سحنون. وكذا في كتاب أبي إبراهيم. وكذا خرجها في كتاب "ابن المرابط". وكان في أصله: فيكون للمغصوب منه الجارية، أن يأخذ من الغاصب تمام القيمة، لأنه إنما جحده بعض القيمة، وهما بمعنى. وفي بعض الروايات: "فيكون للمغصوب منه الجارية، أن يرد ما أخذ، ويأخذ جاريته، وإن شاء تركها، وحبس ما أخذ من القيمة. قيل (١): هذا قول مالك؟ قال: هذا رأيي" (٢). وكذلك في كتاب "ابن عتاب"، وعلم عليه. قال ابن وضاح: قال سحنون: لست أعرفه. يقول هذا وتركه، ولم يعرضه سحنون. قال يحيى بن عمر: روى أصبغ، وأبو زيد عن ابن القاسم: أن لربها أن يرد ما أخذ ويأخذ جاريته.
ومما ذكر بأنه لم يكن مما دون سحنون ما ذكره عياض بأنه من زيادة ابن باز من موطأ ابن وهب في كتاب "القراض". قال: زاد في بعض الروايات: "ابن وهب، وقال الليث مثله. إلا أن يكون طعاماً يخاف عليه السوس، أو شبهه، فيتلف رأس المال، فإنه يؤمر حينئذٍ بالبيع" (٣). ولم يكن هذا في كتاب "ابن وضاح". وكتب في كتاب "ابن عتاب" عليها: أدخلها إبراهيم بن محمَّد من موطأ ابن وهب. وليس مما دون سحنون، وصحت "لابن باز" عند "ابن المرابط". ولم يكن في كتاب "الإبياني"، ولا في رواية الدباغ.
стр. 142
المبحث الثالث: مصادر الكتاب
يتبين لمستقرئ تراث القاضي عياض أنه بحاثة جماع، وأنه قطع على نفسه الاشتغال بالعلم عمره. قال عنه ابنه: "كثير المطالعة، لا يفارق كتبه، كثير البحث عن العلم، توفي وهو طالب له" (١). وقال المقري: كان كثير الاعتناء بالتقييد والتحصيل (٢). وحكى ابنه أيضاً عن ابن عمه أبي عبد الله الزاهد أن القاضي عياضاً جلس وإياه عشية يوم "إذ أتى بعض طلبته بجزء فأخذه من يده، وجعل يستغربه ويورق فيه، وينظر تارة ويتحدث معهم تارة، فلما حان انصرافهم دفعه لصاحبه فقال له: يا سيدي، أمسكه حتى تقضي منه أربك، فقال له: لا حاجة لي به، فما بقيت فيه فائدة إلا أخذتها. وأخبرني بعض أصحابنا أنه سمعه يقول: لما وصل إلى بلدنا كتاب "المقامات" للحريري - وكنت لم أرها قبل - لم أنم ليلة طالعتها حتى أكملت جميعها بالمطالعة" (٣).
وبالموازنة بين كتاباته المختلفة في الموضوع الواحد، وتحليله للمسألة الواحدة في أكثر من كتاب من مؤلفاته أو ضبط علم أو شرح كلمة، يمكن أن يلحظ القارئ مدى التطابق والتكرار الظاهر للمعاني والألفاظ والتعابير
стр. 143
التي غالباً ما تتفق، وكان المؤلف في تقميشه يجمع مادته العلمية في بطاقات ويرتبها، ثم يرجع إلى تلك البطاقات عند الحاجة، وقد يزيد أو ينقص أحياناً. وفي هوامش النص المحقق كثير من "التنبيهات" على هذا السلوك التأليفي عند المصنف ﵀ فيما تكرر من معلومات بعينها في "التنبيهات" و"الإكمال" و"المشارق" جميعاً.
يزيد عدد المصادر المكتوبة المسماة في الكتاب على مائة مصدر بين كتاب كبير ربما وصلت أجزاؤه مائة - بتجزئتهم - وبين جزء أو رسالة صغيرين، وكثير من هذه المصادر هو اليوم في حكم المفقود، مثل: كتب المغيرة المخزومي المدني، وكتب ابن كنانة، وكتب ابن الماجشون أصحاب مالك (١)، ومثل: مدونة أشهب، واختصار "الأسدية" لابن عبد الحكم، وأبي زيد بن أبي الغمر، وكتب عيسى بن دينار، وكتب السليمانية والدمياطية والحمديسية والثمانية والمبسوطة والمجموعة، وكتب ابن شعبان وفضل بن سلمة وأبي عمران الفاسي ...
يضاف لهذه المائة أكثر مائة ثانية من العلماء والفقهاء من طبقات وأعصار مختلفة حكى عنهم المؤلف آراءهم دون أن يعزوها إلى كتاب، ومنهم من لا يكاد يذكر اسمه في مصادر الفقه مثل: ابن أبي سبرة، وابن أبي عمران الطلحي، وأبي بكر النعالي، والصديني الفاسي، وعبيد الحفناوي، وأبو النجا الفرائضي، والقاضي علي بن جعفر التلباني ...
ثم يوجد نوع آخر من المصادر المبهمة تتردد في الكتاب، كقوله: طائفة من البصريين، وفقهاء الحجاز، وأهل الوثائق، ومحققو الأصوليين، وغير هذا.
стр. 144
ومن أسماء اللغويين أكثر ثلاثين ذكرهم كذلك.
هذا إضافة إلى بعض المصادر الشفوية التي لا بأس بها وبمحتواها، خاصة في علم اللغة وضبط الرواية.
ويثير الانتباه هنا قضية هي ما إن كان المؤلف ينقل عن هذا الكم كله بالمباشرة أو بالوساطة؟
لقد سبق عند جرد مرويات المؤلف في المجالات الثلاثة: الفقه والحديث واللغة، التأكد أن فهرسته لم تحتو كل مروياته، بدليل اعتماده على مصادر في مؤلفاته غير مسماة في الغنية، وصرح في أول فهرسته بالاقتصار على عيون مروياته (١).
وقد صرح غير مرة أنه ينقل كثيراً من المعطيات المتعلقة بالفروق بين نسخ "المدونة" من هوامش نسخ متأخرة وقعت إليه ولم يطلع على أصول أصحابها. فكما اعتمد على حواشي بعض النسخ لإثبات الفروق، فمن الوارد أن يعتمد على مصادر معينة في نقل آراء وأقوال عن كتب متقدمة، وقد يلاحظ القارئ أحياناً أن المؤلف يلخص مسألة معينة من كتاب ما، فينقل منه نصوصاً لغير مؤلفه وبوساطته، ومثل هذا محتمل في نقل المؤلف نصوص كتاب ابن رشد المقدمات الممهدات، فكثيراً ما لا يختلف ما في الكتابين وتتحد المصادر والأسماء المذكورة فيهما!
ويثار بهذه المناسبة عدم ذكر المؤلف لكتاب شيخه الموسوعة، "البيان والتحصيل"، ومع هذا فيمكن القول من ملاحظة بعض النقول عن ابن رشد أنه يرجع إلى الكتاب ...
ومن الأمثلة التي قد تدل على النقل بالوساطة قول المؤلف:
- " ... خلاف ما وقع في كتب بعض الموثقين وتأوله على "المدونة" أنه بغير رضاهن، وهو وهم منه أو من النقلة عنه". فهذا تصريح بعدم
стр. 145
الاطلاع على الأصل، وإنما اعتمد على النقلة عنه.
ولنقارن ما بين نص المؤلف وهذا النص لعبد الحق الصقلي:
- قال المؤلف: "قوله: وسأطيب لك ذلك، أي: أتركه لك كله. قاله أبو عبيد في كتاب "الأموال" ورواه: وسأطيبه لك جميعاً".
- وقال عبد الحق: "وقوله: وسأطيب لك البقية، معناه: سأتركه لك كله. كذلك فسره أبو عبيد في كتاب "الأموال"، ورواية أبي عبيد في هذا الحديث: وسأطيبه لك جميعاً" (١).
ولا يبعد أن تكون بعض آراء الفقهاء القرويين في "التنبيهات" مأخوذة عن كتب عبد الحق الصقلي وشرح "المدونة" وشرح "التلقين" للمازري، وفي هذا الأخير بعض النماذج الظاهرة ...
ونبدأ هذا الجرد بذكر مصدرين هامين جداً في تاريخ المذهب؛ أولهما: "الأسدية"، وثانيهما: "الاستيعاب".
١ - الأسدية:
عندما نستقرئ قاموس المؤلف في التعامل مع "الأسدية"، نجد هذه الاستعمالات: كذا في أصل "الأسدية". وقع في "الأسدية" وأصل "المدونة". وكذلك في كتاب المكاتب من "الأسدية". ومثل هذا متكرر في الكتاب، وهو في ظاهره دال على المباشرة. غير أن استعمالات أخرى تدل على عكس هذا، ومنها قوله:
- "قال أحمد بن خالد: هذا أمر أصلحه سحنون، لأن في الأسدية ... ".
- " ... كتب عليه: ليس هذا الحرف في "المدونة"، وصح في "الأسدية"".
стр. 146
- "قال أحمد بن خالد: المسألة مصلحة، وليست كذا في "الأسدية".".
ومما يدعو للشك في اطلاع المؤلف عليها، وأنه إنما يحكي عن غيره عنها أن بعض تعابيره في ذكرها هي تعابير غيره في ذلك، كابن رشد في "المقدمات" (١)، فما هناك هو عين ما في "التنبيهات". هذا ولا ذكر لكتاب "الأسدية" في مرويات القاضي عياض، ولا إشارة لها، بل عكس هذا هو ما ذكره في "المدارك" بعد أن نقل عن الشيرازي قوله: "هي مرفوضة عندهم إلى اليوم" (٢)، قال بعد ذلك: "ونسيت "الأسدية" فلا ذكر لها الآن" (٣).
