Полный текст (826 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
المُصَنِّفُ، وحَمَلَ إِطلاَقَ المُطْلِقِينَ علَى فَقْدِ حَيٍّ مُمَاثِلٍ لِلْمَيَّتِ أَوْ أَرجحُ،+ أَمَّا إِذَا فُقِدَ مُطْلَقًا فَكَيْفَ يَتْرِكِ النَّاسَ هَمْلاً.
الرَابِعُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ النَّاقلُ لِقَوْلِ المُجْتَهِدِ المَيِّتِ مُجْتَهِدًا فِي ذَلِكَ المذهبِ جَازَ تقليدُه وإِلاَّ فَلاَ، حَكَاهُ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ، وقَالَ: إِنَّهُ أَظْهَرُ.
قَالَ المُصَنِّفُ: وهو فِي غَيْرِ مَحَلِّ النّزَاعِ؛ لأَنَّ الكلاَمَ فِيمَا إِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَذْهَبُ المَيِّتِ، فَإِنْ كَانَ النَّاقلُ بِحيثُ لاَ يُوثَقُ بِنَقْلِهِ فَهُمَا، وإِنْ وُثِقَ نِقْلاً تَطَرَّقَ عَدَمُ الوُثُوقِ بِفَهْمِهِ إِلَى عَدَمِ الوُثُوقِ بِنَقْلِهِ، وصَارَ عَدَمُ قبولِهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ المذهبِ عَنِ المنقولِ إِلَيْهِ لاَ لأَنَّ المَيِّتَ لاَ يُقَلَّدُ.
ص: وَيَجُوزُ استفتَاءُ مَنْ عُرِفَ بِالأَهْلِيَّةِ أَو ظُنَّ بَاشتهَارِه بِالعِلْمِ وَالعدَالةِ وَانتصَابِهِ وَالنَاسُ مُسْتَفْتُونَ ولو قَاضِيًا، وَقِيلَ: لاَ يُفْتِي قَاضٍ فِي المُعَاملاَتِ لاالمجهول+؛فَالأَصَحُّ وُجُوبُ البحثِ عَنْ عِلْمِهِ وَالاكتفَاءُ بِظَاهرِ العدَالةِ وبِخَبَرِ الوَاحِدِ.
ش: إِذَا فَرَّعْنَا علَى جَوَازِ التّقليدِ جَازَ استفتَاءُ مَنْ عُرِفَ بِأَهْلِيَّةِ الإِفتَاءِ، وهي العِلْمُ وَالعدَالةُ، وكذَا لو ظَنَّ ذَلِكَ بِأَحدِ طريقَيْنِ.
أَحَدِهِمَا: الاشتهَارُ بِذلكَ.
وَالثَّانِي: الانتصَابُ لِلإِفتَاءِ مَعَ استفتَاءِ النَّاسِ لَهُ وتعظيمِهم إِيَّاهُ بِالعِلْمِ، ولاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا أَو لاَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا يُفْتِي القَاضِي فِي العبَادَاتِ دُونَ المعَاملاَتِ.
وقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: تُكْرَهُ فَتوَاه فِي الأَحكَامِ دُونَ غيرِهَا، فَإِنْ جُهِلَ أَمرُه
стр. 702
أَمَّا بِالنسبةِ/ (٢٢١/ب/م) لِلعدَالةِ وَالفِسْقِ لَمْ يَجُزْ استفتَاؤُه علَى الصّحيحِ.
قَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: وَالخِلاَفُ فِيه فِي غَايةِ البُعْدِ؛ لأَنَّ العُلَمَاءَ وإِنْ اخْتَلَفُوا فِي قبولِ المجهولِ حَالُه فِي الرّوَايةِ وَالشّهَادةِ فَلِوجودِ مَا يَقْتَضِي المَنْعَ مِنَ الفِسْقِ ظَاهرًا وهو الإِسلاَمُ، وَلَيْسَ فِي/ (١٧٩/أَ/د) مجهولِ الحَالِ مَا يَقْتَضِي حُصُولُ العِلْمِ ظَاهرًا، لاَ سيمَا العِلْمُ الذي يَحْصُلُ بِهِ رُتْبَةُ الإِفتَاءِ كَيْفَ وَاحتمَالُ العَامِيَّةِ رَاجِحٌ علَى احتمَالِ العَالمِيَّةِ؛ لِكونِ العَامِيَّةِ أَصْلاً، وهي أَغلبُ أَيضًا، بِخلاَفِ العَالمِيَّةِ؛ فإِنَّهَا علَى خِلاَفِ الأَصْلِ وهي قليلةٌ، وعِنْدَ هذَا ظَهَرَ أَنَّهُ لو تَرَدَّدَ فِي عدَالتِه دُونَ عِلْمِهِ فَرُبَّمَا يَتَّجِهُ الخِلاَفُ فِي جَوَازِ الاستفتَاءِ مِنْهُ، وأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قِيَاسُ عِلْمِهِ علَى المجهولِ عدَالتُه لِظهورِ الفَارقِ).
ثُمَّ صَحَّحَ المُصَنِّفُ أَنَّهُ إِنْ جُهِلَ عِلْمُهُ وَجَبَ البحثُ عَنْهُ بِسؤَالِ النَّاسِ، لَكِنَّ المَحْكِيَّ فِي (الرَّوْضَةِ) عَنِ الأَصحَابِ ـ ورَجَّحَهُ ـ أَنَّهُ يَكْفِي الاستفَاضةُ بَيْنَ النَّاسِ بِوَصْفِهِ بِذَلِكَ، وإِنْ جُهِلَ عدَالتُه اكتفَى فِي ذَلِكَ بِظهورِ العدَالةِ.
وذَكَرَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ الغَزَالِيَّ ذَكَرَ فِي ذَلِكَ احتمَالَيْنِ هذَا أَشْبَهَهُمَا؛ لأَنَّ الغَالبَ مِنْ حَالِ العُلَمَاءِ العدَالةُ، وَلَيْسَ الغَالبُ مِنَ النَّاس العلمَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وهذَانِ الاحتمَالانِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا غيرُه، وهُمَا فِي المستورِ، وهو الذي ظَاهرُه العدَالةُ ولَمْ يُخْتَبَرْ بَاطنُه، وإِذَا وَجَبَ البحثُ فَذَكَرَ الغَزَالِيُّ أَيضًا احتمَالَيْنِ فِي أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى عَدَدِ التّوَاترِ أَمْ يَكْفِي إِخبَارُ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا الثَّانِي.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالمنقولُ خِلاَفُهمَا؛ فَالذي قَالَهُ الأَصحَابُ: أَنَّهُ يَجُوزُ استفتَاءُ مَنْ استفَاضَتْ أَهْلِيَّتُهُ، وَقِيلَ: لاَ تَكْفِي الاستفَاضةُ ولاَ التّوَاتْرُ؛ لأَنَّ
стр. 703
الاستفَاضةَ مِنَ العوَامِ لاَ وُثُوقَ بِهَا؛ فَقَدْ تكونُ عَنْ تَلْبِيسٍ، وَالتوَاترُ لاَ يُفِيدُ العِلْمَ إِلاَّ إِذَا اسْتَنَدَ إِلَى مَحْسُوسٍ.
وقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: يُقْبَلُ فِي أَهْلِيَّتِهِ خَبَرُ عَدْلٍ وَاحِدٍ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وهو محمولٌ علَى مَنْ عِنْدَه معرفةٌ يُمَيِّزُ بِهَا الأَهُلَ مِنْ غَيْرِه، ولاَ يُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ آحَادِ العَامَّةِ؛ لِكثرةِ مَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ مِنَ التّلْبِيسِ فِي ذلكَ.
ص: وللعَامِيِّ سُؤَالُهُ عَنْ مَأَخذِهِ استرشَادًا/ (٢٢٢/أَ/م) ثُمَّ عَلَيْهِ بيَانُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ خَفِيًّا.
ش: عبَارةُ ابْنِ السّمعَانِيِّ: (ويَلْزَمُ العَالِمُ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ الدَّلِيلَ إِنْ كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ ولاَ يَلْزَمُه إِنْ لَمْ يَكُنْ مقطوعًا بِهِ، لافْتِقَارِهِ إِلَى اجتهَادٍ يَقْصُرُ عَنْهُ فَهْمُ العَامِيِّ) فَعَبَّرَ عَنْهُ المُصَنِّفُ بِالظُهُورِ وَالخَفَاءِ.
ص: مسأَلةٌ: يَجُوزُ لِلقَادرِ علَى التّفريعِ وَالترجيحِ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجتهدًا الإِفتَاءُ بِمذهبِ مُجْتَهِدٍ اطَّلَعَ علَى مأَخذِه وَاعْتَقَدَهُ، وثَالِثُهَا عِنْدَ المُجْتَهِدِ، ورَابعُهَا وإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادرًا؛ لأَنَّهُ نَاقلٌ.
ش: هَلْ يَجُوزُ الإِفتَاءُ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الاجْتِهَادِ المُطْلَقِ؟
يُنْظَرُ؛ إِنْ وَصَلَ إِلَى رُتْبَةِ الاجْتِهَادِ الْمُقَيَّدِ فَاسْتَقَلَّ بِتقريرِ مَذْهَبِ إِمَامٍ مُعَيَّنٍ كَمَا هي صِفَةُ أَصحَابِ الوُجُوهِ جَازَ له ذَلِكَ قَطْعًا، وإِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى هذه المرتبةِ ففِيه مَذَاهِبُ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ له ذَلِكَ إِذَا كَانَ فَقِيهُ النّفْسِ حَافظًا لِمذهبِه قَادرًا علَى التّفريعِ وَالترجيحِ مُطْلَقًا علَى مَا أَخَذَ إِمَامُه، وهو الذي اختَارَه الآمِدِيُّ وَابْنُ الحَاجِبِ وحُكِيَ عَنِ الأَكْثَرِينَ.
وَالثَّانِي: المَنْعُ ولو كَانَ بهذه الصّفةِ.
стр. 704
وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ المُجْتَهِدِ لاَ مَعَ وُجُودِه.
وَالرَابِعُ: الجوَازُ مُطْلَقًا، وإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادرًا علَى التّفريعِ وَالترجيحِ؛ لأَنَّهُ نَاقلٌ.
أَمَا العَامِيُّ إِذَا عَرَفَ حُكْمَ حَادِثةِ دليلٍ فَلَيْسَ لَهُ الفُتْيَا بِهَا.
وَقِيلَ: يَجُوزُ، وَقِيلَ: إِن كَانَ نَقْلِيًّا جَازَ، وإِلاَّ فلاَ/ (١٧٩/ب/د) وَقِيلَ: إِنْ كَانَ دَلِيلاً مِنَ الكتَابِ أَو السُّنَّةِ جَازَ، وإِلاَّ فَلاَ.
ص: وَيَجُوزُ خُلُوُّ الزّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ خِلاَفًا للحنَابلةِ مُطْلَقًا ولاَبْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ مَا لَمْ يَتَدَاعَ الزّمَانُ بِتَزَلْزُلِ القوَاعدِ، وَالمُخْتَارُ لَمْ يَثْبُتْ وقوعُه.
ش: ذَهَبَ الأَكثرون إِلَى جَوَازِ خُلُوِّ الزّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ مُطلقٍ ومُقَيَّدٍ، وهو المُجْتَهِدُ فِي مَذْهَبِ المجتهدِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ- ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ ولَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العلمَاءِ، حتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَقْتَوا+بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وأَضَلُّوَا)) ومَنَعَ مِنْهُ الحنَابلةُ مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ ﵊: ((لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهرِينَ علَى الحقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حتَّى يَأَتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ)) (٢٢٢/ب/م) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدّينِ فِي (شَرْحِ العُنْوَانِ): وهو المُخْتَارُ عنِدنَا، لَكِنْ إِلَى الحَدِّ الذي يُنْتَقَضُ بِهِ القوَاعدُ بِسببِ زَوَالِ الدّنيَا فِي آخِرِ الزّمَانِ) ويُوَافِقُهُ قَوْلُهُ فِي خُطْبَةِ شَرْحِ الإِلمَامِ: وَالأَرْضُ لاَ تَخْلُو مِنْ قَائمٍ لِلَّهِ بِالحُجَّةِ، وَالأُمَّةُ الشّريفةُ لاَ بُدَّ فِيهَا مِنْ سَالكٍ إِلَى الحَقِّ علَى وَاضحِ المَحَجَّةِ إِلَى أَن يأَتِيَ أَمرُ اللَّهِ فِي أَشرَاطِ السَّاعةِ
стр. 705
الكُبْرَى، ويَتَتَابَعُ بَعْدَه مَا لاَ يَبْقَى مَعَهُ إِلاَّ قُدُومُ الأُخْرَى.
وقَالَ وَالدُه الشَّيْخُ مَجْدُ الدّينِ فِي كتَابِهِ (تَنْقِيحُ الأَفهَامِ) عَنِ المُجْتَهِد فِي هذه الأَعصَارِ: وَلَيْسَ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ حُصُولِ آلةِ الاجتهَادِ، بَلْ لإِعرَاضِ النَّاسِ فِي اشتغَالِهم عَنِ الطّريقِ المُفْضِيةِ إِلَى ذلكَ).
وَاختَارَ المُصَنِّفُ جَوَازَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ.
وقُلْتُ مَرَّةً لِشَيْخِنَا الإِمَامُ البَلْقِينِيُّ- رَحِمُهُ اللَّهُ تعَالَى-: مَا يَقْصُرُ بِالشَّيْخِ تَقِيِّ الدّينِ السُّبْكِيِّ عَنِ الاجْتِهَاد وَقَدْ اسْتَكْمَلَ آلاَتِهِ؟ وكَيْفَ يُقَلِّدُ؟ ولَمْ أَذْكُرَهُ هو استحيَاءً مِنْهُ لِمَا أُرِيدُ أَنْ أُرَتِّبَ علَى ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنْهُ.
فَقُلْتُ: مَا عندي أَنَّ الامتنَاعَ مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ لِلوظَائفِ التي قَرَّرَتْ لِلفقهَاءِ علَى المَذَاهِبِ الأَربعةِ، وأَنَّ مَنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ وَاجْتَهَدَ لَمْ يَنَلْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وحُرِمَ وِلاَيةُ القضَاءِ، وَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ استفتَائِه ونُسِبَ لِلبِدْعَةِ.
فَتَبَسَّمَ ووَافَقَنِي علَى ذلكَ.
ص: وإِذَا عَمِلَ العَامِيُّ بِقولِ مُجْتَهِدٍ فَلَيْسَ لَهُ الرّجوعُ عَنْهُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ العَمَلُ بِمُجَرَّدِ الإِفتَاءِ، وَقِيلَ: بِالشّروعُ فِي العملِ، وَقِيلَ: إِنِ الْتَزَمَهُ وقَالَ السّمْعَانِيُّ: إِنْ وَقَعَ فِي نفسِه صِحَّتَه، وقَالَ ابْنُ الصّلاَحِ: إِنْ لَمْ يُوجَدْ مُفْتٍ آخَرَ فَإِنْ وُجِدَ تَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا، وَالأَصَحُّ جَوَازُهُ فِي حُكْمٍ آخَرَ، وأَنَّهُ يَجِبُ الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ يَعْتَقِدُهُ أَرْجَحَ أَوْ مُسَاوِيًا، ثُمَّ يَنْبَغِي السّعْيُ فِي اعتقَادِه أَرْجَحُ، ثُمَّ فِي خروجِه عَنْهُ: ثَالِثُهَا لاَ يَجُوز فِي بَعْضِ المَسَائِلِ وَالأَصَحُّ أَنَّهُ يُمْتَنَعُ تَتَبُّعُ الرّخَصِ وخَالَفَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ.
