← Акыда

Акыда · id 14254

منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (777 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ومن السنة: - حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك وسعديك ... (إلى أن قال فيه:) فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني؛ فلا أسخط عليكم بعده أبداً) (١). - حديث بريدة ﵁: (لا تقولوا للمنافقين سيد، فإن يك سيداً؛ فقد أسخطتم ربكم ) (٢). قال أبو إسماعيل الصابوني: "وكذلك يقولون في جميع الصفات (يعني: الإثبات) التي نزل بها القرآن ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين ... والرضا والسخط ... " (٣). ما الفرق بين الغضب والسخط؟ وهل هما بمعنى واحد؟ الجواب: "إذا أراد السائل صفات الله، فليسا بمعنى واحد، وإن كانت بعض معاني السخط قد تكون قريبة من معنى الغضب، ولكن هذه صفة، وهذه صفة، أما للناس فهذا شيء معروف؛ لأن الغضب من أثر السخط" (٤). وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: " السخط: هو عدم الرضا، والسخط إلى الكراهة أقرب منه إلى الغضب، فإن الغضب يعدى بعلى، والسخط يعدى بها تارة، وبنفسه أخرى؛ وبين

стр. 177

السخط والغضب فرق واضح: كثيرًا ما يقابل السخط بالرضا، والغضب لا يقابل به؛ وفيه إثبات الرضا؛ فإن الله يرضى حقيقة كما أنه يسخط حقيقة" (١). ٨ - صفة الْخَلْقُ لله : يقرر الشيخ ﵀ صفة الخَلْق لله مستدلاً بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ الزمر: ٦٢، وبين الشيخ ﵀: " أن إخباره تعالى عن نفسه في الآية بأنه خالق يمنع من دخوله في عموم قوله: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ الزمر: ٦٢، وإلا كان مخلوقاً لنفسه، وذلك محال لما يلزمه من كونه سابقاً على نفسه لكونه خالقاً، متأخراً عنها لكونه مخلوقاً لها، وسبق الشيء نفسه وتأخيره عنها في الوجود محال؛ فالآية أيضاً دالة على تخصيص عموم المفعول" (٢). والخلق صفة من صفات الله الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة، وهي مأخوذة أيضاً من اسمه (الخالق) و (الخلاق)، وهي من صفات الذات وصفات الفعل معاً. الدليل من الكتاب: وردت هذه الصفة في القرآن مرات عديدة، تارة بالفعل (خَلَقَ)، أو بمصدره، وتارة باسمه (الخالق) أو (الخلاَّق)، ومن ذلك: - قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ الأعراف: ٥٤. - وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ الحجر: ٨٦. - وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ ق: ١٦.

стр. 178

ومن السنة: - حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كَخَلْقي؛ فليخلقوا ذرَّة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة) (١). - حديث عائشة ﵂ في التصاوير: (... أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله ...) (٢). قال الأزهري (٣): "ومن صفات الله: الخالق والخلاق، ولا تجوز هذه الصفة بالألف واللام لغير الله . والخلاق في كلام العرب ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه ... والخلق في كلام العرب على ضربين: أحدهما: الإنشاء على مثال أبدعه. والآخر: التقدير. وقال في قول الله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ المؤمنون: ١٤، معناه: أحسن المقدرين" (٤). وقال ابن تيمية ﵀: "وأما قولنا: هو موصوف في الأزل بالصفات الفعلية من الخلق والكرم والمغفرة؛ فهذا إخبار عن أن وصفه بذلك متقدم؛ لأن الوصف هو الكلام الذي

стр. 179

يخبر به عنه؛ وهذا مما تدخله الحقيقة والمجاز، وهو حقيقة عند أصحابنا، وأما اتصافه بذلك؛ فسواء كان صفةً ثبوتَّيةّ وراء القدرة أو إضافية؛ فيه من الكلام ما تقدم" (١). وقال في موضع آخر: "والله تعالى لا يوصف بشيء من مخلوقاته، بل صفاته قائمة بذاته، وهذا مطرد على أصول السلف وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم، ويقولون: إن خلق الله للسماوات والأرض ليس هو نفس السماوات والأرض، بل الخلق غير المخلوق، لا سيما مذهب السلف والأئمة وأهل السنة الذين وافقوهم على إثبات صفات الله وأفعاله" (٢). وقال في موضع ثالث: "ولهذا كان مذهب جماهير أهل السنة والمعرفة -وهو المشهور عند أصحاب الإمام أحمد وأبي حنيفة وغيرهم من المالكية والشافعية والصوفية وأهل الحديث وطوائف من أهل الكلام من الكرامية وغيرهم- أن كون الله خالقاً ورازقاً ومحيياً ومميتاً وباعثاً ووارثاً ... وغير ذلك من صفات فعله، وهو من صفات ذاته؛ ليس من يخلق كمن لا يخلق. ومذهب الجمهور أن الخلق غير المخلوق؛ فالخلق فعل الله القائم به، والمخلوق هو المخلوقات المنفصلة عنه" (٣). ٩ - صفة الهرولة لله : يقرر الشيخ ﵀ صفة الهرولة لله على ما يليق به سبحانه (٤)، مستدلاً بالحديث القدسي قال الله تعالى: (إذا تقرب إليَّ العبد شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإذا تقرب إليَّ ذراعاً تقربت منه باعاً، وإذا أتاني ماشياً أتيته هرولة) (٥).

стр. 180

وهي صفة فعلية خبرية ثابتة لله بالحديث الصحيح. فدليلها من السنة: - حديث أبي هريرة ﵁: (... وإن أتاني يمشي؛ أتيته هرولة) (١). الهرولة (٢) الواردة في هذا الحديث، هل يصح أن تثبت صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، أم أن لها معنى آخر يقتضيه السياق فتحمل عليه؟ وفي هذا اختلف أهل العلم من أهل السنة والجماعة، على قولين هما: القول الأول: أن المراد به ضرب مثل لكرم الله وجوده على عبده (٣). القول الثاني: أن الهرولة صفة فعلية خبرية ثابتة لله تعالى بهذا الحديث السابق (٤). قال الشيخ محمد العثيمين ﵀: "صفة الهرولة ثابتة لله تعالى؛ كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ؛ قال: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي ... (فذكر الحديث، وفيه:) وإن أتاني يمشي؛ أتيته هرولة)، وهذه الهرولة صفة من صفات أفعاله التي يجب علينا الإيمان بها من غير تكييف، لأن التكييف