غير أن هذا لا يعني فقدانها وانقطاعها؛ إذ توجد أدلة على حضورها وتداولها قبيل عصر المؤلف بقليل، فقد ذكر ابن سهل عن شيخه أبي عبد الله بن عتاب - وهو في طبقة شيوخ شيوخ المؤلف وتوفي ٤٦٢ هـ (٤) - ذكر عنه ابن سهل: أنه احتج "يومئذٍ بمسألة أخرجها إلينا معلقة بخط أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم التجيبي الطليطلي على ظهر كتاب "القسمة" من "الأسدية"، وهي: قال أبو إبراهيم ... " (٥). ثم ذكر ابن سهل بعد هذا من قوله: "قرأت هذه المسألة على من حضر من أصحابنا عند الشيخ أبي عبد الله بن عتاب، ورأيت في كتاب "القسمة" الذي كانت هذه المسألة على ظهره من قول مالك ... " (٦).
٢ - كتاب الاستيعاب:
هذا الكتاب المغمور المفتقد كان مشروعاً رسمياً في الأندلس لجمع فقه مالك خاصة، لا يشاركه فيه قول أحد من أصحابه، كان قد سقط للحكم
стр. 147
المستنصر الأموي بعضه مما ابتدأه بعض أصحاب القاضي إسماعيل (١)، مضى للمؤلف منه مقدار خمسة أجزاء أو نحوها، فانتدب قاضي الحكم - ابن السليم - الفقيهين أبا عمر بن المكوي وأبا بكر المعيطي، وفتح لهما المستنصر خزانته الضخمة الفريدة في نوعها (٢)، فاكملا الكتاب في مائة جزء بلغا فيه النهاية (٣)، وللكتاب جامع يبدو أنه كبير أيضاً (٤).
ويبدو أن الكتاب قليل التداول في الوسط العلمي، وممن ذكره الباجي في كتابه "فرق الفقهاء" بقوله: "زاد على مائة كتاب، قرأت بعضه، وقد رأيت أكثره، وكان شيوخنا يقولون: لا تكاد توجد قولة لأصحاب مالك إلا وهي في ذلك الكتاب ... " (٥).
هذا والمؤلف ذكر الكتاب في "التنبيهات"، وذكره أيضاً في نص استفتاء له مرفوع لشيخه ابن رشد (٦). وآخر من وجدته اطلع عليه أبو الحسن الرجراجي، وكان حيا أواسط القرن السابع (٧) في كتابه "مناهج التحصيل"، إذ قال: "طالعت الاستيعاب للأقاويل" (٨).
стр. 148
والحاصل أن هذه الموسوعة ذات أهمية كبيرة من حيث انفرادها بجمع آراء مالك خاصة، ومن حيث الجمع في حد ذاته، ثم من جهة استيعابها لمصادر قديمة لا وجود لها اليوم.
ثم الحاصل أن مصادر المؤلف ذات أهمية كبرى من وجهين:
أولهما: جمعها لروايات "المدونة"، واختلاف نسخها إلى حين تمكن المؤلف منها وإدخالها في كتابه، وهذا يعطي لكتاب "التنبيهات" قيمة علمية وتاريخية كبرى، لا سيما وأن المؤلف قد قام بعمله هذا في أنسب الأوقات وفي آخر فرصة قبل أن يجمع الموحدون نسخ "المدونة" وبقية الأمهات ويحرقوها في أقطار الغرب الإِسلامي.
ثانيهما: إن هذه المصادر التي أصبح كثير منها في حكم المفقود احتفظ كتاب "التنبيهات" منها بمادة لا بأس بها، منها: روايات، ومنها: آراء قد لا توجد في غير الكتاب.
هذا بالإضافة إلى بعض مصادره في اللغة التي منها عدد من المفتقدات، وتتضح هذه الأهمية في استفادة كتب اللغة المتأخرة من تراثه اللغوي كما مر من قبل.
٣ - كتب أشهب بن عبد العزيز (ت: ٢٠٤):
- " المدونة": قال عياض: وألف أشهب كتابه "المدونة" رواها عنه سعيد بن حسان وغيره، وهو كتاب جليل كثير العلم (١). ويقول ميكلوش: ويذكر في السجل القديم لمكتبة القيروان ما مجموعه خمس عشرة كراسة من مؤلفات أشهب، بعنوان: (سماع أشهب) (٢). وقال يحيى: لما قرأ أسد على ابن القاسم "الأسدية"، وضع أشهب يده في مثلها، فخالفه في جلها - قال عياض: وهي المعروفة بمدونة أشهب، وبكتاب أشهب - فقلت لابن القاسم: يا أبا عبد الله لو أعدت نظرك في هذه الكتب، فإن صاحبك قد
стр. 149
خالفك، فما لاءمك عليه أقررته، وما خالفك فيه أعدت النظر فيه، فقال: أفعل إن شاء الله تعالى (١). ولعل هاتين المدونتين هما أساس الاختلاف في كثير من المسائل الفقهية في المذهب المالكي، ومن يراجع "مدونة سحنون" يجد أنه أخذ الكثير من "مدونة أشهب"، بل ربما يأخذ بقول أشهب ويترك قول ابن القاسم، وهذا ما يعنيه القاضي عياض في كتابه "التنبيهات": هذا على أصل ابن القاسم، وهذا على أصل أشهب، بل يمكن إرجاع الكثير من القواعد الفقهية في المذهب المالكي التي يمكن أن تسمى بأمهات الخلاف إلى الخلاف بين هاتين المدونتين.
وقد كان أشهب يجتهد برأيه في القضايا التي تلقى عليه حتى لو خالف مالكاً، وقد سأل أسد بن الفرات أشهب فأجابه، فقال: من يقول هذا؟ فقال أشهب: هذا قولي، فدار بينهما كلام، فقال عبد الله بن عبد الحكم لأسد: ما لك ولهذا؟ أجابك بجوابه، فإن شئت فاقبل، وإن شئت فاترك (٢).
٤ - كتب عبد الملك بن الماجشون (ت: ٢١٢):
يقول عنه عياض: لعبد الملك بن الماجشون كلام كثير في الفقه وعلم كثير جداً. وقال ابن أكتم القاضي: كتبت عنه أربعمائة جلد أو مائتي جلد - شك الراوي - أو كما قال (٣). وكان أول من قدم بفقه ابن الماجشون إلى القيروان حماد بن يحيى السجلماسي تلميذ سحنون. وقد وقع في المدارك خلط في هذا الاسم فقد ذكره في ترجمة ابن الماجشون بيحيى بن حماد السجلماسي. قال: وكتابه - وهو يعني: ابن الماجشون - الذي ألفه في الفقه يرويه عنه يحيى بن حماد السجلماسي (٤) وفي ترجمته قال: حماد بن يحيى
стр. 150
السجلماسي، أبو يحيى (١)، وبهذا الاسم الأخير ذكره في "التنبيهات".
ولابن الماجشون كذلك: "سماعات"، و"رسالة في الإيمان والقدر"، و"الرد على من قال بخلق القرآن" (٢). ولعل القاضي عياضاً اعتمد على فقهه المنقول في الواضحة والنوادر.
٥ - كتب عيسى بن دينار (ت: ٢١٢ ه ـ):
- " الهدية" أو "الهداية": قال عياض: ولعيسى تأليف في الفقه يسمى بكتاب "الهدية" كتب به إلى بعض الأمراء (٣)، وهذا ما يدل على أهمية الكتاب، وكان في عشرة أجزاء. وقد أثنى ابن حزم على أهمية هذا الكتاب (٤). وقال ابن عتاب: الجدار من كتاب "الهدية" (٥).
٦ - سماع عيسى بن دينار:
لعيسى بن دينار سماع من ابن القاسم وهو لم يسمع من مالك، وقال عياض: غلط من جعله ممن رحل إلى مالك (٦)، وقد حفظ لنا العتبي سماعه من ابن القاسم في المستخرجة التي شرحها ابن رشد في كتابه "البيان والتحصيل".
٧ - مختصر ابن عبد الحكم (ت: ٢١٤ ه ـ):
ألف عبد الله بن عبد الحكم ثلاثة مختصرات، جمع فيها سماعاته:
- المختصر الكبير: اختصر فيه سماعاته عن أشهب، وذكر عياض أنه يقال: إنه نحا به اختصار كتب أشهب (٧). وقد اختصر ابن عبد الحكم كتابه
стр. 151
هذا في كتاب صغير وعلى هذين الكتابين اعتماد البغداديين في المدارسة، وإياهما شرح أبو بكر الأبهري (١). ويقول ميكلوش موراني: توجد نسخة من المختصر الكبير بخزانة القرويين، تحت رقم: ٨١٠ (٢).
- المختصر الصغير: ويقول القاضي عياض: إن المختصر الصغير قصره على علم "الموطأ" (٣).
- المختصر الأوسط: وفيه أربعة آلاف مسألة وهو صنفان، فالذي من رواية القراطيسي فيه زيادة الآثار، خلاف الذي من رواية محمَّد ابنه (٤). وعياض في كتابه "التنبيهات" عند نقله عن ابن عبد الحكم تارة يذكره باسمه وتارة يذكر كتابه المختصر الكبير.
