← Фикх малики

Фикх малики · id 14253

التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة

القاضي عياض

Полный текст (2 448 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بها سحنون المسائل الفقهية. وهذه العبارة تكتب في بعض الأحيان: لابن وهب، وفي بعضها: هذه الآثار لابن وهب، وهذه الزيادة مختصة بدار صادر. - في ك: في كتاب "الشفعة الثاني": فيما سمعنا من قول مالك أن أهل الصلح يبيعون أرضهم ممن أحبوا بمنزلة أموالهم، ولا جزية على من اشترى ذلك منهم، لأنه لو أسلم سقطت الجزية عنه وعن أرضه، وهو يتبع بما صالح عليه. فإنما عليه ما صالح عليه، ويبيع من أرضه ومن ماله ما شاء. ٤/ ٢٣٧. كذا هذا النص في ص، إلا أن في آخره: ولا يبيع. ٥/ ٤٥٦، وهو مخالف للنص السابق لأن ما يثبته هذا ينفيه هذا، وليس هذا بالخطأ المطبعي فيصلح بناء على سياق الكلام، وقد أشار مصحح دار صادر إلى أن هذا اللفظ جاء هكذا في الأصل (١). - في ك: قال: وسئل مالك عن رجل تزوج امرأة على امرأة له أخرى فحلف للأولى بطلاق الثانية، إن آثر الثانية عليها، ثم إنه طلق الأولى البتة. قال: قال مالك: تطلق الثانية أيضاً لأنه حين طلق الأولى فقد آثر الثانية عليها (٢). هذه المسألة ساقطة من دار صادر، وهي ليست من كتاب الشفعة.

стр. 107

المبحث السادس: نصوص طرحها سحنون من المدونة تحدث القاضى عياض في كتابه "التنبيهات" عن بعض النصوص التي طرحها سحنون من "المدونة"، والتي حوق عليها، والتي علم عليها بعض الرواة، فبقيت في بعض الروايات، وسقطت من روايات أخرى، وقد ذكر عياض بعض النسخ التي سقطت منها هذه النصوص، وهذا العمل يثير عدة تساؤلات، من بينها: هل كان هذا نتيجة مقارنة بين ما نقله عن ابن القاسم، وما أخذه من مدونة أشهب؟ أم هذه نصوص كانت في المختلطة فوجد من الروايات ما يخالفها؟ وما هو موقف الفقهاء من النصوص التي ثبت أنه طرحها وهي ما زالت ثابتة في بعض النسخ؟ أو في النسخ المطبوعة الآن؟ وهل هذه النصوص التي طرحها هي التي يجب أن تطرح وحدها، أم هناك نصوص أخرى؟ ولعل هذا ما أدى بالذهبي إلى أن يشير إلى أن "المدونة" فيها أشياء هي رأي محض، قال وهو يتحدث عن "المدونة": وأصل "المدونة" أسئلة سألها أسد بن الفرات لابن القاسم فلما ارتحل سحنون بها عرضها على ابن القاسم، فأصلح فيها كثيراً، وأسقط منها ما أسقط، ثم رتبها سحنون، وبوبها، واحتج لكثير من مسائلها بالآثار من مروياته، مع أن فيها أشياء لا ينهض دليلها، بل رأي محض، وحكوا أن سحنون في أواخر الأمر علم عليها، وهم بإسقاطها، وتهذيب "المدونة"،

стр. 108

فأدركته المنية ﵀، فكبراء المالكية يعرفون تلك المسائل، ويقررون منها ما قدروا عليه، ويوهنون ما ضعف دليله، فهي لها أسوة بغيرها من دواوين الفقه، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا صاحب ذاك القبر ﷺ (١). ولم يكن هذا الطرح كله على مستوى واحد، بل هو مختلف بحسب ما يقتضيه الفهم، فتارةً يطرح نصاً كاملاً، وتارةً يطرح جملة، وتارة يطرح كلمة ويستبدلها بغيرها، إلا أن هذا الطرح ما زال مفتقراً إلى المراحل التاريخية التي مر منها، وإلى التعرف على وصفية الأصل المعتمد الذي كانت تجرى عليه هذه التغييرات. وفي كلام عياض ما يشير إلى أن سحنون كان ينقح كتابه أثناء إقرائه لتلامذته، فكان يقابل كلام ابن القاسم في بعض الكتب من "المدونة" بكلامه في كتب منها أيضاً. ويتجلى هذا في كلام بعض تلامذته: أسقطه في العرضة الأخيرة، قرأه في بعض العرضات، ولم يقرأه في أخرى، قرأه سحنون، لم يقرأه. وسنعرض هذه النصوص المطروحة مع كتابة نصوص "المدونة" في بداية الكلام إذا كان النص الذي ساقه عياض ناقصاً، أو غير واضح مع بعض الإشارات إلى الفرق بين نسختي دار صادر، ودار الفكر، غير أنني لن أطيل في هذا لأنني تطرقت إليه في مواضع أخرى. وسأعرض هذه النصوص ضمن الكتب الآتية: كتاب المساقاة - النص الأول: نص "المدونة": قلت: أرأيت الرجل يأخذ النخل والشجر مساقاة، أيكون جميع العمل من عند العامل في المال في قول مالك؟ قال: نعم، إلا

стр. 109

أن يكون في الحائط دواب أو غلمان كانوا يعملون في الحائط فلا بأس بذلك. قلت: أرأيت إن شرطهم (١) المساقي في الحائط وأراد رب المال أن يخرجهم من الحائط، أيكون ذلك لرب المال أن يخرجهم في قول مالك، قال مالك: أما عند معاملته واشتراطه فلا ينبغي له أن يخرجهم ولا ينبغي له (٢) ... إلخ. قال عياض في تعليقه على هذا النص: وقوله: "إذا كان في الحائط دواب أو غلمان يعملون في الحائط ويشترطهم فلا بأس بذلك" (٣) أوقف في كتاب "ابن عتاب": "ويشترطهم"، وكتب عليه ليس هذا الحرف من "المدونة" (٤). وصح في الأسدية. وقال: هو لفظ مستغنى عنه، ولذلك طرحه سحنون، والله أعلم. إذ ذلك للعامل وإن لم يشترطهم، كما بينه بعد ذلك في الباب، إلا أنه يستفاد من إثباتها في "الأسدية" قول ثان له، مثل ما في كتاب "ابن مزين" ليحيى، وابن نافع، أنهم لا يدخلون إلا باشتراط، ولعمري إن هذا في الكتاب غير بين، وقد سأله عن هذا فلم يعط فيه جواباً بيناً، وأجابه على منع اشتراط رب الأرض إخراجهم لفساد المساقاة بذلك. وقد اعترض المسألة حمديس، والذي يقتضيه كلامه أن الذي فهم منها صحة لفظة الاشتراط، وإثباتها على ما في "الأسدية", لأنه قال: ينبغي على أصله ألا تفسد المساقاة باشتراط رب النخل إخراجهم, لأنه لو سكت عن الاشتراط لم يدخلوا، وإنما يصح جوابه أن يكون السقي إذا وجب في الحائط، وقع على ما فيه من جميع آلاته، وإن لم يشترط، كالبياض اليسير في النخل تقع المساقاة عليه، وإن لم يذكراه. اهـ. وهذا النص الذي قدمه عياض والذي شرح فيه المسألة شرحاً وافياً

стр. 110

يجيب كذلك عن السؤال الذي طرحناه في البداية عن ما هو المصدر الذي يقارن به سحنون ويطرح منه هذه المسائل، فتبين من خلال هذا النص أنه يقارن بالنسخة الأصلية "للمدونة"، وهي "الأسدية". - النص الثاني: نص "المدونة": وقد قال غيره: لا يجوز البيع، ويكون موقوفاً، إلا أن يرضى العامل بتركها، فيجوز بيعها، وهو أحسن من هذا (١). قال عياض: وقول غيره في المساقي يفلس فيبيع الغرماء الحائط: لا يجوز البيع، ويكون موقوفاً، إلا أن يرضى العامل بترك المساقاة. ثبت عند شيوخنا، وسقط للدباغ. قال أبو محمَّد: طرحه سحنون. وقال: يجوز بيعه للضرورة. قال سحنون: قول الغير هو النظر، وقول ابن القاسم أحب إلي، إذا وقعت الضرورة كان أخف، ولو كان ابتداء لم يجز. قال غيره: ومعنى قول الغير يكون موقوفاً، أي: حتى يؤبر ثم يباع. انتهى. ورغم كلام أبي محمَّد بأن سحنون طرح هذه المسألة فهي ثابتة في نسختي دار صادر ودار الفكر، إلا أن النص فيه ما يشعر بأن سحنون يميل إلى قول ابن القاسم وإن كان النظر مع قول الغير، ويستفاد هذا من كلامه آخر النص: وهو أحسن من هذا (٢) فيجوز (٣). كتاب الجعل والإجارة - النص الأول: قال عياض: وقوله في مسألة: "أبيعك نصف ثوب على أن تبيع لي نصفه، ذلك جائز، إذا ضرب أجلاً" (٤). ثم قال: "ولو قال: أبيعك نصف

