← Акыда

Акыда · id 14254

منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (777 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " واسم (الصمد) فيه للسلف أقوال متعددة قد يظن أنها مختلفة، وليست كذلك، بل كلها صواب، والمشهور منها قولان: أحدهما: أن الصمد هو الذي لا جوف له. الثاني: أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج. فالأول هو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة. والثاني قول طائفة من السلف والخلف، وجمهور اللغويين، والآثار المنقولة عن السلف بأسانيدها في كتب التفسير المسندة، وكتب السنة وغير ذلك" (١). فالله سبحانه وصف نفسه بالاسم المتضمن لصفات عديدة وهذا يدل على عظمته فالعظيم من اتصف بصفات الكمال. "فلو قال قائل: إن الله استوى على العرش، هل استواؤه على العرش بمعنى أنه مفتقر إلى العرش بحيث لو أزيل لسقط؟ فالجواب: لا؛ لأن الله صمد كامل غير محتاج إلى العرش، بل العرش والسموات والكرسي والمخلوقات كلها محتاجة إلى الله، والله في غنى عنها، فنأخذه من كلمة الصمد" (٢). ٩ - صفة العزة لله : ذكر الشيخ ﵀ تعليقاً على تفسير الجلالين عند قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ فصلت: ١٢،: " المقصود وصف الله بكمال العزة والغلبة وبكمال العلم" (٣). والعِزَّةُ صفة ذاتية ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة. فمن الكتاب:- - قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ البقرة: ١٢٩.

стр. 142

- وقوله: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ آل عمران: ٢٦. - قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ المجادلة: ٢١. ومن السنة: - حديث أنس ﵁: (لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العِزَّة فيها قدمه، فتقول: قط قط وعزتك، ويزوي بعضها إلى بعض) (١). - حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (قال الله : العزة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعني؛ عذبته) (٢). - حديث أبي هريرة ﵁؛ أن الرسول ﷺ كان يقول: (لا إله إلا الله وحده، أعزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده؛ فلا شيء بعده) (٣). والعزةُ تأتي بمعنى الغلبة والقهر؛ من عزَّ يعُزُّ -بضم العين في المضارع- يُقال: عزَّه، إذا غلبه. وتأتي بمعنى القوة والصلابة، من عزَّ يعَّزُّ -بفتحها-، ومنه أرضٌ عَزَازٌ، للصلبة الشديدة. وتأتي بمعنى علو القدر والامتناع عن الأعداء، من عزَّ يَعِزُّ -بكسرها-. وهذه المعاني كلها ثابتة لله (٤). "وَمَعْنَى العزيز: أي الَّذي لا يوصل إليه، ولا يُمْكن إدخال مكروهٍ عليه" (٥).

стр. 143

قال ابن القيم في النونية (١): وهو العزيز فلن يرام جنابه ... أنى يرام جناب ذي السلطان وهو العزيز القاهر الغلاب لم ... يغلبه شيء هذه صفتان وهو العزيز بقوة هي وصفه ... فالعز حينئذ ثلاث معان. قال الحافظ ابن حجر ﵀: " العزيز الذي يقهر ولا يقهر، فإن العزة التي لله -تعالى- هي الدائمة الباقية وهي العزة الحقيقية الممدوحة، وقد تستعار العزة للحمية والأنفة، فيوصف بها الكافر والفاسق، وهي صفة مذمومة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ البقرة: ٢٠٦، وأما قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ فاطر: ١٠، فمعناه: من كان يريد أن يعز، فليكتسب العزة من الله، فإنها لا تنال إلا بطاعته، ومن ثم أثبتها لرسوله وللمؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ المنافقون: ٨، وقد ترد العزة بمعنى الصعوبة، كقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ التوبة: ١٢٨، وبمعنى الغلبة ومنه ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾ ص: ٢٣؛ وبمعنى القلة: كقولهم: شاة عزوز، إذا قل لبنها، وبمعنى الامتناع، ومنه قولهم: أرض عزاز، بفتح أوله مخففا" ا. هـ (٢).

стр. 144

١٠ - صفتا السمع والبصر لله (١): يقرر الشيخ ﵀ صفتي السمع والبصر، ويبين ذلك، فيقول: "إن السمع ما تدرك به الأصوات جهراً كانت أم سراً، والبصر ما تدرك به المرئيات ... وكل من السمع والبصر من صفات الله التي تثبت بالسمع والعقل، فيجب الإيمان بهما" (٢). والبصر صفة من صفات الله الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة، كما أن صفة السمع صفة ذاتية له ثابتة بالكتاب والسنة. فمن الكتاب: - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ النساء: ٥٨. - وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١. - قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ طه: ٤٦. - وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ المجادلة: ١. ومن السنة: - حديث أبي موسى الأشعري ﵁: (يا أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، ولكن تدعون سميعاً بصيراً، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) (٣).

стр. 145

- حديث عائشة ﵂ في قصة المجادلة وقولها: (الحمد لله الذي وسع سمعُه الأصوات) (١). وأهل السنة والجماعة يقولون: " إن الله سميع بسمع يليق بجلاله وعظمته، كما أنه بصير ببصر، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١ " (٢). قال الحافظ ابن القيم ﵀: "وهو سميع بصير له السمع والبصر، يسمع ويبصر وليس كمثله شيء في سمعه وبصره" (٣). وقال الهراس (٤) ﵀: " أما السمع فقد عبرت عنه الآيات بكل صيغ الاشتقاق، وهي: سَمِعَ، ويَسْمَعُ، وسَميِعٌ، وأسْمَعُ، فهو صفة حقيقية لله، يدرك بها الأصوات" (٥).

стр. 146

١١ - صفتا الغني والحميد لله : يقرر الشيخ ﵀ هاتين الصفتين، فيقول عند قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾ التغابن: ٦: "غني عن جميع خلقه وحميد عن جميعهم بما يسديه إليهم من جميل أياديه وكريم فعاله، وفي سائر نعوت جلاله وصفات كماله" (١). والغنى صفة ذاتية لله بالكتاب والسنة، كما أن الله يوصف بأنه الحميد، وهي صفةٌ ذاتيةٌ له كذلك. والدليل من الكتاب: - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ فاطر: ١٥. - وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ التوبة: ٢٨. - قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ البقرة: ٢٦٧. ومن السنة: - قال ﷺ : (... من يستعفف؛ يعفه الله، ومن يستغن؛ يغنه الله ...) (٢). - حديث كعب بن عجرة ﵁ في التشهد: (... قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد) (٣).