٨ - الدمياطية:
هذا الكتاب منسوب لعبد الرحمن بن أبي جعفر الدمياطي المتوفى ٢٢٦ هـ جمع فيه سماعاته من أكابر أصحاب مالك، كابن وهب، وابن القاسم، وأشهب (٥).
٩ - الواضحة في السنن والفقه:
الواضحة لعبد الملك بن حبيب السلمي المتوفى سنة ٢٢٦ هـ، من أهم الكتب الفقهية في المذهب المالكي وكان اعتماد أهل الأندلس عليها، وقد حظي الكتاب بمكانة متميزة، لجمعه بين دفتيه آراء المدارس المالكية التي تتلمذ عليها.
١٠ - كتب أحمد بن نصر الداودي (٦) (ت: ٤٠٢ هـ):
ينقل القاضي عياض عن أبي جعفر أحمد بن نصر الداودي من غير أن
стр. 152
يشير إلى أي كتاب من كتبه، وإنما يذكر اسمه فقط، ولم يتضح هل ينقل عن كتبه مباشرة، أو ينقل عنها بواسطة؟ ولأحمد بن نصر عدة كتب منها ما هو مفقود، ومنها ما هو مطبوع، وما هو مخطوط، ومن هذه الكتب:
- "النامي في شرح الموطأ"، مخطوط بخزانة القرويين تحت رقم: ١٧٥، نسخة واحدة مبتور الأول والآخر، مكتوب بخط أندلسي جيد، كما يقول محقق كتاب "الأموال" (١).
- كتاب "الأموال" وهو مطبوع حققه رضا محمَّد شحادة بمركز إحياء التراث المغربي.
- "الواعي في الفقه" مفقود.
- كتاب "الأسئلة والأجوبة في الفقه"، مخطوط بجامع الزيتونة، رقم: ١٠٤٨٦.
وكتب أخرى (٢).
١١ - كتب ابن محرز المتوفى نحو ٤٥٠ ه ـ:
أبو القاسم عبد الرحمن بن محرز تفقه بأبي بكر بن عبد الرحمن له مؤلفات جيدة منها: تعليق على "المدونة" سماه: "التبصرة"، وكتابه الكبير المسمى: بـ "القصد والإيجاز" (٣)، ولا ندري هل وصلت هذه الكتب إلى عياض فاعتمد عليها، أو اعتمد عليها بواسطة؟
١٢ - كتب أبي إسحاق التونسي:
حدد الدباغ تاريخ وفاته بسنة ٤٤٣ هـ "المدارك": ٨/ ٦٢ وجعلها مخلوف سنة ٤٣٨ هـ.
стр. 153
اعتمد القاضي عياض كثيراً على اختيارات أبي إسحاق إبراهيم بن حسن التونسي، ولعله يرجع في ذلك إلى ما نقله عنه ابن رشد. ولأبي إسحاق تعاليق مستعملة متنافس فيها على "المدونة"، وعلى كتاب "ابن المواز" (١).
١٣ - الموازية:
الكتاب لمحمد بن إبراهيم المعروف بابن المواز، وكتابه هذا من أشهر كتب الفقه المالكي في شمال إفريقيا، ولم يذكر القاضي عياض هذا الكتاب بالاسم بل كان يذكر صاحب الكتاب، فيقول: قال محمَّد: وعلى قول محمَّد، وفي كتاب محمَّد، أو ما يشير إلى أن الرأي لمحمد بن المواز. ولم يحتفظ لنا التاريخ بهذا الكتاب، ويذكر بعض الباحثين أن في مكتبة محمَّد الطاهر بن عاشور بتونس من الموازية قطعة قديمة في ١٥ ورقة (٢).
١٤ - كتب يحيى بن عمر (ت: ٢٨٩ ه ـ):
يحيى بن عمر راوي "المدونة" عن سحنون، ذكر له عياض أقوالاً فقهية من غير أن يسمي كتاباً من كتبه، ويحصي المؤرخ القيرواني أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد عدد مؤلفاته بأربعين جزءاً (٣)، ونحن نذكر بعض كتبه الواردة في المدارك:
كتاب "الرد على الشافعي"، وتوجد قطعة من هذا الكتاب مزودة بسماع أخيه بخزانة القيروان (٤).
كتاب "اختصار المستخرجة"، وهو المسمى: بـ "المنتخبة" (٥).
стр. 154
وله كتاب في "اختلاف ابن القاسم وأشهب"، وقد اقتبس الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد الكثير من هذا الكتاب وضمنه في كتابه "النوادر".
١٥ - كتاب الطبقات لابن أبي دليم (ت: ٣٥١ ه ـ):
الكتاب لعبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن أبي دليم القرطبي، ويسمى: كتاب "الطبقات" فيمن روى عن مالك، وأتباعهم من أهل الأمصار، وهذا الكتاب كان بحوزة عياض وقد نقل منه الكثير في كتابه "المدارك" (١).
١٦ - كتب ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ ه ـ):
لابن أبي زمنين كتب في الفقه جيدة ومفيدة، نذكر منها:
"المقرب" في اختصار "المدونة"، وشرح مشكلها، والتفقه في نكت منها، قال عياض: وليس في مختصراتها مثله باتفاق. وقال ابن سهل: هو أفضل مختصرات "المدونة" (٢).
- كتاب "المنتخب" وهذا الكتاب انتفع به الكثير وقد حقق جزء منه وطبع والباقي في طريقه إلى الطبع.
المهذب في اختصار شرح ابن مزين "للموطأ". وكتب أخرى (٣).
١٧ - المنتخبة:
نقل عياض الكثير عن ابن لبابة أبي عبد الله محمَّد بن يحيى بن عمر بن لبابة الملقب بالبرجون (٤)، المتوفى سنة ٣٣٠ هـ، ولابن لبابة كتب في الفقه أهمها: "المنتخبة" وهي لشرح مسائل "المدونة"، ويعرف ابن لبابة
стр. 155
باختياراته في الفتوى والفقه الخارجة عن المذهب. وكان جل سماعه من عمه محمد بن عمر بن لبابة (١).
١٨ - كتاب إصلاح الغلط لابن قتيبة:
هذا الكتاب لم يذكره عياض بالاسم ولكن لا بدّ أن يكون قد استفاد منه في الكثير من تنبيهاته، وهو يقول في هذا الكتاب: قرأته على محمَّد بن عيسى التميمي، وقرأته على غيره (٢).
١٩ - كتاب غريب الحديث لأبي سليمان حمد بن محمد البستي الخطابي:
وهذا الكتاب كذلك من الكتب التي قرأها عياض على محمَّد بن عيسى التميمي، قال: سمعت جميعه يقرأ عليه، وقرأت بعضه، وفاتني ورقات من أوله أجازنيها، وسمعت جميعه على الوزير أبي الحسن سراج بن عبد الملك الحافظ بقراءة أبي شيخنا الأستاذ أبي الحسن علي بن أحمد (٣).
٢٠ - الملخص لمسند الموطأ للقابسي:
لم يذكر عياض الكتاب باسمه ولكنه نقل كثيراً عن القابسي، وكان قد أخذ الكتاب عن شيخه محمَّد بن عيسى التميمي سماعاً، قال: سمعته يقرأ عليه، وقرأه على الفقيه أبي إسحاق بن جعفر (٤).
وقال عياض في ضبط اسمه: وبعض شيوخنا يقول فيه: الملخص بكسر الخاء، وترجمة الكتاب تدل على الوجهين (٥).
стр. 156
٢١ - المبسوط:
من تأليف القاضي إسماعيل بن إسحاق المبسوط في الفقه ومختصره، ضمنه بعد كلام عبد الملك بن الماجشون، واعتمده عياض في النقل عن العراقيين، واختصره ابن الفخار (١).
٢٢ - كتاب ابن مزين (ت: ٢٥٩ ه ـ):
هكذا ذكر القاضي عياض هذا الكتاب لأبي زكرياء يحيى بن مزين، من غير أن يبين اسمه، وورد في بعض الكتب بتفسير ابن مزين، ولعل المقصود كتابه في تفسير "الموطأ" (٢).
٢٣ - كتب القاضي عبد الوهاب. (ت: ٤٢٢ ه ـ):
ترك القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب بن نصر البغدادي مؤلفات كثيرة منها ما هو مطبوع كـ "المعونة على مذهب عالم المدينة، وكتاب "التلقين"، وكتاب "الإشراف على نكت مسائل الخلاف"، وما هو مخطوط ككتاب "الممهد في شرح مختصر الشيخ أبي محمَّد" وكتاب شرح "المدونة" لم يتم وكتاب "النصرة لمذهب إمام دار الهجرة"، وكتب أخرى (٣). وربما كان يرجع عياض إلى مؤلفاته في الفقه كثيراً كما يرجع إلى المبسوط فيختصر الكلام ويقول على رأي البغداديين، كما وجدت له نقولاً للقاضي عبد الوهاب اعتمد فيها على "المعونة".
٢٤ - التهذيب:
من تأليف أبي القاسم خلف بن أبي القاسم الأزدي المعروف بالبرادعي، من كبار أصحاب أبي محمَّد بن أبي زيد، وأبي الحسن القابسي (٤). وكتاب "التهذيب" من أشهر مختصرات "المدونة"، وكان عياض
стр. 157
يرجع إليه كما يرجع إلى مختصر ابن أبي زمنين ومختصر ابن أبي زيد.
