← Фикх малики

Фикх малики · id 14253

التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة

القاضي عياض

Полный текст (2 448 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وفيه: "ويَخْلَعوا (١) الأمر". وعند ابن عيسى: ويُخِيفوا الأمن، ولم يكن الحديث بنصه وكماله عند ابن عتاب. وذو الخُوَيصرة (٢)، بضم الخاء، تصغير خاصرة. وقوله: "خبت وخسرت إن لم أعدل (٣) "، بفتح التاء وضمها في الحرفين معاً، وبالفتح وحده رواها القابسي وابن اللباد وغيرهما (٤). وبالضم وحده رواها (٥) كثير من شيوخنا في غير "المدونة". ومعناهما صحيح؛ أما بالضم فعن نفسه إن لم يعدل، وبالفتح خبتَ أنت وخسرت إن لم أعدل أنا وأنت من أتباعي وممن يقتدي بي. ورِصَافه - بكسر الراء والصاد المهملة - وهو مدخل القِدْح نصل السهم، وأصله العقبة التي يشد عليها مع القِدْح (٦). ونَضِيَّه (٧) - بفتح النون وكسر الضاد المعجمة وتشديد الياء باثنتين

стр. 772

تحتها. ورويناها في الكتاب بضم النون، وهو القِدْح، وقيل: النصل (١). وقُذَذُه (٢) - بضم القاف وذالين معجمتين أولاهما مفتوحة - وهو ريش السهم (٣). وتَدَرْدَرُ (٤) - بدالين مهملتين - أي تضطرب وتتحرك (٥). وقوله (٦): على حين فُرْقَة - بضم الفاء - أي وقت افتراق من الناس واختلاف، وهو خروجهم عند اختلاف الناس بين علي ومعاوية (٧). ويروى: على خير فِرْقَة، بكسر الفاء، أي على أفضل الطائفتين، وهو حزب علي. وبالوجهين روينا هذين الحرفين عن شيوخنا (٨). وقوله (٩): "إحدى يديه"، كذا لابن عيسى وابن عتاب. وعند ابن عتاب أيضاً: ثَدْيَيْهِ، والصواب الأول. وطُبْي الشاة - بضم الطاء المهملة وسكون الباء بواحدة - ثديها (١٠). وقوله (١١): "الحكم في الأمة يرجع بها" (١٢)، كذا لابن عيسى، وعند

стр. 773

ابن عتاب: نرجع بها، بالنون (١). وقوله: ولا يقذفها (٢)، كذا لابن عيسى بذال معجمة مكسورة، وعند ابن عتاب: يقفوها. ومعناهما يرجع لوفاق إن شاء الله (٣).

стр. 774

كتب (١) الحج (٢) أصل الحج القصد، وسميت هذه العبادة حجا لما كانت قصد موضع مخصوص من الأرض. وقيل: الحج مأخوذ من التكرار والعود مرة بعد أخرى لتكرر (٣) الناس عليه كما قال تعالى: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ (٤) أي: يرجعون إليه ويثوبون في كل عام، ولأن الحاج يكرر (٥) وروده على البيت عند القدوم والإفاضة والوداع. والقِران جمع الحج والعمرة في إحرام واحد وعملٍ واحد وإرداف الحج بعد الإحرام بالعمرة. وجاء في بعض المسائل (٦) الإقران، والصواب القران.

стр. 775

والتمتع تقديم العمرة والتحليل منها في أشهر الحج في سفر ثم الإحرام بعد ذلك من عامه بالحج. وقيل (١): سمي متمتعاً لتمتعه بإسقاط أحد السفرين لهاتين الطاعتين وترفيهه نفسه بذلك. ولأجل هذا النقص لزمه الهدي. وقيل (٢): بل لإحلاله بين عمرته وحجته وتمتعه أثناء/ [خ ١٤٤] ذلك بما شاء مما يمنعه المحرم. وقوله (٣): "إن اغتسل بالمدينة وهو يريد الإحرام ثم مضى من فوره إلى ذي الحليفة فأحرم، ذلك مجزئ عنه، وإنما يجوز الغسل بالمدينة لهذا أو رجل يأتي ذي (٤) الحليفة فيغتسل إذا أراد الإحرام". ظاهر المذهب أن المستحب أن يغتسل بالمدينة ثم يسير من فوره، وبذلك فسره سحنون (٥) وابن الماجشون، وهو الذي فعله النبي ﵇، كما استحب أن يلبس حينئذ ثياب إحرامه، وكذلك فعل ﵇. وحمل بعض الشيوخ (٦) أن استحباب ابن الماجشون خلافُ الكتاب، وأن مذهب الكتاب تسوية الأمرين. وقوله (٧): كان يستحب أن يصلي نافلة إذا أراد الإحرام وليس في ذلك حد، ولو صلى مكتوبة أحرم بعدها. قال بعض الشيوخ (٨): مفهوم المذهب أن سنة الإحرام أن يكون عقيب صلاة، لا أن من سنته أن يصلي من أجله، يريد بكل حال.

стр. 776

قال القاضي: وهذا مثل ركعة الوتر أن من سنتها أن يكون قبلها نافلة على حقيقة مذهبنا ومشهوره، لا أن يصلي من أجله، وقد بيناه في الصلاة. ومفهوم المذهب أن الحج ليس على الفور، وهو دليل أكثر مسائل الأصول (١) من "المدونة" و"العتبية" و"المجموعة" (٢) و"كتاب ابن عبد الحكم" (٣) وغيرها. وحكى البغداديون (٤) عن مالك أنه عنده على الفور. والصواب الأول كما قدمناه، وهو الذي عليه غيرهم من شيوخ المذهب عنه ويعتقده فيه؛ فقد نص على المعتدة أنها لا تخرج للحج أيام عدتها، ولو كان على الفور لخرجت. وقال: لا يحج دون أبويه (٥) فإن منعاه فلا يعجل (٦) عليهما في حجة الفريضة، وليستأذنهما العام بعد العام (٧)، وهذا مثله. وقال أيضاً: ليخرج في الفريضة ويدعهما، فهذا على الفور (٨). وقال في الذي حلف على زوجته ألا تخرج إلى الحج وهي صرورة: إنه يؤخر (٩) سنة (١٠). ولم يروا تجريح من ترك الحج مع الاستطاعة وطَرْحَ شهادته (١١)، وكل هذا يقتضي أنه على التراخي (١٢).

