشَى الفوَاتِ لو اشْتُغِلَ بِالاجْتِهَادِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ. السَّادِسُ: أَنَّهُ يَجُوزُ له فِي خَاصَّةٍ نفسِهِ ويمتنعِ عَلَيْهِ فِيمَا يُفْتِي بِهِ غيرَه. ص: مسأَلة: إِذَا تكرَّرَتِ الوَاقعةُ وتجدَّدَ مَا قَدْ يَقْتَضِي الرّجوعَ ولم يَكُنْ ذَاكِرًا للدليلِ الأَوَّلِ وجَبَ تجديدُ النّظرِ قَطْعًا، وكذَا إِن لَمْ يتجدَّدْ لاَ إِن كَانَ ذَاكِرًا، وكذَا العَاميُّ يستفتِي ثُمَّ تقَعُ لَهُ تِلْكَ الحَادثةُ هَلْ يعيدُ السّؤَالَ. ش: إِذَا تكرَّرَتْ للمجتهدِ الوَاقعةِ فَهَلْ يلزمُهُ تجديدُ الاجْتِهَادِ لهَا؟ للمسأَلةِ أَحوَالٌ. أَحَدُهَا: أَن يتجدَّدَ مَا يَقْتَضِي رجوعَه ولاَ يَكُونُ ذَاكرًا للدليلِ الأَوَّلِ، فِيجِبُ هُنَا إِعَادةُ الاجْتِهَادُ قَطْعًا، وَاعتمَدَ المُصَنِّفُ فِي القَطْعِ بِذَلِكَ كلاَمِ الفقهَاءِ، لكنْ حكَى فِيهِ الأُصُولِيُّونَ قولاً بعدمِ الوُجُوبِ لأَنَّ الغَالِبَ علَى الظّنِّ قُوَّةُ مَا كَانَ قَد تمسَّكَ بِهِ. الثَانِيَة: أَن لاَ يتجدَّدَ مَا يَقْتَضِي الرّجوع، ُ لكن لاَ يَكُونُ ذَاكِرًا للدليلِ الأَوَّلِ، فكذلك يلزمُه/ (٢٢٠/ب/م) أَن يجتهِدَ ثَانيًا ويعمَلُ بمَا أَدَاه إِلَيْهِ اجتهَادُه، سَوَاءٌ

стр. 699

وَافَقَ اجتهَادَه الأَوَّلَ أَمْ خَالَفَهُ. الثَالثةُ: أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا للدليلِ الأَوَّلِ، فَلاَ يلزمُهُ التّجديدُ قَطْعًا، ويجرِي ذَلِكَ فِي العَاميِّ يستفتِي المجتهدُ، ثُمَّ تقَعُ لَهُ الوَاقعةُ ثَانيًا هَلْ يلزمُه إِعَادةُ السّؤَالِ ثَانيًا؟ وجهَانِ لأَصحَابِنَا أَصحُّهمَا: نَعَمْ، لاحتمَالِ تغيُّرِ الاجتهَادِ، وَمَحَلُّ الخِلاَفِ إِذَا عرَفَ أَنَّ الجوَابَ عَن رأَيٍ أَو قِيَاسٍ أَو شَكٍّ، وَالمُقَلِّدُ حيٌّ، فإِنَّ عَرَفَ أَنَّ الجوَابَ عَن نصٍّ أَو إِجمَاعٍ فَلاَ حَاجةَ للسؤَالِ ثَانيًا قَطْعًا كَمَا جزَمَ بِهِ الرَّافعيُّ، قَالَ: وكذَا لو كَانَ المُقَلِّدُ مَيِّتًا، وجوَّزْنَاه، أَي لاَ يعيدُ السّؤَالَ قَطْعًا. وفِي بَعْضِ النُّسخِ مِنْ هذَا الكتَابِ بعدَ قَوْلِه: (وكذَا العَامِيُّ يستفتِي) (ولو مُقَلِّدٌ مَيِّتٌ) ومُقتضَاه جريَانُ الخِلاَفِ فِي مُقَلِّدِ المَيِّتِ، وهو خِلاَف مَا اقتضَاه كلاَمِ الرَّافعيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ص: مسأَلةٌ: يَجُوزُ تقليدُ المفضولِ، ثَالِثُهَا: المُخْتَارُ يَجُوزُ لِمُعْتَقَدِه فَاضلاً أَو مُسَاويًا، ومِنْ ثَمَّ لَمْ يَجِبِ البحثُ عَنِ الأَرجحِ؛ فَإِنِ اعتَقَدَ رُجحَانَ وَاحدٍ تَعَيَّنَ، وَالرَاجحُ عِلْمًا فَوْقَ الرَّاجحِ وَرَعًا فِي الأَصحِّ. ش: هَلْ يَجُوزُ تقليدُ المفضولِ مِنَ المجتهدَيْنَ مَعَ التّمَكُّنِ مِنْ تَقْلِيدِ الفَاضلِ؟ فِيه مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا ـ وهو المشهورُ ـ: جَوَازُهُ، فَقَدْ كَانوا يَسْأَلونَ آحَادَ الصّحَابةِ مَعَ وُجُودِ أَفَاضلِهم. وَالثَّانِي: مَنْعُهُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَابْنُ سُرَيْجٍ وَاختَارَه القَاضِي الحُسَيْنُ وَغَيْرُه.