٢٥ - مختصر المدونة لابن أبي زيد:
اعتمد القاضي عياض على مختصر أبي محمَّد عبد الله بن أبي زيد عند مقارنة روايات "المدونة" فيقول: وعلى هذه الرواية اختصر ابن أبي زيد، واختصر ابن أبي زمنين على رواية فلان، وفي الخزانة العامة بالرباط نسخة تحت رقم ق: ١٤٠، والنسخة الموجودة في خزانة ابن يوسف قطعة صغيرة ومتلاشية جداً ولم نتمكن من المقارنة بينهما.
٢٦ - المدنية:
وهي الكتب التي أدخلها عبد الرحمن بن دينار (١) إلى المغرب، وسمعها منه أخوه عيسى، فعرضها على ابن القاسم، فرد فيها أشياء من رأيه (٢).
٢٧ - النوادر:
كتاب "النوادر" لابن أبي زيد جمع فيه النوادر والزيادات على "المدونة" من "الواضحة والمجموعة" لابن عبدوس و"الموازية، والعتبية"، وكتاب "ابن سحنون"، وهو مطبوع في خمسة عشر جزءاً.
٢٨ - الزاهي:
٢٩ - مختصر ما ليس في المختصر .
هذان الكتابان لأبي إسحاق محمَّد بن القاسم بن شعبان، المتوفى ٣٥٥ هـ وله كتب أخرى من غير هذين الكتابين، والمشهور عنه في الفقه كتابه "الزاهي"، وقال عياض: وأما كتبه ففيها غرائب من قول مالك، وأقوال
стр. 158
شاذة عن قوم لم يشتهروا بصحبته (١).
٣٠ - الحاوي لأبي الفرج:
" الحاوي" في مذهب مالك لأبي الفرج عمر بن محمَّد بن عمرو الليثي البغدادي، أكثر عياض من النقل عنه.
٣١ - وثائق ابن العطار:
محمَّد بن أحمد بن عبد الله المعروف بابن العطار، كان متفنناً في علوم الإِسلام، عارفاً بالشروط، وعلى كتابه في الشروط عول كثير من الفقهاء. توفي ٣٩٩ هـ (٢).
٣٢ - وثائق ابن الهندي:
أبو عمر أحمد بن سعيد بن إبراهيم الهمداني المعروف بابن الهندي الفقيه العالم بالشروط، والأحكام، روى عن قاسم بن أصبغ ووهب بن مسرة، وعبد الله بن أبي دليم، ألف كتاباً مفيداً في الشروط. ويعرف كتابه بـ "الوثائق المجموعة"، وهو أشهر كتب الوثائق، ألفه على ثلاث مراحل، ألف أولاً ديواناً مختصراً من ستة أجزاء، ثم ضاعفه وزاد فيه شروطاً وفصولاً، وتنبيهات، ثم ألفه ثالثة وشحنه بالخبر والحكم والأمثال، والنوادر، والشعر، والفوائد والحجج، فصار ديواناً كبيراً جامعاً، فكان عليه اعتماد الموثقين، والحكام بالمغرب والأندلس. توفي ٣٩٩ هـ (٣).
٣٣ - المنتقى:
" المنتقى في شرح الموطأ" للقاضي أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي (ت ٤٧٤ هـ)، وهو مختصر لكتابه "الاستيفاء في شرح الموطأ"، واختصر المنتقى في كتاب سماه: "الإيماء"، ويعتبر كتاب المنتقى
стр. 159
ضمن المصادر الأساسية التي كان القاضي عياض يرجع إليها في كتابه "التنبيهات".
٣٤ - الموطأ:
لإمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁، وقد اعتمد عليه عياض في المسائل الفقهية المرتبطة بـ "المدونة"، وكان اعتماده على رواية يحيى بن يحيى الليثي، وقد يشير في بعض الأحيان إلى روايات أخرى.
٣٥ - مجموعة ابن عبدوس:
ألف محمَّد بن إبراهيم بن عبدوس بن بشير كتابه الشريف الذي سماه: "المجموعة" على مذهب مالك وأصحابه، وهو نحو الخمسين كتاباً، أعجلته المنية قبل إتمامه، وله أيضاً أربعة أجزاء في شرح "المدونة"، وكان ابن عبدوس من كبار أصحاب سحنون، وقريناً لمحمد بن سحنون (١).
٣٦ - كتب عبد الحق الصقلي:
ألف أبو محمَّد عبد الحق بن محمَّد بن هارون كتباً جيدة كلها تدور حول "المدونة"، وقد استطاع أن يجمع بين المدرستين المالكيتين المغربية والمصرية، لكثرة تردده على مصر والالتقاء بعلمائها، إلى أن توفي بالإسكندرية، ومن أشهر كتبه: كتاب "النكت والفروق لمسائل المدونة"، وكتابه "الكبير في شرح المدونة" المسمى بـ "تهذيب الطالب" لا يوجد منه إلا الجزء الأول مخطوط (٢)، ونبه فيه على كتاب "النكت"، وله استدراك على مختصر البرادعي، وله جزء في ضبط ألفاظ "المدونة" (٣)، وقد اعتمد عياض على كتب عبد الحق وبالخصوص "تهذيب الطالب"، والنكت، في بعض الأبواب، ولا يبعد أن يكون قد اعتمد كذلك كتابه في ضبط ألفاظ "المدونة"، وأسلوب عياض في تعامله مع كتب عبد الحق أنه عند استعراضه
стр. 160
لبعض الآراء الفقهية يقول: وهذا اختيار عبد الحق، وأحيانا يقول: قال عبد الحق، وأحياناً يشير فيقول بعض الصقليين، وأحياناً يذكر آراءهم من غير أن يشير.
٣٧ - المستخرجة (أو العتبية):
هذا الكتاب هو ثالث الأمهات والدواوين في الفقه المالكي، وقد اعتمد عليها أهل الأندلس، وهجروا الواضحة، كما يقول ابن خلدون (١)، فـ "العتبية" كتاب قد عول عليه الشيوخ المتقدمون من القرويين والأندلسيين، وقد اهتم ابن رشد بشرحه، وبيانه، ومقارنة ما فيه من الآراء الفقهية بأقوال فقهاء آخرين، فجاء شرحه موافقاً لعنوان كتابه البيان والتحصيل، وقد اعتمد عليها القاضي عياض في الاستدلال ببعض السماعات.
٣٨ - مختصر حمديس:
أخذ حمديس بن إبراهيم بن أبي محرز اللخمي عن ابن عبدوس، ومحمد بن عبد الحكم، ويونس الصدفي، وألف كتابه المشهور - كما يقول عياض - في اختصار مسائل "المدونة" (٢)، وكان عياض كثيراً ما يرجع إلى قول حمديس.
٣٩ - كتاب الخلاف:
لأبي عبد الله محمَّد بن أحمد بن خويزمنداد البغدادي المالكي (٣). هذه بعض المصادر التي أشار إليها عياض في كتابه إضافة إلى كتب رجال الحديث، ومعاجم اللغة.
стр. 161
الفصل الرابع: منهج القاضي عياض في دراسة قضايا الكتاب
المبحث الأول: قضايا الرواية والدراية.
المبحث الثاني: القواعد الفقهية.
المبحث الثالث: ملاحظات تقويمية عامة.
стр. 162
المبحث الأول: قضايا الرواية والدراية
المطلب الأول: معالجة قضايا الرواية
أولاً: الرواية الحديثية:
ليست المادة الحديثية ذات شأن كبير في الكتاب، وجل تنبيهات المؤلف على ما اعترى الأسانيد، أما المتون فتدخلاته بشأنها قليلة، وهو في ذلك نادراً ما يهتم بتخريج الحديث والحكم عليه أو بالجرح والتعديل، وفي أحيان كثيرة يكتفي بذكر اختلاف روايات "المدونة" لمتن الحديث دون ترجيح، وعندما يرجح فقد يعلل ويستدل ويذكر مصدره، وقد لا يفعل، ومن أمثلة ذلك:
"في حديث ابن عمر: ربما حنث ثم كفَّر، وربما قدم الكفارة. كذا لهم، وللأصيلي: ربما حلف. والأول أصوب".
وقد يلجأ للترجيح إلى كتب الحديث مثل قوله:
"وقوله فيه: بدأ من مقدم رأسه. كذا الرواية في هذا الحرف عندنا في الأم عند ابن عتاب. والرواية في "الموطأ" وكتب الصحيح: بمقدم رأسه".
стр. 163
والمؤلف ينتهي من هذه الموازنات والترجيحات وتصحيح الروايات إلى ربط ذلك بالدلالات والأحكام الشرعيات ...
أما معالجته للأسانيد فالغالب عليها جانب الضبط وتصحيح التصحيف والتحريف، وبيان المؤتلف والمختلف، والمتفق والمفترق والمبهم. وغالب أسانيد الكتاب للآثار التي عضد بها سحنون "المدونة" خاصة من كتب ابن وهب ووكيع وعن ابن مهدي. ولعل تفرد بعض هذه المصادر ببعض الآثار هو الحائل بين المؤلف وبين موازنة الروايات، ولذلك كثيراً ما يكتفي بذكر اختلاف الأسانيد دون تعقب، أو يكتفي بترجيح غيره لبعض الروايات، خاصة ابن وضاح المحدِّث الناقد الراوي عن سحنون والملازم له. ويبدو أن ابن وضاح قابل بعض الآثار على أصولها، ورجع إلى مصادرها، فقد صرح مرة أنه رجع إلى كتاب وكيع.