стр. 777

واختلف على تأويل الكتاب وظاهر عموم ألفاظه في غير مسألة في مجاوز الميقات غير مريد للحج ثم نواه أنه لا دم عليه؛ فقيل: سواء كان صرورة أو غير صرورة، وهو تأويل الشيخ أبي محمد (١). وفرق غيره بين الصرورة وغيره، قال: وإنما هذا في غير الصرورة، وأما الصرورة فإنه بنفس تعديه الميقات غير محرم متعد، وإن لم يقصد الحج فعليه الدم، لأن الحج كان لازماً له كمن نواه ممن ليس بصرورة. وإلى هذا ذهب أبو القاسم بن شبلون وزعم أنه ظاهر الكتاب من قوله "في الذي يتعدى الميقات وهو صرورة ثم يحرم: عليه الدم" (٢)، فأبهم ولم يقل مريداً للحج أو غيره. ثم قال: "أرأيت من تعدى الميقات ثم أحرم بعدما جاوزه وليس بصرورة أعليه الدم؟ قال: "نعم إن كان جاوزه حلالاً وهو يريد الحج فأحرم فعليه الدم". قال: فتفريقه في السؤالين بين الصرورة وغيره يبين أنهما بخلاف. قال القاضي: وذهب بعض الشيوخ إلى أنه اختلاف من قوله في الصرورة (٣)، وتأويل ابن شبلون إنما يصح بعد على القول (٤): إن الحج على الفور، وإلا فلا وجه له. وقوله (٥) في الغلمان (٦) يحرم بهم وفي أرجلهم الخلاخل وعليهم الأسورة: "لا بأس به". ثم قال: "وكان يكره/ [خ ١٤٥] للصبيان حلي الذهب" (٧)، وهذه الكراهة معناها التحريم؛ لأنه قال بعد هذا فيه وفي الحرير (٨): أكرهه لهم كما أكرهه للرجال، وهو حرام على الرجال عنده.

стр. 778

فظاهره أنه لم يكن (١) الخلاخل والأسورة لهم من الفضة، وذلك حرام على الذكور كالذهب إلا الخاتم وحده وآلة الحرب. وقد قال بعض الشيوخ (٢): إن ظاهر جوابه أولاً جوازه في الجميع، إذ لم يفسر ذهباً ولا فضة، قال: والأشبه منعه (٣) من كل ما يمنع منه الكبير؛ لأن أولياءهم مخاطبون بذلك. وقاله أبو إسحاق، قال: ويأتي على قياس قوله (٤) جواز إلباسهم ثياب الحرير. وقد نص على منعهم منه في الكتاب، ثم مثل هذا ستر (٥) بعض عضو الإحرام. وقد قال في الكبير: لو كان في عنقه كتاب لنزعه (٦)، وكأنه خفف مثل هذا في الصغار والله أعلم. قال القاضي: ظاهره التخفيف إذ سئل عنه في الإحرام، ولو سئل عن جواز لبسهم له لعله كان لا يجيزه على أصله كما جاء في مسائل من صرف أواني الفضة والذهب وبيعها وأشباهها. والعمرة (٧): أصلها الزيارة كما قال:

стр. 779

وراكب جاء من تثليت معتمرا (١) أي زائراً، وقيل: اعتمر أيضاً لمعنى قصد (٢). والإهلال بالحج: رفع الصوت بالتلبية. والتلبية (٣) معناها الإجابة، ونصبت على المصدر وثُنيت للتأكيد، أي إجابة بعد إجابة. وقيل: معناها اللزوم، أي أنا مقيم عند طاعتك وأمرك (٤)، من قولهم: لب بالمكان وألب أي أقام (٥) به. وقيل: لبيك: اتجاهي لك، أي توجهي وقصدي، من قولهم: داري تلب دار فلان أي تواجهها (٦). وقيل: معناه (٧) محبتى لك، من قولهم امرأة لبة إذا كانت محبة في ولدها (٨). والمواقيت: الحدود من الأرض، والْمُوَقَت المحدد، والموقت أيضاً المفروض (٩). وقوله (١٠): ........................................

стр. 780

البان السَّمْح (١)، بفتح السين المهملة وسكون الميم وآخره حاء مهملة، هو الخالص الذي لم يدخله طيب (٢). والمُفْدَمُ بالعصفر (٣): المشْبَع صبغه (٤). والمُمَشَّق: المصبوغ بالمِشق، وهي المَغْرة: التربة الحمراء (٥). والْبَرَّكانات (٦) - بفتح الباء وتشديد الراء - مثل الأكسية، وأهل اللغة يقولون: ثوب بَرنكاني (٧). والخَطمي (٨): الخبيز له لعابية يغسل بها الشعر وغيره، وهو بفتح الخاء المعجمة (٩). والحُرُض، بضم الحاء المهملة وضم الراء وضاد معجمة: الأشنان (١٠). وقوله (١١): "استلم الحجر"، قيل: هو افتعل، من السَّلام بالفتح كأنه

стр. 781

حياه بذلك. وقيل: بل من السلام - بالكسر - وهي الحجارة، أي لمسه. والأول أبين لاستعماله في الركن وغيره. وقيل (١): "وتراه (٢) خُرْقاً ممن فعله، بضم الخاء والراء وبعدها قاف، أي حمقاً وقلة عقل، والأخرق الأحمق" (٣). وأصله الذي لا حرفة له. وقوله: المُحْصَر بمرض والمَحْصُور (٤) بعدو، معناه (٥) المحبوس عن البيت بهذين العذرين. وقد فرق أهل اللغة بينهما كما قال هنا، فقالوا في المرض: أُحْصِر فهو محصَر، وفي العدو حَصَر فهو محصور، وهو قول أبي عبيدة (٦) وغيره، وحكى ابن قتيبة في المرض الوجهين (٧). والصَرورة (٨): الذي لم يحج قط، بالصاد المهملة. وقوله (٩) في الداخل مكة "في أشهر الحج بعمرة فحل وعليه نَفَس فأحب أن يخرج إلى ميقاته"، بفتح الفاء، أي سعة من الزمان ووقت الحج. ومسألة (١٠) من أحرم بالحج في طواف عمرته أو بعده، قال أولاً: إن أحرم بالعمرة فطاف لها ثم أحرم بالحج لزمته الحجة وصار قارناً، فإن أضاف الحج إلى العمرة بعد ما سعى/ [خ ١٤٦] لعمرته لزمته الحجة وهو غير

стр. 782

قارن. ثم قال بعد ذلك عن مالك أيضاً (١): "إنه كان لا يرى لمن طاف وركع أن يردف الحج مع العمرة"، قال: ورأى علي ذلك، ويمضي على سعيه ويحل ثم يستأنف الحج، وإنما ذلك ما لم يطف ويركع، فإذا طاف وركع فليس له أن يدخل الحج على العمرة. ووقع له هذا الكلام في وسط الكتاب في موضعين بأطول من هذا اللفظ في السؤال والجواب، وأنا اختصرته على المعنى، وهو كله ساقط في رواية أكثر (٢) القرويين وغيرهم ولم يذكرها أكثر مختصريهم، وثبتت في رواية الدباغ وابن لبابة، وقال ابن وضاح: أمر سحنون بطرحها من الموضعين. ولم تكن في رواية يحيى. وقال أيضاً: (٣) "الذي كان يستحب مالك إذا طاف بالبيت لم يردف الحج مع العمرة" - ولم يذكر هنا الركوع - (٤) "وأنا أرى ألا يفعل، فإن فعل قبل فراغه من سعيه بين الصفا والمروة مضى على سعيه"، وذكر نحو ما تقدم ثم قال: فإن طاف وسعى بعض السعي ثم أحرم بالحج أرى ألا يفعل، فإن فعل قبل أن يفرغ من سعيه رأيت أن يمضي على سعيه ويحل ثم يستأنف الحج. ثم قال: فإن كان سعى ثم فرض الحج بعد فراغه من السعي فلا يكون قارناً، ويؤخر حلاق شعره، ولا يطوف بالبيت حتى يرجع من منى إلا أن يشاء أن يطوف تطوعاً، ولا يسعى بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى وعليه دم لتأخير الحلاق. وقال في موضع آخر: "من أحرم بعمرة له أن يلبي بالحج ما لم يطف ويسعى (٥) ". وقال في "الموطأ" (٦) نحوه عن بعض أهل العلم أنه سمعه يقول: إن له ذلك ما لم يطف بالبيت ويسعى (٧) بين الصفا والمروة، فقال هنا ما تراه، وقال مرة: "ما لم يطف