стр. 700

وَالثَّالِثُ: وَاختَارَه المُصَنِّفُ ـ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ يَعْتَقِدُه فَاضلاً أَو مُسَاويًا لِغيرِه، فَإِنْ اعتقدَه دُونَ غَيْرِه امْتُنِعَ استفتَاؤُه. قَالَ المُصَنِّفُ:/ (١٧٨/ب/د) ولهذَا لاَ يَجِبُ البحثُ عَنِ الأَرجَحِ؛ فَإِنِ اعْتَقَدَ تَرَجُّحَ وَاحدٍ علَى غَيْرِه مِنَ المجتهدَيْنِ تَعَيَّنَ تقليدُه، ولَمْ يَجُزْ تقليدُ غيرِه، وإِنْ لَمْ يُوجِبِ البحثَ عَنِ الأَعلمِ، كَذَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنِ الغَزَالِيِّ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وهذَا وإِن كَانَ ظَاهرًا فَفِيهِ نَظَرٌ، لِمَا ذَكَرْنَاه مِنْ سُؤَالِ آحَادِ الصّحَابةِ مَعَ وُجُودِ أَفَاضلِهم، انْتَهَى. فإِنْ تعَارضَ مُجتهدَانِ فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَرجَحُ فِي العِلْمِ وَالآخَرُ أَرجَحُ فِي الوَرَعِ فَالأَصَحُّ تقديمُ الأَعَلَمِ؛ فَإِنَّه لاَ تَعَلُّقَ لِمسَائلِ/ (٢٢١/أَ/م) الاجْتِهَادِ بِالوَرَعِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الأَوْرَعُ، ويُحْتَمَلُ التّخييرُ بَيْنَهُمَا. ص: وَيَجُوزُ تقليدُ المَيِّتِ خِلاَفًا لِلإِمَامِ وثَالِثُهَا: إِنْ فُقِدَ الحَيُّ، ورَابعُهَا قَالَ الهِنْدِيُّ: إِنْ نَقَلَهُ عَنْهُ مُجْتَهِدٌ فِي مذهبِهِ. ش: فِي جَوَازِ تقليدِ المَيِّتِ أَقوَالُ. أَحَدُهَا ـ وَبِهِ قَالَ الجُمْهُورُ ـ: جَوَازُهُ، وعَبَّرَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ: المَذَاهِبُ لاَ تَمُوتُ بِمَوْتِ أَربَابِهَا. الثَّانِي: مَنْعُهُ مُطْلَقًا، وعَزَاهُ الغَزَالِيُّ فِي (الْمَنْخُولِ) لإِجمَاعِ الأُصُولِيِّينَ، وَاختَارَه الإِمَامُ فَخْرُ الدّينِ. وقَالَ الشَّارِحُ: مَنْ تأَمَّلَ كلاَمَ (المَحْصُولِ) عَلِمَ أَنَّ الإِمَامَ يَمْنَعُ التّقليدَ مُطْلَقًا، ومَنْ فَهِمَ مِنْهُ خِلاَفَ ذَلِكَ وعَزَاهُ إِلَيْهِ فَقَدْ غَلِطَ، انْتَهَى. الثَّالِثُ: يَجُوزُ مَعَ فَقْدِ مُجْتَهِدٍ حَيٍّ، ولاَ يَجُوزُ مَعَ وُجُودِه، وقَطَعَ بِهِ