ولنتأمل هذه الطرة التي نقلها المؤلف عن بعض أصول شيوخه: "قال ابن وضاح: ليس لابن مهدي في الوضوء ولا في الصلاة ولا في البيوع - يعني: في المدون شيء، إنما هو لوكيع. وليس لوكيع في الصيام ولا في الزكاة ولا في النذور ولا في الشهادات شيء، إنما هو لابن مهدي. قال ابن وضاح: فأما التي في كتاب وكيع فقرأها - يعني: سحنون - عليه في كتابه، وأما التي لابن مهدي فأخبرني موسى (ابن معاوية الصمادحي): أن سحنون أخذها منه؛ يعني: مناولة".
وقد يجتهد المؤلف لتقويم بعض الأسانيد من أمهات الحديث أو من كتب الرجال كما في الأمثلة الآتية:
"ابن وهب عن مالك عن نافع وابن شهاب أنه بلغه عنهما مثل قول سليمان. كذا لابن وضاح، ولابن باز: ابن وهب عن غير واحد عن نافع. وكذا هو في موطأ ابن وهب".
وجل تناول المؤلف لمادة الرواية في الكتاب منصب على تصحيح الأخطاء في أسماء الرواة مما تراكم مع الزمن أو صحفه المتفقهة، ممن لا يتعاطون علم الرواية، بما في ذلك أخطاء سحنون. ومن هذا:
стр. 164
"عباس بن عبد الله بن معبد بن العباس، بباء بواحدة وسين مهملة، كاسم جده. والشيوخ يقولون فيه: عياش باثنتين وشين مثلثة، وهو خطأ".
ولابن وضاح في مناقشات المؤلف نصيب غير يسير لأهمية روايته وأهليته الحديثية، فإذا كان قد سلم له كثيراً من التصويبات، فإن جنبه الصواب في بعضها، ولا سيما وقد عرف عنه تجرؤه على الأحاديث وانتقادها. وهو الذي تجاسر - من بين كافة أهل الأندلس - على إصلاح الأوهام الواقعة في رواية يحيى بن يحيى "للموطأ" ورواها الناس عنه على الإصلاح، بينما اكتفى غيره بالتنبيه عليها (١)، وربما أوقعته جرأته في أخطاء، وهي كثيرة محفوظة كما قال ابن الفرضي (٢)، كما ضعف في فقهه ولغته (٣). ومما خطأه فيه المؤلف:
- "قال مالك: ورأيت عبد الله بن الحسن يفعله ... وفي حاشية الكتاب عن ابن وضاح: عبد الله هذا من بني أمية، قال القاضي: وهذا وهم صحيح، فعبد الله هذا هو ابن حسن بن حسين بن علي بن أبي طالب ﵃، شهرته تغني عن ذكره ... ".
ومن العناصر المهمة التي أسهمت في تحقيق النص وبيانه في باب الرواية بيان الأسماء المبهمة في نصوص الكتاب عامة، وهذا أمر جليل لعلاقته العضوية بمدى الثقة في الرأي الفقهي، من ذلك:
- "وقول بعض الرواة في المحلوف بعتقها ... بعض الرواة هنا هو ابن غانم".
стр. 165
- "وقوله: كان بعض من مضى يتوضأ بثلث المد، هو عباس بن عبد الله بن معبد ... ".
وأخيراً نذكر بعض الضوابط العامة التي خدم بها المؤلف جانب الرواية في الكتاب، وهي تدل على استقرائه التام لمادة "المدونة"، ومن الأمثلة على ذلك:
- "ليس في "المدونة" الصلب بضم الصاد والباء، ولا زبيد بالباء أولاً بواحدة، وهذان الاسمان مشهوران في غيرها".
- "كل ربيع في هذه الكتب، أو ابن ربيع فبفتح الراء وكسر الباء. وصبيح بفتح الصاد المهملة وكسر الباء. وأبو الضحى مسلم بن صبيح، هذا بضم الصاد وفتح الباء في "المدونة" كنيته لا اسمه ونسبه، وكنيته بضم الضاد المعجمة. وما فيها من معمر فبفتح الميم وسكون العين".
وعندما نعرف بالإحصاء أن المؤلف ضبط أكثر من عشرين وثلاثمائة علم من الأعلام البشرية في السفر الأول وحده - وغالبها أعلام حديثية - نعرف عظيم الفائدة التي تضمنها الكتاب.
ثانياً: الرواية الفقهية:
لا يختلف منهج التعامل مع هذا الموضوع كثيراً عن سابقه إلا فيما اقتضته طبيعته الخاصة، فكتاب "التنبيهات" احتفظ بكثير من نصوص الروايات المفقودة، وحشي بكثير من الإفادات مما دونه الرواة الأوائل من علاقة بعض النصوص بأصل الكتاب ومن أدخلها أو أسقطها، وما مصدرها؟ وتبعاً لهذا ففي الكتاب مجموعة من الإشارات لكيفية ورود بعض هذه النصوص الفروق بين النسخ، يعني: إشارات الرواية ورموزها التي تبين أن النص أو اللفظ أو الحرف صحيح في أصول الرواية أو موقوف أو مطروح أو مخرَّج إليه أو محوَّق عليه أو مخطَّط عليه ... وهذا إسهام كبير في تحقيق نص الكتاب وتقريبه على صورته الأولى.
стр. 166
وهذا أنموذج لكيفية عمل المؤلف في المقابلة وبيان الروايات والفروق والترجيح:
- "قول بعض الرواة في الشريكين في العبد يكاتب ... إلى آخر المسألة، ثابتة في روايتنا، وسقطت من رواية يحيى بن عمر، وليست في رواية إسحاق بن إبراهيم من الأندلسيين، وثبتت عند الدباغ ويحيى بن أيوب من القرويين وابن وضاح من الأندلسيين، ولم يقرأها ابن أبي سليمان ولا أحمد بن خالد، وهي كلام ابن الماجشون".
والمقابلة بين الروايات والتنبيه على ما في كل منها هو أحد عناصر منهج المؤلف في دراسة نص "المدونة"، أما دوره في هذا فهو كما ينتظر دور الفاحص الناقد المحدِّث الفقيه، فالروايات الفقهية تحتاج إلى منهج يزاوج بين الرواية والدراية، والقاضي عياض قد يجد من سابقيه من قام ببعض هذا العمل فرد وأثبت، وضعف وأسقط، فكان لا يتجاهل ذلك، بل يورده ويكتفي به أحياناً ويتبناه، وهو في هذا الباب يجد نفسه أمام كثير من اجتهادات سحنون في تقويم النص بالإضافة والإسقاط، ويجد كذلك مجهودات الفقهاء في الاتجاه ذاته فيذكره ويناقشه، وقد يقبله أو يرده. ومثال هذا:
- "قلت: طواف الإفاضة عند مالك واجب؟ قال: نعم. زاد في بعض الروايات: وطوافه الذي يصل به السعي بين الصفا والمروة هذان واجبان يرجع لهما جميعاً ... وسقطت هذه الزيادة من أكثر النسخ. وسقطت لابن وضاح، وحوق عليها في أصول شيوخنا وكتب عليها: طرحها سحنون، وقال: هي خطأ.
قال القاضي: وهو الصواب، ليس طواف القدوم - وهو طواف الزيارة - من فرض الحج ولا أركانه! ".
- "وقوله: يرجع بقيمة ذلك، كذا عندي وعند ابن عيسى، والذي عند ابن عتاب: بحصة ثمن ذلك، وطرح سحنون "بقيمة" ورد" بحصة"، وقال:
стр. 167
أخاف أن يكون الثمن مجهولاً. وصوابه على ما قال سحنون, لأن العمل في ذلك أن يرجع بحصة ذلك من الثمن".
وقد يستعين المؤلف في ترجيحاته بالرجوع إلى الأمهات الأخرى مظان الروايات عن مالك.
ومن العناصر المهمة في هذا الباب التي طرقها تمييز كلام الفقهاء أصحاب مالك وغيرهم في "المدونة"، إذ فيها من غير قول ابن القاسم كثير بما في ذلك تدخلات سحنون. والمؤلف يحدد مبتدأ ومنتهى هذه الأقوال المتداخلة ويرجع في ذلك إلى مختصري "المدونة" ليوازن بين أفهامهم وتصرفاتهم في ذلك، وهذه أمثلة:
- " ... الكلام كله من أول المسألة عندي في "المدونة" لأشهب ... وعلى كون المسألة كلها لأشهب اختصرها ابن أبي زمنين وغيره، واختصرها أبو محمَّد وغيره من القرويين على أن أول المسألة لابن القاسم ... ".
- " ... وما جاء في الكتاب بعد من قوله: ومن طلب التأخير منهما فذلك له ... ، إلى آخر الكلام، ليس من كلام ابن القاسم؛ إنما هو من كلام سحنون ... وهو الذي رجح شيخنا أبو الوليد وذكر أن في رواية بعض الشيوخ أول الكلام: قال سحنون ... ".
مادة الرواية في الكتاب وافرة، ومعالجة المؤلف لها في "التنبيهات" غزيرة، وقد تكون هذه الأمثلة بشتى مقاصدها ملمة بذلك، والهدف إثبات أن المؤلف بذل جهداً كبيراً في هذا الباب، ويتضح ذلك من موازناته بين ما في أبواب "المدونة" في حد ذاتها مما يدل على الاستقراء.
