المطلب الثالث
صفات الله .
بين الشيخ عبد الرزاق ﵀: " أن صفات الله تعالى قائمة بالذات ملازمة لها، وليست هناك ذات مجردة عن الصفات، والمعتزلة هم الذين يقولون الذات قائمة مجردة عن الصفات، فصفات الله تعالى ليست هي الذات، وليست هي غير الذات" (١).
وذكر الشيخ ﵀ في مذكرة التوحيد نقلاً عن ابن القيم: طريقين لإثبات الصفات، فقال: "وقد ذكر ابن القيم في: "مدارج السالكين" (٢) طريقين لإثبات الصفات:
١ - الوحي الذي جاء من عند الله - تعالى - على لسان رسوله ﷺ .
٢ - الحس الذي شاهد به البصير آثار الصنعة.
قال ابن القيم: في بيان الطريق الأول:-
فأما الرسالة فإنها جاءت بإثبات الصفات إثباتاً مفصلاً على وجه أزال الشبه، وكشف الغطاء، وحصل العلم اليقين، ورفع الشكّ المريب، فثلجت له الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر به الإيمان في نصابه. ففصلت الرسالة الصفات، والنعوت، والأفعال، أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقرّرت إثباتها أكمل تقرير. فما أبلغ لفظه وأبعده من الإجمال، والاحتمال، وأمنعه من قبول التأويل، ولذلك كان التأويل لآيات الصفات، وأحاديثها بما يخرجها عن حقائقها من جنس تأويل آيات المعاد، وأخباره. بل أبعد منه. بل تأويل آيات الصفات بما يخرجها عن حقائقها، كتأويل آيات الأمر والنهي سواء، فالباب كله باب واحد، ومصدره واحد، ومقصده واحد، وهو إثبات حقيقتها، والإيمان بها.
الطريق الثاني: من طرق إثبات الصفات دلالة الصفة عليها، فإن المخلوق يدل على وجود خالقه، وعلى حياته، وعلى قدرته، وعلى علمه، ومشيئته. فإن الفعل الاختياري يستلزم ذلك استلزاماً ضرورياً. فما فيه من الإتقان، والإحكام، ووقوعه على أكمل الوجوه يدل على حكمة فاعله وعنايته، وما فيه من الإحسان، والنفع، ووصول المنافع العظيمة إلى المخلوق
стр. 107
يدل على رحمة خالقه، وإحسانه، وجوده، وما فيه من آثار الكمال يدل على أن خالقه أكمل منه، فمعطي الكمال أحق بالكمال.
وخالق الأسماع والأبصار والنطق أحق أن يكون سميعاً بصيراً متكلماً.
وخالق الحياة والعلوم والقدر والإرادات، أحق بأن يكون هو كذلك في نفسه، فما في المخلوقات من أنواع التخصيصات هو من أدل شيء على إرادة الرب -سبحانه- ومشيئته، وحكمته التي اقتضت التخصيص، وحصول الإجابة عقيب سؤال الطالب على الوجه المطلوب دليل على علم الرب تعالى بالجزئيات، وعلى سمعه لسؤال عبده، وعلى قدرته على قضاء حوائجهم، وعلى رأفته ورحمته بهم، والإحسان إلى المطيعين، والتقرب إليهم، والإكرام لهم، وإعلاء درجاتهم يدل على محبته ورضاه. وعقوبته للعصاة، والظلمة، وأعداء رسله بأنواع العقوبات المشهورة تدل على صفة الغضب والسخط والإبعاد، والطرد، والإقصاء يدل على المقت، والبغض.
فهذه الدلالات من جنس واحد عند التأمل، ولهذا دعا -سبحانه- عباده إلى الاستدلال بذلك على صفاته. فهو يثبت العلم بربوبيته، ووحدانيته، وصفات كماله بآثار صنعته المشهودة، والقرآن مملوء بذلك، فيظهر شاهد اسم الخالق من المخلوق نفسه، وشاهد اسم الرازق من وجود الرزق ... " (١) وغير ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهو سبحانه ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة، كذلك له صفات حقيقة وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصاً أو حدوثاً فإن الله منَزَّهٌ عنه حقيقة، فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه" (٢).
стр. 108
الاشتراك في الصفات:
قال الشيخ ﵀: " الاشتراك إنما هو في المفهوم الكلي فلا يلزم المحال (١)، وبالجملة؛ فهذا مبني على توهم أن المشاركة بين الخالق والمخلوق في المفهوم الكلي ... تستلزم المشاركة في الخارج والمشابهة التي نزه الله نفسه عنها بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١، وليس كذلك؛ إذ الكلي لا وجود له إلا في الذهن ... ويتضح ذلك باللون فإن معناه الكلي لا وجود له إلا في الذهن ويشترك فيه أفراده الموجودة في الخارج كسواد الفحم وبياض القطن ... إلخ. ولم يلزم من اشتراكها في معناه الكلي تشابهها في الخارج ولا مداخلة كل الآخر في خواصه، بل ما زالت متضادة متميزاً كل منها عن الآخر بخواصه، وإذا لم يلزم ذلك في الألوان وهي مخلوقة فأولى أن لا يلزم ذلك بين الله وعباده" (٢).
وبين كذلك: أن الاشتراك إنما هو في اللفظ لا في الحقيقة، فقال: " الصفات المشتركة بين الله وخلقه كالسمع والبصر والعزيز والقدير فلا بأس بذلك مع الإيمان بأن صفة الله جل وعلا لا تشابه صفات المخلوقين في الحقيقة والمعنى (٣) وإن اشتركا في اللفظ، وأصل المعنى في الذهن، وقد أجمع أهل السنة والجماعة وهم أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان
стр. 109
على أن القول في الصفات كالقول في الذات، فكما أن ذات الله سبحانه حق لا تشبه الذوات فهكذا صفاته ثابتة له على الوجه اللائق به ولا تشبه صفات المخلوقين" (١).
وما قرره الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ من كون الاشتراك في نصوص الصفات في الألفاظ دون الحقائق والكيفيات، هو ما عليه أهل السنة والجماعة، يقول ابن تيمية ﵀: إن الاشتراك في الأسماء والصفات لا يستلزم تماثل المسميات والموصوفات، ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب ، ولا نفي ما يستحقه لم يكن ممتنعاً (٢).
الأدلة من السمع والعقل والحس:
دل على ما سبق السمع، والعقل، والحس:
أما السمع: فقد قال الله عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ النساء: ٥٨. وقال عن الإنسان: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ الإنسان: ٢. ونفي أن يكون السميع كالسميع والبصير كالبصير فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١. وأثبت لنفسه علماً وللإنسان علماً، فقال عن نفسه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ البقرة: ٢٣٥، وقال عن الإنسان: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ الممتحنة: ١٠. وليس علم الإنسان كعلم الله تعالى، فقد قال الله عن علمه: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾ طه: ٩٨. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ آل عمران: ٥. وقال عن علم الإنسان: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ الإسراء: ٨٥.
стр. 110
وأما العقل: فمن المعلوم بالعقل أن المعاني والأوصاف تتقيد وتتميز بحسب ما تضاف إليه، فكما أن الأشياء مختلفة في ذواتها فإنها كذلك مختلفة في صفاتها وفي المعاني المضافة إليها، فإن صفة كل موصوف تناسبه لا يفهم منها ما يقصر عن موصوفها أو يتجاوزه، ولهذا نصف الإنسان باللين، والحديد المنصهر باللين، ونعلم أن اللين متفاوت المعنى بحسب ما أضيف إليه.
