← Фикх малики

Фикх малики · id 14253

التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة

القاضي عياض

Полный текст (2 448 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المفوض كما قال الشيخ. يقال: فرضت الشيء: أي قدرته أو أوجبته. وأفرضته لفلان: جعلته فرضاً له". * والأسلوب الثالث الظاهر في الكتاب: هو الترجيح، وللمؤلف في ذلك طرق عدة كالترجيح بالنص الشرعي بمختلف دلالاته، والترجيح بموافقة أصول المذهب، والترجيح بمراعاة سياق "المدونة" وغيرها، والتمثيل لهذا أيضاً بنموذج في اللغة: - "ومسألة سلم الجذع الكبير في الجذوع الصغار منها، عورضت المسألة بأنه يصنع من الكبير صغار. وصوب فضل منع ابن حبيب لذلك. وذهب غيره إلى أن معنى ذلك أن الكبير لا يصلح أن يجعل على ما يصلح فيه الصغار، أو أنه لا يرجع منه صغار إلا بفساد ولا يقصده الناس. وما في الكتاب بين لا بعد فيه ولا اعتراض يصح عليه؛ وذلك أنه قال: جذع نخل كبير وجذوع نخل صغار، فظاهره الجذوع على خلقتها دون أن تدخلها صنعة، ولا يمكن أن يصير من الكبير في غلظه أجذاعاً صغاراً رقاقاً إلا بتغييرها عن خلقتها ونشرها ونجرها، وان فعل بها ذلك لم تكن جذوعاً، وإنما تسمى جوائز إلا على تجوُّز، فهذا معنى مسألة الكتاب عندي. واختلاف الأغراض في الجذع الكبير والجذوع الصغار بيّن؛ لأن كل واحد يصرف حيث لا يصرف الآخر". ويندرج في هذا تقييم المؤلف لاجتهادات السابقين وترجيحاتهم سلباً وإيجاباً، وأحكامه عليها منشورة في الكتاب تبينها التعابير والأحكام النقدية الآتية: - هذا أشبه بأصولهم - وهو حسن - إخراجه من هذا اللفظ بعيد - عكس النظر وضد الصواب - ينكسر ولا يطرد - لم يقل هذا شيئاً. ومما يلفت النظر في الكتاب أيضاً بعض الإحالات التي يحيل بها المؤلف القارئ لمزيد من البحث والنظر، وكأنه لم يستتم الحسم في بعض المسائل، فهو يكرر عبارات من قبيل: تأمل، حقق هذا وانظره، أنعم النظر في ذلك جداً ...

стр. 177

المطلب الثالث: قضية اللغة والمصطلح هذه القضية الثالثة التي أخذ المؤلف على نفسه التصدي لها، ونص على ذلك في صدر الكتاب بقوله: "فإن أصحابنا من المتفقهة ... رغبوا في الاعتناء بمجموع يشتمل على شرح كلمات مشكلة وألفاظ مغلظة ... وفي ضبط حروف مشكلة على من لم يعتن بعلم العربية والغريب ... ". أولاً اللغة: إن لغة "المدونة" في غالبها سهلة سلسلة، لكن في بعض نصوصها وألفاظها من الغريب والمهجور بحكم الأساليب المتجددة، وبحكم التطور الذاتي للغة وتجددها، وفيها أيضاً بعض المصطلحات والأعلام البشرية والجغرافية وغير ذلك مما لا يعرف في بيئة الغرب الإِسلامي. غير أن سبباً آخر مهماً يقف وراء هذا الطلب وهذه الاستجابة، هو ضعف لغة الفقهاء، وهو أمر واخذهم عليه غير واحد في غير زمن. وقبيل عصر القاضي عياض سجل ابن سهل عدة شهادات على بعضهم تؤكد هذه الدعوى، ومن ذلك عقد لأبي المطرف بن سلمة الطليطلي انتابته أخطاء في النحو والأسلوب والإملاء عقب عليه ابن سهل منتقداً: "نقلت هذا الجواب، وكان بخط يده على نص ما كتبه هو حرفاً بحرف، وكان فيه لحق اعتذر منه، وهو من أهل الفقه، إلا أنه غير بصير باللسان" (١). وانتقد ابن سهل كذلك أسلوب أبي عمر بن القطان - الفقيه الكبير المفتي غريم أبي عبد الله بن عتاب - ووصف أسلوبه في فتوى بأنه ناقص منثور الألفاظ فاسد المساق، وفيه حشو قبيح النظام قليل الفائدة، لا يكاد يفهم إلا بفكرة شديدة وروية بعيدة ... ثم ختم: "وهذا نظام يعزب تحصيله عن الأفهام، وما صدر عنه هذا الجواب إلا بعد أربعين يوماً" (٢).

стр. 178

وأورد شورى لابن لبابة وعبيد الله بن يحيى ومحمد بن وليد وأيوب بن سليمان، ثم تعقبها بقوله: "أكثر كلامهم حشو لا يفيد علماً ولا يزيد فهماً، وما زاد أبو صالح أيوب بن سليمان ﵀ منثور المعاني، وحشي المساق، ركيك الألفاظ، بعيد من البيان، أشبه شيء بالهذيان" (١). وله ﵀ انتقادات أخرى لأساليبهم وعقودهم غير المحكمة البناء. وفي كتاب "التنبيهات" نماذج من أخطاء الفقهاء اللغوية مثل: - "وقوله في مسألة الْمُنعَى لها زوجها، كذا يقول الفقهاء: المنعى بضم الميم وفتح العين، وهو عند أهل العربية خطأ، وصوابه عندهم: المَنْعيُّ بفتح الميم وكسر العين وتشديد الياء". - " ... والفقهاء يسمون المعترض: عنيناً". - "إبردة ... الفقهاء يقولونه بالفتح ويحسبونه جمعاً" (٢). ولأن المصطلح قضية لغوية أولاً، ولتداخل مجاله مع مجال اللغة، وللعلاقة الجدلية بين المعنى الدلالي الأصلي والمعنى الاصطلاحي الفرعي، وجد المؤلف نفسه مطالباً - بغرض استكمال تحقيق الهدف - بإضافة هذا الباب، وعبر عن هذه الحاجة بقوله: "وأضفت إلى الغرض المطلوب بيان معاني الألفاظ الفقهية الواقعة في هذه الكتب، وكيفية تجوزها عن موضوعها، وأصل اشتقاق أصولها وفروعها. منهج المؤلف في معالجة لغة "المدونة": عالج المؤلف لغة "المدونة" على ترتيب أبوابها ومسائلها، كفعله في مسائل الرواية والدراية دون ترتيب معجمي أو موضوعي، وقد يؤخر مسائل اللغة والرواية حتى يعود عليها بالشرح بعد مسائل الفقه، وقد يقدمها. لكن

стр. 179

الغالب أن يعالجها في مواقعها. وهو يشرح الغريب من اللفظ ويضبطه، ولا يلتزم بشرح الأساليب والمضامين البلاغية، ويضبط الألفاظ والأعلام ضبطاً بالحروف لا بالحركات، ويعرض اللغات الواردة في الكلمة والخلاف فيها، عازياً ذلك إلى مصادره، مستدلاً على المعاني بالنصوص، موازناً ومرجحاً بين الآراء، وهذا في الغالب. وعندما نجد أنه ضبط وشرح وحلل ما يناهز ستمائة لفظة - في السفر الأول فقط، تبيناً مقدار الجهد المبذول ومقدار الفائدة الإضافية للكتاب، ومقدار حاجة "المدونة" إلى توضيح لغتها، هذا مع التنبيه إلى أن المؤلف قد يضبط الكلمة دون أن يشرحها، وقد يضبطها بأكثر من وجه إذا احتملتها أو وردت بها الرواية، وقد يجمع بين الضبط والشرح، وهو الأغلب. وهذه أهم سمات منهجه في الكتاب: ١ - يلفت الانتباه في أسلوبه الاهتمامُ بالمعاني الأصلية للألفاظ، والبحث في أصول الاشتقاقات. ثم بعد ذلك يذكر المعاني الثانوية والمجازية، مع تعليل وتفسير المعاني الأصلية، ومن ذلك: - "القشب بسكون الشين المعجمة، وهو الرجيع اليابس، وأصله الخلط بما يفسد، وقشب الشيء: إذا خالطه قذر". ٢ - كما يسهب أحياناً في ذكر اللغات المتعددة في اللفظ الواحد كقوله: "الأضحية بضم الهمزة وتشديد الياء، وإضحية أيضاً بكسر الهمزة، وجمعها أضاحيّ بتشديد الياء. ويقال: الضحية أيضاً بفتح الضاد المشددة، وجمعها ضحايا، ويقال: أضحاة أيضاً، وجمعها أضاح وأضحى". ٣ - وفي تأصيل المعاني والاستدلال لها يلجأ إلى القاموس القراني والحديثي. وقليلاً ما يذكر الشعر، ومن أمثلة ذلك: - "وقوله: اضربوا بأموال اليتامى، أي اتجروا بها، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية".