* * *
المطلب الثاني: قضايا الدراية
جعل القاضي عياض قضية الرواية ومتعلقاتها هي القضية الأولى والأساسية في مقدمة كتاب "التنبيهات"، سواء تعلق الأمر بالرواية في حد
стр. 168
ذاتها، أم في امتدادها وتاثيرها في تفسير النص الفقهي وما تبعه من اختلاف فقال: "وربما اختلف المعنى لذلك الاختلاف فحمل على وجهين، أو تحقق الصواب أو الخطأ في أحد اللفظين". أما اعتناؤه بالقضايا الفقهية ومضامين الكتاب فإنما جاء ثالثاً بعد قضيتي الرواية واللغة وفي آخر المقدمة إذ قال: "ونثرنا أثناء ذلك نكتاً من كلام المشايخ والحذاق وتعليقاتهم، إلى ما استثرناه من أسرار الكتاب واستنبطناه إلى تنبيهاتهم". فهو بهذا يروم القول بأن إيلاء الاهتمام للجانب الفقهي ثانوي، وكما قال: "لتتم الفائدة لباغيها، وتكمل المنفعة لدارسها وراويها".
والمقصد من هذا الإيراد التنبيه إلى قضية منهجية في كتاب "التنبيهات" لا بدّ من مراعاتها في التعامل معه، وهي أنه ليس كتاباً فقهياً متكاملاً ولا كاملاً، وإنما يحتوي من الفقه بعض الموضوعات ذات العلاقة بالمسائل التي فيها بعض الإشكال في الرواية أو الدراية، ونسبة هذه المسائل إلى مجموع ما في "المدونة" ضئيل. وإذا كان الأمر هكذا، فلا ينتظر في مادة الكتاب تمام البناء ولا انتظام الهيكلة، ولا الوحدة الموضوعية المتناغمة.
وعلى رغم هذا، فإن المادة الفقهية في كتاب "التنبيهات" غزيرة وغنية وغاية في الأهمية؛ لأن مؤلفها عندما يقتنص إحدى المسائل المحتاجة إلى بيان وتعليق، يبين عن مخزون فقهي ثري، وعن نظر أصولي قوي، وعن رأي وترجيح، ولا غرو أن يقول عن تنبيهاته الفقهية وهو يشعر بهذا التفوق: "وأكثرها مما لم يقع له في الشروحات ذكر، ولا انكشف له في التعاليق سر".
فما هي مشكلات الدراية في الكتاب؟ وكيف عالجها المؤلف؟
أولاً: بعض الآراء الأصولية في الكتاب:
آراء القاضي عياض الأصولية مبثوثة في كتبه الثلاثة الأساسية: "الشفاء"، و"الإكمال"، و"التنبيهات"، بالإضافة إلى ما في مقدمة كتاب "المدارك". والقسط الأكبر منها في صورة تطبيقات عند مناقشة المسائل الخلافية أو شرح النصوص الشرعية.
стр. 169
والغرض هنا "الإلماع" إلى بعض ذلك مما ورد في "التنبيهات" للتأكيد على حضور المنهج الأصولي في تحليلاته:
١ - فمن آرائه البارزة في الأصل الأول - الكتاب - هذان النصان:
- "وقول طاوس في صيام الكفارة: يفرق، فقال له مجاهد: في قراءة ابن مسعود متتابعات؟ قال: فهي متتابعات، حجة بالقراءة المتلقاة من خبر الواحد، وهي مسألة اختلف فيها الأصوليون هل تقوم بها حجة كما تقوم بخبر الواحد عن السنة والقول عن النبيّ ﷺ ، إذ الكل متلقى عنه ويلزم العمل بمقتضاها أم لا تقوم لإسناد ذلك إلى القرآن؟ وهو لا يثبت قرآناً بخبر الواحد، فلما لم يثبت قرآناً لم يثبت حكماً. وإلى هذا ذهب المحققون مع إجماع الكل على أن التلاوة لا تجوز به".
٢ - وفي الأصل الثاني - السنَّة - يلفت الانتباه موقف عياض في الدفاع عن الرأي المالكي في تعارض خبر الواحد مع القياس، وهو منفذ جلب على المالكية كثيراً من النقد كما جلبه عليهم موقفهم من خبر الواحد في معارضته لعمل أهل المدينة، وقد نصر القاضي عياض مذهب أهل المدينة بكل قوة في "المدارك" (١)، ومما ورد في "التنبيهات" من هذا:
- " ... أو يكون هذا على مذهب من قدم القياس على خبر الواحد، وهو مذهب جماعة من الفقهاء الأصوليين ومن أئمتنا البغداديين، وحكوا أنه مذهب مالك ... ".
٣ - وفي محور دلالات الألفاظ المتناثرة في الكتاب نذكر هذين النصين النظريين لخصوصيتهما:
- "واستقرى شيوخنا من احتجاجه أن مذهبه القول بالعموم في مسائل أصول الفقه، وهو بين من قوله واستدلاله. وهو مذهب عامة الفقهاء من أصحابنا وغيرهم وكثيرٍ من الأصوليين، وأن لفظ الجمع المكسر من صيغ العموم، ولا سيما إذا عرف بالألف واللام كقوله هنا: "المساجد"، وهو أجلى صيغ العموم عند القائلين به".
стр. 170
- "قال القاضي: فيه دليل ما عليه محققو الأصوليين من أن العبيد داخلون في خطاب الأحرار، خلافاً لما ذهب إليه ابن خويزمنداد في ذلك ... والخلاف في ذلك مبني على الخلاف في خطابهم بفروع الشرائع".
٤ - والقارئ لمقدمة مدارك القاضي يشعر بإخلاصه واستماتته في الدفاع عن المذهب في أصوله وفروعه وترجيحه، لكن دون تعصب. ولنقرأ هذا الشاهد من "التنبيهات" وهو بصدد انتقاد بعض المالكية:
" ... لا يفتي أحد على مذهب غيره، إنما يفتي على مذهبه أو على الاحتياط لمراعاة خلاف غيره عند عدم الترجيح أو فوات النازلة، وأما أن يترك مذهبه ويفتي بمذهب غيره المضاد لمذهبه فما لا يسوغ".
وهذه القواعد التي ذكرها قواعد أصولية مذهبية معمول بها وإن كان في بعضها تفصيل، والمؤلف يراعيها ويسوغها عند دواعيها، وهي متكررة في الكتاب، وأمثلة ذلك:
- "وقد يكون عندي معنى قوله: يعيد (المتيمم على موضع نجس) في الوقت، وتخفيفه الأمر مراعاة لخلاف من يقول: إن جفوف الأرض طهورها، وهو مذهب الحسن ومحمد بن الحنفية والكوفيين ... ".
- "اختلفت أجوبة مالك ﵀ وأصحابه في هذا الباب، واضطربت مسائلهم فيه بحسب الاختلاف في الأصل ومراعاة الخلاف، وكذلك اختلف كلام الشارحين ومقاصد المتأخرين".
٥ - وهذه القواعد المذهبية الأصولية تسلمنا إلى قواعد أخرى أو ضوابط أدنى تتكرر في تحليلات المؤلف ويعتمدها ويبني عليها من قبيل:
- مراعاة الضرورة.
- مراعاة المصلحة.
- مراعاة الضرر في المال.
- مراعاة القلة والكثرة.
стр. 171
- مراعاة القرب والبعد.
وفي الكتاب كثير من القواعد والضوابط الفقهية قد تكون من صياغة المؤلف أو من غيره، لكنه يستثمرها على كل حال.
٦ - ومثل ذلك اهتمامه بالجموع والفروق استئناساً وأخذاً بها، أو رداً وانتقاداً للخطإ في استعمالها، وهو يحيل على المتخصصين في الجمع والفرق، مشيراً إلى أنه مسبوق في ذلك، وهنا يُذكر كتاب "النكت والفروق" لعبد الحق الصقلي خاصة. وهذه إشارات في الكتاب:
- "وقد تكلم الأشياخ عليهما في الفرق والجمع بما يكفي".
- "وفرقوا بينهما بفروق ضعيفة، وأولى ما يفرق بينهما على هذا عندي ... ".
- " ... وبينهما عندي فرق بديع سأذكره ... ".
ثانياً: منهج تناول القضايا الفقهية:
أما تناول المؤلف للمسائل الفقهية ومنهجه في ذلك، فلا بد من التذكير ثانية أنه لا ينطلق من فراغ حتى يضطر إلى اختيار أسلوب خاص في الوضع والطرح والشرح من أجل بناء الفكرة والمسألة ثم الاستدلال لها من الأصول، ولكن بحكم استناده للمدونة وانطلاقه من مسائلها يكتفي بإيراد المسألة من أصلها، إن لم يقل: إنه يختصرها ويعيد بناءها، ضاغطاً وملخصاً أسلوب "المدونة"، ومن هنا يبدأ ليخلص لمعالجة المسائل، فيعرضها ويذكر ما فيها من آراء، ويستدل لذلك ويناقش ويرجح.
ومن أهم ملامح أسلوبه في هذا:
١ - عرض المسألة:
أول ما يثير انتباه قارئ الكتاب ثراء مضمونه وتكدسه بالنصوص والأسماء، وهو ينبئ عن اطلاع واسع وحشر مادة غنية، والمؤلف أحياناً يستقصي ويورد آراء أربعة وخمسة وستة، هذا مع استحضار مواقع الفرع في
стр. 172
كتب "المدونة" والإحالة عليها، مما قد يدل أن المؤلف حفظ الكتاب، ويستحضر أيضاً مواقعها في الأمهات الأخرى، ويورد نصوصها لمزيد من التفصيل والتوضيح، وأجلى ما يبين هذا المثال الآتي:
- "ثم اختلف العلماء في الخيار إذا وقع اختلافاً كثيراً، والمتحصل من الأقوال في مذهبنا فيها ستة أقوال:
أشهرها مذهب الكتاب وأن اختيار المرأة ثلاث، ولا مناكرة للزوج، نوت المرأة الثلاث أم لا، وأن قضاءها بدون الثلاث لا حكم له. ثم اختلف هل هو مسقط للخيار ولا قضاء لها بعد، أم لها القضاء ثانية؟
الثاني: أنها ثلاث بكل حال وإن نوت دونها أو لم تنو شيئاً، ولا تسأل عن شيء، ولا مناكرة للزوج. وهو قول عبد الملك.