وأما الحس: فإننا نشاهد للفيل جسماً وقدماً وقوة، وللبعوضة جسماً وقدماً وقوة، ونعلم الفرق بين جسميهما، وقدميهما، وقوتيهما.
فإذا علم أن الاشتراك في الاسم والصفة في المخلوقات لا يستلزم التماثل في الحقيقة مع كون كل منها مخلوقاً ممكناً، فانتفاء التلازم في ذلك بين الخالق والمخلوق أولى وأجلى، بل التماثل في ذلك بين الخالق والمخلوق ممتنع غاية الامتناع؛ والاشتراك في أصل المعنى لا يستلزم المماثلة في الحقيقة (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) ﵀: لا يصح الاعتماد في ضابط النفي على مجرد نفي التشبيه وذلك لوجهين:
الأول: أنه إن أريد بالنفي نفي التشابه المطلق - أي نفي التساوي من كل وجه بين الخالق والمخلوق - فإن هذا لغو من القول إذ لم يقل أحد بتساوي الخالق والمخلوق من كل وجه، فإنه مما يعلم بضرورة العقل وبداهة الحس انتفاؤه، لأنه يستلزم التعطيل المحض.
فإذا نفي عن الله تعالى صفة الوجود "مثلاً" بحجة أن للمخلوق صفة وجود فإثباتها للخالق يستلزم التشبيه على هذا التقدير، لزم على نفيه أن يكون الخالق معدوماً، ثم يلزمه على هذا اللازم الفاسد أن يقع في تشبيه آخر وهو تشبيه الخالق بالمعدوم لاشتراكهما في صفة العدم فيلزمه على "قاعدته" تشبيه بالمعدوم، فإن نفى عنه الوجود والعدم وقع في تشبيه
стр. 111
ثالث أشد وهو تشبيه بالممتنعات؛ لأن الوجود والعدم نقيضان يمتنع انتفاؤهما كما يمتنع اجتماعهما.
الثاني: أن يريد بالنفي مطلق التشابه - أي نفي التشابه من بعض الوجوه - فهذا النفي لا يصح إذ ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك يشتركان فيه، وقدر مختص يتميز به كل واحد عن الآخر، فيشتبهان من وجه، ويفترقان من وجه.
فالحياة "مثلاً" وصف مشترك بين الخالق والمخلوق، قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ الفرقان: ٥٨. وقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ الروم: ١٩. لكن حياة الخالق تختص به فهي حياة كاملة من جميع الوجوه لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء، بخلاف حياة المخلوق فإنها حياة ناقصة مسبوقة بعدم متلوة بفناء قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ الرحمن: ٢٦ - ٢٧، فالقدر المشترك "وهو مطلق الحياة" كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، لكن ما يختص به كل واحد ويتميز به لم يقع فيه اشتراك، وحينئذ لا محذور من الاشتراك في هذا المعنى الكلي، وإنما المحذور أن يجعل أحدهما مشاركاً للآخر فيما يختص به.
стр. 112
أنواع الصفات التي تكلم عنها الشيخ من حيث تعلقها بذات الله وأفعاله:-
قسم العلماء صفات الله تعالى إلى قسمين:
١ - صفات ذاتية.
٢ - صفات فعلية.
قال الإمام أبو حنيفة ﵀: "لم يزل، ولا يزال بأسمائه، وصفاته الذاتية والفعلية" (١).
فأما الصفات الذاتية فهي التي لا تنفك عن الله سبحانه، كالعلم، والحياة والقدرة، والسمع، والبصر، ... إلخ، وأما صفات الفعل فهي ما تعلق بمشيئة الله وقدرته، كالنزول، والاستواء، والمجيء، ونحو ذلك (٢).
وقد تكون الصفة ذاتية وفعلية باعتبارين، كصفة الكلام، فإنه باعتبار أصله صفة ذاتيه؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلماً، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية لأن الكلام يتعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء، كما شاء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ يس: ٨٢ (٣).
وهذا التقسيم أصل متفق عليه بين السلف، كما دلت نصوص الكتاب والسنة، وقد بين ذلك الشيخ ابن سعدي:، فقال: "ومن الأصول المتفق عليها بين السلف، التي دلت عليها النصوص، أنّ صفات الباري قسمان: صفات ذاتية لا تنفك عنها الذات، كصفة الحياة، والعلم، والقدرة، ... ، وصفات فعلية تتعلق بها أفعاله في كل وقت وآن وزمان، ولها آثارها في الخلق والأمر ... " (٤).
стр. 113
القسم الأول:
- صفات الله الذاتية:
وهي التي لا تنفك عنه سبحانه ولم يزل متصفاً بها؛ كالعلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، والوجه، واليدين ... ونحو ذلك (١).
ومن الصفات التي تناولها الشيخ ﵀ في كتاباته:
١ - صفة العلو لله :
مادة "العين، واللام، والحرف المعتل، ياءً كان أو واواً أو ألفاً ... تدل على السمو والارتفاع" (٢)
والعلو يطلق في اللغة على معان هي: علو الذات، وعلو القهر، وعلو القدر (٣).
وقرر الشيخ ﵀ أن الله عليٌ على خلقه مطلقاً ذاتاً وقدراً وقهراً ويذكر أن الأدلة على ذلك من الكتاب والأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ وإجماع الصحابة ﵃ وأئمة السلف ﵏ (٤).
وقد أجمع أهل القبلة على إثبات علو القهر وعلو القدر لله تعالى، واختلفوا في علو الذات (٥).
стр. 114
والصواب الذي عليه سلف الأمة وأئمتها إثبات علو الذات لله تعالى (١)، وهو قول عامة الصفاتية (٢)
الأوائل (٣).
والقول بذلك هو مقتضى دلالة السمع، والإجماع، والفطرة، والعقل.
فأما دلالة السمع والإجماع:
فقد تواترت نصوص الكتاب والسنة تواتراً لفظياً ومعنوياً على إثبات العلو الذاتي لله تعالى، حتى ذكر بعض أهل العلم أن أدلة ذلك تزيد على ألف دليل (٤).
ومن الأدلة التي استدل بها الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ قوله تعالى ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)﴾ غافر: ٢، فقال: " فيه دليل على علو الله على خلقه بذاته حقيقة،
стр. 115
لأن التنزيل إنما يكون من أعلى إلى أسفل، والأصل الحقيقة حتى يثبت دليل من السمع أو العقل يصرف النص عن ذلك، ولا دليل منهما أو من أحدهما" (١).
واستدل الشيخ ﵀ كذلك بقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ الملك: ١٦، فقال: "والصواب أن السماء بمعنى العلو، والمعنى: أأمنتم الله الذي في العلو؛ أو في معنى على، والتقدير: أأمنتم الله الذي على السماء، ولا يجوز في معنى هذا النص إلا هذان الوجهان" (٢).
