Полный текст (826 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
إِحَالتَه عَلَيْهِ عَقْلاً وَسَمْعًا، أَمَّا العَقْلُ فَلِأَنَّ الظُّلْمَ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِالنهيِ عَنْهُ، ولاَ يُتَصَوَّرُ فِي أَفعَالِهِ تعَالَى مَا يُنْهَى عَلَيْهِ؛ إِذ لاَ يُتَصَوَّرُ لَهُ نَاهٍ، ولأَنَّ العَالَمَ خَلْقُهُ ومُلْكُهُ، ولاَ ظُلْمَ فِي تصرُّفِ الإِنسَانِ فِي مُلْكِهِ، ولأَنَّهُ وَضَعَ الشّيءَ فِي غَيْرِ موضعِهِ وذلك مستحيلٌ علَى المحيطِ بكلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.
وأَمَّا السَّمْعَ فمَا لاَ يُحْصَى مِنَ الآيَاتِ وَالأَحَاديثِ قَالَ اللَّهُ تعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ وَالمُخََالِفُ فِي ذَلِكَ القَدَرِيَّةُ، قَالُوا: وَلَوْ وَقَعَ تَعْذِيبُ المُطِيعِ لكَانَ ظُلْمًا، وهو قبيحٌ مستحيلٌ عَلَيْهِ.
ويروَى أَنَّ أَبَا/ (٢٣٣/ب/م) موسَى تَنَاظَرَ هو وعمرُو بْنُ العَاصِ فِي ذَلِكَ، فقَالَ عمرٌو: إِنْ أَجِدُ أَحدًا لَيُخَاصِمُ ربِّي إِليه.
فقَالَ أَبُو موسَى: أَنَا ذَلِكَ المُحَاكِمُ عليه.
فقَالَ عمرٌو: تُقَدِّرُ عليَّ شيئًا ثُمَّ تُعَاقِبُنِي عليه.
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ عمرٌو: وَلِمَ؟
стр. 737
قَالَ: لأَنَّهُ لاَ يَظْلِمُكَ فَسَكَتَ عمرٌو ولم يُحِرْ جوَابًا.
ص: يرَاهُ المؤمنونَ يومَ القيَامةِ، وَاخْتَلَفَ هَلْ تجوزُ الرّؤيةُ فِي الدّنيَا وفِي المَنَامِ.
ش: رؤيةُ المؤمنينَ لربِّهم فِي الدَّارِ الآخرةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَدْ تَوَاتَرْتَ بِهَا الأَحَاديثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، ودلَّ عَلَيْهِ قَوْلُه تعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاضِرَةٌ﴾ وقوله تعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ فإِنَّه لمَّا حَجَبَهُمْ فِي الغضبِ دلَّ علَى أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ فِي الرِّضَى، وقولُه تعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةَ﴾ وَالزيَادةُ: هي النَّظَرُ إِلَى وجهِ اللَّهِ تعَالَى، كَمَا ثَبَتْ فِي الصّحيحِ مِنْ حديثِ صُهَيْبِ ﵁، وَالمُخَالِفُ فِي ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ، فأَنْكَرُوا الرّؤيةَ، لاعتقَادِهِمْ أَنَّ شَرْطَ المَرْئِيِّ أَنْ يَكُونَ فِي جهةٍ، وَاتِّصَالُ الشُّعَاعِ بِالمرئيِّ، وَالربُّ تعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الجهَاتِ.
ومذهبُ المُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ عِلْمٌ يَخْلُقُه اللَّهُ فِي نَفْسِ الرَّائي، مقَارنًا للرؤيةِ، ولاَ يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ اتِّصَالُ الأَشعةِ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ ثَبَتَ لنَا رؤيةٌ بِغَيْرِ اتِّصَالِ/ (١٨٨/ب/د) شُعَاعٍ فِي قَوْلِهِ ﵊: ((إِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ ورَاءِ ظَهْرِي كَمَا أَرَاكُمْ
стр. 738
مِنْ أَمَامِي)) وَقَدْ وَافَقَ المُعْتَزِلَةُ علَى أَنَّهُ تعَالَى يرَى عبَادَه، فهذَا رَاءٍ لَيْسَ فِي جهةٍ، ووَافَقَ جُمْهُورُهُمْ علَى أَنَّ الرَّبَّ تعَالَى يرَى نَفْسَه فَهَذَا مَرْئِيٌّ لَيْسَ فِي جِهَةٍ.
وقَالَ الشَّيْخُ عزُّ الدّينِ بْنُ عبدِ السّلاَمِ فِي فتَاويه: أَمَّا رؤيةُ الربِّ فِي الآخرةِ فإِنَّه يرَى بِالنورِ الذي خَلَقَه فِي الأَعينِ زَائدًا علَى نورِ العِلْمِ، فإِنَّ الرّؤيةَ تَكْشِفُ مَا لاَ يَكْشِفُهُ العِلْمُ، ولو أَرَادَ الرَّبُّ تعَالَى أَن يَخْلِقَ فِي القلبِ نورًا مِثْلَ نورِ الأَعينِ لمَا أَعْجَزَهُ ذَلِكَ، بَلْ لو أَرَادَ أَنْ يَخْلِقَ نُوْرَ الأَعْيُنِ فِي الأَيدي وَالأَرْجُلِ لأَمْكَنَ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَدْ تَبِعَ المُصَنِّفُ ﵀ الخطَّابِيَّ فِي جَعْلِ مسأَلةِ الرّؤيةِ مِنْ عقَائدِ الإِيمَانِ وَاستدلَّ لَهُ بمَا/ (٢٣٤/أَ/م) فِي صحيحِ البخَاريِّ، عَن أَبِي هريرةَ أَنَّ رجلاً قَالَ: يَا رسولَ اللَّهِ مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بَاللَّهِ وَمَلَاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَبِلِقَائِهِ وَتُؤْمِنَ بِِالْبَعْثِ)) وقَالَ: قَوْله: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِلْقَائِه)) فِيهِ إِثبَاتُ رؤيةِ اللَّهِ فِي الدَّارِ الآخرةِ.
وقَالَ البيهقيُّ: عندي لو وَقَفَ +الحَلِيميِّ علَى هذَا الحديثِ وتأَوَّلَ اللّقَاءَ فِيهِ علَى مَا تأَوَّلَهُ الخطَّابِيُّ وجمَاعةٌ مِنْ أَصحَابِنَا لجعَلَ الإِيمَانِ بلقَاءِ اللَّهِ وهو رؤيتُه وَالنظَرُ إِلَيْهِ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ، انْتَهَى.
وقَالَ بعضُهم: المُرَادُ بِاللقَاءِ هُنَا لقَاءُ الأَروَاحِ لربِّ العَالمينَ عقبَ الموتِ وَالبعثِ الآخرِ هو بعثُ الأَشبَاحِ وَرَدِّ الأَروَاحِ إِليهَا.
قَالَ: وهو الأَشبهُ بسيَاقِ الحديثِ.
ثم حكَى المُصَنِّفُ الخِلاَفَ فِي مسأَلتينِ.
إِحْدَاهُمَا فِي جَوَازِ رؤيةِ اللَّهِ تعَالَى بِالأَبصَارِ فِي الدّنيَا، وفِي ذَلِكَ قولاَنِ للأَشعريِّ حكَاهمَا القشيريُّ.
стр. 739
أَحَدُهُمَا: الجوَازُ، ولهذَا اخْتَلَفَ الصّحَابةُ فِي رؤيةِ النَّبِيِّ ﷺ ليلةَ المِعْرَاجِ، فهو دَلِيلُ الجوَازِ، فإِنَّ المُحَالَ لاَ يَخْتَلِفُ فِيهِ، وأَصحُّهُمَا المَنْعُ لحصولِ الإِجمَاعِ عَلَيْهِ، وَالخِلاَفُ بَيْنَ الصّحَابةِ فِي رؤيةِ مخصوصةٍ لاَ يطَّرِدُ فِي غيرِهَا، وفِي صحيحِ مسلِمٍ مرفوعًا: ((تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حتَّى يَمُوتَ)).
وقَالَ القَاضِي عيَاضٌ: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهَا غَيْرُ مستحيلةٍ فِي الدّنيَا بَلْ مُمْكِنَةٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وقوعِهَا، وسببِ المَنْعِ أَنَّ قوَى الآدمِيِّينَ فِي الدّنيَا لاَ تحتملُهَا كمَا لَمْ يحتملْهَا موسَى ﵇.
وذكَرَ ابْنُ الصّلاَحِ وأَبُو شَامةَ المَقْدِسِيِّ أَنَّهُ لاَ يُصَدِّقُ مُدَّعِي رؤيةَ اللَّهِ تعَالَى فِي الدّنيَا يقظةً فإِنَّ شيئًا مُنِعَ مِنْهُ موسَى ﵇ كليمُ اللَّهِ، وَاخْتُلِفَ فِي حصولِه لِنَبِيِّنَا ﷺ كَيْفَ يُسْمَحُ بِهِ لِمَنْ لاَ يَصِلُ إِلَى مقَامِهمَا هذَا مَعَ قَوْلِه: ﴿لاَ تُدْرِكُهُ الأَبصَارُ﴾ فإِنَّ الجُمْهُورَ حَمَلُوهُ فِي الدّنيَا جَمْعًا بَيْنَه وَبَيْنَ أَدلَّةِ الرّؤيةِ.
الثَانِيَةُ: فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يرَى فِي المنَامِ.
وَقَدْ حكَى/ (١٨٩/أَ/د) الخِلاَفَ فِي ذَلِكَ الصَّابونيُّ مِنَ الحَنَفِيَّةِ فِي عقيدتِه، وَالقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنَ الحنَابلةِ فِي كتَابِه (المعتمدِ الكبيرِ)، وحكَى عَنِ الإِمَامِ أَحمدَ أَنَّهُ
стр. 740
قَالَ: (رأَيْتُ رَبَّ العِزَّةِ فِي المَنَامِ) وهذَا يَدُلُّ علَى أَنَّ مذهبَهُ الجوَازُ، وهو/ (٢٣٤/ب/م) مَحْكِيٌّ عَنْ مُعْظَمِ المُثْبِتِينَ للرؤيةِ، وذهبَتْ طَائفةٌ إِلَى إِحَالتِه؛ لأَنَّ مَا يُرَى فِي المنَامِ خيَالٌ أَو مِثَالٌ، وهُمَا علَى القديمِ مُحَالانِ.
وَقَدْ ذَكَرَ المُصَنِّفونَ فِي تعبيرِ الرُّؤيَا رؤيةَ اللَّهِ تعَالَى وتكلَّمُوا عَلَيْهَا.
قَالَ ابْنُ سيرينَ: إِذَا رأَى اللَّهُّ أَو رأَى أَنَّهُ يكلِّمُه فإِنَّه يدخُلُ الجنَّةَ وينجُو من هم كَانَ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعَالَى.
وقَالَ النَّوويُّ فِي شرحِ مُسْلِمٍ: قَالَ القَاضِي عيَاضٌ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ علَى جَوَازِ رؤيةِ اللَّهِ تعَالَى فِي المنَامِ وصحَّتِهَا، وإِنْ رآه إِنسَانٌ علَى صفةٍ لاَ تَلِيقُ بجلاَلِهِ مِنْ صفَاتِ الأَجسَامِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ المرئيَّ غَيْرُ ذَاتِ اللَّهِ ولاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ التّجسيمُ، ولاَ اخْتِلاَفُ الحَالاتِ، بخلاَفِ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي النومِ، وكَانَتْ رؤيتُه تعَالَى فِي النومِ كسَائرِ أَنوَاعِ الرّؤيَا مِنَ التّمثيلِ وَالتخييلِ.
قَالَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ: رؤيةُ اللَّهِ تعَالَى فِي النومِ أَوهَامٌ وخوَاطرُ فِي القلبِ بأَمثَالٍ لاَ تليقُ بِهِ عَنْهَا، وهي دلاَلاَت للرَائِي علَى أُمُورٍ ممَا كَانَ ويكونُ كسَائرِ المرئيَّاتِ.
وقَالَ الغَزَالِيُّ فِي بَعْضِ كتبِهِ: إِنَّ ذَلِكَ لاَ يُوِهُمُ رؤيةَ الذَّاتِ عِنْدَ الأَكثرينَ، فإِنْ تَوَهَّمَ شَخْصٌ خِلاَفَ الحقِّ فَسَّرَ لَهُ معنَاه.
قَالَ: وَالخِلاَفُ عَائدٌ إِلَى إِطلاَقِ اللّفْظِ بعدَ حُصُولِ الاتِّفَاقِ علَى المَعْنَى أَنَّ
стр. 741
ذَاتَ اللَّهِ غَيْرُ مرئيَّةٍ فإِنَّ المرئيَّ مثَالٌ، وَاللَّهُ يضرِبُ الأَمثَالَ لصفَاتِه وهو مُنَزَّهٌ عَنِ المِثْلِ.
ص: السّعيدُ مَنْ كَتَبَهُ فِي الأَزلِ سعيدًا، وَالشقِيُّ عكسُه، ثُمَّ لاَ يتبدَّلاَنِ ومَنْ عَلِمَ مَوْتَه مؤمنًا فَلَيْسَ بِشَقِيٍّ، وأَبُو بَكْرٍ مَا زلَّ بعينِ الرضَا منه.
ش: المُخْتَارُ عِنْدَ المُصَنِّفِ أَنَّ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوةَ لاَ يتبدَّلاَنِ، بَلْ مَنْ كَتَبَهُ اللَّهُ تعَالَى فِي الأَزلِ سعيدًا لَمْ يتغيَّرْ ذَلِكَ، ومَنْ كَتَبَهُ فِي الأَزلِ شَقِيًّا لَمْ يتغيَّرْ ذَلِكَ، وقَالَ: إِنَّ كلاَمَ الشَّافِعِيِّ فِي خُطْبَةِ الرّسَالةِ يقتضِيه حَيْثُ قَالَ: (وَأَسْتَهْدِيهِ بِهُدَاهُ الَّذِي لاَ يَضِلُّ مَنْ أَنْعَمَ بِهِ عليه).
وذهَبَ آخرونَ إِلَى أَنَّهُمَا قَد يَتَبَدَّلاَنِ، فَيُمْكِنُ أَنْ ينقلِبَ السّعيدُ شِقيًّا, وبَالعَكْسِ، وعُزِيَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ وأَكثرَ أَهْلُ الرّأَيِ وَالمُعْتَزِلَةِ.