стр. 111

هذا الثوب، أو نصف هذا الحمار، على أن تبيع لي النصف الآخر، بموضع كذا، أو قال: أبيعك نصف هذا الطعام، وهو بالفسطاط، على أن تخرج به كله إلى بلد آخر، فتبيعه، قال: قال مالك: لا يجوز" (١). قال عياض: ضرب في كتاب ابن وضاح على ذكر الطعام من المسألة الأولى من قوله: "أو قال أبيعك نصف هذا الطعام" (٢) وقال يحيى بن عمر: وخطه سحنون. قال: وإنما تصح المسألة بطرحه. وهذا ما سار عليه ابن لبابة، فقال: وهو عندي جائز في جميع الأشياء إلا في الطعام، كان على وجه الجعل أو الإجارة واستبعد ابن رشد تأويل ابن لبابة (٣). - النص الثاني: نص "المدونة": وقال غيره: لا يكون هذا في عمل رجل بعينه، ولا يكون إلا مضموناً وإذا كان مضموناً كان عليه تمام العمل (٤). هكذا في "المدونة"، وقال عياض: وقع في بعض الأمهات، وقال غيره: لا يكون هذا في عمل رجل بعينه، ولا يكون مضموناً، وعليه في المضمون تمام العمل، وجاء الكلام في المضمون كله لابن القاسم، وفي كتاب "ابن عتاب" أمر سحنون بطرح قول الغير. قال ابن وضاح: وكنا قد قرأناه عليه مرة، فأمرنا بطرحه. وقال: لست أعرفه. وفي كتاب "ابن سهل": ثبت قول غيره لابن باز. وقال ابن هلال: لم يعرفه سحنون. وفي كتاب ابن المرابط نحو هذا، من قول ابن وضاح. قال: وكان موقوفاً في كتاب "ابن وضاح"، وفيه قال ابن وضاح: قال سحنون: مسألة الغير أصح مسائلنا، وهو أصل جيد. وذهب بعض

стр. 112

المتأخرين إلى أن قول الغير وفاق، إلا على ما اختصره أبو محمَّد عنه، فهو خلاف. وهذا النص فيه إشكال لأنه كيف يكون سحنون قد طرح هذا الكلام، ثم يقول بعد ذلك: مسألة الغير أصح مسائلنا، وهو أصل جيد. - النص الثالث: نص "المدونة ": وكل من اشترى كيلاً فرأى سنبله فلا بأس بذلك؛ لأنه إنما اشترى عنه من حنطته هذه التي في سنبله هذا كيلاً فلا بأس بذلك. قلت: أرأيت إن قال: أبيعك حنطتي التي في بيتي كل إردبين بدينار، قال: لا يجوز ذلك، عند مالك حتى يصفه أو يريه منها. قلت: فما فرقها بين هذا والذي في سنبله؟ قال: لأن الذي في سنبله قد عاينه (١). قال عياض: وقوله: وكل من اشترى كيلاً يراه في سنبله فلا بأس به ... إلى آخر قوله؛ لأن الذي في سنبله قد عاينه. قال بعض الأندلسيين: هذا يدل أن بيع الجزاف لا يجوز على الصفة، وطرح سحنون قوله في سنبله أول المسألة، ورده فرآه، ولم يكن في كتاب "ابن عتاب". كتاب تضمين الصناع - نص المدونة: قلت: أرأيت إن اشتريت سلعة من رجل إلى أجل فاختلفنا في الأجل وتصادقنا في الثمن فقال البائع: بعتك إلى شهر، وقال المشتري: اشتريت منك إلى شهرين، قال: إن كانت السلعة قائمة لم تفت، تحالفا وترادَّا، وإن

стр. 113

كانت قد فاتت فالقول قول المبتاع مع يمينه، وهذا قول مالك (١). قلت: وكذلك إن قال البائع: بعتك هذه السلعة حالة، وقال المشتري: بل اشتريتها منك إلى شهرين (٢)، قال: إن كانت السلعة بيد صاحبها ولم تفت من يد المشتري بشيء مما وصفت لك تحالفا وردت، وإن كان قد دفعها البائع إلى المشتري وفاتت في يديه فالمشتري مدع, لأن البائع لم يقر له بالأجل، وإنما اختلفت هذه والتي قبلها لأن البائع قد أقر بالأجل في التي قبلها، وهذه لم يقر فيها بالأجل، فالمشتري مدع، والبائع كان أولاً مدعياً لأجل قد حل. قال: وبلغني عن مالك أنه قال: اختلاف الآجال إذا فاتت السلع كاختلافهم في الثمن. رواه ابن وهب (٣) وغيره عن مالك (٤). قال عياض: ومسألة الاختلاف في الأجل زاد فيها في بعض الروايات، وكذلك إذا قال: بعتك حالاً، وقال الآخر: إلى شهر ... إلى آخر المسألة، إلى ابتداء رواية ابن وهب هذه المسألة ليست في رواية ابن وضاح. وقال: طرحها سحنون، وأثبتها ابن باز، ويحيى بن عمر، وأحمد بن داود، وصحت في كتبهما. وقوله في آخرها: "وقد بلغني عن مالك أنه قال: اختلاف الأجل إذا فاتت السلعة بمنزلة اختلافهم في الثمن" (٥) ليس عند يحيى، وصحت لأحمد، وابن باز. كتاب كراء الدور والأرضين - نص المدونة: قال مالك: لا يقلع، ولكن يترك زرعه وبقله حتى يتم ويكون لرب

стр. 114

الأرض مثل كراء أرضه. قلت: على حساب ما أكراه أم كراء مثلها في المستقبل. قال: قال مالك: له كراء مثلها على حساب ما كان أكراها منه (١). وقال عياض: وقوله: "قال مالك: لا يقلع، ولكن له كراء مثل أرضه. ثم قال: وله كراء مثلها على حساب ما أكراها منه" (٢). قال بعضهم: هذا تناقض. كيف يصح كراء المثل مع حساب ما أكرى، وقد طرح سحنون من رواية يحيى قوله: على حساب ما أكراها، واختصرها أبو محمَّد، وغيره، لا على حساب ما أكرى. وكذا وقعت المسألة في المستخرجة (٣). كتاب الشركة - النص الأول: قال عياض: في الشركة على شيء غير معين: وكذا كان في هذا الباب في "الأسدية" بعد قوله: لا تعجبني هذه الشركة. قال: فإن نزلت رأيت أن يكون ما اشترى كل واحد منهما يلزم صاحبه نصفه, لأنه قد اشتراه بإذن صاحبه. قال حمديس: كأنه حمله محمل الوكالة. ولأصبغ نحوه (٤). قال فضل: طرح سحنون قول ابن القاسم هنا، وقال: لكل واحد منهما ما اشتراه. هذا النص الذي تحدث عنه عياض لم أعثر عليه في "المدونة" ولعل عياضاً أخذه من "الأسدية"، وهو ما أشار إليه.

стр. 115

- النص الثاني: قال عياض: "قول غيره في هبة أحد الشريكين لا يجوز أن يعطي شيئاً من المال، لا من حصته، ولا من غير ذلك" (١) ... ، إلى آخر المسألة. ثابتة عند ابن وضاح، وابن هلال، وعند ابن عتاب، وفي كثير من الروايات، وسقطت في بعضها، وثبتت في كتاب "ابن المرابط" لابن باز، وسقطت عنده لابن هلال، ولابن أبي عقبة. قال ابن باز: أمر سحنون بطرحها في العرضة الأخيرة. - النص الثالث: قال عياض: وقوله فيما صنعه أحد الشريكين من المعروف "لا يجوز له أن يصنعه في مال شريكه (٢). زاد في بعض الروايات: (وهو يجوز عليه من ذلك قدر حصته)، وضرب عليه في كتاب "ابن وضاح". وقال: طرحه سحنون. وصح لابن أبي عقبة، وبعض الروايات. وهذه الزيادة التي ذكرها عياض ثابتة في نسختي دار صادر (٣) ودار الفكر (٤). كتاب القراض - النص الأول: نص "المدونة": قال: وسألت مالكاً عن الرجل يبتاع السلعة فيقصر ماله عنها فيأتي إلى رجل فيقول له: ادفع إلي مالاً قراضاً، وهو يريد أن يدفع ماله في ثمن بقية تلك السلعة التي اشترى ويجعله قراضاً، قال مالك: أني أخاف أن يكون قد استغلاها فيدخل مال الرجل فيه فلا أحب هذا (٥).

стр. 116

قال عياض: ومسألة الذي يبتاع السلعة فيقصر ماله عنها، فيأتي الرجل فيأخذ منه مالاً قراضاً إلى قوله: فلا أحب هذا (١). زاد في بعض الروايات: ولو علم أن ذلك صحيح لم يكن لغلاء وقع فيه. وما أشبه ذلك. لم يكن به بأس. ولم يكن في أصول شيوخنا من "المدونة". وهي صحيحة في أصل سماع ابن القاسم. وفي "الأسدية". قال فضل: وطرحها سحنون. وقال: لا يعجبني العمل به وإن صح. وقاله ابن القاسم أيضاً. انتهى. وهذه الزيادة التي ذكرها عياض ساقطة من النسخ المطبوعة من "المدونة". وهي من النصوص الثابتة في "الأسدية" الساقطة من "المدونة". - النص الثاني: نص "المدونة": وقد قال غيره: كل من جاز له أن يبيع شيئاً أطلقت له يده فيه فباعه من نفسه وأعتقه فالأمر بالخيار، إن أجاز فعله فقد تم عتقه، وإن رد فعله لم يجز عتقه إلا المقارض، فأنه أن كان في العبد فضل نفذ عتقه للشرك الذي له فيه (٢). قال عياض: وقول غيره آخر الباب: كل من جاز له أن يبيع شيئاً أطلقت يده عليه إلى آخر المسألة (٣)، صحيح لابن باز عند ابن عتاب. وقال ابن وضاح: أمر سحنون بطرحه. وسقط من كتاب "ابن المرابط". كتاب الشهادات نص "المدونة": قلت: أرأيت رجلاً ادعى داراً في يد رجل فأنشب الخصومة فيما بينه وبينه وأقام البينة إلا أن بينته لم تقطع فأراد الذي الدار في يديه أن يبيع الدار أو يهبها أيمنع من ذلك في قول مالك للذي أوقع

стр. 117

صاحبه عليه من البينة والذي أنشب من الخصومة. قال: لم أسمع من مالك فيه شيئاً إلا أن له أن يبيع، أو يتصدق، أو يهب، ما لم يقض عليه بذلك، لأن بيعه ليس مما يبطل حجة هذا، ولا تبطل بينته التي أوقع، فهذا رد المسألة الأولى في الوقف، وقال غيره: ليس له أن يبيع لأن البيع غرر وخطر (١). قال عياض: وقوله في المدعى عليه في دار وأنشب الخصومة ... إلى قوله: لم أسمع من مالك فيه شيئاً. ثم قال: إلا أن له أن يبيع ويصنع فيها ما شاء ... إلى آخر المسألة. قال غيره: ليس له أن يبيع, لأن البيع خطر، وغرر (٢). طرح سحنون قول ابن القاسم: أن له أن يبيع إلى آخر كلامه (٣). قال ابن وضاح: ولم يقرأه سحنون، ولم يقرأه أحمد بن خالد، وطرح أيضاً عند ابن باز. وقال فضل: أخبرنا يحيى عن سحنون أن ابن القاسم يقول: كقول غيره. كتاب المديان والحجر والتفليس قال عياض: وقوله في مسألة الوصي يقضي بعض الغرماء: "قلت: فإن كان في المال فضل ليس فيه وفاء بحقوق هؤلاء ... إلى آخر المسألة" (٤). ثم التي جاءت بعدها في الحضور، والغيب. قال ابن وضاح: أمر سحنون بطرحها. وقال: والتي تحتها (٥) تدل عليها. وهي أصل ترد إليه كلما وجدت من نوعه. كلام عياض هنا يفهم منه أن طرح سحنون لهذه المسألة لم يكن مبنياً

стр. 118

على مخالفتها لغيرها، وإنما هو طلب للاختصار, لأن المسألة التي بعدها تدل عليها وهي أشمل منها. كتاب الرهن - النص الأول: قال عياض: ومسألة: "إذا اشترى الرجل من مال ابنه الصغير" (١) هي عند ابن عتاب موقوفة. وقال: طرحها ابن القاسم، وثبتت لابن وضاح، وابن باز. ومسألة المؤاجرة في عمل الكنيسة، أو كراء الدابة لها، أو داره، لذلك (٢) سقطت عند ابن عتاب (٣). - النص الثاني: قال عياض: وقوله: فإن كسرتهما، ولم أستهلكهما. قال: عليه قيمتهما مصوغين. قلت: أليس قد قلت: إذا كسرهما رجل ولم يتلفهما، فإنما عليه ما نقصت الصياغة؟ قال: هذا أحب إلي، وإليه أرجع وأرى أن يضمن قيمتهما من الذهب مصوغين، استهلكهما، أو كسرهما، فهما سواء. ويكونان له (٤). كذا ثبت في كثير من النسخ. وسقط هذا من كتاب ابن عتاب. وصحت في كتاب "ابن سهل"، و"ابن المرابط". وكتب عليها: سقطت عند ابن باز، والقابسي. وقال ابن وضاح: طرحها سحنون. وثبت هذا القول في كتاب "الغصب". قال: عليه قيمة الصياغة (٥).

стр. 119

- النص الثالث: قال عياض: ومسألة العبد المأذون يشتري من يعتق على سيده وهو يعلم أو لا يعلم، والبائع يعلم أو لا يعلم، فذلك سواء. وينفذ البيع، ويعتقون على العبد ... إلى آخر المسألة (١). طرحها سحنون. وقال: هي خطأ. وصحت عند سعيد بن حسان، وزونان وهي خلاف ما في كتاب "العتق"، و"الوكالات" (٢)، و"القراض" (٣)، في التفريق بين علمه، وغير علمه، وأنه إن علم المشتري لم يجز على الآمر، ورب المال وإن لم يعلم أعتق عليهما. كتاب الغصب - النص الأول: قال عياض فيمن استعار دابة فتعدى عليها وحدث بها عيب: وإلى قوله: "وإنما يضمن ما حدث فيها من عيب" (٤). صحت هذه الزيادة في كثير من الأصول. وسقطت في أخرى. وحوق عليها في بعضها. وكانت في كتاب "ابن عتاب". و"ابن المرابط" موقوفة. وكتب عليها: طرحها سحنون، وكتب عليها في كتاب "ابن المرابط"، قال الأصيلي: قرأها لنا أبو الحسن، يعني الدباغ. وقال: قرأتها على أحمد، وكان بعضها محوقا عليه عند أحمد. وقال يحيى، وابن وضاح: طرحها سحنون. وقال ابن هلال: قال سحنون: والصواب أنه إذا أصابها عيب في التعدي فهو كالغصب، ورب الدابة مخير بخلاف التعدي. - النص الثاني: قال عياض: وقوله في الغاصب: ليس له في حفرة حفرها في بئر في

стр. 120

الأرض، ولا تراب ردم به حفرة في الأرض، أو مطامير حفرها (١) طرح سحنون قوله: ولا تراب ردم به حفرة في الأرض، وهو ثابت في أصول شيوخنا. وثبت ليحيى، وابن وضاح، وسقط لأبي الحسن الدباغ، قبل ذلك. لأن التراب ينتفع به (٢). الشفعة - النص الأول: نص "المدونة": قال مالك: ما الشفعة إلا في الأرضين والدور؛ وان هذا الشيء ما سمعت فيه بشيء وما أرى إذا نزل مثل هذا إلا ولهم في ذلك الشفعة، ونزلت بالمدينة فرأيت مالكاً استحسن أن يجعل في ذلك الشفعة (٣). قال عياض: يشعر مجموع هذا الكلام إلى اختلاف قوله في "الشفعة" فيها، واختلاف قوله في ذلك معلوم، وكذلك اختلاف قوله في بيع نقضها، واختلاف قول أصحابه في بيع جميعها، من غير رب العرصة، ولا يختلف في وجوب الشفعة فيه، إذا بيع مبنياً مع الأصل، وإنما الخلاف إذا باع أحد الشريكين حصته من النقض دون الأصل، كان الأصل لهما، أو لغيرهما، كان قائماً في البنيان، أو نقض، وهما مشتركان في الأصل وفيه. وقد وقع خلاف ما تقدم نصاً في "المدونة"، في غير رواية يحيى. ونقلها أبو محمَّد فيمن اشترى نقض دار على القلع، ثم اشترى الأرض، فأقره، فاستحق رجل نصف جميع الدار، أنه يأخذ نصف الأرض بالشفعة، بنصف ثمنها، ويغرم نصف قيمة البناء من الأرض قائماً. وكذلك لو اشترى الأرض دون النقض، ثم اشترى النقض. وطرحها سحنون. وقال ابن المواز: رجع ابن القاسم إلى مثل قوله في النخل، أنه يأخذ نصف جميع ذلك، ووقعت

стр. 121

هذه المسألة آخر الكتاب في بعض الروايات، ولم تكن عند ابن وضاح، ولا في كتاب "دراس بن إسماعيل". وحوق عليها في كتاب "ابن عتاب". وتمت المسألة في بعض النسخ عند قوله: أيشفع الشفيع في النقض، والعرصة جميعاً. قال: نعم (١)، يشفع فيهما. وكذا تمت عند ابن أبي زمنين. وزاد في بعضها: العرصة بما اشتراها المشتري، والنقض بالقيمة (٢). وهنا انتهت في كتاب أحمد بن أبي سليمان وروايته، وزاد في رواية غيره تعليلاً للمسألة وحجة. قال فضل: ذكرها ابن عبدوس. في هذا النص تحدث عياض عن مسألة الشفعة في النقض (٣)، وعن مسألة الشفعة في العرصة والنقض في آخر الكتاب (٤)، وبين أن هذه المسألة الأخيرة اختلفت فيها الروايات بالزيادة أو النقصان، فما تمت فيه المسألة عند ابن أبي زمنين هو ما تمت فيه في دار صادر (٥)، وما ذكره ابن عبدوس من الزيادة الموجودة في غير رواية أحمد بن أبي سليمان موجودة في دار الفكر (٦). وفي هذه الزيادة تعليل للمسألة كما قال عياض. - النص الثاني: نص "المدونة": قلت: ولم أجاز مالك الهبة لغير الثواب المسمى، قال: أجازه الناس وإنما هو على وجه التفويض في النكاح، وفي القياس:

стр. 122

لا ينبغي أن يكون جائزاً ولكن قد أجازه الناس (١). قال عياض: قال ابن وضاح: طرح سحنون قوله: وفي القياس ينبغي ألا يكون جائزاً (٢). وثبت في كتاب "ابن عتاب". وخرجه في كتاب "ابن المرابط". وقد ثبت للأبياني وحده. - النص الثالث: قال عياض: ومسألة: "من اشترى شقصاً من دار بحنطة، فاستحقت الحنطة، وقد أخذها الشفيع بالشفعة قبل استحقاقه الطعام، لم يرد البيع، ويغرم له مثل طعامه، وإن كان قبل أخذه فلا شفعة له" (٣). كذا ثبتت عندي الرواية في كتاب "ابن عتاب"، وكذا عند "ابن وضاح". وعند بعضهم، وعند ابن أبي زمنين، والإبياني. وكذا "لابن باز"، عند "ابن المرابط". قال ابن أبي زمنين: وعند ابن وضاح: وغرم له قيمة الشقص. وكذا "لابن وضاح" عند ابن المرابط. و"لابن باز" عند غيره. قال ابن وضاح: كذا أصلحها سحنون، "لا يرد ويغرم قيمة الشقص الذي اشترى" (٤)، وقال في الرواية الأخرى: هي غلط. قال: وكذا قرأنا عليه بعض زيادة، وطرح: "لم يرد، وغرم له مثل طعامه" (٥). - النص الرابع: قال عياض: وقوله: "فإن أخذ بالشفعة في نصف الأرض والنخل، أخذ بما يقع عليه من الثمن الأول الذي اشتراه به المشتري" (٦)، هذا نصه في المختلطة. وأوقفها سحنون، وأمر بطرحها، وقرأها رواية.

стр. 123

كتاب القسمة قال عياض في قول ابن القاسم في صفة القسمة عند شرحه لصفة القسمة عند غيره من العلماء: قال فضل: هذا يرجع إلى ما قال ابن القاسم، لكنه أخصر وأقل عناء، وقد طرح سحنون كلام ابن القاسم في المسألة كلها، وتفسيره لخلافه عنده أصل مالك. وذلك من قول مالك، ثم من قوله: ثم يضرب أيضاً بالسهام لمن بقي منهم ... إلى قوله: وهذا تفسير مني عن مالك (١). قال ابن وضاح: أمر سحنون بطرحها، وقال: التي فوقها خير منها، وضرب عليها في كتاب "ابن وضاح"، و"ابن باز"، و"الدباغ". كتاب الحبس والصدقة والهبة نص "المدونة": قال سحنون: فثبت الرواة كلهم عن مالك على هذا وقاله المخزومي فيما يقسم، وفيما لا يقسم على ما وصفنا، إلا ابن القاسم، فإنه أخذ برجوع مالك في هذا بعينه، فقال: يرجع على من بقي، كان يقسم أو لا يقسم، وما اجتمعوا عليه أحج إن شاء الله، وقال بعضهم: وإن مات منهم ميت والتمر قد أبو فحقه فيها ثابت، قاله غير واحد من الرواة (٢). وفي دار الفكر زيادة: منهم: أشهب (٣). قال عياض: كذا في نسخ وثبت عند "ابن عتاب" و"ابن المرابط" إلا قوله: قال بعض الرواة. وقال يحيى بن عمر: طرح سحنون: قال بعض الرواة مرة، وقرأه أخرى. ولم يكن في كتاب "ابن وضاح" من أخذ ابن القاسم برجوع مالك إلى آخر الباب. وسقط عنده لفظ المخزومي قبل. وسقط وقاله أشهب آخر الباب عند "ابن المرابط" لغير أحمد.

стр. 124

كتاب العارية قال عياض: وقوله في مسألة عبد الرحيم، في اختلاف المعير والمستعير، في ركوب الدابة، القول قول المستعير، إن كان يشبه قوله مع يمينه (١). قال أبو عمران: هذا يدل أن العارية إذا كانت مسجلة مهملة أنها تحمل على عوائد الناس في مثلها. وقال ابن وضاح: أمر سحنون بطرح المسألة كلها. كتاب القذف نص "المدونة": وقال مالك إذا قذف وسكر، أو شرب الخمر ولم يسكر جلد الحد حدًّا واحداً، وان كان قد سكر جلد حدًّا واحداً، لأن السكر حده حد الفرية, لأنه إذا سكر افترى، فحد الفرية يجزئه منها، ألا ترى أنه لو افترى ثم افترى وضرب حدًّا واحداً، كان هذا الحد لجميع تلك الفرية، وكذلك السكر والفرية إذا اجتمعا دخل حد السكر في الفرية (٢). قال عياض: ومسألة إذا سكر، وقذف، أو شرب ولم يسكر، جلد حدًّا واحداً (٣). إلى آخر المسألة (٤). ثبتت في كتاب "ابن وضاح" عند "ابن عتاب". وهي ثابتة في كتاب "ابن المرابط"، وابن سهل. إلا أن التعليل في آخرها ساقط للدباغ. قال ابن باز: أمرني سحنون بطرحها. وهي مطروحة في كتابه، وكتاب يحيى. هذه النصوص إذا درست دراسة متأنية وقوبلت مع ما يماثلها من الأحكام الفقهية وآراء علماء المالكية في المصادر الأساسية للمذهب سيكون بإمكانها أن تجيب عن الكثير من التساؤلات المتعلقة بالمذهب المالكي،

стр. 125

تاريخاً، وفقهاً، واجتهاداً. وستوضح الكثير من أسباب الاختلاف في المذهب المالكي. إلا أن موضوعنا لا يتسع لأكثر من هذا، نظراً لأن الوقت إذا توفر فيجب أن يصرف للتحقيق ويترك هذا الموضوع ليكون موضوعاً مستقلاً.

стр. 126

الفصل الثالث: التعريف بكتاب التنبيهات المبحث الأول: عنوان الكتاب ونسبته لمؤلفه. المبحث الثاني: مضامين الكتاب ومقاصده. المبحث الثالث: مصادر الكتاب.

стр. 127

المبحث الأول: عنوان الكتاب ونسبته لمؤلفه ١ - اسم الكتاب: لفظ: "التنبيهات" يندرج في مسلك بعض الفقهاء المالكية في الغرب الإِسلامي، خاصة ممن راموا في مؤلفاتهم معالجة قضايا جزئية. وقد حظيت "المدونة" بالنصيب الأوفر من هذا النوع من المؤلفات التي أطلقوا عليها أيضاً اسم: التعاليق والنكت. وجدير ذكره أن المؤلف سُبق إلى هذا الاسم؛ فلفضل بن سلمة البجاني المتوفى سنة ٣١٩ هـ الفقيه الكبير تنبيهات في الفقه (١)، وكذلك لمحمد بن الخيار العبدري القرطبي المتوفى سنة ٥٢٩ هـ تنابيه على "المدونة" (٢). ولغير هذين من العلماء مؤلفات تحمل عنوان "التنبيهات" أو "التنابيه" (٣).

стр. 128

أما المؤلف فلم يذكر في كتابه الاسم الذي اختاره له، لكنه سماه بنفسه مرة في "المشارق": بـ "التنبيهات المستنبطة" (١)، وسماه ثانية: بـ"التنبيهات" (٢). بينما سماه ابنه بـ "التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة" (٣). وسماه ابنه أيضاً في إحدى الطرر الواردة في إحدى نسخ الكتاب بـ "المستنبطة" (٤). وذكره المقري باسم كتاب "المستنبطة" في شرح كلمات مشكلة وألفاظ مغلطة مما وقع في كتاب "المدونة والمختلطة" (٥). ثم قال: وقد غلب على تسميته ببلاد إفريقية وغيرها: التنبيهات. وقال الذهبي: له كتاب "التنبيهات" فيه فوائد وغرائب (٦) وقال ابن فرحون: وله كتاب "التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة"، جمع فيه غرائب من ضبط الألفاظ وتحرير المسائل (٧) وقال حاجي خليفة: "التنبيهات المستنبطة في شرح مشكلات المدونة والمختلطة" (٨). وأما جملة "الكتب "المدونة"" الوارد في العنوان - وقد يسمى: كتب المدونة بالإضافة، فإن هذا الاستعمال والإطلاق قديم ومستعمل في وصف الكتاب الواحد، مثل تسميتهم الكتب الأسدية (٩) والكتب الثمانية (١٠) والكتب

стр. 129

الدمياطية (١) والكتب المبسوطة (٢) والكتب المجموعة (٣) والكتب المدنية (٤) والكتب السليمانية (٥) والكتب الجحدرية (٦). وأما لفظة: "المختلطة" فلم يتفق على المقصود به، هل هو اختلاط التراجم؟ أو اختلاط الأبواب؟ أو اختلاط المسائل؟ أو أنه وقع اختلاط في السماع؟ وإذا كان سحنون قد هذب وبوب أجزاء منها، فما هي الكتب الباقية؟، وإذا كانت "المدونة" من أجل هذا تسمى "المدونة والمختلطة"، فما هو الجزء المسمى بالمدونة؟ وما هو الجزء المسمى بالمختلطة؟ وإذا قيل بأن أبا أيوب المعروف بابن المشتري قد بوب الأبواب الباقية التي تركها سحنون؛ فهل هذا العمل كاف لحذف كلمة "المختلطة" والاقتصار على اسم "المدونة" فقط؟ إذا رجعنا إلى الكتب التي تتحدث عن هذا الموضوع لا نجد إلا لمسات في أطراف الموضوع هنا وهناك، فهذا عياض يقول وهو يتحدث عن أصل "المدونة": قال الشيرازي: واقتصر الناس على التفقه في كتب سحنون، ونظر سحنون فيها نظراً آخر، فهذبها، وبوبها، ودونها، وألحق فيها من خلاف كبار أصحاب مالك ما اختار ذكره، وذيل أبوابها بالحديث، والآثار، إلا كتباً منها مفرقة بقيت على أصل اختلاطها في السماع، فهذه هي كتب سحنون، "المدونة والمختلطة" (٧). وقد ذكر عياض كذلك أن سليمان بن عبد الله بن المبارك أبو أيوب المعروف بأبي المشتري (٨) هو الذي بوب الكتب "المختلطة" الباقية على

стр. 130

سحنون من "المدونة" (١)، لكنه لم يذكر الأبواب التي بوبها هذا الأخير، ولا الأبواب التي تركها سحنون، وهل اقتصر عمل أبي المشتري على التبويب فقط؟، أم فيه تبويب وتهذيب. وقد وجدت مكتوباً فوق مخطوط النكت لعبد الحق الصقلي نسخة ابن يوسف بمراكش، على الصفحة الأولى أسفل عنوان الكتاب: تسمية المختلطة من كتب "المدونة": الصيد، الذبائح، الحج الثالث، الأقضية، الشفعة، القسمة، الغصب، حريم البئر، الرهون، اللقطة، الضوال، الوديعة، العارية، الهبات، الجراحات، السرقة، المحاربين، الرجم، القذف، الديات. انتهى. وقد قارن عياض في كتابه "التنبيهات" بين "المدونة والمختلطة"، ولعله يقصد بها النسخة الأصلية للمدونة قبل تهذيبها وتبويبها، وهي نسخة "الأسدية" التي صححها سحنون على ابن القاسم، فقد قال في بيوع الآجال: وقوله: "لم لا يكون كأنه رجل باع مائة دينار له عليه بخمسين إردبا، وبخمسين دينارا أرجأها" (٢). كذا في "المدونة". وفي المختلطة: عجلها. وإذا كان في المختلطة: عجلها، وفي "المدونة": أرجأها، فإن التعجيل ضد الإرجاء، فهذا تغيير في الأحكام، فإذا كان العمل منصبا على تصحيح مثل هذه الجزئيات فقد يكون تجاوز مسألة التهذيب والتبويب، إلى التصحيح والتصويب، ومن ثم يكون الاختلاط قد تجاوز الجانب الشكلي "للمدونة" إلى مضمونها. أو لعل هذا مثل من أمثال الأغلاط التي كانت في "الأسدية". وقال عياض في القسمة: لعل هذا الباب بقي على اختلاطه بعد ذكره الاختلافات الواردة فيه وحاول أن يجد لها وجهاً، فأورد عدة احتمالات من بينها الاحتمال الأول.

стр. 131

وقال في الشركة في مسألة الثلاثة نفر: لأحدهم البيت، وللآخر الدابة، وللآخر الرحى، اشتركوا بالسواء، وذكرهم في السؤال أنهم جهلوا أن ذلك غير جائز، فعملنا وأصبنا مالاً، فقسم بيننا أثلاثاً، إذا كان كراء الدابة، والرحى معتدلاً" (١)، فظاهر هذا أن مذهب الكتاب هنا ما قدمناه أنه لا يجوز، حتى يكتري كل واحد منهما نصيبه بنصيب صاحبه (٢)، إذا كان مستوياً. وسحنون يجيز ذلك إذا استويا. قال أحمد بن خالد: هذا قول سحنون. وهو في "المختلطة" خطأ، فأصلحها في هذا الموضع، وتأول سحنون ما في الكتاب أنه إنما يمنع منه إذا كان كراء الآلة وهذه الأشياء مختلفاً. ومن مظاهر اختلاط مسائلها التي ما زالت باقية في "المدونة" شاهدة على ذلك، نذكر مسألة نذر الصيام (٣) فقد وردت في كتاب "الرهون. كما يلاحظ أن بعض الأبواب لم تذيل بالأحاديث والآثار كالأبواب الأخرى، كما أن بها بعض الأبواب هي كلها آثار وليس فيها كلام لابن القاسم، ولعلها كلها من جامع ابن وهب، انظر في القود بين الحر والعبد (٤) في العبد يقتله العبد أو الحر (٥) في كتاب الجنايات. ٢ - نسبة الكتاب للقاضي عياض: كتاب "التنبيهات" تواترت الأخبار في نسبته إلى مؤلفه، وقد عزاه لنفسه بنفسه في كتابيه الأشهرين: "الإكمال" (٦) و"المشارق" (٧)، وعزاه له ابنه

стр. 132

في "التعريف" (١) و"مذاهب الحكام" (٢)، وذكره له المقري (٣)، وابن خلكان (٤)، والذهبي (٥)، وصاحب طبقات المالكية (٦)، وحاجي خليفة (٧)، وإسماعيل باشا البغدادي (٨)، وغيرهم من أصحاب الفهارس ومؤلفي كتب الفقه المالكيين خاصة ... ومن هذا ما قيل في الكتاب والمؤلف من شعر مادح، كإنشاء أبي القاسم خلف بن عبد العزيز القبتوري المتوفى سنة ٧٠٤ هـ: وأَعجب تنبيهاته اللائي أوسعت ... غوامض أعيت رائمي فهمها كشفا (٩) وقول أبي عبد الله محمَّد بن علي التوزري ابن المصري فيه: كأنيَ مذ وافى كتاب عياض ... أنزِّه طرْفي في مريع رياض فأجني به الأزهار يانعة الجنا ... وأكرع منه في لذيذ حياض (١٠) فهذه شهادات عدل في نسبة الكتاب إلى مؤلفه.

стр. 133

المبحث الثاني: مضامين الكتاب ومقاصده من خلال عنوان الكتاب، ومن خلال الإشارات الواردة في مقدمته، يمكن أن نجمل محاور الكتاب فيما يلي: أولاً: شرح بعض نصوص المدونة: جاءت أبواب "المدونة" على غير المنهج المتبع في الكثير من الكتب، من افتتاح بمقدمات تمهد للتعريف بالموضوع من الناحية اللغوية والاصطلاحية، وتقديم أدلة من الكتاب والسنَّة على مشروعيته، فكانت عبارة عن أسئلة وأجوبة مذيلة في بعض صورها في بعض الكتب بالأحاديث والآثار، مما أدى بابن رشد إلى أن يسد هذا الفراغ بكتابه المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم "المدونة" من الأحكام الشرعيات والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها المشكلات. جاء هذا الكتاب ليقدم بين يدي كل كتاب تعريفاً لغوياً واصطلاحياً مع أدلة على مشروعية الكتاب من الكتاب والسنَّة، أو الإجماع، أو القياس، ثم بعد ذلك يجمع الصور الفقهية المتشابهة في فصل يجعلها منفصلة عن غيرها، ثم يناقش أحكامها انطلاقاً من "المدونة" والواضحة والعتبية والموازية وغيرها من المصادر المالكية المتاحة له، فيعرضها بأسلوب سهل واضح وسالم من الغموض والتعقيد.

стр. 134

أما تلميذه القاضي عياض فنظر إلى الموضوع من جوانب أخرى، لم يتطرق إليها غيره، فتنبه إلى بعض نصوص "المدونة" المحتاجة إلى الشرح والتوضيح، فنسج على منوال شيخه في عرض كتب "المدونة"، وفي شرح بعض النصوص الفقهية التي ساقها، بل الأكثر من ذلك أنه كان يعتمد عليه كثيراً في هذا الباب؛ ففي بيوع الآجال مثلاً عرض عياض للتعريف به عند الفقهاء، وبين الأصل الذي بني عليه، قبل أن يبدأ تعاليقه على نصوص "المدونة"، كما بين التأصيل الذي اعتمده في بيع الأجل كل إمام من أئمة المالكية، كابن القاسم وأشهب وابن المواز وفضل بن سلمة، وابن حبيب وغيرهم. ثانياً: ضبط بعض المفردات وشرحها: اهتم عياض بضبط بعض مفردات "المدونة" وشرحها، سواء تعلقت باللغة، أو بالأشخاص، أو الأماكن، ما دامت هذه الألفاظ غير خاضعة لقياس، أو قاعدة تضبطها، وهذا الاهتمام بضبط الألفاظ أخذه عن شيوخه، فقد أخبر عن شيخه أبي الحسن علي بن المشرف بن المسلم (١) الأنماطي (٢) بسنده إلى أبي إسحاق النيجرمي أنه قال: أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس, لأنه لا يدخلها القياس، ولا قبله شيء يدل عليه، ولا بعده شيء يدل عليه (٣). وهذا المنهج سار عليه كذلك في كتابه "مشارق الأنوار". وقد تشكل هذه الألفاظ المهملة عقبة كأداء أمام القارئ، فتحتاج إلى من يقوم بضبطها، وتقييدها وبيان المقصود منها, لأن القارئ يحار في مثل هذه الكلمات إذا أراد أن يبحث عن معناها، إلى أي مرجع يتجه؟ وهذه الألفاظ لا يضبطها إلا الذين قضوا عقوداً من أعمارهم في ملازمة الشيوخ، مع الحرص على

стр. 135

الضبط عند الأخذ عنهم، ويرحم الله عياضاً فقد روى حكاية عن شيخه ابن عتاب عن أبيه في تعليمه الضبط للمبتدئين، فقال وهو يتحدث عن قوله ﵊: "لا تصروا الإبل" (١) (٢)، ضبطه بضم التاء، وفتح الصاد وفتح اللام، من الإبل، هذا هو الصواب. وكذا ضبطناه عن الشيوخ، ولا يصح على ما تقدم غيره، وكان الشيخ أبو محمَّد بن عتاب حكى لنا عن أبيه أنه كان يقول للطلبة: إذا أشكل عليكم ضبط هذا الحرف فاقرؤوا قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣)، ونعم ما قال ﵀، لمن يشكل عليه هذا الحرف من المبتدئين، وكثير من الشارحين، ومن لا يتقن الضبط من الفقهاء والمحدثين. وسأعرض بعض النماذج التي ضبطها: - السفتجات، بفتح السين وسكون الفاء وفتح التاء بعدها جيم جمع سفتجة: وهي البطائق التي تكتب فيها الإحالات بالديون. - وخبز الملة، بفتح الميم وتشديد اللام: هو نوع مما يطبخ به الخبز، وهو أن يحمى بالنار موضع من الرمل أو التراب ثم توضع فيه الخبزة، ويرد بعضه عليها حتى تنضج، سمي بذلك لحرارته. - والأمرخ، بفتح الهمزة وآخره خاء معجمة فسره في الكتاب: جبل الفسطاط. - "وحيان بن عمير العبسي" (٤) - بفتح الحاء وياء باثنتين تحتها. ونسبه العبسي بالعين المهملة بعدها باء ساكنة بواحدة وسين مهملة (٥) كذا أصلحته

стр. 136

من أصل ابن عتاب، وفي أكثر النسخ القيسي (١)، بالقاف وياء باثنتين تحتها. إلا أن ما ذكره عياض لا يوافق ما في كتب التراجم ففي النسخ المطبوعة من المدونة وفي كتب التراجم: القيسي بالقاف، وهو ما أقره هو كذلك في بعض النسخ. ثالثاً: التنبيه على اختلاف الروايات: نبه القاضي عياض على الاختلاف الموجود في روايات "المدونة"، وما لهذا الاختلاف من أثر على المختصرات الفقهية، والأحكام الفقهية، وسأعرض بعض النماذج من هذا الاختلاف: - قال في كتاب "بيوع الآجال" في مسألة البيع والسلف: وقوله: "إلا أن يرضى من اشترط السلف أن يترك ما اشترط" (٢). ثم قال: "قلت: لم كان هذا الذي اشترط السلف إذا ترك السلف ورضي في ثبت البيع. قال: كذلك قال مالك" (٣). كذا روايتنا. وكذا في أكثر الأمهات، وكذا في "الموطإ" (٤) ووقع في بعض النسخ يرد ما اشترط ورد السلف. قال فضل: وكذا قرأناها على يحيى، إذا رد. قال: وسحنون أصلحها في رواية يحيى في الموضعين. وردها يترك وترك، إذ مذهبه: أنه لا يجوز الإسقاط، والرضى بترك السلف بعد القبض، إذ بالقبض تم الربا بينهما، وقاله ابن حبيب (٥)، ورواه علي وابن عبد الحكم عن مالك. وذهب أكثر شيوخ القرويين إلى أن قول سحنون وفاق للكتاب، وبعضهم يجعله خلافاً. ويستدل بما في الأصل من قوله: يرد، وكذا حكى أصبغ في أصوله: أنه