стр. 701

المُصَنِّفُ، وحَمَلَ إِطلاَقَ المُطْلِقِينَ علَى فَقْدِ حَيٍّ مُمَاثِلٍ لِلْمَيَّتِ أَوْ أَرجحُ،+ أَمَّا إِذَا فُقِدَ مُطْلَقًا فَكَيْفَ يَتْرِكِ النَّاسَ هَمْلاً. الرَابِعُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ النَّاقلُ لِقَوْلِ المُجْتَهِدِ المَيِّتِ مُجْتَهِدًا فِي ذَلِكَ المذهبِ جَازَ تقليدُه وإِلاَّ فَلاَ، حَكَاهُ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ، وقَالَ: إِنَّهُ أَظْهَرُ. قَالَ المُصَنِّفُ: وهو فِي غَيْرِ مَحَلِّ النّزَاعِ؛ لأَنَّ الكلاَمَ فِيمَا إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَذْهَبُ المَيِّتِ، فَإِنْ كَانَ النَّاقلُ بِحيثُ لاَ يُوثَقُ بِنَقْلِهِ فَهُمَا، وإِنْ وُثِقَ نِقْلاً تَطَرَّقَ عَدَمُ الوُثُوقِ بِفَهْمِهِ إِلَى عَدَمِ الوُثُوقِ بِنَقْلِهِ، وصَارَ عَدَمُ قبولِهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ المذهبِ عَنِ المنقولِ إِلَيْهِ لاَ لأَنَّ المَيِّتَ لاَ يُقَلَّدُ. ص: وَيَجُوزُ استفتَاءُ مَنْ عُرِفَ بِالأَهْلِيَّةِ أَو ظُنَّ بَاشتهَارِه بِالعِلْمِ وَالعدَالةِ وَانتصَابِهِ وَالنَاسُ مُسْتَفْتُونَ ولو قَاضِيًا، وَقِيلَ: لاَ يُفْتِي قَاضٍ فِي المُعَاملاَتِ لاالمجهول+؛فَالأَصَحُّ وُجُوبُ البحثِ عَنْ عِلْمِهِ وَالاكتفَاءُ بِظَاهرِ العدَالةِ وبِخَبَرِ الوَاحِدِ. ش: إِذَا فَرَّعْنَا علَى جَوَازِ التّقليدِ جَازَ استفتَاءُ مَنْ عُرِفَ بِأَهْلِيَّةِ الإِفتَاءِ، وهي العِلْمُ وَالعدَالةُ، وكذَا لو ظَنَّ ذَلِكَ بِأَحدِ طريقَيْنِ. أَحَدِهِمَا: الاشتهَارُ بِذلكَ. وَالثَّانِي: الانتصَابُ لِلإِفتَاءِ مَعَ استفتَاءِ النَّاسِ لَهُ وتعظيمِهم إِيَّاهُ بِالعِلْمِ، ولاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا أَو لاَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا يُفْتِي القَاضِي فِي العبَادَاتِ دُونَ المعَاملاَتِ. وقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: تُكْرَهُ فَتوَاه فِي الأَحكَامِ دُونَ غيرِهَا، فَإِنْ جُهِلَ أَمرُه

стр. 702

أَمَّا بِالنسبةِ/ (٢٢١/ب/م) لِلعدَالةِ وَالفِسْقِ لَمْ يَجُزْ استفتَاؤُه علَى الصّحيحِ. قَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: وَالخِلاَفُ فِيه فِي غَايةِ البُعْدِ؛ لأَنَّ العُلَمَاءَ وإِنْ اخْتَلَفُوا فِي قبولِ المجهولِ حَالُه فِي الرّوَايةِ وَالشّهَادةِ فَلِوجودِ مَا يَقْتَضِي المَنْعَ مِنَ الفِسْقِ ظَاهرًا وهو الإِسلاَمُ، وَلَيْسَ فِي/ (١٧٩/أَ/د) مجهولِ الحَالِ مَا يَقْتَضِي حُصُولُ العِلْمِ ظَاهرًا، لاَ سيمَا العِلْمُ الذي يَحْصُلُ بِهِ رُتْبَةُ الإِفتَاءِ كَيْفَ وَاحتمَالُ العَامِيَّةِ رَاجِحٌ علَى احتمَالِ العَالمِيَّةِ؛ لِكونِ العَامِيَّةِ أَصْلاً، وهي أَغلبُ أَيضًا، بِخلاَفِ العَالمِيَّةِ؛ فإِنَّهَا علَى خِلاَفِ الأَصْلِ وهي قليلةٌ، وعِنْدَ هذَا ظَهَرَ أَنَّهُ لو تَرَدَّدَ فِي عدَالتِه دُونَ عِلْمِهِ فَرُبَّمَا يَتَّجِهُ الخِلاَفُ فِي جَوَازِ الاستفتَاءِ مِنْهُ، وأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قِيَاسُ عِلْمِهِ علَى المجهولِ عدَالتُه لِظهورِ الفَارقِ). ثُمَّ صَحَّحَ المُصَنِّفُ أَنَّهُ إِنْ جُهِلَ عِلْمُهُ وَجَبَ البحثُ عَنْهُ بِسؤَالِ النَّاسِ، لَكِنَّ المَحْكِيَّ فِي (الرَّوْضَةِ) عَنِ الأَصحَابِ ـ ورَجَّحَهُ ـ أَنَّهُ يَكْفِي الاستفَاضةُ بَيْنَ النَّاسِ بِوَصْفِهِ بِذَلِكَ، وإِنْ جُهِلَ عدَالتُه اكتفَى فِي ذَلِكَ بِظهورِ العدَالةِ. وذَكَرَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ الغَزَالِيَّ ذَكَرَ فِي ذَلِكَ احتمَالَيْنِ هذَا أَشْبَهَهُمَا؛ لأَنَّ الغَالبَ مِنْ حَالِ العُلَمَاءِ العدَالةُ، وَلَيْسَ الغَالبُ مِنَ النَّاس العلمَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وهذَانِ الاحتمَالانِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا غيرُه، وهُمَا فِي المستورِ، وهو الذي ظَاهرُه العدَالةُ ولَمْ يُخْتَبَرْ بَاطنُه، وإِذَا وَجَبَ البحثُ فَذَكَرَ الغَزَالِيُّ أَيضًا احتمَالَيْنِ فِي أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى عَدَدِ التّوَاترِ أَمْ يَكْفِي إِخبَارُ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا الثَّانِي. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالمنقولُ خِلاَفُهمَا؛ فَالذي قَالَهُ الأَصحَابُ: أَنَّهُ يَجُوزُ استفتَاءُ مَنْ استفَاضَتْ أَهْلِيَّتُهُ، وَقِيلَ: لاَ تَكْفِي الاستفَاضةُ ولاَ التّوَاتْرُ؛ لأَنَّ

стр. 703

الاستفَاضةَ مِنَ العوَامِ لاَ وُثُوقَ بِهَا؛ فَقَدْ تكونُ عَنْ تَلْبِيسٍ، وَالتوَاترُ لاَ يُفِيدُ العِلْمَ إِلاَّ إِذَا اسْتَنَدَ إِلَى مَحْسُوسٍ. وقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: يُقْبَلُ فِي أَهْلِيَّتِهِ خَبَرُ عَدْلٍ وَاحِدٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وهو محمولٌ علَى مَنْ عِنْدَه معرفةٌ يُمَيِّزُ بِهَا الأَهُلَ مِنْ غَيْرِه، ولاَ يُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ آحَادِ العَامَّةِ؛ لِكثرةِ مَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ مِنَ التّلْبِيسِ فِي ذلكَ. ص: وللعَامِيِّ سُؤَالُهُ عَنْ مَأَخذِهِ استرشَادًا/ (٢٢٢/أَ/م) ثُمَّ عَلَيْهِ بيَانُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ خَفِيًّا. ش: عبَارةُ ابْنِ السّمعَانِيِّ: (ويَلْزَمُ العَالِمُ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ الدَّلِيلَ إِنْ كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ ولاَ يَلْزَمُه إِنْ لَمْ يَكُنْ مقطوعًا بِهِ، لافْتِقَارِهِ إِلَى اجتهَادٍ يَقْصُرُ عَنْهُ فَهْمُ العَامِيِّ) فَعَبَّرَ عَنْهُ المُصَنِّفُ بِالظُهُورِ وَالخَفَاءِ. ص: مسأَلةٌ: يَجُوزُ لِلقَادرِ علَى التّفريعِ وَالترجيحِ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجتهدًا الإِفتَاءُ بِمذهبِ مُجْتَهِدٍ اطَّلَعَ علَى مأَخذِه وَاعْتَقَدَهُ، وثَالِثُهَا عِنْدَ المُجْتَهِدِ، ورَابعُهَا وإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادرًا؛ لأَنَّهُ نَاقلٌ. ش: هَلْ يَجُوزُ الإِفتَاءُ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الاجْتِهَادِ المُطْلَقِ؟ يُنْظَرُ؛ إِنْ وَصَلَ إِلَى رُتْبَةِ الاجْتِهَادِ الْمُقَيَّدِ فَاسْتَقَلَّ بِتقريرِ مَذْهَبِ إِمَامٍ مُعَيَّنٍ كَمَا هي صِفَةُ أَصحَابِ الوُجُوهِ جَازَ له ذَلِكَ قَطْعًا، وإِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى هذه المرتبةِ ففِيه مَذَاهِبُ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ له ذَلِكَ إِذَا كَانَ فَقِيهُ النّفْسِ حَافظًا لِمذهبِه قَادرًا علَى التّفريعِ وَالترجيحِ مُطْلَقًا علَى مَا أَخَذَ إِمَامُه، وهو الذي اختَارَه الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ وحُكِيَ عَنِ الأَكْثَرِينَ. وَالثَّانِي: المَنْعُ ولو كَانَ بهذه الصّفةِ.

стр. 704

وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ المُجْتَهِدِ لاَ مَعَ وُجُودِه. وَالرَابِعُ: الجوَازُ مُطْلَقًا، وإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادرًا علَى التّفريعِ وَالترجيحِ؛ لأَنَّهُ نَاقلٌ. أَمَا العَامِيُّ إِذَا عَرَفَ حُكْمَ حَادِثةِ دليلٍ فَلَيْسَ لَهُ الفُتْيَا بِهَا. وَقِيلَ: يَجُوزُ، وَقِيلَ: إِن كَانَ نَقْلِيًّا جَازَ، وإِلاَّ فلاَ/ (١٧٩/ب/د) وَقِيلَ: إِنْ كَانَ دَلِيلاً مِنَ الكتَابِ أَو السُّنَّةِ جَازَ، وإِلاَّ فَلاَ. ص: وَيَجُوزُ خُلُوُّ الزّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ خِلاَفًا للحنَابلةِ مُطْلَقًا ولاَبْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ مَا لَمْ يَتَدَاعَ الزّمَانُ بِتَزَلْزُلِ القوَاعدِ، وَالمُخْتَارُ لَمْ يَثْبُتْ وقوعُه. ش: ذَهَبَ الأَكثرون إِلَى جَوَازِ خُلُوِّ الزّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ مُطلقٍ ومُقَيَّدٍ، وهو المُجْتَهِدُ فِي مَذْهَبِ المجتهدِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ- ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ ولَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العلمَاءِ، حتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَقْتَوا+بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وأَضَلُّوَا)) ومَنَعَ مِنْهُ الحنَابلةُ مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ ﵊: ((لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهرِينَ علَى الحقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حتَّى يَأَتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ)) (٢٢٢/ب/م) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدّينِ فِي (شَرْحِ العُنْوَانِ): وهو المُخْتَارُ عنِدنَا، لَكِنْ إِلَى الحَدِّ الذي يُنْتَقَضُ بِهِ القوَاعدُ بِسببِ زَوَالِ الدّنيَا فِي آخِرِ الزّمَانِ) ويُوَافِقُهُ قَوْلُهُ فِي خُطْبَةِ شَرْحِ الإِلمَامِ: وَالأَرْضُ لاَ تَخْلُو مِنْ قَائمٍ لِلَّهِ بِالحُجَّةِ، وَالأُمَّةُ الشّريفةُ لاَ بُدَّ فِيهَا مِنْ سَالكٍ إِلَى الحَقِّ علَى وَاضحِ المَحَجَّةِ إِلَى أَن يأَتِيَ أَمرُ اللَّهِ فِي أَشرَاطِ السَّاعةِ