وقَالَ اللَّهُ تعَالَى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يشَاءُ/ (٢٣٥/أَ/م) وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ فأَمُّ الكتَابِ: العِلْمُ القديمُ، وهذَا لاَ يَقْبَلُ التغييرُ وَالمحوِ، وأَمُّ كلِّ شيءٍ: أَصلُه، وَالذي يتأَتَّى فِيهِ المحوُ وَالإِثبَاتُ اللّوحُ المحفوظُ، ومَا عِنْدَ الملاَئكةِ، وذَكَرَ الوَاحِديُّ مِنْ حديثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((يَمْحُو اللَّهُ مَا يشَاءُ وَيُثْبِتُ إِلا السّعَادةَ وَالشّقَاوةَ وَالموتُ)) وهذَا إِنْ صَحَّ نصٌّ فِي البَابِ.
وفِي الصّحيحِ مِنْ حديثِ عَائشةَ ﵂ مرفوعًا: ((إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الجَنَّةَ وخَلَقَ لهَا أَهْلاً وَهُمْ فِي أَصلاَبِ آبَائِهِمْ، وخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لهَا أَهلاً وَهُمْ فِِي أَصلاَبِ آبَائِهِمْ)).
وقَالَ السُّبْكِيُّ: مَنْ آمَنَ ثُمَّ خُتِمَ له بِالكفُرِ لَمْ ينفعْه مَا مضَى بِالإِجمَاعِ، لكنْ
стр. 742
هَلْ نقولُ: إِنَّ ذَلِكَ الإِيمَانَ الذي تَقَدَّمَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ إِيمَانًا وأَنَّهُ حَبِطَ بعدَ أَنْ كَانَ إِيمَانًا.
وَالأَوَّلُ قَوْلُ الأَشعريِّ:
وَالأَقربُ الثَّانِي، لقولِه تعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِّينَ أَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوَا﴾ لكنْ قَد يُقَالُ مَعَ هذَا: قَد يَنْزِلُ لِعَدَمِ النَّفْعِ بِهِ مَنْزِلَةُ المَعْدُومِ، فَيَصِحُّ نفيُه مجَازًا.
وَقَوْلُهُ: (ومَنْ عَلِمَ مَوْتَهُ مُؤْمِنًا فَلَيْسَ بِشَقِيٍّ) مُرَتَّبٌ علَى مَا سَبَقَ، وكذَا عَكْسُهُ مَنْ عَلِمَ مَوْتَهَ كَافرًا فَلَيْسَ بِسَعِيدٍ.
وَقَوْلُهُ: (وأَبُو بَكْرٍ مَا زَالَ بعينِ الرّضَى مِنْهُ) مُرَتَّبٌ علَى مَا سَبَقَ مِنْ عدمِ التّبَدُّلِ فِي السّعَادةِ وَالشّقَاوةِ، وهذه العبَارةُ للأَشعريِّ، ومعنَاهَا أَنَّهُ بحَالةٍ غَيْرِ مغضوبٍ عَلَيْهِ فِيهَا لِعِلْمِهِ تعَالَى بأَنَّهُ سَيُؤْمِنُ وَيَصِيرُ مِنْ خُلَاصَةِ الأَبْرَارِ.
وظنَّ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ أَنَّ الأَشعريِّ يقولُ: إِنَّهُ كَانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ المَبْعَثِ، وَلَيْسَ كَذْلِك، نَعَمْ كَانَ السُّبْكِيُّ يقولُ: إِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ الصِّدِّيقِ حَالةُ كُفْرٍ بَاللَّهِ، وكَانَ يقولُ: لعلَّ حَالَه قَبْلَ البَعْثِ كحَالِ زيدِ بْنِ عمرِو بْنِ نُفَيْلٍ وأَقرَانِه، وعلَى هذَا فَلاَ يتعدَّى كلامُ الأَشعريِّ إِلَى كلِّ مَنْ خُتِمَ له بِالإِيمَانِ، لكنَّ هذَا الاحتمَالَ الذي أَبدَاهُ السُّبْكِيُّ بعيدٌ، وَالأَظهرُ اطِّرَادُ ذَلِكَ فِي حقِّ مَنْ مَاتَ مؤمنًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: وَالرِّضَا وَالمَحَبَّةُ غَيْرُ المشيئةِ وَالإِرَادةِ، فَلاَ يَرْضَى لعبَادِه الكفرَ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾.
стр. 743
ش: الذي جَزَمَ بِهِ المُصَنِّفُ أَنَّ الرِّضَى وَالمَحَبَّةَ غَيْرُ المشيئةِ/ (٢٣٥/ب/م) وَالإِرَادةِ، وَاستدلَّ علَى ذَلِكَ بأَنَّهُ لاَ يرضَى لعبَادِهِ الكفرَ كَمَا نصَّ عَلَيْهِ التّنزيلُ، ومثلُه قَوْلُه تعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفسَادَ﴾ مَعَ أَنَّهُ يَشَاؤُهُ ويريدُه لقولِه تعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ وذَهَبَ الجُمْهُورُ كَمَا حَكَاهُ الآمِدِيُّ إِلَى أَنَّ الكلَّ بمعنَى وَاحدٍ.
وقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي كتَابِ (الحدودِ): (الإِرَادةُ وَالمشيئةُ وَالرضَى وَالمحبةُ بمعنَى وَاحدٍ) وأَجَابَ هؤلاَءِ عَن قَوْلِه تعَالَى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكفرَ﴾ بجوَابينِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لاَ يرضَى الكفرَ دينًا وشَرْعًا، بَلْ يعَاقِبُ عليه.
ثَانِيهُمَا: أَنَّ المُرَادَ بِالعبَادِ مَنْ وُفِّقَ للإِيمَانِ؛ ولهذَا شرَّفَهُمْ بِالإِضَافةِ إِلَيْهِ فِي/ (١٩٠/أَ/د) قَوْلِه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطََانٌ﴾ وفِي قَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَاد ُاللَّهِ﴾.
ص: وهو الرّزَّاقُ، وَالرزقُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ ولو حرَامًا.
ش: قَالَ اللَّهُ تعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرّزَاقُ﴾ وَالرزَّاقُ حقيقةً فَاعلُ الرّزقِ.
ومَذْهَبُ الأَشَاعِرَةِ أَنَّ الرِّزْقَ هو مَا يُنْتَفُعُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ حلاَلاً أَو حرَامًا وقَالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لاَ يَكُونُ الرّزقُ إِلا حَلَاَلاً.
стр. 744
وقَالُوا: إِنَّ الحرَامَ لَيْسَ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ للعبدِ، وهو مبنيٌّ علَى أَصلِهِمْ الفَاسدِ فِي التّقبيحِ العَقْلي.
وقَالُوا: إِنَّ الرّزقَ مَا يَمْلُكُه العبدُ، ويَلْزَمُهُمْ أَنَّ مَنْ لَمْ يأَكُلْ فِي عُمْرِهِ إِلا الحرَامَ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ شيئًا، ويردُّه قَوْلُه تعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرضِ إِلا علَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ويلزمُهم أَيضًا أَنَّ الدّوَابَّ لاَ تُرْزَقُ لأَنَّهَا لاَ تَمْلُكُ.
وقَالَ الإِمَامُ فِي (الرسَالةِ النّظَاميَّةِ) (الرزقُ يَنْقَسِمُ إِلَى حلاَلٍ وحَرَامٍ) وإِلَى مَا لاَ يَتَّصِفُ بشيءٍ مِنْهُمَا، كَرِزْقِ البَهَائِمِ) فأَثْبَتَ بَيْنَ الحلاَلِ وَالحرَامِ وَاسِطَهُ، ومَوَّهْ بَعْضَ المُعْتَزِلَةِ فِي بَعْضِ المجَالسِ بِقَوْلِهِ لِنُصْرَةِ مذهبِهِ: الرزقُ مأُمُورٌ بِالإِنفَاقِ مِنْهُ ولاَ شَيْءَ مِنَ المأُمُورِ بِهِ بحرَامٍ، يَنْتُجُ أَنَّ الرّزقَ لَيْسَ بحرَامٍ، ودليلُ الأُولَى قَوْلُه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ودليلُ الثَّانِيةِ الإِجمَاعُ، وكَشَفَ هذه التَّمْوِيَهْ أَنَّ الأُولَى فَاسِدَةٌ لِعَدَمِ تَسْوِيرِهَا بكلٍّْ، فَلاَ يصحُّ الإِنتَاجُ، ولو قِيلَ: كلُّ رِزْقٍ مأُمُورٌ بِالإِنفَاقِ مِنْهُ لَمْ يصحَّ، لأَنَّ الحَرَامَ لَيْسَ مأُمُورًا بِالإِنفَاقِ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ص: بيدِه الهدَايةُ وَالإِضلاَلُ/ (٢٣٦/أَ/م) خَلَقَ الضلاَلَ وَالهدَايةَ وهو الإِيمَانُ.
ش: الدَّلِيلُ علَى أَنَّ بيدَهُ تعَالَى الهدَايةُ وَالإِضلاَلُ قَوْلُه تعَالَى: ﴿يَضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشََاءُ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿إِنّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ علَى عِلْمٍ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ
стр. 745
يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ المُهْتَدِ﴾ وإِنَّمَا كَانَ بيدِه لأَنَّهُ خَالِقَهمَا وَالفَاعِلُ لهمَا، قَالَ تعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَْنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلُ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرِجًا﴾.
قَالَ البيهقيُّ: وهذه الآيةُ كَمَا هي حُجَّةٌ فِي الهدَايةِ وَالإِضلاَلِ فهي حُجَّةٌ فِي خَلْقِ الهدَايةِ وَالضلاَلِ؛ لأَنَّهُ قَالَ: (يَشْرَحُ وَيَجْعَلُ) وذَلِكَ يُوجِبُ الفِعْلَ وَالخلقَ.
وَالمخَالِفُ فِي ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ، قَالُوا: إِنَّ العبدَ يَخْلِقُ أَفعَالَ نفسِهِ مِنْ هُدًى وضلالٍ، وإِنَّ نسبةَ الهدَايةِ إِلَى اللَّهِ إِنَّمَا هي بمعنَى أَنَّهُ أَعَانَ عَلَيْهَا بِخَلْقِ القُدْرَةِ، وأَنَّهُ تعَالَى لاَ يُضِلُّ أَحدًا، وإِنَّمَا الضَّالُّ أَضلَّ نفسَهُ، ولو أَضلَّهُ اللَّهُ لَظَلَمَهُ، ونسبةُ الإِضلاَلِ إِلَى اللَّهِ معنَاهَا مَنْعُ الأَلطَافِ التي يحصُلُ بِهَا الاهتدَاءُ، ويُقَالُ لهم: مَنْعُ الأَلطَافِ إِمَّا أَنْ يُوجِبُ الضّلاَلُ فيلزمُكُمْ المحذورُ مِنْ أَنَّهُ هو الخَالقُ له، أَو لاَ يُوجِبُه فَلاَ يُؤَثَرُ.
فإِنْ قَالُوا: مَنْعُ الأَلطَافِ مُرَجِّحٌ للضلالِ غَيْرِ مُوْجِبٍ/ (١٩٠/ب/د) له، وإِنَّمَا الموجبُ لَهُ فِعْلُ العبدِ.
قيلَ لهم: الموجِبُ لَهُ فِعْلُ العبدِ وحدَه، أَو مَعَ مَنْعِ اللّطفِ الأَوَّلِ بَاطلٌ؛ لأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَنْعُ اللطفِ مُرَجَّحًا فَالفعلُ غَيْرُ مستقِلٍّ بذلك، فتعيَّنَ الثَّانِي، وهو أَنَّ الموجِبَ المجموعُ، ويلزَمُ المحذورُ الذي أُلْزِمُوا بِهِ.
ثم بَيَّنَ المُصَنِّفُ ﵀ أَنَّ الاهتدَاءَ هو الإِيمَانُ، فكلُّ مَا صَارَ بِهِ المرءُ مؤمِنًا فَهُوَ الهدَايةِ كمَا قَالَ تعَالَى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾.
ولِلَّهدَايةِ معنًى آخرُ، وهو بيَانُ الطريقِ كمَا قَالَ تعَالَى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى علَى الهُدَى﴾ ومنه قَوْلُه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ
стр. 746
مُسْتَقِيمٍ﴾
فقَالَ أَصحَابُنَا: الهدَايةُ حقيقةٌ فِي الأَوَّلِ وَهُوَ خَلْقُ الهُدَى، مجَازٌ فِي الثَّانِي، وهو بيَانُ الطريقِ، وعَكَسَهُ: (٢٣٦/ب/م) المُعْتَزِلَةُ، ويردُّ عَلَيْهِم قَوْلُه تعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ أَي: خَلْقُ الإِيمَانِ فِي قلوبِهم، فإِنَّ دعاءَهم وبيَانَ طريقِ الهُدَى لهم كَانَ وَاجبًا عَلَيْهِ بلاَ شكٍّ.
وقَالَ تعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فعَمَّمَ الدّعوَةَ وخصَّ بِالهدَايةِ مَنْ شَاءَ.
ص: وَالتوفِيقُ: خَلْقُ القُدْرَةِ الدَّاعيةِ إِلَى الطَّاعةِ، وقَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ: خَلْقُ الطَّاعةِ، وَالخذلاَنُ ضِدُّهُ.
ش: اخْتلَفَ أَئِمَّتُنَا فِي معنَى التّوفِيقِ، فقَالَ الأَشعريُّ وَالأَكثرون: هو خَلْقُ قدرةِ الطَّاعةِ.
وقَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ: هو خَلْقُ الطَّاعةِ نَفْسِهَا.
قالَ الآمِدِيُّ: وَالأَوَّلُ أَوْفَقُ للوضعِ اللُّغَوِيِّ؛ إِذِ الموَافقةُ إِنَّمَا هي الطَّاعةُ، وبِخَلْقِ القُدْرَةِ الحَادثةِ يَكُونُ التّهيُّؤُ للموَافقةِ، ضرورةَ حُصُولِ الموَافقةِ عندَه، وعدمُ حصولِهَا عِنْدَ عدمِه، وإِنْ لَمْ تَكُنِ القدرةُ الحَادثةُ مُؤَثِّرَةً فِي الإِيجَادِ وإِنَّمَا خَالَفَ الإِمَامُ لِعَدَمِ تَأْثِيرِ القدرةِ الحَادثةِ فِي الطَّاعةِ لكنَّهُ أَبعدَ عَنِ الوضعِ اللُّغَوِيِّ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الطَّاعةَ بِهَا الموَافقةُ لاَ التّهيُّؤُ للموَافقةِ وَالبحثُ لفظيٌّ.