стр. 180

- "وقد جاءت الكلمتان "الكسوف" و"الخسوف" فيهما معاً في صحيح الحديث ... ٤ - ويهتم المؤلف بخلاف أهل اللغة ويعالجه بحسب ما يبلغه اجتهاده، فقد يوفق بين الآراء، وقد يرجح ويستدل لذلك وينتقد، ومن أمثلته قوله: - "ومَراقُّه، بفتح الميم وتشديد القاف: ما رق من جلده كالمغابن والآباط وعُكُن البطن. وقال ابن اللباد: المراق: مخرج الأذى. وقال القتبي: هو ما بين الأليتين والدبر، وقال الهروي: هو ما سفل من بطنه ورفغه وما هنالك والمواضع التي رق جلدها، وهذا كله قريب بعضه من بعض، وأصله ما رق من الجلد، وفي الحديث: أنه ﵇ "بدأ فغسل مراقه"، يعني في الاغتسال". أما الترجيح فأحياناً يرجح بالعدد وغلبة رأي أكثر أهل اللغة، وهذا يعتمده كثيراً، وقد يرجح بموافقة اللغة للقرآن أو الحديث، وأحياناً بالرواية الثابتة في اللغة، رافضاً القياس والتجاسر على الإصلاح كما هو تصرف بعض شيوخ أهل الأندلس مثل: شيخه ابن سراح وأبي الوليد الكناني الوقشي، وقد انتقد عليهم ذلك (١) ... ومن أمثلة ترجيحه: - "وقوله: ولو شاؤوا أن يخرجوا إلى الجُد لفعلوا. الجد: الساحل، بضم الجيم، وبه سميت: جُدة، وجد كل شيء جانبه. وحكى فيه أبو عبد الله الأجدابي الكسر ولا أعرفه هنا، ورواه ابن المرابط وغيره: الجَد بالفتح. وقال ابن لبابة: هو من الجدَد، يريد الأرض. قال القاضي: والضم هو الوجه". وعلى مثل هذا يعتمد أيضاً في الرد على اللغات الخاطئة وانتقاد القائلين بها كما في هذه الأمثلة:

стр. 181

- "ذكر بعض أهل اللغة أنه لا يقال في بنات آدم لبن، إنما يقال فيها: لبان، واللبن لسائر الحيوان غيرهن، وجاء في الحديث كثيراً خلاف قولهم". ومن هذا أيضاً تمييزه للدخيل المعرب من الألفاظ، كقوله في القُرط - بضم القاف - هذا للعشب الذي تأكله الدواب، وأراه ليس بعربي. وكذلك قال في البوقال. وقال في البرابط - وهي عيدان الغناء -: هي فارسية ... ٥ - وفي الكتاب بعض القواعد اللغوية النظرية. ثانياً: المصطلح: أما المصطلح في الكتاب فيغلب عليه التعاريف الشرعية، ثم المصطلحات الصناعية وأخيراً ما يمكن اعتباره رموزاً لأعلام المذهب من الأشخاص أو المؤلفات. وإن كان لم يعط للمفاهيم الشرعية مثلما أعطى للتعاريف اللغوية مثل قوله: - "الوضوء في عرف الشرع والفقه: تطهير أعضاء مخصوصة بالماء لتنظف وتحسن ويُرفع حكم الحدث عنها لتستباح بها العبادة الممنوعة من قبل، أو تطهير ما فيه نجس لإزالة حكمه واستباحة العبادة به". - "الصوم إمساك مخصوص عن أفعال مخصوصة في أوقات مخصوصة". بل إثارة هذه التعاريف لا يلفت النظر في الكتاب إلا في مناسبات معينة كما في مقدمات الكتب. ومن كلامه النظري القليل في قضية المصطلح قوله أول الصلاة: " ... ثم إن الشرع أضاف إلى ما فيها من الدعاء ما شاء الله من ركوع وسجود وأفعال وأقوال". وقوله في أول الاعتكاف: "أصل هذه اللفظة اللزوم والإقامة ...

стр. 182

وخص الشرع هذه الإقامة بصفات لا يصح أن يكون اعتكافاً شرعياً وإقامة عبادية إلا بها". وهذا ينسجم مع موقف المؤلف من قضية المصطلح الشرعي، فهو يرى أنه ليس غريباً على الوسط الذي نزل فيه، وإنما دخله بعض التعديل، وهي قضية كلامية، قال المؤلف في "الإكمال": "إن ألفاظ العبادات واردة في الشرع على ما عهده أهل اللغة، خلافاً لجماهير المتكلمين من الموافقين والمخالفين، إذ كانوا يصومون ويعرفون الصوم، ويحجون ويعرفون الحج، فخاطبهم الشرع بما علموه تحقيقاً، لا أنه أتاهم بألفاظ ابتدعها لهم كما قاله المخالف، أو بألفاظ لغوية لا يعلم منها المقصود إلا رمزاً كما أشار إليه المؤلف - يعني: المازري -" (١). ومن إبداعات المؤلف في هذا الباب تخصيصه صفحات عديدة في مقدمة كتاب "الصلاة" لبحث وتحليل وتحديد مفاهيم المصطلحات الشرعية المتداولة في الصلاة والأذان، في بيان مصطلحات أركانها وأسمائها وأوقاتها والدعوات والأذكار الواردة فيها، مع البحث عن أهداف ومقاصد بعضها وحِكمها، حتى قال في شأن كلمات الأذان: "فقد انطوت - على اختصار كلماتها وقلتها - على ما يحتمل بسطه في عدة مجلدات، وانطوت على ذلك الإقامة أيضاً". وهذه أهم المصطلحات الفقهية التي لها دور كبير في تطور المذهب وتجلية مناحي الاجتهاد فيه ... ١ - المذهب: وردت هذه الكلمة كثيراً عند عياض في كتابه هذا، فهو يقول في كتاب "العرايا": ومذهب الكتاب التفريق بين العرية وبين الصدقة والهبة، مشيراً إلى الفرق بين نصوص "المدونة" في هذه الأبواب، إلا أن عياضاً نقل هذا الكلام عن شيخه ابن رشد في المقدمات، ونصه:

стр. 183

ومذهبه في "المدونة" الفرق بين العرية والهبة (١)، ويقول في كتب أخرى: ومذهب ابن القاسم، ومذهب أشهب، ومذهب ربيعة، ومذهب "المدونة"، إلى غير ذلك من آراء العلماء وهو يشير بالمذهب إلى أقوالهم. إلا أن المذهب يقصد به من الناحية الاصطلاحية: ما نهجه إمام من الأئمة فيما فيه اجتهاد (٢)، ويطلق عند الفقهاء المتأخرين من أئمة المذهب على ما به الفتوى، من باب إطلاق الشيء على جزئه الأهم (٣). إلا أن الذي يظهر من خلال استعمال عياض لهذه الكلمة أنه لم يستعملها بمعناها الاصطلاحي الدقيق. ٢ - المعتمد: هو القوي سواء كانت قوته لرجحانه أو لشهرته (٤). ٣ - الروايات: المقصود بالرواية أقوال مالك، على أن القول المروي عن الإمام، كما يسمى رواية يسمى نصاً وقولاً (٥). وهذا النهج سار عليه ابن الحاجب في مختصره، قال ابن فرحون: إذا أطلق الروايات فهي أقوال مالك ﵀، وإذا أطلق الأقوال فالمراد قول أصحاب مالك وغيرهم من المتأخرين (٦). بينما في "التقريب" (٧): أنه إذا وقع في المذهب ذكر الرواية فهي عن مالك، لا عن غيره، وإن وقع ذكر القول فقد يكون عن مالك، وقد يكون عن غيره (٨).

стр. 184

لكن المقصود بالرواية في كتابه "التنبيهات" روايات "المدونة" عن سحنون عن ابن القاسم، كما أخذها عن شيوخه. قال عياض وهو يقارن بين هذه الروايات بعد أن ساق نصاً من "المدونة": وثبت هذا في كتاب ابن عيسى، وسقط في أكثر الروايات، ونبه عنده على سقوطها من بعض الروايات. وما دام حديثنا عن الروايات والأقوال فلا بأس أن نشير إلى ما ذهب إليه ابن عبد السلام من عدم اعتبار آراء الشراح أقوالاً, لأنهم إنما يبحثون عن تصور اللفظ، قال وهو يتعقب كلام ابن الحاجب مؤاخذاً عليه اعتبار اختلاف شيوخ "المدونة" أقوالاً. فقال: وذلك أن المؤلف وكثيراً من المتأخرين (١) يعدون اختلاف شيوخ "المدونة" أقوالاً في المسألة التي يختلفون فيها، والتحقيق خلافه, لأن الشراح إنما يبحثون عن تصور اللفظ. والقول الذي ينبغي أن يعد خلافاً في المذهب، إنما مآله إلى التصديق. ألا ترى أن شارح لفظ الإمام إنما يحتج على صحة مراده بقول ذلك الإمام، وبقرائن كلامه من عود الضمير وما أشبهه. وغير الشارح من أصحاب الأقوال إنما يحتج لقوله بالكتاب والسنَّة، وبغير ذلك من أصول صاحب الشريعة، فلم يقع بين الفريقين توارد، فلا ينبغي أن تجمع أقوالهم في المسألة، وإنما ينبغي أن يعد الكلام الذي شرحوه قولاً واحداً، ثم الخلاف إنما هو في تصور معناه (٢). وأسلوب عياض في هذا الباب شبيه بما ذهب إليه ابن الحاجب، فهو يستعمل القول لما ذهب إليه مالك وابن القاسم وما ذهب إليه الشيوخ، إلا أن الكثير في كلامه أن يستعمل - بدل القول - قال، أو ذهب، أو مذهب، أو إلى هذا نحا، إلى غير ذلك من الألفاظ التي يريد من خلالها أن يوضح ما يأخذ به كل فقيه.

