← Фикх малики

Фикх малики · id 14253

التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة

القاضي عياض

Полный текст (2 448 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

زوجان، فهو عيب باعوا عليه ونقص عليهم من أثمانهم، وليس ذلك من باب الشهادة". لخص المؤلف ذلك بقوله: " ... ووجه الشيوخ ما في الكتاب أنه من باب التبرئ ومن عيب الزواج، فلم يتهموا لا من باب الشهادة". ومن الدلائل على أن هذا الأسلوب يعتريه بعض النقص أن الرجراجي ﵀ في مناهج التحصيل - وهو كثير الاعتماد على المؤلف وقليلاً ما يعزو إليه الكلام - كان أحياناً يتصرف في نص "التنبيهات" بما يوضحه بالإضافة والنقص، ومن ذلك: قال المؤلف: " ... إنما أجاب في النكاح لا في الملك، لأن الملك لا حد معه وإن النكاح شبهة ملك يدرأ الحد بها، وقد يحتج بقوله: "وإن تعمداه، وهذا إنما يصح في الزوجين إذ أشار إلى الحد فيهما، وإلا فما وجه تثنيتهما". نقله الرجراجي هكذا: "إنه أجاب على النكاح دون الملك، لأن الملك لا حد فيه، وإنما الحد في النكاح، إلا أن النكاح في هذه المسألة شبهة تدرأ الحدود، ويحتج قائل هذا القول بقوله: وإن تعمداه، وذلك إشارة إلى الزوجين، وإلا فلا وجه للتثنية". قال المؤلف: "ويحتج إنما فعلت ذلك لرغبتي ... ". نقله الرجراجي: "ويحتج بأنه إنما فعلت ... ". هذا وسيأتي في أثناء الكلام على نسخ الكتاب مزيد بيان لهذه القضية؛ إذ توجد في كتاب المؤلف أوهام أخرى تصب في هذا الباب، مثل الأخطاء النحوية وغيرها. وقد يعجب المرء عندما لا يجد نصاً ولا إشارة لهذا الغموض، مع اعتماد الفقهاء عليه وتقديرهم لفقه مؤلفه، ولم أعثر إلا على جملة وحيدة

стр. 212

عند الفقيه النبيه القباب (١) في شرحه لقواعد المؤلف؛ يعني: "الإعلام بحدود قواعد الإسلام"، عندما ذكر في آخر كتاب "الحج" ما يأتي: "وكلام القاضي في غير هذا الكتاب كثيراً ما تأتي فيه الجمل الاعتراضية، وربما كان فيه تعقيد" (٢). فكأنه أشار إلى كتاب "التنبيهات"، وهو المظنون بالفقيه القباب الاعتناء به دون غيره من المؤلفات، ثم إن بقية مؤلفات القاضي عياض لا يعتريها مثل هذا الخلل، ولم يذكر محققوها من ذلك إلا يسيراً كما سيأتي. ٤ - مدى شمول "التنبيهات" للمدونة: خطاب مقدمة المؤلف واضح في رسم هدف الكتاب وفي تحديد نوع القضايا محل المعالجة، وهي القضايا الغامضة. ومن الصعوبة إحصاء نسبة المادة المدروسة من "المدونة"، وكذا نسبة المادة الفقهية إلى مثيلتيها الحديثية واللغوية. وأصعب من ذلك الموازنة بين ما قام به المؤلف وما أنجزه غيره من المتصدين للتأليف في موضوع الكتاب. وارتباطاً بهذا، هل كان المؤلف عندما يتجاوز بعض القضايا المحتاجة إلى بيان يضع في اعتباره أن السابقين قتلوها بحثاً؟ مثل هذه التساؤلات ترد عند الرجوع إلى "المدونة"؛ إذ يجد القارئ فيها كما لا بأس به، إن لم يكن كمًّا كبيراً من المسائل والأعلام والألفاظ المحتاجة إلى بيان وشرح وضبط. بل هذا في "المدونة" كثير جدًّا؛ فألفاظ مثل الخروبة (٣) والصيحاني والعجوة (٤) بحاجة إلى شرح، لا سيما وهي أسماء معروفة في المشرق، وقد لا تسمع في المغرب، والذي يلفت الانتباه في هذا قيام المؤلف غير ما مرة بشرح بعض ألفاظ دون غيرها مع اجتماعها في نص واحد، ومن أمثلة هذا: "قلت لمالك: أرأيت إن كان كله جعروراً أو مصران الفأرة، أيؤخذ منه أو يؤخذ

стр. 213

من وسط التمر؟ " (١). فإن المؤلف شرح الجعرور وترك مصران الفأرة. ومثل: "نظر النبيّ ﷺ إلى رجلين نذرا أن يمشيا في قرن، فقال: "حلا قرنكما" ... قال سحنون: ونظر النبيّ ﷺ إلى رجل يمشي إلى الكعبة القهقرى" (٢). فإن المؤلف شرح القهقرى وترك القرن. وكذا: "أرأيت جميع سباع الطير إذا علمت أهي بمنزلة البزاة؟ قال: لا أدري ما مسألتك هذه، ولكن البزاة والعقبان والزمامجة والشدانقات والسفاة ... " (٣). شرح المؤلف السفاة فحسب. ومن هذا الباب تجاوز المؤلف لمسائل خلافية دون تعليق، لا سيما والمخالفون ينتقدونها على المالكية، وإن كان هذا يخالف المنطق العام للكتاب في عدم الاهتمام بمسائل الخلاف (٤). وخلاصة القول: إن الصناعة التأليفية في الكتاب انتابها بعض النقص في الشكل والمضمون، وهذا النقص يصعب تحديد مرجعه وسببه بالضبط، وإن كان الراجح أنه من عدم التصحيح والمراجعة، وسيتعمق هذا الشعور بالنقص في النقطة التالية المتعلقة ببعض الهفوات العلمية في الكتاب. ثانياً: أوهام الكتاب: من غير الإنصاف عزو كل وهم في الكتاب إلى المؤلف، ولا سيما عند احتمال تسرب الخطأ من جهة ثانية، أو عندما تتعدد احتمالات الخطإ، كأن يأتي من الناسخ أو حتى من المؤلف نفسه لسبب غير مقصود مثل: الوهم وسبق القلم وزيغ البصر ... غير أنه لا محيص من الإقرار بورود أخطاء هي مما خطت يده دون غيره، ولا سيما عندما تجمع النسخ

стр. 214

الصحيحة - ومنها معارضة بأصل المؤلف - على أن هذا كان من كتابته، ويؤكد ذلك في الطرر والهوامش، بل ويتكرر هذا عشرات المرات. وإن المرء ليستغرب صدور تلك الهنات من قلم القاضي عياض وهي - قطعاً - هنات لم ينتبه إليها، ولا بد أن الأمر يتعلق بحالة خاصة تعتريه وهو يكتب، وربما كانت هي السرعة والخفة التي يكتب بها، فقد قيل عنه: إنه سريع الوضع، يدل على ذلك وجود أوضاع كثيرة وكتب عديدة يقصر عنها الحصر بخط يده (١). وقال عنه ابنه: هو من أكتب أهل زمنه (٢). وقال عنه: قوي الخط دقيقه (٣). فربما كانت هذه الدقة أيضاً السبب في بعض ذلك عندما ينقل النساخ من خطه فيخطئون، وقد سبق القول: إنه ترك كتابه "المشارق" في أنهى درجات التثبيج والإدماج والإشكال وإهمال الحروف (٤). قد يكون هذا مخرجاً، وإلا فمن يصدق أن القاضي عياضاً يرتكب أخطاء في النحو في باب الفاعل والمفعول والعدد وفي التعبير البسيط، وهو الذي ناقش طويلاً في "بغية الرائد" لغة "أكلوني في البراغيث"، واستعرض مذاهب النحويين فيها (٥). وتوقف وانتقد بعض الأخطاء في باب العدد (٦) حتى قال الدكتور عبد الله الطيب: "حديثه عن العربية في مفتتح شرحه لمسائل الحديث - يعني: حديث أم زرع - ربما يعيننا على تصحيح بعض أسطار باب العدد في الجزء الثاني من كتاب سيبويه" (٧). كيف أيضاً وهو اللغوي صاحب "المشارق"، الذي استفاد من تراثه اللغوي المجد الفيروزآبادي في القاموس، وابن الطيب الفاسي في سائر