стр. 783

ويركع" (١)، ومرة لم يذكر الركوع ولم يره قارنا متى سعى وإن لم يفرغ من سعيه. فاختلف المتأولون في كلامه هذا في ثلاث (٢) مواضع هل فيه اختلاف أو هو وفاق: الأول هل له ذلك ما لم يطف أو لم يطف (٣) ويركع أو ما لم يكملّ السعي: فذهب بعضهم (٤) إلى أنه وفاق في أنه لا يفيته إلا تمام الطواف، وإنما اختلف لفظه لأنه لم يذكر مرة الركوع، وذكره مرة، فعنده أنه إن صلى الركعتين لم يكن قارناً، وإن لم يكن صلاهما كان قارناً. وإلى هذا ذهب القاضي أبو محمد عبد (٥) الوهاب، وعليه حمل أكثرهم ظاهر الكتاب، لكنه يكره القران عندهم ما لم يركع، فإذا أوقعه لزم. وذهب آخرون إلى أنه مختلف هل يفيته الطواف أو لا يفيته إلا تمام السعي؟ وأن في قوله الواحد: إنه ليس له أن يقرن ويردف الحج على العمرة منذ يطوف، يريد طوافه كله. وفي قوله الآخر قال: إنه قارن وإن طاف وصلى ما لم يتم السعي، قال: وإنما ذكر الركوع مرة، وتركه مرة لأنه أجزأ عنده ذكر الطواف عنه. وإلى هذا ذهب ابن لبابة وذهب إلى أن لفظه في الكتاب واختلافه يرجع إلى هذا، ويكون عنده قوله: قبل فراغه من سعيه، على القول الواحد: إنه بتمام الطواف لا يصح القران. وقد حكي عن القاضي أبي محمد عبد الوهاب (٦) نحو هذا أنه لا يفيت القران إلا بتمام (٧)

стр. 784

السعي. وذهب أشهب (١) وابن عبد (٢) الحكم أنه متى طاف ولو شوطاً واحداً فلا يصح له القران ولا يلزمه/ [خ ١٤٧] إحرامه بالحج. وقال آخرون: إنه لا يختلف قوله أنه لا يكون قارنا متى أكمل الطواف بركوعه وإن لم يسع أو سعى بعض السعي، وهو ظاهر الكتاب. الموضع الثاني إذا لم يكن قارناً هل يلزمه إحرامه الذي أحرم بالحج أم لا (٣)؟ - وذلك إذا أردف الحج في طوافه أو سعيه - (٤) على القول: إنه لا يرتدف حينئذ ولا يكون قارناً. فقيل: إنه يلزمه ذلك الحج - وهو ظاهر قوله في الكتاب: ويستأنف الحج - وإلى هذا ذهب أكثرهم. وذهب يحيى بن عمر (٥) إلى أن ذلك لا يجب عليه، وأن معنى قوله: "يستأنف الحج": أي إن شاء. ولا يختلفون أنه إذا أردف الحج بعد تمام السعي أن الحج لازم له، وهو نص الكتاب وغيره. وقد عارض بعضهم قوله هذا بقوله في الثاني (٦): "ولا يردف الحج على العمرة الفاسدة"، واختصرها هناك أبو محمد: "ولا يلزمه"، فانظره (٧). الموضع الثالث قوله: "ويمضي على سعيه ويحل"، فاختلف في تأويل قوله: يحل: فذهب بعضهم أن معناه: يحلق لعمرته بخلاف الذي أردف بعد تمام

стр. 785

السعي، فهذا يؤخر الحلاق وعليه دم لتأخير الحلاق كما نص عليه في الكتاب. والأول لا دم عليه، لأنه حلق وحل بذلك. وقيل: معناه يحل الفراغ (١) من السعي، وهو ظاهر الكتاب لإطلاقه الإحلال في غير موضع على الفراغ من السعي. وفي المسألة فصل رابع وهو أن مذهبه في الكتاب أنه إذا جعله قارناً في إردافه وهو يطوف أو يسعى - على ما تقدم من الخلاف في التأويل - أنه لا يقدح تماديه على تمام سعيه أو طوافه (٢) في قرانه. وعند أشهب أنه متى تمادى على طوافه بعد قرانه لم يكن قارناً، وإن قطع التمادي كان قارناً (٣). وقوله (٤) في المواقيت في أهل الشام ومصر والمغرب إذا مروا بالمدينة (٥) فميقاتهم ذو الحليفة، ليس لهم أن يتعدوها، وإن أحبوا أن يؤخروا إحرامهم إلى الجحفة فذلك واسع (٦)، ولكن الفضل لهم من ميقات النبي ﷺ . كذا في أصل "المختلطة"، وكذا كان في كتاب ابن عيسى وأصل ابن المرابط. وعند ابن عتاب: فميقاتهم ذو الحليفة. وهو الصحيح، وكذا أصلحها ابن وضاح في "المدونة"، وعليه اختصرها المختصرين (٧). وقوله (٨) آخر الكلام: "وأهل أهل (٩) اليمن من يلملم، وأهل نجد من قرن"، ليس معطوفاً على من منهم بالمدينة وعلى ما اتصل من الكلام

стр. 786

قبله، وإنما هو استئناف كلام أن مهل هؤلاء من هذه المواضع، وإنما هو معطوف على مبتدأ الكلام. قوله (١): "ذو الحليفة لأهل المدينة"، وقد أدخل مجيئه (٢) آخراً ليبين على بعض من لم يفهم في الكلام (٣)، وهو بين في الكتاب أنهم بخلاف غيرهم من أهل الشام ومصر؛ إذ مهل أولئك الجحفة في طريقهم فكان لهم التأخير إليها، وهؤلاء مهلهم ليس في طريقهم، فصار مهلهم إذا مروا بالمدينة من ذي الحليفة لا يمكنهم غيره من مهلاتهم. والجُحفة على نحو ستة أميال من البحر، وبينها وبين المدينة ثمانية مراحل سائراً إلى مكة (٤). وذو الحليفة على ستة أميال من المدينة، وقيل: سبعة (٥). وقوله (٦) في الذي دهن قدميه أو عقبيه من شقوق: "لا شيء عليه، وإن دهنهما من غير علة أو ذراعيه أو ساقيه ليحسنهما أو لعلة فعليه الفدية"، كذا في نسخ، وعلى هذا اختصره ابن أبي زمنين/ [خ ١٤٨]. وسقطت اللفظة في بعض النسخ، وعلى ذلك اختصرها أبو محمد (٧) وغيره. وكانت في كتب شيوخنا: ليحسنهما أو من علة، وفي رواية ابن لبابة: من غير علة (٨).

