← Акыда

Акыда · id 14254

منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (777 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ ما حكم خدمة الجن للإنس؟ فأجاب بقوله: " ذكر شيخ الإسلام ﵀ في المجلد الحادي عشر من مجموع الفتاوى ما مقتضاه أن استخدام الإنس للجن له ثلاث حالات: ١ - أن يستخدمه في طاعة الله كأن يكون نائبا عنه في تبليغ الشرع، فمثلاً إذا كان له صاحب من الجن مؤمن يأخذ عنه العلم فيستخدمه في تبليغ الشرع لنظرائه من الجن، أوفي المعونة على أمور مطلوبة شرعا فإنه يكون أمراً محموداً أو مطلوباً وهو من الدعوة إلى الله . والجن حضروا للنبي ﷺ ، وقرأ عليهم القرآن وولوا إلى قومهم منذرين، والجن فيهم الصلحاء والعباد والزهاد والعلماء لأن المنذر لا بد أن يكون عالماً بما ينذر عابدا. ٢ - أن يستخدمهم في أمور مباحة فهذا جائز بشرط أن تكون الوسيلة مباحة فإن كانت محرمة فهو محرم مثل أن لا يخدمه الجني إلا أن يشرك بالله كأن يذبح للجني أو يركع له أو يسجد ونحو ذلك. ٣ - أن يستخدمهم في أمور محرمة كنهب أموال الناس وترويعهم وما أشبه ذلك، فهذا محرم لما فيه من العدوان والظلم. ثم إن كانت الوسيلة محرمة أو شركاً كان أعظم وأشد" (١). وما ذكره الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ من أنواع السحر- السابق ذكرها- وأن السحر قد يأتي في النصوص، ولا يراد منه السحر الذي يكون بالشرك بالله -جل وعلا-؛ فإن اسم السحر عام في اللغة، يدخل فيه ذلك الاسم الخاص الذي فيه استعانة بالشياطين وتقرب إلى الشياطين وعبادة الشياطين لتخدم الساحر، وقد يكون بأسماء أخرى يطلق عليها الشارع أنها سحر، وليست كالسحر الأول في الحقيقة، ولا في الحكم. لأن من أنواع السحر، ما هو شرك أكبر بالله -جل وعلا- وهو المراد إذا أطلق: السحر، وهذه هي الحقيقة العرفية، ومنه ما ليس شركاً أكبر.

стр. 212

وفي ألفاظ الشرع أمور يكون المرجع فيها إلى الحقيقة اللغوية، وأمور يكون المرجع فيها إلى الحقيقة العرفية، وأمور يكون المرجع فيها إلى الحقيقة الشرعية، ومن ذلك هذا الباب فإن فيه ما يطلق عليه لغة أنه سحر، وفيه ما يطلق عليه عرفا أنه سحر، وما يطلق عليه شرعا أنه سحر. والتفريق بين هذه الأنواع مهم (١). ج- حكم من يذهب إلى الساحر أو الكاهن (٢) ونحوهما: يبين الشيخ ﵀: " أن من يذهب إلى من يفعل ذلك من الكهان ويصدّقه فهو كافر، قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ البقرة: ١٠٢، لقوله ﷺ : (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) (٣)، ولقوله ﷺ : (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) (٤)، والعراف يعم الكاهن والمنجم والساحر، ولا تأثير لهذا النوع إلا بإذن الله الكوني القدري؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ البقرة: ١٠٢ " (٥). قد تظاهرت الأدلة على حرمة الذهاب للسحرة ومن في حكمهم وتصديقهم بما يخبرون، وقد ذكر طرفاً من هذه الأدلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي في كلامه السابق، ومنها

стр. 213

ما رواه مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ : إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا رجالاً يأتون الكهان. قال: (فلا تأتهم) الحديث (١). " قوله ﷺ : (من أتى عرّافاً) ظاهر الحديث: أن الوعيد مُرتبٌ على مجيئه وسؤاله، سواء صدقه أو شك في خبره، فإن في بعض روايات الصحيح: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة)، وقوله: (لم تُقبل له صلاة) إذا كان هذا حال السائل، فكيف بالمسؤول؟ قال النووي (٢) وغيره: معناه: أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مُجزئةً بسقوط الفرض عنه، ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العرَّاف إعادة صلاة أربعين ليلة. أما قول الرسول ﷺ : (فقد كفر بما أنزل على محمد) ﷺ . قال القرطبي: المراد بالمنزل: الكتاب والسنة. وهل الكفر في هذا الموضع كفر دون كفر، فلا ينقل عن الملة، أم يُتوقف فيه، فلا يقال: يخرج عن الملة ولا ما يخرج؟ وهذا أشهر الروايتين عن أحمد ﵀. وهذا الحديث: (من أتى كاهناً أو ساحراً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد) ﷺ . فيه دليل على كفر الكاهن والساحر؛ لأنهما يدعيان علم الغيب وذلك كفر، والمصدق لهما يعتقد ذلك ويرضى به، وذلك كفر أيضاً" (٣). ومن خلال الأحاديث السابقة الدالة على حرمة الذهاب للسحرة ومن في حكمهم وسؤالهم وتصديقهم يتبين التفصيل في ذلك: ١ - أن من سأل الساحر ومن في حكمه فصدقه فقد كفر.

стр. 214

٢ - أن من سأله ولم يصدقه لا تقبل له صلاة أربعين ليلة. ٣ - أن من سأله محتسباً عليه؛ ليمتحن حاله، ويختبره، ويفضحه، ويبين زيفه، ويميز صدقه من كذبه فهذا جائز؛ كما جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن عمر انطلق مع النبي ﷺ في رهط قِبَل ابن صياد، حتى وجدوه يلعب مع الصبيان عند أُطُم بني مغالة (١) وقد قارب ابن صياد الحلمَ، فلم يشعر حتى ضرب النبي ﷺ بيده ثم قال لابن صياد: (أتشهد أني رسول الله)، فنظر إليه ابن صياد فقال: أشهد أنك رسول الأميين، فقال ابن صياد للنبي ﷺ : أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه (٢) وقال: (آمنت بالله وبرسوله)، فقال له: (ماذا ترى)، قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب، فقال النبي ﷺ : (خُلِّط عليك الأمر)، ثم قال له النبي ﷺ : (إني قد خبأت لك خبيئاً)، فقال ابن صياد: هو الدخُّ، فقال: (أخسأ؛ فلن تعدو قدرك)، فقال عمر ﵁: دعني يا رسول الله أضرب عُنُقه، فقال النبي ﷺ : (إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله) (٣). د _ حكم الله في الساحر: يبين الشيخ ﵀ حكم الله في الساحر، فيقول: "إذا أتى الساحر في سحره بمكفر قتل لردته حداً، وإن ثبت أنه قتل بسحره نفساً معصومة قتل قصاصاً، وإن لم يأت في سحره بمكفر ولم يقتل نفساً ففي قتله بسحره خلاف، والصحيح: أنه يقتل حداً لردته - وهذا هو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد ﵏ لكفره بسحره مطلقاً لدلالة الآية: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ البقرة: ١٠٢، على كفر الساحر مطلقاً، ولما ثبت عن بجالة بن عبدة أنه قال: (كتب عمر بن الخطاب سدد خطاكم أن اقتلوا كل ساحر