الثالث: أنه واحدة بائنة. ذكره ابن خويز منداد عن مالك، وهو أحد مذهبي علي بن أبي طالب. وتأوله اللخمي على حكاية ابن سحنون عن أكثر أصحابنا واختاره هو.
الرابع: أن للزوج المناكرة في الثلاث والطلقة بائنة، وهو قول ابن الجهم، وهو الظاهر عندي من معنى ما حكاه ابن سحنون عن أكثر أصحابنا لا ما تأوله اللخمي.
الخامس: له المناكرة والطلقة رجعية، وهو ظاهر قول سحنون. وعليه تأوله اللخمي كالتمليك. وهو قول عمر وعلي أولاً. ومذهب أبي يوسف: أن الخيار رجعية.
السادس: أنها إن اختارت نفسها فهي ثلاث، وإن اختارت زوجها أو ردت الخيار عليه فهي واحدة بائن. وهو قول زيد بن ثابت. وحكاه النقاش عن مالك. والحسن والليث رأوا أن نفس الخيار طلاقاً. والخلاف فيه قائم من "الموطأ"، وهو قوله بعد قول ابن شهاب: "إذا خير الرجل امرأته فاختارته، فليس ذلك بطلاق، قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت". ولم ير أبو حنيفة الخيار حكماً.
стр. 173
وللسلف في هذا خلاف زائد على ما ذكرناه".
ويهتم المؤلف أحياناً ببعض المسائل المعضلات في المذهب، فيقتحمها ليبين عن تمرسه وتفوقه بما يحققه مما لم يستطعه سابقوه، ولذلك عندما يشعر بهذا الإفضال يحمد الله عليه ويحدث به، فمن ذلك قولاه:
- "مسألة العتق على مال، اختلف لفظه في الكتاب في بعضها في كتاب "العتق" وفي كتاب المكاتب في الأسئلة والأجوبة، وذلك لاختلاف صور مسائلها، ونحن نفصلها على ما قاله شيوخنا ونذكر مواضع الخلاف منها والاتفاق على ما تقتضيه مذاهب شيوخنا بياناً يزيح الإشكال إن شاء الله ... ".
- "مسألة القرعة، جاء في الكتاب فيها تلفيق موهم أوجب اختلاف شيوخنا في معناها، وهل ذلك قول أو قولان وما ذلك القول؟ وقد تكررت في الوصايا، وكثيراً ما تمر في المناظرات وكل عنها غافل ... ".
٢ - معالجة الخلاف:
يجدر الذكر هنا أن المؤلف ليس معنياً بالخلاف المذهبي ولا بإيراد آراء المذاهب ومناقشتها، وذلك لأن مقصده الأول في الكتاب ليس كذلك. ولا يعني هذا أنه ضرب صفحاً عن ذكر فقه بعض المذاهب وعلماء السلف، إلا أنه يعتني اعتناء بالخلاف داخل المذهب، وهذا من صميم مشكلات "المدونة" التي يثار بعضها لاختلاف الرواية عن الإمام وتلاميذه. وبإمكان القارئ أن يلمس هذا من خلال القاموس الموظف في قضايا الخلاف، مثل:
- "والخلاف في هذه المسألة قوي عن العلماء وعن مالك وأصحابه".
- "تحصيل ما في الكتاب من الخلاف فيها ... ".
- اختلفت الروايات - اختلف المتأولون والشارحون - ذهب إليه البغداديون - القرويون - المصريون - الأندلسيون ...
стр. 174
هذا وأهم المسالك والإجراءات التي يتبعها المؤلف في معاناة مسائل الخلاف ما يلي:
أ- بيان سبب الخلاف:
وهذا مدخل هام لفهم مقاصد ومنطلقات المختلفين، وتزداد أهميته في مثل كتاب "المدونة" وبقية الأمهات التي فيها غالباً كلام غفل عن الاستدلال. والمؤلف لاطلاعه الواسع وتوسعه استنبط هذه الأسباب وبينها، وهي أسباب الاختلاف المعروفة مما يعود إلى الرواية وسياق الكلام، أو إلى طبيعة النص ودلالاته ... ومن نماذج هذا في الكتاب:
* الخلاف العائد إلى الرواية:
- "مسألة من صام رمضان عن رمضان آخر: يجزئه وعليه قضاء الرمضان الآخر، ضبطناه عن شيوخنا بفتح الخاء وكسرها، وفي كتاب "ابن عتاب": الفتح لابن وضاح. وحكى أحمد بن خالد فيه الوجهين وقال: لم يوقف فيه ابن وضاح على شيء، وقال يحيى بن عمر: لم يوقف فيه سحنون على شيء، وقال ابن لبابة: رواه عنه قوم بالنصب، ورواه حماس عنه بالخفض وغيره. واختلف على هذا الراوون والمختصرون والمتأولون .... "
فها هي ذي حركة حرف واحد تسبب مشكلاً فقهياً لا يمكن حسمه في ظل الكتاب. ومثل هذا حرف عطف في قوله:
- "يجمع في الحضر إذا كان مطر وطين وظلمة، كذا روايتنا عن يحيى في هذا الموضع، وفي الرواية الأخرى: إذا كان مطر أو طين وظلمة ... ".
* الخلاف في تفسير مقاصد الإمام ودلالات ألفاظه، وهذا في "المدونة" كثير، وأثره في الفروع المالكية كبير ...
ب - دراسة الخلاف:
والمقصود بهذا أن المؤلف في تحليله يبين السبب ثم يعمل على السبر وتحديد الوجه الصائب في المسألة.
стр. 175
* غير أنه أحياناً يسكت عن التوفيق أو الترجيح بين الآراء، وربما اختار من الخلاف ما يطمئن إليه دون تعليل اختياره، وهو سلوك يحكيه عن بعض الشيوخ معبراً بقوله: ترجح فيه فلان، أو: توقف، أو: اللفظ محتمل.
* والأسلوب الثاني - بعد التوقف وعدم الترجيح -: هو التأويل والجمع والتوفيق بين الآراء والروايات المختلفة، وربما يرجع هذا لعموم ألفاظ الروايات وعدم تفصيلها، ولذلك عادة ما نجد المؤلف في أول تناوله للنص يستهل بقوله: ظاهر الكتاب، ظاهره الخلاف، ثم يتعقبه بالتدقيق في الدلالة، ويورد عليه ما في بقية الروايات ...
والمؤلف بارع في هذا المقام، يبين عن عارضة قوية، يدل لذلك عده وفاقاً لما عده غيره خلافاً، وفي مثل ذلك يقول: "لكن يظهر لي وجه يوفق بين الروايتين إن شاء الله". ويسلك أساليب عدة للتوفيق أخصها نابع من امتلاكه ناصية اللغة والبيان، كما في هذا المثال:
- "وقوله في كلام غير ابن القاسم: لأن الزوج هو الناكح والمُفْرِضُ" كذا الرواية عند شيوخي، وأخبرني أبو محمَّد بن عتاب عن أبيه أنه قال: لعله: المفوّض، يريد في التحكيم، إذ جعله إلى غيره. وإنما أصلحه الشيخ لأنه لا يقال: مفرض، في التقدير، إنما يقال: فارض, لأنه من: فرض. لا من: أفرض؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾، ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. وقد رأيته في بعض النسخ: الفارض، وأراه إصلاحاً. لكن للمُفرض - على ما وقعت عليه الرواية - عندي وجه صحيح، وذلك أن: أفرض بمعنى: أعطى معلوم في اللغة، فيُخَرَّج على هذا، أي: أن الزوج هو الذي يعطي الصداق، فتأمله. أو يكون: المفرِض الذي يجعل الفرض لغيره ويفوضه له، فيكون بمعنى
стр. 176
المفوض كما قال الشيخ. يقال: فرضت الشيء: أي قدرته أو أوجبته. وأفرضته لفلان: جعلته فرضاً له".
* والأسلوب الثالث الظاهر في الكتاب: هو الترجيح، وللمؤلف في ذلك طرق عدة كالترجيح بالنص الشرعي بمختلف دلالاته، والترجيح بموافقة أصول المذهب، والترجيح بمراعاة سياق "المدونة" وغيرها، والتمثيل لهذا أيضاً بنموذج في اللغة:
- "ومسألة سلم الجذع الكبير في الجذوع الصغار منها، عورضت المسألة بأنه يصنع من الكبير صغار. وصوب فضل منع ابن حبيب لذلك. وذهب غيره إلى أن معنى ذلك أن الكبير لا يصلح أن يجعل على ما يصلح فيه الصغار، أو أنه لا يرجع منه صغار إلا بفساد ولا يقصده الناس. وما في الكتاب بين لا بعد فيه ولا اعتراض يصح عليه؛ وذلك أنه قال: جذع نخل كبير وجذوع نخل صغار، فظاهره الجذوع على خلقتها دون أن تدخلها صنعة، ولا يمكن أن يصير من الكبير في غلظه أجذاعاً صغاراً رقاقاً إلا بتغييرها عن خلقتها ونشرها ونجرها، وان فعل بها ذلك لم تكن جذوعاً، وإنما تسمى جوائز إلا على تجوُّز، فهذا معنى مسألة الكتاب عندي. واختلاف الأغراض في الجذع الكبير والجذوع الصغار بيّن؛ لأن كل واحد يصرف حيث لا يصرف الآخر".