стр. 787

وهذا اللفظ أو إسقاطه هو الصواب، وعليه اختصر كثير منهم. وبيانه في الثاني: "إن دهن شقوقا في يديه أو رجليه بزيت أو شحم أو ودك لم تكن عليه فدية، وإن كان بطيب افتدى، وإن كان لزينة بغير طيب افتدى. وفي كتب يحيى بن يحيى عنه: إن دهن باطن قدميه بزيت فلا شيء عليه، وإن دهن شقوقاً في ساقيه افتدى، ويقال (١) أيضاً: إن دهن بطون كفيه وقدميه من شقوق أو ليمرنهما للعمل فلا بأس، وإن دهن ظهورهما أو باطن (٢) ساقيه أو ركبتيه (٣) لخوف أن يصيبه (٤) شيء فليفتد. وهذا يشعر بصحة اختلاف الرواية: من علة أو من غير علة، وأنه مرة راعى الضرورة في الساقين والذراعين كمراعاتها في الرجلين واليدين، ومرة لم يراعها للزوم ذلك اليدين (٥) والرجلين غالباً. وقد جوز دهن (٦). وقوله (٧): "دخل مكة فطاف الطواف الأول الذي أوجبه مالك الذي يصل به السعي بين الصفا والمروة" (٨)، ثم قال: "ليس عليه أن يستلم إلا في ابتداء طوافه الواجب إلا أن يشاء". ثم قال بعد هذا: "قلت: طواف الإفاضة عند مالك واجب؟ قال: نعم. زاد في بعض الروايات: وطوافه الذي يصل به السعي بين الصفا والمروة، هذان واجبان يرجع لهما جميعاً فيما ترك منهما، فيطوف ما ترك منهما، وعليه الدم والدم فيه خفيف. وسقطت هذه الزيادة من أكثر النسخ، وسقطت لابن وضاح، وحوق عليها في أصول شيوخنا وكتب عليها: طرحها سحنون وقال: هي خطأ.

стр. 788

قال القاضي ﵀: وهو الصواب، ليس طواف القدوم - وهو طواف الزيارة - من فرض الحج ولا أركانه، لكنه عندنا سنة مؤكدة. وتسمية مالك لهذا الطواف أولاً وفي غير هذا الموضع واجبا، أي من مؤكد السنن كما جاء في الوتر وغسل الجمعة. وطريق المَأزِمَين (١)، مهموز مكسور الزاي مفتوح الميمين مثنى، قال ابن سفيان (٢): هما جبلا مكة وليستا (٣) من المزدلفة (٤). وقال أهل اللغة: هما (٥) مضايق جبلا (٦) منى. والمآزم والمآزق - بالميم والقاف: المضايق، واحدها مأزم ومأزق، بكسر الزاي. وقوله (٧): "الذي رأيت مالكاً يستحب أن يترك رفع الأيدي في كل شيء، قلت لابن القاسم: وفي ابتداء الصلاة؟ قال: نعم، وفي ابتداء الصلاة"، كذا في "الأسدية" هنا. وفي "المدونة" - في رواية شيوخنا -: وفي ابتداء الصلاة؟ قال: لا. وفي كثير من الأمهات: قال: نعم، إلا في ابتداء الصلاة (٨)، ونحوه في كتاب الصلاة. تقدم (٩) في كتاب الصلاة أن من ذلك اللفظ الأول ومما في كتاب

стр. 789

الصلاة من قول من قال: إن تلك اللفظة لابن القاسم لا لمالك، ذَكَرَ مَنْ ذَكَرَ في (١) "المدونة" أن مذهبه فيها أنه لا ترفع الأيدي لا في أول الصلاة ولا فيما بعد ذلك، وقد بيناه في كتاب الصلاة (٢). وذكر (٣) طواف الوداع - وهو طواف الصَدَر - بفتح الدال، أي الرجوع، وهو الطواف الثالث، وهو مستحب عندنا. وقوله (٤) في المعتمر الذي طاف على غير وضوء وقد حلق: "إن كان أصاب النساء أو تطيب (٥) أو/ [خ ١٤٩] قتل الصيد"، إلى قوله (٦): "وأما الصيد والطيب فعليه لكل ما فعل من ذلك فدية كفارته (٧) ". كذا عند شيوخنا، وسقطت لفظة "الطيب" من رواية ابن عتاب (٨)، وثبتت لابن المرابط. وسقط جوابه من رواية القرويين، وحذفه أكثر المختصرين وأجابوا عن الصيد والثياب. وفي نسخة: "فعليه لكل ما فعل من ذلك فدية (٩) فدية"، وفي نسخة: فعليه لكل ما فعل من ذلك فدية، وهذا يختص بالصيد، وزاد بعضهم: وعليه في الطيب الفدية. وقال في الثاني في المحرم إذا أصاب الصيد على وجه الإحلال والرفض فأصاب النساء والطيب والصيد في مواضع مختلفة فحكم عليه في كل صيد جزاء، وأما اللباس والطيب كله فعليه لكل شيء يلبسه ويتطيب به كفارة واحدة؛ يريد للباس كفارة (١٠)

стр. 790

وللطيب كفارة. ذهب بعض الشيوخ أنه اختلاف من قوله والله أعلم. وقوله (١) في الذي يأتي المصلى في العيد وقد فاتته ركعة: إنه يقضي ستاً، لأن السابعة تكبيرة الإحرام وفد جاء بها لأول دخوله. ثم قال (٢): فإن أدرك الإمام في التشهد؟ قال: "يحرم ويدخل مع الإمام فإذا فرغ صلى وكبر" (٣).

стр. 791

كتاب (١) النكاح الأول (٢) أصل (٣) النكاح في وضع اللغة الجمع والضم، وقالوا (٤): نكحت (٥) البر في الأرض إذا حرثته فيها، ونكحَت الحصى أخفافَ الإبل إذا دخلت فيها، ثم استعملت (٦) في الوطء. وهو في عرف الشرع ينطلق على العقد لأنه بمعنى الجمع، ومآله إلى الوطء. وقد جاء في كتاب الله تعالى وحديث نبيه ﵇ كثيراً للعقد، وهو أكثر استعماله في الشرع؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٧)، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٨)، ﴿وَلَا

стр. 792

تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (١)، و ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢)، و ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ (٣). ويبعد أن يكون المراد بهذا الوطءُ؛ إذ الوطء عموما (٤) منهي عنه بغير عقد. وقد ورد أيضاً بمعنى الوطء في قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٥)، وقوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ (٦) الآية، على خلاف في تأويلها بين العلماء. وكذلك قيل أيضاً: إنه ورد بمعنى الصداق في قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ (٧). والصحيح أن المراد هنا العقد. ومعنى: لا يجدون نكاحاً، أي: لا يقدرون على الزواج لعسرهم. والصداق، بفتح الصاد وكسرها، ويقال: صَدَقَة وصَدُقَة ويجمع صَدُقَات. ومعناه مشتق من الصدق والصحة (٨)، ومنه فرس صدق وكلام صدق، أي صحيح متساوي (٩) الباطن والظاهر، فكذلك النكاح الشرعي بشرط الصداق مستوي (١٠) الظاهر والباطن بخلاف السفاح صحيح العقد ثابته. ويقال له أيضاً: فريضة ونحلة وأجر؛ قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (١١)، وقال: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (١٢)، وقال: ﴿اللَّاتِي