стр. 215

وساحرة. فقتلنا ثلاث سواحر) (١)، ولما صح عن حفصة أم المؤمنين ﵂ (أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت) (٢)، ولما ثبت عن جندب أنه قال: (حد الساحر ضربة بالسيف) (٣) " (٤). للعلماء ﵏ كلام يطول في حد الساحر، وخلاصته ما يلي: ١ - حالات القتل: أ- يقتل عند القائلين بكفره باعتباره مرتداً، وكذلك عند من عدوا الساحر كافراً مطلقاً. ذهب أكثر العلماء كالإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة إلى أن الساحر كافر، أما إن كان سحره بأدوية وتدخين وسقي شيء لا يضر، فلا يكفر (٥)، كما قاله

стр. 216

بعض أصحاب الإمام أحمد، وقد سمى الله السحر كفراً في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ البقرة: ١٠٢، وقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ البقرة: ١٠٢، قال ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ وذلك أنهما علما الخير والشر والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر (١). وقال تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ النساء: ٥١، قال عمر ﵁: الجبت السحر (٢). فيدل ذلك على أن السحر كفر (٣).والله أعلم. وأكثر العلماء على أن الساحر - الذي يعد في العرف ساحراً- يجب قتله، وقد ثبت قتله عن عمر بن الخطاب وعثمان وحفصة وابن عمر وجندب بن عبد الله ﵃، قال بعض العلماء: لأجل الكفر، وقال بعضهم: لأجل الفساد في الأرض، لكن جمهور هؤلاء يرون قتله حداً (٤).

стр. 217

ب- إذا قَتَل بسحره إنساناً قُتل حداً عند الإمام أبي حنيفة ومالك وأحمد؛ ويشترط أبو حنيفة أن يتكرر منه ذلك، أو يُقِر به في حق شخص مُعين، أو يشهد عليه شاهدان؛ ويقتل قصاصاً عند الإمام الشافعي (١). ٢ - حالات عدم القتل: أ- ذهب الإمام الشافعي ﵀ إلى عدم قتل الساحر الذي لم يشتمل سحره على اعتقاد كون الكواكب مدبرة، أو كون الساحر قادراً على خلق الأجسام، أو أن فعله مباح (٢). ويقول القرطبي ﵀ معلقاً على كلام الشافعي: " وهذا صحيح، دماء المسلمين محظورة لا تستباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف" (٣). ب- ذهب بعض الأحناف إلى عدم قتل المشعوذ، وصاحب الطلسم (٤) إذ لا يعدون فاعله ساحراً (٥). وعند التحقيق فإنه ليس بين القولين اختلاف؛ فإن من لم يُكَفَّر؛ لظنه أنه يتأتَّى بدون الشرك، وليس كذلك، بل لا يتأتَّى السحر الذي من قبل الشياطين إلا بالشرك وعبادة الشياطين والكواكب ... وأما سحر الأدوية والتدخين ونحوه فليس بسحر وإن سمي سحراً، فعلى سبيل المجاز كتسمية القول البليغ والنميمة سحراً؛ ولكنه يكون حراماً لمضرته ويعزر من يفعله تعزيراً بليغاً (٦).

стр. 218

والحاصل أن الأولى قتل الساحر؛ لعمل جمع من مشاهير الصحابة، وعمل الناس به في خلافة عمر من غير نكير، والله أعلم (١). قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " السحرة يجب قتلهم، سواء قلنا بكفرهم أم لا، لعظم ضررهم وفضاعة أمرهم، فالقول بقتل السحرة موافق للقواعد، لأنهم يسعون في الأرض فساداً وفسادهم من أعظم الفساد" (٢). أ. هـ. هـ - حكم حل السحر بسحر مثله: يبين الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ حكم حل السحر بسحر مثله، فيقول: " لا يجوز الذهاب إلى الساحر من أجل أن يحل السحر الذي يجده بسحر مثله؛ لعموم قوله ﷺ : (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن له، أو سحر أو سحر له) (٣)، ولحديث جابر ﴿قال: سئل رسول الله ﷺ عن النشرة فقال: (هي من عمل الشيطان) (٤)، والنشرة:

стр. 219

هي حل السحر عن المسحور بالسحر؛ وقد أمر رسول الله ﷺ بالتداوي، ونهى عن التداوي بالمحرم، فقال ﷺ : (تداووا، ولا تداووا بحرام، فإن الله ما أنزل داء إلاَّ أنزل له دواء) (١)، وروي عنه ﷺ أنه قال: (إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها) (٢)، فيوجد من الأدعية والأدوية المشروعة ما فيه كفاية لإزالة هذا الداء، فعلى المسلم أن يعالج نفسه بما شرع الله من قراءة القرآن والأذكار النبوية الواردة في الرقية، والأدعية وطلب الشفاء من الله والأدوية الجائزة، قال تعالى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ الطلاق: ٢ - ٣ " (٣). النشرة: هي ضرب من العلاج والرقية، يعالج به من كان يظن أن به مساً من الجن (٤). قال ابن الجوزي (٥): النشرة: حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر (٦). وقال ابن القيم: النشرة: حل السحر عن المسحور، وهي نوعان:

стр. 220

أحدهما: حله بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان؛ يتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب. والثاني: النشرة بالرقية، والتعوذات، والأدوية، والدعوات المباحة فهذا جائز (١). قال الإمام أحمد وقد سئل عن النشرة: " ابن مسعود يكره هذا كله" (٢)، وفيه دليل على كراهية الإمام أحمد لها. والنشرة قسمان: محرمة، وجائزة. فالمحرمة هي التي عناها رسول الله ﷺ بقوله: (هي من عمل الشيطان) (٣)، وهي حل السحر بسحر مثله، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور. وأما الجائز فهي التي تكون بالرقية الشرعية، والتعوذات والأدوية المباحة، وهي التي عناها ابن المسيب (٤) (٥).

стр. 221

يقول سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀: " قال بعض الحنابلة يجوز الحل بسحرٍ ضرورة، والقول الآخر أنه لا يحل، وهذا الثاني هو الصحيح ... وكلام الأصحاب هنا بين أنه حرام ولا يجوز إلا لضرورة فقط، ولكن هذا يحتاج إلى دليل، ولا دليل إلا كلام ابن المسيب. ومَعَنا حديث جابر في ذلك، وقول ابن مسعود، وقول الحسن لا يحلُّ السحر إلا ساحر، وهو لا يتوصل إلى حلِّه إلا بسحر، والسحر حرام وكفر، أفيفعل الكفر لتحيا نفوس مريضة أو مصابة؟ مع أن الغالب في المسحور أنه يموت أو يختل عقله، فالرسول ﷺ منع وسدَّ الباب، ولم يفصل في عمل الشيطان ولا في المسحور" (١). "والحاصل: أن ما كان منه بالسحر فيحرم، وما كان بالقرآن والدعوات والأدوية المباحة فجائز، والله أعلم" (٢). و_ حكم تعلم السحر: قال الشيخ ﵀: " يحرم تعلم السحر سواء للعمل به أو ليتقيه، وقد نص الله في كتابه الكريم على أن تعلمه كفر، قال تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ البقرة: ١٠٢، وقد نص النبي ﷺ على أن السحر أحد الكبائر وأمر باجتنابه فقال: (اجتنبوا السبع الموبقات) (٣) فذكر منها السحر. وفي السنن عند النسائي: (من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك) (٤)؛ وأما قول من