стр. 185

٤ - الوجه: المقصود به عندهم الحكم المنقول في المسألة لبعض أصحاب الإمام أو من بعدهم، ممن بلغوا رتبة الاجتهاد في المذهب. فإنهم يخرجون حكم المسألة على أصوله وقواعده، وربما كان مخالفاً لقواعده إذا عضده الدليل، فإذا قالوا: الاحتمال، كان في معنى الوجه، إلا أن الوجه مجزوم به في الفتوى، والاحتمال يبين أن ذلك صالح لكونه وجهاً (١). ٥ - التخريج: يطلق التخريج على معان، منها: التخريج المتعلق بالأحكام الفقهية، والتخريج المتعلق بإلحاق ما نقص من النص. فالأول: هو أن ينظر مجتهد المذهب في مسألة غير منصوص عليها، فيقيسها على مسألة منصوص عليها في المذهب مع مراعاة ضوابط التخريج (٢). والثاني: قال فيه عياض: أما تخريج الملحقات لما سقط من الأصول فأحسن وجوهها: ما استمر عليه العمل عندنا من كتابة خط بموضع النقص صاعداً إلى تحت السطر الذي فوقه، ثم ينعطف إلى جهة التخريج في الحاشية انعطافاً يشير إليه، ثم يبدأ في الحاشية باللحق مقابلاً للخط المنعطف بين السطرين، ويكون كتابهما صاعداً إلى أعلى الورقة حتى ينتهي اللحق في سطر هناك، أو سطرين، أو أكثر على مقداره، ويكتب آخره: صح (٣). ٦ - المشهور: اختلف المتأخرون في المقصود بالمشهور، فحكى ابن بشير، وابن خويز منداد قولين في المشهور، فقيل: المشهور ما قوي دليله (٤)، وقيل: ما أكثر قائله (٥). إلا أن هذا الأخير يستدعي أن يزيد نقلته

стр. 186

عن ثلاثة، ويسميه الأصوليون: المستفيض أيضاً، وقد ناقش العلماء هذين القولين، فلم يسلما من المآخذ (١). وقال ابن خويز منداد: مسائل المذهب تدل على أن المشهور ما قوي دليله وأن مالكاً ﵀ كان يراعي من الخلاف ما قوي دليله لا ما كثر قائله، فقد أجاز الصلاة على جلود السباع إذا ذكيت، وأكثرهم على خلافه، وأجاز أكل الصيد إذا أكل منه الكلب، ولم يراع في ذلك خلاف الجمهور (٢). ولم يتوقف الأمر عند هذين القولين، بل ذهب الفقهاء إلى الحديث عن مشهور آخر لم يبينوا معتمدهم فيه، فذهبوا إلى أن مذهب ابن القاسم (٣) في "المدونة" هو المشهور (٤) ما لم يعارض قول مالك (٥). فهذا القول لا يمكن أن يصنف ضمن ما قوي دليله, لأن هذا حكم مسبق, لأنه حكم له بالشهرة قبل مناقشة الدليل. ولا يمكن أن يصنف ضمن ما كثر قائله, لأن قائله واحد. وما قاله صاحب نظرية الأخذ بما جرى في العمل من أن قول ابن القاسم يكون في حكم المشهور، وأنه وحده يعادل الكثرة المشترطة في المشهور (٦)، كلام يعوزه الدليل. من خلال مناقشة هذا المصطلح يتبين أن تحديد معناه جاء متأخراً جداً عن استعماله، فقد استعمل بمعان مختلفة تسع كل هذه المعاني. والذي يظهر من كلام عياض أنه لم يتقيد بمدلول واحد للمشهور، فهو يطلق المشهور ويقصد به ما كثر قائله، فهو يقول في كراء الرواحل: والمشهور

стр. 187

والأكثر أنه لا يجوز. وقال في الخيار: على المشهور من قول ابن القاسم، وأصله، وروايته، ومنعه جمع السلعتين. فقد يسير في هذا مع الذين يشهرون قول ابن القاسم في "المدونة" على غيره. وقال في التجارة إلى أرض الحرب: هو على أكثر مذهبه ومشهوره من تقدم أخبار الآحاد. وقال فيها أيضاً: لكن مشهور مذهبه ومعروفه ما ذكرنا من اتباع الأثر وتقديمه على القياس. فهو يقرن هنا بين المشهور والمعروف، والمعروف هو ما كثر قائله. وقد يستعمل المشهور أو الظاهر في تقوية قول على قول أو على أقوال، عندما يكون في المسألة قولان، أو أقوال. ٧ - الظاهر والمشهور: يكون من القولين أو الأقوال، فإن قوي الخلاف قالوا: الأظهر، وإلا فالمشهور (١). وقد استعمل عياض كثيراً مصطلح الظاهر، فقال: وظاهر الكتاب كذا. وظاهره، وظاهره الجواز، وظاهر المسألة، وقال في المحاباة: ظاهره أن المحاباة سواء كانت في ثمنه أو عينه. ٨ - الأصح أو الصحيح: وإذا استعمل هذا التعبير فالمقصود به الأصح أو الصحيح من الوجهين أو الأوجه، فإن قوي الخلاف قالوا الأصح، وإلا فالصحيح. وقد استعمل عياض هذا كثيراً في كتابه إلا أنه في بعض الأحيان يجمع بين هذه المصطلحات. كما جاء في كتاب الأقضية: قال: وفي هذا الفصل يتصور الخلاف على ما في كتاب محمَّد. وتأويل بعضهم على ظاهر "المدونة". وإليه نحا اللخمي وغيره في المسألتين. والوجه الآخر أظهر وأبين وأصح إن شاء الله. ٩ - الأصل: استعمل عياض كثيراً هذه الكلمة، وهو يقصد معاني مختلفة، فقد يستعملها بمعنى الدليل كما ورد في التجارة إلى أرض الحرب، عند الحديث عن حديث ابن وهب: فهو بالخيار فيها ثلاثة أيام (٢).

стр. 188

قال عياض: وجعلها المخالفون أصلاً في ضرب أجل الخيار. وقد يستعملها بمعنى القول كما جاء في قوله: وهو على أصل ابن القاسم صحيح الجواب، وقد جاء هذا عندما تحدث في القراض عن نص "المدونة" في الذي قال لرجل: اجلس في هذا الحانوت وأعطيك مالاً تتجر به فما ربحت فلك نصفه فهذا لا خير فيه. قال عياض: كذا في أصل ابن عتاب، وخارج كتابه فهذا أجير لابن وضاح، وكذا في أصل ابن سهل، وهو على أصل ابن القاسم صحيح الجواب. وأصل ابن القاسم الذي يقصده عياض هو قوله في "المدونة": قال ابن القاسم: فإن وقع ذلك كان فيه أجيراً، يقام له أجر عمل مثله (١). وقد يستعمل الأصل بمعنى النسخة، أو نسخة الشيخ، أو النسخة المعتمدة، كقوله: كذا في أصل ابن سهل، أو أصل ابن عتاب، أو غيره. وتارة يستعمل هذا اللفظ وهو يقصد قاعدة من القواعد الخلافية في المذهب، كما جاء قوله في الخيار عند حديثه عن مسألة الجارية تلد في أيام الخيار (٢) قال عياض: اعترضت من باب بيع المريض، واعتذر عنها فضل، وابن أبي زمنين، وغيرهما، بأن بائعها لم يعلم المشتري بحملها، ولا عرفه، وهذا معترض, لأن معرفة أحد المتبايعين بما يفسد البيع مفسد له على أحد القولين في هذا الأصل. فالمقصود بالأصل هنا قاعدة الاختلاف في علم أحد المتبايعين بالفساد، وهذه القاعدة ذكرها المقري في قواعده وقد جاء فيها: علم أحد المتبايعين بالفساد دون الآخر، اختلفوا في تأثيره (٣). ١٠ - المدنيون: المقصود بهم ابن كنانة وابن الماجشون ومطرف وابن نافع وابن مسلمة (٤). وقد صرح عياض ببعضهم في كتاب "الشهادات" فقال:

стр. 189

فمذهب المدنيين: ابن كنانة، وابن الماجشون، ومطرف، .... ١١ - العراقيون: أو البغداديون: يشار بهم إلى القاضي إسماعيل، وابن القصار وابن الجلاب والقاضي عبد الوهاب والقاضي أبي الفرج، والشيخ أبي بكر الأبهري (١). ١٢ - القرويون: أبو عمران والقابسي وابن أبي زيد. ١٣ - محمَّد: المقصود به محمَّد بن المواز. وقد نقل عنه عياض كثيراً، مرة يقول: وهو قول محمد، ومرة يقول: في كتاب "محمَّد" مشيراً إلى الموازية. ١٤ - الكتاب: المقصود به "المدونة"، ويطلق عليها كذلك الأم، قال عياض في مسألة البيع والسلف: وذهب شيوخ القرويين إلى أن قول سحنون وفاق للكتاب، وقال - وهو يتحدث عن شرح كلمة الحمال -: وقد جاء في الكتاب مفسراً، وهو يقصد فأين الضمان (٢)؟ وقال: وظاهر الكتاب في مسألة البيع والسلف إذا كان من المبتاع أن له الأكثر وإن زاد على عدد الثمن والتسليف (٣). من هذه الأمثلة يستفاد أن عياضاً إذا أطلق الكتاب فالمقصود به "المدونة"، وإن لم يكن هذا المصطلح خاصاً به، بل هو عام بين جميع المالكية.

стр. 190

المبحث الثاني: القواعد الفقهية في الكتاب سلك عياض في كتابه هذا مسلكاً جيداً في تطبيق القواعد الفقهية، يتجلى في ربط القواعد بمصدر نشأتها ومكان استنباطها، فجاء عرضه هذا في سياق جيد ترتبط فيه القاعدة بتطبيقها، وتحيل على مصدر نشأتها، وإن كان اهتمامه قد انصب أكثر على نوع واحد من القواعد، هو القواعد الخلافية المسماة بأمهات الخلاف، فقد يفتح عمله هذا باب البحث في نشوء القواعد الفقهية في المذهب المالكي من الناحية التاريخية, لأن بذور صيغ هذه القواعد متناثرة في المصادر الأولى للمذهب، كما أنه يمكن أن يساعد على تحديد الأسباب الخاصة بالاختلاف في المذهب المالكي، وذلك باستخلاص الأصول التي اعتمد عليها ابن القاسم، أو التي اعتمد عليها أشهب، وهي ما يعبر عنه عياض بقوله: وهذا على أصل ابن القاسم، أو وهذا على أصل أشهب، وذلك كقوله في كتاب "الجوائح": هل الثلث راجع إلى عين الثمرة وإن كانت قيمتها أقل من ثلث الثمن - وهو مذهب ابن القاسم وروايته - أو إلى ثلث قيمتها - وإن كان المجاح أقل من ثلث الجميع. وهو مذهب أشهب (١). أو قوله: وهذا مخالف لأصل ابن القاسم، أو مخالف لأصل أشهب. إضافة إلى اختلاف المختصرين في تأويل نصوص "المدونة"، أو اختلافهم في اعتماد الرواية التي قد يعتمدها كل مختصر من المختصرين.