وقد ذكر الشيخ عبد الرزاق: ما ذكره العلامة ابن القيم (٣): من أنواع الأدلة النقلية الدالة على علو الله فعد منها أكثر من عشرة أنواع وأتبعها بالدليل وبين أنها كثيرة متنوعة، فذكر منها: " التصريح -بصفة العلو-، والفوقية بمن وبدونها، والعروج إليه، والصعود إليه، ورفع بعض المخلوقات إليه، والعلو المطلق، وتنزيل الكتاب منه، واختصاص بعض المخلوقات بكونها عنده، وأنه في السماء، وأنه مستوٍ على العرش، ورفع الأيدي إليه، ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، والإشارة إليه حساً" (٤).
وقد ذكر هذه الأدلة جمع من أهل السنة والجماعة واستدلوا بها على إثبات صفة العلو (٥).
وبين ﵀: " أن من رام أن يتأولها فقد رام باطلاً، ومن سلك طريق التأويل لهذه النصوص فتح على نفسه باب شر لا يمكنه إغلاقه، ومع هذا فقد تأول كثير من المتأخرين (٦) الفوقية في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ الأنعام: ١٨، بأنه تعالى
стр. 116
خير من عباده، وأنه خير من العرش وأفضل منه، وهو كما ترى تأويل بعيد تنفر منه العقول الرشيدة وتأباه الفطر السليمة، فإنه لا تمجيد لله في ذلك ولا تعظيم له، بل هو تأويل سمج مرذول، فإنه يشبه قول القائل الجبل أثقل من الحصى، ورسول الله أفضل من اليهود، والجواهر فوق قشر البصل أو قشر السمك، ونحو ذلك مما التفاوت فيه عظيم، ولا شك أن التفاوت بين الله وبين عباده أعظم، ولو أن المتأول أثبت الفوقية مطلقاً، فوقية الذات، وفوقية القهر والغلبة، وفوقية القدر والمنزلة لكان ذلك صواباً، لاتفاقه مع نصوص الكتاب والسنة مع عدم المحذور" (١).
ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة، مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله - هو العلي الأعلى، وهو فوق كل شيء ... وأنه فوق السماء ... ثم عن السلف في ذلك من الأقوال، ما لو جمع لبلغ مئين وألوفاً، ثم ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسوله ﷺ ، ولاعن أحد من سلف الأمة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك، لا نصاً ولا ظاهراً" (٢).
دليل الفطرة:
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: "وقد شهدت العقول السليمة، والفطر المستقيمة على علو الله على خلقه، وكونهِ فوق عباده، كما صرحت بذلك نصوص الكتاب والسنة المتنوعة المحكمة" (٣).
стр. 117
ويبين الشيخ ﵀: " أن الفطر السليمة قد شهدت بذلك أيضاً، فإن الخلق جميعاً يرفعون أكفهم إلى السماء عند الدعاء بمقتضى فطرهم وبدافع قوي من طباعهم التي لم يدخلها إلحاد، ولم ينحرف بها عن جادة الحق تمويه ولا تلبيس، ويقصدون جهة العلو بقلوب كلها خشوع وضراعة إلى الله راجين أن يتقبل أعمالهم، ويستجيب دعاءهم، ويسبغ عليهم نعمه، ويعمهم بفضله وإحسانه" (١).
"وقد ذكر محمد بن طاهر المقدسي (٢) أن الشيخ أبا جعفر الهمداني (٣)
حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني (٤) المعروف بإمام الحرمين، وهو يتكلم في نفي صفة العلو، ويقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان، فقال الشيخ أبو جعفر الهمداني: أخبِرنا يا أُسْتَاذُ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة طلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف نرفع الضرورة عن أنفسنا، قال: فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل! وأظنه قال: وبكى! وقال: حيرني الهمداني حيرني، وكأن الشيخ أبا جعفر أراد أن هذا أمر فطري، فطر الله عليه عباده من
стр. 118
غير أن يتلقوه عن المرسلين، ويجدون في قلوبهم طلباً ضرورياً يدفعهم للتوجه إلى الله وطلبه في العلو" (١).
وبنو آدم كلهم مفطورون على الإقرار بعلو الله الذاتي، ولا يستطيع أحد منهم أن ينفك عن ذلك، فإن الخلق كلهم باختلاف طوائفهم وتعدد مذاهبهم - عدا من اجتالته الشياطين منهم - إذا نابهم شيء اتجهوا بقلوبهم وأيديهم إلى جهة العلو اضطراراً وليس اختياراً بحيث لا يستطيع أحد دفع ذلك (٢).
ويطرح الشيخ ﵀ تساؤلاً ويجيب عليه فيقول: " فإن قيل إن رفع الأيد إلى السماء، وتوجه القلوب إلى جهة العلو إنما كان من أجل أن السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة؟ لا لأن الله في السماء فوق عباده، ثم هو منقوض (٣) بشرع السجود، ووضع الجبهة على الأرض مع أن الله ليس في جهة الأرض، أجيب (٤):
أولاً بمنع أن تكون السماء قبلة الدعاء، فإن كون الشيء قبلة لا يعرف إلا من طريق الشرع ولم يثبت في جعل السماء قبلة للدعاء كتاب ولا سنة، ولا قال به أحد من سلف الأمة وهم لا يخفى عليهم مثل هذه الأمر.
ثانياً ثبت أن الكعبة قبلة الدعاء كما أنها قبلة الصلاة، فقد كان النبي ﷺ يستقبل الكعبة في دعائه في مواطن كثيرة (٥)، فمن ادعى أن للدعاء قبلة سوى الكعبة أو ادعى أن السماء قبلته كما أن الكعبة قبلة فقد ابتدع في الدين وخالف جماعة المسلمين.
стр. 119
ثالثاً أن القبلة ما يستقبله العابد بوجهه كما يستقبل الكعبة للصلاة والدعاء والذكر والذبح ودفن الميت ونحو ذلك مما يطلب فيه استقبال القبلة، ولذا سميت القبلة وجهة لاستقبالها الوجه، فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع أن يوجِه الداعي وجهه إليها لكنه لم يشرع بل نهي عنه، وإنما شرع رفع اليدين، ورفع اليدين إلى السماء حين الدعاء لا يسمى استقبالاً لها شرعاً ولا لغة، ولا حقيقة ولا مجازاً.
رابعاً أن الأمر باستقبال القبلة مما يقبل النسخ والتحويل، كالأمر باستقبال بيت المقدس في الصلاة نسخ بالأمر باستقبال الكعبة (١)، ورفع الأيدي إلى السماء في الدعاء والتوجه بالقلب إلى جهة العلو أمر فطري مركوز في طبائع الناس لم يتغير في جاهلية ولا إسلام، يضطر إليه الداعي عند الشدة والكرب مسلماً كان أم كافراً.
خامساً أن من استقبل الكعبة لا يقع في قلبه أن الله هناك جهة الكعبة، بخلاف الداعي فإنه يرفع يديه إلى ربه وخالقه وولي نعمته، يرجو أن تنزل عليه الرحمات من عنده.
وأجيب عن نقضهم الاستدلال بالفطرة على أن الله فوق خلقه بما ذكروه من السجود ووضع الجبهة على الأرض بأنه باطل، فإن واضع الجبهة على الأرض في السجود أنما قصده الخضوع لله، وإعلان كمال ذل العبودية من الساجد لربه ومالك أمره، لا لأنه يعتقد أنه تحته فيهوي إليه ساجداً، فإن هذا لا يخطر للساجد ببال، بل تنزه ربه عن ذلك، ولهذا شرع له أن يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، تعالى الله عن الظنون الكاذبة علواً كبيرا" (٢).