стр. 215

مؤلفاته اللغوية، ومرتضى الزبيدي في "تاج العروس" والتادلي في "الوشاح" وغيرهم (١). وكيفما كان الحال فالأخطاء وقعت وثبتت، ويزيد من صحة ثبوتها عن المؤلف ورود مثيلاتها في بعض مؤلفاته الأخرى كما سنتأكد. والآن نستعرض بعض الأمثلة، وهي مختلفة ما بين أخطاء في المضمون، وأخرى في اللغة، وأخرى في الأعلام. أولاً: فمن أخطاء المضمون التي يمكن إرجاعها كلها إلى الوهم وسبق القلم: ١ - " ... بقوله تعالى: فعم الله المساجد". هكذا في النسخ، وإنما قصد المؤلف أن يقول: بقول مالك، وهو قوله في "المدونة". ٢ - قال: "قوله ﵇: فلا يخرج يوم الفطر حتى يطلع الفجر ... ". وهذا إنما هو من قول سحنون عقب به على حديث النبيّ ﷺ . ٣ - فسر المؤلف اسم "جَمْع" بأنها عرفة، وكذلك فسرها في "المشارق" مرة، وفسرها هناك بالمزدلفة أيضاً (٢)، وكذلك فسرها على الوجه الصحيح في "التنبيهات" بعد ذلك. ٤ - قال: "وقوله في التي أعتقت عبداً أخذته في صداقها وثلثها لا يحمله: إن لزوجها رده ... ظاهره أنه محمول على الجواز حتى يرده السيد، وقال عبد الملك: هو على الرد حتى يجيزه السيد". والصواب: حتى يرده ... حتى يجيزه الزوج. ٥ - قال: " ... وإن الذي يأتي على مذهب مالك في المسألة الأولى

стр. 216

الجواز في الجميع، وعلى مراعاة ابن القاسم الخلاف الجواز في الجميع". تعقبه أبو الحسن الصغير بقوله: "في "التنبيهات" تصحيف في هذه اللفظة، وصوابه: منع الجواز في الجميع، ويدل عليه ما تقدم في صورة المسألة" (١). ثانياً: أما الأوهام التي في الأعلام فيمكن أن يرد بعضها إلى التصحيف لكن بعضها قد يكون من وهم المؤلف، ومنها: - "شرحبيل بن حسنة ... بفتح السين المهملة من اسم أبيه". يعني: "حسنة". وإنما هي أمه. - "محمَّد بن الشغيثي - بالغين المعجمة -، كذا عند ابن وضاح ... وصوابه بضم الشين وفتح الغين". والصواب فيه أنه بالعين المهملة. - "وأم قارظ بالقاف والظاء ... ". وكذا ورد اسمها في "المدونة"، لكن الصواب فيها: أم حكيم بنت قارظ. - "يحيى بن مسيك ... ". كذا في كل النسخ، والصواب في اسمه بحر بن مسيك، فلعله تصحيف. - "إياس بن جارية، بالجيم والباء باثنتين تحتها". كذا ضبطه المؤلف، وفي طبعة دار صادر من "المدونة" كذلك، وفي طبعة دار الفكر منها: حارثة. وإنما ذكره المترجمون؛ البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان باسم إياس بن خارجة. - "عيسى بن يونس الضبعي - بضم الضاد وفتح الباء - منسوب إلى بني ضبيعة". وقد ورد في سند حديث في "المدونة". وبالرجوع إلى مظان الحديث تبين اقتصارهم في اسمه على عيسى بن يونس دون نسبة، والراجح أنه عيسى بن يونس السبيعي، وإسناد الحديث يؤيد هذا ... - "يزيد بن أبي أنيسة ... ". والصواب: زيد.

стр. 217

وفي الكتاب نماذج أخرى في هذا الباب، لكنها أوهام حفيفة .. ثالثاً: أما الأوهام التي تعود إلى الأسلوب فهي أنواع: * منها: اللغوي: مثل قوله: - "الضورة، بضم الضاد ... ". وإنما هو الظؤرة - بالظاء المعجمة -. * ومنها: النحوي - وهو كثير - من أمثلته: - "والكسوف والخسوف، قيل: هما بمعنى، ويقالا في الشمس والقمر". - " ... وقيل أيضاً: رصدت في الخير وأرصدت في الشر، وقيل: يقالا فيهما جميعاً". - " ... وأن بينهما بالأندلس اختلاف بيَّن وأغراض مختلفة". - " ... وبالوجهين ذكرهما الدارقطني". وقصده: ذكره. ومثل هذا تكرر غير مرة. * ومن أمثلة الأخطاء التعبيرية قوله: - "وقد يكون هذا جواباً لمسألة ابن القاسم في العبد الذي خرج فضل الخلاف منها". لعل الصواب: التي خرج ... - "شرط في القول بإجازة الدخول عليها أن يكون معها من يتحفظ بها". لعله: من يتحفظ منها، أو منه. ومما يقطع بأن هذه الأخطاء من سبق القلم تكرر العبارات ذاتها في الكتاب على الوجه الصواب وأحياناً في الصفحة الواحدة، بل في الفقرة الواحدة. غير أن ثبوتها بقلم المؤلف لا شك فيه أيضاً، فبالرجوع إلى مؤلفات القاضي عياض الأخرى تبين أن هذه القضية لا تخص كتاب "التنبيهات"، بل ذلك في "المشارق" و"الشفاء" وغيرهما أيضاً. والعجب من ثبوت هذه الأوهام في نسخة المؤلف من "المشارق"، وقد ألفه قديماً وقرئ عليه كثيراً وسمعه منه - كما قال -: "من العالم ما لا يحصى كثرة. ولا

стр. 218

أقف على منتهى أعدادهم" (١). قال هذا وهو قاض بغرناطة حوالي سنة ٥٣٢ هـ وبقي يسمع عليه بعد ذلك لا شك، وإنما قال ذلك بعد أن نبهه أحد طلبته لخطأ لغوي في الكتاب اعترف به المؤلف وصححه ... ومع هذا فبقيت في أصله أخطاء أخرى كثيرة احتفظت بها نسخة يحيى بن أحمد النفزي المشهور بالسراج (٢) المقابلة على أصول صحيحة معارضة بأصل المؤلف (٣) ومنها أصل ابن رشيد السبتي الذي يبدو أنه كاتب إحدى نسخ "التنبيهات" ... ومن النماذج المعزوة إلى أصل المؤلف من أوهام في الكتاب: - "وقال: والتابعون لهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه". وفوق الكلام: كذا "ع". وهو رمز القاضي عياض. وفي الطرة عن ابن رشيد: أن هذا ما في أصل المؤلف. والصحيح: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ ... " (٤). - "وفيه عشرة فصول". وفي الطرة عن ابن رشيد: عشر. وقال: كذا لأبي الفضل (٥). - "وفيه عشرة فصول". قال السراج: الصواب خمسة ... (٦). - "إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن". في الطرة عن ابن رشيد: بخط المؤلف: رؤية (٧).

стр. 219

ومن أوهام المؤلف في الرجال هناك: - "أبو عمر بن الفخار". والصواب فيه: أبو عبد الله محمَّد بن عمر بن الفخار (١). - "أبو عيسى عن يحيى". والصواب: ابن أبي عيسى عن عبيد الله بن يحيى عن يحيى بن يحيى (٢). وربما كان نصيب مثل هذه الهفوات في "المشارق" أهم، لا سيما والمؤلف تركه - كما سبق - في أعلى درجات التثبيج وإهمال الحروف ... ومن نسخه المخطوطة التي قد تكون مرجعاً في هذا نسخة بخزانة القرويين مختلطة الأوراق يبدو أنها معارضة بأصل المؤلف، ولم أتمكن من تصفحها، لكن في طررها كثير من "التنبيهات" على ما في الأصل، وفي آخر السفر الأول منها ملاحظة مما يقرأ منها: " ... فهو تنبيه على أنه كذلك وقع في أصل المؤلف ... " (٣). ولم يسلم المطبوع من الكتاب من بعض هذا، وبعض ذلك مما نبه عليه في هوامشه، ومن ذلك: - "دلوك الشمس: ميلها للزوال لجهة المشرق". وفي الهامش: بهامش الأصل: "صوابه المغرب" (٤)، وهو كذلك. - "أبو جعفر ... ". وفي الهامش: "الصواب: أبو الوليد" (٥). ومن الأوهام النحوية غير المنبه عليها، وهذه لا يصح الزعم بأنها من المؤلف: " ... وقيل: الثوب يكون لكميه كمين آخرين" (٦).