стр. 191

كل هذا يضاف إلى الاختلاف الأصلي في روايات "المدونة"، وهذا يحتاج إلى جهد كبير ووقت طويل لتتبع هذه المسائل. ونظراً لأهمية موضوع القواعد، فإنني سأعرض لبعض النماذج منها، لكي أحيل القارئ على الرجوع إليها في النص للاستفادة من الشرح الذي يقدمه عياض بين يدي هذه القواعد أولاً، وللتمسك بالخيط الذي يبين المصدر الذي أخذت منه هذه القاعدة، وذلك من أجل تتبعه لمعرفة منطلقها الأصلي، ولا أعني بكلامي هذا أن عياضاً كان يتتبع هذه القواعد، ويقوم بشرحها، وهو يقصد ذلك في تأليفه، وإنما جاء عمله هذا عرضاً أثناء شرحه لبعض نصوص "المدونة"، كما أنني لم أتتبع كل هذه القواعد في الكتاب لطوله، وإنما اكتفيت ببعض ما ذكر منها في الجزء الثاني، ويبقى الموضوع لمن أراد أن يتجه إلى البحث فيه. وإليكم هذه النماذج. قاعدة في بيوع الآجال: قال عياض: والأصل في بيوع الآجال إذا دخلت فيها الإقالة، أو اشترى البائع بعض ما اشترى منه المبتاع، أو ما هو من صنفه: أن ينظر إلى البيعة الأولى، فإذا كانت إلى أجل فهي من بيوع الآجال، فينظر فيها إلى ذريعة فعلهما ومآل أمرهما، وما يجوز من ذلك لو قصداه ابتداء فيمضي، وما لا يجوز فيرد، كانوا ممن يتهم بالعينة أم لا، إلا ما بعدت فيه التهمة من ذلك وعدمت الذريعة، وكذلك فيمن لا تليق به التهمة. هذا الكلام الذي شرح به عياض بيوع الآجال مع الكلام على أحكامه، وعقود الآجال التي جاءت بعد هذا الشرح، هو الذي يوضح الكلام المختصر والمركز الذي جاء به المقري من بعده في قواعده المجردة التي لم تقرن بأمثلة، ولا بإحالة على مصادر تعين على تفسير وتوضيح هذه القاعدة، فقد ورد له في بيوع الآجال في القاعدة (٩٩٥): أصل مالك حماية الذرائع، واتهام الناس في بياعات الآجال والربا، فينظر إلى ما خرج عن اليد وعاد إليها، فإن كان مما لو ابتدأ المعاملة عليه جاز فعلهما، وإلا لم يصح. فإذا صرف ديناراً بعشرين درهماً فتسلفها من صاحبه لم يجز، وكأنه

стр. 192

إنما أخذ ديناراً نقداً في عشرين درهماً مؤخرة، وأخذ الدراهم وردها لغو، وكذلك من باع سلعة بثمن مؤجل فلا يشتريها بأقل منه نقداً أو إلى أجل دونه. وقال بعض المالكية: إنما هذا في غير من لا يتهم لفضله، وهذا يؤدي إلى اضطراب العلة بعدم انضباطها، وهو خلاف ما قصدت العلل لأجله (١). هذه القاعدة جاءت لتجمع هذا الباب المتعدد الصور، والمختلف في أحكامه باختلاف صوره، وقد بني هذا الباب على مراعاة التهمة وعلى أصل من أصول المالكية وهو سد الذرائع، وهما أصلان يصعب انضباطهما. ويمكن أن يدخل هذا الباب في الوجوه الخفية من الربا. وهذا ما جعله صعباً في حصر صوره (٢). قاعدة أخرى في بيوع الآجال، وهي: قاعدة: منع بياعات الآجال: هل هو محرم لنفسه أو للذريعة إلى سلف جر منفعة؟ حكى الباجي في ذلك قولين، وبنى عليها بعضهم الخلاف في فسخ البيعتين، أو الثانية فقط في قيام السلعة. والصحيح أن ذلك لاتهامهما على القصد إلى ذلك من أول، إلا أنا إن جعلنا هذا الاتهام كالتحقيق فسخنا البيعتين، وإلا أزلنا موجبه ففسخنا الثانية فقط (٣). مبنى هذه القاعدة على الاختلاف في القصد، وهو ما أشار إليه عياض وقبله صاحب النوادر، كما أشار عياض إلى أن مثل هذا التأصيل هو لابن المواز وفضل بن سلمة وغيرهما. قاعدة في البيوع الفاسدة: قاعدة: اختلفوا في التمكين هل هو كالقبض أم لا؟ فإذا اشترى الثمرة شراء فاسداً ثم باعها بيعاً صحيحاً، فهل يكون عليه المثل أو القيمة؟ قولان

стр. 193

على الخلاف فيما باعه المشتري وهو في يد البائع: هل يفوت بذلك أم لا؟ وإذا قلنا بالقيمة: فهل يوم الجذ أو يوم بدو الصلاح؟ قولان على القاعدة، فإن قلنا: كالقبض فيوم الصلاح، وإن قلنا: ليس بقبض فيوم الجذ. وانظر هل يشترط مع التمكين التمكن أم لا (١). هذه القاعدة أصلها هو الاختلاف في تأويل ما جاء في "المدونة" في البيع الذي يفيت البيع الفاسد (٢) كما يقول عياض مبيناً أصل الاختلاف في هذه المسألة: هل من شرطه أن يكون بعد القبض، وإليه ذهب بعضهم، واحتج بقوله في كتاب العيوب في المسألة: "وعليه قيمتها يوم قبضها" (٣). وجاز البيع إذا كان الأول قبضها، ومثله لمالك في كتاب محمَّد (٤). وقال آخرون: بيعها فوت على كل حال، قبض أم لا. وفي كتاب محمَّد لمالك مثله أيضاً (٥). ويتأول هؤلاء قوله إن كان قبضها لإلزامه القيمة يوم القبض، وكأنه يقول: وإن لم يقبضها كانت عليه القيمة يوم البيع، بدليل قوله فيها: ولو تصدق بها قبل قبضها كانت عليه قيمتها يوم تصدق بها. وهذا قول محمَّد في البيع، قال: قيمتها يوم باعها (٦)، وهذا الأصل مختلف فيه. ومثله اختلافهم في العتق قبل القبض، ولا يختلفون أنه لو علم بالفساد ثم باعها قصداً لتفويتها أن بيعه غير ماض. وكلام عياض هنا: وهذا الأصل مختلف فيه، يبين أن هذه القواعد الخلافية كانت معروفة بين الفقهاء منذ وقت مبكر، وهذا العهد الذي برزت فيه بالضبط يمكن أن يحدد إذا توفرت عند الباحث المصادر الأساسية:

стр. 194

كسماعات ابن القاسم وأشهب، إضافة إلى "المدونة" و"الموازية" و"الواضحة" وغيرها. قاعدة في المرابحة: قاعدة: علم أحد المتبايعين بالفساد دون الآخر اختلفوا في تأثيره، كما إذا قصد النقص في الصورة قبلها، أو تسلف أحد المتصارفين بخلاف علمهما معاً كتسلفهما لأنه يقتضي المنع، وليس التدليس من ذلك لحديث المصراة خلافاً لقوم (١). ما ورد في هذه القاعدة أشار إليه عياض في كتاب "المرابحة" وإلى أنه مخرج من كتاب "الصرف"، وقال: وإن قيل: إن البائع كان يعلم ذلك فالمشتري يجهله، وهذا أصل مختلف فيه، إذا كان الفساد من أحد المتعاقدين، هل يفسد العقد أم لا؟ وقد أشار إلى هذا الأصل المختلف فيه كذلك في بيع الخيار، في مسألة الجارية تلد في أيام الخيار. قاعدة في بيع الخيار: قاعدة: اختلف المالكية في البيع: أهو العقد فقط أم العقد والتقابض؟ وعليهما ضمان ما في المكيال والميزان بعد التقدير، وقبل مضي مقدار التمكين أهو من البائع أم من المشتري (٢)؟ هذه القاعدة بصيغتها تحدث عنها عياض في بيع الخيار عند حديثه عن اكتشاف العيب في السلعة في بيع الخيار، هل تعتبر قيمتها يوم العقد أو يوم القبض، وقد استعرض أقوال العلماء في ذلك عند شرحه لما ورد في "المدونة" في تقويم الجارية المبيعة بالخيار - وقد حدث بها عيب في أيام الخيار - وقال: وقد أشار ابن محرز إلى أن اختلافهم فيه على أصل

стр. 195

اختلافهم في التضمين في الخيار، هل هو من البائع حتى يقبضه المشتري؟ فتقوم على هذا يوم القبض. ومن قال: ضمانها من المشتري، قال: تقوم يوم البيع، وهو قول ابن كنانة (١) إذا كان الخيار للمشتري، وقال غيره: هذا على الخلاف، هل العقد بيع على الحقيقة ينقل الملك ويلزم الضمان بنفسه، أو حقيقته التقابض وإنما الكلام عقد يوجب البيع؟ وعلى هذا، هل التسليم والتوفية حق على البائع بما يتم بيعه أم لا؟ قاعدة في الوكالات: قاعدة: اختلف قول مالك في الوكيل هل ينعزل بالموت والعزل أو ببلوغهما إليه؟ على خلاف في النسخ: هل يتقرر حكمه بالنزول أو بالوصول (٢). اعتبر القاضي عياض هذه المسألة من أصول الفقه، وأصلها صلاة أهل قباء وتحويل وجوههم إلى القبلة لما بلغهم أنها حولت، وقد أوقعوا ما مضى من صلاتهم بعد نسخ القبلة (٣). كما استعرض اختلاف العلماء في الموت والعزل. وأشار إلى أن هذه القاعدة الخلافية تشتمل على عدة مسائل، وهي مبثوثة في كتب القواعد (٤). قاعدة: اختلف المالكية في القسمة: هل هي بيع أو تمييز حق (٥)؟ يرجع القاضي عياض منشأ هذه القاعدة إلى الاختلاف بين "المدونة" و"الأسدية" في مسألة الرجلين لهما ذكر حق بكتاب واحد، أو بغير كتاب