ويندرج في هذا تقييم المؤلف لاجتهادات السابقين وترجيحاتهم سلباً وإيجاباً، وأحكامه عليها منشورة في الكتاب تبينها التعابير والأحكام النقدية الآتية:
- هذا أشبه بأصولهم - وهو حسن - إخراجه من هذا اللفظ بعيد - عكس النظر وضد الصواب - ينكسر ولا يطرد - لم يقل هذا شيئاً.
ومما يلفت النظر في الكتاب أيضاً بعض الإحالات التي يحيل بها المؤلف القارئ لمزيد من البحث والنظر، وكأنه لم يستتم الحسم في بعض المسائل، فهو يكرر عبارات من قبيل: تأمل، حقق هذا وانظره، أنعم النظر في ذلك جداً ...
стр. 177
المطلب الثالث: قضية اللغة والمصطلح
هذه القضية الثالثة التي أخذ المؤلف على نفسه التصدي لها، ونص على ذلك في صدر الكتاب بقوله: "فإن أصحابنا من المتفقهة ... رغبوا في الاعتناء بمجموع يشتمل على شرح كلمات مشكلة وألفاظ مغلظة ... وفي ضبط حروف مشكلة على من لم يعتن بعلم العربية والغريب ... ".
أولاً اللغة:
إن لغة "المدونة" في غالبها سهلة سلسلة، لكن في بعض نصوصها وألفاظها من الغريب والمهجور بحكم الأساليب المتجددة، وبحكم التطور الذاتي للغة وتجددها، وفيها أيضاً بعض المصطلحات والأعلام البشرية والجغرافية وغير ذلك مما لا يعرف في بيئة الغرب الإِسلامي.
غير أن سبباً آخر مهماً يقف وراء هذا الطلب وهذه الاستجابة، هو ضعف لغة الفقهاء، وهو أمر واخذهم عليه غير واحد في غير زمن. وقبيل عصر القاضي عياض سجل ابن سهل عدة شهادات على بعضهم تؤكد هذه الدعوى، ومن ذلك عقد لأبي المطرف بن سلمة الطليطلي انتابته أخطاء في النحو والأسلوب والإملاء عقب عليه ابن سهل منتقداً: "نقلت هذا الجواب، وكان بخط يده على نص ما كتبه هو حرفاً بحرف، وكان فيه لحق اعتذر منه، وهو من أهل الفقه، إلا أنه غير بصير باللسان" (١).
وانتقد ابن سهل كذلك أسلوب أبي عمر بن القطان - الفقيه الكبير المفتي غريم أبي عبد الله بن عتاب - ووصف أسلوبه في فتوى بأنه ناقص منثور الألفاظ فاسد المساق، وفيه حشو قبيح النظام قليل الفائدة، لا يكاد يفهم إلا بفكرة شديدة وروية بعيدة ... ثم ختم: "وهذا نظام يعزب تحصيله عن الأفهام، وما صدر عنه هذا الجواب إلا بعد أربعين يوماً" (٢).
стр. 178
وأورد شورى لابن لبابة وعبيد الله بن يحيى ومحمد بن وليد وأيوب بن سليمان، ثم تعقبها بقوله: "أكثر كلامهم حشو لا يفيد علماً ولا يزيد فهماً، وما زاد أبو صالح أيوب بن سليمان ﵀ منثور المعاني، وحشي المساق، ركيك الألفاظ، بعيد من البيان، أشبه شيء بالهذيان" (١).
وله ﵀ انتقادات أخرى لأساليبهم وعقودهم غير المحكمة البناء.
وفي كتاب "التنبيهات" نماذج من أخطاء الفقهاء اللغوية مثل:
- "وقوله في مسألة الْمُنعَى لها زوجها، كذا يقول الفقهاء: المنعى بضم الميم وفتح العين، وهو عند أهل العربية خطأ، وصوابه عندهم: المَنْعيُّ بفتح الميم وكسر العين وتشديد الياء".
- " ... والفقهاء يسمون المعترض: عنيناً".
- "إبردة ... الفقهاء يقولونه بالفتح ويحسبونه جمعاً" (٢).
ولأن المصطلح قضية لغوية أولاً، ولتداخل مجاله مع مجال اللغة، وللعلاقة الجدلية بين المعنى الدلالي الأصلي والمعنى الاصطلاحي الفرعي، وجد المؤلف نفسه مطالباً - بغرض استكمال تحقيق الهدف - بإضافة هذا الباب، وعبر عن هذه الحاجة بقوله: "وأضفت إلى الغرض المطلوب بيان معاني الألفاظ الفقهية الواقعة في هذه الكتب، وكيفية تجوزها عن موضوعها، وأصل اشتقاق أصولها وفروعها.
منهج المؤلف في معالجة لغة "المدونة":
عالج المؤلف لغة "المدونة" على ترتيب أبوابها ومسائلها، كفعله في مسائل الرواية والدراية دون ترتيب معجمي أو موضوعي، وقد يؤخر مسائل اللغة والرواية حتى يعود عليها بالشرح بعد مسائل الفقه، وقد يقدمها. لكن
стр. 179
الغالب أن يعالجها في مواقعها. وهو يشرح الغريب من اللفظ ويضبطه، ولا يلتزم بشرح الأساليب والمضامين البلاغية، ويضبط الألفاظ والأعلام ضبطاً بالحروف لا بالحركات، ويعرض اللغات الواردة في الكلمة والخلاف فيها، عازياً ذلك إلى مصادره، مستدلاً على المعاني بالنصوص، موازناً ومرجحاً بين الآراء، وهذا في الغالب. وعندما نجد أنه ضبط وشرح وحلل ما يناهز ستمائة لفظة - في السفر الأول فقط، تبيناً مقدار الجهد المبذول ومقدار الفائدة الإضافية للكتاب، ومقدار حاجة "المدونة" إلى توضيح لغتها، هذا مع التنبيه إلى أن المؤلف قد يضبط الكلمة دون أن يشرحها، وقد يضبطها بأكثر من وجه إذا احتملتها أو وردت بها الرواية، وقد يجمع بين الضبط والشرح، وهو الأغلب.
وهذه أهم سمات منهجه في الكتاب:
١ - يلفت الانتباه في أسلوبه الاهتمامُ بالمعاني الأصلية للألفاظ، والبحث في أصول الاشتقاقات. ثم بعد ذلك يذكر المعاني الثانوية والمجازية، مع تعليل وتفسير المعاني الأصلية، ومن ذلك:
- "القشب بسكون الشين المعجمة، وهو الرجيع اليابس، وأصله الخلط بما يفسد، وقشب الشيء: إذا خالطه قذر".
٢ - كما يسهب أحياناً في ذكر اللغات المتعددة في اللفظ الواحد كقوله: "الأضحية بضم الهمزة وتشديد الياء، وإضحية أيضاً بكسر الهمزة، وجمعها أضاحيّ بتشديد الياء. ويقال: الضحية أيضاً بفتح الضاد المشددة، وجمعها ضحايا، ويقال: أضحاة أيضاً، وجمعها أضاح وأضحى".
٣ - وفي تأصيل المعاني والاستدلال لها يلجأ إلى القاموس القراني والحديثي. وقليلاً ما يذكر الشعر، ومن أمثلة ذلك:
- "وقوله: اضربوا بأموال اليتامى، أي اتجروا بها، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية".
стр. 180
- "وقد جاءت الكلمتان "الكسوف" و"الخسوف" فيهما معاً في صحيح الحديث ...
٤ - ويهتم المؤلف بخلاف أهل اللغة ويعالجه بحسب ما يبلغه اجتهاده، فقد يوفق بين الآراء، وقد يرجح ويستدل لذلك وينتقد، ومن أمثلته قوله:
- "ومَراقُّه، بفتح الميم وتشديد القاف: ما رق من جلده كالمغابن والآباط وعُكُن البطن. وقال ابن اللباد: المراق: مخرج الأذى. وقال القتبي: هو ما بين الأليتين والدبر، وقال الهروي: هو ما سفل من بطنه ورفغه وما هنالك والمواضع التي رق جلدها، وهذا كله قريب بعضه من بعض، وأصله ما رق من الجلد، وفي الحديث: أنه ﵇ "بدأ فغسل مراقه"، يعني في الاغتسال".
أما الترجيح فأحياناً يرجح بالعدد وغلبة رأي أكثر أهل اللغة، وهذا يعتمده كثيراً، وقد يرجح بموافقة اللغة للقرآن أو الحديث، وأحياناً بالرواية الثابتة في اللغة، رافضاً القياس والتجاسر على الإصلاح كما هو تصرف بعض شيوخ أهل الأندلس مثل: شيخه ابن سراح وأبي الوليد الكناني الوقشي، وقد انتقد عليهم ذلك (١) ... ومن أمثلة ترجيحه:
- "وقوله: ولو شاؤوا أن يخرجوا إلى الجُد لفعلوا. الجد: الساحل، بضم الجيم، وبه سميت: جُدة، وجد كل شيء جانبه. وحكى فيه أبو عبد الله الأجدابي الكسر ولا أعرفه هنا، ورواه ابن المرابط وغيره: الجَد بالفتح. وقال ابن لبابة: هو من الجدَد، يريد الأرض. قال القاضي: والضم هو الوجه".
وعلى مثل هذا يعتمد أيضاً في الرد على اللغات الخاطئة وانتقاد القائلين بها كما في هذه الأمثلة: