← Акыда

Акыда · id 14254

منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (777 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

- ﷺ قال: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامةَ ولا صفر) أخرجاه (١). وزاد مسلم: (ولا نوْء (٢) ولا غُول (٣)). ولأحمد والترمذي عن ابن مسعود مرفوعاً: (لا يُعدي شيءٌ شيئاً) (٤) -قالها ثلاثاً - فقال أعرابي: يا رسول الله، إن النُّقْبَة (٥) من الجرَب تكون بمِشفَر (٦) البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلها؟ فقال رسول الله ﷺ : (فمن أجرب الأول؟ لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، خلق الله كل نفس، وكتب حياتها ومصائبها ورزقها). فأخبر ﷺ : أن ذلك كلَّه بقضاء الله وقدره، والعبد مأمور باتقاء أسباب الشر إذا كان في عافية. فكما أنه يؤمر أن لا يُلقي نفسه في الماء وفي النار، مما جرت العادة أنه يُهلك أو يضر. فكذلك اجتناب مقاربة المريض، كالمجذوم، والقدوم على بلد الطاعون، فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف، فالله سبحانه هو خالق الأسباب ومُسبباتها، لا خالق غيرُه، ولا مقدِّر

стр. 247

غيره. وأما إذا قوي التوكل على الله والإيمان بقضاء الله وقدره - فقويت النفس على مُباشرة بعض هذه الأسباب، اعتماداً على الله، ورجاءً منه أن لا يحصل به ضرر - ففي هذه الحال مباشرة ذلك، لا سيما إذا كانت مصلحةً عامة أو خاصة" (١). قال العلامة ابن القيم ﵀: " التطير هو التشاؤم بمرئي أو مسموع، فإذا استعملها الإنسان فرجع بها من سفر وامتنع بها عما عزم عليه، فقد قرع باب الشرك، بل ولجه، وبرئ من التوكل على الله سبحانه، وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله" (٢). "فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى، واعتصم بحبله المتين، وتوكَّل على الله، قطع هاجسَ الطيرة من قبل استقرارها، وبادر خواطرَها من قبل استكمالها. قال عكرمة: كنَّا جلوساً عند ابن عباس، فمرَّ طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير، فقال له ابن عباس: لا خير ولا شر. فبادره بالإنكار عليه، لئلا يعتقد تأثيره في الخير والشر. وخرج طاوس مع صاحب له في سفر، فصاح غرابٌ. فقال الرجل: خير، فقال طاوسُ: وأيُّ خير عند هذا؟ لا تصحب (٣) " (٤). قال ﷺ : (الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك) ثلاثاً (٥). "وهذا صريح في تحريم الطيرة، وأنها من الشرك؛ لما فيها من تعلق القلبِ على غير الله تعالى ... قال ابن مفلح: والأولى القطعُ بتحريمها؛ لأنها شرك ... وإنما جعل الطيرةَ من الشرك؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنَّ الطيرة تجلبُ لهم نفعاً، أو تدفع عنهم ضرّاً إذا عملوا بموجبها، فكأنهم أشركوا مع الله تعالى.

стр. 248

والطيرة لا تضرُّ من كرهها ومضى في طريقه، وأما من لم يخلص توكله على الله، واسترسل مع الشيطان في ذلك، فقد يُعاقب بالوقوع فيما يكره؛ لأنه أعرض عن واجب الإيمان بالله، وهو الذي يدفع عنه الضر وحده بقُدرته ولطفه وإحسانه، فلا خير إلا منه، وهو الذي يدفع الشَّر عن عبده، فما أصابه من ذلك فبذنبه، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ النساء: ٧٩" (١). ٨ - التعلق بالأولياء والصالحين: يقرر الشيخ ﵀: " بأن الملائكة قدروا الله قدره، وعرفوا كمال عبوديتهم له، وأخلصوا له تفرده بالملك والقهر والسلطان فتأدبوا معه حيث يقومون يوم القيامة صفاً، ويتركون الكلام حتى يأذن لهم فيه، وفي ذلك رد على من يتعلق بالأنبياء والصالحين زعماً منه أنهم يملكون أن يشفعوا له عند الله" (٢). وقال ﵀: "ودعاء غير الله من الأولياء والصالحين لكشف ضر أو شفاء مريض أو تأمين طريق مخوف - شرك أكبر يخرج من الإسلام، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ الجن: ١٨، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ يونس: ١٠٦" (٣). والغلو في الصالحين يؤول إلى الشرك بالله في الإلهية وهو أعظم ذنب عُصي الله به، وأول شرك وقع على ظهر الأرض، وهو ينافي التوحيد الذي دلَّت عليه كلمة الإخلاص: شهادة أن لا إله الله (٤).