وَالخذلاَنِ ضدُّ التّوفِيقِ، فِيعودُ فِيهِ الخِلافُ فِي أَنَّهُ خَلْقُ قُدْرَةِ المعصيةِ أَوْ خَلْقِ المَعْصِيَةِ.
стр. 747
ص: وَاللُّطْفِ مَا يقَعُ عندَه صلاَحُ العبدِ أَخرةً.
ش: اللُّطْفُ عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ مَا يقَعُ عندَه صلاَحُ العبدِ فِي آخرتِه بِالطَاعةِ وَالإِيمَانِ دُونَ فسَادِهِ بِالكفرِ وَالعصيَانِ.
ثم قَالَ الأَشعريُّ وأَكثرُ أَئِمَّتِنَا: هو مخصوصٌ بشيءٍ، وهو خَلْقُ القدرةِ علَى فِعْلِ الصلاَحِ وَالإِيمَانِ وَالطَاعةِ.
وقَالَ المُعْتَزِلَةُ: لاَ يُخْتَصُّ بشيءٍ دُونَ شيءٍ، بَلْ كلُّ مَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ صلاَحَ العبدِ فِيهِ فهو لُطْفٌ بِهِ.
قَالَ الآمِدِيُّ: وَالبحثُ فِيهِ لفظيٌّ
ص: وَالخَتْمُ وَالطَّبْعُ وَالأَكِنَّةُ خَلْقُ الضلالِ فِي القَلْبِ.
ش: الخَتْمُ فِي قَوْلِهِ تعَالَى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ علَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآيةُ، وَالطَّبْعُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وطَبَعَ اللَّهُ علَى قُلُوبِهِمْ﴾ وَالأَكِنَّةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا علَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ هي خَلْقُ اللَّهِ الضّلاَلةَ فِي القلبِ، وَقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ ممَا تقدَّمَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تعَالَى خَالِقُ الهدَى وَالضلاَلِ، وتقدَّمَ/ (١٩١/أَ/د) خِلاَفُ المُعْتَزِلَةِ فِي ذلك.
وقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الجُبَّائِيُّ وَابنُه أَبُو هَاشمٍ:/ (٢٣٧/أَ/م) هي سِمَةٌ علَى القلبِ، يَعْلَمُ اللَّهُ تعَالَى بِهَا الملاَئكةُ حَالَ الكُفَّارِ، فَيَذِمُّوهُمْ وَيَلْعَنُوهُمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ سببًا لِلْكُفْرِ.
وقَالَ الكَعْبِيُّ، معنَاهَا قَطْعُ اللُّطْفِ عَنِ الكُفَّاِر لمَا عَلِمَهُ مِنْ عَدَمِ إِيمَانِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ البَحْثُ فِي ذَلِكَ، وروَى أَصحَابُ السُّنَّنِ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِه، فإِذَا تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَعْتَبَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وإِنْ زَادَ زَادَتْ، حتَّى يُغْلَقَ قَلْبُهُ، فذلِكَ الرَّانُ
стр. 748
الذي قَالَ اللَّهُ تعَالَى: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قَالَ التّرمذيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ: أَخْبَرَ رسولُ اللَّهِ- ﷺ أَنَّ الذّنوبَ إِذَا تَتَابَعَتْ علَى القلوبِ أَغْلَقَتْهَا فإِذَا أَغْلَقَتْهَا أَتَاهَا حِينَئِذٍ الخَتْمُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ وَالطَّبْعِ، فَلاَ يَكُونُ لِلإِيمَانِ إِليهَا مَسلكٌ ولاَ لِلكُفْرِ مِنْهَا مُخَلِّصٌ.
وَقِيلَ لِطَاوسٍ عَنْ رجلٍ مِنَ القَدَرِيَّةِ: إِنَّهُ فَقِيهٌ، فقَالَ: إِبليسُ أَفْقَهُ؛ لأَنَّهُ قَالَ: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ وَالقَدَرِيَّةُ تَقُولُ: لاَ يَغْوِي اللَّه أَحدًا.
ص: وَالمَاهِيَّاتُ مجعولةٌ، وثَالِثُهَا إِنْ كَانَتْ مُرَكَّبَةً.
ش: فِي المَاهيَّاتِ ثلاَثةُ أَقوَالٍ.
أَحَدُهَا ـ وَبِهِ قَالَ أَصحَابُنَا ـ أَنَّهَا مجعولةٌ.
وَالثَّانِي ـ وَبِهِ قَالَ الفلاَسفةُ وَالمُعْتَزِلَةُ ـ أَنَّهَا غَيْرُ مجعولةٍ.
وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ؛ فَالمُرَكَّبَةُ مجعولةٌ وَالبسيطةُ غَيْرُ مجعولةٍ، ومعنَى هذَا
стр. 749
الخِلاَفِ أَنَّ المَعْدُومَاتِ المُمْكِنَةَ قَبْلَ دخولِهَا فِي الوُجُودِ هَلْ تَأْثِيرُ الفَاعلِ فِي جَعْلِهَا ذَوَاتًا وفِي جَعْلِ تِلْكَ الذّوَاتِ مَوْجُودةً، وهذَا الخِلاَفُ رَاجِعٌ لِمسأَلتَيْنِ.
إِحْدَاهُمَا: الخِلاَفُ فِي المعدومِ هَلْ هو شَيْءٌ أَمْ لاَ؟
فَلَمَّا قَالَ أَصحَابُنَا: إِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ولاَ ذَاتٍ، ولاَ ثَابِتٍ ـ جَعَلُوا المَاهيَّاتِ مجعولةً بِجَعْلِ اللَّهِ.
ولَمَّا قَالَ المُعْتَزِلَةُ: إِنَّهُ شَيْءٌ، جَعَلُوا مَاهِيَّتَه ثَابِتةً فِي حَالِ العَدَمِ، ولاَ تَأْثِيرَ لِلصَانعِ فِيهِ إِذَا أَوْجَدَهْ إِلاَّ فِي إِعطَاءِ صِفَةِ الوُجُودِ، فَلَمْ يجعلوا المَاهِيَّاتِ غيرَ/ (٢٣٧/ب/م) مجعولةً، وإِنَّمَا المجعولُ وُجُودُهَا.
وأَمَّا مَنْ فَصَّلَ فَقَالَ: البسيطةُ كَالجَوْهَرِ غَيْرُ مجعولةٍ؛ فَنَظَرٌ إِلَى نَفْيِ حقيقتِه؛ لأَنَّ الجَوْهَرَ جَوْهَرٌ وُجِدَ الغيرُ أَمْ لاَ، وقَالَ: المركبةُ كَالسَّوَادِ المُلْتَئِمِ مِنَ اللّوْنِيَّةِ ومَانِعِيَّةِ البَصَرِ مجعولة+؛ لأَنَّهُ لاَ يَكُونُ سوَادًا بِالاعْتِبَارِ الأَعَمِّ لذَاتِه بَلْ لِمُقدمَاتِه، فإِذَا قَطَعَ النّظَرَ عَنْ مُقدمَاتِه لاَ يَكُونُ السّوَادُ سوَادًا وَالجزءُ غَيْرُ الكُلِّ.
الثَانِيَةُ: أَنَّ المَاهِيَّاتِ هَلْ هي مُتَقَرِّرَةٌ بِذوَاتهَا أَمْ لاَ؟
فقَالَ الجُمْهُورُ: لَيْسَتْ مُتقرِّرةً بِذوَاتِهَا بَلْ بِغيرِهَا فهي مجعولةٌ.
وقَالَ المُعْتَزِلَةُ: هي مُتَقَرِّرَةٌ بِذوَاتِهَا، فَامْتَنَعَ تَأْثِيرُ الفَاعلِ فِي ذلكَ.
وظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ جَعْلَ المُصَنِّفِ هذه المَسْأَلَةَ مِمَّا يَجِبُ اعتقَادُه، ومسأَلةُ أَنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ مِمَّا لاَ يَضُرُّ جَهْلُهُ تَنَاقُضٌ؛ فَإِنَّ مُدْرِكَهُمَا وَاحدٌ، وَالصَّوَابُ المذكورُ هُنَا فَقَدْ أَشَارَ الإِمَامُ فَخْرُ/ (١٩١ب/د) الدّينِ إِلَى أَنَّ القَوْلَ بِأَنَّهَا غَيْرُ مجعولةٍ يَلْزَمُ مِنْهُ إِنكَارُ الصَّانعِ، فقَالَ: زَعَمَ جمهورُ المُعْتَزِلَةِ وَالفلاَسفةِ أَنَّ تَأْثِيرَ المُؤَثِّرِ يَكُونُ فِي وُجُودِ الأَمرِ لاَ فِي مَاهِيَّتِه، وهو بَاطلٌ لأَنَّ الوُجُودَ لاَ مَاهِيَّةَ لَهُ فَلَوْ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لِلقَادرِ تَأْثِيرٌ فِي المَاهِيَّةِ لامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الوُجُودِ.
стр. 750
ص: أَرْسَلَ الرّبُّ تعَالَى رُسُلَهُ بِالمعجزَاتِ البَاهرَاتِ، وخَصَّ مُحَمَّدًا- ﷺ بِأَنَّهُ خَاتِمُ النّبِيِّينَ، المبعوثُ إِلَى الخَلْقِ أَجْمَعِينَ، المُفَضَّلُ علَى جَمِيع العَالَمِينَ، وبَعْدَه الأَنبيَاءُ، ثُمَّ الملاَئكةُ، ﵈.
ش: مِمَّا يَجِبُ اعتقَادُه بَعْثَةُ اللَّهِ لِلرُّسُلِ وإِقَامةُ الأَدلَّةِ علَى صِدْقِهم بِمَا أَجْرَاه علَى أَيدِيهم مِنَ المُعْجِزَاتِ البَاهرَاتِ لإِقَامةِ الحُجَّةِ علَى خَلْقِه، وَالمُرَادُ الحُجَّةُ الظَّاهِرةُ التي يُشَارِكُه فِي العِلْم بِهَا خَلْقُه، وأَمَّا الحُجَّةُ الحَقِيقِيَّةُ المُتَفَرِّدُ هو بِعِلْمِهَا فهي قَائمةٌ علَى الخَلْقِ بِدُونِ الرّسُلِ؛ لأَنَّهُ سُبْحَانَه حَكَمٌ عَدْلٌ، وأَنْكَرَ ذَلِكَ طوَائفٌ مِنَ الفلاَسفةِ وَغَيْرِهم وأَنكروا جَمِيعَ مَا يُرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الحَشْرِ وَالنَّشْرِ، وَالجَنَّةِ وَالنَّارِ.
وأَمَّا كَوْنُ نَبِيِّنَا- ﷺ خَاتِمَ النّبِيِّينَ فَهو منصوصٌ عَلَيْهِ فِي التّنزيلِ، وقَالَ هو: (لاَ نَبِيَّ بَعْدِي) وهو ثَابِتٌ فِي الصّحيحَيْنِ، وفِي تَهْذِيبِ الآثَارِ لِمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ: ((لاَ نَبِيَّ بَعْدِي/ (٢٣٨/أَ/م) إِنْ شَاءَ اللَّهُ))، وهذه الزّيَادةُ موضوعةٌ، وَضَعَهَا مُحَمُّدُ بْنُ سَعِيدٍ المَصْلُوبُ كَمَا قَالَهُ الحَاكِمُ فِي (الإِكْلِيلِ) ولَوْ صَحَّتْ لَكَانَ هذَا الاستثنَاءُ لأَجْلِ عيسَى فإِنَّ نُبُوَّتَهُ لَمْ تَنْقُطْ، وإِنْ كَانَتْ شريعتُه قَدْ نُسِخَتْ، وتأَوَّلَهَا ابْنُ عبدِ البَرِّ فِي (التَّمْهِيدِ) علَى الرّؤْيَا؛ لأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَه مِنْ أَجزَاءِ النّبُوَّةِ غيرِهَا.
وَالمخَالفُ فِي ذَلِكَ فِرْقَةٌ مِنَ الفلاَسفةِ قَالُوا: إِنَّ النّبُوَّةَ مُكْتَسَبَةٌ.
وفِي (ذَمِّ الكلاَمِ) لِلْهَرَّوِيِّ: أَنكروا علَى ابْنِ حِبَّانَ قَوْلَه: (النبوةُ العِلْمُ
стр. 751
وَالعَمَلُ) وحكموا عَلَيْهِ بِالزَّنْدَقَةِ، وهُجِرَ، وكُتِبَ فِيه إِلَى الخليفةِ، فَأُخْرِجَ إِلَى سَمَرَّقَنْدَ.
قُلْتُ: ومَا أَظُنُّ ابْنَ حِبَّانَ يقولُ: إِنْ مَنْ حَصَلَ لَهُ العِلْمُ وَالعَمَلُ صَارَ نَبِيًّا، ولَكِنَّ العِلْمَ وَالعَمَلَ آلَةٌ لِلنُّبُوَّةِ، ثُمَّ قَدْ يُؤْتِي اللَّهُ العَالِمَ العَاملَ النّبوةَ وَقَدْ لاَ يُؤْتِيهِ اللَّهُ إِيَّاهَا ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ وكَانَ هذَا قَبْلَ نَبِيِّنَا ﵊، أَمَّا الآنَ فَقَدْ عُلِمَ بِالدليلِ القَطْعِيِّ انْتِفَاءُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وأَمَّا كَوْنُه ﵊ مبعوثًا إِلَى الخلقِ أَجمعِينَ فَالمُرَادُ المُكَلَّفُ مِنْهم، وهذَا يتنَاولُ الإِنسَ وَالجِنَّ وَالملاَئكةَ، فأَمَّا الأَولاَنِ فَبِالإِجمَاعِ، وَقَدْ نَقَلَه الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي تفسيرِ سُورةِ البقرةِ فِي الجِنِّ، ويَدُلُّ لَهُ أَنَّهم قَصَدُوه وسَمِعُوا مِنْهُ القرآنَ وأَخَذُوا عَنْهُ الشّرَائعَ، وقَالَ: (لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ومَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) وفِي التّنزيلِ: ﴿ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ وفِي الصّحيحَيْنِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصّلاَةُ/ (١٩٢/أَ/د) وَالسَّلاَمُ قَالَ: ((بُعِثْتُ إِلَى الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ)) فَقِيلَ: المُرَادُ العَرَبُ وَالعَجَمُ، وَقِيلَ: الإِنْسُ وَالجِنُّ.