стр. 220

- " ... واليوم الذي قبله يوم القر، لأن الناس قارين به نازلين بمنى" (١). والخلاصة أنه قد يكون للقاضي عياض ﵀ نصيب من هذا الخلل في كتبه فيما يرجع إلى الخط وطريقة الكتابة. وللوقوف على مدى ورود هذا الاحتمال وجدنا المؤرخين يختلفون في وصف خطه؛ فابن جابر الواد آشي (٢) يقول عنه: "كان بارع الخط المغربي، سريع الوضع، يدلّ على ذلك وجود أوضاع كثيرة وكتب عديدة يقصر عنها الحصر بخط يده" (٣). وهذا يشهد له قول محمَّد بن عياض: "مليح القلم، من كتب أهل زمانه" (٤). ويشهد له بصيغة غير مباشرة هذا الشعر للقاضي عياض نفسه: لَمحبرة تجالسني نهارا ... أحب إلي من أُنس الصديق ورزمة كاغَذ في البيت عندي ... أحب إلي مِن حِمل الدقيق (٥) ومن الشواهد لهذا أيضاً ما سجله المقري عن خطه، إذ قال: "كان بارع الخط المغربي، وقد وقفت على خطه ﵀ فرأيت خطاً رائقاً ... وكتب مع ذلك كتباً كثيرة بيده" (٦). وهذا هو الظن بالقاضي عياض المحقق الضابط، وهو القائل أيضاً: خير ما يقتني اللبيب كتاب ... محكَم النقل متقَن التقييد

стр. 221

خطَّه عارف نبيل وعانا ... هـ فصَحّ التبييض بالتسويد لم يخنه إتقان نقط وشكل ... لا ولا عابه لَحاق المزيد فكأنَّ التخريج في طرتيه ... طرر صُففت ببيض الخدود (١) غير أن هذا كله يعارضه واقع لا يرتفع متمثل فيما خطته يمين المؤلف مما فيه إشكال كبير، كحال كتاب "المشارق"، ومخطوطات "التنبيهات" - خاصة منها المعارضة بأصل المؤلف - خير دليل على هذه الإشكالات التي نبه عليها الناسخ، من قبيل الأخطاء النحوية والإملائية، وتصريحه أحياناً بأن بعض الكلمات تصعب قراءتها. ومن ذلك أيضاً ما ذكر أحد نساخ كتاب "الشفاء" الذي قابل نسخته على أصل المؤلف فذكر أنه بذل جهداً كبيراً في المقابلة والتصحيح لوجود حواش وتخريجات، وفي الخاتمة بياضات لم تتأت قراءتها (٢). فهل ترجع هذه الأخطاء إلى سرعة كتابة المؤلف؟ أو إلى دقة كتابته؟ فقد قال عنه ابنه: "كان حسن الضبط، صحيح العقل (كذا، ولعله: النقل)، قوي الخط دقيقه" (٣). أو لأن المؤلف لم يتمكن من مراجعة هذه الكتب التي تنتابها الأخطاء لسبب أو لآخر؟ فلنستحضر مثلاً الملاحظة التي أكد فيها ابنه محمد أن كتاب "الحج" من "التنبيهات" لم يؤلفه أبوه إلا بعد أن أنهى كتاب "التنبيهات"، ثم دفعه لبعض الطلبة، فضاع منه أغلبه، فشغلت المؤلف فتن الزمان عن تحبيره. ولنلاحظ أيضاً أن أصله من "الشفاء" كان بفاس، وذكر الرحالة ابن جبير: أنه قابل نسخته بأصل المؤلف في فاس، والذي كان أكثره بخطه، وهي مبيضته التي حررها وأظهرها وقرئت عدة مرات عليه (٤).

стр. 222

وكذلك حصول الطراز الغرناطي على أصله من "المشارق"، وإخراجه إياه، هل كان ذلك بغرناطة؟ وكذلك كون بعض أجزاء مؤلفاته لم تكن بخطه، كيف يمكن تفسير كل هذا؟ إن نهاية المؤلف المأساوية أيضاً، وغموض أيامه الأخيرة لا يساعد على الإجابة على السؤال عن مصير مكتبته، فإنه - وإن كان مفهوماً من كلام ابنه عن مؤلفاته ومبيضاته ومسوداته وبطاقاته أن ذلك وقع تحت يده - لكن يبدو أن المؤلف أيضاً اصطحب معه في استقدامه من سبتة إلى مراكش بعض مؤلفاته أو جلها، ثم لا يدرى مصيرها بعد وفاته بمراكش! فقد قال أبو القاسم بن الملجوم: "اجتاز علينا القاضي عياض عند انصرافه من سبتة قاصداً إلى الحضرة (مراكش)، زائراً لأبي بداره عشية الإثنين الثامن لرجب سنة ٥٤٣، وفي هذه العشية استجزته وسألته عن نسبه ... " (١) ويدل على ذلك أيضاً أنه ذكر في الغنية وفاة شيخه ابن العربي، وقد توفي سنة ٥٤٣ هـ بعد نفي القاضي عياض إلى مراكش (٢). وكيفما كان الحال، سيبقى افتراض وقوع الأوهام في أسلوب القاضي عياض وفي خطه وارداً إلى حين بروز نموذج من خطه في كتبه التي قيل: إنه انتهى منها وسمعت عليه، ثم في المؤلفات التي لم يتمها ولم ترو عنه، ولم يظهر حتى الآن هذا النموذج ... وأختم هذا بما قال تلميذ المؤلف عبد الرحمن بن القصير لما وجد في "الشفاء" من نسخته المنقولة عن أصل عليه خط المؤلف قوله: "ودعيا لي بخير"، فكتب في الطرة: كذا كان في المنتسخ منه. والصواب: ودعوا لأنه من دعوت، قال الله تعالى: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ (٣). ولا شك أنه من الناسخ الغلط، وأما المؤلف ﵀ فإنه كان أرفع من أن يقع في مثل هذا، بل

стр. 223

كان من المستبحرين في فنون جمة، وكان خطه بالقراءة عليه في الأصل الذي انتسخت منه، والسماع يفلت منه كثير للمستمع والمقروء عليه، ويندرج في لفظ القارئ بالخفي (١) (كذا).

стр. 224

قسم التحقيق القسم الأول: تحقيق الدكتور محمد الوثيق

стр. 225

النسخ المعتمدة ومنهج التحقيق في السفر الأول: أولاً: مضمون السفر الأول من الكتاب: يحتوي هذا السفر على الكتب الستة والثلاثين الآتية: ١ - كتاب الوضوء والطهارة. ٢ - كتاب الصلاة الأول. ٣ - كتاب الصلاة الثاني. ٤ - كتاب الجنائز. ٥ - كتاب الصيام. ٦ - كتاب الاعتكاف. ٧ - كتاب الزكاة الأول. ٨ - كتاب الزكاة الثاني. ٩ - كتاب الأيمان والنذور. ١٠ - كتاب الضحايا. ١١ - كتاب الذبائح. ١٢ - كتاب الصيد. ١٣ - كتاب الأشربة. ١٤ - كتاب الجهاد.

стр. 226

١٥ - كتاب الحج. ١٦ - كتاب العتق الأول. ١٧ - كتاب العتق الثاني. ١٨ - كتاب المُكاتَب. ١٩ - كتاب التدبير. ٢٠ - كتاب أمهات الأولاد. ٢١ - كتاب الولاء والمواريث. ٢٢ - كتاب النكاح الأول. ٢٣ - كتاب النكاح الثاني. ٢٤ - كتاب النكاح الثالث. ٢٥ - كتاب الرضاع. ٢٦ - كتاب إرخاء الستور. ٢٧ - كتاب طلاق السنَّة. ٢٨ - كتاب الأيمان بالطلاق. ٢٩ - كتاب التخيير والتمليك. ٣٠ - كتاب الظهار. ٣١ - كتاب الإيلاء. ٣٢ - كتاب اللعان. ٣٣ - كتاب الصرف. ٣٤ - كتاب السَّلَم الأول. ٣٥ - كتاب السَّلَم الثاني.