стр. 120
وأما دلالة العقل:
فيبين الشيخ ﵀: " أنها قد دلت الأدلة العقلية على ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، من أن الله بائن من خلقه وأنه فوق عباده بنفسه، وبيانه أن وجود الله إما أن يكون ذهنياً فقط، وإما أن يكون في خارج الأذهان، والأول ممنوع بإجماع، وإذا تعين أن يكون وجوده خارج الأذهان فإما أنه عين العالم أو صفة قائمة بالعالم، وإما أن يكون قائماً بنفسه بائناً من خلقه وكل من القول الأول والثاني ممنوع فتعين أن يكون الله موجوداً قائماً بنفسه بائناً من خلقه وإذ ثبت ذلك كان سبحانه فوق عباده، مستوياً على عرشه، لأن السفول صفة ذم لا تتضمن مدحاً ولا ثناءً فلا يليق بالله، والعلو صفة مدح وثناء وكمال لا نقص فيه ولا يستلزم نقصاً، ولا يوجب محذوراً، ولا يخالف كتاباً ولا سنة ولا إجماعاً، بل النصوص وإجماع السلف تثبت ذلك وتقتضيه، فوجب اعتقاده، وإنكار التأويل وصرف النصوص عن ظواهرها، ولكونه عين الباطل الذي لا تأتي به الشريعة، ولا يراه عقل سليم" (١).
ويطرح الشيخ ﵀ تساؤلاً ويجيب عليه فيقول: "فإن قيل: إن أكثر العقلاء يتأولون نصوص الاستواء والعلو والفوقية بالاستيلاء والقهر والغلبة، وبعلو القدر والمنزلة، بالخيرية وكمال الفضل، فكان تأويلهم مقتضى العقل، إذ يبعد أن يُرمى جمهور العلماء بالجهل والسفاهة، وتحريف النصوص الصحيحة عن مواضعها، ولا يكون لهم وجه يعتمدون عليه فيما ذهبوا إليه؟
قيل: ليس الأمر كما قيل، فإن الذين يصرحون بأن خالق العالم شيء موجود خارج الأذهان لكنه ليس فوق العالم وأنه ليس مبايناً للعالم ولا داخلاً فيه طائفة من النظار، وأول من ابتدع ذلك في الإسلام الجعد بن درهم (٢)، وتبعه في التحريف والتعطيل الجهم بن
стр. 121
صفوان، فقام هو وأتباعه بنشر هذه البدعة بين الناس، وهم مسبوقون بإجماع الصحابة والتابعين وأئمة التفسير والفقه والحديث على إجراء النصوص كما جاءت، وإمرارها على ظاهرها إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، عملاً بقوله تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ الإخلاص: ١ - ٤، وقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١" (١).
فإن من المعلوم ببداهة العقول أن الله تعالى كان ولا شيء معه، ثم خلق الخلق، فلما خلقهم فلا يخلو أن يكون خلقهم في نفسه، أو خلقهم خارج نفسه، والأول باطل قطعاً بالاتفاق؛ لأن الله تعالى منزه عن النقائص وأن يكون محلاً للقاذورات -تعالى الله عن ذلك- فلزم أن يكون بائناً من خلقه، وأن يكونوا هم بائنين عنه. وإذا لزمت المباينة فلا يخلو إما أن يكون فوقهم، أو تحتهم، أو عن يمينهم، أو عن شمالهم، والفوقية هي أشرف الجهات، وهي صفة كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فوجب اختصاصه بذلك (٢).
وبهذا يعلم أن من نفى شيئاً من أنواع العلو لله فقد تنقص الله وخالف مقتضى العقل والنقل.
٢ - صفة اليد لله :
قرر الشيخ ﵀ إثبات اليد حقيقة لله على ما يليق به سبحانه، مستدلاً بقوله تعالى ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ الفتح: ١٠. وقوله سبحانه ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى
стр. 122
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ الملك: ١، وأن اليد صفة ذاتية لله ؛ وأن هذا مستفاد من إضافة اليد لله تعالى في آية الملك (١).
ويبين الشيخ ﵀ تفسير قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ الذاريات: ٤٧، بأن تفسير السلف لـ (أيد) بالقوة ليس من التأويل، فقال: " لأن الأيد هنا مصدر آد، وليس بجمع لِيَدٍ، فليس في ذلك متمسك لمن يقول: إن السلف تناقضوا في آيات الصفات تأويلاً وتركاً للتأويل" (٢).
ويقرر الشيخ كذلك عند قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ الزمر: ٦٧، بأن: "لله سبحانه يميناً حقيقية على ما يليق بجلاله؛ وأنه سبحانه يطوي السماوات بيمينه حقيقة يوم القيامة على ما يليق بكماله" (٣).
صفة اليد ثابتة بالكتاب والسنة:
قال ابن القيم ﵀: "ورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مئة موضع وروداً متنوعاً متصرفاً فيه، مقروناً بما يدل على أنها يد حقيقية؛ من الإمساك، والطي، والقبض، والبسط، ... وأخذ الصدقة بيمينه ... وأنه يطوي السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى ... " (٤).
وما ورد في نصوص الوحيين من الألفاظ التي جاءت بإثبات القبض والبسط ... لله تعالى، هي من الأدلة الكثيرة التي تؤيد ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من إثبات صفة (اليد) لله على ما يليق بذاته سبحانه من غير تمثيل، إذْ هو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١، وذلك أن القبض والبسط قد ورد إضافتهما إلى أشياء محسوسة تُقبض باليد الحقيقية، ولا يصح حملها على القبض والبسط المعنوي، كقوله
стр. 123
جلَّ ذكره: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ الزمر: ٦٧ (١).
وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأراضين بشماله ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: (يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة ...) (٣).
إذن فاليمين صفة ذاتية لله تعالى، وهي على ما يليق به سبحانه، شأنها شأن بقية الصفات الإلهية الثابتة بالكتاب والسنة (٤).
٣ - صفة الإرادة والمشيئة لله :
ذكر الشيخ ﵀: "أنه لا يكون من الله فعل إلا بإرادته" (٥)، مستدلاً على عموم إرادة الله سبحانه بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ الصف: ٥، "وأن الله لا يريد كوناً ولا شرعاً أن يظلم عباده لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ النساء: ٤٠،ولقوله في
стр. 124
الحديث: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي) (١)، وإن كان يريد كوناً لا شرعاً أن يظلم بعض العباد بعضاً لوقوعه منهم، ولو لم يرده لم يقع" (٢).
وبين الشيخ كذلك عموم مشيئة الله مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الشورى: ٨، وبقوله ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الإنسان: ٣٠، وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ التكوير: ٢٨ - ٢٩، وأن هذه الآية تدل على مشيئة الله الكونية (٣).
وبين الشيخ ﵀ الفرق بين الإرادة الكونية القدرية والإرادة الشرعية الدينية، فقال: " إن الإرادة الكونية القدرية أعم مطلقاً فتشمل الإرادة الدينية والإرادة القدرية؛ أما الإرادة الدينية الشرعية فهي أخص مطلقاً، فكل مطيع قد اجتمعت فيه إرادتان: الشرعية والقدرية، أما الكافر والعاصي فقد انتفت منه الإرادة الشرعية في أعماله المخالفة للشرع" (٤).