стр. 249

"والغلو: هو الإفراط بالتعظيم بالقول والاعتقاد. قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ النساء: ١٧١، أي: لا ترفعوا المخلوق عن منزلته التي أنزله الله، فتنزلوه المنزلة التي لا تنبغي إلا لله. والخطاب - وإن كان لأهل الكتاب- فإنه عام يتناول جميع الأمة؛ تحذيراً لهم أن يفعلوا فعل اليهود والنصارى؛ فكل من دعا نبياً أو ولياً من دون الله: فقد اتخذه إلهاً" (١). وفي الصحيح (٢) عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ نوح: ٢٣،قال: (هذه أسماء رجالٍ صالحين من قومِ نوحٍ، فلمَّا هلكوا أوحى الشيطانُ إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسمُّوها بأسمائهم، ففعلوا. ولم تُعْبد. حتى إذا هلك أولئك ونُسيَ العلم عُبِدَت). "والشيطان هو الذي زين لهم عبادة الأصنام، وأمرهم بها، فصار هو معبودهم في الحقيقة، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ يس: ٦٠ - ٦٢،وهذا يفيد الحذر من الغلو ووسائل الشرك، وإن كان القصد بها حسناً. فإن الشيطان أدخل أولئك في الشرك من باب الغلو في الصالحين والإفراط في محبتهم" (٣).

стр. 250

٩ - الرقى (١) والتمائم (٢): يقرر الشيخ ﵀: " إجماع العلماء على جواز الرقى إذا كانت من القرآن أو الأذكار أو الأدعية مع اعتقاد أنها سبب لا تأثير له إلاَّ بتقدير الله تعالى، لقوله ﷺ : (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً) (٣)، أما الرقى المنهي عنها فهي الرقى المخالفة لما ذكرنا، كما صرح بذلك أهل العلم. أما تعليق شيء بالعنق أو ربطه بأي عضو من أعضاء الشخص فإن كان من غير القرآن فهو محرم، بل شرك؛ لما رواه الإمام أحمد في مسنده، عن عمران بن حصين ﵁، أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: (ما هذا؟) قال: من الواهنة، فقال: (انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً) (٤). وما رواه عن عقبة بن عامر عنه ﷺ قال: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودّع الله له) (٥)،وفي رواية لأحمد أيضاً: (من علق تميمة فقد أشرك) (٦)،

стр. 251

وما رواه أحمد وأبو داود عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الرقى والتمائم والتولة (١) شرك) (٢). وإن كان ما علقه من آيات القرآن فالصحيح أنه ممنوع أيضاً؛ لثلاثة أمور: الأول: عموم أحاديث النهي عن تعليق التمائم ولا مخصص لها. الثاني: سد الذريعة فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك. الثالث: أن ما علق من ذلك يكون عرضة للامتهان بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء والجماع ونحو ذلك" (٣). وقد أجمع العلماء (٤) على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: - الشرط الأول: أن يكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه وصفاته، أو بالأدعية والأذكار المأثورة أو ما فيه ذكر الله . والدليل على هذا الشرط قوله ﷺ : (اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى مالم يكن فيه شرك) (٥).

стр. 252

وعن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركته) (١)،وقد رقى جبريل النبي ﷺ (٢). كذلك فقد قال البغوي (٣) ﵀: "فأما ما كان بالقرآن وبذكر الله فإنه جائز مستحب" (٤). أما الرقى التي فيها دعاء أو استعانة أو استغاثة بغير الله من ملائكة أو جن أو غيرهم أو التعوذ بطلسم أو عزيمة ونحو ذلك، فقد جاءت الأحاديث في تحريمها: مثل قوله ﷺ : (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) (٥). وقد علق شيخ الإسلام ﵀ على قوله ﷺ : (لا بأس بالرقى مالم تكن شركاً) (٦) بقوله: " فنهى عن الرقى التي فيها شرك، كالتي فيها استعاذة بالجن كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ الجن: ٦، ولهذا نهى العلماء عن التعازيم، والإقسام التي يستعملها بعض الناس في حق المصروع وغيره، التي تتضمن الشرك" (٧).