стр. 227

٣٦ - كتاب السَّلَم الثالث. ثانياً: ترتيب أبواب الكتاب بين النسخ: نسخ الكتاب لا تتفق كلياً في ترتيب هذه الأبواب. والترتيب المعتمد هو ترتيب النسخة المرموز لها بحرف "ز" المعارضة بأصل المؤلف، وتوافقها في ذلك النسخ المرموز لها بحروف "ق" و"ح" و"م". وتوافقها في الترتيب النسختان "ل" و"ط"، إلا أنهما قدمتا السَّلَم على الصرف، لكن في "ط" قُدِّم السَّلَم الأول ثم بيوع الآجال، ثم السَّلَم الثاني ثم الثالث. وتوافقها النسخة "س"، إلا أنها وضعت أحكام العبيد بعد كتاب "الحج"، وبعدها أحكام الأسرة ثم السلم فالصرف. بينما تنفرد النسختان "خ" و"ع" بغياب كافة كتب أحكام العبيد إلى السفر الثاني من الكتاب، وتوافقان النسخة "ز" في بقية التراجم إلا أنهما قدَّمتا السَّلَم على الصرف. وهكذا، فهذه النسخ التسع تقدم لنا النص في خمس صور مختلفة دون إمكان تحديد السبب الحقيقي وراء هذا الاضطراب: هل هو من المؤلف أو من النساخ؟ وهذا الاختلاف يسبب أحياناً بعض البلبلة عندما ترد إحالات في الكتاب على ما مضى أو ما يأتي، فيحتار القارئ. وهو مشكل آخر ينضاف للمشاكل والتساؤلات السابقة عن مدى حقيقة انتهاء المؤلف من كتابه. وإذا كان الترتيب المتبع في هذا البحث اقتضاه ترجيح النسخة المعارضة بأصل المؤلف، فإنه مع هذا ومن خلال نص الكتاب ذاته، توجد دلائل قوية على تأخير أحكام العبيد إلى النصف الثاني من الكتاب كما في النسخة "خ" ومعها "ع"، ويتجلى هذا في إحالة المؤلف في كتب العبيد المختلفة على كتب وقعت في السفر الثاني، فإذا وضعنا كتب أحكام العبيد

стр. 228

في السفر الأول سببت هذه الإحالات في نوع من الاضطراب. - ففي العتق: "وقد نبهنا على اختلاف لفظه هناك" - يعني: في الوصايا -. - وفيه: "وقد تقدم الكلام عليها مستوعباً في الرهون". - وفي كتاب "المكاتب": "وقد بيناه في السلم الثاني". - وفي كتاب "أمهات الأولاد": " ... ومثله في كتاب "الشهادات"، وقد تكلمنا عليه هناك". أحال عليه ثلاث مرات. وهذه الكتب المحال عليها وقعت كلها في السفر الثاني، ولا يتصور أن يحيل عليها كلها بهذه الصيغة وهو لم يصلها بعد، وإن كان يمكن مثل ذلك عند المراجعة والتنقيح (١). أما انفراد النسخة "س" بوضع أحكام العبيد بعد العبادات وقبل أحكام الأسرة فمما يعارضه بعض الإحالات كذلك من قبيل قول المؤلف في كتاب الأيمان بالطلاق: "وسيأتي من هذا في العتق". أما النسخ التي قدمت السلم على الصرف، فإن ما في كتاب السلم من إحالات المؤلف على كتاب الصرف لا يساعدها، ومن ذلك: - قال في السلم: "وقد تكلمنا عليها في كتاب الصرف". - وقال فيه: "قد مر كلام فضل ... في كتاب الصرف". - وفيه أيضاً: "وقد مضى مثله في الصرف". وربما سبب هذا الاختلاف بلبلة كذلك في تحديد مبتدأ ومنتهى الأجزاء في النص، إذ المؤلف جزأ كتابه عشرة أجزاء كما ذكر ابنه (٢) وكرره المقري (٣). وعند التلفيق بين النسخ أمكن تحديد بعض هذه المعالم الخاصة

стр. 229

بالسفر الأول: فالجزء الأول: من أول الكتاب إلى آخر الجنائز كما نص عليه هناك في النسخ "ز" و"ع" و"ح" و"م". والجزء الثاني: يبتدئ بالصيام وينتهي بانتهاء الحج، وهذا ما في آخر الجنائز في النسختين "م" و"ح"، وفي "ط" في آخر الحج: تم الجزء الثاني. غير أن في النسخة "خ" في آخر الجهاد وقبل الحج: تم الجزء بحمد الله وعونه. ولعل هذا له علاقة بما وقع لكتاب الحج عند المؤلف من تأخير تأليفه. أما الجزء الثالث: فنصَّت النسخة "ز" على ابتدائه في أول النكاح. وأما الجزء الرابع: فنصَّت النسخة "ز" كذلك على ابتدائه في أول الرضاع. وأما الجزء الخامس: فلم تنص أي من النسخ على مبتدئه، لكن في النسخة "خ" من آخر اللعان: انتهى الجزء الخامس. وعدا هذا، فلا يوجد نص ولا إشارة يفيدان في تحديد بقية الأجزاء في هذا السفر الأول. ثالثاً: وصف النسخ: يوجد عدد لا بأس به من نسخ السفر الأول، أذكر المعتمد منها أولاً: ١) نسخة الخزانة الحمزية رقم ٣٨٥، ورمزها حرف الزاي "ز": هذه النسخة لم يذكرها الشيخ المنوني ﵀ في فهرسته للخزانة، وذكرها في مقال له في مجلة جامعة القرويين (١)، وقال عنها: مجلد غير مرتب. غير أن في بعض الفهارس القديمة للخزانة الملحقة بالفهرس المذكور ذكراً للكتاب وأنه في جزءين، وكذلك في دفتر مقيدة فيه أسماء الكتب

стр. 230

يوجد بمقر الخزانة. إلا أن الموجود من النسخة مجلد واحد من القطع الصغير لم أحص أوراقه، إلا أنها تناهز ١٦٠ ورقة، ومعدل مسطرتها نحو ٣٠ سطراً في الصفحة. والنسخة كثيرة الخرق بالسوس، وفيها طمس غير يسير، واختلاط كثير، مبتورة في عدة مواضع أولها: مقدمة الكتاب، إذ سقطت مقدمة المؤلف وشيء يسير من مقدمة كتاب الوضوء والطهارة، وهو تقريباً أربع صفحات من قياس ٢١ × ٣١ سنتيمتراً. ثم سقط منها بعد ذلك في كتاب "الوضوء والطهارة" وكتاب "الصلاة" ما عبر به بعضهم - وليس الناسخ - في آخر صفحة قبل السقط بهذه العبارة: بقي هنا كراس. وهو نحو ثلاثين صفحة بالقياس المذكور. ثم سقط منها من آخر الزكاة الأول إلى آخر الحج، وكتب في أول السقط بغير خط الناسخ أيضاً: بقي بينه وبين ما يقابله كراستان، وهو نحو ٦٥ صفحة. ثم فقد سائر السفر الثاني من الكتاب إلا يسيراً. وهذه النسخة في غاية الأهمية لأمرين: أولهما: أنها عورضت بأصل المؤلف كما أثبت ناسخها في آخر السفر الأول، إذ قال: "انتهت المعارضة بأصل المؤلف وبخطه ... ". الثاني: أن الناسخ في غاية من الضبط والتحري، وهذا الناسخ لم يعرِّف بنفسه فيما وجد من النسخة، لكن في إحدى الطرر بخطه ما يلي: "يقول محمَّد بن رشيد: رأيته في نسخة قديمة من "المدونة" ... ". ووجدت في لحق في النسخة بتوقيع أحد علماء الزاوية الحمزية اسمه سالم، مما ورد فيه ما لعله: "وهذا لا يحتمل أن يخفى على ابن رشيد سيد الخطاطة". وبالبحث عن هذا الشخص تبين أن ممن يُعرفون بذاك الاسم غير واحد:

стр. 231

أ - محمد بن رشيد بن عيسى بن باز أبو عبد الله: توفي بعد ٦٠٠ هـ، ترجم له ابن الأبار (١) وابن عبد الملك (٢). ب - محمَّد بن رشيد بن عيسى اليحصبي: المتوفى ٥٥٣ هـ، ترجم له ابن الأبار (٣). غير أن هذين لم يذكر عنهما شيء من العناية بالكتابة والخط والنسخ. جـ - محمَّد بن محمَّد بن رشيد: ذكره ابن القاضي وحلاه بالفقيه الكاتب، "كتب في حضرة أبي عنان المريني، وكتب بعده لجملة من بني مرين، قال ابن الأحمر في حديقته: رأيته بفاس، وكان حسن الخط بارعه، ابن مقلة زمانه. إلا أنه لم يكن عنده عربية، فكان إذا أمر السلطان بكتب الملوك ينشئها الفقيه المدرس ... أبو القاسم عبد الله بن يوسف المالكي ... ويضبطه بالإعراب ويعطى للكاتب ابن رشيد فيكتب (٤) ... ". د - محمَّد بن عمر بن رشيد السبتي أبو عبد الله المحدِّث الفقيه الرحالة، اشتغل بدراسة الفقه، واهتم بالكتابة والمقابلة، وهو أديب خطيب بليغ محدث سيد محدثي المغرب، صحيح النقل، أصيل الضبط، توفي ٧٢١ هـ (٥). وقد يكون هو المقصود، فإنه الأعرف والمعروف بهذا الشأن، يقول الشيخ محمَّد المنوني: "لمع في المغرب المريني طبقة من المصححين للكتب العلمية، منهم: محمَّد بن رشيد السبتي ... ترد الإشارة له في مخطوطة من رسالة "عجالة المبتدئ" في أنساب رواة الحديث للحازمي،