ش: فِيهِ مسَائلُ:
الأَولَى: إِذَا وَقَعَتْ لِعَامِيٍّ حَادِثةٌ فَاستفتَى فِيهَا مجتهدًا فله أَحوَالٌ:
الأَولَى: أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا بِفتوَى ذَلِكَ المُجْتَهِدِ فَلَيْسَ لَهُ الرّجوعُ عَنْهُ إِلَى فتوَى
стр. 706
غَيْرِه فِي تِلْكَ الحَادثةِ بِعَيْنِهَا بِالإِجمَاعِ، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الحَاجِبِ وَغَيْرِهِ.
الثَانِيَةُ:/ (٢٢٣/أَ/م) أَنْ يَكُونَ قَبْلَ العَمَلِ، وفِيه مَذَاهِبُ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَلْزَمُه العَمَلُ بفتوَاه بِمُجَرَّدِ الإِفتَاءِ؛ لأَنَّهُ فِي حَقِّه كَالدليلِ فِي حَقِّ المُجْتَهِدِ.
وَالثَّانِي: إِنَّمَا يَلْزَمُهُ العَمَلُ بِهَا إِذَا شَرَعَ فِيهِ، وهو احتمَالٌ لابْنِ السّمعَانِيِّ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لاَ يلزمُه العَمَلُ بهَا/ (١٨٠/أَ/د) إِلا بِالْتزَامِه.
وَالرَابِعُ: يَلْزَمُه إِنْ وَقَعَ فِي نَفْسِه صِحَّةُ ذَلِكَ وحَقِّيَّتُه، حَكَاهُ ابنُ السّمعَانِيِّ، وقَالَ: إِنَّهُ أَقوَى الأَوْجُهِ.
الخَامِسُ: قَالَ ابْنُ الصّلاَحِ: الذي تقتضِيه القوَاعدُ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَجِدْ سِوَاه تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الأَخْذُ بِفتوَاه، وإِنْ لَمْ يَلْتَزِمْه ولاَ سَكَنَتْ نَفْسُه إِلَى حَقِيَّتِهِ، وإِنْ وَجَدَ سِوَاه، فَإِنْ كَانَ الذي أَفتَاه هو الأَعْلَمُ الأَوْثَقُ لَزِمَهُ بِنَاءً علَى تَقْلِيدِ الأَفضلِ، وإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَمْ يَلْزَمْهُ.
وكذَا قَالَ النّوَوِيُّ: المُخْتَارُ مَا نَقَلَهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ، إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُفْتٍ آخَرَ لَزِمَهُ بِمُجَرَّدِ فَتْوَاه، وإِنْ لَمْ تَسْكُنْ نَفْسُهُ، وإِنْ كَانَ هنَاك آخَرُ لَمْ يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ إِفتَائِه؛ إِذْ لَهُ أَنْ يَسأَلَ غيرَه، وحينئذٍ فَقَدْ يُخَالِفُه فَيَجِيءُ فِيهِ الخِلاَفُ فِي اخْتِلاَفِ المُفْتِينَ.
الثَالثةُ: أَنْ يَقَعَ لَهُ حَادثةٌ غَيْرُ تلكَ؛ فَالأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِي فِيهَا غَيْرَ الذي استفتَاه فِي الحَادثةِ السَّابقةِ، وهو الذي اختَارَه ابْنُ الحَاجِبِ.
وَالثَّانِي: لاَ، بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ استفتَاؤُه.
وَالثَّالِثُ: جَوَازُهُ فِي عَصْرِ الصّحَابةِ وَالتَابِعِينَ، ومَنَعَهُ فِي الأَعصَارِ التي اسْتَقَرَّتْ فِيهَا المَذَاهِبِ، وإِليه مَيْلُ إِمَامِ الحَرَمَيْنِ.
стр. 707
المَسْأَلَةُ الثَّانِيةُ: هَلْ يَجِبُ علَى العَامِيِّ أَنْ يَلْتَزِمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا أَمْ لاَ؟
فِيه مَذْهَبَانِ.
أَحَدُهُمَا ـ وَبِهِ قَطَعَ إِلْكِيَاالْهَرَّاسِيُّ، وَاختَارَه المُصَنِّفُ ـ أَنَّهُ يَجِبُ ذَلِكَ، ولاَ يَفْعَلُهُ بِمُجَرَّدِ التّشَهْيِ، بَلْ يَخْتَارُ مَذْهَبًا يُقَلِّدُه فِي كُلِّ شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ أَرْجَحَ أَوْ مُسَاوِيًا لِغيرِه لاَ مرجوحًا.
وَالثَّانِي: لاَ، فعلَى هذَا هَلْ لَهُ تقليدُ مَنْ شَاءَ؟ أَو يَبْحَثُ عَنْ أَشَدِّ المَذَاهِبِ؟
فِيه وجهَانِ: قَالَ النّوَوِيُّ: هذَا كلاَمُ الأَصحَابِ، وَالذي يَقْتَضِِيه الدَّلِيلُ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ التّمَذْهُبُ بِمذهبٍ بَلْ يَسْتَفْتِي مَنْ شَاءَ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَلَقُّطٍ لِلرُّخَصِ، ولَعَلَّ مَنْ مَنَعَهُ لَمْ يَثِقْ بِعَدَمِ تَلَقُّطِهِ، ويَرُدُّ علَى المُصَنِّفِ فِي تَصْحِيحِه فِيمَا/ (٢٢٣/ب/م) قَبْلَهُ جَوَازُ تقليدِ غَيْرِه فِي حُكْمٍ آخَرَ بَعْدَ استفتَائِه فِي حُكْمٍ قبلَه، مَعَ إِيجَابِه التّزَامَ مَذْهَبٍ مَعَيَّنٍ ابتدَاءً.
وَقَدْ قَالَ الصَّفِيُّ الهِنْدِيُّ: إِنْ قُلْنَا: لاَ يَجِبُ هنَاكَ فَهُنَا أَوْلَى، وإِنْ أَوْجَبْنَا هنَاك فَهُنَا وجهَانِ.
وَقَوْلُهُ: (ثم يَنْبَغِي السّعْيُ فِي اعتقَادَاتِه؛ أَيْ: مُقَلِّدُهُ أَرْجَحُ أَيْ: فِي الجُمْلَةِ.
قَالَ الشَّارِحُ: وهذَا لاَ يُخَالفُ قَوْلَه فِيمَا سَبَقَ، ومِنْ ثَمَّ لَمْ يَجِبِ البحثُ عَنِ الأَرْجَحِ؛ لأَنَّ الانبغَاءَ لَيْسَ علَى سبيلِ الوُجُوبِ، انْتَهَى.
وإِذَا الْتَزَمَ مذهبًا مُعَيَّنًا فَهَلْ يَجُوزُ الخروجُ عَنْهُ؟
فِيه مَذَاهِبُ.
الأَصَحُّ ـ فِي الرَّافِعِيِّ ـ جَوَازُهُ.
وَالثَّانِي: مَنْعُهُ.
وَالثَّالِثُ: لاَ يَجُوزُ فِي بَعْضِ المَسَائِلِ دُونَ بعضٍ، وَيَجُوزُ فِي جميعِهَا.
وعَبَّرَ
стр. 708
الشَّارِحُ عَنْ هذَا الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ: (ومِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هو كَالعَامِيِّ الذي لَمْ يَلْتَزِمْ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا؛ فَكُلُّ مسأَلةٍ عَمِلَ فِيهَا بِقولِ إِمَامٍ لَيْسَ لَهُ تقليدُ غيرِه، وكُلُّ مسأَلةٍ لَمْ يَعْمَلْ فِيهَا بِقَوْلِهِ فَلاَ مَانع فِيهَا مِنْ تقليدِ غيرِه) انْتَهَى.
وهذَا لاَ يطَابقُ عبَارةَ المُصَنِّفِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ معنَى كلاَمِهِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ فِي بَعْضِ المَسَائِلِ وهو مَا اتَّصَلَ بِالتقليدِ فِيهِ العَمَلُ بِهِ، وَيَجُوزُ/ (١٨٠/ب/د) فِي بعضِهَا، وهو مَا إِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ.
ثُمَّ فَرَّعَ المُصَنِّفُ علَى تجويزِ الخروجِ عَنِ المَذْهَبِ الذي انْتَحَلَهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَتَتَبَّعَ الرّخَصَ بِأَنْ يَخْتَارَ مِنْ كُلِّ مذهبٍ مَا هو أَهْوَنْ عَلَيْهِ، وفِيمَا نَقَلَهُ المُصَنِّفُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مِنْ جَوَازِ تَتَبُّعِ الرّخَصِ نَظَرٌ؛ فَفِي الرَّافِعِيِّ عَنْهُ أَنَّهُ يُفَسَّقُ بِتَتَبُّعِ الرُّخَصِ، وعَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لاَ يُفَسَّقُ، وكذَا حَكَاهُ عَنْهُمَا الحِنَاطِيُّ فِي فَتَاوِيهِ، فَكَأَنَّهُ انْعَكَسَ مَذْهَبُ أَبِي إِسْحَاقَ علَى المُصَنِّفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: مسأَلةٌ: اخْتُلِفَ فِي التّقليدِ فِي أَصولِ الدّينِ، وَقِيلَ: النّظرُ فِيهِ حرَامٌ وعن الأَشعريِّ: لاَ يصِحُّ إِيمَانُ المُقَلِّدُ، وقَالَ القُشَيِّريُّ: مكذوبٌ عَلَيْهِ، وَالتحقيقُ: إِنْ كَانَ آخِذًا بقولِ الغيرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَعَ احتمَالِ شَكٍّ أَو وَهْمٍ فَلاَ يَكْفِي وإِنْ كَانَ جَزْمًا فَيَكْفِي خِلاَفًا لأَبي هَاشِمٍ.
ش: لمَا فَرَغَ مِنْ مبَاحِثِ أَصولِ الفقهِ ومَا يتعلَّقُ بِهِ شَرَعَ فِي مبَاحثِ العقَائدِ، وهي أَصولُ الدّينِ، وهو عِلْمٌ يَبْحَثُ بِهِ عَن ذَاتِ اللَّهِ تعَالَى ومَا يجِبُ
стр. 709
لَهُ ويَمْتَنِعُ مِنَ الصّفَاتِ، وأَحوَالِ الممكنَاتِ، وَالمبدأِ وَالمعَادِ، علَى قَانونِ/ (٢٢٤/أَ/م) الإِسلاَمِ.
وسُمِّيَ عِلْمُ الكلاَمِ؛ لأَنَّ أَوَّلَ مسأَلةٍ وقَعَتْ فِيهِ مسأَلةُ الكلاَمِ.
وقسَّمَ المُصَنِّفُ مبَاحِثَه إِلَى مَا هو عِلْمِيٌّ وعَمَلِيٌّ وهو مَا يجِبُ اعتقَادُه، وإِلَى مَا هو عِلْمِيٌّ لاَ عَمَلِيٌّ، أَي: لاَ يَجِبُ مَعْرِفَتُه فِي العقَائدِ، وإِنَّمَا هُو مِنْ ريَاضَاتِ العِلْمِ.
وأَحسنُ فِي التّمييزِ بَيْنَهُمَا، وذكَرَ فِي الثَّانِي جملةً مِنْ عمَلِ الحِكْمَةِ وَالطبيعيِّ، وقدَّمَ قَبْلَ الخوضِ فِي ذَلِكَ الخِلاَفَ فِي جَوَازِ التّقليدِ فِي أَصولِ الدّينِ، وفِيه أَقوَالٌ.
أَحَدُهَا ـ وَبِهِ قَالَ الجُمْهُورُ ـ: المَنْعُ، وفِي التّنزيلِ ذَمَّهُ فِي الأُصُولِ بِقَوْلِهِ حكَايةً عَنِ الكفَايةِ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا أَبَاءَنَا علَى أُمَّةٍ وإِنَّا علَى آثَارِهُمْ مُقْتَدُونَ﴾ وَالحثُّ عَلَيْهِ فِي الفروعِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
وَالثَّانِي: الجوَازُ، وَحُكِيَ عَنِ العنبريِّ وَغَيْرِهِ، لإِجمَاعِ السَّلَفِ علَى قبولِ كَلِمَتَيِ الشّهَادةِ مِنَ النَّاطقِ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَالَ له: هَلْ نَظَرْتَ أَو تَبَصَّرْتَ بدليلٍ.
الثَّالِثُ: وُجُوبُ التّقليدِ وتحريمُ النّظرِ وَالبحثُ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ جعَلَ سَبَبَهُ أَنَّ النّظرَ فِيه لاَ يُفْضِي إِلَى العِلْمِ الذي هو المَطْلُوبُ، وَمِنْهُم مَنْ قَالَ: يُفْضِِي إِلَيْهِ وَلَكِنْ ربَّمَا أَوْقَعَ النَّاظرَ فِي شُبْهَةٍ فَيَكُونُ سَبَبَ ضلاَلِه.
وظَاهرُ كلاَمِ الشَّافِعِيِّ يوَافِقُ هذَا المذهبَ، حَيْثُ قَالَ: (رَأْيِي فِي أَصحَابِ
стр. 710
الكلاَمِ أَنَّ يُضْرَبُوا بِالجريدِ، وينَادَى عَلَيْهِم فِي العشَائرِ: هذَا جزَاءُ مَنْ تَرَكَ الكتَابَ وَالسُّنَّةِ، وَاشْتَغَلَ بِعْلِمِ الأَوَائلِ) لكنْ هذه العبَارةُ تدلُّ علَى أَنَّهُ إِنَّمَا ذمَّ النَّاظرَ فِيهِ من غَيْرِ كلاَمِ اللَّهِ ورسولِه بَلْ بِالنظرِ فِي عِلْمِ الأَوَائلِ الذي هو جَهْلٌ وضلاَلٌ، وكيفَ يريدُ الإِنسَانُ الاهتدَاءَ بكلاَمِ مَنْ لَمْ يَدُلَّهُ عقلُه علَى معرفةِ اللَّهِ تعَالَى فوَافَى علَى الكُفْرِ بِهِ، وإِذَا غَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ النّظرِ فِي التّورَاةِ التي هي/ (١٨١/أَ/د) هدىً ونورٌ، إِلا أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، كَيْفَ لاَ يغضَبُ ممَّنْ يَرُومُ معرفةَ ربِّه بكلاَمِ أَعدَائِهِ.
وقَالَ البييهقيُّ: إِنُّ نَهْيَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِه عَنْهُ إِنَّمَا هو لإِشفَاقِهم علَى الضَّعَفَةِ أَنْ لاَ يَبْلُغُوا مَا يريدونَ مِنْهُ فَيَضِلُّوَا، وَقَدْ زَلَّتْ بسببِهِ أَقدَامُ جمَاعةٍ.
وقَالَ الشَّافِعِيُّ: (مَا ارتدَى أَحدٌ بِالكلاَمِ فَأَفْلَحَ) مَعَ أَن أَصحَابنَا عدوه من فروض الكفَايَات فهو علم شريف، إِلا أَنَّهُ خطر، هذَا إِن نظر فِيهِ بِالشّرعيَات، فإِن نظر فِيهِ علَى طريقة الأَوَائل فهو مذموم مُطْلَقًا) / (٢٢٤/ب/م).