стр. 196

من بيع باعاه بعين أو ما يكال أو يوزن غير الطعام والإدام، أو من شيء أقرضاه من الدنانير، والدراهم والطعام، إلى آخر المسألة (١). قال عياض في تعليقه على هذه المسألة: قيل: إنما استثنى الطعام هنا من بيع, لأن إذنه له في الخروج لاقتضاء نصيبه مقاسمة، والمقاسمة فيه كبيعه قبل استيفائه. قاله ابن أبي زمنين وغيره. وفي قسمة "الأسدية" لمالك خلاف هذا، وهو أصل متنازع فيه، هل القسمة بيع أو تمييز حق، وقد أشار عياض إلى هذه القاعدة كذلك في كتاب "القسمة". قاعدة في الجوائح: قاعدة: اختلفوا في المستثنى: أهو مشترى أو باق على الملك، فإذا باع شجراً واستثنى ثمرتها، فهل يمنع من بيع المستثنى قبل قبضه أو لا؟ قولان ولا ضمان ها هنا على المشتري (٢). اختلف الفقهاء فيمن استثنى من الثمرة كيلاً فأجيح، بما يعتبر هل يوضع من المستثنى بقدره أم لا؟ إلى قولين: فروى ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم أنه يحط، وبه أخذ ابن القاسم وأصبغ بناء على أنه مشترى. وروى ابن وهب: أنه لا يحط بناء على أنه مبقى. فمنشأ الاختلاف في هذه القاعدة هو الاختلاف بين ابن القاسم وابن وهب في هذه المسألة، وأشار عياض إلى أن الخلاف في هذه القاعدة يرجع إلى ما قضى به عمر بن عبد العزيز لأم الحكم بنت عبد الملك بن مروان في ثمر حائط باعته واستثنت سبعة أوسق (٣).

стр. 197

قال عياض: قال بعضهم: وما قضى به عمر لأم الحكم بأن ما استثنته من حائطها المجاح لها، ولم يحكم بشمول الجائحة فيه، إنما يأتي على رواية ابن وهب عن مالك في ذلك، وعند ابن القاسم أنه ينتقص من الشيء بقدر ما يصيبها من الجائحة. ثم قال: الخلاف في هذا مبني على الخلاف في المستثنى من المبيع هل هو مشترى من المشتري أو باق على أصل ملك البائع؟ فإذا قلنا: إنه مشترى عمته جائحة الحائط، وأخذت بحظها منه. قاعدة في الشفعة: قال عياض: اختلف في الشفعة أهي على عدد الرؤوس أم على قدر الأنصباء؟ وقوله: "الشفعة على قدر الأنصباء، ليس على عدد الرجال" (١). هذا هو المعروف من المذهب (٢). والمخالف (٣) يقول: على عدد الرؤوس. قال المقري: في القاعدة (١٠٧٣): الشفعة عند مالك والشافعي مبنية على فائدة الملك، وعند أبي حنيفة على حكم الملك (٤). هذه القاعدة تبين أصل الاختلاف بين المالكية والحنفية في هذه القضية وما اعتمده كل فريق منهما، وإن كان عياض لم يشر إلى هذه القاعدة وإنما تحدث عن المضمون، وهذا النوع كثير في كتابه. قاعدة: سلف جر نفعاً: هذه القاعدة تتخلل الكثير من جزئيات البيوع التي يتقى فيها الربا, لأن السلف وجه من أوجه المعروف، ولا يقصد به إلا وجه الله.

стр. 198

وقد قال الناظم: القرض والضمان رفق الجاه ... يمنع أن ترى لغير الله وقد ذكر المقري هذه القاعدة فقال: شرع السلف للمعروف، ولذلك استثني من الربا ترجيحاً لمصلحة الإحسان بالمكايسة، على مصلحة اتقاء الربا، إذ من عادة الشرع تقديم أعظم المصلحتين على أدناهما، فإذا جر نفعاً بطلت مصلحة الإحسان بالمكايسة فبقيت مفسدة الربا سالمة عن المعارض فيما فيه الربا، وخالف الجميع مقصود الشرع في المشروعية، فبطل مطلقاً (١). قاعدة: الغلة بالضمان (٢): أشار القاضي عياض إلى هذه القاعدة في كتاب "العيوب" عند حديثه عن نص "المدونة" المتعلق بشراء الغنم وعلى ظهرها صوف يوجد بها عيب، فقال: وانظر قول أشهب: "في الصوف على ظهور الغنم المشتراة به يوجد بها عيب، النابت وغيره سواء، كل ذلك تبع ولغو، مع ما بيعت به من الضأن" (٣) كذا رويناه، وهو بيِّن. وفي بعض الروايات: من الضمان بزيادة ميم، أي: وهو من باب الغلة بالضمان. وهذه القاعدة قال فيها المقري: الأصل أن الخراج بالضمان، فإذا قبض غلة ما له غلة لم تمتنع الإقالة، إلا أن يكون صوفاً نبت عنده ثم جزَّه، هذا مذهب "المدونة"، أما إن اشتراه نابتاً فيجوز إن رده، أو مضى

стр. 199

بما ينوبه في الفوت، أو بمثله على القولين، فإذا صحت الإقالة لم يرد الغلة إلا بدليل كما في أحد القولين في "الغاصب" (١). قاعدة: هل الرد بالعيب نقض بيع أو ابتداء بيع ؟ أشار القاضي عياض إلى هذه القاعدة في كتاب "الاستبراء" ولخص أقوال العلماء فيها مبيناً منشأ الاختلاف، وناقشها مناقشة فقيه متبصر عالم بعلل الأحكام ومبانيها، فقال: قال مشايخنا: لا يختلف قول ابن القاسم وأشهب أن الرد بالعيب نقض بيع. وقال وهو يتحدث عن الجارية تباع فيجد المشتري بها عيباً فيردها: ولكن من حجة ابن القاسم أن يقول البائع للمشتري: أخذتها سليمة الرحم (٢) فردها كذلك، فإنك حزتها، ولا أدري ما أحدثت عندك. وقد ذكر بعضهم اضطراب ابن القاسم في هذا الأصل، وأشار اللخمي أنه اختلاف من قوله، وقول ابن القاسم في رد السمسار الجعل في المردود بعيب (٣)، يدل أنه عنده نقض بيع، وكذلك قال في كتاب "الصرف" إذا وجد الدراهم زيوفاً (٤). وقد أشار بعضهم إلى أنهما يختلفان، هل الرد بالعيب نقض بيع، أو ابتداء بيع (٥)؟ من هذه المسألة وغيرها، وهو بعيد في التخريج والاستقراء، وغير صحيح في النظر، وكيف يقال: إنه ابتداء بيع، وهو مما يكون غلبة وحكماً، وهل يوجد بيع ينعقد بالإجبار؟ وأما الرد فيصح بالإجبار، إلا أن

стр. 200

يقال: إن هذا إنما يعترض ويتصور من مسائل الرد بالعيب فيما تراضوا عليه، فهو ما لم يفصله أحد منهم ويبعد حتى الآن، من رده إنما رده على الوجه الذي يقتضيه الحكم ويوجبه إن اضطر إليه. وقد ذكر هذه القاعدة المقري (١) والقرافي (٢) (٣) ويترتب على الاختلاف في هذه القاعدة اختلاف في أحكام أخرى تابعة لها كالشفعة في المردود بالعيب، وضمان ما أتلف منه، ورد السمسار الجعل، والتفليس، ورد الغلة (٤). قاعدة: هل الإقالة بيع أم لا ؟ يرى القاضي عياض أن الإقالة بخلاف الرد بالعيب لأنها تقع بتراضي الطرفين، ولا يجبر عليها أحد، فهي التي يمكن أن يخرج فيها القولان وهما: البيع ونقض البيع، فقال: وأما الإقالة فنعم تلك التي يصح فيها تخريج القولين وتأويل العلتين، إذ هي بتراض من المتبايعين (٥). قاعدة: هل حكم السكوت حكم الإقرار ؟ قال عياض في كتاب "الصلح": وحكم السكوت حكم الإقرار على قولهما معاً. وقال ابن رشد في كتاب الدعوى في "الصلح": لا خلاف أن السكوت ليس برضى, لأن الإنسان قد يسكت مع كونه غير راض، وإنما اختلف في السكوت هل هو إذن أم لا؟ ورجح كونه ليس بإذن بقوله ﵇ في البكر: "إذنها صماتها" فدل ذلك على أن ذلك خاص بها (٦).