стр. 232

أصلها مصحح بخط ابن رشيد، وعنه نقلها ناسخها ... ومختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل لابن الحاجب بتصحيحه، حيث وقع اعتماد أصله في نسخة قوبلت من فرع الأستاذ أبي عبد الله الطرسوني الذي قابله من أصل ابن رشيد، قصيدة حرز الأماني للشاطبي، بخط يحيى السراج، اعتمد فيها أساساً رواية ابن رشيد، مخطوطة الشفا للقاضي عياض، نسخة يحيى السراج أيضاً (١) ... ". فابن رشيد السبتي محدِّث كبير وأديب معروف، أما ابن رشيد الأول فلا يتجاوز إتقان الخط، بينما يهتم ناسخ "التنبيهات" بما وراء الخط من الضبط والتصحيح والترجيح والإضافة أيضاً. هذا ولم أوفق في العثور على نموذج لخطه، وفي أعلام الزركلي عند ترجمته له نموذج منه غير واضح (٢)، وقد ذكر الدكتور محمَّد بن شريفة أن خطه محفوظ بإحدى نسخ برنامج الرعيني اشتراها الزركلي من مراكش (٣). ومن أهم ما يميز عمل ابن رشيد في هذه النسخة: معرفته الدقيقة بخط المؤلف، ومن ذلك ما كتب أول كتاب الصيام: "من هنا ابتدأ الجزء الثاني الذي ليس بخط المؤلف، وظهر لي أنه بخط ابنه محمد بن عياض بن موسى ﵀". وهمَّش في آخر "الحج" وكتب: "إلى هنا بخط ابن المؤلف ﵀"، ثم ذكر أن ما يلي هو بخط المؤلف. ومن ذلك ما في إحدى الطرر: "كان في أصله بخطه: ... وكتب بخط آخر فوقه: ... ولم أتحقق أنه خطه". ومنه: "بخطه، ثم رد: ... بخط محدث".

стр. 233

ومن دقته في وصف الكلمات وأشكالها: "كذا معاداً عليه بمداد آخر، ويشبه أن تلوح الميم تحته خفية". ومن ذلك أنه يرسم الكلمات المشكلة كما هي، وينبه على ذلك، مثل أن يقول: "كذا بخطه، وصورته مشكلة"، ويحتفظ برسوم الكلمات كما كتبها المؤلف، مثل: لسيما، أصطوانها ... ولذلك قال في آخر السفر الأول: " ... وما كان فيه من مشكل كتب على أقرب صورة إليه". ومن عمله في التصحيح إثبات ما يعتقده صحيحاً في المتن ممرضاً عليه بعد أن يثبت ما في الأصل في الطرة، منبهاً على أن ذلك ما بخط المؤلف، وقد قال في آخر السفر الأول: " ... فما كان فيه من لحن كتب على حاله". ومنه أنه عندما يجد سقطاً لا محيد عنه لاستواء السياق يثبته منبهاً على أنه: "سقط من خط المؤلف، ولا بد منه". وهو أيضاً يستحضر نسخاً أخرى ويوازن بينها وبين ما في أصل المؤلف كما في قوله: "في بعض النسخ: به، ولم يثبت بخط المؤلف". ومما يمتاز به أنه - كما يبدو - يستبدل قوله: قال المؤلف ﵀ بما في أصل المؤلف - ولعله: قال القاضي. وذلك بوضع قوله: "المؤلف ﵀" بين دائرتين صغيرتين علامة على أنه من زيادته، ويكتب فوق ذلك حرف "ض" كأنه رمز للقاضي أو لعياض. وقد يعيد حرف الضاد في الطرة مصححاً عليه ... وفي الواقع، فإن دراسة خط هذه النسخة - وهو أندلسي - وطريقة ضبطها ووفرة علامات الضبط في متنها وطررها الغنية ورموزها، والالتزام الشديد بما في الأصل، قد يعطي نموذجاً للمنهج الصارم في تطبيق قواعد علماء الحديث في أصول الرواية. ٢) نسخة خاصة مأخوذة عن مصورة الدكتور محمد المختار ولد أباه، ورمزها حرف الخاء "خ".

стр. 234

هي ثاني أهم وأصح نسختين بعد النسخة "ز"، وهي نحو ١٦٠ ورقة من القطع الكبير، معدل أسطرها ٢٤ سطراً، وفيها مضمن السفر الأول من الكتاب كاملاً، ما عدا الكتب المتناولة لأحكام العبيد، وفيها يسير أيضاً من السفر الثاني. هذه النسخة غير منقوطة في الغالب الأعم، إلا أنها حقاً نسخة صحيحة وإن لم يرد فيها ما يصرح بأصلها ولا بتاريخها، حتى يخيل للقارئ أحياناً أنها إما نقلت عن أصل المؤلف أو عن أصل منقول عنه. والطرة الوحيدة التي فيها بعض الدلالة ما نصه: "هذا في الحاشية بخطه". ومثل هذا كثير جداً في النسخة "ز". لكن في هوامش النسخة "خ" كثير من الطرر غير المصرحة، مثل: "صححه". وكذلك: "انظره وحققه". وفوق هاتين الإحالتين حرف الضاد. وبالمقارنة بين ما فيها هنا وما في "ز" نجد الإحالتين هناك وفوقهما أن المؤلف كتب ذلك. وفيها أيضاً كثير من الطرر والرموز هي نفسها وردت في هوامش "ز". وفي هوامشها أيضاً علامات ورموز ومعلومات لا توجد في النسخة "ز"، وهذا ما يدعو إلى الموازنة بين النسختين: فمن الأمارات على تقارب النسختين أو أصلهما - وهذا كثير وهو الأصل - أخطاء تتحدان فيها، مثل هذه العبارة: "قوله: لأن الحاكم هنا ينوب مناب الزوج إذا امتنع، وينفذ عليه الطلاق". علم الناسخان فيهما على وجود تقديم وتأخير في قوله: "ينوب هنا"، ثم في قوله: "الطلاق عليه". غير أن الاختلافات بين النسختين ليست يسيرة: فمن ذلك السقط، فكلاهما فيها سقط كلمة أو كلمات أو أسطر، غير أن ذلك في "خ" أكثر، وإن كان غالبه نابعاً عما يسمى بانتقال نظر الناسخ. ومن ذلك فيما يبدو أن ما حوق عليه في أصل المؤلف لا ينقله ناسخ

стр. 235

"ز"، بينما يكتب في "خ" محوقاً عليه، ومن ذلك فقرة طويلة في آخر "النكاح الأول". ويقع الخطأ فيهما، وينبه عليه في "ز" على أنه في أصل المؤلف، ولا ينبه على الخطأ من أصله في "خ"، وهذا كثير. وقد يقع الخطأ في أصل "ز" ويصلحه الناسخ، ولا وجود للخطإ في "خ"، وهذا أيضاً وافر. وينبه ناسخ "ز" على سقوط كلمة في أصل المؤلف، ويصلحه الناسخ باقتراح كلمة، فترد تلك الكلمة في "خ" دون تنبيه عليها ... وهذا نموذج خاص: - في "ز": "قال ابن عيينة ... ". وكتب الناسخ في الحاشية: "درس في الأصل". - وفي "خ" مكان "ابن عيينة": "قال أبو محمَّد". والصحيح في هذا الاسم أبو عبيد، لأنه نقل عنه شرحاً لغوياً. وكرر المؤلف النص والنقل عنه في "المشارق"! ٣) نسخة خزانة القرويين رقم ٣٣٣، ورمزها حرف القاف "ق": وهي نسخة تامة يتكون السفر الأول منها من نحو ١١٠ أوراق من الحجم الكبير بمسطرة ٣٥ سطراً، ومجموع أوراقها ١٩٦، نسخت سنة ٧٨٦ هـ، وهي بخط مغربي صحيح تام به تلاش يسير كما قال في فهرس القرويين (١). هذه النسخة ذات خصوصيات تنفرد بها، وهي أقرب النسخ إلى الصحة وإلى النسختين الأصليتين السابقتين "ز" و"خ". وأهم ما يميزها تصرف ناسخها وتدخله في النص بالزيادة والنقص،