стр. 222

قال: (تعلموا السحر ولا تعملوا به) فليس بحديث لا صحيح ولا ضعيف " (١). والذي عليه أكثر أئمة أهل السنة أن تعلم السحر لأي غرض؛ لا يجوز؛ فقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ البقرة: ١٠٢،فيه دليل على أن تعلم السحر كفر، وظاهره عدم الفرق بين تعلم السحر ليكون ساحراً، وتعلمه ليقدر على دفعه، وبه قال أحمد (٢). وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: (من تعلم شيئاً من السحر قليلاً كان أو كثيراً كان آخر عهده من الله) (٣). ومن ثم أفتى بعض العلماء بكفر متعلم السحر كما نص عليه أصحاب الإمام أحمد، قال ابن قدامة ﵀: إن تعلم السحر، وتعليمه حرام، لا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم، قال أصحابنا: ويكفر الساحر بتعليمه وتعلمه، سواء اعتقد تحريمه، أو إباحته (٤). وقال النووي: الصحيح الذي قطع به الجمهور أن تعلم السحر وتعليمه حرم (٥). وبين أن الله ذم الشياطين في تعليمهم الناس السحر، ولأن تعليمه يدعو إلى فعله، وفعله محرم، فحرم ما يدعو إليه (٦). وبناءً على ذلك فإنه لا يجوز تعلم السحر؛ لأنه لا يخرج عن كونه مبنياً على الشرك، أو الكذب، أو الخداع والغش، ونحو ذلك مما هو ضار بالفرد والجماعة، قال تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ

стр. 223

خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ البقرة: ١٠٢؛ وما لا نفع فيه، وكان ضرره متحتماً لا يجوز تعلمه بحال (١). وبهذا يتضح حرمة تعلم السحر مطلقاً والله أعلم. ٣ - التبرك بالقبور وأصحابها: أ- عبادة القبور. يقرر الشيخ ﵀: "بأن عبادة القبور شرك بالله فالمكلف الذي يصدر منه ذلك يُبَين له الحكم فإن قبل وإلاَّ فهو مشرك، إذا مات على شركه فهو خالد مخلد في النار ولا يكون معذوراً بعد بيان الحكم له" (٢). عبادة القبور: هي اعتقاد أن الأولياء الموتى يقضون الحاجات ويفرجون الكربات فيستعان ويستغاث بهم (٣). يقول الله : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ الأحقاف: ٥. وقال رسول الله ﷺ : (من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار) (٤). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الكبائر سبعٌ أولُهُنَّ الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقِّها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وفرارُ يومِ الزحفِ، وقَذفُ المحصناتِ، والانتقالُ إلى الأعرابِ بعدَ هجرتِهِ" (٥).

стр. 224

وعبادة القبور هي أصل شرك العالم، وقبورية قوم نوح هي أم القبوريات؛ ثم انتشرت القبورية في اليهود والنصارى والعرب والعجم من الهند والترك والبربر وغيرهم؛ فقد قال الإمام ابن أبي العز، والعلامة نعمان الآلوسي (١)، واللفظ للأول، في بيان مبدأ عبادة القبور وتطور القبورية في العالم: "فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ... ؛ ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم؛ بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم: من الهند، والترك والبربر، وغيرهم؛ تارة يعتقدون: أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين، ويتخذونهم شفعاء ويتوسلون بهم إلى الله؛ وهذا أصل شرك العرب؛ قال الله تعالى حكاية عن قوم نوح؛ ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ نوح: ٢٣؛ وقد ثبت في صحيح البخاري وكتب التفسير، وقصص الأنبياء وغيرها، عن ابن عباس ﵄، وغيره من السلف: أن هذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح؛ فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم، وأن هذه الأصنام بعينها ..... " (٢). ومن الوسائل الوقائيةِ النافعةِ تجاهَ هذا الانحراف: العملُ بقاعدةِ سدّ الذرائع؛ فكلُّ ما كان وسيلةً أو ذريعةً تؤولُ إلى الشركِ فينبغي التحذيرُ منها ومنعها حمايةً لجنابِ التوحيد؛ فالتهاونُ في هذهِ الوسائلِ يفضي إلى الوقوعِ في الشركِ بالله والخروجِ عن الملةِ، فمثلاً الصلاةُ عند القبورِ، والبناءُ عليها، أمورٌ حرمها الشارعُ؛ لأنَّها طريقٌ ووسيلةٌ تفضي إلى الشركِ بالله - تعالى -، وقد أشار العلامة الشوكاني ﵀ إلى أن البناءَ على القبور سببٌ رئيس في عبادةِ القبور فقال: (فلا شكَّ ولا ريبَ أن السبب الأعظم الذي نشأ منه هذا الاعتقادُ في الأموات، هو ما زينَّهُ الشيطانُ للناسِ من رفعِ القبورِ، ووضعِ الستور عليها، وتجصيصها، وتزيينها بأبلغِ زينة، وتحسينها بأكملِ

стр. 225

تحسين؛ فإنَّ الجاهلَ إذا وقعت عينُه على قبرٍ من القبور قد بُنيت عليه قبةٌ فدخلها، ونظرَ على القبور الستورَ الرائعة، والسُرجَ المتلألئة، وقد سطعتْ حولهُ مجامرُ الطيب، فلا شكَّ ولا ريب أنَّهُ يمتلئُ قلبه تعظيماً لذلك القبر، ويضيقُ ذهنهُ عن تصورِ ما لهذا الميتِ من المنزلةِ، ويدخُلُه من الروعةِ والمهابةِ ما يزرعُ في قلبهِ من العقائدِ الشيطانيةِ التي هي من أعظمِ مكائد الشيطانِ للمسلمين، وأشدّ وسائلهِ إلى ضلال العباد، ما يزلزله عن الإسلام قليلاً قليلاً، حتى يطلبَ من صاحبِ ذلك القبرِ ما لا يقدرُ عليه إلا الله - سبحانه -، فيصيرُ في عدادِ المشركين) (١). ب- الطواف بالقبور. ويقرر الشيخ ﵀ كذلك: "بأن الطواف بالقبور حرام وإن كان حول قبر النبي ﷺ ، وإن قصد التقرب إلى من فيها من الموتى فهو شرك أكبر يخرج من الإسلام، لأن الطواف عبادة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ الحج: ٢٩، وصرف العبادة أو شيء منها إلى غير الله شرك؛ والسجود على المقابر والذبح عليها وثنية جاهلية وشرك أكبر، فإن كلاً منهما عبادة، والعبادة لا تكون إلاَّ لله وحده فمن صرفها لغير الله فهو مشرك، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣، والنسك: هو الذبح" (٢). ج- الصلاة عند القبور: يبين الشيخ ﵀: "بأنه لا يجوز بناء المساجد على القبور، ولا تجوز الصلاة في المساجد التي بنيت على قبر أو قبور، ولا يجوز أن يدعو الإنسان الأموات؛ لجلب منفعة أو دفع مضرة، بل دعاؤهم والاستغاثة بهم شرك أكبر يخرج عن ملة الإسلام، والعياذ بالله" (٣).