стр. 793

آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ (١). وقد سمي في الحديث أيضاً عُقْراً (٢)، وكذلك ذكره في كتاب أمهات الأولاد. وسمي أيضاً علاقة/ [ز ٧٨] ومهراً، وسمي أيضاً نفقة/ [خ ١٥٠]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ (٣) ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ (٤). وسمي أيضاً بضعاً. والشغار (٥) أصله في اللغة الرَّفْع، وذلك من قولهم، شغر الكلب برجله إذا رفعها ليبول (٦)، ثم استعملوه فيما يشبهه فقالوا: شغر الرجل المرأة إذا فعل ذلك بها للجماع، وشغرت هي أيضاً إذا فعلته. ثم استعملوه في النكاح بغير مهر إذا كان وطئاً بوطئ وفعلاً بفعل، فكأن الرجل يقول لآخر (٧): شاغرني، أي أنكحني وليتك وأنكحك وليتي بغير مهر فمنعته الشريعة. وجاء في الحديث (٨) مفسراً بذلك. وقيل: بل سمي بذلك لخلوه من الصداق ورفعه عنه من قولك: بلدة شاغرة، لخلوها من أهلها وارتفاعهم عنها. وقد أجمع العلماء على تحريم نكاح الشغار، ثم اختلفوا فيه بعد

стр. 794

وقوعه. واختلف مشايخنا في علة تحريمه (١): هل هو لفساد عقده لكون كل بضع صداقاً للأخرى؛ فهو للزوج غير تام الملك لمشاركة من أصدقته بحقها فيه، فكان كمن زوج وليته رجلين أو تزوج نصف امرأة؛ أو عقد بيعاً في سلعة من رجلين (٢) على أن لكل واحد منهما جميع السلعة، وهذا كله ما لا يصح فيه عقد. وعلى هذا حملوا قوله المشهور بفسخه (٣) قبل وبعد؛ إذ هو أصله فيما فسد لعقده على ما حكاه البغداديون (٤) عنه في الوجهين من القولين (٥)، وعلى ما في كتاب ابن عبد الحكم (٦) من الخلاف فيما فسد صداقه (٧). ومن أصحابنا من جعل علة قوله بالفسخ لهذا لجمعه الفسادين في الصداق والعقد. وقال أبو عمران (٨): إنما اختلف قوله للاختلاف في النهي هل يدل (٩) على فساد المنهي عنه؟. وقال القابسي (١٠): إنما اختلف قوله لاختلافهم في معنى الشغار. ولا وجه يظهر لقوله هذا (١١).

стр. 795

وأما القاضي إسماعيل (١) فنحا أن علته عروه عن الصداق وشرطهما ذلك. فعلى هذا تأتي (٢) القولان له على ما نص عليه فيمن شرط ألا صداق عليه، وإليه نحا الباجي (٣). قال القاضي: وتفريقه في الكتاب (٤) بين الشغار ووجه الشغار يدل عندي على هذا (٥)؛ إذ لو كان لأجل فساد الصداق مجرداً لكان جوابه فيهما سواء، إذ هو موجود فيهما. وإن كان لفساد العقد فكذلك يجب أيضاً أن يكون الجواب فيهما لمشاركة كل واحدة زوج الأخرى في بضعها مع الخلو من الصداق أو تسميته معه، على أن مسألة المشترط ألا صداق قد يحمل الخلاف فيها إما على الخلاف في فساد الصداق؛ إذ عدمه كفساده، أو على الخلاف في فساد العقد؛ إذ خلو العقد عن الصداق أو التفويض فيه وشرط إسقاطه خلل ببعض أركانه فأدى إلى فساده. وبه علله ابن حبيب (٦). وقد قال بعض البغداديين: إن المعقود به إذا كان فاسداً وجب فساد العقد. أو يكون قولاه على الوجهين؛ فمرة غلب عليه (٧) فساده للصداق فقال بإمضائه بعد الدخول، ومرة غلب (٨) فساده للعقد فرده أبداً. وقد أشار عبد الحميد أنه يتخرج من الكتاب - على التعليل في منع الشغار بأنه لفساد عقده - قول فيما فسد لصداقه (٩) بفسخه أبداً كما حكى البغداديون. وقال

стр. 796

السيوري: إنه يتخرج من قوله فيه (١): إن فيه الميراث والفسخ/ [خ ١٥١] بطلاق قول ثالث، وهو إمضاؤه بالعقد كمذهب المخالف. وخرج هذا القول فيه غيره على أحد قوليه فيما اختلف الناس فيه أنه يمضي ولا يرد، وأن نزوله كحكم حاكم به وحكي عن بعض البغداديين. لكن هذا يبعد؛ لأن فوات ما اختلف/ [ز ٧٩] فيه بالعقد إنما هو فيما الخلاف ابتداء في إجازته أو منعه، فإذا وقع فهل وقوعه فوت أم لا؟ هو موضع النظر والخلاف. وأما الشغار فمتفق على منعه ابتداء والنهي عنه، والخلاف فيه إذا وقع: هل يمضي أم يرد؟ (٢) فليس وقوعه كوقوع ما اختلف فيه قبل وقوعه، فلا يجعل وقوع مثل هذا فوتاً. وقد قيل: إن العقد في مثل هذا فوت (٣) في النكاح لوقوع الموارثة والمحرمية وأحكام كثيرة بنفس العقد، فأشبه اختلاف الأسواق المفيتة للعقود الفاسدة في البيوع بل هذا أشد. وقوله (٤) في وجه الشغار إذا دخلا: يفرض لهما صداق مثلهما ولا يلتفت إلى ما سَمَّيا. قال سحنون (٥): "إلا أن يكون ما سَمَّيا أكثر فلا ينقصان من التسمية". ثبت هذا اللفظ من قول سحنون في الأصل، وحمله الشيوخ على التفسير لقول ابن القاسم؛ إذ قد بين ذلك ابن القاسم في المسائل التي شبهها بها في التي تزوجت بمائة وثمرة لم يبد صلاحها (٦)، أو بمائة نقداً ومائة إلى موت أو فراق (٧). وذكره ابن لبابة من قول ابن القاسم ولم يذكر فيه اسم سحنون. ويكون معنى قوله عندهم: ولا يلتفت إلى ما سَمَّيا إن كان أقل من صداق المثل، فيكون لهما الأكثر إذ لم يبق للزوجين حجة، وإنما