стр. 236

وهذا أحياناً يساعده على تجاوز النقص الحاصل في أصل المؤلف من سقط وتعقد أسلوب. وأحياناً أخرى يؤديه إلى الخروج عن الصواب، وهو في كلا الحالين متجرئ عندما تصرف في الأصل ولم يكتف بالتنبيه على الخطأ في الهامش، ولذلك انفردت النسخة بأخطاء لا توجد في غيرها، فهو أحياناً يصحح بتبديل الكلمات أو بطرحها، وأحياناً يصححها بإقحام حروف عليها، وأحياناّ يخرِّج إلى الزيادة التي يزيدها. وقد يكتب على بعض الألفاظ الزائدة حرف الزاي، وقد ينبه في الحاشية إلى أن في نسخة أخرى كلمة مغايرة ... ومن المميزات الناتجة عن تدخل المؤلف قلة الأخطاء النحوية الكثيرة في النسخ الأخرى، ومن أمثلة ذلك: - في كل النسخ: "أو يكون استقباله (الإمام) لأول قعوده مستحب استعداداً لقيامه وواجب عنده". - وفي كل النسخ أيضاً: "فوجه الربا إنما هو في دفع الأكثر، فتجتمع العلتين". وهاتان العبارتان وردتا في النسخة "ق" بالوجه الصحيح. وغير هذا من الأخطاء كثير جداً يتبين عند قراءة فروق المقابلة في النص. ومن نماذج تصحيحاته في المضمون: - "إذا طلقها الأول لا يبرئها حملها من الآخر". - في النسخة "ق": " ... لا يبرئها وضع حملها ... "، وهو الظاهر. - "كان مالك مرة يقول: ليتأخر الذي له السلم إلى إبانها (الثمرة) من السنة المقبلة، هذا قول، ولا تجوز المحاسبة ... ". - في ق: " ... هذا قوله الأول"، وسياق "المدونة" يؤيد ما في النسخة "ق". والناسخ يضيف أحياناً نصوصاً من "المدونة" أو من غيرها ... ومن تصحيحاته الأسلوبية التي تتضح بالمقارنة هذا النص:

стр. 237

- ففي الأصول: "ظاهره أنه ليس من نساء أهل الجزية". - وفي ق: "ظاهرها أنها متى كانت ليست من نساء أهل الجزية ... " وقد يخطئ في هذه التصحيحات أيضاً، وأخطاؤه ليست قليلة، فمن ذلك: - في النسخ: " ... والعجمي الذي قد أجاب. قال: سحنون أدخل: "قد أجاب". ". حاول الناسخ أن يقومها كما يلي: " ... قال سحنون: إذا دخل قد أجاب". وهذا غير صواب. ومن الأخطاء المحيلة للمعنى ما يأتي: - ففي النسخ: "وقوله اللخمي". - كتبه الناسخ: "وقال اللخمي". - ومن ذلك هذا النص فالذي في النسخ: " ... وثبت هنا ذكر مالك فيها في كتاب "ابن عيسى"، وهي في الكتاب الثاني ببينة عن مالك. وقوله في كراهية إنكاح أمهات الأولاد محتمل لإجبارهن ... ". - صاغها الناسخ كما يأتي: " ... وهي في الكتاب الثاني مبينة عن مالك في كراهية إنكاح ... ". فقد اعتقد أن الكلام متسلسل، بينما المؤلف انتقل إلى مسألة أخرى، ولكي يستقيم له النص ويتوافق مع فهمه أسقط: "وقوله"، وأضاف ضمير الغيبة إلى "كراهية"! فهذه نماذج من هذه النسخة التي فيها إيجابيات وسلبيات مجتمعة، غير أن الثقة بها في نسبة كل ما فيها إلى المؤلف متضعضعة بسبب عدم احترام منهج النقل، وكلام الناس حبس كما قيل!

стр. 238

فهذه ثلاث نسخ متميزة، وهي المعتمد الأول في المقابلة، وإن كان المعتمد حقيقة هما الأصلان الأولان، ولذلك طال الحديث عنها، أما سائر النسخ فأهميتها أدنى من ذلك بكثير. ٤) النسخة ٣٣٥ من خزانة القرويين، ورمزها حرف السين "س": منها: السفر الأول حتى أواخر السلم بخط مغربي ضيق، في كاغذ متلاش كثير الخرق بالسوس، عارية من تاريخ النسخ، عدد أوراقها ٩٠، ومسطرتها ٤١ سطراً (١). ٥) النسخة ٣٨٤ ق المحفوظة بالخزانة العامة بالرباط، ورمزها حرف العين "ع": يوجد منها السفر الأول، وتنتهي في آخر بيوع الآجال في ٢٠٢ ورقة، بمسطرة ٣٣ سطر اً. ٦) نسخة الخزانة الحمزية رقم ٣٣١، ورمزها حرف الميم "م": يوجد منها السفر الأول حتى آخر السَّلَم في ١٧٣ ورقة بمسطرة ٢٥ سطراً، وهي نسخة بخط أندلسي جميل غليظ، نسخها أحمد بن سعيد بن أحمد الأنصاري بفاس سنة ٦٥٣ هـ، وفي أولها تمليكان. غير أن جمال هذه النسخة أفسده - على ما يبدو - انتساخها من أصل غير صحيح. ٧) نسخة خزانة القرويين رقم ٣٣٦، ورمزها حرف اللام "ل": وهي كاملة في سفرين: أولهما ينتهي بكتاب الصرف، في أوراق عددها ١١٥، ومعدل أسطرها ٣٠، وهي متلاشية جداً، وعليها تمليك وتحبيس ... وصف خطها في فهرس القرويين بأنه أندلسي جيد (٢)، إلا أن الواقع أن جله مطموس، كما أن قيمتها لا تكاد تظهر، بل يغلب عليها الخطأ.

стр. 239

٨) نسخة الخزانة الحسنية رقم ٥٣٤، ورمزها حرف الحاء "ح": وهي تامة في ٢٠٢ ورقة. قال الشيخ المنوني في وصفها: في مجلد من حجم طويل بخط دقيق يتخلله بياض، نسخت سنة ١٢٨٦ هـ برسم الأمير مولاي العباس العلوي، نسخها محمد بن عبد الهادي بن محمد العربي الصنهاجي المكناسي المتوفى ١٣٢٩ هـ/ ١٩١١ م (١). ٩) نسخة الخزانة الحسنية رقم ٩٨١٨ ورمزها حرف الطاء "ط": وهي كاملة تقريباً، ينتهي السفر الأول ببيوع الآجال، في نحو ١٠٤ أوراق، وكتب هناك اسم مالكها عبد العزيز الدادسي السجلماسي. وهذه النسخة لم تعتمد في المقابلة إلا في كلمات معدودة. واختصاراً للكلام، فإن هذه النسخ مجتمعة تتفاوت في الصحة، غير ألا واحدة منها قوبلت وصححت على أصل صحيح، ولا إحداها سالمة من التصحيف والتحريف الشديد والسقط الكثير والاختلاط في الأوراق والمتن وأنواع أخرى من الأخطاء والتصرفات ... بقي أن أذكر نسخاً أخرى من السفر الأول لم أطلع عليها، وهي: ١٠) نسخة خزانة القرويين رقم ٣٣٤، وهي تامة وبخط مغربي متلاش جداً، كاد أن يندثر، نسخت سنة ٦٧٨ هـ في ١٢٧ ورقة، معدل أسطرها ٣٨. هذه النسخة مذكورة في فهرس القرويين (٢)، غير أنها ضاعت كما يقول القائمون على الخزانة. (١١ - ١٢) ذكر بروكلمان نسختين في الإسكوريال (٣).

стр. 240

(١٣ - ١٤) وذكر أيضاً نسختين في توبنجن (١). ١٥) يوجد في خزانة ابن يوسف بعض أجزاء الكتاب (٢). ١٦) ذكر الدكتور محمد المختار ولد أباه نسخة من السفر الأول في خزانة أسرته (٣). ١٧) ذكر الأستاذ محمد المختار السوسي نسخة من السفر الأول مبتورة الأول نسخت عام ٩٧٩ هـ في خزانة تاتلت (٤). ملاحظات عامة: بعد هذا، وربطاً بما سبق في هذه الدراسة، يبقى التأكيد على أمور واضحة تنتاب الكتاب، ومنها: - الاختلاف في بعض الفقرات تقديماً وتأخيراً، وهذا ملاحظ بكثرة في أول الكتاب، وأحياناً قطع الفقرة الواحدة ثم إتمامها بعد كلام لا علاقة له بها ... وسبقت الإشارة إلى هذه الملاحظة، وأمثلتها بارزة عند الرجوع إلى فروق المقابلة. - البياضات والفراغات المتعددة في الكتاب المنبه على ورودها في أصل المؤلف، بل ينبه المؤلف أحياناً القارئ إلى تحقيق المسألة، ويتوقف الكلام أحياناً عند الجواب على شرط أو ذكر مضاف ... - انفراد بعض النسخ بما لا يوجد في غيرها من كلمات وجمل وعبارات لا يدرى إن كانت أصلية أو من زيادة النساخ.