стр. 137

يرد السلف وإن قبضه، ومحمد بن عبد الحكم يرى رد البيع وإن أسقط السلف مشترطه. وهذا الاختلاف الواقع بين كلمتي يرد ويترك، هو أصل الاختلاف، هل يرد البيع؟ أو يرد السلف؟ وقد تمسك البعض بما في نسخة يحيى، وقد قال يحيى بن عمر: وسحنون أصلحها: يترك، وإنما كان: يرد. وقال ابن رشد: وإلى هذا ذهب سحنون في إصلاحه مسألة كتاب "بيوع الآجال في المدونة" بأن جعل فيها مكان يرد: يتركو فتدبر ذلك (١). - وقال في كتاب الغرر: وقوله: وينقض صاحب الحلية حليته إذا أراد صاحب السيف ذلك وأراد صاحب الحلية ذلك؟ (٢) كذا في كتابي. وهو يقصد نسخته من "المدونة". ما أورده عياض في هذا النص هو السؤال فقط، ولم يذكر الجواب لأن الذي أراد أن ينبه عليه هو "وأراد" الموجود في نسخته، و"أو أراد" الموجود في كتاب "ابن المرابط". ونص "المدونة": قلت: وينقض صاحب الحلية حليته إذا أراد صاحب السيف ذلك وأراد صاحب الحلية؟ قال: نعم. قلت: وهذا قول مالك؟ قال: نعم، هو قوله. قلت: ولا ترى هذا من الضرر؟ قال: لا, لأنهما قد رضيا (٣). وعلق عياض على هذا النص فقال: ظاهره أنه إنما ينقض باتفاقهما وليس المراد ذلك، بل المعنى: أن من دعا منهما إلى تخليص ملكه فذلك له، ووقع هذا اللفظ في كتاب "ابن المرابط": أو أراد؛ وهذه الرواية أبين. - وفي كتاب "المرابحة": في "المدونة": طبعة دار صادر: فلا يكون للبائع على المشتري غير ذلك (٤)، وفي طبعة دار الفكر: فلا يكون للمشتري

стр. 138

أن ينقصه من ذلك (١). قال عياض عندما علق على هذا النص: كذا عند شيوخي، وروايتي، وهي رواية أحمد بن أبي سليمان، ويحيى بن عمر، وفي بعضها: "فلا يكون للبائع" (٢)، وكذا عند ابن خالد، قال بعضهم: وهو أصح من المشتري. ورأى عياض أن المعنيين يرجعان إلى معنى واحد لكن لفظ المشتري أليق وأحسن في نظم الكلام. ولم يقتصر عياض على المقارنة بين الروايات، بل كان يقارن كذلك بين "المدونة" وأصلها "الأسدية". - قال في كتاب "العيوب": وقوله: "فإن ادعى المشتري الذي قطع الثوب أن البائع حين باعه علم بالعيب وأنكره البائع (٣)، قال: على البائع اليمين" (٤) كذا في "المدونة". وفي أصل "الأسدية"، فإن قال البائع: استحلفوه أنه لم يعلم بالعيب، قال: عليه اليمين، وهذا خلاف ما نصه في الباب أنه لا يحلفه بمجرد الدعوى بالرضى. وإذا كان عياض يعرض هذه الروايات المختلفة فإنه يعرضها إما ليثبت الاختلاف بين النسخ، أو لينبه على الرواية التي اعتمد عليها بعض المختصرين، أو ليبين الأحكام الفقهية المبنية على رواية ما من الروايات، أو ليجمع بين الروايات المختلفة، كما جاء في كتاب "الشهادات": - قال عياض: وقوله: وترك السلطان ما سوى ذلك في يد المدعى عليه حتى يأتي من يستحقه ولا يخرجه من يده (٥)، كذا لإبراهيم بن محمَّد

стр. 139

وسقط: "لا" عند ابن وضاح. قال بعضهم: والأول أصوب. ثم قال: كلاهما صحيح، فبإثبات "لا"، يرجع الكلام إلى السلطان. وبسقوطها يرجع إلى المستحق الذي يأتي فيأخذه. وبهذا جمع عياض بين الروايتين. رابعاً: إصلاح الغلط الواقع من بعض رواتها: نبه عياض على بعض النصوص التي وقع فيها خطأ، فأصلحها سحنون، أو أصلحها غيره، وهذه النقطة من الأمور الدقيقة عند عياض، لأنه لم يعتمد فيها على ملكته الفقهية، وما يعرف من الأحكام، أو القواعد الفقهية، أو القواعد اللغوية فحسب، بل كان يتتبع الخطأ خطوة، خطوة، باستنطاقه المرويات، ولم يغب عنده الاعتماد على السند حتى في هذه الجزئيات الدقيقة، ولم يكن عارضاً لهذه التصويبات فقط، بل كان يتدخل ويعلق ويبدي رأيه في بعض الأمور كما فعل في مسألة القراض. وفي بعضها يعرضها فقط، كما فعل في مسألة الغصب، كما نبه على بعض الزيادات التي لم تكن مما دون سحنون. - ومن الأمثلة على ذلك ما أخذه سحنون عن ابن القاسم في مسألة عامل القراض يدفع إليه المال فيشتري بمائتين مائة نقداً ومائة إلى أجل، قال: أرى أن تقوم السلعة بالنقد، وفي رواية أشهب: أن تقوم المائة الآجلة. قال عياض وهو يستعرض الاختلاف الوارد في هذه المسألة: ومعنى قوله: كان شريكاً: إذا أبى رب المال أن يدفع إليه الألف، على ما تقدم في الأم (١). ثم قال فيمن دفع مائة قراضاً، فاشترى العامل بمائتين مائة نقداً، ومائة إلى سنة أرى أن تقوم المائة الآجلة بالنقد (٢). كذا في كتاب

стр. 140

"ابن عتاب". ونحوه في كتاب "ابن سهل". وكثير من الأصول. قال ابن وضاح: وكذا أصلحها سحنون. قال: وكانت في الكتاب: "أن تقوم السلعة بالنقد" (١)، وهو خطأ. وكذا في العتبية (٢)، وكتاب "عبد الرحيم" (٣). وكذا ألفيت في بعض الأصول من "المدونة". وهي رواية القابسي عن الدباغ. والإبياني. وخطأوا هذه الرواية. وقاله ابن المواز. والوجهان مرويان عن مالك. قال فضل: قرأ لنا عبد الجبار: تقوم المائة بالنقد، فإن كانت قيمتها خمسين (٤). وقرأ لنا غيره: "فإن كانت قيمتها خمسين ومائة" (٥). قال سحنون: السلعة، في كتاب "ابن القاسم"، وأنا أصلحت المائة. وتقويم السلعة بحال. قال يحيى: وقرأ علينا: السلعة. وقال: هي خطأ. قال فضل: وهذا على مذهب ابن القاسم. وأما على ما أصلح سحنون فلا معنى لذكر مائة. وإصلاح سحنون هو على رواية أشهب عن مالك. قال القاضي: لا يصح ذكر لفظة مائة بعد خمسين، مع قوله: تقوم المائة، كما قال فضل. وإنما يتوجب على قوله: تقوم السلعة، وسقطت لفظة مائة من كتاب ابن عتاب، وابن سهل، وأكثر الأصول. وثبتت عند "ابن المرابط". وفي بعض النسخ وقد تقدم: أن تقويم المائة هو الصواب. - وقال في كتاب "الغصب": وقوله: "إن ادعى الغاصب هلاك الجارية، وحلف على صفتها، وغرم القيمة، ثم ظهرت بعد ذلك، مخالفة للصفة، أن للمغصوب منه الجارية" (٦)، أن يزاد إلى ما أخذ تمام قيمة الجارية، يعني: جاريته له, لأنه إنما جحده بعض القيمة. كذا أصلحها

стр. 141

سحنون. وكذا في كتاب أبي إبراهيم. وكذا خرجها في كتاب "ابن المرابط". وكان في أصله: فيكون للمغصوب منه الجارية، أن يأخذ من الغاصب تمام القيمة، لأنه إنما جحده بعض القيمة، وهما بمعنى. وفي بعض الروايات: "فيكون للمغصوب منه الجارية، أن يرد ما أخذ، ويأخذ جاريته، وإن شاء تركها، وحبس ما أخذ من القيمة. قيل (١): هذا قول مالك؟ قال: هذا رأيي" (٢). وكذلك في كتاب "ابن عتاب"، وعلم عليه. قال ابن وضاح: قال سحنون: لست أعرفه. يقول هذا وتركه، ولم يعرضه سحنون. قال يحيى بن عمر: روى أصبغ، وأبو زيد عن ابن القاسم: أن لربها أن يرد ما أخذ ويأخذ جاريته. ومما ذكر بأنه لم يكن مما دون سحنون ما ذكره عياض بأنه من زيادة ابن باز من موطأ ابن وهب في كتاب "القراض". قال: زاد في بعض الروايات: "ابن وهب، وقال الليث مثله. إلا أن يكون طعاماً يخاف عليه السوس، أو شبهه، فيتلف رأس المال، فإنه يؤمر حينئذٍ بالبيع" (٣). ولم يكن هذا في كتاب "ابن وضاح". وكتب في كتاب "ابن عتاب" عليها: أدخلها إبراهيم بن محمَّد من موطأ ابن وهب. وليس مما دون سحنون، وصحت "لابن باز" عند "ابن المرابط". ولم يكن في كتاب "الإبياني"، ولا في رواية الدباغ.

стр. 142

المبحث الثالث: مصادر الكتاب يتبين لمستقرئ تراث القاضي عياض أنه بحاثة جماع، وأنه قطع على نفسه الاشتغال بالعلم عمره. قال عنه ابنه: "كثير المطالعة، لا يفارق كتبه، كثير البحث عن العلم، توفي وهو طالب له" (١). وقال المقري: كان كثير الاعتناء بالتقييد والتحصيل (٢). وحكى ابنه أيضاً عن ابن عمه أبي عبد الله الزاهد أن القاضي عياضاً جلس وإياه عشية يوم "إذ أتى بعض طلبته بجزء فأخذه من يده، وجعل يستغربه ويورق فيه، وينظر تارة ويتحدث معهم تارة، فلما حان انصرافهم دفعه لصاحبه فقال له: يا سيدي، أمسكه حتى تقضي منه أربك، فقال له: لا حاجة لي به، فما بقيت فيه فائدة إلا أخذتها. وأخبرني بعض أصحابنا أنه سمعه يقول: لما وصل إلى بلدنا كتاب "المقامات" للحريري - وكنت لم أرها قبل - لم أنم ليلة طالعتها حتى أكملت جميعها بالمطالعة" (٣). وبالموازنة بين كتاباته المختلفة في الموضوع الواحد، وتحليله للمسألة الواحدة في أكثر من كتاب من مؤلفاته أو ضبط علم أو شرح كلمة، يمكن أن يلحظ القارئ مدى التطابق والتكرار الظاهر للمعاني والألفاظ والتعابير

стр. 143

التي غالباً ما تتفق، وكان المؤلف في تقميشه يجمع مادته العلمية في بطاقات ويرتبها، ثم يرجع إلى تلك البطاقات عند الحاجة، وقد يزيد أو ينقص أحياناً. وفي هوامش النص المحقق كثير من "التنبيهات" على هذا السلوك التأليفي عند المصنف ﵀ فيما تكرر من معلومات بعينها في "التنبيهات" و"الإكمال" و"المشارق" جميعاً. يزيد عدد المصادر المكتوبة المسماة في الكتاب على مائة مصدر بين كتاب كبير ربما وصلت أجزاؤه مائة - بتجزئتهم - وبين جزء أو رسالة صغيرين، وكثير من هذه المصادر هو اليوم في حكم المفقود، مثل: كتب المغيرة المخزومي المدني، وكتب ابن كنانة، وكتب ابن الماجشون أصحاب مالك (١)، ومثل: مدونة أشهب، واختصار "الأسدية" لابن عبد الحكم، وأبي زيد بن أبي الغمر، وكتب عيسى بن دينار، وكتب السليمانية والدمياطية والحمديسية والثمانية والمبسوطة والمجموعة، وكتب ابن شعبان وفضل بن سلمة وأبي عمران الفاسي ... يضاف لهذه المائة أكثر مائة ثانية من العلماء والفقهاء من طبقات وأعصار مختلفة حكى عنهم المؤلف آراءهم دون أن يعزوها إلى كتاب، ومنهم من لا يكاد يذكر اسمه في مصادر الفقه مثل: ابن أبي سبرة، وابن أبي عمران الطلحي، وأبي بكر النعالي، والصديني الفاسي، وعبيد الحفناوي، وأبو النجا الفرائضي، والقاضي علي بن جعفر التلباني ... ثم يوجد نوع آخر من المصادر المبهمة تتردد في الكتاب، كقوله: طائفة من البصريين، وفقهاء الحجاز، وأهل الوثائق، ومحققو الأصوليين، وغير هذا.

стр. 144

ومن أسماء اللغويين أكثر ثلاثين ذكرهم كذلك. هذا إضافة إلى بعض المصادر الشفوية التي لا بأس بها وبمحتواها، خاصة في علم اللغة وضبط الرواية. ويثير الانتباه هنا قضية هي ما إن كان المؤلف ينقل عن هذا الكم كله بالمباشرة أو بالوساطة؟ لقد سبق عند جرد مرويات المؤلف في المجالات الثلاثة: الفقه والحديث واللغة، التأكد أن فهرسته لم تحتو كل مروياته، بدليل اعتماده على مصادر في مؤلفاته غير مسماة في الغنية، وصرح في أول فهرسته بالاقتصار على عيون مروياته (١). وقد صرح غير مرة أنه ينقل كثيراً من المعطيات المتعلقة بالفروق بين نسخ "المدونة" من هوامش نسخ متأخرة وقعت إليه ولم يطلع على أصول أصحابها. فكما اعتمد على حواشي بعض النسخ لإثبات الفروق، فمن الوارد أن يعتمد على مصادر معينة في نقل آراء وأقوال عن كتب متقدمة، وقد يلاحظ القارئ أحياناً أن المؤلف يلخص مسألة معينة من كتاب ما، فينقل منه نصوصاً لغير مؤلفه وبوساطته، ومثل هذا محتمل في نقل المؤلف نصوص كتاب ابن رشد المقدمات الممهدات، فكثيراً ما لا يختلف ما في الكتابين وتتحد المصادر والأسماء المذكورة فيهما! ويثار بهذه المناسبة عدم ذكر المؤلف لكتاب شيخه الموسوعة، "البيان والتحصيل"، ومع هذا فيمكن القول من ملاحظة بعض النقول عن ابن رشد أنه يرجع إلى الكتاب ... ومن الأمثلة التي قد تدل على النقل بالوساطة قول المؤلف: - " ... خلاف ما وقع في كتب بعض الموثقين وتأوله على "المدونة" أنه بغير رضاهن، وهو وهم منه أو من النقلة عنه". فهذا تصريح بعدم

стр. 145

الاطلاع على الأصل، وإنما اعتمد على النقلة عنه. ولنقارن ما بين نص المؤلف وهذا النص لعبد الحق الصقلي: - قال المؤلف: "قوله: وسأطيب لك ذلك، أي: أتركه لك كله. قاله أبو عبيد في كتاب "الأموال" ورواه: وسأطيبه لك جميعاً". - وقال عبد الحق: "وقوله: وسأطيب لك البقية، معناه: سأتركه لك كله. كذلك فسره أبو عبيد في كتاب "الأموال"، ورواية أبي عبيد في هذا الحديث: وسأطيبه لك جميعاً" (١). ولا يبعد أن تكون بعض آراء الفقهاء القرويين في "التنبيهات" مأخوذة عن كتب عبد الحق الصقلي وشرح "المدونة" وشرح "التلقين" للمازري، وفي هذا الأخير بعض النماذج الظاهرة ... ونبدأ هذا الجرد بذكر مصدرين هامين جداً في تاريخ المذهب؛ أولهما: "الأسدية"، وثانيهما: "الاستيعاب". ١ - الأسدية: عندما نستقرئ قاموس المؤلف في التعامل مع "الأسدية"، نجد هذه الاستعمالات: كذا في أصل "الأسدية". وقع في "الأسدية" وأصل "المدونة". وكذلك في كتاب المكاتب من "الأسدية". ومثل هذا متكرر في الكتاب، وهو في ظاهره دال على المباشرة. غير أن استعمالات أخرى تدل على عكس هذا، ومنها قوله: - "قال أحمد بن خالد: هذا أمر أصلحه سحنون، لأن في الأسدية ... ". - " ... كتب عليه: ليس هذا الحرف في "المدونة"، وصح في "الأسدية"".
следующие страницы →