стр. 705

الكُبْرَى، ويَتَتَابَعُ بَعْدَه مَا لاَ يَبْقَى مَعَهُ إِلاَّ قُدُومُ الأُخْرَى. وقَالَ وَالدُه الشَّيْخُ مَجْدُ الدّينِ فِي كتَابِهِ (تَنْقِيحُ الأَفهَامِ) عَنِ المُجْتَهِد فِي هذه الأَعصَارِ: وَلَيْسَ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ حُصُولِ آلةِ الاجتهَادِ، بَلْ لإِعرَاضِ النَّاسِ فِي اشتغَالِهم عَنِ الطّريقِ المُفْضِيةِ إِلَى ذلكَ). وَاختَارَ المُصَنِّفُ جَوَازَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ. وقُلْتُ مَرَّةً لِشَيْخِنَا الإِمَامُ البَلْقِينِيُّ- رَحِمُهُ اللَّهُ تعَالَى-: مَا يَقْصُرُ بِالشَّيْخِ تَقِيِّ الدّينِ السُّبْكِيِّ عَنِ الاجْتِهَاد وَقَدْ اسْتَكْمَلَ آلاَتِهِ؟ وكَيْفَ يُقَلِّدُ؟ ولَمْ أَذْكُرَهُ هو استحيَاءً مِنْهُ لِمَا أُرِيدُ أَنْ أُرَتِّبَ علَى ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنْهُ. فَقُلْتُ: مَا عندي أَنَّ الامتنَاعَ مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ لِلوظَائفِ التي قَرَّرَتْ لِلفقهَاءِ علَى المَذَاهِبِ الأَربعةِ، وأَنَّ مَنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ وَاجْتَهَدَ لَمْ يَنَلْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وحُرِمَ وِلاَيةُ القضَاءِ، وَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ استفتَائِه ونُسِبَ لِلبِدْعَةِ. فَتَبَسَّمَ ووَافَقَنِي علَى ذلكَ. ص: وإِذَا عَمِلَ العَامِيُّ بِقولِ مُجْتَهِدٍ فَلَيْسَ لَهُ الرّجوعُ عَنْهُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ العَمَلُ بِمُجَرَّدِ الإِفتَاءِ، وَقِيلَ: بِالشّروعُ فِي العملِ، وَقِيلَ: إِنِ الْتَزَمَهُ وقَالَ السّمْعَانِيُّ: إِنْ وَقَعَ فِي نفسِه صِحَّتَه، وقَالَ ابْنُ الصّلاَحِ: إِنْ لَمْ يُوجَدْ مُفْتٍ آخَرَ فَإِنْ وُجِدَ تَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا، وَالأَصَحُّ جَوَازُهُ فِي حُكْمٍ آخَرَ، وأَنَّهُ يَجِبُ الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ يَعْتَقِدُهُ أَرْجَحَ أَوْ مُسَاوِيًا، ثُمَّ يَنْبَغِي السّعْيُ فِي اعتقَادِه أَرْجَحُ، ثُمَّ فِي خروجِه عَنْهُ: ثَالِثُهَا لاَ يَجُوز فِي بَعْضِ المَسَائِلِ وَالأَصَحُّ أَنَّهُ يُمْتَنَعُ تَتَبُّعُ الرّخَصِ وخَالَفَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ. ش: فِيهِ مسَائلُ: الأَولَى: إِذَا وَقَعَتْ لِعَامِيٍّ حَادِثةٌ فَاستفتَى فِيهَا مجتهدًا فله أَحوَالٌ: الأَولَى: أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا بِفتوَى ذَلِكَ المُجْتَهِدِ فَلَيْسَ لَهُ الرّجوعُ عَنْهُ إِلَى فتوَى
следующие страницы →