وأَمَّا الملاَئكةُ فَمَحَلُّ خلاَفٍ؛ فَفِي تفسيرِ الإِمَامِ فَخْرِ الدّينِ فِي سورةِ الفُرْقَانِ: دُخُولُهم؛ لِقَوْلِه تعَالَى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ وَالمَلاَئكةُ مِنَ العَالَمِينَ، وفِي
стр. 752
شُعَبِ الإِيمَانِ لِلْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ ﵊ أُرْسِلَ إِلَى الجِنِّ وَالإِنْسِ دُونَ الملاَئكةِ ونَقَلَهُ عَنِ الحُلَيْمِيِّ، وأَقَرَّهُ.
وأَمَّا تفضِيلُه ﵊ علَى جَمِيعِ العَالَمِينَ/ (٢٣٨/ب/م) فَنَقَلَ الإِمَامُ فِي تفسيرِه الإِجمَاعَ عَلَيْهِ، وَاسْتَثْنَوهُ مِنَ الخِلاَفِ فِي التّفضِيلِ بَيْنَ الملاَئكةِ وَالبَشَرِ.
وأَمَّا تفضِيلُ الأَنبيَاءِ علَى الملاَئكةِ فهو مَذْهَبُ الأَشْعَرِيِّ وجُمْهُورِ أَصحَابِه وإِحدَى الرّوَايَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ
وذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ إِلَى تفضِيلِ الملاَئكةِ وَاختَارَه مِنْ أَصحَابِنَا القَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالأَستَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ, وأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الحَاكِمُ، وَالحُلَيْمِيُّ، وَالإِمَامُ فَخْرُ الدّينِ فِي (المَعَالِمِ) وأَبُو شَامةَ المَقْدِسِيِّ.
وقَالَ البَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الإِيمَانِ) قَدْ رَوى أَحَاديثَ المُفَاضلةِ بَيْنَ المَلَكِ وَالبَشَرِ ولِكُلِّ دَلِيلٍ وَجْهٌ، وَالأَمْرُ فِيهِ سَهْلٌ، وَلَيْسَ فِيهِ مِنَ الفَائِدَةِ إِلاَّ معرفةَ الشّيْءِ علَى مَا هو عَلَيْهِ، انْتَهَى.
وهذَا مُخَالفٌ لِذِكْرِ المُصَنِّفِ هذه المَسْأَلَةَ فِي مَسَائِلِ العقَائدِ، وفِي المَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالثٌ بِالوَقْفِ، وَبِهِ قَالَ إِلْكِيَاالْهَرَّاسِيُّ، فَاسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى تفضِيل الأَنبيَاءِ بِقَوْلِهِ تعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ جمَاعةٍ مِنَ الأَنبيَاءِ: ﴿وَكُلاًّ فَضَّلْنَا علَى العَالَمِينَ﴾ وَالملاَئكةُ مِنَ العَالَمِينَ وبِقولِه تعَالَى: ﴿إِنَّ الذّينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحَاتِ أَولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيِّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾ وَالبَرِيِّةُ: الخَلِيقُةُ، وَالملاَئكةُ منهم، وَالمُرَادُ هُنَا بَنُو آدَمَ؛ لأَنَّهُمْ المُجَازُونَ بِالجَنَّةِ دُونَ الملاَئكةِ، وبِأَنَّ اللَّهَ تعَالَى
стр. 753
أَسْجَدَ لآدَمَ الملاَئكةَ وَالمسجودُ لَهُ أَفْضَلُ مِنَ السَاجدِ، وفِي الأَنبيَاءِ مَنْ هو أَفْضَلُ مِنْ آدمَ؛ ولأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهم العِصْمَةُ مَعَ التّركيبِ المُعَرِّضِ للنَّوَائِبِ التي يَجِبُ الصّبرُ عَلَيْهَا، وَالشّهوَاتِ التي يَجِبُ الصّبرُ عَلَيْهَا؛ ولأَنَّ النَّاسَ فِي المَوْقِفِ إِنَّمَا يَسْتَشْفِعُونَ بِالأَنبيَاءِ دُونَ الملاَئكةِ.
وقَالَ الإِمَامُ فَخْرُ الدّينِ: إِنَّ الخِلاَفَ فِي التّفضيلِ بِمعنَى أَيِّهَا أَكثرُ ثوَابًا علَى الطَّاعَاتِ، ورُدَّ بِذَلِكَ احتجَاجُ الفَلاَسفةِ علَى أَفضلِيَّةِ الملاَئكةِ بِأَنَّهَا نُورَانِيَّةٌ عُلْوِيَّةٌ وَالبَشَرُ ظَلْمَانِيّةٌ سُفْلِيّةٌ، وقَالَ: هذَا لَمْ يَلْقَ مَحَلَّ النّزَاعِ، وبِهذَا يَزُولُ الإِشكَالُ فِي المَسْأَلَةِ وضَلَّ َبَعْضُ مَنْ يَنْتَمِي إِلَى التّصَوُّفِ فَزَعَمَ أَنَّ الوَلِيَّ أَفضلُ مِنَ النَّبِيِّ؛ لأَنَّهَا نِسْبَةُ العَبْدِ مِنَ اللَّهِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وهذَا جَهْلٌ مِنْ قَائلِه، خَفِي عَلَيْهِ أَنَّ النّسْبَةَ فِي النَّبِيِّ أَكملُ وفِي الرّسولِ أَكملُ، ولاَ يَصِحُّ مَا قَالَ هذَا الجَاهلُ لو لَمْ يَكُنْ فِي الرّسولِ وَالنَّبِيِّ بَعْدَ حِصَّةِ/ (٢٣٩/أَ/م) الوِلاَيةِ كَمَالٌ آخَرُ، وهَيْهَاتَ قَدْ عَمِي بَصَرُ هذَا عَنْ ذَلِكَ؛ فَلَوْ نَظَرَ إِلَى خصَائصِ الأَنبيَاءِ وَالكمَالاتِ الحَاصِلةِ لَهُمْ/ (١٩٢/ب/د) فَوْقَ الأَوليَاءِ وخصَائصِ الرّسَالةِ وَالكمَالاتِ الحَاصِلةِ لهم فوقَ الأَنبيَاءِ لأَبصرَ الأَوليَاءَ فِي الحضِيضِ الأَسفلِ وإِنْ كَانوا علَى خَيْرٍ، ولأَخَذَ بِحُجَّةِ الكمَال ِالذي للأَنبيَاءِ، انْتَهَى.
ص: وَالمُعْجِزَةُ أَمرٌ خَارقٌ لِلعَادةِ مَقرونٌ بِالتحدِّي مَعَ عدمِ المُعَارضَةِ وَالتحدي الدّعوَى.
ش: لَمَّا ذَكَرَ المُصَنِّفُ الإِرسَالَ بِالمعجزَاتِ احتَاجَ إِلَى تعريفِهَا، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَضَمُّنِهَا تعجيزَ الذّينَ معهم التّحدِّي عَنِ المقَابلةِ بمثلِهَا.
وقَالَ الإِمَامُ فِي (الرسَالةِ النظَاميةِ+): تَسْمِيَتُهَا بِذَلِكَ تَجُوزُ؛ فَإِنَّ الْمُعْجِزَ فِي الحَقِيقَةِ خَالِقُ العَجْزِ، ولَكِنْ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِهَا أَنَّ مَنْ لَيْسَ نَبِيًّا يَعْجَزُ
стр. 754
عَنِ الإِتيَانِ بِمَا يُظْهِرُه اللَّهُ تعَالَى علَى النّبِيِّ.
فَقولُه: (أَمرٌ) جِنْسٌ، وعَبَّرَ بِهِ لِشُمُولِه القَوْلَ وَالفِعْلَ وَالإِعدَامَ، كَمَا لو تحدَّى بإِعدَامِ حَبلِ فِيَنْعَدِمُ.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ (خَارِقٌ لِلعَادةِ) مَا لَيْسَ كذلك، كَطُلوعِ الشّمسِ كَلَّ يومٍ علَى المعتَادِ، وفُهِمَ مِنْ إِطلاَقِه أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الخَارقِ مُعَيَّنًا، وَقَدْ نَقَلَ الآمِدِيُّ الاتِّفَاقَ عَلَيْهِ.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: (مَقْرُونٌ بِالتحدِّي) أَيْ: بِدعوَى النّبوةِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ أَو يَتَأَخَّرَ عَنْهُ، وفِي ذَلِكَ احترَازٌ عَنِ الكرَامةِ؛ فَإِنَّه لاَ تَحَدِّيَ فِيهَا، وعَنِ العَلاَمَةِ الدَّالةِ علَى بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ بَعْثِهِ كَالنُّورِ الذي ظَهَرَ فِي جَبْهَةِ عَبْدِ اللَّهِ أَبِي النَّبِيِّ ﷺ ويُسَمَّى إِرهَاصًا، وهو بِالصَّادِ المُهْمَلَةِ التّأَسيسِ، وَالتأَسيسُ مأَخوذٌ مِنَ الرَّهَصِ، وهو البُنْيَانُ الأَوَّلُ مِنَ الحَائطِ.
وَخَرَجَ بِعَدَمِ المُعَارِضِ السّحْرُ وَالشّعْبَذَةُ؛ فَإِنَّه يُمْكِنُ مُعَارضتُهَا.
قَالَ الآمِدِيُّ: وَوَجْهُ (اشْتِرَاطِ) كَوْنِ المبعوثِ إِلَيْهِ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ المُعَارضَةُ أَنَّهُ لَو لَمْ يكن كَذَلِكَ لَسَاوَى النَّبِيَّ غيرُه، وَخَرَجَ المُعْجِزُ عَن كَوْنِه نَازِلاً مِنَ اللَّه مَنْزِلَةِ التّصديقِ.
وأُورِدَ علَى هذَا التَّعْرِيفِ أُمُورٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَنْبَغِي تقييدُ المُعَارضِ بِكَوْنِه مُمَاثِلاً لِمَا أَتَى بِهِ الرّسولُ إِنْ كَانَ تَحَدِّيهِ بِخَارقٍ مُعَيَّنٍ، كَمَا قَالَ أَكثرُ أَصحَابِنَا، وَاختَارَ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَدَمَ اشْتِرَاطِ ذلكَ.
وقَالَ الآمِدِيّ: إِنَّهُ الحَقُّ.
ثَانِيهَا: يُشْتَرَطُ أَيضًا أَنْ يَكُونَ الخَارقُ/ (٢٣٩/ب/م) غَيْرَ مُكَذِّبٍ له، فلو أَنْطَقَ جمَادًا أَو أَحْيَا مَيْتًا فَأَخبرَ بِكذبِه لَمْ تَكُنْ معجزةً له، ولَمْ تَدُلَّ علَى صِدْقِهِ علَى الصّحيحِ، كَمَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وجَزَمَ بِهِ إِمَام الحَرَمَيْنِ فِي (الرسَالةِ النّظَاميةِ).
ثَالِثُهَا: قَيَّدَ ذَلِكَ بعضُهم بأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ التّكليفِ؛ للاَحترَازِ عَمَّا يَقَعُ فِي القِيَامةِ مِنَ الخَوَارقِ، قَالَهُ الأَستَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ.
стр. 755
قُلْتُ: ولاَ يُحتَاجُ إِلَى هذَا؛ لِخروجِه بِقَوْلِهِ: (مقرونٌ بِالتحَدِّي)، فَإِنَّ القيَامةَ لَيْسَتْ مَحَلَّ دعوَى رسَالةٍ ولاَ تَحَدٍّ.
رَابِعُهَا: وزَادَ الأَستَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ أَيضًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ علَى جِهَةِ الابتدَاءِ؛ لَيَخْرُجَ/ (١٩٣/أَ/د) مَنْ مَضَى فِي هذه الأَزمَانِ إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ عَنِ الإِسلاَم لَمْ يَبْلُغُهم القرآنُ وقَرَأَه عليهم، وتحدَّاهم بِهِ.
قُلْتُ: ولاَ يُحتَاجُ لِذَلِكَ؛ لأَنَّ المُرَادَ دعوَى النّبُوَّةِ فِي زَمَنِ إِمكَانِهَا، وهي الآنَ مُسْتَحِيلةٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
ثم بَيَّنَ المُصَنِّفُ أَنَّ التّحَدِّيَ هو دعوَى النّبُوَّةِ.
وقَالَ بعضُهم: التّحَدِّي فِي اللّغةِ المُمَارَاةُ وَالمُنَازعةُ.
ص: وَالإِيمَانُ تصديقُ القلبِ، ولاَ يُعْتَبَرُ إِلاَّ مَعَ التّلَفُّظِ بِالشّهَادتَيْنِ مِنَ القَادرِ، وَهَلْ التّلَفُّظُ شَرْطٌ أَو شَطْرٌ، فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَالإِسلاَمُ: أَعمَالُ الجوَارحِ، ولاَ تُعْتَبَرُ إِلاَّ مَعَ الإِيمَانِ، وَالإِحسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كأَنَّكَ ترَاه، فَإِنْ لَمْ تكن تَرَاه فإِنَّه يَرَاكَ.
ش: ذَكَرَ فِي هذه الجُمْلَةِ أَركَانَ الدِّينِ التي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ- ﷺ : ((هذَا جِبْريلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ)) وهي الإِيمَانُ وَالإِسلاَمُ وَالإِحسَانُ.