стр. 241

ومن هذا مقطع عزاه إلى "التنبيهات" الشيخ خليل في التوضيح، والشيخ الرهوني في حاشيته، دون أن يرد في أي نسخة من النسخ التي اطلعت عليها. - ومما قد يزكي هذا التوجه الذي هو عدم الانتهاء من التأليف إحالات المؤلف على بعض المصادر الأخرى وتوصيته للقارئ بالتأمل والتحقق، ومن نماذج ذلك: انظر "النوادر" - صحح قوله من نوازله - انظر قول من قال: هو وفاق - انظر في كتاب "محمد والمختصر". صححه، وانظر في "المدنية والمبسوطة والواضحة" وخ. والمؤلف بالمناسبة يستعمل رموزاً لم يمكن فكها مثل: انظر "الظهار والنذور" ش ع م خ - محرز ص ز د - انظر قول القابسي في كتاب ش وصححه - ينظر ويحقق، وانظر ق ... رابعاً: منهج التحقيق: ١ - المقابلة: صرفت جل العناية إلى هذا العنصر لعلاقته بتوثيق النص لا سيما والنص - كما مر - تنتابه مشاكل. واقتضت قواعد المنهج أن تجعل النسخة "ز" هي النسخة الأم للاعتبارات المذكورة سلفاً من كونها قوبلت بأصل المؤلف واحترمت فيها القواعد الدقيقة للضبط. وهكذا أثبت كل ما فيها في المتن مهما كان خطأ لغوياً أو نحوياً أو إملائياً أو أسلوبياً، وإن كان ذلك قد يقطع حبل تفكير القارئ ويستفزه، ثم أثبت في الهامش ما في بقية النسخ ولو كان بادي الصحة والرجحان، وحاولت أن أرجح الوجوه الصحيحة في النص وإن كان يصعب الترجيح في كثير من الأحيان لاحتمال النص لأكثر من وجه في أساليب العربية وبلاغتها ونحوها. لكني أثبت في المتن أيضاً ما أضافته النسخة "خ" باعتبار أصحيتها وأهميتها - كما سلف - واضعاً إياه بين معقوفين [] وذلك لاحتمال السقط في النسخة ز - وهو واقع - أما عندما يكون السقط من النسخة خ وغيرها فأضعه بين قوسين () تمييزاً له عن

стр. 242

السقط في النسخة الأم. أما ما لم يرد في هذين الأصلين فأكتفي بإثباته في الهامش إلا عند غياب النسخة "ز" فربما أثبت في الصلب ما ليس في غير النسخة "خ" لا سيما وفيها سقط متكرر. واعتباراً لأهمية الأصلين ز وخ أثبت منتهى صفحاتهما في النص المحقق ولم أفعل ذلك إلا بالترقيم بالصفحات لغياب أصل النسخة "خ"، ثم لأن النسخة ز اختلطت أوراقها اختلاطاً كثيراً فآثرت أن أذكر ذلك بالصفحات متبعاً ترتيب الصفحات تبعاً للوجه الصحيح وعلى ما عليه النص لا على ما هي عليه النسخة من اختلاط، ثم تتابع الترقيم متسلسلاً دون انقطاع وإن انقطعت النسخة ووقع فيها السقط في الأماكن المشار إليها من قبل ... وكذلك تابعت بين صفحات النسخة "خ" عند وقوع السقط الأساسي فيها بسقوط محور أحكام العبيد ... هذا ولم أُعن كثيراً بإثبات كل سقط في غير هاتين النسختين، كما لم ألتزم بإثبات كل الفروق الواردة في غيرهما، بل محوت الكثير منها بعد ما أثبته، بينما حاولت أن أثبت جميع الفروق الواردة في الأصلين مهما كانت تافهة ... واعتنيت بالفروق الواردة في النسخة "ق" بدرجة أدنى. وكذلك يدخل في المقابلة ملاحظة نصوص الكتاب وما في "المدونة"، وإن تسامحت كثيراً في وضع العلامات الحاصرة المزدوجة " " حول النص بالرغم من الاختصار والحذف والتصرف فيه ما دام المعنى لم يتغير ... ٢ - التخريج والتوثيق: عملت على تخريج النص القرآني والحديثي واللغوي وترجمة الأعلام البشرية والجغرافية ... مع الاهتمام بالتوثيق من مصادر المؤلف أولاً - إذا كانت متوفرة - ثم من سائر المصادر الممكنة: المصادر: أغلب مادة الدراسة مستقاة من كتاب "التنبيهات" نفسه ثم من كتب المؤلف الأخرى. أما التحقيق فتتقدمها مصادر الفقه ثم مصادر الحديث

стр. 243

والرجال ثم اللغة. والأسلوب المتبع في الغالب البحث عن المادة في المصادر الأصلية: أ - ففي توثيق النصوص الفقهية تصدّر اللائحة مجموعة من الأصول التي لم يتيسر غيرها فاعتبرت بمثابة المصادر الأصلية لاحتوائها مادة هذه الأمهات المفتقدة، ويذكر هنا في المقام الأول كتاب "النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات" الذي احتفظ بنصوص مجموعة من المصادر أغلبها في حكم المفقود مثل "الواضحة والموَّازية والمختصر والمجموعة". وأمكن الرجوع مباشرة إلى مصادر أساسية للمؤلف كـ "المقدمات الممهدات"، و"البيان والتحصيل" لابن رشد و"المنتقى" للباجي، ومنها مصادر المدرسة المالكية بالعراق كـ "التفريع" لابن الجلاب، و"المعونة والتلقين والإشراف" للقاضي عبد الوهاب. ثم تأتي بعد هذا مجموعة من مصادر المؤلف أمكن الرجوع إلى بعضها في نسخها المخطوطة مثل: "التبصرة" للخمي و"الجامع" لابن يونس و"تهذيب الطالب والنكت والفروق" لعبد الحق الصقلي و"تهذيب البراذعي" و"مختصر أبي مصعب الزهري" و"مختصر ابن زيد القيرواني". ثم كانت الاستعانة بمصادر تأخرت عن زمن المؤلف لكن فائدتها كبيرة في الإسهام في توثيق النص وزيادة الثقة به لالتزامها بالنقل من الأمهات واحتوائها كثيراً من النصوص، ومثل ذلك: "التوضيح" للشيخ خليل و"مناهج التحصيل" للرجراجي و"التقييد" للزويلي و"حاشية الرهوني". وأسهمت المصادر الثلاثة الأخيرة بشكل مباشر في بيان نص "التنبيهات" في كثير من نصوصه التي تضمنتها، وخاصة "حاشية الشيخ الرهوني" لالتزامه بالنقل الحرفي والضبط في ذلك. وكان من وراء التكثير من المصادر والإحالات هاجس إمكان الخطأ في النص والتوثق ما أمكن من صحة ما نقل في الكتاب. هذا وتختلف طريقة الإحالة على المصادر المخطوطة ما بين محال عليه بتعداد الأوراق وآخر بأرقام الصفحات، كما أن الإحالة على "المدونة"

стр. 244

التزمت فيه ذكر الجزء والصفحة والسطر أيضاً. ولم أذكر صفحات الإحالة على كتاب "النكت" لعبد الحق الصقلي بسبب اعتمادي على نسخة مرقونة غير منتهية أنجز تحقيقها الباحث الدكتور مراد حشوف بكلية الآداب بالرباط، كما لم أذكر صفحات الإحالة على الجزء الثاني من مختصر ابن أبي زيد لاختلاطه وانطماس أوراقه. ب - أما مصادر الحديث، فالطاغي على الكتاب مصادر الرجال والتراجم، وقد أمكن الرجوع إلى كل مصادر المؤلف تقريباً إلا ما ندر، وهي أمهات في الفن مثل: كتب البخاري وابن أبي حاتم وابن ماكولا والدارقطني ... واكتفيت في تخريج الأحاديث بالعزو إلى المظان لا سيما عندما يخرج النص في الكتب الصحاح، وإلا بحثت عنه في المصادر الأخرى وعن أقوال أهل الفن فيه، وفي بقية تراجم الأعلام كانت المصادر والمراجع حسب كل مترجم وتخصصه وأقرب المصادر إليه، فكان التعامل، تبعاً لهذا، مع كثير من مصادر تراجم الفقهاء وتراجم اللغويين والنحويين ... وكان المصدر الأساس في تراجم علماء وفقهاء الغرب الإسلامي كتب أهل الأندلس والمغرب مثل: ابن حارث، وابن الفرضي، وابن بشكوال، والمالكي، وأبي العرب، والقاضي عياض ... واقتصرت في الترجمة لأهل الحديث على الضروري مما يعرف بالمترجم كذكر الاسم وتاريخ الوفاة ثم الإحالة على المصادر ما دام لا يوجد من وراء الترجمة بحث عن حكم ولا جرح أو تعديل. ولأن المؤلف غالباً ما يورد أسماء الأعلام بقصد ضبطها، إلا إن ورد في سند متصل فأبحث عن الاتصال وعمن نص على رواية الراوي عن شيخه. واعتنيت بأكثر من هذا بفقهاء المذهب لا سيما المغمورين. ج - وكذلك أمكن الرجوع إلى كثير من مصادر المؤلف في اللغة مثل: كتب "العين" و"الجمهرة" وكتب "الغريب" لأبي عبيد وابن قتيبة والخطابي. بينما لم يتيسر الوصول إلى بعضها الذي هو في حكم المفقود - كما رأينا في مرويات المؤلف اللغوية - فاستعيض عن ذلك بالأمهات

стр. 245

المعتمدة كاللسان والتاج والقاموس ... وقد أورد المؤلف كلمات معدودة المعاني لم أقف عليها في هذه المصادر ... أدعو الله جلّ وعلا وتقدس، أن ينفعني بما علمني ويزيدني علماً، وأن ينفع بهذا العمل، وأن يجعله في ميزان حسناتي، وأن يرضى عن آبائي وشيوخي، وأن يجمعنا مع شفيعنا ونبينا محمَّد بن عبد الله ﵊، آمين والحمد لله رب العالمين.