стр. 201

وقد جعل المالكية السكوت كالإقرار في أمور ذكرها الونشريسي في كتابه (١). وقال المقري: اختلف قول ابن القاسم في السكوت على الشيء هل هو إقرار به وإذن فيه أو لا؟ قال ابن رشد: والنفي أظهر (٢). وهذه القاعدة هي محل اختلاف بين العلماء، ففيها الاختلاف من حيث المبدأ كما أن حكمها يختلف باختلاف الأبواب الفقهية كذلك (٣). قاعدة: الأتباع هل هي مقصودة مراعاة أم لا ؟ قال عياض في مسألة جواز كراء البقرة واشتراط حلابها (٤): اعترضها سحنون ومن بعده، وأنها مخالفة عندهم لمنعه اشتراء لبن الشاة جزافاً. وأشار فضل وابن أبي زمنين إلى أنه خلاف من قوله، وعليه حملها أبو بكر بن عبد الرحمن، وبعض شيوخ القرويين، ووفاق لرواية أشهب عنه. وقد اختلفوا في مسألة البقرة المذكورة إذا انقطع لبنها هل يرجع بحصته من الثمن أم لا؟ وكل هذا بناء على الاختلاف في الأتباع، هل هي مقصودة مراعاة أم لا؟ (٥). وردت هذه القاعدة عند المقري بهذا اللفظ: اختلفوا في كون الأتباع مقصودة أو لا (٦)؟ إلا أن كلام عياض مهد للقاعدة قبل ذكرها مبيناً الذين اختلفوا فيها، فكان بذلك كأنه أصل لهذه القاعدة. هذه نماذج من القواعد المبثوثة في هذا الكتاب وهي كثيرة كقوله: هل

стр. 202

من البياعات ما هو بيع براءة وإن لم تشترط فيه أم لا؟ وهل يصح بيع البراءة وينتفع بها في كل شيء أو بعض الأشياء أو لا ينتفع بها جملة؟ وهل التسليم والتوفية حق على البائع بما يتم بيعه أم لا؟ ومن أصل ابن القاسم أن عواري الدواب لا تضمن. وكلما يجوز فيه الجعل تجوز فيه الإجارة، إذا ضرب لذلك أجلاً. وهل يرد ما حكم فيه، وإن وافق الحق؟ وهو الصحيح. أم يمضي، إذا وافق الحق ووجه الحكم؟ إلى غير ذلك من القواعد المعبر عنها بقوله: وهو على أصولنا، أو على أصل ابن القاسم، أو أصل أشهب. وقد يكون كتاب عياض هذا مع كتاب عبد الحق الصقلي: النكت هي من أهم الكتب التي أوحت إلى بعض علماء المالكية الاشتغال بفن القواعد الفقهية كالمقري والقرافي والونشريسي وغيرهم.

стр. 203

المبحث الثالث: ملاحظات تقويمية عامة يعالج هذا المبحث بشكل مباشر منهج القاضي عياض في كتاب "التنبيهات" على المستويات الثلاثة التي أثارها الكتاب، الرواية: والدراية، واللغة. وهو استكمال لدراسة منهجه في تناول تلك القضايا الثلاث الرئيسة، وتسجيل لبعض الظواهر والأوهام والملاحظات البادية للعيان. هذه الملاحظات يعود بعضها إلى طريقة المؤلف في التأليف والكتابة، والتعامل مع مادة كتاب "المدونة"، والأسلوب الفني في الكتابة ... ويرجع بعضها إلى المضمون العلمي للكتاب في بعض قضاياه وما يبدو أخطاء في الشكل والموضوع، ويتناول بعضها الآخر قضية المصادر في كتاب "التنبيهات" عامة ... ويستهدف هذا المبحث أساساً إثارة الانتباه إلى أن كتاب "التنبيهات" يضع بعض التساؤلات الملحة من حيث تحريره وتنقيحه في مضمونه وشكله؛ إذ يصعب التوفيق بين القول بأن المؤلف ألف كتابه قديماً وانتهى منه وروي عنه - كما سبق - وبين الواقع الذي ينطق به نص الكتاب في نسخه الصحيحة، بما في ذلك الأخطاء العلمية والنحوية واللغوية والإملائية والأسلوبية التي لا يصدق أحد أن مثل ذلك يصدر عن القاضي عياض العالم الموسوعي الرائد.

стр. 204

أولاً: أسلوب التأليف: يقصد بالأسلوب هنا طريقة التأليف والتعامل مع المادة العلمية للمدونة واقتباسها وتوظيفها وترتيبها، ثم أسلوب المؤلف وسبكه ومدى وضوحه ... ١ - مدى تناسق مادة الكتاب: شرح المؤلف مسائل "المدونة" على ترتيبها في الكتاب والباب، وهذا ما فرض عليه الخلط بين المواد اللغوية والحديثية والفقهية دون تمييز. هذا هو الأصل والغالب في الكتاب، وربما خالفه، غير أن هذه المخالفة قد يكون لها مسوغ، وقد لا يظهر وجه التسويغ. فمما له سبب وجيه في عدم التزام ترتيب "المدونة" ما في أول كتاب "الصلاة" عندما عقد مقدمة لبيان أركان الصلاة وأسمائها وأفعالها وأذكارها، فاضطر لتجاوز عشرات الصفحات ليحلل مثلاً مصطلح القنوت والتشهد ... فتراه يتنقل ما بين الصفحات ٥٥ إلى ١٠٣، ثم إلى ١٤٣، ثم إلى ٧٠، ثم يعود إلى ٥٧ من "المدونة" في جزئها الأول. ومن نماذج تصرفه هذا الذي له سبب مقبول، ما يرتكبه أحياناً كثيرة عندما يعالج مجموعة من المسائل ويناقشها فقهياً، ويؤجل الحديث عن العناصر الأخرى من التعريف بالأعلام وضبطها والشرح اللغوي، إلى آخر التحليل الفقهي، وربما قدم هذه على بحث المضمون، فمن ذلك اقتصاره على القضايا الفقهية الواردة في الصفحات من ٢٩٠ إلى ٣٠١ من الجزء الأول "للمدونة"، ثم رجوعه لشرح بقية المسائل الأخر، ومثاله أيضاً في الجزء الثالث بدؤه بمسائل الموضوع من الصفحات ٢٣٠ إلى ٢٣٨، ثم عاد على بدء لينساق مع بقية المسائل حتى الصفحة ٢٥٠، والأمثلة وافرة. إلا أن الذي لا يعرف مسوغه هو عندما يتجاوز المسألة بعد أن يعالج مسائل لصيقة بها، ثم بعد حين يفردها بالذكر في غير موقعها. من ذلك مسألة المشي أمام الجنازة وقعت في "المدونة" في الجزء الأول في الصفحة ١٧٧، وبعد شرح مسائل عدة بعدها إلى الصفحة ١٨٢ أفردها بالذكر هناك.

стр. 205

ومن ذلك أنه عندما تحدث عن إبان خروج السعاة للزكاة في "المدونة" (١) شرح لفظتين، حتى إذا أوشك على الانتهاء من مسائل الزكاة وقبل آخر مسألة وبين ثنايا مسائل زكاة الفطر الواقعة في "المدونة" (٢) أقحم مسألة إبان خروج السعاة لجمع الزكاة! ومن هذا أيضاً أنه ذكر اسم الراوي جعفر بن برقان في الحديث عن مسائل الجمعة حوالي الصفحة ١٥٤ من الجزء الأول، ولم يذكر اسمه في النسخة المطبوعة من "المدونة" إلا في الصفحة ١٧١، وكذا ذكر هناك أبا عبد الرحمن الحبلي وموقعه في الصفحة ١٦٧ من "المدونة". ومن الملاحظات الأخرى في هذا الباب ذكره لمسائل أحياناً لم ترد في الكتاب موضوع النقاش أصلاً، كذكر حكم حمام مكة إذا خرج عن الحرم في آخر كتاب الصيد، وهو في المطبوع من "المدونة" في آخر كتاب "الضحايا". وقريب من هذا شرحه لمسألة النظر إلى فرج المرأة عند الخلاف أوردها في آخر "النكاح الأول" في الجزء الثاني، وليست في "المدونة" هناك، وإنما هي في آخر "النكاح الرابع" في المطبوعة (٣). وقد أحال على محلها الصحيح وأعاد ذكرها هناك. وربما حمله على ذكرها هناك علاقتها بعيوب النساء - وهو هنالك - أو ربما تكون مكررة في بعض الروايات! فمثل هذا الخلط غير القليل يصعب تفسيره بهذا السبب أو ذاك، خاصة عندما ينقطع السياق وتقحم المسألة في غير محلها، هل هو من عمل المؤلف أو من تصرف غيره؟ وهل ثبتت بعض هذه المقحمات في أصله؟ وهل هي في متنه أو طرره؟ وإذا أضيف إلى هذا نوع آخر من الاختلاط والاختلاف فيما بين فقرات الكتاب، بحيث تقدم فقرة أو تؤخر عن موضعها، أو عندما يكون هذا الخلط داخل الفقرة الواحدة أو المسألة المنفردة - ولا يستقيم معنى الكلام إن لم يُعد ترتيبه - فمثل هذا التصرف

стр. 206

الواقع في بعض مواطن الكتاب وفي بعض النسخ أو في كلها أحياناً، لا بدّ أن يحمل على التفكير في طبيعة أصل الكتاب والمدى الذي بلغه المؤلف في تصنيفه، وسيأتي تفصيل هذا المشكل الأخير عند الحديث عن نسخ الكتاب. ٢ - تعامل المؤلف مع مادة المدونة: وجد المؤلف نفسه أمام كتاب مبسوط وأسلوب لا يعرف الاختصار، بل قد يعتريه الاستطراد، وفي كل مسألة سؤال يبسُطها، وربما استدل لها ووضع إشكالاً يرد عليها، ثم جواباً بالنفي أو الإيجاب، مع الدليل السمعي أو القياسي، وتفريعاً على أصل المسألة أحياناً. فإن رام القاضي عياض ذكر هذا كله اشتغل بما لا ينفع به، وإن صاغ المسائل بأسلوبه خرج عن مقصده، فالتجأ إلى سبيل وسط، مراعياً أحوال المسائل ومساقاتها، فقد يسوق كلام الأصل بحروفه، وقد يختصره، وقد يشير إليه. والغالب عليه الاختصار مع الإبقاء على جل كلمات الأصل إلا في حالات خاصة، كطول المسألة، أو افتراقها في الكتاب كما قال مرة في آخر كتاب "الحج": "وقع له هذا الكلام في وسط الكتاب في موضعين بأطول من هذا اللفظ في السؤال والجواب، وإنما اختصرته على المعنى". وبدهي أنه مضطر إلى التصرف في السياق بتغيير الضمائر وصيغ الأفعال ليناسب سياق المتكلم الشارح، فمثلاً جاء في "المدونة": "قلت لابن القاسم: أكان مالك يعرف التسبيح في الركعتين الآخرتين؟ قال: لا". وصاغه المؤلف كما يلي: "وقوله: لم يكن مالك يعرف التسبيح في الركعتين الآخرتين". وللوقوف على أسلوبه في الاختصار وضغط الكلام وأسلوب "المدونة" في التطويل، أورد هذا النموذج: جاء في "المدونة": "قلت: أرأيت هذا الذي فاته بعض صلاة الإمام فسلم الإمام وعليه سجدتا السهو بعد السلام، فسجدهما الإمام، فأمر مالك هذا أن يجلس حتى يسلم الإمام من سهوه،