فأَمَّا الإِيمَانُ هو فِي اللّغةِ التّصديقُ، وفِي الشَّرْعِ التّصديقُ بِكُلِّ مَا عُلِمَ بِالضرورة مَجِيءُ الرّسلِ بِهِ، دُونَ الأُمُورِ الاجتهَادِيَّةِ، كَذَا قَالَهُ الأَشْعَرِيُّ وأَكثرُ المُتَكَلِّمِينَ كَالقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالأَستَاذُ أَبِي إِسْحَاقَ وبِذلكَ فَسَّرَهُ النَّبِيُّ- ﷺ حِينَ سأَلَه جِبْرِيلُ ﵇ عَنْهُ فقَالَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وملاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ)) قَالُوا: ولاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ بِالقلبِ مَعَ القُدْرَةِ علَى الإِقرَارِ بِاللِّسَانِ، ولاَ يَحْصُلُ الإِيمَانُ إِلاَّ بِمجموعِهمَا فَإِنَّ القَوْلَ مأُمُورٌ بِهِ كَالاعتقَادِ، قَالَ اللَّهُ تعَالَى: ﴿قُولُوا آمَنَّا
стр. 756
بِاللَّهِ﴾ وقَالَ ﵊: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهَ)) فإِنْ عَجَزَ عَنِ التَّلَفُّظِ؛ لِخَرَسٍ أَو اخْتَرَامِ مَنِيَّةٍ قُبَيلَ التّمكينِ مِنْهُ صَحَّ إِيمَانُهُ، وإِنْ عُرِضَ عليه/ (٢٤٠/أَ/م) التَّّلَفُّظُ فأَبَى مَعَ القدرةِ، كأَبِي طَالبٍ، لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا بِالاتِّفَاقِ، وكذَا إِنْ لَمْ يُعْرَضْ عَلَيْهِ عِنْدَ الجُمْهُور.
ومَال الغَزَالِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَكْفِيهِ، وقَالُوا: كَيْفَ يُعَذَّبُ مَنْ قَلْبُهُ مملوءٌ بِالإِيمَانِ وهو المَقْصُودُ الأَصْلِيُّ، غَيْرَ أَنَّهُ لِخفَائِه نِيطَ الحُكْمُ بِالإِقرَارِ الظَّاهِرِ، وعلَى هذَا فهو مؤمنٌ عِنْدَ اللَّهِ تعَالَى، غَيْرُ مؤمنٍ فِي أَحكَامِ الدُّنيَا، عَكْسُ المُنَافِقِ وهو ظَاهرُ كلاَمِ شَيْخِهِ فِي الإِرشَادِ) أَيضًا.
وعلَى المشهورِ فَالتَّلَفُّظُ مَعَ القدرةِ هَلْ هو شَرْطٌ لِلإِيمَانِ أَو شَرْطٌ لَهُ بِمعنَى أَنَّهُ أَحَدُ رُكْنَيْهِ، ويكونُ الإِيمَانُ هو المجموعُ؟ وبِالأَوَّلِ قَالَ المُتَكَلِّمُونَ، وحُكِيَ الثَّانِي عَن أَكثرِ السَّلَفِ، وَمِنْهُم أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وكلاَمُ الغَزَالِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ ولاَ شَطْرٍ، وإِنَّمَا هو وَاجبٌ مِنْ وَاجبَاتِه، وفَسَّرَ المُعْتَزِلَةُ الإِيمَانَ بَامتثَالِ الوَاجبَاتِ، وَاجتنَابِ المَنْهِيَّاتِ؛ فَجَعَلُوه مِنْ قَبِيلِ الأَعمَالِ، ويَتَرَتَّبُ علَى هذَا الخِلاَفِ أَنَّهُ هَلْ يَقْبَلُ الزّيَادةَ وَالنَقْصَ؟
فعلَى الثَّانِي يَقْبَلُهُمَا، وعلَى الأَوَّلِ فَالمشهورُ/ (١٩٣/ب/د) أَنَّهُ لاَ يُقْبَلُهُمَا، وَاختَارَ النَّوَوِيُّ خلاَفَه.
стр. 757
وأَمَّا الإِسلاَمُ فهو فِي اللّغةِ الاستسلاَمُ وَالانقيَادُ، وفِي الشَّرْعِ أَعمَالُ الجوَارحِ، وبِذلكَ فَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا سَأَلَه جبريلُ ﵇ عَنِ الإِسلاَمِ؟ فقَالَ: ((أَنْ تَشْهَدَ أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ شريكَ لَهُ وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وتَقِيمَ الصّلاَةَ، وتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وتَصُومَ رَمَضَانَ، وتَحُجَّ البيتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سبيلاً)) ولَكِنْ لاَ يُعْتَبَرُ، ويَقَعُ مُعْتَدًّا بِهِ إِلاُّ مَعَ الإِيمَانِ وهو التّصديقُ الخَاصُّ كَمَا تَقَدَّمَ، ولَمْ يَحْكُوا خِلاَفًا فِي أَنَّ الإِيمَانَ شَرْطٌ فِي الإِسلاَمِ أَو شَطْرٌ.
وأَمَّا الإِحسَانُ فَقَدْ فَسَّرَهُ المُصَنِّفُ بِمَا فَسَّرَهُ بِهِ النَّبِيُّ- ﷺ فِي حديثِ جبريلَ، فَالإِيمَانُ مَبْدَأٌ، وَالإِسلاَمُ وَسَطٌ، وَالإِحسَانُ كَمَالٌ، وَالدِّينُ الخَالصُ شَامِلٌ لِلثلاَثةِ، ومَنْ اتَّصَفَ بِالإِحسَانِ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ معصيةٌ ولاَ خِلاَفَ فِي الطَّاعةِ، وكيفَ هو عَالِمٌ بِأَنَّ اللَّهَ يرَاه مُسْتَحْضِرٌ+ لذلكَ، ولو عَلِمَ اطِّلاَعَ بَعْضِ الصَّالِحِينَ عَلَيْهِ لَمْ يُقْدِمْ علَى المعصيةِ، وفَسَّرَ بعضُهم الإِحسَانَ بِالإِخلاَصِ، وقَالَ: هو شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الإِيمَانِ وَالإِسلاَمِ/ (٢٤٠/ب/م) وَالحديثُ يَدُلُّ علَى تفسيرِه بِزيَادةٍ علَى ذلك.
ص: وَالفِسْقُ لاَ يُزِيلُ الإِيمَانَ، وَالمَيِّتُ مؤمنًا فَاسقًا تَحْتَ المَشِيئَةِ إِمَّا أَنْ يُعَاقَبَ ثُمَّ يَدْخُلِ الجَنَّةَ، وإِمَّا أَنْ يُسَامَحَ بِمُجَرَّدِ فَضْلِ اللَّهِ أَو مَعَ الشّفَاعةِ، وأَوَّلُ شَافِعٍ وأَوْلاَهُ حَبِيبُ اللَّهِ مُحَمَّدُ المصطفَى- ﷺ .
ش: الفِسْقُ بِارتكَابِ الكبيرةِ أَوِ الإِصرَارِ علَى الصّغيرةِ لاَ يُزِيلُ اسْمَ الإِيمَانِ، بَلْ مُرْتَكِبُ ذَلِكَ مُطِيعٌ بإِيمَانِه عَاصٍ بِفِسْقِهِ؛ فَمَنْ مَاتَ مِنَ المؤمنِينَ علَى فِسْقِهِ غَيْرَ تَائبٍ فهو تحتَ مشيئةِ اللَّهِ تعَالَى، إِمَّا أَنْ يُعَاقَبَ وقَدْرُ ذَلِكَ مُغَيَّبٌ عَنَّا، ثُمَّ يَدْخُلِ الجَنَّةَ ولاَ يُمْكِنْ خُلُودُه فِي النَّارِ، وإِمَّا أَنْ يُسَامَحَ، ويَدْخُلِ الجَنَّةَ بِغَيْرِ عقوبةٍ، وذلكَ إِمَّا لِمُجَرَّدِ فَضْلِ اللَّهِ تعَالَى مِنْ غَيْرِ وَاسطةٍ، وإِمَّا بِوَاسطةِ الشّفَاعةِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مِنْ غيرِه، وأَوَّلُ الشّفعَاءِ وأَوْلاَهُمْ بِالقبولِ مُحَمَّدٌ الرّسولُ- ﷺ وَقَدْ يُشَارِكُه فِي مِثْلِ هذَا غيرُه، وَالذي تَحَقَّقْنَا
стр. 758
اختصَاصُه بِهِ هو الشّفَاعةُ العُظْمَى؛ لِفَصْلِ القضَاءِ بَيْنَ الخَلْقِ، وتلك لاَ يُنْكِرُهَا المُعْتَزِلَةُ إِنَّمَا أَنكروا غيرَهَا.
وقَالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إِنَّ الفِسْقَ يُخْرِجُ عَنِ الإِيمَانِ ولاَ يُدْخِلُ فِي الكُفْرِ؛ فهو فَاسِقٌ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ ولاَ كَافرٍ، فقَالوا بِالمَنْزِلَةِ بَيْنَ منزلتَيْنِ، وعندَهم أَنَّ الفَاسقَ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ كَالكَافِرِ، وأَنَّهُ لاَ يَخْرُجُ مِنْهَا بشفَاعةٍ ولاَ غيرِهَا، وأَنكروا الشّفَاعة؛ َ لوجُوبِ العقوبةِ عندَهم. وحكَى ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايةً: أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالفِسْقِ مِنَ الإِيمَانِ إِلَى الإِسلاَمِ.
وقَالَ البَيْهَقِيُّ: توَاتَرَتِ الأَحَاديثُ فِي أَنَّ/ (١٩٤/أَ/د) المؤمنَ لاَ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ بِذُنُوبِه، غَيْرَ أَنَّ القَدْرَ الذي يَبْقَى فِيهَا غَيْرَ معلومٍ، وَالذي تَلْحَقُهُ الشّفَاعةُ ابتدَاءً حتَّى لاَ يُعَذَّبُ أَصْلاً غَيْرَ معلومٍ، فَالذَّنْبُ خَطَرٌ عظيمٌ، ورَبُّنَا غفورٌ رحيمٌ، وعقَابُه شديدٌ أَليمٌ.
قَالَ العلمَاءُ: وَالشّفَاعَاتُ الأَخْرَوِيَّةُ خَمْسٌ:
أَحَدُهَا: الشّفَاعةُ العظمَى بِفَصْلِ القضَاءِ، وهي خَاصَّةٌ بِنَبِيِّنَا- ﷺ بِالإِجمَاعِ.
الثَانِيَةُ: الشّفَاعةُ فِي إِدخَالِ قَوْمٍ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ولاَ عِقَابٍ، وذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ هذه مُخْتَصَّةٌ بِهِ أَيضًا، وتَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ.
الثَالثةُ: الشّفَاعةُ فِي قَوْمٍ استوجبوا النَّارَ حتَّى لاَ/ (٢٤١/أَ/م) يدخلوهَا كَمَا سَبَقَ.
الرَابعةُ: الشّفَاعةُ فِي إِخرَاج ِقَوْمٍ مِنَ النَّارِ.
الخَامسةُ: الشّفَاعةُ فِي زيَادةِ الدَّرَجَاتِ فِي الجَنَّةِ، وزَادَ بعضُهم.
سَادسةً: وهي الشّفَاعةُ فِي تخفِيفِ العذَابِ عَنْ بَعْضِ الكُفَّارِ كَأَبِي طَالبٍ.
وسَابعةً: فِي التّخفِيفِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، كَمَا جَاءَ فِي حديثِ القَبْرَيْنِ
فَإِنَّ فِيهِ: ((فَأَحْبَبْتُ أَنْ يُرَفَّهَ عَنْهُمَا بِشَفَاعَتِي مَا دَامَ هذَانِ الغُصْنَانِ
стр. 759
رَطْبَيْنِ)).
ص: ولاَ يَمُوتُ أَحَدٌ إِلاَّ بِأَجَلِهِ.
ش: هذَا فِي غَيْرِ المقتولِ إِجمَاعٌ، وفِي المقتولِ علَى المُعْتَمَدِ المَنْصُورِ ـ وَبِهِ قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ ومِنَ المُعْتَزِلَةِ الجُبَّائِيُّ وَابْنُهُ، وذَهَبَ بَاقِي المُعْتَزِلَةِ إِلَى أَنَّ القَاتلَ قَطَعَ أَجَلَهُ المَضْرُوْبَ لَهُ فَمَاتَ قَبْلَ وقتِه، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ لُوْلاَ القتلُ لَكََانَ يعيشُ أَو يَمُوتُ بِفِعْلِ اللَّهِ تعَالَى علَى قولَيْنِ، ودليلُنَا قَوْلُه تعَالَى: ﴿فإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعةً ولاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وقولُه تعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الذّينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وقَالُوا لإِخوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَو كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا ومَا قُتِلُوَا﴾ فَنَهَى تعَالَى عَنْ مِثْلِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، ونَسَبَهُ إِلَى الكُفَّارِ.
وأَمَّا قَوْلُهُ ﵊: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)).
فَعَنْهُ أَجْوِبَةٌ أَصَحُّهَا كمَا قَالَ النّوَوِيُّ: إِنَّ هذه الزّيَادةِ بِالْبَرَكَةِ فِي عُمْرِهِ وَالتوفِيقِ لِلطَاعَاتِ، وصيَانةِ أَوقَاتِه عَنِِ الضِيَاعِ، وَقِيلَ بِالنِّسَبَةِِ لِمَا يَظْهَرُ لِلملاَئكةِ فِي اللّوحِ المحفوظِ، فَيَظْهَرُ لَهُمْ أَنَّ عُمُرَهُ سِتُّونَ سَنَةً إِلاُّ أَنْ يَصِلَ رَحِمَهُ، فَيَزْدَادُ أَربعينَ، فَأَمَّا بِالنِّسَبَةِ إِلَى عِلْمِهِ تعَالَى فَالزيَادةُ مستحيلةٌ، وَقِيلَ: المُرَادُ بقَاءُ ذِكْرِهُ الجميلِ بعدَه فكأَنَّه لَمْ يَمُتْ.
وأَمَّا حديثُ: ((أَنَّ المقتولَ يَتَعَلَّقُ بِقَاتلِه يومَ القيَامةِ ويقولُ: رَبِّ ظَلَمَنِي وَقَتَلَنِي وَقَطَعَ أَجَلِي)) فَرَوَاهُ الطّبرَانِيُّ وتَكَلَّمَ فِي إِسنَادِه.
стр. 760
وبتقديرِ صِحَّتِه فهو محمولٌ علَى مقتولٍ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ لوْ لَمْ @@@@يقتلْ لكَان يعطَى أَجلاً زَائدًاَ.