стр. 181

قول على الله بغير علم، وهو حرام، وبدون تمثيل؛ لأن الله يقول ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١ " (١). وقبل ترجيح أي من القولين السابقين لا بُدَّ من التذكير بقاعدتين هامتين هما: الأولى: أن الواجب في نصوص الكتاب والسنة إجراؤها على ظاهرها، دون التعرض لها بتحريف أو تعطيل، لا سيما نصوص الصفات، لأنه لا مجال للرأي فيها (٢). الثانية: أن المراد بظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السياق، وما يضاف إليه الكلام، فالكلمة الواحدة يكون لها معنى في سياق، ومعنى آخر في سياق آخر (٣). وبناءً على ما تقدم، فإن لفظ الهرولة وإن كان معناه: الإسراع في المشي، إلا أنه لا يقتضي أن يكون هذا معناه المراد منه في كل سياق ورد فيه، وإنما السياق هو الذي يحدد معناه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو يتحدث عن قرب الله تعالى: " ولا يلزم من جواز القرب عليه، أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يراد به قربه بنفسه، بل يبقى هذا من الأمور الجائزة، وينظر في النص الوارد، فإن دلَّ على هذا حمل عليه، وإن دل على هذا حمل عليه" (٤). فالهرولة في هذا الحديث معناها: مجازاة الله تعالى وإثابته لعبده بأكمل وأفضل من عمله -على ما جاء في القول الأول- وليس المراد بها: المشي السريع، فتثبت صفة لله تعالى، كما أن تقرب العبد بالشبر والذراع لا يراد به حقيقة الشبر والذراع، وإنما يراد به قدرهما، وإلا فما موضع العبادات القلبية - والتي هي من أعظم العبادات وعليها تنبني

стр. 182

أعمال الجوارح- كالخوف الرجاء والمحبة والتوكل ... وكذا العبادات القولية كالذكر والدعاء والاستغفار، هل نخرجها من هذا الحديث؟! وليس هذا تأويلاً للحديث وحملاً له على غير ظاهره، بل هو حقيقة معناه، وظاهر سياقه (١). والقول: بهذا المعنى للهرولة، ليس هروباً من إثباتها صفة لله تعالى، لأنها توهم معنى فاسداً -كما هو منهج نفاة الصفات-، وإنما لأن سياق الحديث وظاهره يدل عليه، ولو لم يرد في السياق ما يدل عليه لتعين إثباتها صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله، ولذلك فقد أجمع أهل السنة والجماعة على إثبات صفة المجيء والإتيان له سبحانه على ما يليق بجلاله، لدلالة النصوص الصحيحة عليهما، والهرولة من جنسهما، ولكن لأنه لم يدل دليل صريح على إثباتها صفة لله تعالى فإنه لا يتوجه إثباتها صفة له، والله أعلم؛ ثم إن الهرولة جاءت في الحديث مقيدة، فالله يأتي هرولة لمن أتاه يمشي، ولم يأتِ مطلقة كبقية الصفات المطلقة، ولذا فمن أثبتها صفة لله تعالى ينبغي له تقييدها بما قُيدت به في الحديث، فلا يجعلها صفة لله تعالى على وجه الإطلاق (٢). وقد قال الشيخ محمد العثيمين: عن هذا القول: إن له حظاً من النظر (٣)، مع أنه قد انتصر للقول الثاني. ١٠ - صفتا الإتيان والمجيء لله : يقرر الشيخ ﵀ صفة الإتيان لله ، فيقول: " إتيانٌ حقيقي يليق بجلاله تعالى لا يشبه إتيان المخلوق، ولا نتأوله على إتيان رحمته أو ملك من ملائكته، بل نثبته كما أثبته السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الأنعام: ١٥٨" (٤).

стр. 183

وهما صفتان فعليتان خبريتان ثابتتان بالكتاب والسنة. فمن الكتاب: - قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ البقرة: ٢١٠. - وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الأنعام: ١٥٨. - وقوله: ﴿جَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ الفجر: ٢٢. ومن السنة: - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الرؤية: (... قال: فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم ...) (١). - حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (... وإن تقرب إلي ذراعاً؛ تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي؛ أتيته هرولة) (٢). - ولقد جاءت صفتا الإتيان والمجيء مقترنتين في حديث واحدٍ، رواه مسلم (٣) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (إذا تلقَّاني عبدي بشبرٍ؛ تلقَّيْته بذراع، وإذا تلقاني بذراع، تلقَّيْته بباع، وإذا تلقاني بباع، جئته أتيته بأسرع) (٤).

стр. 184

قال النووي: "هكذا هو في أكثر النسخ: (جئته أتيته)، وفي بعضها (جئتُه بأسرع) فقط، وفي بعضها: (أتيته)، وهاتان ظاهرتان، والأول صحيح أيضاً، والجمع بينهما للتوكيد، وهو حسن، لا سيما عند اختلاف اللفظ، والله أعلم" (١). وأهل السنة والجماعة يثبتون لله إتيانٌ حقيقي يليق بجلاله تعالى لا يشبه إتيان المخلوق. قال ابن جرير: في تفسير قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ البقرة: ٢١٠: "اختلف في صفة إتيان الرب ﵎ الذي ذكره في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ البقرة: ٢١٠، فقال بعضهم: لا صفة لذلك غير الذي وصف به نفسه من المجيء والإتيان والنزول، وغير جائز تكلف القول في ذلك لأحد إلا بخبرٍ من الله ﷻ أو من رسول مرسل، فأما القول في صفات الله وأسمائه؛ فغير جائز لأحد من جهة الاستخراج؛ إلا بما ذكرنا. وقال آخرون: ... " (٢) ورجح: القول الأول. وقال أبو الحسن الأشعري (٣): "وأجمعوا على أنه يجيء يوم القيامة والملك صفاً صفاً ... " (٤). وقال الشيخ محمد خليل الهراس -بعد أن حكى ما ذكره شيخ الإسلام عن الآيات السابقة -: " في هذه الآيات إثبات صفتين من صفات الفعل، وهما صفتا الإتيان والمجيء، والذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بذلك على حقيقة، والابتعاد عن التأويل الذي هو في الحقيقة إلحاد وتعطيل أ. هـ " (٥).