стр. 147

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والفَقْرُ لِي وَصْفُ ذَاتٍ لاَزِمٌ أبدا ... كَمَا أَنَّ الغِنى أَبداً وَصْفٌ لَهُ ذَاتِي" (١). وقال ابن القيم ﵀: "وَهُوَ الغَنِيُّ بِذَاتِهِ فَغِنَاهُ ذَا ... تِيٌّ لِهُ كَالجُود وِالإحْسَانِ" (٢). قال الشيخ الهراس: ومن أسمائه الحسنى (الغني)؛ فله سبحانه الغنى التام المطلق من كل وجه؛ بحيث لا تشوبه شائبة فقر وحاجة أصلاً، وذلك لأن غناه وصف لازم له، لا ينفك عنه؛ لأنه مقتضى ذاته، وما بالذات لا يمكن أن يزول؛ فيمتنع أن يكون إلا غنياً كما يمتنع أن يكون إلا جواداً محسناً براً رحيماً كريماً (٣). وقيل: "الواسع: الغني، يقال: فلان يعطي من سعة؛ أي: من غنى وجدة ... " (٤). قال ابن منظور (٥): "الحميد من صفاته ، بمعنى المحمود على كل حال، وهو فعيل بمعنى مفعول" (٦). والحميد هو المحمود المثنى عليه، والله هو الحميد بحمده لنفسه أزلاً، وبحمد عباده له أبداً، والحميد من العباد من حمدت عقائده وأخلاقه وأعماله وأقواله وإن كان لا يخلو أحد عن مذمة ونقص وإن كثرت محامده، فالحميد المطلق هو الله تعالى فهو سبحانه

стр. 148

المستحق للحمد والثناء فهو سبحانه المحمود على ما خلق وشرع ووهب ونزع وضر ونفع وأعطى ومنع (١). "وهو المستحق لأن يحمد لأنه جل ثناؤه بدأ فأوجد، ثم جمع بين النعمتين الجليلتين الحياة والعقل، ووالى بعد منحه، وتابع آلاءه ومننه، حتى فاتت العد، وإن استفرغ فيها الجهد، فمن ذا الذي يستحق الحمد سواه؟ بل له الحمد كله لا لغيره، كما أن المن منه لا من غيره. قال الخطابي: هو المحمود الذي استحق الحمد بفعاله، وهو فعيل بمعنى مفعول، وهو الذي يحمد في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، لأنه حكيم لا يجري في أفعاله الغلط ولا يعترضه الخطأ فهو محمود على كل حال ومنها القاضي قال الله : ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ غافر: ٢٠" (٢). ١٢ - صفتا الْحَكَم والعدل لله : يقرر الشيخ ﵀ هاتين الصفتين، فيقول: "الله حكم عدل لا محاباة عنده، .. وقضاء الله عدل بألا تزر وازرةٌ وزر أخرى" (٣). يوصف الله بأنه الحاكم الحكم، و (الحكم) اسم له ثابت بالكتاب والسنة. كما أن صفة العدل ثابتة لله بأحاديث صحيحة. الدليل من الكتاب: - قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ الأنعام: ١١٤. -وقوله: ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾ الأعراف: ٨٧.

стр. 149

الدليل من السنة: - حديث هانئ بن زيد ﵁؛ أنه لما وفد إلى رسول الله ﷺ مع قومه؛ سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه الرسول ﷺ فقال: (إن الله هو الحَكَم، وإليه الحُكم، فلِمَ تكنى أبا الحكم؟) (١). والحكم والحاكم بمعنى واحد؛ إلا أنَّ الحكم أبلغ من الحاكم، وهو الذي إليه الحُكم، وأصل الحُكم منع الفساد والظلم ونشر الخير (٢). - حديث ابن مسعود ﵁، وقوله ﷺ للذي قال: والله؛ إنَّ هذه قسمة ما عدل فيها. قال النبي ﷺ : (فمن يَعْدِل إذا لم يعدل الله ورسوله) (٣). قال ابن القيم ﵀: "والعدل من أوصافه في فعله ... ومقالِهِ والحُكْمِ في الميزانِ" (٤). قال الهراس ﵀: " وهو سبحانه موصوف بالعدل في فعله، فأفعاله كلها جارية على سنن العدل والاستقامة، ليس فيها شائبة جور أصلاً؛ فهي دائرة كلها بين الفضل والرحمة، وبين العدل والحكمة" (٥). "ومذهب أهل السنة والجماعة على أن الله تعالى عدل في أفعاله بمعنى أنه متصرف في مُلْكُه ومِلْكُه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فالعدل: وضع الشيء موضعه وهو التصرف في الملك على مقتضى المشيئة والعلم، والظلم بضده فلا يتصور منه جور في الحكم وظلم في التصرف" (٦).

стр. 150

"كذلك من الصفات المثبتة لله صفة الحكم، فقد أثبتها لنفسه في كثير من الآيات، والمقصود بالحكم الفصل، والفرق بينه وبين صفة القضاء: أن صفة القضاء يختلف إطلاقها باختلاف المخاطب (١)، أما الحكم فلا يكون إلا جازماً، ولذلك فالقضاء قد يكون بالخطاب التكليفي الشرعي وقد يكون بالخطاب القدري، فإن الله يقضي بمعنى: يوجب، أو يحرم، فهذا هو قضاؤه التشريعي، أما قضاؤه القدري فمعناه: تنفيذ ما علم وأراد أن يقع في الأزل، فما أراده الله يقضيه، أي: ينفذه ويوقعه على وفق إرادته وعلمه. أما الحكم فكذلك يتعلق بالدنيا والآخرة: ففي الدنيا يطلق على الخطاب التشريعي، كقول الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الشورى: ١٠. وفي الآخرة يطلق على فصل الخصام يوم القيامة عندما يتجلى الباري لفصل الخصام، فيختصم الناس إليه، وحينئذٍ يقام الخصام بين كل فريقين اختلفا، فكل خلاف في الدنيا يُفصل في ذلك الوقت، ولذلك سمي ذلك اليوم يوم الفصل" (٢). ١٣ - نسبة الجهة لله : بين الشيخ ﵀ هذه النسبة بقوله: "لم يرد في النصوص نسبة الجهة إلى الله نفياً ولا إثباتاً، ثم هي كلمة مجملة تحتمل حقاً وباطلاً؛ فإن إثباتها لله يحتمل أن يراد به أنه تعالى فوق عباده مستو على عرشه، وهذا حق، ويحتمل أن يراد به أنه يحيط به شيء من خلقه، وهذا باطل، ونفيها عن الله يحتمل نفي علوه على خلقه واستوائه على عرشه، وهذا باطل، ويحتمل تنزيهه عن أن يحيط به شيء من خلقه، وهذا حق، وإذن لا يصح نسبة الجهة إلى الله نفياً ولا إثباتاً لعدم ورودها ولاحتمالها الحق والباطل" (٣).

стр. 151

وبين الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ أن الألفاظ المجملة (١) إذا أُرِيدَ بها معنى صحيحاً أقررناها وقلنا: التعبير خطأ، وإذا أُرِيدَ بها معنى فاسداً أنكرنا على من قال بها (٢). وقال الشيخ ﵀ مبيناً المسلك الصحيح في مثل هذه التعبيرات: "ولو اقتصر من يتكلم في التوحيد على ما ورد من التعبير في نصوص الشريعة، وما عرف عن السلف الصالح في أسماء الله وصفاته؛ لكان في ذلك عصمة لهم من زلل الرأي والتوسع في التعبير، ولو اكتفوا في الاستدلال على مسائل الدين وخاصة السمعية بما دلهم عليه الكتاب والسنة من الأدلة السمعية والعقلية لهدوا إلى صراط مستقيم ونجوا من فرقة الأهواء ومن الحيرة التي طوحت بهم في المتاهات" (٣). ويغني عن لفظ (الجهة) وصف الله بالعلو والفوقية، وأنه في السماء وهذه ما وردت بها نصوص الشريعة (٤). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " فلفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله، فيكون مخلوقاً، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السماوات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى؛ كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم. ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه؛ كما فيه إثبات العلو، والاستواء، والفوقية، والعروج إليه ... ونحو ذلك، وقد علم أنَّ ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.

стр. 152

فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلاً في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أنَّ الله فوق العالم مباين للمخلوقات. وكذلك يقال لمن قال: الله في جهة، أتريد بذلك أن الله فوق العالم؟ أو تريد به أنَّه داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول؛ فهو حق، وإن أردت الثاني؛ فهو باطل" (١). ويقول شيخ الإسلام: كذلك: "فإذا قال القائل: هو في جهة أو ليس في جهة؟ قيل له: الجهة أمر موجود أو معدوم، فإن كان أمراً موجوداً، ولا موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق بائن عن المخلوق؛ لم يكن الرب في جهة موجودة مخلوقة، وإن كانت الجهة أمراً معدوماً؛ بأن يسمى ما وراء العالم جهة، فإذا كان الخالق مبايناً العالم، وكان ما وراء العالم جهة مسماة، وليس هو شيئاً موجوداً؛ كان الله في جهة معدومة بهذا الاعتبار. لكن؛ لا فرق بين قول القائل: هو في معدوم، وقوله: ليس في شيء غيره؛ فإنَّ المعدوم ليس شيئاً باتفاق العقلاء. ولا ريب أن لفظ الجهة يريدون به تارة معنىً موجوداً، وتارة معنىً معدوماً، بل المتكلم الواحد يجمع في كلامه بين هذا وهذا، فإذا أزيل الاحتمال؛ ظهر حقيقة الأمر. فإذا قال القائل: لو كان في جهة؛ لكانت قديمة معه. قيل له: هذا إذا أريد بالجهة أمرٌ موجود سواه؛ فالله ليس في جهة بهذا الاعتبار. وإذا قال: لو رئُي؛ لكان في جهة، وذلك محال. قيل له: إن أردت بذلك: لَكَانَ فِي جِهَةٍ مَوْجُودَةٍ؛ فذلك محال؛ فإن الموجود يمكن رؤيته، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَوْجُودٍ غَيْرِهِ؛ كالعالم، فإنه يمكن رؤية سطحه وليس هو في عالم آخر. وإن قال: أردت أنه لا بدَّ أنَّ يكون فيما يسمى جهة، ولو معدوماً؛ فإنه إذا كان مبايناً للعالم؛ سمي ما وراء العالم جهة. قيل له: فلم قلت: إنه إذا كان في جهة بهذا الاعتبار كان ممتنعاً؟ فإذا قال: لأن ما باين العالم ورئُي لا يكون إلا جسماً أو متحيزاً؛ عاد القول إلى لفظ الجسم والمتحيز كما عاد إلى لفظ الجهة. فقال له: المتحيز يراد به ما حازه غيره. ويراد به ما بان عن غيره فكان متحيزاً عنه، فإن أرادت بالمتحيز الأول؛ لم يكن سبحانه متحيزاً؛ لأنه بائن

стр. 153

عن المخلوقات، لا يحوزه غيره، وإن أردت الثاني؛ فهو سبحانه بائن عن المخلوقات، منفصل عنها، ليس هو حالاً فيها، ولا متحداً بها؛ فبهذا التفصيل يزول الاشتباه والتضليل" (١). وقال الشيخ العثيمين ﵀: " ومما لم يرد إثباته ولا نفيه لفظ (الجهة)، فلو سأل سائل: هل نُثبت لله تعالى جهة؟ قلنا له: لفظ الجهة لم يرد في الكتاب والسنة إثباتاً ولا نفياً، ويُغني عنه ما ثبت فيهما من أن الله تعالى في السماء، وأما معناه؛ فإمَّا أنَّ يراد به: جهة سُفْلٍ أو جهة علو تحيط بالله أو جهة عُلُوٍ لا تحيط به. فالأول باطل؛ لمنافاته لعلو الله تعالى الثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع. والثاني باطل أيضاً؛ لأن الله تعالى أعظم من أنْ يحيط به شيء من مخلوقاته. والثالث حقٌّ؛ لأن الله تعالى العلي فوق خلقه ولا يحيط به شيء من مخلوقاته" (٢). يقول ابن القيم ﵀: " أسماء الله تعالى يجري على نفسه منها أكملها وأحسنها ومالا يقوم غيره مقامه فتأمل ذلك فأسماؤه أحسن الأسماء كما أن صفاته أكمل الصفات فلا تعدل عما سمى به نفسه إلى غيره كما لا تتجاوز ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ إلى ما وصفه به المبطلون والمعطلون" (٣). ١٤ - صفة الصورة لله : يرى الشيخ ﵀ أن قول النبي ﷺ : (إن الله خلق آدم على صورته) (٤) أي على صورة الرحمن كما ثبت في الرواية الأخرى (٥)، والصورة لله تعالى ثابتة في الصحيحين أنه تعالى يأتي على صورته وعلى غيره صورته (٦).

стр. 154

وصفة الصورة صفةٌ ذاتيةٌ خبريةٌ ثابتةٌ لله بالأحاديث الصحيحة. الدليل: - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الطويل في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وفيه: (فيأتيهم الجبار في صورته التي رأوه فيها أوَّل مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا ...) (١). - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) (٢). استشكل بعض أهل العلم قوله ﷺ : (خلق الله آدم على صورته)، حيث فهموا أن القول: بإعادة الضمير على الله تعالى في هذا الحديث، يلزم منه التشبيه - تشبيه صورة آدم بصورة الله تعالى- ولذلك اختلفوا في متعلق الضمير. وجملة الخلاف يعود إلى أربعة أقوال هي كما يلي: أولاً: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد على غير الله تعالى: ففي حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) يعود إلى المضروب (٣). ثانياً: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وأن إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وعلى هذا جمهور أهل السنة، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية: -وهو ممن انتصر لهذا القول وأطال الكلام جداً على هذا الحديث (٤) - قال: "هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير

стр. 155

عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك" (١). ثالثاً: أن الضمير في قوله: (على صورته) يعود على الله ، وتكون إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة المخلوق إلى خالقه كما في قوله تعالى: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ وكما يقال في الكعبة: بيت الله ... وهكذا (٢). رابعاً: إنكار حديث: (إن الله خلق آدم على صورته) والنهي عن التحديث به، وهذا مروي عن الإمام مالك: (٣). ومما لا ريب فيه أن الصورة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وأن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وإضافة الصورة إليه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف - على ما جاء في القول الثاني- كما هو مقتضى ظاهر لفظ الحديث، ولا يجوز تأويل الحديث وصرفه عن ظاهره لمجرد توهم التشبيه والتمثيل، فإن هذا شأن أهل البدع، أما أهل السنة فإنهم يؤمنون بما صح من أحاديث الصفات كلها، ويجرونها على ظاهرها على ما يليق بجلال الله وعظمته مع نفي المماثلة على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١ (٤).

стр. 156

قال أبو محمد ابن قتيبة (١): "والذي عندي -والله تعالى أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعينين، وإنما وقع الإلف (٢) لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشية من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد" (٣). وقال أبو يعلى الفراء (٤) في التعليق على حديث: (رأيت ربي في أحسن صورة) (٥)؛ قال: " اعلم أن الكلام في هذا الخبر يتعلق به فصول: أحدها جواز إطلاق الصورة عليه" (٦). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والوجه الخامس: أن الأحاديث مع آيات القرآن أخبرت بأنه يأتي عباده يوم القيامة على الوجه الذي وصف، وعند هؤلاء هو كل آتٍ، وما في الدنيا والآخرة، وأما أهل الإلحاد والحلول الخاص، كالذين يقولون بالاتحاد أو الحلول في المسيح أو علي أو بعض المشايخ أو بعض الملوك أو غير ذلك مما قد بسطنا القول عليهم في غير هذا الموضع؛ فقد يتأولون أيضاً هذا الحديث كما تأوله أهل الاتحاد والحلول المطلق؛ لكونه قال: فيأتيهم الله في صورة، لكن يقال لهم: لفظ (الصورة) في الحديث -يعني ﵀:

стр. 157

حديث أبي سعيد- كسائر ما ورد من الأسماء والصفات التي قد يسمى المخلوق بها على وجه التقييد، وإذا أطلقت على الله مختصة به؛ مثل العليم والقدير والرحيم والسميع والبصير، ومثل خلقه بيديه واستوائه على العرش ونحو ذلك" (١). وبهذا يتضح أن الصورة صفة من صفات الله الذاتية كسائر الصفات الثابتة بالأحاديث الصحيحة. ١٥ - صفة الوجود لله : يبين الشيخ ﵀ أن: " وجود الله معلوم من الدين بالضرورة، وهو صفة لله بإجماع المسلمين، بل صفة لله عند جميع العقلاء حتى المشركين لا ينازع في ذلك إلاَّ ملحد دهري. ولا يلزم من إثبات الوجود صفة لله، أن يكون له موجد؛ لأن الوجود نوعان: الأول: وجود ذاتي وهو ما كان وجوده ثابتاً له في نفسه لا مكسوباً له من غيره، وهذا هو وجود الله سبحانه وصفاته، فإن وجوده لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ الحديد: ٣. الثاني: وجود حادث وهو ما كان حادثاً بعد عدم فهذا الذي لابد له من موجد يوجده وخالق يحدثه وهو الله سبحانه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ الزمر: ٦٢ - ٦٣، وقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الطور: ٣٥ - ٣٦، وعلى هذا يوصف الله تعالى بأنه موجود ويخبر عنه بذلك في الكلام فيقال: الله موجود، وليس الوجود اسماً، بل صفة" (٢). وقد ورد في الكتاب والسنة ما يثبت هذه الصفة الذاتية لله . فمن الكتاب: - قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ الحديد: ٣.

стр. 158

- وقوله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ القصص: ٨٨. ومن السنة: - قول الرسول ﷺ في دعائه: (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء) (١). قال ابن جرير (٢) ﵀: " هو (الأول) قبل كل شيء بغير حدٍّ، و (الآخر) بعد كل شيء بغير نهاية، وإنما قيل ذلك كذلك، لأنه كان ولا شيء موجوداً سواه، وهو كائنٌ بعد فناء الأشياء كلِّها، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ القصص: ٨٨" (٣). قال ابن أبي العز ﵀: " فقول الشيخ ﵀ قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء هو معنى اسمه الأول والآخر، والعلم بثبوت هذين الوصفين مستقر في الفطر، فإن الموجودات لا بد أن تنتهي إلى واجب الوجود لذاته قطعاً للتسلسل، فإنا نشاهد حدوث الحيوان والنبات والمعادن، وحوادث الجو كالسحاب والمطر وغير ذلك، وهذه الحوادث وغيرها ليست ممتنعة فإن الممتنع لا يوجد، ولا واجبة الوجود بنفسها، فإن واجبَ الوجود بنفسه لا يقبل العَدَم، وهذه كانت معدومة ثم وجدت، فعدمها ينفي وجوبها، ووجودها ينفي امتناعها، وما كان قابلاً للوجود والعدم لم يكن وجوده بنفسه كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ الطور: ٣٥، يقول سبحانه: أحَدثوا من غير مُحدِث أم هم أحدثوا أنفسهم؟! ومعلوم أن الشيء المحدث لا يُوجد نفسه، فالممكن الذي ليس له من نفسه وجود ولا عدم لا يكون موجوداً بنفسه، بل إنْ حصل ما يوجده وإلا كان معدوماً، وكل ما

стр. 159

أمكن وجوده بدلاً عن عدمه وعدمه بدلاً عن وجوده، فليس له من نفسه وجود ولا عدم لازم له" (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ويفرق بين دعائه والإخبار عنه، فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه؛ فلا يكون باسم سيء، لكن قد يكون باسم حسن أو باسم ليس بسيئ، وإن لم يحكم بحسنه؛ مثل: شيء وذات وموجود" (٢). وقال ابن القيم ﵀: " ... ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفياً، كالقديم، والشيء، والموجود ... " (٣). إذن فأهل السنة قد يطلقون وصف الوجود وكمال الوجود على الله، من باب الإخبار عن الله، وذلك في المناظرات، والمناقشات، مع من يستخدم هذا اللفظ. كما أنهم يرون أن الوجوب الذي دل عليه الدليل هو وجوده - سبحانه - بنفسه، واستغناؤه عن موجد. ١٦ - صفتا الحياة والقومية لله : يقرر الشيخ ﵀ صفتي الحياة والقيومية لله بنفيه السِّنَة والنوم عن الله، وأن نفيهما كمال له سبحانه، مستدلاً بقوله تعالى ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ البقرة: ٢٥٥، وقول الرسول ﷺ : (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) (٤) " (٥).

стр. 160

والرب ﵎ حي حياة كاملة لم يسبقها عدم، ولا يعتريها نقص، ولا يعقبها فناء؛ بل هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وهاتان الصفتان ذاتيتان لله سبحانه ثابتتان بالكتاب والسنة، كما سبق بعض أدلتها في كلام الشيخ ﵀ السابق: فمن الكتاب: - قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ آل عمران: ٢. - وقال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ طه: ١١١. ومن السنة: - عن يسار بن زيد عن أبيه ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يَقُولُ: (من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له وإن كان فر من الزحف) (١). - وعن أنس بن مالك ﵁ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ جالساً ورجل يصلي ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي ﷺ : (لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئِل به أعطى) (٢). قال شيخ الإسلام ﵀: " فنفي أَخْذ السِّنَة والنوم له مستلزم لكمال حياته وقيوميته، فإن النوم ينافي القيومية، والنوم أخو الموت؛ ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون" (٣). قال ابن القيم ﵀: " صفة الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال مستلزمة لها، وصفة القيومية متضمنة لجميع صفات الأفعال، ولهذا كان اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى هو اسم الحي القيوم، والحياة التامة تضاد جميع الأسقام والآلام، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة؛ لم يلحقهم هم ولا غم ولا حزن ولا شيء من الآفات، ونقصان

стр. 161

الحياة يضر بالأفعال وينافي القيومية؛ فكمال القيومية لكمال الحياة؛ فالحي المطلق التام لا يفوته صفة الكمال البتة، والقيوم لا يتعذر عليه فعل ممكن البتة " (١). وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: " وقوله: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ البقرة: ٢٥٥، هذان الاسمان الكريمان يدلان على سائر الأسماء الحسنى دلالة مطابقة وتضمنا ولزوما، فالحي من له الحياة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات، كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ونحو ذلك، والقيوم: هو الذي قام بنفسه وقام بغيره، وذلك مستلزم لجميع الأفعال التي اتصف بها رب العالمين من فعله ما يشاء من الاستواء والنزول والكلام والقول والخلق والرزق والإماتة والإحياء، وسائر أنواع التدبير، كل ذلك داخل في قيومية الباري، ولهذا قال بعض المحققين: إنهما الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى، ومن تمام حياته وقيوميته أن ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ البقرة: ٢٥٥، والسنة النعاس" (٢). واسم الله القيوم يدل باللزوم على الوجود والبقاء والغنى بالنفس وسائر أنواع الكمال في الذات والصفات والأفعال، جميع الأسماء الحسنى تدل على صفة الحياة باللزوم ما عدا الحي فإنه يدل عليها بالتضمن كذلك القول في اسم الله القيوم؛ فإن جميع الأسماء الحسنى تدل على صفة القيومية باللزوم ما عدا القيوم فإنه يدل عليها بالتضمن، ولولا صفة الحياة والقيومية ما كملت بقية أسمائه وصفاته وأفعاله فدوام الحياة والقيومية من دلائل دوام الملك والربوبية وكمال الصفات الإلهية (٣). وقد أحسن ابن قيم الجوزية حين وصف ذلك في النونية فقال: وله الحياة كمالها فلأجل ذا ... ما للممات عليه من سلطان وكذلك القيوم من أوصافه ... ما للمنام لديه من غشيان وكذاك أوصاف الكمال جميعها ... ثبتت له ومدارها الوصفان فمصحح الأوصاف والأفعال والأ ... سماء حقا ذانك الوصفان ولأجل ذا جاء الحديث بأنه ... في آية الكرسي وذي عمران

стр. 162

اسم الإله الأعظم اشتملا على اسـ ... ـم الحي والقيوم مقترنان فالكل مرجعها إلى الاسمين يد ... ري ذاك ذو بصر بهذا الشان (١). القسم الثاني: - الصفات الفعلية: وهي الصفات المتعلقة بمشيئة الله وقدرته، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها؛ كالمجيء، والنزول، والغضب، والفرح، والضحك ... ونحو ذلك، وتسمى (الصفات الاختيارية). والصفات الفعلية من حيث قيامها بالذات تسمى صفات ذات، ومن حيث تعلقها بما ينشأ عنها من الأقوال والأفعال تسمى صفات أفعال، ومن أمثلة ذلك صفة الكلام؛ فكلام الله باعتبار أصله ونوعه صفة ذات، وباعتبار آحاد الكلام وأفراده صفة فعل، وقد بيّن المحققون أن الصفات الفعلية قديمة النوع حادثة الآحاد (٢). ومن الصفات التي تناولها الشيخ ﵀: ١ - صفة الكلام لله : يقرر الشيخ ﵀ صفة الكلام لله على ما يليق به، وأن كلام الله اسم لمجموع اللفظ والمعنى، وأنه كوني خبري، وأنه بصوت وحرف، وأنه تكلم مع من أراد من رسله وملائكته وسمعوا كلامه حقيقة، ولا يزال يتكلم بقضائه وتسمعه ملائكته وسيتكلم مع أهل الجنة ومع أهل النار يوم القيامة كل بما يناسبه (٣).

стр. 163

يعتقد أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم ويقول ويتحدث وينادي، وأن كلامه بصوت وحرف، وأن القرآن كلامه (١)، منزل غير مخلوق، وكلام الله صفةٌ ذاتيةٌ فعلية -ذاتية باعتبار أصله وفعليةٌ باعتبار آحاده- (٢). الدليل على إثبات هذه الصفة لله من الكتاب: - قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ النساء: ١٦٤. - وقوله: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾ القصص: ٣٠. - وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ النساء: ٨٧. ومن السنة: - حديث احتجاج آدم وموسى وفيه: (قال آدم: يا موسى! اصطفاك الله بكلامه) (٣). - حديث أبي سعيد الخدري ش: (إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك. فيقول: هل رضيتم؟ ...) (٤). - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً: (يقول الله: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار) (٥).

стр. 164

قال الإمام البخاري (١) ﵀: " وإن الله ينادي بصوت يسمعه من بَعُد كما يَسمعُه من قرب فليس هذا لغير الله جل ذكره، وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق لأن صوت الله جل ذكره يُسمع من بُعْد كما يُسمع من قُرب وأن الملائكة يصعقون من صوته فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا وقال : ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ البقرة: ٢٢، فليس لصفة الله ند ولا مثل ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين" (٢). وقال عبد الله (٣) ابن الإمام أحمد رحمهما الله: " سألت أبي: عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى لم يتكلم بصوت قال أبي تكلم ﵎ بصوت، وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت" (٤). وقال قوام السنة الأصبهاني ﵀: " وخاطر أبو بكر ﵁ (٥)، فقرأ عليهم القرآن، فقالوا: هذا من كلام صاحبك. فقال: ليس بكلامي ولا كلام صاحبي، ولكنه كلام الله تعالى، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة" (٦).

стр. 165

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "واستفاضت الآثار عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة السنة؛ أنه سبحانه ينادي بصوت؛ نادى موسى، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بالوحي بصوت، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه قال: إن الله يتكلم بلا صوت أو بلا حرف، ولا أنه أنكر أن يتكلم الله بصوت أو بحرف" (١). ومن كلامه سبحانه القرآن والتوراة والإنجيل؛ فالقرآن كلامه تعالى على الحقيقة لا كلام غيره، وأنزله على نبينا محمد ﷺ منه بدأ وإليه يعود، مُنزَّل غير مخلوق، ومن زعم أنه مخلوق فقد كفر (٢). والذين يقولون: القرآن مخلوق، يجعلون الكلام لغيره، فيسلبونه صفات الكمال، ويقولون: إنه لا يقدر على الكلام في الأزل لا على كلام مخلوق ولا غيره، وهم وإن لم يصرحوا بالعجز عن الكلام فهو لازم لقولهم (٣). وللمسألة اتصال بالمبحث الخاص بالإيمان بالكتب، وبالمبحث الخاص بالفرق. وسيتم التفصيل في موضعه إن شاء الله. ٢ - صفة الاستواء لله : يقرر الشيخ ﵀ أن الله مستوٍ على عرشه بنفسه حقيقةً استواءً يليق بجلاله (٤)، وأن هذا من عقيدة أهل السنة والجماعة، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ طه: ٥، وغيرها من الأدلة (٥)، وأن مذهب السلف في صفة الاستواء حقيقة مع التفويض في الكيفية، فقد سئل مالك بن أنس ﵁ عن كيفية استواء الله على العرش، فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب (٦).

стр. 166

وصفة الاستواء (١) على العرش صفةٌ فعلية خبرية ثابتة لله بالكتاب والسنة. فمن الكتاب: -قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ طه: ٥. -وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، الرعد: ٢، الفرقان: ٥٩، السجدة: ٤، الحديد: ٤). ومن السنة: - حديث أبي هريرة ﵁؛ أن النبي ﷺ أخذ بيده، فقال: (يا أبا هريرة! إن الله خلق السماوات والأراضين وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ...) (٢). - حديث أبي هريرة ﵁؛ أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض فإن

стр. 167

سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجرّ أنهار الجنة) (١). قال الإمام ابن خزيمة (٢): معلقاً على هذا الحديث: " فالخبر يصرح أن عرش ربنا جل وعلا فوق جنته، وقد أعلمنا جل وعلا أنه مستوٍ على عرشه فخالقنا فوق عرشه الذي فوق جنته" (٣). ومعنى الاستواء: العلو، والارتفاع، والاستقرار، والصعود؛ كما قال ابن القيم: فَلَهُمْ عِبَارَاتٌ عليها أرْبَعٌ ... قد حُصِّلَتْ لِلْفَارِسِ الطَّعَّانِ وَهِيَ اسْتَقَرَّ وَقَدْ عَلا وَكَذِلكَ ارْ ... تَفَعَ الذي مَا فِيهِ من نُكْرَانِ وكذاك قد صَعِدَ الذي هُوَ رابِعٌ ... وأبُو عُبَيْدَةَ صَاحِبُ الشَّيْبَانِي يَخْتَارُ هذا القَوْلَ في تَفْسِيِرِه ... أَدْرَى مِنَ الجَهْمِيِّ بالقُرْآنِ (٤). وقد أجمع السلف ﵏ على أن الله مستوٍ على عرشه، وأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، والآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين وسلف الأمة كثيرة منها: ما أجاب به الإمام مالك ﵀ السائل - عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ طه: ٥، كيف استوى؟. قال له: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة (٥).

стр. 168

ما ورد عن ابن مسعود ﵁ قال: " العرش فوق الماء والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم" (١). ٣ - صفة الرحمة لله : يقرر الشيخ ﵀ عند قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ الشورى: ٤٨، صفة الرحمة لله فيقول: " إذاقة الناس الرحمة بمعنى النعمة يستلزم عقلاً إثبات الرحمة صفة لله قائمة بذاته، إذ النعمة أثر من آثارها" (٢). ويرد الشيخ ﵀ على من فسر الرحمة بالجنة فيقول: "قد يظن من فسر الرحمة بالجنة فراراً من إثبات صفة الرحمة لله حقيقة أنَّ ذلك ينفعه، وليس كذلك، فإن الجنة أثر من آثار الرحمة التي هي صفة لله قائمة بذاته والتي هي مصدر الخير، وأصل التراحم بين العالم وإثبات الأثر يستلزم عقلاً إثبات أصله ومصدره" (٣). وهي صفةٌ ثابتة بالكتاب والسنة، و (الرحمن) و (الرحيم) من أسمائه تعالى تكررا في الكتاب والسنة مرات عديدة. وقد اختلف أهل العلم في هذه الصفة هل هي من الصفات الذاتية أو الفعلية، والراجح أنها من صفات الأفعال من حيث تعلقها بمشيئة الله تعالى وقدرته؛ لأنه يرحم من يشاء ويعذب من يشاء، ويمكن مع ذلك عدَّها من صفات الذات باعتبار أن الله لم يزل متصفاً بالرحمة، فالرحمة العامة ملازمة لذاته تعالى وإن كان أفرادها تتجدد (٤).

стр. 169

الدليل على هذه الصفة من الكتاب: - قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ الفاتحة: ٢ - ٣. - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ البقرة: ٢١٨. ومن السنة: - عن عمران بن حصين قال: كنا عند رسول الله ﷺ فجاء رجل فسلم فقال: السلام عليكم فرد عليه رسول الله ﷺ فقال: (عشر) ثم جلس ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه رسول الله ﷺ وقال: (عشرون) ثم جلس ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فرد عليه رسول الله ﷺ وقال: (ثلاثون) (١). - حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : (لما خلق الله الخلق، كتب في كتاب، فهو عنده فرق العرش: إن رحمتي تغلب - أو: غلبت - غضبي) (٢). ورحمة الله تعالى نوعان: ١ - رحمة عامة: وهي رحمته الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم وأسباب معاشهم ومصالحهم مؤمنهم وكافرهم فهو الذي خلقهم وأوسع عليهم في أرزاقهم. ٢ - رحمة خاصة: لعباده المؤمنين بأن هداهم إلى الإيمان، وهو يثيبهم في الآخرة الثواب الدائم الذي لا ينقطع (٣).

стр. 170

ورحمته تعالى بغير ضعفٍ ولا رقَّة، كما هو حال المخلوق، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، بل رحمة تليق بجلاله وعظمته (١). قال شيخ الإسلام ﵀: إن اتصاف الله بالرحمة، والمخلوق يتصف بها، لا يستلزم نقصاً له، فلو قُدر أن الرحمة في حق المخلوقين مستلزمة للنقص كالضعف والخور، لم يجب أن تكون في حق الله تعالى مستلزمة لذلك، كما أن العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، فينا يستلزم من النقص والحاجة، ما يجب تنزيه الله عنه، فإذا كانت ذاتنا وصفاتنا وأفعالنا، وما اتصفنا به من الكمال من العلم والقدرة وغير ذلك، هو مقرون بالحاجة والحدوث، لم يجب أن يكون لله ذات ولا صفات ولا أفعال، ولا يقدر ولا يعلم، لكون ذلك ملازماً للحاجة فينا، فكذلك الرحمة وغيرها، إذا قُدر أنها في حقنا ملازمة للحاجة والضعف، لم تجب أن تكون في حق الله ملازمة لذلك (٢). قال ابن القيم ﵀: "فالرحمة صفة الرحيم، وهي في كل موصوف بحسبه، فإن كان حيواناً له قلب فرحمته من جنس رقَّة قائمة بقلبه، وإن كان ملكاً فرحمته تناسب ذاته، فإذا اتصف أرحم الراحمين بالرحمة حقيقة لم يلزم أن تكون رحمته من جنس رحمة المخلوق" (٣).

стр. 171

٤ - صفة المحبة لله : يقرر الشيخ ﵀ صفة المحبة لله وأن السلف يثبتونها حقيقة على ما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، وأن النصر والموالاة ونحو ذلك من آثار محبة الله (١). وهي صفة لله فعلية اختيارية ثابتة بالكتاب والسنة. فمن الكتاب: - قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ البقرة: ١٩٥. - وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ المائدة: ٥٤. ومن السنة: - حديث سهل بن سعد ﵁: (... لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ...) (٢). - حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: (إن الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي) (٣). وأهل السنة والجماعة يثبتون صفة المحبة لله ، ويقولون: هي صفة حقيقية لله ، على ما يليق به، وليس هي إرادة الثواب؛ كما يقول المؤولة. كما يثبت أهل السنة لازم المحبة وأثرها، وهو إرادة الثواب وإكرام من يحبه سبحانه (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن الكتاب والسنة وإجماع المسلمين أثبتت محبة الله لعبادة ومحبتهم له، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ البقرة: ١٦٥، وقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ المائدة: ٥٤، وقوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ التوبة: ٢٤

стр. 172

وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعبادة المؤمنين ومحبتهم له وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء ﵈" (١). ٥ - صفة الرضا لله : يقرر الشيخ ﵀ بأن صفة الرضا لله على الحقيقة إثباتاً بلا تشبيه ولا تمثيل، وأن إثابته الطائعين بالنصر والحفظ والنعيم ونحو ذلك، من توابع رضاه (٢). وهي صفة من صفات الله الفعلية الخبرية (٣) الثابتة بالكتاب والسنة. فمن الكتاب: - قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ المائدة: ١١٩. - وقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الفتح:١٨. ومن السنة: - حديث عائشة ﵂: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك ...) (٤). - حديث: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً ...) (٥).

стр. 173

قال أبو إسماعيل الصابوني (١) ﵀: "وكذلك يقولون (أي: الإثبات) في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح؛ من: السمع، والبصر، والعين ... والرضا، والسخط، والحياة ... " (٢). قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في تعليقه على حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (رضى الرب في رضى الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد) (٣): " في هذا الحديث: إثبات صفة الرضى والسخط لله، وأن ذلك متعلق بمحابه ومراضيه. فالله تعالى يحب أوليائه وأصفياءه ويحب من قام بطاعته وطاعة رسوله، وهذا من كماله وحكمته وحمده، ورحمته. ورضاه وسخطه، من صفاته المتعلقة بمشيئته وقدرته" (٤). ٦ - صفة الغضب لله : يقرر الشيخ ﵀ صفة الغضب لله على المنافقين والمشركين، صفةً لله على الحقيقة (٥)، مستدلاً بقوله تعالى ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ الفتح: ٦.

стр. 174

وهو صفةٌ فعلية خبريَّةٌ لله ثابتٌ بالكتاب والسنة، وهو كمال لأنه -أي الغضب- على من يستحق العقوبة من القادر عليه فهذا كمال (١). فمن الكتاب: - قوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ النور: ٩. - وقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ طه: ٨١. - وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الممتحنة: ١٣. ومن السنة: - حديث أبي هريرة ﵁: (إن رحمتي غلبت غضبي) (٢). - حديث الشفاعة الطويل، وفيه: (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله ...) (٣). وأهل السنة والجماعة يثبتون صفة الغضب لله بوجه يليق بجلاله وعظمته، لا يكيفون ولا يشبهون ولا يؤولون؛ كمن يقول: الغضب إرادة العقاب، ولا يعطلون، بل يقولون: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١. قال الطحاوي (٤): " والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى" (٥)

стр. 175

قال الشارح ابن أبي العز الحنفي: " ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضا والعداوة والولاية والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة" (١). وقال قوام السنة الأصبهاني: "قال علماؤنا: يوصف الله بالغضب، ولا يوصف بالغيظ" (٢). ومما سبق يتضح بأن السلف أجمعوا على ثبوت الغضب لله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وهو غضب حقيقي يليق بالله . ٧ - صفة السخط لله : يقرر الشيخ ﵀ ما أثبته أهل السنة والجماعة لله من سخط الله على من تعدّى حدوده، وكره ما يرضي الله (٣)، مستدلاً بقوله تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ محمد: ٢٨. وصفة السخط من صفات الله الفعلية الخبرية الثابتة بالكتاب والسنة. فمن الكتاب: - قوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ المائدة: ٨٠. - وقوله تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾ محمد: ٢٨.

стр. 176

ومن السنة: - حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك وسعديك ... (إلى أن قال فيه:) فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني؛ فلا أسخط عليكم بعده أبداً) (١). - حديث بريدة ﵁: (لا تقولوا للمنافقين سيد، فإن يك سيداً؛ فقد أسخطتم ربكم ) (٢). قال أبو إسماعيل الصابوني: "وكذلك يقولون في جميع الصفات (يعني: الإثبات) التي نزل بها القرآن ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين ... والرضا والسخط ... " (٣). ما الفرق بين الغضب والسخط؟ وهل هما بمعنى واحد؟ الجواب: "إذا أراد السائل صفات الله، فليسا بمعنى واحد، وإن كانت بعض معاني السخط قد تكون قريبة من معنى الغضب، ولكن هذه صفة، وهذه صفة، أما للناس فهذا شيء معروف؛ لأن الغضب من أثر السخط" (٤). وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: " السخط: هو عدم الرضا، والسخط إلى الكراهة أقرب منه إلى الغضب، فإن الغضب يعدى بعلى، والسخط يعدى بها تارة، وبنفسه أخرى؛ وبين

стр. 177

السخط والغضب فرق واضح: كثيرًا ما يقابل السخط بالرضا، والغضب لا يقابل به؛ وفيه إثبات الرضا؛ فإن الله يرضى حقيقة كما أنه يسخط حقيقة" (١). ٨ - صفة الْخَلْقُ لله : يقرر الشيخ ﵀ صفة الخَلْق لله مستدلاً بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ الزمر: ٦٢، وبين الشيخ ﵀: " أن إخباره تعالى عن نفسه في الآية بأنه خالق يمنع من دخوله في عموم قوله: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ الزمر: ٦٢، وإلا كان مخلوقاً لنفسه، وذلك محال لما يلزمه من كونه سابقاً على نفسه لكونه خالقاً، متأخراً عنها لكونه مخلوقاً لها، وسبق الشيء نفسه وتأخيره عنها في الوجود محال؛ فالآية أيضاً دالة على تخصيص عموم المفعول" (٢). والخلق صفة من صفات الله الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة، وهي مأخوذة أيضاً من اسمه (الخالق) و (الخلاق)، وهي من صفات الذات وصفات الفعل معاً. الدليل من الكتاب: وردت هذه الصفة في القرآن مرات عديدة، تارة بالفعل (خَلَقَ)، أو بمصدره، وتارة باسمه (الخالق) أو (الخلاَّق)، ومن ذلك: - قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ الأعراف: ٥٤. - وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ الحجر: ٨٦. - وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ ق: ١٦.

стр. 178

ومن السنة: - حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كَخَلْقي؛ فليخلقوا ذرَّة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة) (١). - حديث عائشة ﵂ في التصاوير: (... أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله ...) (٢). قال الأزهري (٣): "ومن صفات الله: الخالق والخلاق، ولا تجوز هذه الصفة بالألف واللام لغير الله . والخلاق في كلام العرب ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه ... والخلق في كلام العرب على ضربين: أحدهما: الإنشاء على مثال أبدعه. والآخر: التقدير. وقال في قول الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ المؤمنون: ١٤، معناه: أحسن المقدرين" (٤). وقال ابن تيمية ﵀: "وأما قولنا: هو موصوف في الأزل بالصفات الفعلية من الخلق والكرم والمغفرة؛ فهذا إخبار عن أن وصفه بذلك متقدم؛ لأن الوصف هو الكلام الذي

стр. 179

يخبر به عنه؛ وهذا مما تدخله الحقيقة والمجاز، وهو حقيقة عند أصحابنا، وأما اتصافه بذلك؛ فسواء كان صفةً ثبوتَّيةّ وراء القدرة أو إضافية؛ فيه من الكلام ما تقدم" (١). وقال في موضع آخر: "والله تعالى لا يوصف بشيء من مخلوقاته، بل صفاته قائمة بذاته، وهذا مطرد على أصول السلف وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم، ويقولون: إن خلق الله للسماوات والأرض ليس هو نفس السماوات والأرض، بل الخلق غير المخلوق، لا سيما مذهب السلف والأئمة وأهل السنة الذين وافقوهم على إثبات صفات الله وأفعاله" (٢). وقال في موضع ثالث: "ولهذا كان مذهب جماهير أهل السنة والمعرفة -وهو المشهور عند أصحاب الإمام أحمد وأبي حنيفة وغيرهم من المالكية والشافعية والصوفية وأهل الحديث وطوائف من أهل الكلام من الكرامية وغيرهم- أن كون الله خالقاً ورازقاً ومحيياً ومميتاً وباعثاً ووارثاً ... وغير ذلك من صفات فعله، وهو من صفات ذاته؛ ليس من يخلق كمن لا يخلق. ومذهب الجمهور أن الخلق غير المخلوق؛ فالخلق فعل الله القائم به، والمخلوق هو المخلوقات المنفصلة عنه" (٣). ٩ - صفة الهرولة لله : يقرر الشيخ ﵀ صفة الهرولة لله على ما يليق به سبحانه (٤)، مستدلاً بالحديث القدسي قال الله تعالى: (إذا تقرب إليَّ العبد شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإذا تقرب إليَّ ذراعاً تقربت منه باعاً، وإذا أتاني ماشياً أتيته هرولة) (٥).

стр. 180

وهي صفة فعلية خبرية ثابتة لله بالحديث الصحيح. فدليلها من السنة: - حديث أبي هريرة ﵁: (... وإن أتاني يمشي؛ أتيته هرولة) (١). الهرولة (٢) الواردة في هذا الحديث، هل يصح أن تثبت صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، أم أن لها معنى آخر يقتضيه السياق فتحمل عليه؟ وفي هذا اختلف أهل العلم من أهل السنة والجماعة، على قولين هما: القول الأول: أن المراد به ضرب مثل لكرم الله وجوده على عبده (٣). القول الثاني: أن الهرولة صفة فعلية خبرية ثابتة لله تعالى بهذا الحديث السابق (٤). قال الشيخ محمد العثيمين ﵀: "صفة الهرولة ثابتة لله تعالى؛ كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ؛ قال: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي ... (فذكر الحديث، وفيه:) وإن أتاني يمشي؛ أتيته هرولة)، وهذه الهرولة صفة من صفات أفعاله التي يجب علينا الإيمان بها من غير تكييف، لأن التكييف
следующие страницы →