стр. 207

ثم يقوم فيقضي: أيتشهد في جلوسه كما يتشهد الإمام في سهوه وهو يلبث حتى يفرغ الإمام ولم يقم؟ قال: لا، ولكن يدعو". اختصر المؤلف كل هذا في قوله: "وقوله في الكتاب: إن جلس فليدع ولا يتشهد". وقد يجد القارئ أحياناً نفسه أمام كلمات في نص "التنبيهات" مرصوفة متناغمة انتقاها المؤلف من نص طويل، فهذا السطر مثلاً لخصه المؤلف من ثلاثة عشر سطراً: "وقوله فيمن أسلم في طعام وأخذ به رهناً فهلك، لم يصلح أن يقاصه بقيمته من سلمه". ومن قبيل الاختصار لجوء المؤلف إلى دمج أكثر من فرع ومثال في فرع واحد. ومن عناصر أسلوبه في التعامل مع مادة "المدونة" - وهو نوع اختصار - الربط بين مواقع المسألة الواحدة في الكتاب أو بين المسائل المتشابهة أو حتى المختلفة ليتمكن من إظهار الخلاف ومناقشته، كما فعل عند ذكر مسألة الزيتون الذي له زيت إذا باعه صاحبه قبل عصره أن عليه إخراج ما كان يلزمه من زيت، وهذا في "المدونة" ٢/ ٣٤٢. وعطف عليها مسألة الجلجلان إذا كان قوم لا يعصرونه وإنما يبيعونه للذين يزيتونه للأدهان ... وهي في "المدونة" ٢/ ٣٤٩. وفي كتاب "الحج" ربط بين مسألة في الصفحة ١/ ٣٧١ بنظائرها في ١/ ٣٩٤ ثم بين أخرى في ١/ ٣٧١ بأخريين في ١/ ٣٩٢ و٤٥٥، وربط بين مسألة في ١/ ٣٨٩ وأخرى في ١/ ٤٥٦. هذا التصرف يقود إلى ظاهرة تتكرر كثيراً في الكتاب هي استحضار المؤلف مواقع المسائل في الكتاب على تباعد ما بينها، وهذا مثال: "وقوله في العبد المأذون إذا اشترى من يعتق على سيده: إنه يعتق عليه، قال ابن القاسم: إذا اشتراهم وهو يعلم. ثبت هذا في الكتاب الأول، وبينه هنا، وأطلق في الثاني عتقه. وحمل سحنون أن معنى ذلك: أنه اشتراهم بإذن سيده. وقد اختلف في مراعاة علمه، وفي كتاب "الرهون" في بعض

стр. 208

الروايات: يعتقون، علم أو لم يعلم. وفي الوكالات والقراض مراعاة العلم من غيره". ومن هذا الباب أيضاً إحالات المؤلف عند التحليل على كتب "المدونة" الأخرى أو أبوابها أو على ذات الباب أو على المسألة الفلانية في آخر الباب الفلاني أو بعد هذا بأوراق، وهذا أيضاً كثير في الكتاب. ويكاد المتأمل لتصرف المؤلف في نصوص ومسائل الكتاب يحس بأنه حافظ "للمدونة"، وذلك أنه أحياناً يورد نص "المدونة" الطويل مع بعض الاختلاف اليسير الذي لا يستلزمه الاختصار مما يوحي بأنما يورده من حفظه، وليس هذا غريباً؛ إذ قال عنه ابنه: "كان فقيهاً حافظاً لمسائل المختصر والمدونة قائماً عليها، حاذقاً بتخريج الحديث (كذا) من مفهومها ... " (١). ٣ - أسلوب المؤلف: الجرأة على نقد وتقويم أسلوب القاضي عياض في كتاب "التنبيهات" لا بدّ أن يفهم في الإطار المذكور سلفاً وهو ظرف تصنيف الكتاب ومدى تنقيحه أو عدمه، وإلا فبلاغة القاضي عياض وأدبه ولغته فوق كل تشكك، ومن يقرأ الباب الذي عقده في "بغية الرائد" (٢) فيما اشتمل عليه الحديث من ضروب الفصاحة وفنون البلاغة والأبواب الملقبة بالبديع في هذه الصناعة من لفظ رائق ومعنى فائق ونظم متناسب وتأليف متعاضد متناسق ... لا يسعه إلا أن يوافق الدكتور عبد الله الطيب في شهادته بأن هذا "من أنفس ما كتب في بابه، ويوشك أن يكون قد انفرد به بين أدباء العربية؛ إذ نظائره مما خصص الكاتبون فيه النقد لقطعة أدبية واحدة بعينها قليلة ... " (٣). وإذاً فما يلاحظ على أسلوبه قد يكون من عدم مراجعة الكتاب، وهو بالأساس لا

стр. 209

يرجع إلى صناعة الكتابة وقواعد البلاغة، وإنما هو خلل أقرب إلى تقنيات الاختصار وجفاف لغة الفقه. وأهم ما يثار في أسلوب كتاب "التنبيهات" الإبعاد بين المبتدأ والخبر، والشرط والجواب، وكثرة الجمل الاعتراضية، وضغط الكلام بشدة حتى لا يكاد يفهم أحيانا، والحيرة في مواقع الفصل والوصل، والمواقع المناسبة لوضع النقط والفواصل، والنقط الفواصل، ونقطتي القول، والحاجة إلى أدوات الربط. ولنقرأ أولاً هذا المثال: "وإجازة مالك بيع اللحم بالخيل والدواب، ومنع ابن القاسم بيعه بالضبع والهر والثعلب. واعتل بكراهة مالك للحومها وأنها عنده ليست كالحرام البين وللاختلاف في أكلها. ولم يقل هذا في الخيل وكراهةُ مالك للحومها على نحو ذلك، واختلافُ الصحابة والعلماء فيها معلوم؛ فذهب بعضهم إلى أن مذهب ابن القاسم في ذلك خلاف مذهب مالك، وأن الذي يأتي على مذهب مالك في المسألة الأولى الجواز في الجميع. وعلى مراعاة ابن القاسم الخلاف الجواز في الجميع". ومن النماذج القلقة في الكتاب هذا النص الذي كان المؤلف فيه بصدد ذكر رأي لأبي عمران الفاسي، ثم اعترض بجملة، ثم رجع لكلام أبي عمران فسبب في الغموض: "وأما أبو عمران فترجح في المسألة وقال: يحتمل الخلاف وغيره، وأن مسألة التي فرق فيها بين القرب والبعد تفسر الأخرى وتقضي عليها ومسألة الابن الغائب - يريد البعيد الغيبة - ومسألة التي قالت: لا أرضى؛ لأنها ردت الأمر وأبطلته - وقد جاءت في "سماع" ابن القاسم: ما وكلت وما رضيت، فلا تشبه المسائل الأخرى التي فيها الإجازة والرضى بالقرب - ويقول: وقوله - على هذا "مرة"، أي: لم يتكلم بهذا التفسير والبيان إلا مرة، وفي غيرها أجمل الجواب". فالجملة: "وقد جاءت في سماع ابن القاسم" إلى قوله: "والرضى بالقرب"، جملة معترضة. وقوله بعدها: "ويقول"، ضميره عائد على أبي عمران.

стр. 210

ومن النماذج التي يصعب فهمها إلا بعد الاستعانة بأدلة خارجية، هذا النص الذي إذا كتب معزولاً عن علامات الترقيم تعسر ضبطه: "وقوله في باب لعان الأخرس - وهو الأبكم في الذي ادعى الاستبراء حين ولدت لأدنى من ستة أشهر وقد لاعن للرؤية -: لا يلحقه الولد ويكون اللعان إذا قال ذلك والذي كان نفياً للولد كذا ثبت الواو عندي وفي أصول شيوخنا وأكثر النسخ وفي كتاب "ابن سهل" و"ابن عيسى" سقطت الواو في رواية قال أحمد بن خالد: إثباتها يدل أنه لعان ثان، كما قال أصبغ قال القاضي ويكون على هذا معنى ويكون اللعان إذا قال ذلك أي ويجب ويقع وهذا أحد معاني كان في لسان العرب ويبينه قوله في كتاب "ابن المرابط" ويلزمه مكان يكون ثم قال والذي كان نفياً للولد، أي: مع اللعان المتقدم الذي مضى للرؤية يكون هذا زائداً لنفي الولد خاصة وكان ها هنا على بابها في الماضي وقد تكون الواو على أصلها عاطفة أن بمجموع هذين اللعانين انتفى الولد". ومن الأمثلة الدالة على عدم تنقيح الكتاب قوله: "أرأيت إن جحد الذي عليه الدين أن لها أن تقيم البينة، دليل على أنها إذا أقر لا تقيم بينة". فمقصد المؤلف هو أن يقول: إن جحد الذي عليه الدين لها أن تقيم البينة. لكنه أبقى أداة الاستفهام، وذلك ما جعل معناه قلقاً. ولعل مثل هذا الغموض حمل مدون كتاب التقييد أو مؤلفه عندما نقل نصاً من "التنبيهات" على تجاوز موضع الشاهد وإدخال جزء من فقرة أخرى لا علاقة لها بالموضوع (١). وللتأكد من تعقد أسلوب المؤلف هذه موازنة بين نص لعبد الحق الصقلي في النكت، ومعه ما للمؤلف في شرح الفكرة ذاتها: قال عبد الحق: "إنما وجب أن يصدق التجار أن بين العبدين اللذين باعوا نكاحاً، وإن كان التجار كفاراً، لأنهم يقولون: إنما بعنا على أنهما