وعلَى الأَوَّلِّ وهو المَنْعُ مِنَ التّقليدِ فِيهِ فحُكِيَ عَنِ الأَشعريِّ زيَادةٌ فِي ذَلِكَ، أَنَّ إِيمَانَ المُقَلِّدِ لاَ يصِحُّ، وأَنَّهُ يقولُ بتكفِيرِ العوَامِّ، وأَنكرَه الأَستَاذُ أَبُو القَاسمِ القُشَيْرِيُّ، وقَالَ: هذَا كَذَبٌ وزُورٌ مِنْ تلبيسِ الكرَّامِيَّةِ علَى العوَامِّ، فإِنَّهُم يقولونَ: الإِيمَانُ: الإِقرَارُالمُجَرَّدُ، وعندَ الأَشعرِيِّ: الإِيمَانُ هو التّصديقُ، وَالظنُّ بجميعِ عوَامِ المسلمينَ أَنَّهُمْ يُصَدِّقُونَ اللَّهَ تعَالَى فِي أَخبَارِهِ، فأَمَّا مَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ العقَائدُ فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ. انْتَهَى.
وحمَلَ بَعْضُهُمْ كلاَمَ الأَشعريِّ ـ بتقديرِ صحَّتِهِ عَنْهُ ـ علَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّ مَنْ اخْتَلَجَ فِي قلبِه شَيْءٌ مِنَ السّمعيَّاتِ القَطْعيَّةِ مِنْ حَدَثِ العَالَمِ أَو الحشرِ أَو النبوَّةِ وَجَبَ أَنْ يجتهِدَ فِي إِزَالتِه بِالدليلِ العَقْليِّ، فإِنِ استمَرَّ علَى ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ إِيمَانُه.
стр. 711
وقَالَ الأَستَاذُ أَبُو منصورٍ: أَجمَعَ أَصحَابُنَا علَى أَنَّ العوَامَّ مؤمنونَ عَارفونَ بَاللَّهِ تعَالَى، وأَنهم حشوُ الجنَّةِ للأَخبَارِ وَالإِجمَاعِ فِيهِ، لكن مِنْهُم مَنْ قَالَ: لاَ بُدَّ مِنْ نَظَرٍ عَقْلِيٍّ فِي العقَائدِ، وَقَدْ حصَلَ لهم مِنْهُ القدرُ الكَافِي، فإِنَّ فِطْرَتَهُمْ جُبِلَتْ علَى توحيدِ الصَّانعِ وقِدَمِهِ وحدوثِ الموجودَاتِ، وإِن عَجَزُوا عَنِ التعبيرِ عَنْهُ علَى اصطلاَحِ المتكلِّمينَ، وَالعِلْمُ بِالعبَارةِ عِلْمٌ زَائدٌ لاَ يلزمُهم انْتَهَى.
وأَحسنَ المُصَنِّفُ فِي تنقيحِ منَاطِ الخِلاَفِ المتقدِّمِ بأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِالتقليدِ الأَخْذُ بقولِ الغيرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مَعَ احتمَالِ شَكٍّ أَو وَهْمٍ، كمَا فِي تقليدِ إِمَامٍ فِي الفروعِ، مَعَ تجويزِ أَنْ يَكُونَ الحقُّ فِيهِ خلاَفَه ـ فهذَا لاَ يَكْفِي فِي الإِيمَانِ عِنْدَ أَحدٍ لاَ الأَشعريِّ ولاَ غيرِه، وإِنْ أُرِيدَ بِهِ الاعتقَادُ الجَازمُ لاَ لموجبٍ فهذَا كَافٍ فِي الإِيمَانِ، ولم يخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلا أَبُو هَاشمٍ مِنَ المُعْتَزِلَة، كَذَا حَكَاهُ المُصَنِّف عَنْ وَالدِهِ، وسَبَقَهُ إِلَيْهِ الآمِدِيُّ فقَالَ فِي (الأَبكَارِ): صَار أَبُو هَاشمٍ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ بِالدليلِ فهو كَافرٌ، لأَنَّ ضدَّ المعرفةِ النّكرةُ، وَالنكرةُ كُفْرٌ، وأَصحَابُنَا مُجْمِعُونَ علَى خلاَفِهِ، وإِنَّمَا اختلفُوا فِي معتقدِ الحقِّ
بِغَيْرِ دليلٍ، فمِنْهُم من قَالَ: هو عَاصٍ، وَمِنْهُم مَنْ قَالَ: لَيْسَ بعَاصٍ، وهذَا معنَى كلاَمِه، وهو اللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: فليُجْزِمْ عقدَه بأَنَّ العَالِمَ مَحْدَثٌ وَلَهُ صَانعٌ وهو اللَّهُ الوَاحِدُ، وَالوَاحِدُ الشّيءُ الذي لاَ ينقسِمُ/ (١٨١ ب/د) ولاَ يُشْبِهُهُ شَيْءٌ.
ش: اخْتُلِفَ فِي أَنَّ العَالَمَ ـ بفتحِ اللاَّمِ ـ مشتقٌ مِنَ العِلْمِ أَو العلاَمةِ/ (٢٢٥/أَ/م) لأَنَّهُ علاَمةٌ علَى وُجُودِ صَانعِه؟ ويَنْبَنِي علَى هذَا الخِلاَفِ أَنَّ العَالَمَ هَلْ يَعُمُّ جَمِيعَ الممكنَاتِ أَو يختصُّ بذوي العِلْمِ؟ وَالأَصَحَّ عمومُه، وهو عِنْدَ المتكلِّمِينَ: كلُّ مَوْجُودٍ سوَى اللَّهِ تعَالَى، وَمِنْهُم مَنْ قَالَ: سوَى اللَّهِ وصفَاتِه، ولاَ يُحْتَاجُ إِلَى هذه الزِّيَادةِ فإِنَّ إِطلاَقَ اسمِ اللَّهِ تعَالَى اسمٌ لَهُ بجميعِ صفَاتِه، فإِنَّ الصّفَاتِ ليسَتْ غَيْرَ اللَّهِ كَمَا تقرَّرَ عِنْدَ الأَشعريِّ.
وَالعَالَمُ مُحْدَثٌ بإِجمَاعِ أَهْلِ المِلَلِ ولم يخَالِفْ فِيهِ إِلا الفلاَسفةُ، وَمِنْهُم
стр. 712
الفَارَابي وَابْنُ سينَا قَالُوا: إِنَّهُ قديمٌ بمَادَّتِهِ وصورتِه، وَقِيلَ: قديمُ المَادَّةِ مُحْدَثُ الصّورةِ، وَضَلَّلَهم المسلمونَ فِي ذَلِكَ وَكَفُروهم.
وقَالُوا: مَنْ زَعَمْ أَنَّهُ قديمٌ فقد أَخرجَه عَن كَوْنه مخلوقًا لِلَّه تعَالَى، وَقَدْ بَرْهَنُوا علَى حُدُوثِهِ البرَاهينَ القَاطعةَ، مِنْهَا تغيَّرُ صفَاتِهِ وَانتقَالِه من حَالِ إِلَى حَالِ، وهي طريقةُ الخليلِ ﵊ فِي استدلاَلِهِ علَى حدوثِ الكوَاكبِ بتغيُّرِ حَالِهَا وأَفولِهَا وإِشرَاقِهَا وَقَدْ سمَّاهَا اللَّهُ تعَالَى حُجَّةً، وأَثنَى عَلَيْهَا فقَالَ: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبرَاهيمَ علَى قَوْمِهِ﴾ وطَرَدْنَا ذَلِكَ فِي جَمِيعِ العَالَمِ لتسَاويهَا فِي عِلَّةِ الحدوثِ وهي الجُسْمَانِيَّةٌ.
وفِي صحيحِ البخَاريِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: جَاءَ نَفَرٌ مِنَ اليمنِ، فقَالُوا: يَا رسولَ اللَّهِ جِئْنَاكَ نَتَفَقَّهُ فِي الدّينِ، وَنَسْأَلُكَ عَنْ أَوَّلِ هذَا الأَمرِ؟ فقَالَ: ((كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وكَانَ عَرْشُهُ علَى المَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وخَلَقَ اللَّهُ السّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)) وفِي لفظِ: ((ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ)) فإِذَا تقرَّرَ حدوثُ العَالَمِ فَلاَ بدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ؛ لأَنَّ الحَادِثَ جَائزُ الوُجُودِ وَالمعدومَ لاَ يختصُّ بِالوُجُودِ دُونَ العَدَمِ إِلا بِمُخَصَّصٍ وهو الفَاعلُ له، وهو اللَّهُ الوَاحِدُ كَمَا جَاءَ بِهِ السَّمَعُ، ودلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ، فإِنَّ أَحدَنَا لَيْسَ بقَادرٍ علَى خَلْقِ جَارحةٍ لنفسِه أَو ردِّ سَمْعٍ أَو بَصَرٍ فِي كمَالِ ُقدرتِهِ وتمَامِ عقلِه، فلأَنْ يَكُونَ فِي حَالِ كَوْنِهِ نُطْفَةً أَو عَدَمًا أَولَى، فَوَجَبَ أَنَّ الخَالِقَ هو اللَّهُ تعَالَى.
стр. 713
ودلَّ علَى انفرَادِهِ بِذَلِكَ دلاَلةُ التّمَانُعِ المشَارِ إِليهَا فِي قَوْلِهِ تعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ لأَنَّهُ لو كَانَ للعَالَمِ صَانعَانِ فإِمَّا أَنْ تَنْفَذَ إِرَادتُهمَا فتتنَاقضُ/ (٢٢٥/ب/م) لاستحَالةِ تَجَزُّؤِ الفعلِ إِنْ فُرِضَ الاتِّفَاقُ، وَاجتمَاعِ الضدِّينِ إِن فُرِضَ الاختلاَفُ، وإِمَا أَن لاَ تَنْفَذُ إِرَادتُهمَا فَيؤدِّي ذَلِكَ إِلَى عجزِهمَا أَو لاَ تَنْفَذُ إِرَادةُ أَحَدِهمَا فتؤدِّي إِلَى عجزِه، وَالإِلهُ لاَ يَكُونُ عَاجزًا، وتسميةُ اللَّهِ بِالصَانعِ اشْتُهِرَ علَى أَلسنةِ المُتَكَلِّمِينَ ولم يَرِدْ فِي الأَسمَاءِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: ولكنَّهُ قُرِئَ شَاذًّا: (صَنْعَةَ اللَّهِ) فمن اكتفَى فِي الإِطلاَقِ بِوُرُودِ/ (١٨١/أَ/د) الفِعْلِ اكْتَفَى بذلك.
قُلْتُ: ولو اسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ لكَانَ أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثم عرَّفَ المُصَنِّفُ الوَاحِدَ بأَنَّهُ الشّيءُ الذي لاَ ينقسِمُ، ولاَ يُشْبِهُ بوجهٍ، وَقَدْ نقَلَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ هذَا عَن اصطلاَحِ الأُصُولِيِّينَ فهو تعَالَى أُحَدِيُّ الذَّاتِ؛ لأَنَّهُ لو قَبَلَ الانقسَامَ لقَبَلَ الزّيَادةَ وَالنقصَ وهو مُنَزَّهٍ عَن ذلك.
وَقولنَا: لاَ ينقسم، أَي لاَ بأَجزَاء المقدَار، ولاَ بأَجزَاء الحد، ولاَ بأَجزَاء الإِضَافة، وهو أَنْ يَكُونَ وُجُودُه مضَافًا إِلَى ذَاتِهِ، وَالمضَافُ وَالمضَافُ إِلَيْهِ شَيْئَانِ.
وقولُنَا: لاَ يُشْبِهُ بِوَجْهٍ، أَُي: لاَ يُشْبِهُ شيئًا ولاَ يُشْبِهُهُ شيءٌ، فِي كلِّ شَيْءٍ، حتَّى فِي الوُجُودِ، لأَنَّ مَا بِالذَّاتِ غَيْرُ مَا بِالعَرَضِ فَاعْلَمْ أَنَّ الوحدةَ تُطْلَقُ فِي حقِّ البَارِي تعَالَى من ثلاَثةِ أَوجهٍ:
أَحَدُهَا: بمعنَى نَفْيِ الكثرةِ.
الثَّانِي: بمعنَى نَفْيِ النَّظِيرِ عَنْهُ فِي ذَاتِهِ وصفَاتِه.
الثَّالِثُ: بمعنَى أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالخلقِ وَالإِيجَادِ وَالتدبيرِ.
ومنهم مَنْ زَادَ معنَى رَابعِهَا وهو: أَنَّهُ لاَ يُشْبِهُهُ شيءٌ، وَالحقُّ دخولُهُ فِي
стр. 714
الثَّانِي.
ص: وَاللَّهُ تعَالَى قديمٌ، لاَ ابتدَاءَ لوُجُودِهِ وحقيقتُهُ مخَالفةٌ لسَائرِ الحقَائقِ، قَالَ المُحَقِّقُونَ: ليسَتْ معلومةً الآنَ، وَاختلفُوا هَلْ يُمْكِنُ عِلْمُهَا فِي الآخرِ.
ش: فَسَّرَ المُصَنِّفُ القديمَ بأَنَّهُ الذي لاَ ابتدَاءَ لوُجُودِه، وبذلك فسَّرَهُ +الحَلِيمِيُّ، وإِنَّمَا فسَّرَهُ بِذَلِكَ لأَنَّهُ قَد يُرَادُ بِهِ طولُ مُدَّةِ الوُجُودِ وإِنْ كَانَ مَسْبُوقًا بِالقِدَمِ، كمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكَ لفِي ضلاَلِكَ القديمِ﴾ وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي إِطلاَقِ القديمِ علَى اللَّهِ لِعَدَمِ وُرُودِهِ لكنَ عدَّهُ الحُلَيْمِيُّ فِي الأَسمَاءِ، وقَالَ: لَمْ يَرِدْ فِي الكتَابِ نصًّا ولكنَّه ورد فِي السُّنَّةِ.
قُلْتُ: وأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا روَاه ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ مِنْ حديثِ أَبِي هريرةَ، وفِيه عَدَّ القديمَ فِي الأَسمَاءِ التسعةِ وَالتسعينَ.
ثم بَيَّنَ أَنَّ حقيقتَه تعَالَى مخَالِفَةٌ لسَائرِ الحقَائقِ أَي مخَالفةً مُطْلَقَةً لاَ يُشََارِكُهَا شَيْءٌ فِي الذَّاتِ ولاَ فِي الصّفَاتِ ولاَ فِي الأَفعَال، ِ وفِي التّنزيلِ حكَاية عَنِ الكفََّارِ، وهُمْ فِي النَّارِ ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي/ (٢٢٦/أَ/م) ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ العَالَمِينَ﴾.
وفِي كلاَمِ المُصَنِّفِ استعمَالُ الحَقِيقَةِ فِي اللَّهِ تعَالَى، وَقَدْ مَنَعَ مِنْهُ بعضُهم، وذَكَرَ أَبُو عليٍّ التّميميُّ تلميذَ الغَزَالِيِّ فِي (التَّذْكِرَةِ) خِلاَفًا فِي استعمَالِ المَاهيَّةِ فِي
стр. 715
الرَّبِّ ، قَالَ: ونَعْنِي بِالمَاهيَّةِ مَا يُسْأََلُ عَنْهَا بـ (مَا) كمَا قَالَ فِرْعَوْنُ: ﴿ومَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فَمَنَعَهَا الفلاَسفةُ وأَثبتَهَا بعضُهُمْ.
قُلْتُ: وسمعتُ وَالدِي ﵀ يُنْقَلُ عَنْ شيخِهِ الإِمَامِ السُّبْكِيِّ وَالدِ المُصَنِّفِ أَنَّهُ كَانَ يُتَوَقَّفُ فِي استعمَالِ الذَّاتِ فِي حقِّ اللَّهِ تعَالَى.
ثم اختلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَصِحُّ العِلْمُ بِحَقِيقَتِهِ تعَالَى لِلْبَشَرِ الآنَ، أَي: فِي الدُّنْيَا؟
فَذَهَبَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ وإِمَامُ الحَرَمَيْنِ وَالغَزَالِيُّ وإِلكيَاالهرَاسيُّ إِلَى امتنَاعِهِ، وَحَكَاهُ الإِمَامُ فَخْرُ الدّينِ عن/ (١٨٣/ب/د) جمهورِ المُحَقِّقِينَ قَالَ: وكلاَمُ الصّوفِيَّةِ يُشْعِرُ بِهِ، ولهذَا قَالَ الجُنَيْدُ: وَاللَّهِ مَا عَرِفَ اللَّهَ إِلا اللَّهُ، وذكَرَ الطَّرْطُوشِيُّ عَنِ الحَارثِ المُحَاسِبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلْخَلْقِ.
وحَكُوا عَنِ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: مَنِ انتهضَ لطلبِ مُدَبِّرِهِ فَانْتَهَى إِلَى مَوْجُودٍ ينتهِي إِلَيْهِ فِكْرُهُ فهو مُشَبِّهٌ، وإِنِ اطْمَأَنَّ إِلَى العدمِ الصّرفِ فهو مُعَطِّلٌ، وإِنِ اطْمَأَنَّ إِلَى مَوْجُودٍ وَاعْتَرَفَ بِالعجزِ عَن إِدرَاكِهِ فهو مُوَحِّدٌ، وهو معنَى قَوْلِ الصّديقِ ﵁: العَجْزُ عَنِ دَرْكِ الإِدرَاكِ إِدرَاكٌ.
وَقَدْ قِيلَ:
حَقِيقةُ المَرْءِ لَيْسَ المَرْءُ يُدْرِكُهَا
فَكَيْفَ كَيْفِيَّةَ الجبَّارِ فِي القِدَمِ؟!
وَاحتجَّ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ علَى ذَلِكَ بأَنَّهُ يمتنِعُ أَنْ يَكُونَ الكلُّ معلومًا للجزءِ؛ لأَنَّ
стр. 716
الجُزْئِيَّ مُتَنَاهٍ، وَالكُلِّيَّ غَيْرُ مُتَنَاهٍ.
وذهَبَ كثيرٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّهَا مَعْلُومَةٌ، وَاحتجُّوا بأَنَّ تَكْلِيفَنَا بمعرفةِ وَحْدَانِيَّتِهِ وَالحُكْمَ عَلَى ذَاتِه متوقِّفَان علَى معرفةِ حقيقتِهِ، وهو ضعيفٌ مردودٌ، ثُمَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى تجويزِ ذَلِكَ فِي الدُّنيَا فهو فِي الآخرةِ أَشدُّ تجويزًا له.
ومَنْ مَنَعَهُ فِي الدنيَا، فَاختلفُوا هَلْ يُمْكِنُ إِدرَاكُهُ فِي الآخرةِ، فطَرَدَ المَنْعَ الفلاَسفةُ وبعضُ أَصحَابِنَا كإِمَامِ الحَرَمَيْنِ وَالغَزَالِيِّ، وكذَا نقلَه الشّريفُ فِي شرحِ (الإِرشَادِ) عَنِ القَاضِي أَبِي بكرٍ، ونُقِلَ عَنِ الإِمَامِ وَالآمِدِيِّ التوقُّفُ فِي ذلك.
وفِي الصّحيحينِ/ (٢٢٦/ب/م) فِي حديثِ الرؤيةِ: ((فَيَأَْتِيهُمُ اللَّهُ تعَالَى فِي صُورَةِ لاَ يَعْرِفُونَهَا فِيقولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فِيقولونَ: نَعُوذُ بَاللَّهِ مِنْكَ وهذَا مَكَانُنَا حتَّى يِأْتِينَا رَبُّنَا، فإِذَا جَاءَ ربُّنَا عَرَفْنَاه، فَيَأْتِيهُمُ اللَّهُ تعَالَى فِي صورتِهِ التي يَعْرِفُونَ، فيقولُ: أَنَا ربُّكُمْ: فِيقولونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَيَتَّبِعُونَهُ)).
قَالَ العلمَاءُ: المُرَادُ بِالصورةِ هُنَا الصفةُ، وَالمعنَى أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ علَى مَا يَعْرِفُونَ مِنْ صفَاتِهِ العَلِيَّةِ، وفِي حديثٍ آخرَ: ((وَكَيْفَ تَعْرِفُونَهُ؟ فقَالُوا: إِنَّهُ لاَ شَبِيهَ لَهُ)).
ص: لَيْسَ بِجِسْمٍ ولاَ جَوْهَرٍ ولاَ عَرَضٍ، وَلَمْ يَزَلِ وَحْدَهُ ولاَ مَكَانَ ولاَ زمَانَ ولاَ قُطْرَ ولاَ أَوَانَ، ثُمَّ أَحْدَثَ هذَا العَالَمَ من غَيْرِ احتيَاجٍ، ولو شَاءَ مَا اخْتَرَعَهُ لَمْ يَحْدُثْ بَابتدَاعِهِ فِي ذَاتِه حَادثٌ.
ش: أَمَّا كَوْنُه لَيْسَ بِجْسمٍ؛ فلأَنَّ الأَجسَامَ تَقْبَلُ الزّيَادةَ وَالنَّقْصَ، قَالَ اللَّهُ تعَالَى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ وهو مُحَالٌ فِي حقِّهِ تعَالَى، فكذلكَ
стр. 717
لاَزمِهُ، ولاَ غيرُه، بخلاَفِ الكرَّامِيّةِ فِي ذَلِكَ، ويلزَمُ المُجَسِّمَةَ قِدَمُ العَالَمِ لأَنَّ الجِهَةَ وَالتحيُّزَ وَالمكَانَ مِنْ جُمْلَةِ العَالَمِ.
وأَمَّا كَوْنُهُ لَيْسَ بِجْوَهْرٍ فلأَنَّ الجَوْهَرَ لُغَةً: الأَصْلُ، وَالبَاري تعَالَى لَيْسَ بأَصلٍ لِغَيْرِهِ، ولاَ يَتَرَكَّبُ مِنْ شَيْءٍ، ولأَنَّ الجَوْهَرَ مَا يَقْبُلُ العَرَضُ، وَاللَّهُ تعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، ولاَ غَيْرَهُ بخلاَفِ الكَرَّامِيَّةِ فِي ذَلِكَ أَيضًا/ (١٨٣/أَ/د) وَلَعَلَّهُمْ إِنَّمَا جَوَّزُوا إِطلاَقَ الاسمِ دُونَ المعنَى، وهو مردودٌ، لأَنَّ الأَسمَاءَ توقيفِيَّةٌ، ومَنْ لَمْ يَجْعَلْهَا توقيفِيَّةً فشرَطَ إِطلاَقَهَا عندَه أَنْ لاَ تُوْهِمْ نقصًا.
وأَمَّا كَوْنُه لَيْسَ بِعَرَضٍ فلأَنَّ العَرَضَ لُغَةً: القليلُ البقَاءُ.
وَاصطلاَحًا، المستحيلُ البقَاءُ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ للبَاري تعَالَى بقَاءٌ لَمْ يَزَلْ، ولاَ يزَالُ، ولأَنَّ العَرَضَ مُفْتَقِرٌ إِلَى مَحَلٍّ يقُومُ بِهِ، تعَالَى اللَّهُ عَن ذلك.
وأَمَّا كَوْنُه لَمْ يَزَلْ وحدَه ولاَ زمَانَ ولاَ مكَانَ فقد دلَّ علَى ذَلِكَ قَوْلُه فِي حديثِ عَمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: ((كَانَ اللَّهُ ولاَ شَيْءَ مَعَهُ)).
قَالَ الآمِدِيُّ: ولم يُنْقَلُ فِيهِ خلاَفٌ، وإِنْ كَانَ مَذْهَبُ المُجَسِّمَةِ يَجُرُّ إِلَيْهِ كَمَا يجُرُّ إِلَى التّحيُّزِ وَالمكَانِ.
وأَمَّا إِحدَاثُه هذَا العَالَمَ فهو بِاخْتِيَارٍ مِنْهُ، خِلاَفًا للفلاَسفةِ فِي قَوْلِهِم: إِنَّهُ فَاعِلٌ بِالذَاتِ، قَالَ تعَالَى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾.
وقَالَ قَوْمٌ مِنَ الأَوَائلِ: إِنَّ البَاري تعَالَى عِلَّةٌ لسَائرِ الموجودَاتِ؛ أَي: أَنَّ وُجُودَهَ اقْتَضَى وُجُودِهَا شيئًا فشيئًاَ.
وأَمَّا كَوْنُه غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ فلأَنَّ الحَاجَةَ إِلَيْهِ نَقْصٌ، وهو مُنَزَّه عَنْهُ.
وأَمَّا كَوْنُهُ لَمْ يُحْدِثْ بَابتدَاعِه فِي ذَاتِه حَادثٍ/ (٢٢٧/أَ/م) فَلِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنَ النّقصِ.
ص: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
стр. 718
الْبَصِيرُ﴾ القَدَرُ خَيْرُهُ وَشَرُّهُ مِنْهُ.
ش: قَد نَطَقَ القرآنُ العزيزُ بأَنَّهُ فعَّالٌ لِمَا يريدُ، فقَالَ أَهْلُّ السُّنَّةِ: هو علَى عمومِه فِي الخيرِ وَالشَّرِّ.
وقَالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إِنَّمَا يريدُ الخيرُ، فهو فَعَّالٌ له دُونَ الشَّرِّ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى مَذْهَبِهِم القَاضِي عبدِ الجبَّارِ بِقَوْلِهِ مخَاطِبًا ـ للأَستَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ ـ: سبحَانَ مَنْ تَنَزَّهَ عَنِ الفحشَاءِ فأَجَابَه الأَستَاذُ، سبحَانَ مَنْ لاَ يَجْرِي فِي مُلْكِهِ إِلا مَا يشَاءُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ تَتِمَّتُه فِي التّنزيلِ ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فأَوَّلُ هذه الآيةِ تَنْزِيهٌ، وآخرُهَا إِثبَاتٌ، وصدرُهَا ردٌّ علَى المُجَسِّمَةِ، وعَجُزُهَا ردٌّ علَى المُعَطِّلَةِ، وَالنكتُةُ فِي نَفْيِ التّشبيهِ أَوَّلاً أَنَّهُ لو بدأَ بِذِكْرِ السّميعِ وَالبصيرِ لأَوْهَمَ التّشبيهَ، فَاسْتُفِيدَ مِنَ الابتدَاءِ بنفِيِ التّشبيهِ أَنَّهُ لاَ يُشَابِهُهُ فِي السَّمْعِ وَالبَصَرِ غيرُه.
وسَبَقَ الكلاَمُ فِي أَنوَاعِ المَجَازِ علَى أَنَّ الكَافَ هَلْ هي زَائدةٌ أَمْ لاَ.
وأَمَّا كَوْنُ القَدَرِ خيرِه وشرِّه مِنْهُ فَالكتَابُ وَالسُّنَّةُ طَافِحَانِ بِالدلاَلةِ علَى ذَلِكَ، قَالَ تعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَهُ بِقَدَرٍ﴾ ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ﴿ومَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أَي: بقضَائِه وقَدَرِهِ ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِِي الأَرْضِ ولاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كتَابٍ مِنْ قَبْلَ أَنْ نَبْرَأََهَا﴾.
стр. 719
قَالَ الخطَابيُّ: يُتَوَهَّمُ كثيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ معنَى القَدَرِ مِنَ اللَّهِ الإِجبَارُ وَالقهرُ للعبدِ علَى مَا قضَاه وقَدَّرَهُ، وَلَيْسَ كذلك، وإِنَّمَا مَعْنَاه الإِخبَارُ عَن تقدُّمِ عِلْمِ اللَّهِ بمَا يَكُونُ مِنْ أَفعَالِ العِبَادِ وَاكْتِسَابِهَا وَصُدُورِهَا عن تقديرٍ مِنْهُ، وخَلْقٍ لهَا، خيرِهَا وشرِّهَا، فَالقَدَرُ اسمٌ/ (١٨٣/ب/د) لِمَا صَدَرَ مُقَدَّرًا عَنْ فِعلِ القَادرِ كَالهدمِ وَالقَبْضِ، اسمٌ لمَا صَدَرَ عَنْ فِعْلِ الهَادِمِ وَالقَابضِ.
ويقَالَ: قَدَّرْتُ الشّيءَ بتخفِيفِ الدَّالِّ وتشديدِهَا المَعْنَى وَاحدٌ، وخَالَفَ فِي ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ فقَالُوا: إِنَّ الأُمُورَ مُسْتَأْنَفَةٌ بمشيئةِ العبدِ، وهو مستقِلٌّ بِهَا من غَيْرِ سَبْقِ قضَاءٍ وقَدَرٍ، ولذلك قِيلَ لَهُمْ القَدَرِيَّةُ؛ لأَنَّهُمْ نَفَوْا القَدْرَ، وفِي الحديثِ: ((القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هذه الأُمَّةِ)) وذلك لِجَعْلِهم أَنفسَهُمْ مُسْتَبِدِّينَ بأَفعَالِهِمْ خَالِقِينَ لهَا فكأَنَّهُمْ يُثْبِتُون خَالِقَيْنِ: خَالقٍ للخيرِ،/ (٢٢٧/ب/م) وخَالقٍ للشرِّ، كَمَا أَثبَتَ المجوسُ خَالقينِ.
وقَالَ الأَستَاذ أَبُو إِسْحَاقَ بظَاهرِ هذَا الحديثِ فقَالَ: لاَ تُنْكَحُ نسَاؤُهم، ولاَ تُؤْكَلُ ذبَائِحُهُمْ، وفِي قتلِ الوَاحِدِ مِنْهُم دِيَةُ مَجُوسِيٍّ.
وقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: القَدَرِيَّةُ إِذَا سَلَّمُوا العِلْمَ خَصَمُوَا، ومعنَاه أَنَّهُمْ إِنْ أَنكَرُوا عِلْمَ اللَّهِ فِي الأَزلِ بمَا يَكُونُ كَفَرُوا، وإِنِ اعْتَرَفُوا بِهِ فيُقَالُ لهم: هَلْ يَجُوزُ وُقُوعُ الأُمُورِ علَى خِلاَفِ العِلْمِ القديمِ؟ فإِنْ جَوَّزُوه لَزِمَ مِنْهُ نِسْبَةَ الجَهْلِ إِلَى اللَّهِ، تعَالَى عَن ذَلِكَ، وإِن لَمْ يُجَوِّزُهُ فَلاَ مَعْنَى للقَدَرِ إِلا ذلك.
قَالَ ابْنُ الحَاجِبِ: وهذَا مِنْ أَحْسَنِ الإِرشَادِ إِلَى الدَّلِيلِ عليهم.
قَالَ: ولَمْ يَرِدْ بِقَوْلِهِ: إِذَا سَلَّمُوا أَنَّهُمْ قَد يَمْنَعُونَهُ، لأَنَّ مُعْتَقِدَ ذَلِكَ مَقْطُوعٌ
стр. 720
بِكُفْرِهِ.
ص: عِلْمُهُ شَامِلٌ لكلِّ مَعْلُومٍ جزئيَّاتٍ وكليَّاتٍ.
ش: قَالَ اللَّهُ تعَالَى: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وقَالَ: ﴿ومَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ولاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ ولاَ رَطِبٍ ولاَ يَابِسٍ إِلا فِي كتَابٍ مُبِينٍ﴾ وقَالَ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مثقَالُ ذَرَّةٍ فِي السّمَاوَاتِ ولاَ فِي الأَرْضِ ولاَ أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ ولاَ أََكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾
وأَطْبَقَ المسلمونَ علَى أَنَّهُ تعَالَى يَعْلَمُ دَبِيبَ النّملةِ السّودَاءِ علَى الصّخرةِ الصّمَّاءِ فِي اللّيلةِ الظّلمَاءِ، وأَنَّ علمَهُ محيطٌ بجميعِ الأَشيَاءِ جملة وتفصيلاً، وكيف لاَ وهو خَالقُهَا؟ وَقَدْ قَالَ تعَالَى: ﴿أَلَاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
وضلَّتِ الفلاَسفةُ بِقَوْلِهِم: إِنَّهُ يَعْلَمُ الجزئيَاتِ علَى الوجهِ الكليِّ لاَ الجزئيِّ؛ لأَنَّهُ لو عَلِمَهَا علَى الوجهِ الجزئيِّ لتغيُّرِ العِلْمِ، فإِنَّ الجزئيَاتِ تتغيَّرُ بتغيُّرِ الأَزمنةِ وَالأَحوَالِ، وَالعِلْمُ تَابعٌ للمعلومَاتِ، فَيَلْزَمُ تغيُّرِ عِلْمِهِ، وَالعِلْمُ قَائمٌ بِذَاتِهِ فَيَكُون ُمحلًّا للحوَادثِ وهو مُحَالٌ.
وَارْتَاعَتِ الكرَّامِيَّةُ لهذِه الشُّبْهَةِ فَالتزَمُوا أَنَّ البَاري مَحَلٌّ للحوَادثِ، وظنُّوا أَنَّهُ لاَ يتِمُّ إِثبَاتُ العِلْمِ مُطْلَقًا إِلا بذلك، ففَرُّوا من ضلاَلةٍ إِلَى ضلاَلةٍ، وَالمتكلِّمُون مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فريقَانِ، ففريقٌ قَالَ: لاَ يحصُلُ بِذَلِكَ تغيُّرٌ فِي عِلْمِهِ تعَالَى، فإِنَّ العِلْمَ بأَنَّهُ سَيُوجَدُ/ (١٨٤/أَ/د) هو العِلْمُ بموُجُودِهِ فِي زمنِ الوُجُودِ، فإِنَّه إِذَا عَلِمَ أَنَّ فلاَنًا فِي الجزءِ الفلاَنيِّ مِنَ النّهَارِ قَاعدٌ وفِي الجزءِ الفلاَنيِّ مُضْطَجِعٌ، وفِي الجزءِ الفلاَنيِّ قَائمٌ،/ (٢٢٨/أَ/م) وفِي الجزءِ الفلاَنيِّ مَاشٍ، فكَانَتْ حَالتُهُ فِي كلِّ جزءٍ مِنَ النّهَارِ مَا عَلِمَ تعَالَى كَوْنَه عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الحَالةِ، فَلاَ تغيُّرٌ فِي العلِمْ، فإِنَّ العِلْمَ بتفَاصيلِ ذَلِكَ قديمٌ، وإِنَّمَا يحتَاجُ الخَلْقُ إِلَى عِلْمٍ آخَرَ لطروءِ الغفلةِ منهم، وفريقٌ التَزَمَ التّغيُّرَ، وقَالَ:
стр. 721
إِنَّمَا يمتَنِعُ فِي الصّفَاتِ الحقيقيَّةِ دُونَ الإِضَافةِ، وَالتغيُّرُ فِي الإِضَافَاتِ لاَ يُوجِبُ تغيُّرًا فِي الذَّاتِ، ومثَّلَ بعضُهم هذَا بأَسطوَانةٍ مُثَبَّتَةٍ فِي مكَانٍ قَامَ إِنسَانٌ عَن يمينِهَا فَقُلْنَا: الأَسطونةُ عَن يسَارِه، ثُمَّ تحوَّلَ إِلَى جَانبٍ آخَرَ فَقُلْنَا: صَارَتْ عَن يمينِه، ثُمَّ تحولَّ إِلَى غيرِهَا فنقولُ: صَارَتْ أَمَامَه أَو ورَاءَه، فَالأَسطوَانةُ لَمْ تتغيَّرْ وإِنَّمَا المُتَغَيِّرُ المُنْتَقِلُ، وَصَدَقَتْ هذه العبَارةُ عَلَيْهَا للإِضَافةِ، فكذَا إِذَا قُلْنَا: اللَّهُ تعَالَى عَالِمٌ الآنَ بمَا نَحْنُ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ عَالمًا بمَا كنَّا أَمسِ عَلَيْهِ، وسيكونُ عَالمًا بمَا نكونُ عَلَيْهِ غدًا، فَالتغيُّر جَارٍ علَى أَحوَالِنَا، وَالربُّ أَمسِ وَاليومِ وغدًا فِي معنَى كَوْنِه عَالمًا فِي جَمِيعِ الأَحوَالِ علَى حدٍّ وَاحدٍ.
ص: وقُدْرَتُه لكلِ مَقْدُورٍ.
ش: أَي: وَقُدْرَتُهُ شَامِلَةٌ لكلِّ مَقْدُورٍ مِنَ الجوَاهرِ وَالأَعرَاضِ، وَالمُرَادُ بِالمَقْدُورِ المُمْكِنِ، أَمَّا المُسْتَحِيلَاتُ فَلِعَدَمِ قَابليَّتِهَا للوجودِ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لتعلُّقِ الإِرَادةِ، لاَ لنقصٍ فِي القدرةٍ، ولم يخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلا ابْنُ حَزْمٍ فقَال فِي (المِلَلِ وَالنَّحَلْ) إِنَّ اللَّهَ قَادرٌ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا؛ إِذ لو لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ لكَانَ عَاجزًا.
وردَّ ذَلِكَ بأَنَّ اتخَاذَهُ الولدَ مُحَالٌ، وَالمُحَالُ لاَ يدخُلُ تحتَ القُدْرَةِ، وعَدَمُ القُدْرَةِ علَى الشّيءِ، قَد تكونُ لِقُصُورِهَا عَنْهُ، وَقَدْ تكونُ لِعَدَمِ قبولِه لتأَثيرِهَا فِيهِ لِعَدَمِ إِمكَانِه بوُجُوبٍ أَو امتنَاعٍ، وَالعجزُ هو الأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي.
وذَكَرَ الأَستَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الإِسفرَايينيُّ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ مِنْهُ ذَلِكَ إِدريسُ ﵊، حَيْثُ جَاءَه إِبليسُ فِي صُورَةِ إِنسَانٍ وهو يَخِيطُ ويقولُ فِي كلِّ دَخْلَةٍ وَخَرْجَةٍ: سبحَانَ اللَّهِ وَالحمدُ لِلَّه، فجَاءَهُ بِقَشْرَةٍ، فقَالَ: اللَّهُ تعَالَى يقدرَّ أَنْ يجعلَ الدّنيَا فِي هذه القِشْرَةِ؟ فقَالَ: اللَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَجْعَلَ هذه الدّنيَا فِي سَمِّ هذه الإِبرةِ، ونَخَسَ/ (٢٢٨/ب/م) بِالإِبرةِ إِحدَى عينيه فصَارَ أَعورَ.
стр. 722
قَالَ: وهذَا وإِنْ لَمْ يَرْوِ عَنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدِ انتشرَ، وظهَرَ ظهورًا لاَ يُرَدُّ.
قَالَ: وَقَدْ أَخَذَ الأَشعريُّ من جوَابِ/ (١٨٤/ب/د) إِدريسَ أَجوبةً فِي مَسَائِلَ كثيرةٍ مِنْ هذَا الجنسِ، فأَوْضَحَ هذَا الجوَابَ فقَالَ: إِنْ أَرَادَ السَّائلَ: أَنَّ الدّنيَا علَى مَا هي عَلَيْهِ وَالقشرةُ علَى مَا هي عَلَيْهِ، فلم يَقُلْ مَا يُعْقَلُ، فإِنَّ الأَجسَامَ الكثيرةَ تَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ فِي مكَانٍ وَاحدٍ، وإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يُصَغِّرُ الدّنيَا قَدْرَ القشرَةِ ويجعلُهَا فِيهَا أَو يُكَبِّرُ القِشْرَةَ قَدْرَ الدّنيَا فَيَجْعَلَهَا فِي القشرةِ، فَلَعَمْرِي اللَّهُ قَادرٌ علَى ذَلِكَ، وعلَى أَكثرَ منه.
قَالَ الشَّارِحُ: وإِنَّمَا لَمْ يَفْصِلْ إِدريسُ الجوَابَ هكذَا لأَنَّهُ معَانِدٌ، ولهذَا عَاقبَه علَى هذَا السّؤَالِ بِنَخْسِ العَيْنِ وهو عقوبةُ كلِّ سَائلٍ مِثْلِهِ، وتنَاوَلَ إِطلاَقُ المُصَنِّفِ القدرةَ علَى القُبْحِ وَالمخَالِفُ فِيهِ النَّظَّامُ قَالَ: القبحُ محَالُ علَى اللَّهِ، وَالمحَالُ غَيْرُ مقدورٍ عليه.
قَالَ الإِمَامُ: وقَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: هو تعَالَى قَادِرٌ علَى كلِّ مُمْكِنٍ ولاَ قبيحَ إِلا مَا قبَّحَهُ اللَّهُ تعَالَى.
ص: مَا عُلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ أَرَادَهُ ومَا لاَ فلاَ.
ش: الإِرَادةُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ تَابعةٌ لِلْعِلْمِ، وعندَ المُعْتَزِلَةِ تَابعةٌ للأَمرِ؛ فأَهلُ السُّنَّةِ يقولونَ: اللَّهُ تعَالَى مُرِيدًا لِكُلِّ مَا عَلِمَ وُقُوعَهُ مِنْ خَيْرٍ وشَرٍّ وطَاعةٍ ومعصيةٍ، وَالمُعْتَزِلَةُ يقولونَ: يريدُ مَا أَمَرَ بِهِ مِنَ الخيرِ وَالطَاعةِ، سَوَاءٌ وَقَعَ ذَلِكَ أَمْ لاَ، ولاَ يريدُ مَا نَهَى عَنْهُ مِنَ الشّرِّ وَالمعصيةِ، سَوَاءٌ وَقَعَ ذَلِكَ أَمْ لاَ، فَعِنْدَنَا إِيمَانُ أَبِي جَهْلٍ مأُمُورٌ بِهِ وَغَيْرُ مُرَادٍ، وكُفْرُهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ومُرَادٌ، وعندَهم الأَمرُ بَالعَكْسِ.
قَالَ أَصحَابُنَا: ولو أَرَادَ مَا لاَ يَقَعُ لَكَانَ نَقْصًا فِي إِرَادتِه لِكَلاَلِهَا عَنِ النّفوذِ فِيمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ.
стр. 723
ص: بقَاؤُه غَيْرُ مُسْتَفْتَحٍ ولاَ مُتَنَاهٍ.
ش: قَالَ جُمْهُورُ أَئمتِنَا: القِدَمُ وَالبقَاءُ رَاجعَانِ فِي حَقِّ اللَّهِ تعَالَى إِلَى استمرَارِ الوُجُودِ فِي المَاضِي إِلَى غَيْرِ غَايةٍ وفِي المستقبلِ إِلَى غَيْرِ نهَايةٍ.
وقَالَ الغَزَالِيُّ: هُمَا مِنْ صِفَاتِ النّفْيِ، فَإِنَّ مَرْجِعَهُمَا إِلَى نَفْيِ عَدَمٍ سَابقٍ، وعَدَمٍ لاَحِقٍ.
ص: لَمْ يَزَلْ بِأَسمَائِه وصفَاتِ ذَاتِه مَا دَلَّ عَلَيْهَا فِعْلُه مِنْ قُدْرَةٍ وعِلْمٍ وحيَاةٍ وإِرَادةٍ أَو التّنْزِيهِ عَنِ النّقْصِ مِنْ سَمْعٍ وبَصَرٍ وكَلاَمٍ وبَقَاءٍ.
ش: مَذْهَبُ أَهْلِ الحَقِّ إِثبَاتُ صفَاتِ اللَّهِ تعَالَى الثّمَانيةِ المجموعةِ فِي قَوْلِ بعضِهم/ (٢٢٩/أَ/م).
حيَاةٍ وعِلْمُ قُدْرَةٍ وإِرَادةٍ ... كَلاَمٌ وإِبصَارٌ وسَمْعٌ مَعَ البَقَا
إِلاَّ أَن بَعْضَ أَئمتِنَا يُنْكِرُ الثَّامنةَ وهي البقَاءُ، وَمِنْهُم القَاضِي أَبُو بَكْرٍ وإِمَامُ الحَرَمَيْنِ وَالإِمَامُ فَخْرُ الدّينِ وَالبَيْضَاوِيُّ، ويَقُولُ هؤلاَءِ: هو بَاقٍ لِذَاتِه لاَ لِبقَاءٍ كَمَا سَيَأْتِي عَن متأَخِّرِي المُعْتَزِلَةِ فِي بَقِيَّةِ الصّفَاتِ.
قَالُوا: وهذه الصّفَاتُ زَائدةٌ علَى مَفْهُومِ الذَّاتِ/ (١٨٥/أَ/د) ولَيْسَتْ هي الذَّاتُ ولاَ غيرُهَا، وإِنَّمَا لَمْ تكنْ هي الذَّاتُ لِزيَادتِهَا عَلَيْهَا، ولاَ غيرُهَا؛ لأَنَّ الغَيْرَيْنِ، مَا جَازَ مُقَارنةُ أَحَدِهِمَا بِزمَانٍ أَو مكَانٍ أَو وُجُودٍ أَو عَدَمٍ، وهذه الصّفَاتُ العَلِيَّةُ لاَ تَقْبَلُ ذَلكَ.
стр. 724
وقَسَّمَهَا المُصَنِّفُ إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا فِعْلُهُ، وهي: القُدْرَةُ وَالعِلْمُ وَالحيَاةُ وَالإِرَادةُ، وإِلَى مَا يَقْتَضِي التّنْزِيهَ عَنِ النّقْصِ، وهي: السّمْعُ وَالبَصَرُ وَالكلاَمُ وَالبقَاءُ.
وذَكَرَ الشَّيْخُ عِزِّ الدّينِ فِي القَوَاعدِ أَنَّ مِنْهَا مَا لاَ يَتَعَلَّقُ بِغيرِه كَالحيَاةِ.
ومنهَا: مَا يَتَعَلَّقُ بِغيرِه كَشْفًا كَالعِلْمِ وَالسَّمْعِ وَالبصَرِ.
ومنهَا: مَا يَتَعَلَّقُ بِغيرِه تأَثيرًا كَالقدرةِ.
ومنهَا: مَا يَتَعَلَّقُ بِغيرِه مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ ولاَ تَأْثِيرٍ كَالكلاَمِ.
قَالَ: وأَعَمُّهَا تَعَلُّقًا الكلاَمُ وَالعِلْمُ، وأَخَصُّهَا السّمْعُ، ويَتَوَسَّطُهَا البَصَرُ، انْتَهَى.
وورَاءَ ذَلِكَ مَذْهَبَانِ:
أَحَدُهُمَا ـ وَبِهِ قَالَ الفلاَسفةُ وقدمَاءُ المُعْتَزِلَةِ ـ: إِنكَارُ هذه الصّفَاتِ، وقَالُوا: يَلْزَمُ مِنْ إِثبَاتِهَا التّركيبُ فِي الذَّاتِ فَلاَ يقَالَ لَهُ: عَالِمٌ، ولاَ قَادرٌ، وإِنَّمَا يقَالَ: لَيْسَ بعَاجزٍ ولاَ جَاهلٍ، وَالعَجَبُ إِنكَارُ ابْنِ حَزْمٍ لَفْظَ الصّفَاتِ أَصْلاً ورَأْسًا، وطَعَنَ فِي الحديثِ الذي فِي الصّحيحَيْنِ مِنْ أَنَّهَا صِفَةُ الرّحْمَنِ بِطَعْنٍ غَيْرِ مَقبولٍ.
ثَانِيهُمَا ـ وَبِهِ قَالَ متأَخِّرُو المُعْتَزِلَةِ كأَبِي هَاشِمٍ وَغَيْرِه ـ: نَفْيُ حقَائقِ هذه الصّفَاتِ وإِثبَاتُ أَحكَامِهَا؛ فَيُقَالُ: عَالِمٌ لِذَاتِهِ لاَ يَعْلَمُ، وكذَا فِي البَاقي، وتَعَلَّقُوا فِي ذَلِكَ بأَنَّ الصّفَةَ غَيْرُ الموصوفُ فَيَلْزَمُ مِنْ إِثبَاتِهَا تَعَدُّدُ القديمِ، وَقَدْ قَالَ تعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الذّينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ قَالُوا: وأَمَّا ثُبُوتُ العَالِمِيَّةِ وَالقَادِرِيَّةِ ونحوِهمَا لَهُ فهي نِسَبٌ وإِضَافَاتٌ لاَ وُجُودَ لَهَا فِي الخَارجِ، بِخلاَفِ العِلْمِ وَالقُدْرَةِ، وَالقرآنُ العزيزِ يَرُدُّ عَلَيْهِم فَإِنَّ فِيهِ إِثبَاتُ العِلْمِ وَالقُدْرَةِ
стр. 725
لَهُ، قَالَ تعَالَى: ﴿ولاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ وقَالَ: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ وقَالَ: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وقَالَ: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وَالقُوَّةُ: الْقُدْرَةُ، وقَالَ تعَالَى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ وَالفِعْلُ/ (٢٢٩/ب/م) مُشْتَقٌّ مِنَ المَصْدَرِ، وهو الإِرَادةُ، وإِذَا ثَبَتَ هذَا فِي بَعْضِ الصّفَاتِ ثَبَتَ فِي بَاقِيهَا؛ إِذْ لاَ قَائلَ بِالفَرْقِ، ولو صَحَّ عَالِمٌ بِلاَ عِلْمٍ لَصَحَّ عِلْمٌ بلاَ عَالِمٍ.
تَنْبِيهٌ:
عَبَّرَ المُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (لَمْ يَزَلْ) ولَمْ يُعَبِّرْ بِقَوْلِهِ: (قَدِيمَةٍ) لأَنَّ المُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصحَابِنَا يقولون: لاَ يُقَالَ لِهذه الصّفَاتِ قديمةٌ؛ لأَنَّ القديمَ بِقِدَمِ، ولاَ يَجُوزُ أَنْ يَقُومَ بِالصفَاتِ قِدَمٌ، بَلْ هي أَزَلِيَّةٌ، كَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ فِي (الْمُرْشِدِ).
قَالَ: وعَنْدَ أَبِي الْحَسَنِ صِفَاتُ ذَاتِ الرّبِّ قديمةٌ، ومَنَعَ أَنْ يَكُونَ القِدَمُ قديمًا بِقِدَمٍ بَلِ القديمُ قديمٌ لِنفسِه.
وَخَرَجَ بِقولِ المُصَنِّفِ: (صِفَاتُ ذَاتِه) صفَاتُ فِعْلِه، كَالخَالقِ وَالرَّازِقِ؛ فإِنَّهَا عِنْدَ الأَشْعَرِيِّ حَادثةٌ، وهي مِمَّا لاَ تزَالُ، ولاَ يَصِحُّ عندَه وَصْفُهُ بِهَا فِي الأَزَلِ؛ فَإِنُّ الخَالقُ حقيقةً مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الخَلْقَ، فَلَوْ كَانَ قديمًا لَزِمَ قِدَمُ الخَلْقِ، وذَهَبَتِ الحَنَفِيَّةُ إِلَى قِدَمِهَا أَيضًا، وقَالُوا: لاَ يَجُوزُ أَنْ تَحْدُثَ لَهُ صِفَةٌ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، ولم يَسْتَحِقَّ اسْمَ الخَالقِ لِخَلْقِه الخَلْقَ، أَمَّا إِذَا أُرِيدَ بِالخَالقِ القَادرِ علَى الخَلْقِ فَلَيْسَ فِي قِدَمِه خِلاَفٌ.
قَالَ البَيْهَقِيُّ: وأَبَى المُحَقِقُونَ مِنْ أَصحَابِنَا أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَزَلْ خَالِقًا ورَازِقًا، ولَكِنْ يقولونَ: لَمْ يَزَلْ قَادِرًا علَى الخَلْقِ وَالرِّزْقِ، وإِذَا سُمِّيَ خَالِقًا بَعْدَ وُجُودِ الخَلْقِ لَمْ يُوجِبِ ذَلِكَ تغيُّرًا فِي ذَاتِه.
стр. 726
ص: ومَا صَحَّ فِي الكتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنَ الصّفَاتِ نَعْتَقِدُ ظَاهرَ المَعْنَى ونُنَزِّهُهُ عِنْدَ سَمَاعِ المُشْكِلِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَئمتُنَا أَنُؤَوِّلُ أَمْ نُفَوِّضُ مُنَزِّهِينَ، مَعَ اتفَاقِهِمْ علَى أَنَّ جَهْلَنَا بِتفصيلِه لاَ يَقْدَحُ.
ش: لاَ تَنْحَصِرُ صِفَاتُ اللَّهِ العَلِيَّةِ فِي الثّمَانيةِ المُتَقَدِّمِ ذِكرُهَا، بَلْ نقولُ بِكُلِّ مَا وَرَدَ فِي الكتَابِ أَو السُّنَّةِ الصّحيحةِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ ظَاهِرُ المَعْنَى لاَ إِشكَالَ فِيهِ اعتقدنَاه كَمَا وَرَدَ.
وإِن كَانَ مُشْكِلَ المَعْنَى يُوهِمُ ظَاهرُه الحُدُوثَ أَو التّغيُّرَ، كَقَوْلِهِ تعَالَى: ﴿وجَاءَ رَبُّكَ﴾ وقولِهِ ﵊: ((يَنْزِلُ رَبُّنَا فِي كُلّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا)) / (٢٣٠/أَ/م) فإِنَا نُنَزِّهُ اللَّهَ تعَالَى عِنْدَ سمَاعِه عَمَّا لاَ يَلِيقُ بِهِ، ولأَئمتِنَا فِيهِ مَذْهَبَانِ مشهورَانِ.
أَحَدُهُمَا: تفويضُ المُرَادِ مِنْهُ إِلَى اللَّهِ تعَالَى، وَالسكُوتُ عَنِ التَّأْوِيلِ مَعَ الجَزْمِ بِأََنَّ
الظّواهرَالمُؤَدِّيَةَ إِلَى الحدوثِ أَو التّشبيهِ غَيْرُ مُرَادَةٍ وهو مذهبُ السّلفِ، وسُئِلَ مَالكٌ-﵀-عَنْ قَوْلِهِ تعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلََى الْعَرْشِ اسْتوَى﴾ فقَالَ: الاستوَاءُ معلومٌ، وَالكَيْفُ مجهولٌ، وَالإِيمَانٌ بِهِ وَاجبٌ، وَالسؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ.
وقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الكلاَمِ علَى حديثِ الرّؤْيَةِ: المذهبُ فِي هذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنَ الأَئمةِ مِثُلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيِّ ومَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَابْنِ
стр. 727
المُبَارَكِ وسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَوَكِيعٍ وَغَيْرِهم: أَنَّهُمْ قَالُوا: تُرْوَى هذه الأَحَاديثُ كَمَا جَاءَتْ، ونُؤْمِنُ بِهَا، ولاَ يُقَالَ: كيفَ؟ ولاَ نُفَسِّرُ ولاَ نَتَوَهَّمُ، وهو الذي اختَاَرَه أَهْلُ الحديثِ.
ثَانِيهُمَا: أَنَّا نُؤَوِّلُهَا علَى مَا يَلِيقُ بِجَلاَلِ اللَّهِ تعَالَى بِشَرْطِ كَوْنِ المُتَأَوِّلِ مُتَّسِعًا فِي لُغَةِ العربِ.
وَقَدْ قِيلَ: مَذْهَبُ السّلَفِ فِي هذَا أَسْلَمُ، ومذهبُ الخَلَفِ أَحْكَمُ لِزَعْمِ قَائِلِه: إِنَّهُ وَقَفَ علَى المُرَادِ وَاهتدَى إِلَيْهِ بِالدليلِ، أَوْ أُعْلِمَ لِتَوَقُّفِهِ علَى زيَادةِ عِلْمٍ وَاتسَاعٍ فِيهِ.
وكَانَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ يَذْهَبُ إِلَى التَّأْوِيلِ أَوَّلاً ثُمَّ رَجِعَ عَنْهُ فَقَالَ فِي الرِّسَالةِ النِّظَامِيَّةِ: وَالذي نَرْتَضِِيهِ رَأَيًا ونَدِينُ اللَّهَ بِهِ عَقْدًا اتبَاعُ سَلَفِ الأُمَّةِ؛ فَإِنَّهُمْ دَرَجُوا عَلَى تَرْكِ التّعَرُّضِ لمعَانِيهَا.
وقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدّينِ بْنُ عبدِ السّلاَمِ: طريقةُ التَّأْوِيلِ بِشرطِه أَقربُهَا إِلَى
стр. 728
الحَقِّ.
وتَوَسَّطَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فقَالَ: إِذَا كَانَ التَّأْوِيلُ قريبًا علَى/ (١٨٧/أَ/د) مَا يقتضِيه لِسَانُ العربِ لَمْ يُنْكَرْ، وإِنْ كَانَ بَعِيدًا تَوَقَّفْنَا عَنْهُ، وآمَنَّا بِمَعْنَاه علَى الوَجْهِ الذي أُرِيدَ بِهِ مَعَ التّنزيهِ.
قَدْ: ومَا كَانَ معنَاه مِنْ هذه الأَلفَاظِ ظَاهرًا مفهومًا مِنْ تَخَاطُبِ العربِ قُلْنَا بِهِ/ (٢٣٠/ب/م) وأَوَّلْنَاهُ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تعَالَى: ﴿يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ فَتَحْمِلُه علَى حَقِّ اللَّهِ، ومَا يَجِبُ لَهُ، أَو علَى قريبٍ مِنْ هذَا المعنَى، ولاَ يَتَوقَّفُ فِيهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُه ﷺ : ((قَلْبُ الْمُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابعِ الرّحْمَنِ)) نَحْمُلُهُ علَى أَنَّ إِرَادةَ القَلْبِ وَاعتقَادَاتِه مُصَرَّفَةٌ بِقُدرةِ اللَّهِ ومَا يُوقِعُه فِي القلوبِ، انْتَهَى.
وَقَوْلُ المُصَنِّفِ: (مَعَ اتِّفَاقِهم علَى أَنَّ جَهْلَنَا بِتفصيلِه لاَ يَقْدَحُ) أَيْ: اكتفَاءً بِالإِيمَانِ الإِجمَالِيِّ، كَالإِيمَانِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الشّرَائعِ وأَرْسَلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، وكذلك نُؤْمِنُ بِالمُتَشَابهَاتِ علَى الإِجمَالِ، وإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنِ المُرَادُ بِهَا علَى التَّفْصِيلِ.
ص: القُرْآنُ كلاَمُه غيرُ مخلوقٍ علَى الحَقِيقَةِ لاَ المجَازِ مكتوبٌ فِي مصَاحفِنَا محفوظٌ فِي صدورِنَا مقروءٌ بِألسنتِنَا.
ش: تَضَمَّنَ كلاَمُه أُمُورًا.
أَحَدُهَا: أَنَّ القرآنَ كلاَمُ اللَّهِ تعَالَى؛ أَيْ: القديمُ القَائمُ بِذَاتِهِ المُقَدَّسَةِ، وهو المُرَادُ بِالكلاَمِ النّفْسِيِّ، ولِهذَا قَالَ أَصحَابُنَا: لَوْ حُلِفَ بِالقرآنِ انْعَقَدَتْ يمينُه حَمْلاً علَى الكلاَمِ القديمِ، ولم يَحْكُمْ أَبُو حَنِيفَةَ بِانعقَادِ يَمِينِه حَمْلاً لَهُ علَى الأَلفَاظِ.
وزَعَمَ الشَّيْخُ عِزُّ الدّينِ بْنُ عبدِ السّلاَمِ فِي (القوَاعِدِ) أَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ استعمَالِ اللّفظِ، وهو مردودٌ؛ فإِنَّه لاَ يُفْهَمُ مِنَ القرآنِ عِنْدَ الإِطلاَقِ إِلاَّ
стр. 729
كلاَمُ اللَّهِ تعَالَى.
وَقَدْ يُطْلَقُ القرآنُ ويُرَادُ بِهِ العِبَارَاتُ الدَّالةُ علَى الصّفةِ القديمةِ، وهي القرَاءةُ، ومنه قَوْلُهُ تعَالَى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ أَيْ: القرَاءةُ وَقْتَ الْفَجْرِ، وقولُه ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرآنَ﴾ أَيْ: القرَاءةُ، وقولُه ﵊: (يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ) أَيْ: بِالقرَاءةِ، وقولُهم: إِنَّ القرآنَ معجزةُ رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ ويَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ القديمُ معجزةً.
الثَّانِي: أَنَّهُ غَيْرُ مخلوقٍ؛ لأَنَّهُ كلاَمُ اللَّهِ تعَالَى، وكلاَمُ اللَّهِ صِفَتُهُ، ويَسْتَحِيلُ اتِّصَافُ القديمِ بِالْمُحْدَثِ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الإِنسَانَ فِي ثمَانيةٍ/ (٢٣١/أَ/م) وعِشْرِينَ مَوْضِعًا، وقَالَ: إِنَّهُ مخلوقٌ، وذَكَرَ القرآنَ فِي أَربعةٍ وخمسينَ موضعًا ولم يَقُلْ: إِنَّهُ مخلوقٌ، ولَمَّا جَمَعَ بَيْنَهُمَا نَبَّهَ علَى ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الإِنسَانَ﴾ وقَالَ ابْنُ عبَاسٍ فِي قَوْلِهِ تعَالَى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ قَالَ غَيْرُ مخلوقٌ.
ورَوَى الْبُوَيْطِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ بِـ (كُنْ) فَلَوْ كَانَتْ (كُنْ) مَخلوقةً فَمخلوقُ خَلْقٍ مخلوقًا.
قَالَ الأَئمةُ: ولو كَانَ كُنْ الأَوَّلُ مخلوقًا فهو مخلوقٌ بِأُخْرَى وأُخْرَى إِلَى مَا لاَ يتنَاهَى وهو مستحيلٌ.
وقَالَ سفِيَانُ بْنُ عُيَيْنَةُ فِي قَوْلِهِ تعَالَى/ (١٨٧/أَ/د): ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ إِنَّ
стр. 730
الأَمرَ القرآنُ، فَفَصَلَ بَيْنَ المخلوقِ وَالأَمرِ، ولو كَانَ الأَمرُ مخلوقًا لَمْ يَكُنْ لِفَصْلِه مَعنًى.
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَرَّقَ بَيْنَ الأَمرِ وَالخَلْقِ، فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ كَفَرَ.
أَيْ: مَنْ جَعَلَ الأَمرَ الذي هو قَوْلُه مِنْ مخلوقَاتِه فَقَدْ كَفَرَ.
وَالدَّلِيلُ علَى أَنَّ القرآنَ هو الأَمرُ قَوْلُهُ تعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ وحُكِيَ هذَا الاسْتِنْبَاطُ أَيضًا عَنْ أَحَمْدَ بْنِ حَنْبَلٍ-﵀ ورَضِي عَنْهُ-ومُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ وأَحْمُدَ بْنِ شَيْبَانَ وَغَيْرِهم.
وهذَا الذي ذَكَرْنَاه مِنْ أَنَّ القرآنَ غَيْرُ مخلوقٍ هو فِي القَائمِ بِالذَّاتِ المُقَدَّسَةِ، أَمَّا العبَارَاتُ الدَّالةُ عَلَيْهِ وهي القِرَاءةُ فهي مخلوقةٌ حَادثةٌ، لَكِنِ امْتَنَعَ العُلَمَاءُ مِنْ إِطلاَقِ الخَلْقِ وَالحُدُوثِ عَلَيْهَا إِذَا سُمِّيَتْ قُرْآنًا لِمَا فِيهِ مِنَ الإِيهَامِ، وبَدَّعُوا القَائلَ: لَفْظِيٌّ بِالقرآنِ مخلوقٌ كَحُسَيْنِ الْكَرَابِيسِيِّ، سَدًّا لِلبَابِ، وهذَا كَمَا أَنَّ الجَبَّارَ يُطْلَقُ علَى النَّخْلَةِ الطّويلةِ إِطلاَقًا لُغَوِيًّا حَقِيقِيًّا، ويُمْتَنَعُ أَنْ يُقَالَ: الجَبَّارُ مخلوقٌ، مَعَ إِرَادةِ النَّخْلَةِ؛ لِمَا فِيهِ الإِيهَامُ، أَمَّا قولُنَا: القرَاءةُ مخلوقةٌ فَلاَ مَنْعَ فِيهِ؛ لِزوَالِ الإِشكَالِ.
стр. 731
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلنَّاسِ فِي كلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى ثلاَثةُ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا ـ وَبِهِ قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ-: أَنَّهُ الكلاَمُ النَّفْسَانِيُّ القَائمُ بِالذَّاتِ الْمُنَزَّهُ عَنْ حَرْفٍ وصَوْتٍ/ (٢٣١/ب/م).
الثَّانِي ـ وَبِهِ قَالَ المُعْتَزِلَة ـ: إِنكَارُ الكلاَمِ النَّفْسِيِّ وجَعْلِهِ مِنْ صِفَاتِ الأَفْعَالِ، ويقولون فِي قَوْلِهِ تعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾: إِنَّ المُرَادَ أَنَّهُ خَلَقَ الكلاَمَ فِي الشَّجَرَةِ.
قَالُوا: وَالمُحْدِثُ لِهذه البِدْعَةِ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ الذي ضَحَّى بِهِ خَالِدٌ الْقَسْرِيِّ، أَيْ: ذَبَحَهُ يَوْمَ الأَضْحَى.
الثَّالِثُ ـ وَبِهِ قَالَ الْحَشَوِيَّةُ ـ: أَنَّهُ تعَالَى مُتَكَلِّمٌ بِحَرْفٍ وصَوْتٍ قَائمٍ بِذَاتِهِ، ثُمَّ مِنْ هَؤُلاَءِ مَنْ أَلْزَمَ حُلُولَ الحوَادثِ بِذَاتِهِ، وَمِنْهُم مَنْ قَالَ: بَلِ الحُرُوفُ وَالأَصوَاتُ قديمةٌ.
وأَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ القَوْلَ بِخَلْقِ القرآنِ أَبُو عَلِيٍّ الجُبَّائِيِّ وتَبِعَهُ المُعْتَزِلَةُ.
الأَمرُ الثَّالِثُ: أَنَّ القرآنَ مكتوبٌ فِي مصَاحفِنَا؛ لِقَوْلِهِ ﵊: ((لاَ تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ)) ولِهذَا قَالَ بَعْضُ أَصحَابِنَا: إِنَّهُ يَنْعَقِدُ اليَمِينُ بِالْمُصْحَفِ فِي حَالةِ الإِطلاَقِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَبِهِ أَفْتَى أَبُو الْقَاسِمِ الدُّولَعِيُّ خَطِيبُ دِمَشْقَ مِنْ مُتأَخِّرِي
стр. 732
أَصحَابِنَا.
قَالَ: لأَنَّهُ إِنَّمَا يَقْصِدُ بِهِ الحَلِفَ بِالقرآنِ المكتوبِ، ويُؤَيِّدُهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَحْسَنَ التّحلِيفَ بِالمُصْحَفِ، وَاتَّفَقَ الأَصحَابُ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
وهو محفوظٌ فِي صُدُورِنَا؛ لِقولِه تعَالَى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أَوتُوا الْعِلْمَ﴾ مقروءٌ بِأَلْسِنَتِنَا، ولهذَا حُرِّمَ القرآنُ علَى الجُنُبِ.
وقَالَ بعضُهم: لاَ يقَالَ: إِنَّهُ فِي مصَاحفِنَا/ (١٨٧/ب/د) وصدورِنَا وأَلسنتِنَا، بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ تقييدِ كَوْنِه فِي المصحفِ بِالكتَابةِ، وهكذَا فِي البَوَاقِي؛ ونَظَرُ ذَلِكَ بأَنَّهُ لاَ يقَالَ: إِن اللَّهَ تعَالَى فِي المسَاجدِ، وفِي القلوبِ، وعلَى الأَلسِنَةِ إِلاَّ علَى التّقييدِ، فيُقَالُ: هو معبودٌ فِي المسَاجدِ، معلومٌ فِي القلوبِ، مذكورٌ بِالأَلسنةِ.
فإِن قِيلَ: كَيْفَ اجتمعَ وَصْفُ القرآنِ العظيمِ بِكَوْنِه قديمًا ومكتوبًا ومحفوظًا ومقروءًا؟
قُلْتُ: أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ هذَا الإِشكَالَ يَنْحَلُّ بِتحقيقِ مرَاتبِ الوُجُودِ، فهو بِاعْتِبَارِ الوُجُودِ فِي الأَعيَانِ قديمٌ قَائمٌ بِالذَّاتِ المُقَدَّسَةِ، وهو الوُجُودُ الحقيقيُّ، وبِاعْتِبَارِ الوُجُودِ الذّهْنِيِّ محفوظٌ فِي الصُّدورِ، وبِاعْتِبَارِ الوُجُودِ/ (٢٣٢/أَ/م) البَيَانِيِّ+ متلوٌّ بِالأَلسنةِ، وبِاعْتِبَارِ الوُجُودِ البَيَانِيِّ مكتوبٌ فِي المصَاحفِ، وهو بِاعْتِبَارِ حقيقتِه النَّفْسِيِّةِ لاَ فِي الصّدورِ ولاَ فِي الأَلسنةِ ولاَ فِي المصَاحفِ.
وَقَدْ قَالَ الأَشْعَرِيُّ: إِنَّ الأَلفَاظَ التي فِي المُصْحَفِ دَالَّةٌ علَى كلاَمِ اللَّهِ لاَ عَيْنِ كلاَمِ اللَّهِ.
وأَنْكَرَ عَلَيْهِ بعضُهم، وقَالَ: أَجْمَعَ السّلَفُ علَى أَنَّ مَا بَيْنَ دِفَّتَيِّ المُصْحَفِ كلاَمُ اللَّهِ تعَالَى.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ لِلقرآنِ حقيقتَيْنِ:
شَرْعِيَّةً: وهي كلاَمُ اللَّهِ غَيْرُ مخلوقٍ، وهذَا مَوْضِعُ إِجْمَاعِ السّلَفِ.
وعَقْلِيّةً: وهي أَنَّ هذه الأَلفَاظَ دَالَّةٌ علَى كلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى، ولَيْسَتْ عَيْنُهُ؛
стр. 733
لِقيَامِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ علَى قِدَمِ الكلاَمِ ولِئَلاَّ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ القرآنُ مخلوقًا، وهو موضعُ كلاَمِ الأَشْعَرِيِّ، مَعَ أَنَّهُ لاَ يُسَوِّغُ إِطلاَقَ ذَلِكَ؛ لِمُنَافَاتِه الحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ، وإِنْ كَانَ حقيقةً عقليّةً.
وجَمَعَ بِذَلِكَ بَيْنَ الأَدلَّةِ، ولهذَا كَانَ قَوْلُ المُصَنِّفِ: (علَى الحقيقةِ) لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِمَا قبلَه بَلْ بمَا بعدَه، وهو قَوْلُه: (مكتوبٌ إِلَى آخِرِهِ) أَيْ: إِنَّ إِطلاَقَه علَى ذَلِكَ حقيقةً، أَيْ: شرعيةً، وَبَيْنَ مرَادِه بِقَوْلِهِ: لاَ المجَازِ؛ فَإِنَّهُ الذي قَابلَ الحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ أَو اللُّغَوِيّةَ فَيُعْلَمَ بِنَفِْيه أَنَّ المُرَادَ أَحَدُهُمَا، ولو كَانَ المُرَادُ الحَقِيقَةَ العَقْلِيَّةَ لَمْ يُؤَكَّدْ لِقولِه: (لاَ المجَازِ) لأَنَّ الحَقِيقَةَ العَقْلِيَّةَ لاَ يُقَالَ لِمُقَابلِهَا: مَجَازٌ، بَلْ قَدْ يَكُونُ حقيقةً أَيضًا بِاعْتِبَارِ اللّغةِ أَو الشَّرْعِ أَو العُرْفِ.
وحَاصِلُ هذَا أَنَّ إِطلاَقَ الكلاَمِ علَى النّفسيِّ القديمِ فَقَطْ حقيقةً عقليّةً، وإِطلاَقَه أَيضًا علَى المكتوبِ وَالمحفوظِ وَالمقروءِ حقيقةً شرعيةً ولغويًّة وَلَيْسَ حقيقةً عقليّةً، فلو قَالَ: ويُطْلَقُ حقيقةٌ شرعيّةٌ علَى مَا هو مكتوبٌ فِي المصَاحفِ إِلَى آخِرِهِ ـ لكَانَ أَقَرَبَ إِلَى الفَهْمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: يثبُتُ علَى الطَّاعةِ ويعَاقِبُ إِلَّا أَنْ يغفِرَ غَيَرَ الشَّرْكِ علَى المعصيَةِ، وَلَهُ إِثَابةٌ العَاصي وتعذيبُ المطيعِ وإِيلاَمُ الدَّوَابِ وَالأَطفَالِ، ويستحيلُ وَصْفَه بِالظُّلْمِ.
ش: معنَى الثّوَابِ إِيصَالُ النَّفْعِ إِلَى المكلِّفِ علَى طريقِ الجزَاءِ/ (١٨٥/ب/د) ومنه/ (٢٣٢/ب/م) قَوْلُه تعَالَى: ﴿فَأَثَابَهُمْ اللَّهُ بِمَا قَالُوا﴾ أَي جزَاهم، وَالإِثَابةُ علَى الطَّاعةِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، لكنهَا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ فَضْلٌّ، وعندَ المُعْتَزِلَةِ وجوبٌ.
ومعنَى العقَابِ: إِيصَالُ الأَلمِ إِلَى المُكَلَّفِ علَى طريقِ الجزَاءِ وهو مُتَحَتِّمٌ فِي الشِّرْكِ، ومُتَوَقِّفٌ فِي غَيْرِهِ مِنَ المعَاصي علَى انْتِفَاءِ العفوِ، قَالَ اللَّهُ تعَالَى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ َبِهِ ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وفِي
стр. 734
الصّحيحينِ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: ((أَتَانِي جِبْرِيلُ فقَالَ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لاَ يُشْرِكُ بَاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ)) قُلْتُ: وإِنْ زَنَا وإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: ((وإِنْ زَنَا وَإِنْ سَرَقَ)).
فذكَرَ كبيرتينِ إِحْدَاهُمَا: تتعلَّقُ بحقِّ اللَّهِ تعَالَى وهي الزِّنَا، وَالأُخْرَى تتعلَّقُ بحقِّ العبَادِ وهي السّرقةُ، وفِي هذَا ردٌّ صريحٌ علَى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: إِنَّ عذَابَ مرتكِبِ الكبيرةِ الفَاسقِ مؤبَّدٌ كَالكَافرٍ، وأَخَرْجُوه بِالفسقِ عَنِ الإِيمَانِ، ولم يدخُلْوه فِي الكُفْرِ، وقَالُوا بِالمنزلةِ بَيْنَ مَنْزِلَتَيْنِ، وَقَدْ تَنَاظَرَ فِي هذه المَسْأَلَةِ أَبُو عمرِو بْنِ العلاَءِ مَعَ عمرِو بْنِ عُبَيْدٍ المُعْتَزِلِيِّ، فقَالَ أَبُو عمرٍو: الخُلْفُ فِي الوعدِ قبيحٌ، وفِي الوعيدِ كَرَمٌ، وهو مِنْ مستحسناتِ العُقُولِ، وَاستشهَدَ بقولِ الشَّاعرِ:
وإِنِّي إِذَا مَا أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إِيْعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي.
ولم يَسْتَحْسِنْ بعضُهم هذَا، وقَالَ: خبرُ الصَّادقِ لاَ يخلِفُ، لاَ فِي وَعْدٍ ولاَ فِي وَعِيدٍ، وتَخْلُفُ العقوبةُ بِالعفوِ مِنْ قبيلِ تخصيصِ العمومِ، وذلك شَائعٌ فِي الأَخبَارِ كَالإِنشَاءِ، ويقَالُ فِي تقريرِهِ: هذه العقوبةُ جزَاؤُه وإِنْ جُوزِيَ.
وقَالَ الإِبيَاريُّ فِي شرحِ (البُرْهَان): مَنَعَ أَكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ العفوَ فِي الوعيدِ، وقَالُوا: إِذَا كَانَتِ الصّيغةُ عَامَّةً ولم يُعَذِّبْ تَبَيَّنَّا التّخصيصَ وَالتخصيصُ،
стр. 735
بيَانٌ لاَ رَفْعَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يكنْ فِي جُمْلَةِ مَا انْدَرَجَ فِي اللّفظِ، وإِنْ كَانَ خَاصًا لَمْ يُتَصَوَّرِ العفوُ وإِلاَّ لاَ يُقْلَبُ العِلْمُ جَهْلًا انْتَهَى.
ولو قَدَّمَ المُصَنِّفُ قَوْله: (علَى المَعْصِيَةِ) علَى قَوْلِه: (إِلاَّ أَنْ يَغْفِرَ غَيْرَ الشِّرْكِ) لكَانَ أَحسنَ.
وله تعَالَى أَنْ يُثِيبَ العَاصي، ويُعَذِّبَ المُطِيعَ، لأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي/ (٢٣٣/أَ/م) مُلْكِهِ، إِنْ أَثَابَ فَبِفَضْلِهِ، وإِنْ عَاقَبَ فَبِعَدْلِهِ.
قَالَ أَصحَابُنَا: وَلَيْسَتْ المَعْصِيةُ عِلَّةَ العقَابِ، وَالطَاعةُ عِلَّةَ الثّوَابِ، إِنَّمَا هو أَمَارتَانِ عليهمَا، وأَنكَرَ ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ بنَاءً علَى أَصلِهم فِي التّقبيحِ العَقْليِّ، فَيؤدِّي إِلَى الظُّلْمِ وهو نَقْصٌ مُحَالٌ علَى اللَّهِ تعَالَى، وقَالَ أَصحَابُنَا: إِنَّمَا يَلْزَمُ النّقصُ علَى قَوْلِهم، فإِنَّهُم أَوجبُوا عَلَيْهِ تعَالَى حقًا لغيرِه، وَلَوْ وجَبَ عَلَيْهِ حقٌّ لغيرِهِ لكَانَ فِي قيدِه وهو نَقْصٌ.
قَالَ الإِمَامُ فِي (الرسَالةِ النِّظَامِيَّةِ): وممَا يَقْطَعُ مَادَّةَ خلاَفِهم أَنَّ طَاعةَ العبَادِ لاَ تفِي بِالنِّعَمِ المتوَاترةِ عَلَيْهِم النَّاجزةِ، فَكَيْفَ/ (١٨٨/، أَ/د) يَحْكَمُ العَقْلُ بَاستحقَاقِ ثَوَابٍ علَى عَمَلٍ وَقَعَ عِوَضًا عَنْ نَعِيمٍ أُوتِيَهُ العبدُ فِي الدُّنيَا).
وَاحتجَّ الشَّيْخُ عزُّ الدّينِ فِي (القوَاعدِ) بمَا وَرَدَ فِي الحديثِ: ((إِنَّ اللَّهَ تعَالَى يَخْلُقُ فِي النَّارِ أَقوَامًا)).
قَالَ: وكذلك لاَ استبعَادَ فِي إِثَابةٍ مَنْ لَمْ يُطِعْ، ففِي الحديثِ الصّحيحِ: ((إِنَّ اللَّه يُنْشِئُ فِي الجنَّةِ أَقوَامًا)) وكذلك الحُكْمُ فِي الحورِ العينِ وأَطفَالِ المسلمينِ مِمَّنَّ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمُ مِنْ غَيْرِ إِثَابةٍ علَى عَمَلٍ سَابِقٍ، وَلَيْسَتْ الرّبوبِيَّةُ مقيَّدَةً بمصَالحِ العبوديَّةِ، ونحنُ نشَاهدُ مَا يُبْتَلَى بِهِ مِنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ مِنَ الأَطفَالِ وَالدوَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وذلك عَدْلُ مَنْ يتصرَّفُ فِي مُلْكِهِ كَيْفَ يريدُ.
وَقَوْلُ المُصَنِّفِ: (ويستحيلُ وَصْفُهُ بِالظُّلْمِ) جوَابٌ عَن سؤَالٍ مُقَدَّرٍ، فإِنَّه قَد يُخَيَّلُ مِنْ تعذيبِ المطيعِ وإِيلاَمِ الأَطفَالِ أَنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ، فَبَيَّنَ المُصَنِّفُ
стр. 736
إِحَالتَه عَلَيْهِ عَقْلاً وَسَمْعًا، أَمَّا العَقْلُ فَلِأَنَّ الظُّلْمَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِالنهيِ عَنْهُ، ولاَ يُتَصَوَّرُ فِي أَفعَالِهِ تعَالَى مَا يُنْهَى عَلَيْهِ؛ إِذ لاَ يُتَصَوَّرُ لَهُ نَاهٍ، ولأَنَّ العَالَمَ خَلْقُهُ ومُلْكُهُ، ولاَ ظُلْمَ فِي تصرُّفِ الإِنسَانِ فِي مُلْكِهِ، ولأَنَّهُ وَضَعَ الشّيءَ فِي غَيْرِ موضعِهِ وذلك مستحيلٌ علَى المحيطِ بكلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.
وأَمَّا السَّمْعَ فمَا لاَ يُحْصَى مِنَ الآيَاتِ وَالأَحَاديثِ قَالَ اللَّهُ تعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ وَالمُخََالِفُ فِي ذَلِكَ القَدَرِيَّةُ، قَالُوا: وَلَوْ وَقَعَ تَعْذِيبُ المُطِيعِ لكَانَ ظُلْمًا، وهو قبيحٌ مستحيلٌ عَلَيْهِ.
ويروَى أَنَّ أَبَا/ (٢٣٣/ب/م) موسَى تَنَاظَرَ هو وعمرُو بْنُ العَاصِ فِي ذَلِكَ، فقَالَ عمرٌو: إِنْ أَجِدُ أَحدًا لَيُخَاصِمُ ربِّي إِليه.
فقَالَ أَبُو موسَى: أَنَا ذَلِكَ المُحَاكِمُ عليه.
فقَالَ عمرٌو: تُقَدِّرُ عليَّ شيئًا ثُمَّ تُعَاقِبُنِي عليه.
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ عمرٌو: وَلِمَ؟
стр. 737
قَالَ: لأَنَّهُ لاَ يَظْلِمُكَ فَسَكَتَ عمرٌو ولم يُحِرْ جوَابًا.
ص: يرَاهُ المؤمنونَ يومَ القيَامةِ، وَاخْتَلَفَ هَلْ تجوزُ الرّؤيةُ فِي الدّنيَا وفِي المَنَامِ.
ش: رؤيةُ المؤمنينَ لربِّهم فِي الدَّارِ الآخرةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَدْ تَوَاتَرْتَ بِهَا الأَحَاديثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، ودلَّ عَلَيْهِ قَوْلُه تعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاضِرَةٌ﴾ وقوله تعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فإِنَّه لمَّا حَجَبَهُمْ فِي الغضبِ دلَّ علَى أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ فِي الرِّضَى، وقولُه تعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةَ﴾ وَالزيَادةُ: هي النَّظَرُ إِلَى وجهِ اللَّهِ تعَالَى، كَمَا ثَبَتْ فِي الصّحيحِ مِنْ حديثِ صُهَيْبِ ﵁، وَالمُخَالِفُ فِي ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ، فأَنْكَرُوا الرّؤيةَ، لاعتقَادِهِمْ أَنَّ شَرْطَ المَرْئِيِّ أَنْ يَكُونَ فِي جهةٍ، وَاتِّصَالُ الشُّعَاعِ بِالمرئيِّ، وَالربُّ تعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الجهَاتِ.
ومذهبُ المُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ عِلْمٌ يَخْلُقُه اللَّهُ فِي نَفْسِ الرَّائي، مقَارنًا للرؤيةِ، ولاَ يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ اتِّصَالُ الأَشعةِ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ ثَبَتَ لنَا رؤيةٌ بِغَيْرِ اتِّصَالِ/ (١٨٨/ب/د) شُعَاعٍ فِي قَوْلِهِ ﵊: ((إِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ ورَاءِ ظَهْرِي كَمَا أَرَاكُمْ
стр. 738
مِنْ أَمَامِي)) وَقَدْ وَافَقَ المُعْتَزِلَةُ علَى أَنَّهُ تعَالَى يرَى عبَادَه، فهذَا رَاءٍ لَيْسَ فِي جهةٍ، ووَافَقَ جُمْهُورُهُمْ علَى أَنَّ الرَّبَّ تعَالَى يرَى نَفْسَه فَهَذَا مَرْئِيٌّ لَيْسَ فِي جِهَةٍ.
وقَالَ الشَّيْخُ عزُّ الدّينِ بْنُ عبدِ السّلاَمِ فِي فتَاويه: أَمَّا رؤيةُ الربِّ فِي الآخرةِ فإِنَّه يرَى بِالنورِ الذي خَلَقَه فِي الأَعينِ زَائدًا علَى نورِ العِلْمِ، فإِنَّ الرّؤيةَ تَكْشِفُ مَا لاَ يَكْشِفُهُ العِلْمُ، ولو أَرَادَ الرَّبُّ تعَالَى أَن يَخْلِقَ فِي القلبِ نورًا مِثْلَ نورِ الأَعينِ لمَا أَعْجَزَهُ ذَلِكَ، بَلْ لو أَرَادَ أَنْ يَخْلِقَ نُوْرَ الأَعْيُنِ فِي الأَيدي وَالأَرْجُلِ لأَمْكَنَ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَدْ تَبِعَ المُصَنِّفُ ﵀ الخطَّابِيَّ فِي جَعْلِ مسأَلةِ الرّؤيةِ مِنْ عقَائدِ الإِيمَانِ وَاستدلَّ لَهُ بمَا/ (٢٣٤/أَ/م) فِي صحيحِ البخَاريِّ، عَن أَبِي هريرةَ أَنَّ رجلاً قَالَ: يَا رسولَ اللَّهِ مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بَاللَّهِ وَمَلَاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَبِلِقَائِهِ وَتُؤْمِنَ بِِالْبَعْثِ)) وقَالَ: قَوْله: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِلْقَائِه)) فِيهِ إِثبَاتُ رؤيةِ اللَّهِ فِي الدَّارِ الآخرةِ.
وقَالَ البيهقيُّ: عندي لو وَقَفَ +الحَلِيميِّ علَى هذَا الحديثِ وتأَوَّلَ اللّقَاءَ فِيهِ علَى مَا تأَوَّلَهُ الخطَّابِيُّ وجمَاعةٌ مِنْ أَصحَابِنَا لجعَلَ الإِيمَانِ بلقَاءِ اللَّهِ وهو رؤيتُه وَالنظَرُ إِلَيْهِ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ، انْتَهَى.
وقَالَ بعضُهم: المُرَادُ بِاللقَاءِ هُنَا لقَاءُ الأَروَاحِ لربِّ العَالمينَ عقبَ الموتِ وَالبعثِ الآخرِ هو بعثُ الأَشبَاحِ وَرَدِّ الأَروَاحِ إِليهَا.
قَالَ: وهو الأَشبهُ بسيَاقِ الحديثِ.
ثم حكَى المُصَنِّفُ الخِلاَفَ فِي مسأَلتينِ.
إِحْدَاهُمَا فِي جَوَازِ رؤيةِ اللَّهِ تعَالَى بِالأَبصَارِ فِي الدّنيَا، وفِي ذَلِكَ قولاَنِ للأَشعريِّ حكَاهمَا القشيريُّ.
стр. 739
أَحَدُهُمَا: الجوَازُ، ولهذَا اخْتَلَفَ الصّحَابةُ فِي رؤيةِ النَّبِيِّ ﷺ ليلةَ المِعْرَاجِ، فهو دَلِيلُ الجوَازِ، فإِنَّ المُحَالَ لاَ يَخْتَلِفُ فِيهِ، وأَصحُّهُمَا المَنْعُ لحصولِ الإِجمَاعِ عَلَيْهِ، وَالخِلاَفُ بَيْنَ الصّحَابةِ فِي رؤيةِ مخصوصةٍ لاَ يطَّرِدُ فِي غيرِهَا، وفِي صحيحِ مسلِمٍ مرفوعًا: ((تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حتَّى يَمُوتَ)).
وقَالَ القَاضِي عيَاضٌ: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهَا غَيْرُ مستحيلةٍ فِي الدّنيَا بَلْ مُمْكِنَةٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وقوعِهَا، وسببِ المَنْعِ أَنَّ قوَى الآدمِيِّينَ فِي الدّنيَا لاَ تحتملُهَا كمَا لَمْ يحتملْهَا موسَى ﵇.
وذكَرَ ابْنُ الصّلاَحِ وأَبُو شَامةَ المَقْدِسِيِّ أَنَّهُ لاَ يُصَدِّقُ مُدَّعِي رؤيةَ اللَّهِ تعَالَى فِي الدّنيَا يقظةً فإِنَّ شيئًا مُنِعَ مِنْهُ موسَى ﵇ كليمُ اللَّهِ، وَاخْتُلِفَ فِي حصولِه لِنَبِيِّنَا ﷺ كَيْفَ يُسْمَحُ بِهِ لِمَنْ لاَ يَصِلُ إِلَى مقَامِهمَا هذَا مَعَ قَوْلِه: ﴿لاَ تُدْرِكُهُ الأَبصَارُ﴾ فإِنَّ الجُمْهُورَ حَمَلُوهُ فِي الدّنيَا جَمْعًا بَيْنَه وَبَيْنَ أَدلَّةِ الرّؤيةِ.
الثَانِيَةُ: فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يرَى فِي المنَامِ.
وَقَدْ حكَى/ (١٨٩/أَ/د) الخِلاَفَ فِي ذَلِكَ الصَّابونيُّ مِنَ الحَنَفِيَّةِ فِي عقيدتِه، وَالقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنَ الحنَابلةِ فِي كتَابِه (المعتمدِ الكبيرِ)، وحكَى عَنِ الإِمَامِ أَحمدَ أَنَّهُ
стр. 740
قَالَ: (رأَيْتُ رَبَّ العِزَّةِ فِي المَنَامِ) وهذَا يَدُلُّ علَى أَنَّ مذهبَهُ الجوَازُ، وهو/ (٢٣٤/ب/م) مَحْكِيٌّ عَنْ مُعْظَمِ المُثْبِتِينَ للرؤيةِ، وذهبَتْ طَائفةٌ إِلَى إِحَالتِه؛ لأَنَّ مَا يُرَى فِي المنَامِ خيَالٌ أَو مِثَالٌ، وهُمَا علَى القديمِ مُحَالانِ.
وَقَدْ ذَكَرَ المُصَنِّفونَ فِي تعبيرِ الرُّؤيَا رؤيةَ اللَّهِ تعَالَى وتكلَّمُوا عَلَيْهَا.
قَالَ ابْنُ سيرينَ: إِذَا رأَى اللَّهُّ أَو رأَى أَنَّهُ يكلِّمُه فإِنَّه يدخُلُ الجنَّةَ وينجُو من هم كَانَ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعَالَى.
وقَالَ النَّوويُّ فِي شرحِ مُسْلِمٍ: قَالَ القَاضِي عيَاضٌ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ علَى جَوَازِ رؤيةِ اللَّهِ تعَالَى فِي المنَامِ وصحَّتِهَا، وإِنْ رآه إِنسَانٌ علَى صفةٍ لاَ تَلِيقُ بجلاَلِهِ مِنْ صفَاتِ الأَجسَامِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ المرئيَّ غَيْرُ ذَاتِ اللَّهِ ولاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ التّجسيمُ، ولاَ اخْتِلاَفُ الحَالاتِ، بخلاَفِ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي النومِ، وكَانَتْ رؤيتُه تعَالَى فِي النومِ كسَائرِ أَنوَاعِ الرّؤيَا مِنَ التّمثيلِ وَالتخييلِ.
قَالَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ: رؤيةُ اللَّهِ تعَالَى فِي النومِ أَوهَامٌ وخوَاطرُ فِي القلبِ بأَمثَالٍ لاَ تليقُ بِهِ عَنْهَا، وهي دلاَلاَت للرَائِي علَى أُمُورٍ ممَا كَانَ ويكونُ كسَائرِ المرئيَّاتِ.
وقَالَ الغَزَالِيُّ فِي بَعْضِ كتبِهِ: إِنَّ ذَلِكَ لاَ يُوِهُمُ رؤيةَ الذَّاتِ عِنْدَ الأَكثرينَ، فإِنْ تَوَهَّمَ شَخْصٌ خِلاَفَ الحقِّ فَسَّرَ لَهُ معنَاه.
قَالَ: وَالخِلاَفُ عَائدٌ إِلَى إِطلاَقِ اللّفْظِ بعدَ حُصُولِ الاتِّفَاقِ علَى المَعْنَى أَنَّ
следующие страницы →