стр. 185

١١ - صفة الضحك لله : يقرر الشيخ ﵀ صفة الضحك لله على ما يليق بجلال الله وعظمته (١)، مستدلاً لما يقول بقول الرسول ﷺ : (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيُقتل ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد) (٢). وهي صفةٌ من صفات الله الفعلية الخبرية الثابتة بالأحاديث الصحيحة. الدليل من السنة: - حديث عبد الله بن مسعود ﵁ في آخر أهل النار خروجاً منها وآخر أهل الجنة دخولاً فيها، وفيه أنه قال يخاطب الله : (أتسخر بي؟ أو تضحك بي وأنت الملك ...) (٣). قال الإمام ابن خزيمة ﵀: "باب: ذكر إثبات ضحك ربنا : بلا صفةٍ تصف ضحكه جلَّ ثناؤه-أي بلا تكييف لضحكه-، ولا يشبه ضحكه بضحك المخلوقين، وضحكهم كذلك، بل نؤمن بأنه يضحك؛ كما أعلم النبي ﷺ ، ونسكت عن صفة ضحكه جل وعلا، إذ الله استأثر بصفة ضحكه، لم يطلعنا على ذلك؛ فنحن قائلون بما قال النبي ﷺ ، مصدقون يذلك، بقلوبنا منصتون عمَّا لم يبين مما استأثر الله بعلمه" (٤). وقال أبو بكر الآجري (٥): "باب الإيمان بأن الله يضحك: اعلموا-وفقنا الله وإياكم للرشاد من القول والعمل- أن أهل الحق يصفون الله بما وصف به نفسه

стр. 186

- ، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، وبما وصف به الصحابة ن. وهذا مذهب العلماء ممن اتبع ولم يبتدع، ولا يقال فيه: كيف؟ بل التسليم له، والإيمان به؛ أن الله يضحك، كذا روي عن النبي ﷺ وعن صحابته ن؛ فلا ينكر هذا إلا من لا يحمد حاله عند أهل الحق" (١). وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (٢) -لما قيل له: هذه الأحاديث التي تروى؛ في: الرؤية، والكرسي موضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وإن جهنم لتمتلئ ... وأشباه هذه الأحاديث؟ - قال ﵀: " هذه الأحاديث صِحَاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء، بعضهم عن بعض، وهي عندنا حقٌ لا شك فيها، ولكن إذا قيل: كيف يضع قدمه؟ وكيف يضحك؟ قلنا: لا يُفسَّر هذا، ولا سمعنا أحداً يفسره" (٣). ١٢ - صفة النزول لله : يقرر الشيخ ﵀ صفة النزول لله كما يشاء، فيقول: " ففي الإمكان أن ينزل كما يشاء نزولاً يليق بجلاله في الثلث الأخير من الليل بالنسبة إلى كل قطر - من الأرض-، ولا ينافي ذلك علوه واستواءه على العرش؛ لأننا في ذلك لا نعلم كيفية النزول ولا كيفية الاستواء، بل ذلك مختص به سبحانه، بخلاف المخلوق فإنه يستحيل في حقه أن ينزل في مكان ويوجد بمكان آخر في تلك اللحظة كما هو معلوم، إلاَّ الله فهو على كل

стр. 187

شيء قدير، ولا يقاس ولا يمثل به؛ لقوله : ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾ النحل: ٧٤، وقوله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١، ومما ذكرناه يتضح لك أنه لا تعارض بين نزوله واستوائه، وأن اختلاف الأقطار لا يؤثر في ذلك" (١). والنزول صفة فعلية خبرية ثابتة لله بالسنة الصحيحة. الدليل من السنة: - حديث النزول المشهور: (يَنْزِلُ ربنا ﵎ إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر ...) (٢). - حديث علي بن أبي طالب وأبي هريرة ﵄ مرفوعاً: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ولأخرت عشاء الآخرة إلى ثلث الليل الأول فإنه إذا مضى ثلث الليل الأول هبط الله تعالى إلى السماء الدنيا فلم يزل هناك حتى يطلع الفجر ...) (٣). قال أبو سعيد الدارمي -بعد أن ذكر ما يثبت النزول من أحاديث رسول الله ﷺ : "فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب ﵎ في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، لا ينكرها منهم أحد، ولا يمنع من روايتها" (٤).

стр. 188

وقال الإمام محمد بن خزيمة: "باب: ذكر أخبار ثابتة السند في نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا كل ليلة: نشهد شهادة مقرٍ بلسانه، مصدقٍ بقلبه، مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نُزول الرب، من غير أن نصف الكيفية؛ لأن نبينا المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل، والله جل وعلا لم يترك، ولا نبيه ﵇، بيان ما يحتاج إليه المسلمون من أمر دينهم؛ فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول، غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية؛ إذ النبي ﷺ لم يصف لنا كيفية النزول. وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أن الله جل وعلا فوق سماء الدنيا الذي أخبرنا نبينا ﷺ أنه ينزل إليه، إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل" (١). وقال أبو القاسم اللالكائي: "سياق ما روي عن النبي ﷺ في نزول الرب ﵎، رواه عن النبي ﷺ عشرون نفساً" (٢). وقد تواترت الأخبار عن النبي ﷺ في نزول الرب إلى السماء الدنيا، ورواه عنه نحو ثمانية وعشرين صحابياً. وهذا يدل على أنه كان يبلغه في كثير من المواطن، مما يؤكد أنه نزول حقيقي يليق بالله (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " والقول المشهور عن السلف عند أهل السنة والحديث: هو الإقرار بما ورد به الكتاب والسنة من أنه يأتي وينزل، وغير ذلك من الأفعال اللازمة" (٤). ونزول الرب الثابت له بالأدلة المتقدمة على تسعة أنواع هي: نزوله سبحانه إلى السماء الدنيا كل ليلة، وعشية عرفة، وليلة النصف من شعبان، وبعد أن

стр. 189

ينادي المنادي بين يدي الساعة، ونزوله تعالى إلى الأرض بين النفختين في الصور، ويوم القيامة، ونزوله جل وعلا من العرش إلى الكرسي يوم القيامة، ونزوله على القنطرة يوم القيامة، ونزوله جل وعلا لأهل الجنة (١). وقد أورد البعض على حديث النزول في ثلث الليل الآخر، بأن ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان، فلا يمكن النزول في وقت معين. قال ابن رجب ﵀: " وقد اعترض من كان يعرف هذا على حديث النزول ثلث الليل الآخر، وقال: ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان، فلا يمكن أن يكون النزول وقت معين. ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبح هذا الاعتراض، وأن رسول الله ﷺ وخلفاءه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه، بل بادروا إلى عقوبته وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين" (٢). قال الإمام الترمذي (٣) ﵀: " وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث (٤) وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال كيف ... " (٥).

стр. 190

وقال ابن عبد البر (١) ﵀: " والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون: ينزل كما قال رسول الله ﷺ ويصدقون بهذا الحديث ولا يكيفون، والقول في كيفية النزول كالقول في كيفية الاستواء والمجيء، والحجة في ذلك واحدة" (٢).

стр. 191

الفصل الثالث: نواقض التوحيد والقوادح فيه وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:

стр. 192

تمهيد من المعلوم أن الإسلام نهى عن الشرك، بل وحذر من كل ما يوقع فيه، وسدّ كل الطرق المؤدية إليه، والشرك على نوعين يبينها الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀؛ بقوله: " الشرك الأكبر: أن يجعل الإنسان لله نداً؛ إما في أسمائه وصفاته، وإما أن يجعل له نداً في العبادة، وإما أن يجعل لله نداً في التشريع، فهذه الأنواع الثلاثة هي الشرك الأكبر الذي يرتد به فاعله أو معتقده عن ملة الإسلام، فلا يصلى عليه إذا مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا تؤكل ذبيحته ويحكم بوجوب قتله ويتولى ذلك ولي أمر المسلمين إلاَّ أنه يستتاب قبل قتله، فإن تاب قبلت توبته ولم يقتل وعومل معاملة المسلمين. أما الشرك الأصغر: فكل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه، وجاء في النصوص تسميته شركاً كالحلف بغير الله، فإنه مظنة للانحدار إلى الشرك الأكبر؛ ولهذا نهى عنه النبي ﷺ ، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفاَ فليحلف بالله أو ليصمت) (١)، بل سماه: مشركاً، روى ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: (من حلف بغير الله فقد أشرك) (٢)، لأن الحلف بغير الله فيه غلو في تعظيم غير الله، وقد ينتهي ذلك التعظيم بمن حلف بغير الله إلى الشرك الأكبر. والشرك الأصغر لا يخرج من ارتكس فيه من ملة الإسلام، ولكنه أكبر الكبائر بعد الشرك الأكبر؛ ولذا قال عبد الله بن مسعود ﵁: (لأن أحلف بالله كاذباً أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقاً) (٣)، وعلى هذا فمن أحكامه أن يعامل معاملة المسلمين فيرثه أهله، ويرثهم حسب ما ورد بيانه في الشرع، ويصلى عليه إذا مات ويدفن في مقابر المسلمين وتؤكل

стр. 193

ذبيحته إلى أمثال ذلك من أحكام الإسلام، ولا يخلد في النار إن دخلها كسائر مرتكبي الكبائر عند أهل السنة والجماعة، خلافاً للخوارج والمعتزلة" (١). تنوعت عبارات أهل العلم في بيان أنواع الشرك، فمنهم من قسم الشرك إلى أكبر وأصغر (٢)، وبعضهم قسمه إلى ثلاثة أقسام أكبر، وأصغر، وخفي (٣)، والبعض الآخر قسمه حسب أجزاء التوحيد الثلاثة (٤)، وبعضهم يقسمه إلى نوعين الشرك في الربوبية والشرك في الألوهية، ويدخل الشرك في الأسماء والصفات ضمن النوع الأول (٥). وجميع هذه التقسيمات لا تخرج عن المدلول الشرعي للشرك (٦)؛ ولعل التقسيم الذي يجمع هذه التقسيمات هو ما اختاره (٧) الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ وهو: الشرك على نوعين أكبر، وأصغر: أما الأكبر: فهو أن يتخذ شريكاً أو نداً مع الله تعالى في ذاته أو في أسمائه أو صفاته، أو أن يعدل بالله تعالى مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده (٨). أو أن يقال: هو أن يجعل لله نداً في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته (٩).

стр. 194

أما الشرك الأصغر: فقد جاء في تعريفه عبارات عدة، لعل من أجمعها: أنه كل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه وجاء في النصوص تسميته شركاً (١). وبعضهم لا يعرفه، وإنما يذكره بالأمثلة لكثرة أفراد هذا النوع وتنوعه (٢). وهو محرم، بل هو أكبر الكبائر بعد الشرك الأكبر، لكنه لا يخرج من ارتكبه عن ملة الإسلام (٣).

стр. 195

المبحث الأول نواقض توحيد الربوبية والقوادح فيه . سبق معرفة أن توحيد الربوبية هو اعتقاد المسلم بأن الله هو رب كل شيء ومليكه (١)، وخالق كل شيء، ورازق كل حي، ومدبر كل أمر ... ، فكل قول أو اعتقاد فيه إنكار لهذه الخصائص التي يختص بها الله أو بعضها هو من نواقض الإيمان، التي يصبح فاعلها مرتدًا عن دين الله . - قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عند حديثه عن شرك الربوبية: " فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر، المعطي المانع، الضار النافع، الخافض الرافع، المعز المذل، فمن شهد أن المعطي أو المانع، أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره، فقد أشرك بربوبيته" (٢). وهذا الشرك ينقسم إلى كبير وأكبر (٣). وهو على نوعين (٤): النوع الأول: شرك التعطيل؛ وهو أقبح أنواع الشرك، وذلك: إما بالإلحاد: كشرك فرعون إذ قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)﴾ الشعراء: ٢٣، ويدخل

стр. 196

فيه الشيوعية (١) والقومية (٢) وغيرها من الاتجاهات الهدامة التي تجددت. وإما بتعطيل المصنوع عن صانعه: كالقول بقِدم العالم (٣). وإما بتعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد: كالقول بوحدة الوجود (٤).

стр. 197

وإما تعطيل الصانع عن أفعاله: كمنكري إرسال الرسل، ومنكري القدر، ومنكري البعث والنشور، وغيرها (١). النوع الثاني: شرك الأنداد من غير تعطيل، وهو من جعل مع الله إلهاً آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته، وذلك: إما بدعوى التصرف في الكون من الغير: كمشركي قوم إبراهيم الصابئة، والمتصوفة القائلين بالغوث والقطب والأوتاد، والأبدال وتصرفهم كما يدّعون. وإما بإعطاء السلطة لأحد غير الله في التحليل والتحريم: كما كان في النصارى، وفي بعض حكام هذه الأمة، والقوانين الوضعية وغيرها. وإما بدعوى التأثير في الكون من النجوم والهياكل: كالصابئة (٢) من قوم إبراهيم، أو الأولياء، أو التمائم والأحجية (٣).

стр. 198

المبحث الثاني نواقض توحيد الألوهية والقوادح فيه توحيد الألوهية هو أن يعتقد المسلم بأن الله هو المعبود بحق وأن غيره لا يستحق أي شيء من هذه العبادة (١)، فمن قال قولاً، أو فعل فعلاً، أو اعتقد اعتقاداً يتضمن إنكار هذا الحق لله ، فقد كفر وارتد عن دين الله؛ وقد أشرك في عبادة الله، وإن كان صاحبه يعتقد أنه لا شريك لله في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله. وهو الذي يسمى بالشرك في العبادة، وهو أكثر وأوسع انتشاراً ووقوعاً من الذي قبله- فإن أكثر الناس في الماضي والحاضر يعترفون لله بربوبيته وخلقه ورزقه وتدبيره-، وهو يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا الله ... ومعلوم أن العبادة متعلقة باللسان والقلب والجوارح، فالشرك في العبادة أيضاً يكون في هذه الأشياء الثلاثة، فقد يكون الشرك في الأعمال القلبية، وقد يكون بالأعمال والجوارح، وقد يكون بالألفاظ والأقوال، وقد يجتمع بعضها مع بعض (٢). وقد تحدث الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ عن كثير من الأعمال والأقوال التي تناقض وتنافي توحيد الألوهية، وبين رأيه فيها، ويمكن تقسيم ما ذكره منها إلى قسمين:

стр. 199

الأول: ما يناقض توحيد الألوهية أو يقدح فيه من الأعمال: ١ - النذر والذبح لغير الله تعالى: يقرر الشيخ ﵀: "بأن النذر نوع من أنواع العبادة التي هي حق لله وحده، وكذلك الذبح لله عبادة فلا يجوز صرف شيء منها لغير الله ، فمن صرف نوعاً من أنواع العبادة نذراً أو ذبحاً أو غير ذلك لغير الله يعتبر مشركاً شركاً أكبر، وهو داخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ المائدة: ٧٢، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لعن الله من ذبح لغير الله) (١)؛ وأما من أكل من الذبيحة المذبوحة لغير الله فهو آثم لقوله تعالى: ... ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ المائدة: ٣ " (٢). وكون النذر لله عبادة يجب الوفاء به، فيكون النذر لغير الله تعالى شركاً في العبادة؛ والنذور الواقعة من عباد القبور، تقرباً بها إليهم؛ ليقضوا لهم حوائجهم، أو ليشفعوا لهم، كل ذلك شرك في العبادة بلا ريب، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾ الأنعام: ١٣٦، قال شيخ الإسلام ﵀: وأما ما نُذِر لغير الله، كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات. والحلفُ بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك

стр. 200

الناذر للمخلوقات، فإن كليهما شرك. والشرك ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر الله من هذا، يقول ما قال النبي ﷺ : (من حلف باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله) (١) (٢). وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي (٣) - في الرد على من أجاز الذبح والنذر للأولياء- فهذا الذبح والنذر إن كان على اسم فلان فهو لغير الله، فيكون باطلاً. وفي التنزيل قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الأنعام: ١٢١، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ الأنعام: ١٦٢. والنذر لغير الله إشراك مع الله، كالذبح لغيره. وفي الصحيح (٤) عن عائشة ﵂:أن رسول الله ﷺ قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) (٥).

стр. 201

٢ - السحر (١): أ- تعريف السحر: يعرف الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ السحر، بقوله: "السحر في اللغة: عبارة عما خفي ولطف سببه؛ وفي الاصطلاح: السحر: عزائم ورقى" (٢). والسحر في اللغة: السحر في اللغة يدور حول عدة معانٍ؛ فيطلق على كل ما لطف مأخذه ودق، وقيل أصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، وقيل في معنى قوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ المؤمنون: ٨٩: فأنى تصرفون (٣). وفي الاصطلاح: اختلفت تعريفات العلماء للسحر لكثرة أنواعه، وقد أشار الشافعي ﵀ إلى ذلك بقوله: "والسحر اسم جامع لمعان مختلفة" (٤)، كما أوضح هذا الاختلاف الشيخ محمد الأمين الشنقيطي بقوله: " اعلم أن السحر في الاصطلاح لا يمكن حده بحد جامع مانعاً

стр. 202

لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشترك بينها يكون جامعاً لها مانع لغيرها، ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافاً متبايناً" (١). ومن أشهر هذه التعريفات: تعريف ابن قدامة (٢) حين قال: السحر: عزائم ورقى وعقد يؤثر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجته، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه" (٣). السحر حقيقة أم تخييل: السحر منه ما يكون له حقيقة وأثر لذا جاء الأمر بالاستعاذة منه كما في قوله تعالى ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ الفلق: ٤، يعني السواحر (٤). ومنه ما يكون تخييل (٥) كما في قوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ طه: ٦٦. وفي معجم المناوي (٦) قال: " السحر: يقال على معان: الأول: تخيلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذة (٧). الثاني: استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه.

стр. 203

الثالث: ما يغير الصور والطبائع، كجعل الإنسان حماراً، ولا حقيقة له عند المحصلين" (١). وفي تفسير الإمام الرازي: لفظ السحر في عرف الشرع، مختص بكل أمر يخفى سببه، ويتخيل على غير حقيقة، ويجري مجرى التمويه والخداع. وإذا أطلق ذم فاعله" (٢) من التعريفات المتداولة عند الأئمة أن السحر عزائم ورقى وعقد، تؤثر في الأبدان والقلوب، فيمرض ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه (٣). ب- أنواع السحر: هناك أنواع يمكن إلحاقها بالسحر لما بينهما من التشابه. قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: " والسحر أنواع مختلفة (٤): ١ - يطلق السحر على الفصاحة وقوة البيان، فإن استعمل ذلك في إظهار الحق وإبطال الباطل فهو مشروع محمود، وإن استعمل في التمويه على الناس وقلب الحقائق فهو ممنوع وقد يبلغ درجة الكفر" (٥). والبيان كما جاء عن النبي ﷺ : (إن من البيان لسحراً) (٦)، البيان ليس سحراً، فليس فيه استعانة بالشياطين، ولكنه داخل في حقيقة السحر اللغوية؛ لأنه تأثير خفي على

стр. 204

القلوب، فإن الرجل البليغ ذا البيان وذا الإيضاح وذا اللسان الجميل الفصيح يؤثر على القلوب حتى يسبيها، وربما قلب الحق باطلا والباطل حقا ببيانه. "فقد يستعمل السحر مقيداً فيما يمدح ويحمد؛ نحو خبر: (إن من البيان لسحراً).أي أن بعض البيان سحر، لأن بعضه يوضح المشكل، ويكشف عن حقيقة المجمل بحسن بيانه، فيستميل القلوب، كما يستمال بالسحر، وقيل لما كان في البيان من إبداع التركيب، وغرابة التأليف، ما يجذب السامع، ويخرجه إلى حد يكاد يشغله عن غيره، شبه بالسحر الحقيقي" (١). البيان: البلاغة والفصاحة. وصدق نبيُّ الله ﷺ ، فإنَّ الرجل يكون عليه الحقُّ وهو ألحنُ بالحجج من صاحب الحق (٢)، فيسحرُ القومَ ببيانه فيذهب بالحق. وقال ابنُ عبد البر: تأولته طائفة على الذم؛ لأن السحر مذموم، وذهب أكثر أهل العلم وجماعة أهل الأدب إلى أنه على المدح؛ لأن الله تعالى مدح البيان. وقد قال عمرُ بن عبد العزيز ﵀ لرجلٍ سأله عن حاجة فأحسن المسألة؛ فأعجبه قوله. قال: "هذا والله السحر الحلال"انتهى (٣). والطائفة التي تأولته على الذم رأت أن المراد به البيان الذي فيه تمويهٌ على السامع وتلبيس، كما قال بعضهم شعراً: ففي زخرف القول تزيينٌ لباطله ... والحقُّ قد يعتريه سوءُ تعبير (٤) مأخوذ عن قول الشاعر: تقول هذا مُجاج (٥) النحل تمدحُه ... وإنْ تشأ قلت ذا قيءُ الزنابير (٦)

стр. 205

مدحاً وذمّاً وما جاوزتَ وصفهما ... والحقُّ قد يعتريه سوءُ تعبير (١) وأما البيان الذي يوضح الحق ويقرِّره، ويبطل الباطل ويبيِّنه. فهذا هو الممدوح. وهكذا حال الرسل وأتباعهم؛ ولهذا علت مراتبُهم في الفضائل، وعظمت حسناتهم. وبالجملة: فالبيان إذا استعمل لتغطية الحق وتحسين الباطل. فإنه مذموم (٢). "٢ - ويطلق على النميمة، وهي من كبائر الذنوب إلاَّ إذا نمى خيراً ليصلح بين الناس، ولها واقع وتأثير في نفس من أصغى إليه" (٣). قال رسول الله ﷺ : (ألا أنبئكم ما العَضْهُ؟ هي النميمة: القالة بين الناس) (٤)، وأصل العضه في اللغة (٥) يطلق على أشياء ومنها السحر، والنميمة - هي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد - القالة بين الناس نوع من أنواع السحر، وهي كبيرة من الكبائر ومحرم من المحرمات، ووجه الشبه بين النميمة وبين السحر أن تأثير السحر في التفريق بين المتحابين أو في جمع المتفارقين تأثيره على القلوب خفي، وهذا عمل النمام فإنه يفرق بين الأحباب؛ لأجل كلام يسوقه لهذا وكلام يسوقه لذاك فيفرق بين القلوب، ويجعل العداوة والبغضاء بين قلب هذا وهذا. وقد دل الحديث على أن النميمة نوع من السحر؛ وذلك لأن النميمة تؤثر ما يؤثر السحر أو أكثر فنتيجتها مثل عمل ونتيجة السحر، وهو تفريق الناس، وتغيير القلوب،

стр. 206

وصرف الإنسان عن بعض الأشخاص؛ لكن لم يكفر صاحب النميمة ولم يحكم بقتله، وإنما كفر صاحب السحر وحكم بقتله؛ لأن السحر يقوم على وسائل شركية، والنميمة ليست كذلك (١). " ذكر ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير قال: يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة. وقال أبو الخطاب في عيون المسائل: ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد بين الناس. ووجهُه: أنه يقصد الأذى بكلامه وعمله على وجه المكر والحيلة، أشبه السحر، وهذا يعرف بالعرف والعادة أنه يؤثر، وينتج ما يعمله السِّحر أو أكثر فيُعطى حكمُه تسويةً بين المتماثلين أو المتقابلين. لكن يُقال: الساحرُ إنما يكفر لوصف السحر، وهو أمرٌ خاص ودليله خاصّ، وهذا ليس بساحر. وإنما يؤثر عملُه ما يؤثر فيعطى حكمه، إلا فيما اختص به من الكفر وعدم قبول التوبة؛ وقال ابن حزم ﵀:اتفقوا على تحريم الغيبة والنميمة في غير النصيحة الواجبة" (٢). "والنميمة على قسمين: تارة تكون على وجه التحريش بين الناس وتفريق قلوب المؤمنين فهذا حرام متفق عليه، فأما إن كانت على وجه الإصلاح بين الناس وائتلاف كلمة المسلمين كما جاء في الحديث: (ليس بالكذاب من ينم خيراً) (٣) أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة، فهذا أمر مطلوب كما جاء في الحديث: (الحرب خدعة) (٤)، وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريق كلمة الأحزاب وبني قريظة" (٥).

стр. 207

"٣ - ويطلق السحر أيضاً على التخييل وإيهام الناظر إلى الشيء أنه يتحرك مثلاً مع أنه لا يتحرك، وهذا من الإيهام والتدجيل، وهذا النوع من السحر حرام؛ لما فيه من التمويه والتلبيس واللعب بالعقول، وهذا النوع من أنواع الكفر الأكبر، وهو سحر سحرة فرعون" (١). أثبتت النصوص القرآنية والحديثية هذا النوع من أنواع السحر، يقول الحق جل وعلا في محكم كتابه: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ الأعراف: ١١٥ - ١١٦، قال الطبري: " وذكر أن السحرة سحروا عين موسى وأعين الناس قبل أن يلقوا حبالهم وعصيهم، فخيل حينئذ إلى موسى أنها تسعى" (٢). وقد ثبت من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: (سُحر رسول الله ﷺ حتى أنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله) (٣). قال الحافظ ابن حجر ﵀: " قال المازري (٤): - عن إنكار بعض المبتدعة لهذا الحديث - وهذا كله مردود، لأن الدليل قد قام على صدق النبي ﷺ فيما يبلغه عن الله تعالى وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل، وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين، قال: وقد قال بعض

стр. 208

الناس أن المراد بالحديث أنه كان ﷺ يخيل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطأهن، وهذا كثير ما يقع تخيله للإنسان في المنام فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة " (١). يقول ابن خلدون: "سحر التخيل هو أن يعمد الساحر إلى القوى المتخيلة فيتصرف فيها بنوع من التصرف، ويلقي فيها أنواعا من الخيالات والمحاكاة وصوراً مما يقصده من ذلك، ثم ينزلها إلى الحس من الرائين بقوة نفسه المؤثرة فيه، فينظر الراؤون كأنها في الخارج وليس هناك شيء من ذلك" (٢). قال الشنقيطي ﵀: " من أنواع السحر هو التخيلات والأخذ بالعيون ومبنى هذا النوع منه على أن القوة الباصرة قد ترى الشيء على خلاف ما هو عليه في الحقيقة لبعض الأسباب العارضة. ولأجل هذا كانت أغلاط البصر كثيرة .. ولا يخفى أن يكون سحرة فرعون من هذا النوع. فهو تخييل وأخذ بالعيون كما دل عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ طه: ٦٦، فإطلاق التخييل في الآية على سحرهم نص صريح في ذلك. وقد دل على ذلك أيضاً قوله في الأعراف: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ الأعراف: ١١٦، لأن إيقاع السحر على أعين الناس في الآية يدل على أن أعينهم تخيلت غير الحقيقة الواقعة، والعلم عند الله تعالى" (٣). "٤ - ويطلق السحر أيضاً على التعوذ بالجن والاستعانة بهم على نفع إنسان أو إصابته بضر من مرض أو تفريق أو بغض أو حب أو فك سحر ونحو ذلك، وحكمه أنه كفر أكبر؛ لما فيه من اللجوء والاستعانة بغير الله والتقرب إلى الجن" (٤).

стр. 209

وبين الشيخ ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ الجن: ٦: " بأن المعنى أنه كان رجال من الإنس يستجيرون بالجن إذا نزلوا وادياً مخيفاً فيقولون: نعوذ بسيد هذا الحي من سفهاء قومه، فزاد الإنس الجن طغياناً وكبراً، أو زاد الجن الإنس ذعراً وخوفاً ليستمروا على الاستعاذة بهم، وهذا من الشرك الذي لا يغفره الله تعالى" (١). قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ الجن: ٦ قال مقاتل: كان أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن ثم من بني حنيفة ثم فشا ذلك في العرب فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم، ومعنى الآية أي كان الإنس يعوذون بالجن عند المخاوف والأفزاع ويعبدونهم فزاد الإنس الجن رهقا أي طغيانا وتكبرا لما رأوا الإنس يعبدونهم ويستعيذون بهم ويحتمل أن الضمير وهو (الواو) يرجع إلى الجن أي زاد الجن الإنس رهقا؛ وقوله ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾، اختلف أهل التأويل في معنى ذلك فقال بعضهم معنى: ذلك أي خوفا وإرهاباً وذعراً حتى بقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذا بهم وقيل: ازدادت الجن عليهم بذلك جرأة، وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾،قال: كان رجال من الإنس يبيت أحدهم بالوادي في الجاهلية فيقول أعوذ بعزيز هذا الوادي فزادهم ذلك إثما؛ وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معنى ذلك فزاد الإنس الجن بفعلهم ذلك إثما وذلك زادوهم به استحلالا لمحارم الله، وعن كردم بن أبي السائب الأنصاري (٢)، قال: خرجت مع أبي من المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله ﷺ بمكة فآوانا المبيت إلى راعي غنم فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي جارك

стр. 210

فنادى مناد لا نراه يقول يا سرحان أرسله فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ الجن: ٦ (١)، ثم قال وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحمل وهو ولد الشاة كان جنيا حتى يرهب الإنسي ويخاف منه ثم رده عليه لما استجار به ليضله ويهينه ويخرجه عن دينه والله تعالى أعلم. وقال سعيد بن جبير: ولا خفاء أن الاستعاذة بالجن دون الاستعاذة بالله كفر وشرك (٢). سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ عن حكم استخدام الجن من المسلمين في العلاج إذا لزم الأمر؟ فأجاب ﵀ بقوله: " لا ينبغي للمريض استخدام الجن في العلاج ولا يسألهم، بل يسأل الأطباء المعروفين، وأما اللجوء إلى الجن فلا .. لأنه وسيلة إلى عبادتهم وتصديقهم، لأن في الجن من هو كافر ومن هو مسلم ومن هو مبتدع، ولا تعرف أحوالهم فلا ينبغي الاعتماد عليهم ولا يسألون، ولو تمثلوا لك، بل عليك أن تسأل أهل العلم والطب من الإنس وقد ذم الله المشركين بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ الجن: ٦، ولأنه وسيلة للاعتقاد فيهم والشرك، وهو وسيلة لطلب النفع منهم والاستعانة بهم، وذلك كله من الشرك" (٣). قد تؤدي الاستعانة بالجن إلى حصول خلل في العقيدة؛ فترى المستعين يلجأ إليهم ويتعلق بهم تعلقا يبعده عن الخالق ؛ يتمادى الأمر بالمستعين إلى طلب أثر وغيره؛ وينزلق في هوة عميقة تؤدي إلى خلل في العقيدة، وانحراف في المنهج والسلوك، مما يترتب عن ذلك غضب الله وعقوبته (٤)؛ وإن صحة العقيدة وسلامة المنهج أهم من صحة الأبدان وسلامتها.

стр. 211

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ ما حكم خدمة الجن للإنس؟ فأجاب بقوله: " ذكر شيخ الإسلام ﵀ في المجلد الحادي عشر من مجموع الفتاوى ما مقتضاه أن استخدام الإنس للجن له ثلاث حالات: ١ - أن يستخدمه في طاعة الله كأن يكون نائبا عنه في تبليغ الشرع، فمثلاً إذا كان له صاحب من الجن مؤمن يأخذ عنه العلم فيستخدمه في تبليغ الشرع لنظرائه من الجن، أوفي المعونة على أمور مطلوبة شرعا فإنه يكون أمراً محموداً أو مطلوباً وهو من الدعوة إلى الله . والجن حضروا للنبي ﷺ ، وقرأ عليهم القرآن وولوا إلى قومهم منذرين، والجن فيهم الصلحاء والعباد والزهاد والعلماء لأن المنذر لا بد أن يكون عالماً بما ينذر عابدا. ٢ - أن يستخدمهم في أمور مباحة فهذا جائز بشرط أن تكون الوسيلة مباحة فإن كانت محرمة فهو محرم مثل أن لا يخدمه الجني إلا أن يشرك بالله كأن يذبح للجني أو يركع له أو يسجد ونحو ذلك. ٣ - أن يستخدمهم في أمور محرمة كنهب أموال الناس وترويعهم وما أشبه ذلك، فهذا محرم لما فيه من العدوان والظلم. ثم إن كانت الوسيلة محرمة أو شركاً كان أعظم وأشد" (١). وما ذكره الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ من أنواع السحر- السابق ذكرها- وأن السحر قد يأتي في النصوص، ولا يراد منه السحر الذي يكون بالشرك بالله -جل وعلا-؛ فإن اسم السحر عام في اللغة، يدخل فيه ذلك الاسم الخاص الذي فيه استعانة بالشياطين وتقرب إلى الشياطين وعبادة الشياطين لتخدم الساحر، وقد يكون بأسماء أخرى يطلق عليها الشارع أنها سحر، وليست كالسحر الأول في الحقيقة، ولا في الحكم. لأن من أنواع السحر، ما هو شرك أكبر بالله -جل وعلا- وهو المراد إذا أطلق: السحر، وهذه هي الحقيقة العرفية، ومنه ما ليس شركاً أكبر.

стр. 212

وفي ألفاظ الشرع أمور يكون المرجع فيها إلى الحقيقة اللغوية، وأمور يكون المرجع فيها إلى الحقيقة العرفية، وأمور يكون المرجع فيها إلى الحقيقة الشرعية، ومن ذلك هذا الباب فإن فيه ما يطلق عليه لغة أنه سحر، وفيه ما يطلق عليه عرفا أنه سحر، وما يطلق عليه شرعا أنه سحر. والتفريق بين هذه الأنواع مهم (١). ج- حكم من يذهب إلى الساحر أو الكاهن (٢) ونحوهما: يبين الشيخ ﵀: " أن من يذهب إلى من يفعل ذلك من الكهان ويصدّقه فهو كافر، قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ البقرة: ١٠٢، لقوله ﷺ : (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) (٣)، ولقوله ﷺ : (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) (٤)، والعراف يعم الكاهن والمنجم والساحر، ولا تأثير لهذا النوع إلا بإذن الله الكوني القدري؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ البقرة: ١٠٢ " (٥). قد تظاهرت الأدلة على حرمة الذهاب للسحرة ومن في حكمهم وتصديقهم بما يخبرون، وقد ذكر طرفاً من هذه الأدلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي في كلامه السابق، ومنها

стр. 213

ما رواه مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ : إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالاً يأتون الكهان. قال: (فلا تأتهم) الحديث (١). " قوله ﷺ : (من أتى عرّافاً) ظاهر الحديث: أن الوعيد مُرتبٌ على مجيئه وسؤاله، سواء صدقه أو شك في خبره، فإن في بعض روايات الصحيح: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة)، وقوله: (لم تُقبل له صلاة) إذا كان هذا حال السائل، فكيف بالمسؤول؟ قال النووي (٢) وغيره: معناه: أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مُجزئةً بسقوط الفرض عنه، ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العرَّاف إعادة صلاة أربعين ليلة. أما قول الرسول ﷺ : (فقد كفر بما أنزل على محمد) ﷺ . قال القرطبي: المراد بالمنزل: الكتاب والسنة. وهل الكفر في هذا الموضع كفر دون كفر، فلا ينقل عن الملة، أم يُتوقف فيه، فلا يقال: يخرج عن الملة ولا ما يخرج؟ وهذا أشهر الروايتين عن أحمد ﵀. وهذا الحديث: (من أتى كاهناً أو ساحراً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد) ﷺ . فيه دليل على كفر الكاهن والساحر؛ لأنهما يدعيان علم الغيب وذلك كفر، والمصدق لهما يعتقد ذلك ويرضى به، وذلك كفر أيضاً" (٣). ومن خلال الأحاديث السابقة الدالة على حرمة الذهاب للسحرة ومن في حكمهم وسؤالهم وتصديقهم يتبين التفصيل في ذلك: ١ - أن من سأل الساحر ومن في حكمه فصدقه فقد كفر.

стр. 214

٢ - أن من سأله ولم يصدقه لا تقبل له صلاة أربعين ليلة. ٣ - أن من سأله محتسباً عليه؛ ليمتحن حاله، ويختبره، ويفضحه، ويبين زيفه، ويميز صدقه من كذبه فهذا جائز؛ كما جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن عمر انطلق مع النبي ﷺ في رهط قِبَل ابن صياد، حتى وجدوه يلعب مع الصبيان عند أُطُم بني مغالة (١) وقد قارب ابن صياد الحلمَ، فلم يشعر حتى ضرب النبي ﷺ بيده ثم قال لابن صياد: (أتشهد أني رسول الله)، فنظر إليه ابن صياد فقال: أشهد أنك رسول الأميين، فقال ابن صياد للنبي ﷺ : أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه (٢) وقال: (آمنت بالله وبرسوله)، فقال له: (ماذا ترى)، قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب، فقال النبي ﷺ : (خُلِّط عليك الأمر)، ثم قال له النبي ﷺ : (إني قد خبأت لك خبيئاً)، فقال ابن صياد: هو الدخُّ، فقال: (أخسأ؛ فلن تعدو قدرك)، فقال عمر ﵁: دعني يا رسول الله أضرب عُنُقه، فقال النبي ﷺ : (إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله) (٣). د _ حكم الله في الساحر: يبين الشيخ ﵀ حكم الله في الساحر، فيقول: "إذا أتى الساحر في سحره بمكفر قتل لردته حداً، وإن ثبت أنه قتل بسحره نفساً معصومة قتل قصاصاً، وإن لم يأت في سحره بمكفر ولم يقتل نفساً ففي قتله بسحره خلاف، والصحيح: أنه يقتل حداً لردته - وهذا هو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد ﵏ لكفره بسحره مطلقاً لدلالة الآية: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ البقرة: ١٠٢، على كفر الساحر مطلقاً، ولما ثبت عن بجالة بن عبدة أنه قال: (كتب عمر بن الخطاب سدد خطاكم أن اقتلوا كل ساحر

стр. 215

وساحرة. فقتلنا ثلاث سواحر) (١)، ولما صح عن حفصة أم المؤمنين ﵂ (أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت) (٢)، ولما ثبت عن جندب أنه قال: (حد الساحر ضربة بالسيف) (٣) " (٤). للعلماء ﵏ كلام يطول في حد الساحر، وخلاصته ما يلي: ١ - حالات القتل: أ- يقتل عند القائلين بكفره باعتباره مرتداً، وكذلك عند من عدوا الساحر كافراً مطلقاً. ذهب أكثر العلماء كالإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة إلى أن الساحر كافر، أما إن كان سحره بأدوية وتدخين وسقي شيء لا يضر، فلا يكفر (٥)، كما قاله
следующие страницы →