стр. 797

الحجة للنساء، تقول (١) كل واحدة [منهن] (٢): جعل في مهري ما سمي ونكاحَ الثانية فتبلغ مهر مثلها. والزوج - وإن (٣) سمى أكثر من صداق المثل ويحتج: إنما فعلت ذلك لرغبتي في تزويج وليتي - فيقال له: قد وصلت إلى غرضك، إذ قد ثبت لك ما أردت بالدخول ولم تفسخه فلا حجة لك. وهذا مذهب عيسى بن دينار الذي نذكره بعد. وقال بعض الشيوخ: إن الأولى في المسألة حملها على ظاهرها من أن لها صداق المثل مطلقا؛ إذ هو عقد فاسد فات بالدخول ففيه صداق المثل كسائر العقود الفاسدة. وجعلوا قول سحنون خلافاً، وأن هذه الزيادة ليست في "الأسدية"، واحتجوا بما وقع مبيناً في "مختصر" (٤) أبي زيد بن أبي العمر (٥) من قوله: فإن بنا (٦) بهما كان لهما صداق المثل، كان أقل من التسمية أو أكثر. وأما إن كان إنما دخل بالواحدة منهما فإنه يفسخ نكاح التي لم يدخل بها، ويمضى نكاح المدخول بها ولها صداق مثلها، كان أقل من التسمية أو أكثر، كذا فسرها في "سماع (٧) يحيى بن يحيى" عن ابن القاسم، وهي جارية على الأصل الأول، لأن حجة الزوج (٨) في فسخ نكاح وليته التي يحتج إنما زاد (٩) في التسمية ليتم نكاحها لم يتم (١٠) له. وقال عيسى بن دينار في "المبسوطة" (١١) خلافَه؛ قال: إن دخل بهما أو بإحداهما فرض

стр. 798

للمدخول بها صداق المثل إن كان أكثر مما فرض لها عند العقد. وقوله (١) في الكتاب: إذا سمي لاحداهما دون الأخرى ودخل بهما (٢) "يجاز (٣) نكاح التي سمى لها، ولها مهر مثلها. ويفسخ نكاح الأخرى دخل أو لم يدخل". اختلف تأويل المفسرين/ [خ ١٥٢] والمختصرين في هذه أيضاً؛ فاختصرها الشيخ أبو محمد بن أبي زيد: ولكل واحدة صداق المثل (٤)، فسوى بينهما. وكذا نقل ابن لبابة المسألة عن "المدونة". وهذا على الأصل المتقدم؛ لأنا لما فسخنا نكاح التي لم يسم لها بكل وجه بقيت حجة الزوج فيما زاد؛ إذ لم يتم له غرضه في إمضاء نكاح وليته. قال ابن لبابة: وقد أخطأ جماعة في تأويل المسألة ورأوا ألا ينقص من المسمى إن كان المثل أقل وأنه مراده. قال شيخنا القاضي أبو الوليد ﵁ (٥): وقول عيسى على تأويل أبي محمد وخلافُ رواية يحيى. وقوله (٦): "لا يجبر أحد أحداً على النكاح إلا الأب في ابنته البكر وفي ابنه الصغير وفي/ [ز ٨٠]، أمته وعبده والولي في يتيمه". المراد بالولي هنا الوصي؛ إذ غيره لا يجبر ولا يزوج الصغير على مشهور المذهب إلا ما وقع في كتاب يحيى بن إسحاق لابن كنانة (٧) في أخ زوَّج أخاً له صغيراً يليه وليس بوصي عليه: إنه يمضي ويلزمه، وذكر عن مالك فسخه إلا أن يطول بعد الدخول فلا يفسخ. وظاهره التسوية بين اليتيم الكبير والصغير، ولم

стр. 799

يفرق كما فرق في الأولاد، فيحتمل (١) أن يريد يتيمه الصغير الذي لم يبلغ, وهو مذهبه في "المدونة". وفي "الموازية" (٢) إنكار ذلك. والمخزومي (٣) يجيزه إذا كان نظراً. وإليه يرجع معنى ما في كتاب محمد و"المدونة" بدليل كلامه في مسألة الخلع عليه فانظره هناك. وأما الأب في ابنه الصغير فلا خلاف في جواز ذلك عليه عند أهل العلم. وقد قيد ذلك في كتاب الخلع (٤) إذا كان فيه الغبطة والرغبة كنكاحه من المرأة الموسرة. وهذا نحو قول المخزومي في اليتيم. وقد يحتمل قوله في الكتاب: "والولي في يتيمه" أن يريد الكبير أيضاً. ويأتي له بعد هذا في باب إنكاح الرجل (٥) ابنه الكبير بيان ذلك في قوله: إذا زوج ابنه الذى بلغ، قال: لا يلزمه النكاح، وذكر المسألة وقال في آخرها: "إذا كان الأبن قد ملك أمره" (٦)، فقد يحتج به لإجبار السفيه البالغ، وهو نص ما لابن القاسم في "سماع" عيسى في "العتبية" وقول ابن حبيب (٧). وقد تأول بعضهم ملك أمره، أي في نفسه لا في ماله نحو قوله في المسألة الأخرى: وذهب حيث شاء، وتفسيرِ ابن القاسم لها بمثل هذا. وفي "المدونة" أيضاً خلافه نصاً في كتاب الخلع واشتراطه في الكبير هناك (٨) بأمره، وهو قول عبد الملك (٩) أنه لا يزوجه إلا برضاه. وقد يتأول ما تقدم من قوله: "إذا كان قد ملك أمره" أي بنفس البلوغ، فيكون أيضاً حجة لمسألة أخرى بخروجه عن حجر أبيه بنفس البلوغ.

стр. 800

وقوله (١) في الذي ذكر أن له ابنة أخ سفيهة فأراد أن يزوجها ممن يحضنها (٢) ويكفلها فأبت، فقال: لا يزوجها إلا برضاها وإن كانت سفيهة في حالها. ظاهره مخالف لما ذكر القاضي أبو الحسن بن القصار (٣) أن اليتيمة يزوجها الولي إجباراً إذا رأى المصلحة لها في ذلك، وتسليم حذاق المشايخ ذلك متى خيف عليها الفساد وأبت من النكاح وإن كانت ثيباً، وإن كان ابن المنذر قد حكى في أصل المسألة خلافاً عن مالك، وأنه حكى عنه أن لوصي الأب أن يزوج الصغيرة دون الأولياء نحو ما ذكر من مذهب عروة بن الزبير (٤). وهو خلاف مشهور مذهب مالك من أنه لا يزوجها إلا برضاها وبعد بلوغها. وقوله (٥) / [خ ١٥٣] في الذي (٦) شكت بتزويج زوجها ابنتها من ابن أخ له معدم وقالت: أترى لي في ذلك متكلماً؟ قال: "نعم، إني لأرى لك في ذلك متكلماً (٧) ". كذا رويناه على الإيجاب لا على النفي، ولا يصح الكلام إلا به؛ لأنها سألته (٨): ألها متكلم؟ فقال: نعم. ثم أعاد عليها بأنه رأى لها في ذلك متكلماً. ومن رواه: لا أرى - على النفي وبمد "لا" - لم يستقم مع قوله قبل: نعم، واختل المعنى وناقض بعض (٩) كلامه بعضاً (١٠). وفي

стр. 801

كثير من النسخ: "إني أرى لك (١) "، وعليه اختصر بعض المختصرين، وهو يرفع الإشكال. واختلف المشايخ في مدني قول ابن القاسم (٢): "أراه جائزاً إلا أن يأتي من ذلك ضرر فيمنع"، هل هو خلاف لمالك أم لا؟ فمنهم من حمله على الخلاف - وهو مذهب سحنون (٣) - وقال: وبقول (٤) ابن القاسم أقول. قال: ويعني بالضرر ضرر البدن، وأما الفقر فلا، وقال مثله ابن حبيب (٥). ومنهم (٦) من قال: هو وفاق. ولعل ابن القاسم لم يتكلم/ [ز ٨١] على الفقر الفادح المضر بها، وإنما تكلم على أن ابن الأخ بالإضافة إلى مالِها فقير لسعة حالها هي وكثرة يسرها (٧). وقال أبو حفص العطار (٨): الفقر ضرر بين. واحتج بعضهم لذلك

стр. 802

بقول النبي ﵇ لفاطمة بنت قيس (١): "أما معاوية فصعلوك لا مال له" (٢). وذهب بعض قدماء المشايخ أنه إذا خشي عليها أكل مالها كان في ذلك متكلم كما قال مالك. وهو من الضرر الذي ذهب إليه ابن القاسم، وإن لم يخش ذلك لم يعترض الأب في ذلك في قوليهما معاً، وإن جوابها (٣) وقع (٤) على هذين الوجهين. ود (٥) هذا أبو القاسم بن محرز وغيره وقال: هو إحالة للمسألة؛ إذ لا معنى لذكر الفقر هنا؛ إذ المانع الخوف منه وعدم الأمانة. وكلام سحنون يدل على خلاف هذا. وقوله (٦) في التي دخل بها وطلقت قبل المسيس: أما التي طالت إقامتها مع زوجها وشهدت مشاهد النساء فلا يزوجها الأب إلا برضاها، وأما الشيء القريب فيزوجها، والسنة طول. فهل السنة طول بمجردها أو بإضافة مشاهد النساء لها؟ وهو ظاهر الكتاب. وقد ذكر القاضي أبو محمد ابن نصر في حد الطول روايتين: إحداهما السنة. والأخرى زوال الحياء والانقباض (٧). وسواء على مذهب الكتاب وافقها الزوج على عدم المسيس أو ناكرها. وقوله (٨): "إذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء، وليس للوالد أن يمنعه". ومثله في باب الحضانة، قال ابن القاسم: "إلا أن يخاف من

стр. 803

ناحيته سفهاً فيمنعه". ظاهر قول مالك وظاهر مسألة البكر إذا بنى بها ثم طلقت أن بمجرد (١) البلوغ في الذكران ومجموعَه مع الدخول في الإناث يخرجهم من (٢) الولاية. وهي رواية زياد (٣) عن مالك أن البلوغ فيهما بمجرده يخرجهما من ولاية الأب. قال شيوخنا: ومعناه فيمن علم رشده منهما أو جهل حاله، لا من علم سفهه. وأما ابن القاسم فيقول خلافه وأنه لا يأخذ الولد ماله حتى يعلم منه الرشد إلا ما وقع له هنا. وكذا تأول ابن أبي زيد (٤) المسألة المتقدمة، قال: يذهب بنفسه لا بماله، وهذا هو ظاهر الروايات عن مالك وابن/ [خ ١٥٤] القاسم في "المدونة" وغيرها في غير موضع (٥). واستحسن بعض الشيوخ ألا يخرج من ولاية أبيه حتى يمر به (٦) بعد بلوغه عام. ومشهور قول مالك في "المدونة" و"الموطأ" (٧) وغيرها (٨) أن البكر لا يخرجها من ولاية الأب بعد البلوغ إلا الدخول ومعرفة صلاح حالها. ومعناه عندهم أنها لا تعرف سفيهة (٩). واستحب في كتاب ابن حبيب مرور سنة بعد الدخول (١٠). وقيل عنه: ما لم تعنس، على ما في رواية عبد الرحيم (١١)، .......................................

стр. 804

وقاله ابن القاسم في بعض روايات كتاب الكفالة. وقيل (١): حتى يمر بها في بيتها سنة بعد الدخول وإن علم رشدها، وهو ظاهر قول يحيى بن سعيد في "المدونة" وقول مطرف (٢) في "الواضحة". وقيل غير هذا مما هو معروف من الخلاف بين أصحاب مالك المتقدمين والمتأخرين. وكذلك فيمن لا ولاية عليه منهما لا نطول بذكره لوجوده، وإنما ذكرنا هنا ما يخرج من الكتاب نصاً أو ظاهراً، وقد ذكرنا منه بعضاً (٣) في كتاب النكاح الثاني. وقال بعض الشيوخ: الفرق بين النفس والمال أن الغالب الشفقة على النفس، فلم يعترض في ذلك، والمال يحتاج إلى اختبار ومعرفة بالتصرف فيه بما يظهر منه خبر ذلك، فلم يمكن منه حتى يظهر منه ما يوجب ذلك. وجعل ظهور السفه منهما بعد بلوغهما يبقي (٤) حكم الولاية عليهما من غير نظر سلطان في ذلك ولا حكمه/ [ز ٨٢]. قال بعضهم: وهو مثل قوله فيمن تبين سفهه بعد رشده أنه يكون سفيهاً محجوراً في الحكم وإن لم يحجر عليه قاض، وهو أصل مختلف فيه. وقول غير (٥) ابن القاسم في صمت البكر (٦): "إذا كانت تعلم أن

стр. 805

السكوت رضى"، قال بعض مشايخنا (١): ظاهر قوله أنه شرط في ذلك، وقد قال القاضي أبو محمد: إنه ليس بشرط في صحة الإذن (٢). وحمله أكثرهم على الاستحباب (٣). وترجح أبو عمران هل هو وفاق لابن القاسم أو (٤) خلاف؟ والأيَّم (٥) هي التي لا زوج لها. قال إسماعيل القاضي (٦): بالغاً كانت أم لا، بكراً أم ثيباً (٧)، وليس كما توهم قوم أنها الثيب خاصة. وقال الحربي نحوه؛ قال: الأيم التي مات عنها زوجها أو طلقها، والبكر التي لا زوج لها أيم أيضاً، ورجل أيم (أيضاً) (٨): إذا لم تكن له امرأة (٩). والسَّرِي بن يحيى، بفتح السين وكسر الراء (١٠). وقوله (١١): إن النبي ﵇ "زوّج عثمان ابنتيه ولم يستشرهما" (١٢)، كذا للرواة (١٣). وعند ابن باز: ابنته ولم يستشرها (١٤)، على

стр. 806

الإفراد، وهو أصح؛ لأن الأولى إنما تزوجها عثمان (١) قبل إسلامه في الجاهلية (٢) وقبل مبعث النبي ﵇. مسألة الولي يزوج وليته أو ابنه الكبير وهما غائبان فبلغهما فرضيا: "لا يقام على هذا النكاح" (٣). وقوله (٤) في الذي زوج أخته ولم يستشرها فبلغها فرضيت: "بلغني أن مالكاً مرة كان يقول" - وذكر تفريقه بين القرب والبعد (٥) -. وقوله في الأخرى (٦) التي قالت: "ما وكلت ولا أرضى، ثم كلمت فرضيت: لا يقام على هذا النكاح". تنازع الشيوخ في هذا؛ فذهب بعضهم إلى أنه خلاف وأنه كان يفرق مرة بين القرب والبعد، أو تأخيرِ (٧) الإعلام وتعجيله، ومرة لم يفرق، واستدل بقوله "مرة"، وبقوله آخر المسألة (٨): "وهذا قول مالك الذي عليه أكثر أصحابه (٩) ". وهذا صحيح؛ فإن الخلاف فيه بين منصوص من قول مالك في كتاب محمد (١٠) وغيره.

стр. 807

وقال/ [خ ١٥٥] بعضهم: الخلاف إنما هو في البعيد الغيبة. وبعضهم (١) يقول: بل في البعيد الغيبة والقريب الغيبة. قال القاضي ﵀: وقد وجدنا لسحنون هذا أيضاً؛ قال: من الرواة من يقول: إذا تقدم العقدُ الرضى فسخ، قرب أو بعد (٢). وحمل بعض الشيوخ الخلاف في ذلك على ما ذكره البغداديون من اختلاف قول مالك في النكاح الموقوف على الإذن؛ هل يجوز إن أجيز بالقرب أم لا سواء كانت الإجازة للزوج أو للمرأة أو للولي (٣)؟ قال ابن القصار: فإذا قلنا بالإجازة فلا فرق بين القرب والبعد، وإنما يستحسن فسخه إذا بعد، ويجوز إذا قرب لاستخفاف الشيء اليسير في الأصول (٤). وأنكر القاضي أبو الفرج هذا المنزع في المسألة وقال: كان يلزمنا (٥) على هذا تجويز كل عقد ممنوع إذا قرب، وإنما معنى (٦) ذلك عنده في تجويزه في القرب أنها علمت فعله فلم تنكره ثم رضيت، وأما لو لم تعلم حتى أعلمت كانت كمسألة الابن (٧). وأما أبو عمران فترجح في المسألة وقال: يحتمل الخلاف وغيره، وأن مسألة التي فرق فيها بين القرب والبعد تفسر الأخرى وتقضي عليها ومسألة الابن الغائب - يريد البعيد الغيبة - ومسألة التي قالت: لا أرضى؛ لأنها ردت الأمر وأبطلته - وقد جاءت في "سماع" ابن القاسم: ما وكلت وما (٨)

стр. 808

رضيت (١)، فلا تشبه المسائل الأخرى التي فيها الإجازة والرضى بالقرب - ويقول (٢): وقوله - على هذا "مرة"؛ أي لم (٣) يتكلم بهذا التفسير والبيان إلا مرة، وفي غيرها أجمل/ [ز ٨٣] الجواب. وقال في مسألة (٤) الابن الغائب "ينكر ما صنع أبوه من إنكاحه: لا ينبغي للأب أن يتزوجها". وقال (٥) في مسألة الأجنبي الغائب يزوجه الرجل بغير أمره فأجاز: لا يجوز إن طال ولا يتزوجها أبوه ولا ابنه. قال ابن لبابة: معنى مسألة الابن أنه قريب الغيبة، وكذلك مسألة الأجنبي هو أيضاً قريب الغيبة لكنه لم يعرف ذلك حتى طال، قال: ومذهبه إذا كانت الغيبة قريبة فلم يجز وقع التحريم، وكذلك إن كانت بعيدة فأجاز؛ لأنه لو أجاز بالقرب جاز فصارت شبهة. ويقول بعض أهل العلم: إنه إن أجاز جاز وإن كانت بعيدة. قال ابن لبابة: ولا يقع عندي التحريم بشيء من هذا، ولو صح هذا لوصل الناس إلى تحريم من شاؤوا من النساء على غيرهم بعقد نكاحها على من تحرم عليه بسببه بغير أمره. وظاهر كلام غيره التسوية في التحريم بين القرب والبعد والإجازة والرد، وجعل قول المدنيين: إذا قدم فلم يرض أنه لا يقع به التحريم (٦)، وما لمالك في ذلك أنه خلاف لما في "المدونة" (٧).

стр. 809

وقوله (١) في الحديث: "فما صمتت عنه وقرت جاز عليها"، كذا عندنا. وفي نسخ: "وأقرت" (٢). وكلاهما يرجع إلى معنى؛ فالأول بمعنى السكون والقرار، يقال: قر يقر إذا سكن. أي لم تُظهر كراهة ولا بَدا منها نفور ولا انزعاج. وفيه حجة أن إنكار البكر يكون بغير القول - كما قاله شيوخنا البغداديون (٣) وغيرهم - إن بكت، أو نفرت، أو قامت، أو ظهر منها ما يدل على الكراهية لم تنكح (٤). وكما قال شريح في الكتاب (٥): "إن معَّصت لم تنكح". ومعناه قطبت وجهها وأظهرت/ [خ ١٥٦] فيه الكراهية (٦). وهو بتشديد العين المهملة وبالصاد المهملة (٧). وإن كان القاضي أبو محمد بن نصر حكى عن مالك أن الإنكار لا يكون إلا بالقول (٨)، وهو اختيار بعض الموثقين (٩). والرواية الأخرى من الإقرار، وهو التسليم والانقياد، أي لم تنكر ذلك وأقرت عليه وسلمت، بظاهر حالها وصمتها. وأشْعَث (١٠) بن سوَّار، بالثاء المثلثة وتشديد الواو في اسم أبيه.

стр. 810

مسألة وضع الصداق، اختلف الشيوخ هل قول ابن القاسم (١) بإجازة وضع الأب من الصداق على وجه النظر قبل الطلاق والدخول؟ وهل (٢) هو مخالف لقول مالك: "لا يجوز أن يضع منه إذا لم يطلقها": فذهب بعضهم إلى أنه خلاف؛ إذ لا يشترط فيه بعد الطلاق نظراً (٣)، ولأن الحكمة في ذلك الحض على الإحسان وكرم الأخلاق، وأن الزوج حين طلقها قبل أن يصل منها إلى مرغوبه فمكارم الأخلاق تقتضي ألا تأخذ منه ما كان بذل لها مما فاته منها وتتنزه عنه وتتركه له كما تركها، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (٤)، وهن الزوجات، إذ هذه صيغة جمعهن. والمراد به - والله أعلم - المالكات أمرهن. ثم قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (٥)، وهو - عندنا - المالك أمر من يلي عليه، كالأب في البكر، والسيد في الأمة، لأنه خطاب لغير الأزواج المخاطبين بالمواجهة أول الآية، فدل أن المراد غيرهم، فندبوا لمثل ذلك (٦). والمراد عند غيرنا (٧) بهذا الأزواجُ؛ ندبوا أيضاً لذلك إذا طلقها وفوتها ما رجته منه، فكان من مكارم الأخلاق والإحسان ألا يسترد منها ما أسقطه عنه الشرع مما كان بذل لها عن معاشرتها التى تركها من قبله. وقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٨)، يشعر بصحة/ [ز ٨٤] التعليل الذي ذكرناه، كما أمر الزوج بالمتعة في الوجوه الأخر، وجعله حقاً على المتقين وعلى المحسنين تسلية عن الفراق. وإن كان شيوخنا ﵏ لم يصرحوا بما قلناه
следующие страницы →