стр. 226

من أعظم الوسائل المفضية إلى عبادة القبور والشرك بها واتخاذها أوثاناً تعبد من دون الله، العكوف عندها للصلاة والدعاء والعبادة وسائر القرب، فقد تواترت النصوص في النهي عن ذلك، ووردت بأبلغ عبارات التحذير وأشدها، إذ جاءت مقرونة باللعن والقتل والغضب، ووصف فاعلوها بأنهم شرار الخلق عند الرب (١). ١ - فعن أبي مرثد الغنوي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها) (٢). ٢ - وعن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة إلى القبور) (٣). ٣ - وعن عائشة ﵂: أن أم حبيبة وأم سلمة ﵄ ذكرتا للنبي ﷺ كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فقال النبي ﷺ : (إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوَّرُوا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) (٤). ٤ - وعن عائشة وابن عباس ﵄ قالا: لما نزل برسول الله ﷺ (طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، قالت عائشة: (يحذر ما صنعوا) (٥). ٥ - وعن جندب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (... ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك) (٦)

стр. 227

والصلاة عند القبور لها حالات ثلاث هي: الحالة الأولى: أن يقصد بصلاته الصلاة لصاحب القبر، وصرف العبادة له، فهذا هو الشرك بعينه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ الجن: ١٨، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ البينة: ٥، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ الزمر: ٦٥. الحالة الثانية: أن يقصد بالصلاة عند القبور التبرك ببقعة معينة فهذا بدعة، وهو محادة الله ورسوله، وهو محرم، سواء كان القبر في قبلته، لقوله ﷺ : (لا تصلوا إلى القبور ...) (١) أم لم يكن في قبلته، فكل هذا ابتداع في دين الله، وقد أجمع المسلمون على أن الصلاة عند القبور - أي قبر كان- لا فضل فيها، ولا مزية خير أصلاً، بل مزية شر. (٢) وقال صاحب تيسير العزيز الحميد: " إن الصلاة عند القبور وإليها، من اتخاذها مساجد، الملعون من فعله وإن لم يبن مسجداً، فتحرم الصلاة في المقبرة وإلى القبور ... " (٣). وقال شيخ الإسلام ﵀: " بل أئمة الدين متفقون على النهي عن ذلك، وأنه ليس لأحد أن يقصد الصلاة عند قبر أحد، لا نبي ولا غير نبي، وكل من قال: إن قصد الصلاة عند قبر أحد، أو عند مسجد بني على قبر أو مشهد أو غير ذلك، أمر مشروع بحيث يستحب ذلك، ويكون أفضل من الصلاة في المسجد الذي لا قبر فيه، فقد مرق من الدين وخالف إجماع المسلمين، والواجب أن يستتاب قائل هذا ومعتقده، فإن تاب وإلاّ قتل" (٤).

стр. 228

الحالة الثالثة: أن يصلي عند القبور اتفاقا من غير أن يقصد التوجه لغير الله بالصلاة، أو يقصد بركة البقعة، وهذه المسألة قد اختلفت أقوال العلماء فيها، فهناك من أجازها كما يروى عن الإمام مالك (١) ﵀ وهناك من حكم عليها بالكراهة كالإمام الشافعي (٢) ﵀ وهو مذهب الأحناف (٣) لمظنة النجاسة وهناك (٤) من حرمها (٥) لأنها ذريعة للشرك وعبادة أصحاب القبور، وهذا هو أرجح الأقوال، وأصحها، وهو الذي دلت عليه النصوص الشرعية، ويلائم مقاصد الشرع الحكيم. د_ البناء على القبور. ويقرر الشيخ ﵀: " بأن البناء على القبور بدعة منكرة، فيها غلو في تعظيم من دفن في ذلك وهو ذريعة إلى الشرك، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج حيان بن حصين (٦) قال: (قال لي علي ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ، ألا تدع صورة إلاَّ طمستها ولا قبراً مشرفاً إلاَّ سويته) (٧)، وثبت عنه ﷺ : (أنه نهى أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه) (٨) " (٩).

стр. 229

لا ريب أن بناء القبب التي على القبور أمر محدث في الإسلام (١)، لم يفعله الصحابة والتابعون بل هو من شر البدع، قال الإمام الشوكاني (٢): اعلم أنه قد اتفق الناس سابقهم ولاحقهم وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة ﵃ إلى هذا الوقت، أن رفع القبور والبناء عليها، بدعة من البدع التي ثبت النهي عنها، واشتد وعيد رسول الله لنا عليها. مع ما في ذلك من كونه ذريعة إلى الشرك، ووسيلة إلى الخروج عن الملة (٣). وقال الشيخ عبد الله البسام (٤) ﵀: والبناء على القبور من أعظم وسائل الشرك، والمنع منه، قطع لتلك الوسائل المفضية إلى أعظم ذنب عصي الله به: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ لقمان: ١٣، وأعظم البناء تلك القبب المشيدة على قبور الملوك والزعماء والعلماء، وكثير منها في المساجد، محادة لله تعالى ولشرعه وتوحيده، فيجب إزالتها ومحو آثارها، ولا يجوز إبقاء شيء منها (٥). قال شيخ الإسلام ﵀: " فإن بناء المساجد على القبور ليس من دين المسلمين، بل هو منهي عنه بالنصوص الثابتة عن النبي ﷺ واتفاق أئمة الدين، بل لا يجوز اتخاذ القبور

стр. 230

مساجد، سواء كان ذلك ببناء المساجد عليها أو بقصد الصلاة عندها، بل أئمة الدين متفقون على النهي عن ذلك" (١). وقال ابن القيم ﵀: " يجب هدم القباب التي على القبور لأنها أسست على معصية الرسول لأنه قد نهى عن البناء على القبور. فبناء أسس على معصيته ومخالفته بناء غير محترم، وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعاً، وقد أمر رسول الله ﷺ بهدم القبور المشرفة" (٢). والسبب في ذلك حرص الشارع على جانب التوحيد، ومنع وسائل الشرك، لأن بناء المساجد عليها يؤدي إلى إقامة الصلاة فيها وهذا فيه مشابهة للمشركين في تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، كذلك يؤدي إلى تعظيم أصحاب القبور مما قد يصل لصرف العبادات إلى أصحاب القبور وهذا شرك أكبر. ومن الجدير بالذكر أن نهي الرسول ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد ليس المقصود منه منع بناء المساجد عليها فقط، بل يدخل في ذلك الصلاة فيها والعكوف عليها من غير بناء. وفي ذلك يقول الإمام ابن عبد البر ﵀ في شرحه لقوله ﵊: " قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد": "في هذا الحديث ... تحريم السجود على قبور الأنبياء، وفي معنى هذا أنه لا يحل السجود لغير الله ، ويحتمل الحديث أن لا تجعل قبور الأنبياء قبلة يصلى إليها، وكل ما احتمله الحديث في اللسان العربي فممنوع منه، لأنه إنما دعا على اليهود محذراً لأمته ﷺ من أن يفعلوا فعلهم" (٣). "أما من قال بأن النهي عن البناء على القبور يختص بالمقبرة المسبَّلة، والنهي عن الصلاة فيها؛ لتنجسها بصديد الموتى، وهذا باطل من وجوه: منها: أنه من القول على الله بغير علم. وهو حرام بنص الكتاب. ومنها: أن ما قالوه لا يقتضي لعن فاعله والتغليظ عليه، وما المانع له من أن يقول: من صلى في بقعة نجسة فعليه لعنة الله. ويلزم على ما قاله هؤلاء: أن النبي ﷺ لم يبين العلة، وأحال الأمة في بيانها على من يجيء بعده ﷺ ، وبعد القرون المفضلة والأئمة.