стр. 211

زوجان، فهو عيب باعوا عليه ونقص عليهم من أثمانهم، وليس ذلك من باب الشهادة". لخص المؤلف ذلك بقوله: " ... ووجه الشيوخ ما في الكتاب أنه من باب التبرئ ومن عيب الزواج، فلم يتهموا لا من باب الشهادة". ومن الدلائل على أن هذا الأسلوب يعتريه بعض النقص أن الرجراجي ﵀ في مناهج التحصيل - وهو كثير الاعتماد على المؤلف وقليلاً ما يعزو إليه الكلام - كان أحياناً يتصرف في نص "التنبيهات" بما يوضحه بالإضافة والنقص، ومن ذلك: قال المؤلف: " ... إنما أجاب في النكاح لا في الملك، لأن الملك لا حد معه وإن النكاح شبهة ملك يدرأ الحد بها، وقد يحتج بقوله: "وإن تعمداه، وهذا إنما يصح في الزوجين إذ أشار إلى الحد فيهما، وإلا فما وجه تثنيتهما". نقله الرجراجي هكذا: "إنه أجاب على النكاح دون الملك، لأن الملك لا حد فيه، وإنما الحد في النكاح، إلا أن النكاح في هذه المسألة شبهة تدرأ الحدود، ويحتج قائل هذا القول بقوله: وإن تعمداه، وذلك إشارة إلى الزوجين، وإلا فلا وجه للتثنية". قال المؤلف: "ويحتج إنما فعلت ذلك لرغبتي ... ". نقله الرجراجي: "ويحتج بأنه إنما فعلت ... ". هذا وسيأتي في أثناء الكلام على نسخ الكتاب مزيد بيان لهذه القضية؛ إذ توجد في كتاب المؤلف أوهام أخرى تصب في هذا الباب، مثل الأخطاء النحوية وغيرها. وقد يعجب المرء عندما لا يجد نصاً ولا إشارة لهذا الغموض، مع اعتماد الفقهاء عليه وتقديرهم لفقه مؤلفه، ولم أعثر إلا على جملة وحيدة

стр. 212

عند الفقيه النبيه القباب (١) في شرحه لقواعد المؤلف؛ يعني: "الإعلام بحدود قواعد الإسلام"، عندما ذكر في آخر كتاب "الحج" ما يأتي: "وكلام القاضي في غير هذا الكتاب كثيراً ما تأتي فيه الجمل الاعتراضية، وربما كان فيه تعقيد" (٢). فكأنه أشار إلى كتاب "التنبيهات"، وهو المظنون بالفقيه القباب الاعتناء به دون غيره من المؤلفات، ثم إن بقية مؤلفات القاضي عياض لا يعتريها مثل هذا الخلل، ولم يذكر محققوها من ذلك إلا يسيراً كما سيأتي. ٤ - مدى شمول "التنبيهات" للمدونة: خطاب مقدمة المؤلف واضح في رسم هدف الكتاب وفي تحديد نوع القضايا محل المعالجة، وهي القضايا الغامضة. ومن الصعوبة إحصاء نسبة المادة المدروسة من "المدونة"، وكذا نسبة المادة الفقهية إلى مثيلتيها الحديثية واللغوية. وأصعب من ذلك الموازنة بين ما قام به المؤلف وما أنجزه غيره من المتصدين للتأليف في موضوع الكتاب. وارتباطاً بهذا، هل كان المؤلف عندما يتجاوز بعض القضايا المحتاجة إلى بيان يضع في اعتباره أن السابقين قتلوها بحثاً؟ مثل هذه التساؤلات ترد عند الرجوع إلى "المدونة"؛ إذ يجد القارئ فيها كما لا بأس به، إن لم يكن كمًّا كبيراً من المسائل والأعلام والألفاظ المحتاجة إلى بيان وشرح وضبط. بل هذا في "المدونة" كثير جدًّا؛ فألفاظ مثل الخروبة (٣) والصيحاني والعجوة (٤) بحاجة إلى شرح، لا سيما وهي أسماء معروفة في المشرق، وقد لا تسمع في المغرب، والذي يلفت الانتباه في هذا قيام المؤلف غير ما مرة بشرح بعض ألفاظ دون غيرها مع اجتماعها في نص واحد، ومن أمثلة هذا: "قلت لمالك: أرأيت إن كان كله جعروراً أو مصران الفأرة، أيؤخذ منه أو يؤخذ

стр. 213

من وسط التمر؟ " (١). فإن المؤلف شرح الجعرور وترك مصران الفأرة. ومثل: "نظر النبيّ ﷺ إلى رجلين نذرا أن يمشيا في قرن، فقال: "حلا قرنكما" ... قال سحنون: ونظر النبيّ ﷺ إلى رجل يمشي إلى الكعبة القهقرى" (٢). فإن المؤلف شرح القهقرى وترك القرن. وكذا: "أرأيت جميع سباع الطير إذا علمت أهي بمنزلة البزاة؟ قال: لا أدري ما مسألتك هذه، ولكن البزاة والعقبان والزمامجة والشدانقات والسفاة ... " (٣). شرح المؤلف السفاة فحسب. ومن هذا الباب تجاوز المؤلف لمسائل خلافية دون تعليق، لا سيما والمخالفون ينتقدونها على المالكية، وإن كان هذا يخالف المنطق العام للكتاب في عدم الاهتمام بمسائل الخلاف (٤). وخلاصة القول: إن الصناعة التأليفية في الكتاب انتابها بعض النقص في الشكل والمضمون، وهذا النقص يصعب تحديد مرجعه وسببه بالضبط، وإن كان الراجح أنه من عدم التصحيح والمراجعة، وسيتعمق هذا الشعور بالنقص في النقطة التالية المتعلقة ببعض الهفوات العلمية في الكتاب. ثانياً: أوهام الكتاب: من غير الإنصاف عزو كل وهم في الكتاب إلى المؤلف، ولا سيما عند احتمال تسرب الخطأ من جهة ثانية، أو عندما تتعدد احتمالات الخطإ، كأن يأتي من الناسخ أو حتى من المؤلف نفسه لسبب غير مقصود مثل: الوهم وسبق القلم وزيغ البصر ... غير أنه لا محيص من الإقرار بورود أخطاء هي مما خطت يده دون غيره، ولا سيما عندما تجمع النسخ

стр. 214

الصحيحة - ومنها معارضة بأصل المؤلف - على أن هذا كان من كتابته، ويؤكد ذلك في الطرر والهوامش، بل ويتكرر هذا عشرات المرات. وإن المرء ليستغرب صدور تلك الهنات من قلم القاضي عياض وهي - قطعاً - هنات لم ينتبه إليها، ولا بد أن الأمر يتعلق بحالة خاصة تعتريه وهو يكتب، وربما كانت هي السرعة والخفة التي يكتب بها، فقد قيل عنه: إنه سريع الوضع، يدل على ذلك وجود أوضاع كثيرة وكتب عديدة يقصر عنها الحصر بخط يده (١). وقال عنه ابنه: هو من أكتب أهل زمنه (٢). وقال عنه: قوي الخط دقيقه (٣). فربما كانت هذه الدقة أيضاً السبب في بعض ذلك عندما ينقل النساخ من خطه فيخطئون، وقد سبق القول: إنه ترك كتابه "المشارق" في أنهى درجات التثبيج والإدماج والإشكال وإهمال الحروف (٤). قد يكون هذا مخرجاً، وإلا فمن يصدق أن القاضي عياضاً يرتكب أخطاء في النحو في باب الفاعل والمفعول والعدد وفي التعبير البسيط، وهو الذي ناقش طويلاً في "بغية الرائد" لغة "أكلوني في البراغيث"، واستعرض مذاهب النحويين فيها (٥). وتوقف وانتقد بعض الأخطاء في باب العدد (٦) حتى قال الدكتور عبد الله الطيب: "حديثه عن العربية في مفتتح شرحه لمسائل الحديث - يعني: حديث أم زرع - ربما يعيننا على تصحيح بعض أسطار باب العدد في الجزء الثاني من كتاب سيبويه" (٧). كيف أيضاً وهو اللغوي صاحب "المشارق"، الذي استفاد من تراثه اللغوي المجد الفيروزآبادي في القاموس، وابن الطيب الفاسي في سائر

стр. 215

مؤلفاته اللغوية، ومرتضى الزبيدي في "تاج العروس" والتادلي في "الوشاح" وغيرهم (١). وكيفما كان الحال فالأخطاء وقعت وثبتت، ويزيد من صحة ثبوتها عن المؤلف ورود مثيلاتها في بعض مؤلفاته الأخرى كما سنتأكد. والآن نستعرض بعض الأمثلة، وهي مختلفة ما بين أخطاء في المضمون، وأخرى في اللغة، وأخرى في الأعلام. أولاً: فمن أخطاء المضمون التي يمكن إرجاعها كلها إلى الوهم وسبق القلم: ١ - " ... بقوله تعالى: فعم الله المساجد". هكذا في النسخ، وإنما قصد المؤلف أن يقول: بقول مالك، وهو قوله في "المدونة". ٢ - قال: "قوله ﵇: فلا يخرج يوم الفطر حتى يطلع الفجر ... ". وهذا إنما هو من قول سحنون عقب به على حديث النبيّ ﷺ . ٣ - فسر المؤلف اسم "جَمْع" بأنها عرفة، وكذلك فسرها في "المشارق" مرة، وفسرها هناك بالمزدلفة أيضاً (٢)، وكذلك فسرها على الوجه الصحيح في "التنبيهات" بعد ذلك. ٤ - قال: "وقوله في التي أعتقت عبداً أخذته في صداقها وثلثها لا يحمله: إن لزوجها رده ... ظاهره أنه محمول على الجواز حتى يرده السيد، وقال عبد الملك: هو على الرد حتى يجيزه السيد". والصواب: حتى يرده ... حتى يجيزه الزوج. ٥ - قال: " ... وإن الذي يأتي على مذهب مالك في المسألة الأولى
следующие страницы →