ص: وَالنفسُ بَاقيةٌ بعدَ قَتْلِ البدنِ، وفِي فنَائِهَا عِنْدَ القيَامةِ تَرَدُّدٌ، قَال/ (٢٤١/ب/م) الشَّيْخِ الإِمَامُ (١٩٤/ب/د): وَالأَظهرُ لاَ تفنَىْ أَبدًا، وفِي عُجْبِ الذَّنْبِِ قولاَنِ، قَالَ المُزَنِيُّ: وَالصَّحِيحُ يبلَى، وتأَوَّلَ الحديثَ.
(من محمد إلى أستاد مصطفى)
ش: بقَاءُ النَّفْسِ بَعْدَ مَوْتِ البدنِ، وهو مَذْهَبُ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنَ المسْلِمِينَ وَغَيْرِهم، وخَالفَ فِيهِ الفلاَسفةُ بنَاءً علَى إِنكَارِهم المَعَادَ الجِسْمَانِيَّ، وَاللاَئقُ بِمَذْهَبِهم الكَفُّ عَنِ الكلاَمِ فِي ذَلِكَ وَالتَّوَقُّفُ فِيهِ، وهذَا هو المَنْقُولُ عَنْ جَالِينُوسَ وهو مِنْ أَعيَانِهم، وَالقرآنُ مَشْحُونٌ بِالدِّلاَلةِ علَى بَقَاءِ النَّفْسِ قَالَ تعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وَالذَائِقُ لاَ بُدَّ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ المَذُوقِ، وقَالَ: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِي﴾ الآيَاتُ، وهِيَ نَصٌّ فِي بَقَاءِ الأَرْوَاحِ وَسَوْقِهَا إِلَى اللَّهِ تعَالَى يَوْمَئِذٍ.
وقَالَ: ﴿ولاَ تَحْسَبَنَّ الذّينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَموَاتًا بَلْ أَحيَاءٌ﴾.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَزُورُ الْقُبُورِ، وَيُسَلِّمُ علَى الْمَوْتَى.
وفِي فنَائِهَا عِنْدَ القيَامةِ تَرَدَّدٌ لِلسُّبْكِيِّ، ذَكَرَهُ فِي تفسيرِهِ؛ فقَالَ: إِذَا قُلْنَا: إِنَّ الأَرْوَاحَ تَبْقَى ـ وَهُوَ الْحَقُّ ـ فَهَلْ يَحْصُلُ لهَا عِنْدَ القيَامةِ فَنَاءٌ، ثُمَّ تُعَادُ
стр. 761
فَتُوَفَّى بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ أَوْ لاَ، بَلْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَثْنَيْنَ فِي قَوْلِهِ تعَالَى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ وَالأَقْرَبُ أَنَّهَا لاَ تَفْنَى، وأَنَّهَا مِنَ الْمُسْتَثْنَى كمَا فِي الحُورِ الْعِينِ.
أَمَّا الْجِسْمُ فَإِنَّهُ يَبْلَى إِلاَّ عَجْبُ الذََّنَبِ، وهو بِفَتْحِ العَيْنِ وإِسكَانِ الجِيمِ وآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ، وَقِيلَ: تُبْدَلُ مِيمًا، وحَكَى الجُبَّائِيُّ بِتَثْلِيثِ العَيْنِ فِيهمَا، فَهذه سِتُّ لُغَاتٍ، وهو عَظْمٌ كَالخَرْدَلَةِ فِي أَصْلِ الصُّلْبِ عِنْدَ العَجْزِ، وهُوَ رَأْسُ العُصْعُصِ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ((كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلاَّ عَجْبُ الذَّنَبِ؛ مِنْهُ خُلِقَ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ)) وفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ قِيلَ: ومَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: ((مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ يُنْشَرُ)).
وحَكَى المُصَنِّفُ فِي بَلاَهُ قَوْلَيْنِ، وأَنَّ الْمُزَنِيَّ صَحَّحَ أَنَّهُ يَبْلَى، وَتأَوَّلَ الْحَدِيثَ؛ أَيْ: عَلَى أَنَّ عَجْبَ الذَّنَبِ لاَ يأَكُلُهُ التُّرَابُ بَلْ يُفْنِيهِ اللَّهُ تعَالَى بِلا تُرَابٍ، كَمَا يُمِيتُ مَلَكَ المَوْتِ بِلا وَاسِطَةٍ مَلَكٌ آخَرُ، ووَافَقَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وقَالَ: إِنَّهُ آخِرُ مَا يَبْلَى مِنَ المَيْتِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ هؤلاَءِ لِوَقْتِ فَنَائِهِ؛ هَلْ هو عِنْدَ فَنَاءِ العَالَمِ أَو قَبْلَ ذَلِكَ وهو مُحْتَمَلٌ، وَتَمَسَّكُوا بِظَاهرِ قَوْلِهِ تعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ وَالأَخْذُ بِالحديثِ أَوْلَى لِخُصُوصِهِ.
وقَالَ بعضُهم: إِنَّ عَجْبَ الذَّنَبِ/ (٢٤٢/أَ/م) بِالنِّسَبَةِ إِلَى جِسْمِ الإِنسَانِ كَالْبَذْرِ بِالنِّسَبَةِ إِلَى جِسْمِ النّبَاتِ، وعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ تعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجِ﴾ ويُوَافِقُهُ
стр. 762
الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءٌ فَيَنْبِتُونَ مِنْهُ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ.
وقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ الحَنْبَلِيُّ: لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فِي هذَا سِرٌّ لَا نَعْلَمُهُ؛ لأَنَّ مَنْ يُوجِدُ مِنَ الْعَدَمِ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ لِفِعْلِهِ شَيْءٌ يَبْنِي/ (١٩٥/ب/د) عَلَيْهِ، ولاَ خَمِيرَةَ؛ فَإِنْ عَلَّلَ هذَا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ البَارِي سُبحَانَهُ جَعَلَ هذَا عَلامَةً لِلْمَلاَئكةِ علَى أَنَّهُ يُحْيِي كُلَّ إِنسَانٍ بِجَوَاهِرِهِ بِأَعْيَانِهَا لَا بِأَجسَامٍ مِثْلِهَا.
ص: وَحَقِيقَةُ الرُّوحِ لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا مُحَمَّدٌ ﷺ فُنُمْسِكُ عَنْهَا.
ش: افْتَرَقَ النَّاسُ فِي أَمْرِ الرُّوحِ فِرْقَتَيْنِ؛ فَفِرْقَةٌ أَمْسَكَتْ عَنِ الكلاَمِ فِيهِ؛ لأَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا سَأَلُوا عَنْهُ أَنْزَلَ اللَّهُ تعَالَى علَى نَبِيِّهِ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ وقَالُوا: مَعْنَاهُ: فَاجْعَلُوا الرُّوحَ مِنَ الكَثِيرِ الذي لَمْ تُؤْتَوْهُ، ولَا تَسْأَلوا عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ سِرٌّ مِنْ أَسرَارِي.
قَالَ الْجُنَيدِ: الرُّوحُ شَيْءٌ اسْتَأَثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، ولَمْ يَطْلِعْ عَلَيْهِ أَحدًا مِنْ خَلْقِهِ، ولَا يَجُوزُ لِعِبَادِهِ الْبَحْثُ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ أَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ الثَّعْلَبِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُمَا، وفِرْقَةٌ تَكَلَّمَتْ فِيهِ وبَحَثَتْ عَنْ
стр. 763
حقيقتِهِ، وأَجَابُوا عَنِ الآيَةِ بِجَوَابَيْنِ.
أَحَدِهِمَا: أَنَّ الْيَهُودَ كَانوا قَدْ قَالُوا: إِنْ أَجَابَ عَنْهَا فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ، وإِنْ لَمْ يُجِبْ عَنْهَا فَهُوَ صَادِقٌ، فَلَمْ يُجِبْ؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأَذَنْ لَهُ فِيهِ، ولاَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ بَيَانَهُ فِي ذَلِكَ الوقت؛ ِ تأْكِيدًا لِمُعْجِزَتِهِ وتصديقًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ وَصْفِهِمْ فِي كُتُبِهِمْ، لاَ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الكلاَمُ فِيهِ.
ثَانِيهَا: أَنْ َّسُؤَالَهُمْ إِنّمَا كَانَ سُؤَالَ تَعْجِيزٍ وَتَغْلِيطٍ؛ فَإِنَّ الرُّوحَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ رُوحِ الإِنسَانِ وَجِبْرِيلَ ومَلَكٍ آخَرَ يُقَالَ لَهُ الرُّوحُ، وصِنْفٌ مِنَ الملاَئكةِ، وَالقرآنُ، وعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فأَرَادَ اليَهُودُ إِنَّ كُلَّ مَا أَجَابَهُمْ عَنْهُ يَقُولُونَ: لَيْسَ هو المُرَادُ، فَجَاءَ الجَوَابُ مُجْمَلاً؛ فإِنَّ كَوْنَهُ مِنْ أَمْرِ الرَّبِّ يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ مَعَانِي الرُّوحِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ هؤلاَءِ فِي حَقِيقَتِهِ علَى أَقوَالٍ:
أَحَدِهَا ـ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ ـ: إِنَّهُ جِسْمٌ لَطِيفٌ.
قَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ: مُشْتَبِكَةٌ بِالأَجسَامِ الْكَثِيفَةِ اشتبَاكَ المَاءِ بِالعُودِ الأَخْضَرِ.
وقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: إِنَّهُ الأَصَحُّ عِنْدَ أَصحَابِنَا.
الثَّانِي: أَنَّهُ عَرَضٌ، وأَنَّهُ هو الحيَاةُ التي صَارَ البَدَنُ/ (٢٤٢/ب/م) بوُجُودِهَا حَيًّا، وإِلَيْهِ مَيْلُ القَاضِي أَبِي بَكْرٍ.
قَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ السَّهْرَوَرْدِيُّ: وَيُرَدُّ علَى هذَا الأَخبَارِ الدَّالَّةِ علَى
стр. 764
أَنَّهُ جِسْمٌ؛ لِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الهُبُوطِ وَالْعُرُوجِ وَالتَّرَدُّدِ فِي الْبَرْزَخِ، وَالعَرَضِ لاَ يُوصَفُ بِهذه الأَوصَافِ.
الثَّالِثِ ـ وَبِهِ قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الصُّوفِيَّةَ ـ: أَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولاَ عَرَضٍ بَلْ هُوَ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ، وَلَهُ تَعَلَّقٌ خَاصٌّ بِالبَدَنِ لِلتَدْبِيرِ وَالتحريكِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي البَدَنِ ولاَ خَارِجٌ عَنْهُ، وهذَا هو رَأْيُ الفَلَاسِفَةِ.
ص: وكَرَامَاتُ الأَوليَاءِ حَقٌّ، قَالَ الْقُشَيْرِيُ: ولاَ يَنْتَهُون َإِلَى نَحْوِ: وَلَدٌ دُونَ وَالِدٍ.
ش: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ إِثبَاتُ كرَامَاتِ الأَوليَاءِ حتَّى قَالَ أَبُو تُرَابٍ التَّخْشَبِيُّ: مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا فَقَدْ كَفَرَ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَلَعَلَّهُ يَرَى تَكْفِيرَ الْمُبْتَدِعَةِ.
قُلْتُ: أَو أَرَادُ كُفْرَ النِّعْمَةِ.
وَقَدْ جَرَتْ خَوَارِقٌ علَى أَيْدِي الصَّحَابَةِ وَالتَابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لاَ يُمْكِنُ إِنكَارُهَا؛ لِتَوَاتِرِ مجموعُهَا، وأَنْكَرَهُ المُعْتَزِلَةُ دَاعِينَ أَنَّ إِثبَاتَهَا يُؤَدِي إِلَى اختلاَطِ النُّبُوَّةِ بِغَيْرِهَا، ونُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّمَا أَنْكَرُوا خَرْقَ العَادَاتِ.
وحَكَى الإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ عَنِ الأَستَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ إِنكَارَهَا، وَالذي حَكَاهُ عَنْهُ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ وَالآمِدِيُّ: أَنَّهُ إِنَّمَا أَنْكَرَ مِنْهَا مَا كَانَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ، كَإِحيَاءِ الْمَوْتَى، وقَلْبِ العَصَا حَيَّةً، وفَلْقِ الْبَحْرِ، ونحوِهَا، أَمَّا إِجَابَةُ دَعْوَةٍ، ومُوَاتَاةُ مَاءٍ فِي بَادِيَةٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الميَاهِ ونَحْوَ ذَلِكَ فَلَمْ يُنْكِرُهُ؛ وعلَى هذَا فَمَذْهَبُهُ كَالْمَحْكِيِّ هُنَا عَنِ الأَستَاذِ أَبِي القَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ: أَنَّ الكرَامَةَ لَا تَنْتَهِي إِلَى خَلْقِ وَلَدٍ بِلَا وَالِدٍ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: (إِنَّ كثيرًا مِنَ المقدورَاتِ يُعْلَمُ اليومَ قَطْعًا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُظْهِرَ
стр. 765
كرَامةً لِوَلِيٍّ لِضَرُورَةٍ أَوْ شِبْهِ ضرورةٍ؛ مِنْهَا حُصُولُ إِنسَانٍ لاَ مِنْ أَبَوَيْنِ، وقَلْبُ جَمَادٍ بَهِيمَةً، وأَمثَالُ هذَا نَكِيرٌ). انْتَهَى.