وذكر الشيخ ﵀: " أن العبادة التي تقع من العبد ويثيبه الله عليها من فضل الله على العبد وهي حاصلة بإرادته واختياره، وأن المعصية التي تقع من العبد هي واقعة من نفس العبد وبإرادته واختياره، وعقوبة الله للعبد على هذه المعصية هي واقعة بسبب من العبد؛ لأنه باشرها، وقد عامله الله بعدله في ذلك، وكلتاهما وقعتا من العبد بمشيئة الله وقدره السابق، وله في ذلك الحكمة البالغة، وقد أوضح ذلك سبحانه بقوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ النساء: ٧٨ " (٥).
стр. 125
والإرادة والمشيئة صفتان ثابتتان بالكتاب والسنة.
فمن الكتاب:
- قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ الأنعام: ١٢٥.
-وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ الإنسان: ٣٠.
-وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ آل عمران: ٢٦.
ومن السنة:
-حديث أنس بن مالك ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: (وكل الله بالرحم ملكاً ... فإذا أراد الله أن يقضي خلقها؛ قال ...) (١).
-حديث عبد الله بن عمر ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا أراد الله بقوم عذاباً؛ أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم) (٢).
-حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ (... قال الله ﵎ للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي) (٣).
-حديث أبي هريرة ﵀: (... ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (٤).
стр. 126
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: -بعد أن ذكر بعض الآيات السابقة وغيرها: " ... وكذلك وصف نفسه بالمشيئة، ووصف عبده بالمشيئة ... وكذلك وصف نفسه بالإرادة، ووصف عبده بالإرادة ... ومعلوم أنَّ مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد ولا إرادته مثل إرادته ... " (١).
ويقول الشيخ ابن عثيمين ﵀: "ويجب إثبات صفة الإرادة بقسميها الكوني والشرعي؛ فالكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة". (٢)
وبين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية فروق (٣) تُميز كلَّ واحدة منهما عن الأخرى، ومن تلك الفروق ما يلي:
١_ الإرادة الكونية قد يحبها الله ويرضاها، وقد لا يحبها ولا يرضاها.
أما الشرعية فيحبها الله ويرضاها؛ فالكونية مرادفة للمشيئة، والشرعية مرادفة للمحبة.
٢_ الإرادة الكونية قد تكون مقصودة لغيرها كخلق إبليس مثلاً، وسائر الشرور؛ لتحصل بسببها محابّ كثيرة، كالتوبة، والمجاهدة، والاستغفار.
أما الشرعية فمقصودة لذاتها؛ فالله أراد الطاعة وأحبها، وشرعها، ورضيها لذاتها.
٣_ الإرادة الكونية لابد من وقوعها؛ فالله إذا شاء شيئاً وقع ولابد، كإحياء أحد أو إماتته، أو غير ذلك.
أما الشرعية كالإسلام - مثلاً - فلا يلزم وقوعها، فقد تقع وقد لا تقع، ولو كان لابد من وقوعها لأصبح الناس كلهم مسلمين.
٤_ الإرادة الكونية متعلقة بربوبية الله وخلقه، أما الشرعية فمتعلقة بألوهيته وشرعه.
стр. 127
٥_ الإرادتان تجتمعان في حق المطيع، فالذي أدى الصلاة -مثلاً - جمع بينهما؛ وذلك لأن الصلاة محبوبة لله، وقد أمر بها، ورضيها، وأحبها، فهي شرعية من هذا الوجه، وكونها وقعت دلَّ على أنَّ الله أرادها كوناً؛ فهي كونية من هذا الوجه؛ فمن هنا اجتمعت الإرادتان في حق المطيع.
وتنفرد الكونية في مثل كفر الكافر، ومعصية العاصي، فكونها وقعت فهذا يدلُّ على أن الله شاءها؛ لأنه لا يقع شيء إلا بمشيئته، وكونها غير محبوبة ولا مرضية لله دليل على أنها كونية لا شرعية.
وتنفرد الشرعية في مثل إيمان الكافر، وطاعة العاصي، فكونها محبوبة لله فهي شرعية، وكونها لم تقع - مع أمْر الله بها ومحبته لها - هذا دليل على أنها شرعية فحسب؛ إذ هي مرادة محبوبة لم تقع.
٦_ الإرادة الكونية أعمّ من جهة تعلّقها بما لا يحبه الله ولا يرضاه، من الكفر والمعاصي، وأخص من جهة أنها لا تتعلق بمثل إيمان الكافر، وطاعة الفاسق.
والإرادة الشرعية أعم من جهة تعلقها بكل مأمور به، واقعاً كان أو غير واقع، وأخص من جهة أن الواقع بالإرادة الكونية قد يكون غير مأمور به.
هذه فوارق بين الإرادتين، فمن عرف الفرق بينهما سلم من شُبهات كثيرة، زلَّت بها أقدام، وضلَّت بها أفهام، فمن نظر إلى الأعمال الصادرة عن العباد بهاتين العينين كان بصيراً، ومن نظر إلى الشرع دون القدر أو العكس كان أعور (١).
٤ - صفة الوجه لله :
يقرر الشيخ عبد الرزاق: صفة الوجه لله حقيقة على ما يليق بجلاله، لقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ الرحمن: ٢٧، فقال ﵀: " وجاء إسناد البقاء إلى الوجه في الآية على معهود العرب في كلامهم وتعبيرهم بمثل ذلك عن بقاء الشيء وصفاته جميعاً" (٢).
стр. 128
وقد ورد إثبات هذه الصفة لله تعالى بالكتاب والسنة.
فمن الكتاب:
-قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ البقرة: ٢٧٢.
- وقوله: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ الرعد: ٢٢.
ومن السنة:
-وحديث سعد بن أبي وقاص ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (... إنك لن تخلَّف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله؛ إلا ازددت به درجة ورفعة ...) (١).
- حديث ابن عمر م قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم ... - فقال كل واحد منهم- اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك؛ ففرّج عنا ما نحن فيه ...) (٢).
-حديث ابن مسعود ﵁ قال: لما قسم النبي ﷺ الغنائم يوم حنين، قال رجل: (والله إنّ هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله ...) (٣).
قال الإمام ابن خزيمة: بعد أن أورد جملة من الآيات تثبت صفة الوجه لله تعالى: "فنحن وجميع علمائنا ... مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا؛ من غير أن نشبه وجه الله خالقنا بوجه أحد من المخلوقين، عز ربنا أن يشبه المخلوقين، وجل ربنا عن مقالة المعطلين" (٤).
стр. 129
وقال الحافظ ابن منده (١): "ومن صفات الله التي وصف بها نفسه قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ القصص: ٨٨، وقال: ﴿يَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ الرحمن: ٢٧، وكان النبي ﷺ يستعيذ بوجه الله من النار (٢)
والفتن كلها، ويسأل به .. "، ثم ذكر أحاديث بسنده، ثم قال: " بيان آخر يدل على أن العباد ينظرون إلى وجه ربهم "، وذكر ما يدل على ذلك (٣).
وقال قوام السنة الأصبهاني (٤): "ذكر إثبات وجه الله الذي وصفه بالجلال والإكرام والبقاء في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ الرحمن: ٢٧ " (٥).
стр. 130
وقال الشيخ الشنقيطي (١): "والوجه صفة من صفات الله وصف بها نفسه، فعلينا أن نصدق ربنا ونؤمن بما وصف به نفسه مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق" (٢).