стр. 246

القسم الثاني: تحقيق الدكتور عبد النعيم حميتي

стр. 247

النسخ المعتمدة ومنهج التحقيق في السفر الثاني الجزء الثاني يبتدئ بكتاب بيوع الآجال وينتهي بكتاب الجراحات والديات. ونظراً للاختلاف الموجود في بعض النسخ فيما يتعلق بنهاية الجزء الأول وبداية الجزء الثاني، فإنني اتفقت مع زميلي الأستاذ محمَّد الوثيق على الاعتماد على تقسيم النسخة الحمزاوية، ورمزنا لها بحرف (ز)، وينتهي فيها الجزء الأول بكتاب السلم الثالث. بما يعني أن الجزء الثاني يبتدئ بكتاب بيوع الآجال، وهذا موافق لنسخة الجامع الكبير بمكناس التي رمزت لها بحرف (ع)، ومما شجعنا على اعتماد التقسيهم الموجود في (ز) أننا وجدنا في آخر الجزء الأول ما يلي: كمل الجزء الأول من التنبيهات المستنبطة، والحمد لله حق حمده وصلوات الله على خير خلقه. ويتلوه كتاب بيوع الآجال بحول الله تعالى. وبجانب هذه الكلمات الدالة على ختم الجزء الأول، كتب: انتهت وعرضت بأصل المؤلف وبخطه فما كان فيه من لحن كتب على حاله ... مع كلمات أخرى غير واضحة. ربما تدل على أنهم إذا أرادوا أن يصلحوا شيئاً أو يصوبوه فإنهم يصححون ذلك في الهامش تاركين كلام المؤلف على حاله. النسخ المعتمدة: ١ - نسخ الخزانة الملكية بالرباط: النسخة الأولى برقم: ٥٣٤ وهي في مجلد كبير بخط مغربي جيد، ويبتدئ الجزء الثاني منها

стр. 248

بكتاب السلم الثاني، وقد سقطت منها بعض الصفحات في الكتب الأخيرة أشرت إلى مكانها في التحقيق، وفيها بعض البياضات في بعض الصفحات لكنه قليل، وهذه النسخة جيدة في عمومها، وقد نسخها الفقيه الخير السيد محمد ابن الفقيه المرحوم السيد الهادي الصنهاجي، الذي كتبها للعباس بن محمد، وقد فرغ من نسخها في أواسط عام: ١٢٨٦ هـ. وقد اعتمدت على هذه النسخة في التحقيق ورمزت لها بحرف: ح. النسخة الثانية برقم: ٩٨١٨ وهي في مجلد واحد، وهي ناقصة من الأول، ومن الآخر، خطها مغربي جيد، وبها خروم كثيرة، وتحتاج إلى ترميم، ولا تسمح إدارة الخزانة بإخراجها للقراء، لكنهم سمحوا بإخراجها لنا لمدة ثلاثة أيام، قابلنا بينها وبين النسخة السابقة فلم نجد بينهما فرقاً كبيراً، وأشرت إلى بعض فروقها في التحقيق ورمزت لها بحرف: ط. ٢ - نسخ القرويين بفاس: نسخة برقم: ١١٩١ وهي نسخة في مجلد ضخم بخط أندلسي عار من اسم الناسخ، وتاريخ النسخ: عام: ٨١١ هـ. وتبدأ بكتاب تضمين الصناع، وتنتهي بكتاب الجنايات. نسخة برقم: ٣٣٣ وهي في مجلد تام بخط مغربي شبه متلاش في أوله، وقد وقع الفراغ من نسخها في جمادى الأولى عام: ٧٨٦ هـ، على يد الناسخ: ابن أحمد بن إسحاق السوماتي، وهذه النسخة من أحباس سيدي الشريف محمد بن السلطان. وهذه النسخة هي التي اعتمدت عليها في التحقيق، ونقلت نصها وقابلتها بالنسخ الأخرى، واعتمدت ترتيب كتبها. ورمزت لها بحرف: ق.

стр. 249

نسخة برقم: ٣٣٦ وهي في مجلدين، متوسطين، يتضمن كل منهما جزءاً، الأول بخط أندلسي جيد، تاريخ نسخه، ٦٨٧ هـ. على يد ابن سعيد البركاني. والثاني يبدأ من البيوع إلى آخر الكتاب. نسخة برقم: ٣٣٤ وهي في جزء تام بخط مشرقي جيد في ورق متلاش، تاريخ نسخها ٦٧٨ هـ، بخط محمد بن عبد العظيم. ٣ - نسخ الخزانة العامة بالرباط: - نسخة برقم: ١٢٤٨ م هذه النسخة مصورة على الميكروفيلم وأصلها بالجامع الكبير بمكناس ورقمها: ٢٨٠ م، ويوجد بها الجزء الثاني ويبتدئ ببيوع الآجال، وهي غير تامة ويصعب قراءة بعض صفحاتها، وهي من النسخ التي اعتمدت عليها في المقابلة، ورمزت لها بحرف ع. نسخة برقم: ٣٥٣٧ ميكروفيلم وهي نسخة القرويين، رقم: ٣٣٦. إلا أن المصور في الميكروفيلم هو الجزء الأول فقط. نسخة برقم: ١٨٥٤ ميكروفيلم وهي نسخة الخزانة الملكية، رقم: ٥٣٤. نسخة برقم: ١١٣ حم وهي نسخة مصورة على النسخة الأصلية بالخزانة الحمزاوية ورقمها: ١٠٢. وقد رجعت إلى هذه النسخة أثناء التحقيق. وتوجد نسخة أخرى بخزانة ابن يوسف بمراكش, رقم: ١٧٩/ ١, إلا أنه لم يبق منها إلا جزء صغير وهو متلاش جداً.

стр. 250

ومن النسخ الموجودة عند الخواص عثرنا على نسخة عند الأستاذ المختار ولد أباه، إلا أن هذه النسخة لا يوجد منها إلا السفر الأول، وينتهي هذا السفر بكتاب البيوع الفاسدة. * * * النسخ المعتمدة في التحقيق بعد الاطلاع على هذه النسخ اخترت من بينها النسخ الآتية: ١ - نسخة: ق وهي نسخة القرويين رقم: ٣٣٣، وهي بخط مغربي مكتوب بحروف رقيقة إلا أنه مقروء وفيها تلاش في أولها، لكن آخرها سالم، وهي تامة، لكنها لم تفصل بين الجزء الأول والجزء الثاني، وهي مختلفة عن النسخة الملكية في ترتيب الكتب، كما تختلف معها ومع نسخ أخرى في بداية الفقرة التي يكون فيها تعليق عياض وبالخصوص التي يذكر فيها اسمه، ففي النسخة الملكية ونسخة مكناس: قال المؤلف، وقال المؤلف ﵀، وفي هذه النسخة: قال القاضي، مما يدل على أن هذا ربما كان مما تصرف فيه النساخ، وقد اخترت ما في نسخة: ق، وأثبته، كما أثبت نصها ولم أعدل عنه إلا إذا تبين أن الصواب مع النسخة الأخرى، أو إذا وجدت كلمة أو نصاً سقط من ق، فإنني أضيفه وأجعله بين معقوفين، ومما جعلني أجعل هذه النسخة في الصف الأول: - أنني وجدت الجزء الثاني تاماً بها. - تبين من خلال تتبعها أن ناسخها ربما كان له حس فقهي، ولذلك تجد فيها بعض الكلمات مخالفة للنصوص الأخرى لأنه يتدخل بعض الأحيان ويصلح بعض الكلمات حسب ما يقتضيه السياق الفقهي.
следующие страницы →