стр. 231

وهذا باطل قطعاً وعقلاً وشرعاً؛ لما يلزم عليه من أن الرسول ﷺ عجز عن البيان، أو قصر في البلاغ، وهذا من أبطل الباطل؛ فإن النبي ﷺ بلَّغ البلاغ المبين، وقدرته في البيان فوق قدرة كل أحد، فإذا بطل اللازم بطل الملزوم. ويقال أيضاً: هذا اللعن والتغليظ الشديد إنما هو فيمن اتخذ قبور الأنبياء مساجد، وجاء في بعض النصوص ما يَعُم الأنبياء وغيرهم، فلو كانت هذه هي العلة لكانت منتفية في قبور الأنبياء؛ لكون أجسادهم طرية لا يكون لها صديد يمنع من الصلاة عند قبورهم، فإذا كان النهي عن اتخاذ المساجد عند القبور يتناول قبور الأنبياء بالنص، علم أنَّ العلة ما ذكره هؤلاء العلماء الذين سبق ذكر بعض أقوالهم" (١). هـ. شد الرحال إلى زيارة قبر المصطفى ﷺ . قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: " ولا يجوز أن يسافر إلى المدينة من أجل زيارة قبر النبي ﷺ أو قبور أخرى؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) (٢)، والمشروع زيارة مسجده والصلاة فيه وليست بواجبة، ومن زار مسجده ﷺ شرع له أن يسلم عليه وعلى صاحبيه ﵄، وهذا قول ابن القيم ﵀ وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية وجمع كثير من أهل العلم رحم الله الجميع، عملاً بالحديث المذكور، وبذلك يُعلم أنه لا يجوز في أصح قولي العلماء شد الرحال لا لقبر النبي ﷺ ولا لقبر الخليل ولا لغيرهما من القبور " (٣). وهو القول الصحيح في هذه المسألة، بمنع شد الرحال إلى القبور، والأماكن الفاضلة، لأجل التعبد. وهذه المسألة من أشهر المسائل التي لاقى شيخ الإسلام ابن تيمية - لأجل الإفتاء بها- العنت والاضطهاد والسجن، وهي المحنة التي مات فيها ﵀ مسجونا بسجن القلعة

стр. 232

بدمشق (١)؛ وهذا القول هو الذي فهمه الصحابة رضوان الله عليهم، فقد ثبت أن أبا بصرة الغفاري لقي أبا هريرة وهو مقبل فقال: من أين أقبلت؟ قال: أقبلت من الطور، صليت فيه، قال: أما إني لو أدركتك لم تذهب، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تشد الرحال ...) (٢). فقد فهم الصحابي الذي روى الحديث أن الطور وأمثاله من مقامات الأنبياء مندرجة في العموم، لا يجوز السفر إليها، كما لا يجوز السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة (٣). وهذه المسألة من المسائل التي اختلف العلماء فيها، خاصة في زيارة قبره ﷺ وشد الرحال إليه (٤): فالحنفية: يرى بعضهم أن زيارة قبره ﷺ واجبة، وبعضهم يراها من المندوبات فقد جاء في بعض كتبهم: " وزيارة قبره مندوبة، بل قيل واجبة لمن له سعة" (٥). كما أنهم أجازوا هذه الزيارة للنساء، وجعلوها من المندوبات (٦). أما المالكية: فقد أُثر عن الإمام مالك كراهته أن يقال: زرنا قبر النبي ﷺ (٧) ومنع من شد الرحال إلى القبر القاضي عياض (٨)، وبين أن كراهة مالك لذلك لقوله ﷺ : (اللهم لا

стр. 233

تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (١). وهناك من المالكية من أجاز ذلك، وأجابوا عما روي عن مالك من كراهيته لهذا القول، بأن ذلك منه قطعاً للذريعة، وقال بعضهم أنه كره الاسم فقط، وقيل: إنما كره ذلك لأن الناس يستعملون لفظ الزيارة بينهم، فكره تسوية النبي ﷺ مع الناس بهذا اللفظ (٢). وأما الشافعية: فقد قال النووي ﵀: " اختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة، كالذهاب إلى قبور الصالحين، وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك، فقال الشيخ أبو محمد الجويني (٣) من أصحابنا: هو حرام، وهو الذي اختاره إمام الحرمين، والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره" (٤). أما الحنابلة: فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن لهم قولين في هذه المسألة فقال: " وقد اختلف أصحابنا وغيرهم، هل يجوز السفر لزيارتها؟ على قولين: أحدهما: لا يجوز، والمسافرة لزيارتها معصية لا يجوز قصر الصلاة فيها، وهذا قول ابن بطة (٥)، وابن عقيل، وغيرهما؛ لأن السفر بدعة لم يكن في عصر السلف.

стр. 234

الثاني: أنه يجوز السفر إليها، قاله طائفة من المتأخرين، منهم: أبو حامد الغزالي، وأبو الحسن ابن عبدوس الحراني (١)، والشيخ أبو محمد (٢) المقدسي" (٣). والمتأمل في أحكام الشريعة الإسلامية، يرى حرص الشارع على أمته، وخوفه عليها من الوقوع في المهلكات التي أهلكت الأمم قبلها، وخاصة الشرك؛ ولذا سدّ الرسول ﷺ كل طريق، وأغلق كل باب قد يوصل إليه، ومن ذلك نهيه ﷺ عن شدِّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، لما قد يؤدي إليه ذلك من البدع والشركيات، ونهيه ﷺ يقتضي التحريم؛ ولذلك فإن من جوَّز السفر لزيارة القبور ونحوها وخاصة قبره ﷺ ، كابن الصلاح (٤) وغيره، فإن هؤلاء لا يسلَّم لهم في هذا الباب وتجويزهم لذلك مخالف للنصوص الصحيحة الصريحة الصادرة منه ﷺ ، فإن قالوا: إنَّما أوجبنا ذلك تعظيماً له، فإننا نقول لهم: إن تعظيمه ﷺ يتمثل في موافقته واتباع شرعه، ومحبة ما يحب، وكراهية ما يكره، وفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، وقد نهانا عن شدِّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، وقبره داخل في عموم هذا النهي. كما أن من أوجب زيارة قبره، أو أباحها، وأجاز شدّ الرحال إليه، فإن هذا قد يتضمن جعل القبر منسكاً يقصده الناس، كما يقصدون مكة والمشاعر ونحوها، وهذا هو

стр. 235

عين ما يفعله عبّاد القبور، الذين يذهبون إلى قبور الأنبياء والأولياء، ويفعلون عندها من الشركيات ما لا يعلمه إلا الله، من الطواف حولها، واستلامها، وتقبيلها، وتعفير الخدود على ترابها، وغير ذلك، وهذا كله مما حذر منه الرسول ﷺ أشد التحذير، ونهى عنه؛ ولذلك فإن إجازة السفر لزيارة قبر المصطفى ﷺ قد يترتب عليها هذه المحاذير، ومن هنا فإنه يقال بعدم جواز ذلك سداً لذريعة الشرك، وحماية لجانب التوحيد، وتمشياً مع ما ورد عنه ﷺ (١). هـ - الذبح عند القبور. قال الشيخ عبد الرزاق ﵀: "الذبح لله عند القبور تبركاً بأهلها وتحري الدعاء عندها وإطالة المكث عندها رجاء بركة أهلها والتوسل بجاههم أو حقهم ونحو ذلك بدع محدثة، بل من وسائل الشرك الأكبر، فيحرم فعلها ويجب نصح من يعمله. أما الذبيحة عند القبور تحرياً لبركات أهلها فهو منكر وبدعة لا يجوز أكلها؛ حسماً لمادة الشرك ووسائله، وسداً للذريعة، وإن قصد بالذبيحة التقرب إلى صاحب القبر صار شركاً بالله أكبر ولو ذكر اسم الله عليها؛ لأن عمل القلوب أبلغ من عمل اللسان وهو الأساس في العبادات" (٢). لا شك في أن الذبح لله تعالى عبادة يقصد بها تعظيمه سبحانه والتذلل له والتقرب إليه، فصرفها لغير الله شرك أكبر ودليله، قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣، وقول رسول الله ﷺ : (لعن الله من ذَبَحَ لغير الله) (٣).

стр. 236

يقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ المائدة: ٣. ومعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ المائدة: ٣: " ما ذبح لغير الله تعالى، وقصد به صنم أو بشر من الناس كما كانت العرب تفعل، وكذلك النصارى، وعادة الذابح أن يسمي مقصوده ويصيح به، فذلك إهلاله" (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ المائدة: ٣، ظاهره أنه ما ذبح لغير الله تعالى، مثل أن يقال: هذا ذبيحة لكذا، إذا كان هذا هو المقصود، فسواء لفظ به أو لم يلفظ" (٢). القلوب أبلغ من عمل اللسان وهو الأساس في العبادات، والذبح لله عند القبور تبركاً بأهلها من وسائل الشرك المحرمة؛ لأنها تؤدي إلى الشرك الأكبر: "وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ أي: الرجل الصالح؛ فإن عبادته هي الشرك الأكبر، وعبادة الله عنده وسيلة إلى عبادته، ووسائل الشرك محرمة؛ لأنها تؤدي إلى الشرك الأكبر، وهو أعظم الذنوب" (٣). وهذا الصنعاني ﵀ يوضح هذا الأمر فيقول -مناقشاً شبهات من يذبح لغير الله-: " فإن قال: إنما نحرت لله، وذكرت اسم الله عليه، فقل: إن كان النحر لله فلأي شيء قربت ما تنحره من باب مشهد من تفضله وتعتقد فيه؟ هل أردت بذلك تعظيمه؟ إن قال: نعم، فقل له: هذا النحر لغير الله تعالى، بل أشركت مع الله تعالى غيره، وإن لم ترد تعظيمه فهل أردت توسيخ باب المشهد وتنجيس الداخلين إليه؟ أنت تعلم يقيناً أنك ما أردت ذلك أصلاً، ولا أردت إلا الأول، ولا خرجت من بيتك إلا قصداً له" (٤).

стр. 237

٤ - السجود لغير الله: يقرر الشيخ ﵀: " أن من سجد لغير الله يعتبر كافراً مرتداً عن الإسلام مشركاً مع الله غيره في العبادة، ولو نطق بالشهادتين وقت سجوده؛ لإتيانه بما ينقض قوله من سجوده لغير الله. لكنه قد يعذر لجهله فلا تنزل به العقوبة حتى يُعلم وتقام عليه الحجة ويمهل ثلاثة أيام؛ إعذاراً إليه ليراجع نفسه، عسى أن يتوب، فإن أصرَّ على سجوده لغير الله بعد البيان قتل لردته؛ لقول النبي ﷺ : (من بدَّل دينه فاقتلوه) (١)، والمشرك لا تقبل منه الأعمال وإذا مات على الشرك فإن الله لا يغفر له، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ النساء: ٤٨، ١١٦، وقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ المائدة: ٧٢، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ الأنعام: ٨٨، أما إن تاب قبل الموت توبةً نصوحا فإن الله يغفر له، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ الزمر: ٥٣. أجمع علماء الإسلام أن هذه الآية نزلت في التائبين، أما آية النساء، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ النساء: ٤٨، ١١٦، فهي نزلت في حق غير التائبين، وهم الذين ماتوا على كفرهم ومعاصيهم" (٢). لا ريب أن السجود عبادة لله وحده، وهذا أمر ظاهر لا خفاء فيه، ففي السجود أبلغ معاني الخضوع والتذلل والانقياد (٣)، مما لا يكون إلا لله وحده لا شريك له، ولقد أخبر الله تعالى بانقياد هذا الكون كله لله وحده لا شريك له، وسجوده له تعالى، فقال

стр. 238

سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾ الرعد: ١٥، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ الحج: ٧٧، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ الفتح:٢٩. يقول ابن تيمية ﵀: " وبالجملة فالقيام والركوع والسجود حق للواحد المعبود خالق السموات والأرض، وما كان حقاً خالصاً لله لم يكن لغيره منه نصيب ... فالعبادة كلها لله وحده لا شريك له، قال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ البينة: ٥" (١). وقال المقريزي (٢) عند قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ الفاتحة: ٥: " وبالجملة فالعبادة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ هي السجود والتوكل والإنابة والتقوى والخشية والتوبة والنذر والحلف والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والاستغفار وحلق الرأس خضوعاً وتعبداً، والدعاء، كل ذلك محض حق الله تعالى" (٣). قال ابن تيمية ﵀ في مسألة السجود لغير الله ووسائلها -: " نهى النبي ﷺ عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وقال: (فإنها تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار) (٤)، ونهى عن تحري الصلاة في هذا الوقت، لما فيه من مشابهة الكفار في الصورة، وإن كان المصلي يقصد السجود لله لا للشمس، لكن نهى عن المشابهة في الصورة

стр. 239

لئلا يفضي إلى المشاركة في القصد، فإذا قصد الإنسان السجود للشمس وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، كان أحق بالنهي والذم والعقاب، ولهذا يكون كافراً، كذلك من دعا غير الله، وحج إلى غير الله هو أيضاً شرك، والذي فعله كفر" (١). ويبين ابن تيمية ﵀ أن السجود الشركي من الأمور المتفق على تحريمها عند الرسل ﵈، فيقول: "أما السجود لغير الله وعبادته فهو محرم في الدين الذي اتفقت عليه رسل الله، كما قال : ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ الزخرف: ٤٥" (٢). وإذا تقرر كون السجود لغير الله تعالى شركاً بالله تعالى، فينبغي أن نفرق بين سجود العبادة، وسجود التحية، فأما سجود العبادة فقد سبق الحديث عنه، وأما سجود التحية فقد كان سائغاً في الشرائع السابقة، ثم صار محرماً على هذه الأمة، والتسليم والإجلال لله وحده هو من التوحيد الذي اتفقت عليه دعوة الرسل، وإن صُرف لغيره فهو شرك وتنديد، ولكن لو سجد أحدهم لأب أو عالم ونحوهما، وقصده التحية والإكرام فهذه من المحرمات التي دون الشرك، أما إن قصد الخضوع والقربة والذلّ له فهذا من الشرك، ولكن لو سجد لشمس أو قمر أو قبر، فمثل هذا السجود لا يتأتى إلا عن عبادة وخضوع وتقرّب فهو سجود شركي (٣). وعلى هذا فمن فعل ذلك تديناً وتقرباً فهذا من أعظم المنكرات وهو ضال مفتر، بل يبين له أن هذا ليس بدين ولا قربة، فإن أصر على ذلك استتيب، فإن تاب وإلا قتل (٤).

стр. 240

٥ - عبادة الأصنام: يقرر الشيخ ﵀: " بأنه ليس للأصنام من صفات الربوبية والجلال والكمال ما يوجب عبادتها آلهة، فكان تسميتها بذلك كذباً وزوراً، لذا ذمهم الله وأنكر عليهم هذه التسمية بقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ النجم: ٢٣، وبين سبحانه أنها مجرد أسماء لا حقيقة لها وليس من العقل أو النقل سلطان يصفها" (١). "وقوله : ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ النجم: ٢٣، قال الله منكراً عليهم فيما ابتدعوه وأحدثوه من الكذب والافتراء والكفر من عبادة الأصنام وتسميتها آلهة ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾،أي من تلقاء أنفسكم، ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾، أي من حجة ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾، أي ليس لهم مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم وإنما عبدوا هذه الأصنام بظن منهم أنها تنفع وتضر وسموها آلهة؛ (ولما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة وكانت بها العزى فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها ثم أتى النبي ﷺ فأخبره فقال: (ارجع فإنك لم تصنع شيئا) فرجع خالد فلما أبصرته السدنة وهم حجبتها أمعنوا في الحيل وهم يقولون يا عزى يا عزى فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها فغمسها بالسيف حتى قتلها ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره فقال (تلك العزى) (٢)، وقد بعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صخر بن حرب إلى صنم اللات فهدماها

стр. 241

وجعلا مكانها مسجداً بالطائف، وبعث رسول الله ﷺ إلى مناة أبا سفيان صخر بن حرب فهدمها. ولقد أرسل الله إليهم الرسل بالحق المنير والحجة القاطعة ومع هذا ما تبعوا ما جاؤوهم به ولا انقادوا له ففي هذه الآيات وما فعل الرسول ﷺ ، من الدلائل القطعية على بطلان عبادة هذه الطواغيت وأشباهها مالا مزيد عليه فسبحان من جعل كلامه شفاء وهدى ورحمة " (١). ٦ - الحكم بغير ما أنزل الله: يقرر الشيخ ﵀ أن من الشرك الأكبر أن يجعل لله نداً في التشريع، فيقول: " .. أن يجعل لله نداً في التشريع، بأن يتخذ مشرعاً له سوى الله أو شريكاً لله في التشريع يرتضي حكمه ويدين به في التحليل والتحريم؛ عبادةً وتقرباً وقضاءً وفصلاً في الخصومات، أو يستحله وإن لم يره ديناً، وفي هذا يقول تعالى في اليهود والنصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ التوبة: ٣١، وأمثال هذا من الآيات والأحاديث التي جاءت في الرضا بحكم سوى حكم الله أو الإعراض عن التحاكم إلى حكم الله والعدول عنه إلى التحاكم إلى قوانين وضعية، أو عادات قبلية، أو نحو ذلك، فهذه الأنواع الثلاثة (٢) هي الشرك الأكبر الذي يرتد به فاعله أو معتقده عن ملة الإسلام" (٣). فرض الله الحكم بشريعته، وأوجب ذلك على عباده، وجعله الغاية من تنزيل الكتاب، فقال سبحانه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ البقرة: ٢١٣، وقال تعالى: ﴿إِنَّا

стр. 242

أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ النساء: ١٠٥، وبين سبحانه اختصاصه وتفرده بالحكم، فقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧)﴾ الأنعام: ٥٧ (١)، وجاءت الآيات القرآنية مؤكدةً على أن الحكم بما أنزل الله من صفات المؤمنين، وأن التحاكم إلى غير ما أنزل الله -وهو حكم الطاغوت والجاهلية- من صفات المنافقين، قال سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ النور: ٤٧ - ٥١ والنساء: ٦٠ - ٦٢ (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وإذا خرج ولاة الأمر عن هذا -حكم الكتاب والسنة- فقد حكموا بغير ما أنزل الله، ووقع بأسهم بينهم، قال ﷺ : (ما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا وقع بأسهم بينهم) (٣) وهذا من أعظم أسباب تغيير الدول، كما قد جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا، ومن أراد الله سعادته جعله يعتبر بما أصاب غيره، فيسلك مسلك من أيده الله بنصره، ويحتسب مسلك من خذله الله وأهانه" (٤). قال ابن القيم ﵀: " إن قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ النساء: ٥٩، نكرة في سياق الشرط تعمّ كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دقه وجله، وجليه وخفيه، ولو لم يكن في كتاب الله ورسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه، ولم يكن كافياً لم يأمر بالرد إليه، إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالردّ عند التنازع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع ومنها أنه جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان، ضرورة

стр. 243

انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه، ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين فإنه من الطرفين، وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر، ثم أخبرهم أن هذا الرد خير لهم، وأن عاقبته أحسن عاقبة" (١). قال ابن أبي العز ﵀: "وهنا أمر يجب أن يتفطن له وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة ويكون كفراً إما مجازيا وإما كفراً أصغر على القولين المذكورين وذلك بحسب حال الحاكم فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب وأنه مخير فيه أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا عاص ويسمى كافراً كفراً مجازيا أو كفرا أصغر وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه فهذا مخطئ له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور" (٢). يقول سماحة الشيخ ابن باز ﵀: " الحكم بغير ما أنزل الله أقسام، تختلف أحكامهم بحسب اعتقادهم وأعمالهم فمن حكم بغير ما أنزل الله، يرى أن ذلك أحسن من شرع الله فهو كافر عند جميع المسلمين، وهكذا من يحكم القوانين الوضعية بدلاً من شرع الله، ويرى أن ذلك جائزٌ ولو قال إن تحكيم الشريعة أفضل فهو كافر، لكونه استحل ما حرم الله، أما من حكم بغير ما أنزل الله، اتباعاً للهوى أو لرشوة أو لعداوة بينه وبين المحكوم عليه أو لأسباب أخرى وهو يعلم أنه عاص لله بذلك وأن الواجب عليه تحكيم شرع الله، فهذا يعتبر من أهل المعاصي والكبائر ويعتبر قد أتى كفراً أصغر وظلماً أصغر وفسقاً أصغر كما جاء هذا المعنى عن ابن عباس ﵄ وعن طاووس (٣) وجماعة من

стр. 244

السلف الصالح وهو المعروف عند أهل العلم والله ولي التوفيق" (١). ٧ - التطير: يقرر الشيخ ﵀: "بأن التشاؤم من الشهور أو الأيام أو الطيور أو الحيوانات ونحوها لا يجوز؛ وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا عدوى (٢) ولا طيرة ولا هامة (٣) ولا صفر (٤)، وفر من المجذوم كما تفر من الأسد) (٥) والتشاؤم من أعمال الجاهلية وقد أبطله الإسلام. ويبين الشيخ كذلك أن أحسن ما قيل في هذا الحديث قول البيهقي، وتبعه ابن الصلاح وابن القيم وابن رجب وابن مفلح (٦) وغيرهم أن قوله ﷺ : (لا عدوى) على

стр. 245

الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية، من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وقول الرسول ﷺ : (وفر من المجذوم كما تفر من الأسد) فلأن هذه الأمور تعدي بطبعها، وإلاَّ فقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من الأمراض سبباً لحدوث ذلك؛ ولهذا قال: (وفر من المجذوم كما تفر من الأسد)، وقال: (لا يورد ممرض على مصح) (١)،وقال في الطاعون: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه) (٢)، وكل ذلك بتقدير الله تعالى" (٣). والطيرة في اللغة: مصدر تطير يتطير تطيراً وطيرة. وهي التشاؤم بالطير (٤)، وأصله فيما يقال: التشاؤم بالسوانح والبوارح (٥) من الطيور، ثم صار عاماً في كل مكروه من قول أو فعل أو مرئي (٦). وأما في الاصطلاح: "فالتطير هو التشاؤم بمرئي أو مسموع" (٧). وقد وردت النصوص الشرعية بالنهي عنها والتحذير منها. "والطيرة من الشرك المنافي لكمال التوحيد الواجب، لكونها من إلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته. والتطير من عمل أهل الجاهلية والمشركين. وقد ذمَّهم الله به ومقتهم، وقد نهى رسول الله ﷺ عن التطير، وأخبر أنَّه شرك. فعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله

стр. 246

- ﷺ قال: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامةَ ولا صفر) أخرجاه (١). وزاد مسلم: (ولا نوْء (٢) ولا غُول (٣)). ولأحمد والترمذي عن ابن مسعود مرفوعاً: (لا يُعدي شيءٌ شيئاً) (٤) -قالها ثلاثاً - فقال أعرابي: يا رسول الله، إن النُّقْبَة (٥) من الجرَب تكون بمِشفَر (٦) البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلها؟ فقال رسول الله ﷺ : (فمن أجرب الأول؟ لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، خلق الله كل نفس، وكتب حياتها ومصائبها ورزقها). فأخبر ﷺ : أن ذلك كلَّه بقضاء الله وقدره، والعبد مأمور باتقاء أسباب الشر إذا كان في عافية. فكما أنه يؤمر أن لا يُلقي نفسه في الماء وفي النار، مما جرت العادة أنه يُهلك أو يضر. فكذلك اجتناب مقاربة المريض، كالمجذوم، والقدوم على بلد الطاعون، فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف، فالله سبحانه هو خالق الأسباب ومُسبباتها، لا خالق غيرُه، ولا مقدِّر

стр. 247

غيره. وأما إذا قوي التوكل على الله والإيمان بقضاء الله وقدره - فقويت النفس على مُباشرة بعض هذه الأسباب، اعتماداً على الله، ورجاءً منه أن لا يحصل به ضرر - ففي هذه الحال مباشرة ذلك، لا سيما إذا كانت مصلحةً عامة أو خاصة" (١). قال العلامة ابن القيم ﵀: " التطير هو التشاؤم بمرئي أو مسموع، فإذا استعملها الإنسان فرجع بها من سفر وامتنع بها عما عزم عليه، فقد قرع باب الشرك، بل ولجه، وبرئ من التوكل على الله سبحانه، وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله" (٢). "فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى، واعتصم بحبله المتين، وتوكَّل على الله، قطع هاجسَ الطيرة من قبل استقرارها، وبادر خواطرَها من قبل استكمالها. قال عكرمة: كنَّا جلوساً عند ابن عباس، فمرَّ طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير، فقال له ابن عباس: لا خير ولا شر. فبادره بالإنكار عليه، لئلا يعتقد تأثيره في الخير والشر. وخرج طاوس مع صاحب له في سفر، فصاح غرابٌ. فقال الرجل: خير، فقال طاوسُ: وأيُّ خير عند هذا؟ لا تصحب (٣) " (٤). قال ﷺ : (الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك) ثلاثاً (٥). "وهذا صريح في تحريم الطيرة، وأنها من الشرك؛ لما فيها من تعلق القلبِ على غير الله تعالى ... قال ابن مفلح: والأولى القطعُ بتحريمها؛ لأنها شرك ... وإنما جعل الطيرةَ من الشرك؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنَّ الطيرة تجلبُ لهم نفعاً، أو تدفع عنهم ضرّاً إذا عملوا بموجبها، فكأنهم أشركوا مع الله تعالى.

стр. 248

والطيرة لا تضرُّ من كرهها ومضى في طريقه، وأما من لم يخلص توكله على الله، واسترسل مع الشيطان في ذلك، فقد يُعاقب بالوقوع فيما يكره؛ لأنه أعرض عن واجب الإيمان بالله، وهو الذي يدفع عنه الضر وحده بقُدرته ولطفه وإحسانه، فلا خير إلا منه، وهو الذي يدفع الشَّر عن عبده، فما أصابه من ذلك فبذنبه، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ النساء: ٧٩" (١). ٨ - التعلق بالأولياء والصالحين: يقرر الشيخ ﵀: " بأن الملائكة قدروا الله قدره، وعرفوا كمال عبوديتهم له، وأخلصوا له تفرده بالملك والقهر والسلطان فتأدبوا معه حيث يقومون يوم القيامة صفاً، ويتركون الكلام حتى يأذن لهم فيه، وفي ذلك رد على من يتعلق بالأنبياء والصالحين زعماً منه أنهم يملكون أن يشفعوا له عند الله" (٢). وقال ﵀: "ودعاء غير الله من الأولياء والصالحين لكشف ضر أو شفاء مريض أو تأمين طريق مخوف - شرك أكبر يخرج من الإسلام، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ الجن: ١٨، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ يونس: ١٠٦" (٣). والغلو في الصالحين يؤول إلى الشرك بالله في الإلهية وهو أعظم ذنب عُصي الله به، وأول شرك وقع على ظهر الأرض، وهو ينافي التوحيد الذي دلَّت عليه كلمة الإخلاص: شهادة أن لا إله الله (٤).

стр. 249

"والغلو: هو الإفراط بالتعظيم بالقول والاعتقاد. قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ النساء: ١٧١، أي: لا ترفعوا المخلوق عن منزلته التي أنزله الله، فتنزلوه المنزلة التي لا تنبغي إلا لله. والخطاب - وإن كان لأهل الكتاب- فإنه عام يتناول جميع الأمة؛ تحذيراً لهم أن يفعلوا فعل اليهود والنصارى؛ فكل من دعا نبياً أو ولياً من دون الله: فقد اتخذه إلهاً" (١). وفي الصحيح (٢) عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ نوح: ٢٣،قال: (هذه أسماء رجالٍ صالحين من قومِ نوحٍ، فلمَّا هلكوا أوحى الشيطانُ إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا. ولم تُعْبد. حتى إذا هلك أولئك ونُسيَ العلم عُبِدَت). "والشيطان هو الذي زين لهم عبادة الأصنام، وأمرهم بها، فصار هو معبودهم في الحقيقة، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ يس: ٦٠ - ٦٢،وهذا يفيد الحذر من الغلو ووسائل الشرك، وإن كان القصد بها حسناً. فإن الشيطان أدخل أولئك في الشرك من باب الغلو في الصالحين والإفراط في محبتهم" (٣).

стр. 250

٩ - الرقى (١) والتمائم (٢): يقرر الشيخ ﵀: " إجماع العلماء على جواز الرقى إذا كانت من القرآن أو الأذكار أو الأدعية مع اعتقاد أنها سبب لا تأثير له إلاَّ بتقدير الله تعالى، لقوله ﷺ : (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً) (٣)، أما الرقى المنهي عنها فهي الرقى المخالفة لما ذكرنا، كما صرح بذلك أهل العلم. أما تعليق شيء بالعنق أو ربطه بأي عضو من أعضاء الشخص فإن كان من غير القرآن فهو محرم، بل شرك؛ لما رواه الإمام أحمد في مسنده، عن عمران بن حصين ﵁، أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: (ما هذا؟) قال: من الواهنة، فقال: (انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً) (٤). وما رواه عن عقبة بن عامر عنه ﷺ قال: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودّع الله له) (٥)،وفي رواية لأحمد أيضاً: (من علق تميمة فقد أشرك) (٦)،
следующие страницы →