٥ - صفة الحكمة لله :
يقرر الشيخ صفة الحكمة لله وأنها ثبتت له-سبحانه- في صنعه وتشريعه وقدره وجزائه وكلامه وإرساله الرسل وإنزال الكتب وفي كل شؤونه (٣). وأنه ثبت له كمالها بدليل النقل والعقل وبالنظر في كونه وشرعه؛ فهو سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد على مقتضى الحكمة في فعله وشرعه، ويرعى في ذلك مصلحة عباده فضلاً منه ورحمة. ورعاية الحكمة في أفعاله سبحانه وفي شرعه مما يوجب في حقه، وإن قلنا: إن ذلك واجب عليه؛ فهو سبحانه الذي أوجبه على نفسه فضلاً وإحساناً رحمة منه بعباده ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الأنعام: ٥٤ (٤). وثبت بالنص أنه سبحانه لا يفعل ولا يشرع إلا ما هو مقتضى الحكمة؛ إذن فهو سبحانه لا يشاء إلا ما كان مقتضى الحكمة والعدالة (٥).
стр. 131
الحكمة صفة ذاتية ثابتة لله ، و (الحكيم (١)) من أسمائه تعالى؛ وهو ثابت بالكتاب والسنة.
فمن الكتاب:
-قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ الأنعام: ١٨.
-وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ البقرة: ٢٢٨.
ومن السنة:
-حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: علمني كلاماً أقوله، قَالَ: (... وسبحان الله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم ...) (٢).
قال ابن القيم في النونية (٣):
وهو الحكيم وذاك من أوصافه ... نوعان أيضاً ما هما عدمان
حكم وإحكامٌ فكل منهما ... نوعان أيضاً ثابتا البرهان
قال ابن جرير (٤): (الحكيم) الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل.
وقال: حكيم فيما قضى بين عباده من قضاياه (٥).
стр. 132
وقال ابن كثير (١): الحكيم في أفعاله وأقواله فيضع الأشياء في محلها بحكمته وعدله (٢).
وقال الحليمي (٣):
(الحكيم) ومعناه الذي لا يقول ولا يفعل إلا الصواب، وإنما ينبغي أن يوصف بذلك لأن أفعاله سديدة، وصنعه متقن، ولا يظهر الفعل المتقن السديد إلا من حكيم، كما لا يظهر الفعل على وجه الاختيار إلا من حي عالم قدير (٤).
والحكمة: فعلة من الحكم، وأظهر تفسير لها: العلم النافع؛ لأن العلم النافع هو الذي يحكم الأقوال والأفعال؛ أي يمنعها من أن يعتريها الخلل؛ والله سبحانه العالم بعواقب الأمور وما تصير إليه والعالم بما كان ويكون، فلا يضع أمراً إلا في مواضعه. ومحال أن ينكشف الغيب عن أن ذلك الأمر على خلاف الصواب لعلمه سبحانه بما تؤول إليه الأمور (٥).
وقد بين ابن القيم: أن لله تعالى أنواع ثلاثة اقتضتها حكمته، فهو سبحانه لا يشاء إلا ما كان مقتضى الحكمة والعدالة، قال ﵀: "الأحكام ثلاثة:
الحكم الأول: حكم شرعي ديني:
فهذا حقه أن يتلقى بالمسالمة والتسليم وترك المنازعة؛ بل بالانقياد المحض، وهذا تسليم العبودية المحضة؛ فلا يعارض بذوق ولا وجد ولا سياسة ولا قياس ولا تقليد، ولا يرى إلى خلافه سبيلا البتة، وإنما هو الانقياد المحض والتسليم والإذعان والقبول.
стр. 133
فإذا تلقى بهذا التسليم والمسالمة، إقرارا وتصديقا بقي هناك انقياد آخر، وتسليم آخر له، إرادة وتنفيذا وعملا؛ فلا تكون له شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه، كما لم تكن له شبهة تعارض إيمانه وإقراره، وهذا حقيقة القلب السليم الذي سلم من شبهة تعارض الحق، وشهوة تعارض الأمر، فلا استمتع بخلاقه كما استمتع به الذين يتبعون الشهوات، ولا خاض في الباطل خوض الذين يتبعون الشبهات، بل اندرج خلاقه تحت الأمر، واضمحل خوضه في معرفته بالحق، فاطمأن إلى الله معرفة به، ومحبة له، وعلما بأمره، وإرادة لمرضاته، فهذا حق الحكم الديني الشرعي.
الحكم الثاني: الحكم الكوني القدري الذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة:
والذي إذا حكم به يسخطه ويبغضه ويذم عليه، فهذا حقه أن ينازع ويدافع بكل ممكن ولا يسالم البتة، بل ينازع بالحكم الكوني أيضاً، فينازع حكم الحق بالحق للحق؛ فيدافع به وله، كما قال شيخ العارفين في وقته عبدالقادر الجيلي (١): " الناس إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا وأنا انفتحت لي روزنة (٢)
فنازعت أقدار الحق بالحق للحق والعارف من يكون منازعا للقدر لا واقفا مع القدر" اهـ.
стр. 134
فإن ضاق ذرعك عن هذا الكلام وفهمه، فتأمل قول عمر بن الخطاب ﵁، وقد عوتب على فراره من الطاعون، فقيل له: أتفر من قدر الله؟ فقال: "نفر من قدر الله إلى قدره".
ثم كيف ينكر هذا الكلام من لا بقاء له في هذا العالم إلا به، ولا تتم له مصلحة إلا بموجبه؛ فإنه إذا جاءه قدر من الجوع والعطش أو البرد نازعه وترك الانقياد له ومسالمته ودفعه بقدر آخر من الأكل والشرب واللباس؛ فقد دفع قدر الله بقدره.
وهكذا إذا وقع الحريق في داره، فهو بقدر الله فما باله لا يستسلم له ويسالمه ويتلقاه بالإذعان؟ بل ينازعه ويدافعه بالماء والتراب وغيره حتى يطفىء قدر الله بقدر الله، وما خرج في ذلك عن قدر الله.
وهكذا إذا أصابه مرض بقدر الله دافع هذا القدر ونازعه بكل ما يمكنه؛ فإن غلبه وقهره حرص على دفع آثاره وموجباته بالأسباب التي نصبها الله لذلك، فيكون قد دفع القدر بالقدر، ومن لم يستبصر في هذه المسألة ويعطها حقها لزمه التعطيل للقدر أو الشرع شاء أو أبى، فما للعبد ينازع أقدار الرب بأقداره في حظوظه، وأسباب معاشه، ومصالحه الدنيوية، ولا ينازع أقداره في حق مولاه وأوامره ودينه؟ وهل هذا إلا خروج عن العبودية ونقص في العلم بالله وصفاته وأحكامه؟!.
ولو أن عدوا للإسلام قصده لكان هذا بقدر الله، ويجب على كل مسلم دفع هذا القدر بقدر يحبه الله؛ وهو الجهاد باليد أو المال في العبودية، اللهم إلا إذا بذل العبد جهده في المدافعة والمنازعة، وخرج الأمر عن يده، فحينئذ يبقى من أهل:
الحكم الثالث: وهو الحكم القدري الكوني الذي يجري على العبد بغير اختياره ولا طاقة له بدفعه ولا حيلة له في منازعته:
فهذا حقه أن يتلقى بالاستسلام والمسالمة، وترك المخاصمة، وأن يكون فيه كالميت بين يدي الغاسل، وكمن انكسر به المركب في لجة البحر وعجز عن السباحة، وعن سبب يدنيه من النجاة، فها هنا يحسن الاستسلام والمسالمة؛ مع أن عليه في هذا الحكم عبوديات أخر سوى التسليم والمسالمة، وهي أن يشهد عزة الحاكم في حكمه، وعدله في قضائه، وحكمته في جريانه عليه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإن الكتاب الأول
стр. 135
سبق بذلك قبل بدء الخليقة، فقد جف القلم بما يلقاه كل عبد، فمن رضي، فله الرضا، ومن سخط فله السخط.
ويشهد أن القدر ما أصابه إلا لحكمة اقتضاها اسم الحكيم ﷻ وصفته الحكمة، وأن القدر قد أصاب مواقعه، وحل في المحل الذي ينبغي له أن ينزل به، وأن ذلك أوجبه عدل الله وحكمته وعزته وعلمه وملكه العادل، فهو موجب أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، فله عليه أكمل حمد وأتمه، كما له الحمد على جميع أفعاله وأوامره " (١)
وبهذا يعلم أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد على مقتضى الحكمة في فعله وشرعه، ويرعى في ذلك مصلحة عباده فضلاً منه ورحمة.
٦ - صفة العلم لله :
يقرر الشيخ ﵀ بأن علم الله تعالى كامل وثابت له سبحانه بدليل النقل والعقل وبالنظر في كونه وشرعه (٢).
ويبين الشيخ ﵀ في تعليقه على تفسير الجلالين عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ ...﴾ الآية المجادلة: ٧، قال: "أي بعلمه وهو فوق عرشه بذاته لا يخفى عليه شيء من شؤون خلقه، وليس هذا من التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره (٣)، وذلك أن كلمة (مع) موضوعة لمطلق المقارنة، فيدخل في معناها المقارنة بالعلم وبالنصر والتأييد وبالهداية والتوفيق، فتفسيرها بالعلم ونحوه تفسير لمعنى وضع له اللفظ، وصدر الآية وتذييلها يعين هذا المعنى دون المقارنة بالذات" (٤).
стр. 136
وقال الشيخ ﵀: "إن علم الله تعالى محيط بأسمائه الحسنى وصفاته العلى كما أنه محيط بعباده وسائر خلقه" (١).
ويقرر الشيخ ﵀ بعض صفات علم الله ، فيقول: "إن الأصل في الأمور الغيبية اختصاص الله بعلمها، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ الأنعام: ٥٩، وقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ النمل: ٦٥، ولكن الله تعالى يطلع من ارتضى من رسوله على شيء من الغيب، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ الجن: ٢٦ - ٢٧، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾ الأحقاف: ٩.
إذن فمن الغيب ما استأثر الله بعلمه فلم يطلع عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً كتحديد الوقت الذي يقوم فيه الخلق لله رب العالمين للحساب، فإنه لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ الأحزاب: ٦٣؛ ومن الغيب ما أعلم الله بعض عباده كالأمور المستقبلية التي أخبر بها رسول الله ﷺ فكانت معجزة له وآية من آيات الله خص الله بها رسوله، وهي داخلة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ آل عمران: ١٧٩. ويتبين من هذا أن النبي ﷺ لم يكن يعلم الغيب علماً كلياً، وإنما كان يعلمه علماً جزئياً في حدود ما أطلعه الله عليه" (٢).
وقد دل القرآن والسنة والعقل على أن صفة العلم من الصفات الذاتية الثابتة لله .
стр. 137
فمن القرآن:
الآيات السابق ذكرها في كلام الشيخ ﵀.
ومن السنة:
- حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعلِّم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها كما يعلم السورة من القرآن يقول: (... فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب ...) (١).
- حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مولود يولد ... قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت منهم وهو صغير قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) (٢).
أما دلالة العقل- فمن وجوه-:
أولاً: أنه يستحيل إيجاده الأشياء بغير علم سابق قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ الملك: ١٤.
ثانياً: أن المخلوقات فيها من الأحكام والإتقان وعجيب الصنعة ودقيق الخلقة ما يشهد بعلم الفاعل لها لامتناع صدور ذلك عن غير علم.
ثالثاً: أن في المخلوقات من هو عالم والعلم صفة كمال، فلو لم يكن الله عالماً لكان في المخلوقات من هو أكمل منه، وكل علم في المخلوق إنما استفاده من خالقه وواهب الكمال أحق به، وفاقد الشيء لا يعطيه (٣).
قال ابن القيم: في ذكره لمراتب القدر: "فأما المرتبة الأولى: وهي العلم السابق فقد اتفق عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم، واتفق عليه جميع الصحابة ومن تبعهم من الأمة وخالفهم مجوس الأمة" (٤).
стр. 138
٧ - صفة القدرة لله :
يقرر الشيخ ﵀ عند قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ القمر: ٤٩، فيقول: "الآية حجةٌ لأهل السنة على عموم قدرة الله، وتعلقها بكل مخلوق، وشمول خلقه لكل شيء، ودليل على إحكام الخلق وسَبْقِ التقدير" (١).
وعند قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ الملك: ١، قال: "تدل الآية على عموم قدرة الله وكمال تصرفه في الكون بيسر وسهولة، وهذا مستفاد من كون الملك بيد الله" (٢).
والقدرة صفة ذاتية ثابتة لله بالكتاب والسنة (٣).
فمن الكتاب:
- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ البقرة: ٢٠.
- وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الأنعام: ٦٥.
- وقوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ القمر: ٥٥.
ومن السنة:
- حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ مرفوعاً: (أعوذ بِعزَّة الله وقدرته من شر ما أجدُ وأحاذِرُ) (٤).
стр. 139
- حديث أبي مسعود البدري ﵁، لما ضرب غلامه؛ قال له النبي ﷺ : (اعلم أبا مسعود! أن الله أقدرُ عليك منك على هذا الغلام) (١).
قال الخطابي ﵀: "ووصف الله نفسه بأنه قادر على كلِّ شيء أراده، لا يعترضه عجز ولا فتور، وقد يكون القادر بمعنى المقدِّر للشيء، يقال: قدَّرت الشيءَ وقدَرْتُه؛ بمعنى واحد، كقوله: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾ المرسلات: ٢٣، أي نعم المقدرون (٢) " (٣).
"والقدرة: عبارة عن المعنى الذي به يوجَد الشيء متقدراً بتقدير الإرادة والعلم، واقعاً على وفقهما. والقادر هو الذي إن شاءَ فعل، وإن شاء لم يفعل، وليس من شرطه أن يشاء لا مَحالة، فإن الله تعالى قادرٌ على إقامَة القيامة الآن، لأنه لو شاءَ أقامها، فإن كان لا يُقيمها؛ لأنه لم يَشَاها ولا يشاؤها لما جرى في سابِق علمه من تقدير أجلها ووقتها، فلذلك لا يقدح في القدرة. والقادِرُ المُطلق هو الذي يخترع كلَّ مَوْجُود اختراعاً يتفردُ به، ويستغني فيه عن معاونة غيره، وهو الله تعالى.
وأما العبد فله قُدْرَةٌ على الجملة ولكنها ناقِصة إذ لا يتناوَلُ إلا بعضَ الممكِنات، ولا يصلح للاختراع، بَلِ الله تعالى هو المخترع لمقدوراتِ العبد بواسطة قدرته مهْما هَيَّأ له جميع أسباب الوُجودِ لمقدوره" (٤)
٨ - صفة الصمد لله :
يقرر الشيخ ﵀ صفة الصمدية لله ، ويبين سبب أنه سبحانه المقصود في الحوائج على الدوام، فيقول: " وهذا لأنه السيد الكامل في سؤدده الغني الكامل في غناه المحتاج إليه كل ما عداه، فصمد إليه العالم كله ليكفلهم ويُيَسر كُلاًّ لما خُلِقَ له" (٥).
فالصمد صفة ذاتية لله ، وهو اسمٌ له ثابت بالكتاب والسنة.
стр. 140
فمن الكتاب:
قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ الإخلاص: ١ - ٢، ولم يَرِد هذا الاسم إلا في هذه السورة.
ومن السنة:
- حديث أبي هريرة ﵁ القدسي: (كذبني ابن آدم ... وأما شَتْمُه إياي؛ فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد) (١).
- حديث بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول: (اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد ...) (٢).
ولقد اختلف العلماء في معنى الصمد على أقوال كثيرة؛ منها (٣):-
١ - المصمت الذي لا جوف له.
٢ - الذي لا يأكل ولا يشرب.
٣ - الذي لا يخرج منه شيء (٤)، ولم يلد ولم يولد.
٤ - السيِّد الذي انتهى سؤدده.
٥ - الباقي الذي لا يفنى.
٦ - الذي ليس فوقه أحد.
стр. 141
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " واسم (الصمد) فيه للسلف أقوال متعددة قد يظن أنها مختلفة، وليست كذلك، بل كلها صواب، والمشهور منها قولان:
أحدهما: أن الصمد هو الذي لا جوف له.
الثاني: أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج.
فالأول هو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة. والثاني قول طائفة من السلف والخلف، وجمهور اللغويين، والآثار المنقولة عن السلف بأسانيدها في كتب التفسير المسندة، وكتب السنة وغير ذلك" (١).
فالله سبحانه وصف نفسه بالاسم المتضمن لصفات عديدة وهذا يدل على عظمته فالعظيم من اتصف بصفات الكمال.
"فلو قال قائل: إن الله استوى على العرش، هل استواؤه على العرش بمعنى أنه مفتقر إلى العرش بحيث لو أزيل لسقط؟
فالجواب: لا؛ لأن الله صمد كامل غير محتاج إلى العرش، بل العرش والسموات والكرسي والمخلوقات كلها محتاجة إلى الله، والله في غنى عنها، فنأخذه من كلمة الصمد" (٢).
٩ - صفة العزة لله :
ذكر الشيخ ﵀ تعليقاً على تفسير الجلالين عند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ فصلت: ١٢،: " المقصود وصف الله بكمال العزة والغلبة وبكمال العلم" (٣).
والعِزَّةُ صفة ذاتية ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة.
فمن الكتاب:-
- قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ البقرة: ١٢٩.
стр. 142
- وقوله: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ آل عمران: ٢٦.
- قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ المجادلة: ٢١.
ومن السنة:
- حديث أنس ﵁: (لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العِزَّة فيها قدمه، فتقول: قط قط وعزتك، ويزوي بعضها إلى بعض) (١).
- حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (قال الله : العزة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعني؛ عذبته) (٢).
- حديث أبي هريرة ﵁؛ أن الرسول ﷺ كان يقول: (لا إله إلا الله وحده، أعزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده؛ فلا شيء بعده) (٣).
والعزةُ تأتي بمعنى الغلبة والقهر؛ من عزَّ يعُزُّ -بضم العين في المضارع- يُقال: عزَّه، إذا غلبه.
وتأتي بمعنى القوة والصلابة، من عزَّ يعَّزُّ -بفتحها-، ومنه أرضٌ عَزَازٌ، للصلبة الشديدة.
وتأتي بمعنى علو القدر والامتناع عن الأعداء، من عزَّ يَعِزُّ -بكسرها-.
وهذه المعاني كلها ثابتة لله (٤).
"وَمَعْنَى العزيز: أي الَّذي لا يوصل إليه، ولا يُمْكن إدخال مكروهٍ عليه" (٥).
стр. 143
قال ابن القيم في النونية (١):
وهو العزيز فلن يرام جنابه ... أنى يرام جناب ذي السلطان
وهو العزيز القاهر الغلاب لم ... يغلبه شيء هذه صفتان
وهو العزيز بقوة هي وصفه ... فالعز حينئذ ثلاث معان.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: " العزيز الذي يقهر ولا يقهر، فإن العزة التي لله -تعالى- هي الدائمة الباقية وهي العزة الحقيقية الممدوحة، وقد تستعار العزة للحمية والأنفة، فيوصف بها الكافر والفاسق، وهي صفة مذمومة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ البقرة: ٢٠٦، وأما قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ فاطر: ١٠، فمعناه: من كان يريد أن يعز، فليكتسب العزة من الله، فإنها لا تنال إلا بطاعته، ومن ثم أثبتها لرسوله وللمؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ المنافقون: ٨، وقد ترد العزة بمعنى الصعوبة، كقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ التوبة: ١٢٨، وبمعنى الغلبة ومنه ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾ ص: ٢٣؛ وبمعنى القلة: كقولهم: شاة عزوز، إذا قل لبنها، وبمعنى الامتناع، ومنه قولهم: أرض عزاز، بفتح أوله مخففا" ا. هـ (٢).
стр. 144
١٠ - صفتا السمع والبصر لله (١):
يقرر الشيخ ﵀ صفتي السمع والبصر، ويبين ذلك، فيقول: "إن السمع ما تدرك به الأصوات جهراً كانت أم سراً، والبصر ما تدرك به المرئيات ... وكل من السمع والبصر من صفات الله التي تثبت بالسمع والعقل، فيجب الإيمان بهما" (٢).
والبصر صفة من صفات الله الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة، كما أن صفة السمع صفة ذاتية له ثابتة بالكتاب والسنة.
فمن الكتاب:
- قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ النساء: ٥٨.
- وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١.
- قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ طه: ٤٦.
- وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ المجادلة: ١.
ومن السنة:
- حديث أبي موسى الأشعري ﵁: (يا أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، ولكن تدعون سميعاً بصيراً، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) (٣).
стр. 145
- حديث عائشة ﵂ في قصة المجادلة وقولها: (الحمد لله الذي وسع سمعُه الأصوات) (١).
وأهل السنة والجماعة يقولون: " إن الله سميع بسمع يليق بجلاله وعظمته، كما أنه بصير ببصر، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١ " (٢).
قال الحافظ ابن القيم ﵀: "وهو سميع بصير له السمع والبصر، يسمع ويبصر وليس كمثله شيء في سمعه وبصره" (٣).
وقال الهراس (٤) ﵀: " أما السمع فقد عبرت عنه الآيات بكل صيغ الاشتقاق، وهي: سَمِعَ، ويَسْمَعُ، وسَميِعٌ، وأسْمَعُ، فهو صفة حقيقية لله، يدرك بها الأصوات" (٥).