فَكَانَ نَقْلُ هذَا عَنِ الأَستَاذِ أَوْلَى؛ لِقِدَمِهِ، وَتَمَكُّنِهِ فِي هذَا الْعِلْمِ، لَكِنَّ المُصَنِّفُ يَرَى مَقَالَةَ الْقُشَيْرِيِّ غَيْرَ مقَالةِ الأَسْتَاذِ، بَلْ يجعلُهَا قَيْدًا؛ فقَالَ فِي (مَنْعُ الموَانِعِ): وبِهذَا/ (٢٤٣/أَ/م) يَصِحُّ أَنَّ قَوْلَهُمْ: مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً لِنَبِيَّ ٍجَازَ أَنْ يَكُونَ كرَامَةً لِوَلِيٍّ، لَيْسَ علَى عُمُومِهِ، وإِنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: لاَ تُفَارِقُ المعجزةُ الكرَامةَ إِلَّا بِالتحَدِّي لَيْسَ علَى وَجْهِهِ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ، بَلْ هذَا الذي قَالَهُ الْقُشَيْرِيُّ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ، وَالجُمْهُورُ علَى خلاَفِهِ، وَقَدْ أَنْكَرُوهُ علَى الْقُشَيْرِيِّ حتَّى وَلَدِهِ أَبِي نَصْرٍ فِي كتَابِهِ (الْمُرْشِدُ) فقَالَ: قَالَ بَعْضُ الأَئِمَّةِ: مَا وَقَعَ معجزةً لِنَبِيٍّ لاَ يَجُوزُ تقديرُ وُقُوعِهِ كرَامةً لَوَلِيٍّ، كَقَلْبِ العَصَا ثُعْبَانًا، وإِحيَاءِ المَوْتَى، وَالصَّحِيحُ تجويزُ جُمْلَةِ خوَارِقِ العَادَاتِ كرَامةً للأَوليَاءِ. وفِي (الإِرْشَادِ) لإِمَامِ الحَرَمَيْنِ مِثْلُهُ.
وفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ: إِنَّ الكرَامَاتِ تَجُوزُ بِخَوَارِقِ العَادَاتِ علَى اخْتِلاَفِ أَنوَاعِهَا، ومَنَعَهُ بعضُهم وَادَّعَى أَنَّهَا تَخْتَصُّ بِمِثْلِ إِجَابةِ دُعَاءٍ ونحوِه، وهذَا غَلَطٌ مِنْ قَائِلِهِ وإِنكَارٌ لِلْحِسِّ بَلْ الصَّوَابُ جريَانُهَا بِقَلْبِ الأَعيَانِ ونحوِه. انْتَهَى.
وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ تعريفَ المعجزةِ يُغْنِي عَنْ تعريفِ الكرَامةِ؛ لانْحِطَاطِهَا عَلَيْهَا.
ص: ولاَ نُكَفِّرُ أَحدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ.
ش: هذه العبَارةُ مَحْكِيَّةٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ وأَبِي حَنِيفَةَ وَالأَشْعَرِيِّ، وهي صحيحةٌ عَنِ الآخَرِينَ، ومأَخوذةٌ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: أَقْبَلُ شهَادةُ أَهْلِ الأَهوَاءِ إِلاَّ الْخَطَّابِيَّةِ مِنَ الرَّافِضَةِ؛ فَإِنَّهُمْ يَشْهَدُونَ بِالزُّورِ لِمُوَافِقِيهِمْ.
وقَالَ السُّبْكِيُّ: مَعْنَاهَا: لاَ نُكَفِّرُ بِالذُّْنُوبِ التي هي مَعَاصٍ، أَمَّا تَكْفِيرُ بعضِ/ (١٩٦/أَ/د) المُبْتَدِعَةِ لِعقيدةٍ تَقْتَضِي
стр. 766
كُفْرَهُ حَيْثُ يَقْتَضِي الحَالُ القَطْعَ بِذَلِكَ أَو تَرْجِيحَهُ ـ فَلاَ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ، وهو خَارِجٌ بِقَوْلِنَا: بِذَنْبٍ، غَيْرَ أَنِّي أَقُولُ: إِنَّ الإِنسَانَ مَا دَامَ يَعْتَقِدُ الشَّهَادَتَيْنِ فَتَكفِيرُهُ صَعْبٌ، ومَا يَعْرِضُ فِي قَلْبِهِ مِنْ بِدْعَةٍ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُضَادَّةً لِذَلِكَ لاَ يُكَفَّرُ، وإِنْ كَانَتْ مُضَادَّةً لَهُ، فَإِذَا فُرِضَتْ غَفْلَتُهُ عَنْهَا وَاعتقَادُهُ لِلشهَادَتَيْنِ مُسْتَمِرٌّ فَأَرْجُو أَنَّ ذَلِكَ يَكْفِيهِ فِي الإِسلاَمِ، وأَكْثَرُ أَهْلِ الْمِلَّةِ كَذَلِكَ، ويَكُونُ كَمِسْلِمٍ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ، إِلاَّ أَنْ يُقَالَ: مَا كُفِّرَ بِهِ لاَ بُدَّ فِي إِسلاَمِهِ مِنْ توبته عَنْه، ُ فَهَذَا مَحَلُّ نَظَرٍ.
وَجَمِيعُ هَذِه العقَائدِ التي يُكَفَّرُ بِهَا أَهْلُ الْقِبْلَةِ قَدْ لاَ يَعْتَقِدُهَا/ (٢٤٣/ب/م) صَاحِبُهَا، إِلَّا حَالَ بَحْثِهِ فِيهَا لِشُبْهَةٍ تَعْرِضُ لَهُ أَوْ مُجَادَلَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وفِي أَكْثَرِ الأَوقَاتِ يَغْفَلُ عَنْهَا وهو ذَاكِرٌ لِلشهَادَتَيْنِ، لاَ سِيِّمَا عِنْدَ الْمَوْتِ. انْتَهَى.
وَتَبِعَ المُصَنِّفُ عَبْدُ الْجَلِيلِ الْقَصْرِيُّ فِي عَدِّ هذَا مِنْ شُعَبِ الإِيمَانِ، لِحديثِ: ((لاَ نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ)) لَكِنْ حُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ موضوعٌ، لاَ أَصْلَ لَهُ فَكَيْفَ بِحديثِ النَّبِيِّ ﷺ : ((مَنْ تَرَكَ الصَّلَاََةَ فَقَدْ كَفَرَ)).
قَالَ الشَّارِحُ: وفِي صِحَّةِ هذَا عَنْ أَحْمَدَ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ مَعْنَاهُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بَاللَّهِ شَيْئًا، ولاَ تَسْرِقُوا ولاَ تَزْنُوَا؛ فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فأَجْرُهُ علَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا
стр. 767
فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ)).
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صحيحٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ: هَلْ كُنْتُمْ تُسَمُّونَ مِنَ الذُّنُوبِ كُفْرًا أَوْ شِرْكًا أَو نِفَاقًا؟ قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: مُؤْمِنِينَ مُذْنِبِينَ.
وأَمَّا حديثُ: ((مَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ فَقَدْ كَفَرَ)) فَهُوَ مُؤَوَّلٌ إِمَّا علَى مُعَامَلَةِ الْمُرْتَدِّ فِي وُجُوبِ القتلِ، وإِمَّا علَى أَنَّهُ مُقَدِّمَةُ الْكُفْرِ؛ لأَنَّ اعتيَادَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الْجَحْدِ، ولو كَانَ تَرَكَهَا كُفْرًا لَمَا أَمَرَ الشَّارِعُ بِقَضَائِهَا دُونَ تجديدِ إِيمَانٍ. انْتَهَى.
وَيَتَرَتَّبُ علَى عَدِمِ التَّكْفِيرِ أَنَّهُ لاَ يُقْطَعُ بِخُلُودِهِ فِي النَّارِ، وَهَلْ يُقْطَعُ بِدخولِهِ إِيَّاهَا؟
فِيه وَجْهَانِ حَكَاهُمَا القَاضِي حُسَيْنٌ فِي بَابِ إِمَامَةِ المرأَةِ مِنْ تَعْلِيقِهِ، وقَالَ الْمُتْوَلِّيِّ: ظَاهرُ المَذْهَبِ أَنَّهُ لاَ يُقْطَعُ بِهِ، وعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلاَمُ الشَّافِعِيِّ.
ص: ولاَ نُجَوِّزُ الخروجَ عَلَى السُّلْطَانِ.
ش: هذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي العَادلِ، وهو المشهورُ فِي الجَائرِ خِلاَفًا لِلْمُعْتَزِلَةِ.
ص: وَنَعْتَقِدُ أَنَّ عذَابَ القبرِ وسُؤَالَ الْمَلَكَيْنِ والصِّرَاطَ وَالميزَانَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةَ وَالنَارَ مَخْلُوقَتَانِ اليومَ.
ش: أَمَّا عذَابُ القَبْرِ وسُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ فَأَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأَئِمَّةِ، وقَال بِهِ جَمِيعُ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ، وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تعَالَى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ أَيْ: فِي البَرْزَخِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ
стр. 768
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ / (٢٤٤/أَ/م) وفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ نَزَلَتْ فِي عذَابِ الْقَبْرِ، وَاستعَاذَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ وتوَاترَتْ بِهِ الأَحَاديثُ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصحَابُنَا فِي أَنَّهُ هَلْ يَكُونُ بَعْدَ إِحيَاءِ الْمَيْتِ بِجُمْلَتِهِ أَوْ بَعْدَ إِحيَاءِ أَقَلَّ جُزْءٍ يَحْتَمِلُ الحيَاةَ وَالعَقْلَ؟
وبِالأَوَّلِ قَالَ الْحُلَيْمِيُّ.
وبِالثَّانِي قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وإِمَامُ الحَرَمَيْنِ.
وَاخْتَلَفَتِ المُعْتَزِلَةُ فِي ذَلِكَ فأَنْكَرَهُ أَكثرُهم، وقَالَ بعضُهم: التَّعذيبُ لِلرُّوحِ دُونَ البدنِ، وقَالَ بعضُهم: يُعَذَّبُ بِلا إِعَادةِ رُوحٍ، فَإِذَا عَادَتْ إِلَيْهِ الرُّوحُ يومَ القيَامةِ ظَهَرَ عَلَيْهِ الأَلَمُ كَمَنْ يطعم بِنْجًا، ثُمَّ يَخْرُجُ لاَ يُحِسُّ بِالأَلَمِ إِلاَّ بَعْدَ عَوْدِ إِحسَاسِهِ إِلَيْهِ، وَقَدْ صَحَّ مِنْ حديثِ البَّرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: إِعَادَةُ الرُّوحِ إِلَى الْجَسَدِ. رَوَاهُ أَبُو دَاودَ، وصَحَّحَهُ جمَاعةٌ.
وأَمَّا سُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ فهو حَقٌّ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ إِذَا انْصَرَفُوَا)) قَالَ: ((يَأَتِيهِ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ؛ فَيَقُولاَنِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هذَا الرَّجُلِ؟
فأَمَّا المؤمنُ فَيقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جميعًا، وأَمَّا المُنَافِقُ أَوِ الكَافِرُ فَيقولُ: لاَ أَدْرِي: كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ عَنْهُ، فيُقَالُ: لاَ دَرَيْتَ ولاَ تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً
стр. 769
يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلاَّ الثَّقَلَيْنِ)) وفِي رِوَايةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: ((يُقَالَ لأَحَدِهِمَا: الْمُنْكِرُ وَالآخَرُ: النَّكِيرُ)) وقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وقَالَ تَاجُ الدِّينِ بْنُ يُونُسَ: مُنْكِرٌ ونَكِيرٌ لِلْمُذْنِبِ؛ لإِنْكَارِهِمَا وأَمَّا الْمُطِيعُ فَمَلَكَاهُ مُبَشِّرٌ وبَشِيرٌ.
وقَوْلُهُ فِي الحديثِ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ)) يَقْتَضِي اختصَاصُ المُسَاءَلَةُ بِالْمَقْبُورِ، وَالظَاهرُ العمومُ لِلغريقِ وَالحريقِ وأَكِيلِ السِّبَاعِ وَغَيْرِهِمْ.
وَالحديثُ وَرَدَ علَى الغَالبِ فَلاَ مَفْهُومَ لَهُ.
نَعَمْ، يُسْتَثْنَى من ذَلِكَ الشَّهِيدُ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّهُ ﵊ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ/ (٢٤٤/ب/م) ((كَفَى بِبَارِقَةِ السِّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ شَاهدًا)).
وأَمَّا الْحَشْرُ فهو إِحيَاء ُاللَّهِ تعَالَى الْخَلْقَ بَعْدَ الإِمَاتةِ، وجَمْعِهِمْ بَعْدَ التَّفْرِيقِ،/ (١٩٧/ب/د) قَالَ تعَالَى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحدًا﴾ وفِي الصَّحِيحِ حديثُ الْمُسْرِفِ علَى نَفْسِهِ لَمَّا أَوْصَى بِأَنْ يُحْرَقَ، ويُذَرَّ نِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ، ونِصْفَهُ فِي الْبَرِّ، فَأَمَرَ اللَّه ُالبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ وَالبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ـ وفِي روَايةٍ فَقَالَ لِلأَرْضِ: ((أَدِّي مَا أَخَذْتِ)) وفِي روَايةٍ: ((قَالَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُ ـ وقَالَ: كُنْ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائمٌ)).
وَالنَّشْرُ: بَعْثُ اللَّهِ تعَالَى الْخَلْقَ مِنَ القبورِ، وجَمْعِهِمْ جميعًا فِي عَرَصَاتِ القيَامةِ.
стр. 770
وأَنْكَرَ الفلاَسفةُ حَشْرَ الأَجسَادِ ونَشْرَهَا ورَدَّوْهَا إِلَى حَشْرِ الأَروَاحِ، ونُصُوصُ القرآنِ وَالسُّنَّةِ المُتَوَاتِرَةِ صريحةٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ.
وأَمَّا الصِّرَاطُ فهو جِسْرٌ يُضْرَبُ علَى ظَهْرَانِيِّ جَهَنَّمَ يَمَرُّ عَلَيْهِ جَمِيعُ الخلاَئقِ، وَقَدْ وَرَدَتُ بِهِ الأَحَاديثُ الصَّحِيحَةُ، وَاستفَاضَتْ، وهو محمولٌ علَى ظَاهرِهِ، وفِي روَايةٍ: ((إِنَّهُ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ)).
وقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَمْ أَجِدْهُ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ، وإِنَّمَا يُرْوَى عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا فِي صحيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدَرِيِّ: بَلَغَنِي أَنَّهُ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ.
قَالَ بعضُهُمْ: ولو ثَبَتَ ذَلِكَ لوُجُوبِ تأَويلِهِ؛ لِيوَافِقَ الحديثَ الآخَرَ فِي قيَامِ الملاَئكةِ علَى جَنْبَيْهِ وكَوْنِ الكَلَالِيبِ وَالْحَسَكِ فِيهِ، وإِعْطَاءِ المَارِّ عَلَيْهِ مِنَ النُّورِ قَدْرَ مَوْضِعِ قَدَمِهِ، ومَا هو فِي دِقْةِ الشَّعْرِ لاَ يَحْتَمِلُ هذَا؛ فَيُمْكِنُ تأَويلُهُ بِأَنَّ أَمْرَهُ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ؛ فَإِن ذَلِكَ يُضْرَبُ مَثَلاً لِلْخَفِيِّ الغَامِضِ، وَوَجْهُ غُمُوضِهِ أَنْ يَسَّرَ الجوَازَ عَلَيْهِ وعَسَّرَهُ علَى قَدْرِ الطَّاعَاتِ وَالمعَاصِي، ولاَ يَعْلَمُ حُدُودَ ذَلِكَ إِلاَّ اللَّهُ تعَالَى.
وأَمَّا تَمْثِيلُهُ بِحَدِّ السَّيْفِ فَلإِسرَاعِ الملاَئكةِ فِيه إِلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تعَالَى فِي إِجَازةِ النَّاسِ عَلَيْهِ.
وأَمَّا الميزَانُ فَالمُرَادُ بِهِ نَصْبُ ميزَانٍ ذِي كِفَّتَيْنِ، ولِسَانٍ تُوزَنُ فِيهِ الأَعْمَالُ وَالأَقوَالُ، فَإِمَّا أَنْ تُجَسَّدَ/ (٢٤٥/أَ/م) الأَعْرَاضُ، وإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَزْنُ لِلصُّحُفِ التي كُتِبَتْ فِيهَا الأَعمَالُ، وَقَدْ تَوَاتَرَتْ بِهِ الأَحَاديثُ، وَالمُرَادُ بِهِ تعريفُ العِبَادِ مَقَادِيرَ أَعمَالِهِمْ ـ وأَنْكَرَ المُعْتَزِلَةُ الْمِيزَانَ.
وأَمَّا كَوْنُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مَخْلُوقَتَيْنِ اليومَ فَلِقَوْلِهِ تعَالَى: ﴿وَجَنَّةٌ عَرْضُهَا السّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أَعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ
стр. 771
لِلكَافِرِينَ﴾.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ: ((اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى ربِّهَا، وقَالَتْ: أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ)) وأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِدُخُولِهِ الْجَنَّةَ، ورُؤْيَتِهِ فِيهَا قَصْرًا لِعُمَرَ، وَرَأَى النَّارَ وفِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قَصَبَهُ وَالْحِمْيَرِيَّةُ التي دَخَلَتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ وَغَيْرِهِمَا.
وَالأَحَاديثُ فِي هذَا المَعْنَى كثيرةٌ، وأَنْكَرَتْ طَائفةٌ مِنَ المُعْتَزِلَةِ وُجُودَهُمَا الآنَ، ثُمَّ مِنْهُم مَنْ أَحَالَ ذَلِكَ عَقْلاً، كَعَبَّادِ بْنِ سُلَيْمَانَ الصَّيْمَرِيِّ، وَمِنْهُم مَنْ جَوَّزَهُ عَقْلاً، وقَالَ: إِنَّمَا عُرِفَ عَدَمُ خِلْقَتِهِمَا سَمْعًا كَعَبْدِ الْجَبَّارِ وأَبِي هَاشِمٍ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ الآنَ، وأَنَّ آلَ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ إِلَى النَّارِ الآنَ غُدْوَةً وَعَشِيًّا.
وَالقرآنُ يَدُلُّ علَى أَنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ السَّابعةِ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى.
ورَوَى أَبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ فِي تَاريخِ أَصْبَهَانَ مِنْ طريقِ عَبِيدِ الْمَكْتَبِ عَنِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ جَهَنَّمَ مُحِيطَةٌ بِالدُّنْيَا وَإِنَّ الْجَنَّةَ مِنْ وَرَائِهَا؛ فَلِذَلِكَ كَانَ الصِّرَاطُ عَلَى جَهَنَّمَ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ)).
стр. 772
ص: وَيَجِبُ عَلَى النَّاسِ نَصْبَ إِمَامٍ وَلَوْ مَفْضُولاً.
ش: أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ علَى المُبَادرةِ لِنَصْبِ إِمَامٍ بَعْدَ وَفَاةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ دَفْنِهِ وهو مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إِلاَّ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: وُجُوبُهُ بِالشَّرْعِ، وَالمُعْتَزِلَةَ: بِالعَقْلِ.
وقَالَتِ الخوَارجُ: لاَ يَجِبُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجِبُ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، دُونَ وقتِ الأَمْنِ، وعَكَسَهُ بعضُهم.
وَخَرَجَ بقولِ المُصَنِّفِ: (علَى النَّاسِ) قَوْلُ الإِمَامِيَّةِ: إِنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ علَى اللَّهِ تعَالَى.
وأَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ مَفْضُولاً) / (٢٤٥/ب/م) إِلَى انعقَادِ إِمَامةِ الْمَفْضُولِ، وهو الصَّحِيحُ عِنْدَ جمهورِ أَصحَابِنَا.
وذَهَبَ الأَشْعَرِيُّ وطَائفةٌ مِنْ قُدَمَاءِ أَصحَابِهِ إِلَى مَنْعِهِ؛ فُإِنْ عُقِدَتْ لَهُ مَعَ وُجُودِ أَفْضَلَ مِنْهُ لَمْ تَنْعَقِدْ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا لاَ إِمَامًا فَتَمْضِِي أَحكَامُهُ، وهذَا يَقْتَضِي أَنَّ المَسْأَلَةَ اجتهَاديةٌ؛ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ قَطْعِيَّةً لَقَضَى العَاقِدُونَ لِلْمَفْضُولِ، وَبِهِ صَرَّحَ الإِمَامُ فِي (الإِرْشَادِ).
ص: ولاَ يَجِبُ علَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ شَيْءٌ.
ش: وَمَنْ يُوجِبُ عَلَيْهِ ولاَ حُكْمَ إِلا َّلَهُ!
فإِن قِيلَ: هو أَوْجَبَهُ علَى نَفْسِهِ، كمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ علَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قُلْنَا: ذَلِكَ إِحسَانٌ، وتَفَضُّلٌ لاَ إِيجَابٌ وَالتزَامٌ، وأَوْجَبَ المُعْتَزِلَةُ علَى اللَّهِ اللُّطْفَ، وهو فَعْلُ مَا يُقَرِّبُ الْعَبْدَ إِلَى الطَّاعةِ وَالثوَابُ علَى الطَّاعةِ وَالعقوبةُ علَى الكبَائرِ قَبْلَ التّوبةِ، وفِعْلُ الأَصْلحِ لِعِبَادِهِ فِي الدّنيَا.
стр. 773
ص: وَالمَعَادُ الجِسْمَانِيُّ بَعْدَ الإِعدَامِ حَقٌّ.
ش: القرآنُ مَشْحُونٌ بِالدِّلاَلَةِ علَى ذَلِكَ، قَالَ الإِمَامُ فَخْرُ الدّينِ فِي الأَربعين: الْجَمْعُ بَيْنَ إِنكَارِ الْمَعَادِ الجِسْمَانِيِّ وَبِأَنَّ القرآنَ حَقٌّ مُتَعَذَّرٌ؛ فُإِنَّ نصوصَ الكتَابِ وَالسُّنَّةِ توَاترَتْ بِهِ توَاترًا لاَ يَقْبَلُ التّشكيكَ. انْتَهَى.
وإِنَّمَا قَيَّدَ/ (١٩٨/أَ/د) المُصَنِّفُ بِالجِسْمَانِيِّ؛ لأَنَّ الأَروَاحَ بَاقيةٌ لَمْ تَقْدُمْ+.
وأَنْكَرَ الفلاَسفةُ وطَائفةٌ مِنَ النّصَارَى المَعَادَ الْجِسْمَانِيِّ وأَثْبَتُوا ذَلِكَ لِلرُّوحِ فَقَطْ، وأَنْكَرَ الدَّهْرِيَّةُ (وَالمَلاَحِدَةُ) الجِسْمَانِيَّ وَالرُّوحَانِيَّ، وتَوَقَّفَ جَالِينُيوسُ فِي هذه المَذَاهِبِ، وحَكَى الإِمَامُ فِي الأَربعينَ إِثبَاتَ المَعَادِ الجِسْمَانِيِّ دُونَ الرُّوحَانِيِّ.
قَالَ الشَّارِحُ: وهذَا لاَ يُعْقَلُ.
قُلْتُ: لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ الأَروَاحَ لَمْ تَقْدُمْ فِيمَا أُعِيدَ إِلاَّ الأَجسَامَ.
فَإِنْ قُلْتَ: هذَا هو القَوْلُ الأَوَّلُ.
قُلْتُ: قَدْ وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي أَنَّ الأَروَاحَ تَفْنَى عِنْدَ القيَامة ِأَمْ لاَ؟ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَجِيءُ مِنْ ذَلِكَ قولاَنِ، وَالعَجَبُ مِنْ تَلَقِّي بَعْضِ الجُهَّالِ أَصُولَ دِينِهِ مِنَ الفلاَسفةِ، وَقَدْ زَادُوا علَى عَبَدَةِ الأَوثَانِ الَّذِينَ لَا يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ/ (٢٤٦/أَ/م) فِي إِنكَارِ المَعَادِ، بِالقولِ بِقِدَمِ العَالَمِ، وعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْجُزْئِيَّاتِ، وكَذَّبُوا جَمِيعَ الأَنبيَاءِ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ مُوَالاةِ أَعدَائِهِ.
ص: ونَعْتَقِدُ أَنَّ خَيْرَ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا مُحَمَّدٌ ﷺ أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَتُهُ فَعُمَرُ فَعُثْمَانُ فَعَلِيٌّ أُمَرَاءُ المؤمنينَ ﵃ أَجْمَعِينَ.
ش: أَمَّا كَوْنُ خَيْرِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبَا بَكْرٍ َفهو مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، كَمَا نَقَلَهُ الإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، ولاَ يُقَيَّدُ بِخِلاَفِ الرَّوَافِضِ فِي تقديمِهم عَلِيًّا، ولاَ بِمُخَالَفَةَ مَنْ فَضَّلَ العَبُّاسَ، وفِي صحيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ.
قَالَ: قُلْتُ
стр. 774
لأَبي: أَيِّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ.
وأَمَّا كَوْنُهُ خَلِيفَةً فَقَدْ كَانَ الصّحَابةُ ﵃ يُخَاطِبُونَهُ فِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الإِشَارةِ وَالاسْتِنْبَاطِ لاَ بِطريقِ النَّصِّ وَالتصريحِ؛ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعرَابِ﴾ الآيَةُ؛ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ هو الذي دَعَا الأَعْرَابَ إِلَى جِهَادِ بَنِي حَنِيفَةَ، وكَانوا أُولِي بَأَسٍ شَدِيدٍ، وقُوتِلُوا لِيُسْلِمُوا لاَ لِيَبْذُلُوا الجزيةُ، وكَانَ قتَالُهم بِأَمرِ الصِّدِّيقِ، فَقَالَ: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِمُ الطَّاعةَ لأَبِي بَكْرٍ.
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وهي كَالنَّصِّ علَى خلاَفَتِهِ.
ومِنْهَا أَنَّهُ ﵊ اسْتَخْلَفَهُ فِي الصّلاَةِ أَيَامَ مَرَضِهِ، فَيُلْحَقُ بِهَا غيرُهَا؛ ولِذَلِكَ قَالُوا لَهُ: قَدْ رَضِيَكَ رسولُ اللَّهِ ﷺ لِدِينِنَا أَفَلاَ نَرْضَاكَ لِدُنْيَانَا؟!
ومِنْهَا: مَا فِي الصّحيحَيْنِ عَنْ جُبَيْرٍ بْنِ مُطْعَمٍ قَالَ: أَتَتْ امْرَأَة ُالنَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، فقَالَتْ: إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ؟ تَعْنِي الْمَوْتَ ـ فقَالَ: ((إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ)).
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: فِي هذَا دَلِيلٌ علَى أَنَّهُ الْخَلِيفَةُ بَعْدَ رسولِ اللَّهِ ﷺ .
ومِنْهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيضًا عَنْ عَائِشَةَ قُلْتُ: دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ ـ
стр. 775
فِي اليومِ الذي بُدِئَ فِيهِ ... الحَدِيثُ، وفِيهِ: ((ادْعُ لِي أَبَاكِ وأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ لأَبِي بَكْرٍ كِتَابًا/ (٢٤٦/ب/م) فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، ويَقُولُ قَائِلٌ، ويَأَبَى اللَّهُ وَالمُؤْمِنُونَ إِلاَّ أَبَا بَكْرٍ)).
ومِنهَا: مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، َ رَأَيْتُنِي علَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٍ فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاء اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبَى قُحَافَةَ فَنَزَعَ مِنْهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ، وفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ استحَالَتْ غَرَبًا فأَخذَهَا ابْنُ الخَطَّابِ فَلَمْ أََرَ عَبْقِرَيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِع ُنَزْعَ عُمْرَ حتَّى ضَرَبَ النَّاسَ بِعَطَنٍ)).
وَقَوْلُهُ: ((وفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ)) أَشَارَ بِهِ إِلَى قِصَرِ مُدَّتِهِ، وشُغْلِهِ بِالحربِ لأَهلِ الرِّدَّةِ عَنِ الافتتَاحِ.
وَقَوْلُهُ: (ذنَوُبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ) إِشَارةٌ إِلَى مُدَّتِهِ؛ فَإِنَّهَا كَانَتْ سَنَتَيْنِ وأَشْهُرًا، وهو شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: (ذَنُوبَيْنِ) من غَيْرِ شَكٍّ.
فإِنْ قُلْتُ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ قَوْلِ عُمَرَ ﵁ لَمَّا طَلَبَ مِنْهُ الاستخلاَفَ: إِنْ أَسْتَخْلِفُ فَقَدْ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خيرٌ مِنِّي ـ يَعْنِي: أَبَا بَكْرٍ ـ
وإِنْ أَتْرُكُكُمْ فَقَدْ تَرَكَكُمْ مَنْ هو خَيْرٌ مِنِّي ـ يَعْنِي: رسولُ اللَّهِ ﷺ ؟
قُلْتُ: مُرَادُهُ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَسْتَخْلِفْ نَصًّا أَوْ تَصْرِيحًا كَمَا قَدَّمْتُهُ.
وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِيهِ دَلِيلٌ علَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنُصَّ عَلَى خَلِيفَةٍ، وهو إِجمَاعُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ. انْتَهَى.
следующие страницы →