стр. 253

- الشرط الثاني: أن يكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره؛ فإن كان بغير هذا فمكروه. قال شيخ الإسلام ﵀: "نهوا - أي العلماء - عن كل ما لا يعرف معناه من ذلك، خشية أن يكون فيه شرك" (١). وقال أيضاً: " كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقى به، فضلاً عن أن يدعو به ولو عرف معناه، لأنه يكره الدعاء بغير العربية، وإنما يرخص لمن لا يعرف العربية، فأما جعل الألفاظ العجمية شعاراً فليس من الإسلام" (٢). - الشرط الثالث: أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله تعالى. ومما تقدم يتبين من كلام الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ أنه يرى أن التمائم على قسمين: - القسم الأول: محرم وشرك، وهو ما يعلق بالعنق أو يربط بأي عضو من أعضاء الشخص من غير القرآن. - القسم الثاني: ممنوع، وهي التمائم التي تعلق ويكون فيها آيات من القرآن أو الأدعية. وما ذكره الشيخ ﵀ عن القسم الأول فقد دلت أحاديث كثيرة عليه، فعن أبي بشير الأنصاري أنه كان مع النبي ﷺ في بعض أسفاره: (فأرسل رسولاً أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلاّ قطعت) (٣)، وعن عبد الله بن عكيم مرفوعاً: (من تعلق شيئاً وكل إليه) (٤).

стр. 254

وعن رويفع (١) قال: قال لي رسول الله ﷺ : (يا رويفع، لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته (٢) أو تقلد وتراً (٣) أو استنجى برجيع (٤) دابة أو عظم فإن محمداً برئ منه) (٥). أما القسم الثاني: فقد اختلف فيه العلماء على قولين: - الأول: الجواز وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره (٦)، وظاهر ما روي عن عائشة (٧)، وسعيد بن المسيب (٨)، وعطاء (٩)، وبه قال أبو جعفر

стр. 255

الباقر (١) وأحمد في رواية (٢)، وظاهر قول ابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤)، وابن حجر (٥)، وحملوا الأحاديث الواردة في النهي على التمائم الشركية. أما التي فيها القرآن وأسماء الله وصفاته فكالرقية بذلك. وجمهور أصحاب هذا القول على أن التعليق الجائز هو ما كان بعد نزول البلاء، أما ما كان قبله فليس بجائز (٦). - الثاني: عدم الجواز وهو قول ابن مسعود (٧) وابن عباس (٨)، وبه قال جماعة من التابعين، منهم أصحاب ابن مسعود (٩)، وظاهر قول حذيفة (١٠)،وعقبة بن عامر (١١)

стр. 256

- ﵃، والنخعي (١)، والإمام أحمد في رواية (٢). واحتجوا بعموم الأحاديث في النهي عن التمائم والحكم عليها بأنها شرك، ولا يوجد دليل شرعي يخصصها من العموم، والقياس على الرقية لا يستقيم (٣). وقد ذكر القائلون بالمنع عدة علل فيمن تعلق التمائم من القرآن والأوراد الشرعية (٤)، ذكر بعضها الشيخ عبد الرزاق ﵀ في معرض كلامه السابق، وهذه الأسباب التي ذكرها المانعون من تعلق القرآن أسباب قوية، لذا ينبغي ترك ذلك والاعتماد على ما جاء السنة الصحيحة من الرقية الشرعية، ففيها خير كثير-والله أعلم (٥). ١٠ - التصوير: يقرر الشيخ ﵀ حكم التصوير في الإسلام، فيقول: "الأصل في تصوير كل ما فيه روح من الإنسان وسائر الحيوانات أنه حرام، سواء كانت الصور مجسمة أم رسوماً على ورق أو قماش أو جدران ونحوها أم كانت صوراً شمسية (٦)؛ لما ثبت في الأحاديث الصحيحة من النهي عن ذلك وتوعد فاعله بالعذاب الأليم؛ ولأنها عهد في جنسها أنه ذريعة إلى الشرك بالله بالمثول أمامها والخضوع لها والتقرب إليها وإعظامها إعظاماً لا يليق إلاَّ بالله تعالى، ولما فيها من مضاهاة خلق الله، ولما في بعضها من الفتن كصور الممثلات والنساء العاريات وأشباه ذلك.

стр. 257

ومن الأحاديث التي وردت في تحريمها وذلك على أنها من الكبائر حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم) (١)، وحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون) (٢)،وحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة) (٣). وحديث عائشة ﵂ قالت: (قدم رسول الله ﷺ من سفر وقد سترت سهوة (٤) لي بقرام (٥) فيه تماثيل، فلما رآه رسول الله ﷺ تلون وجهه، وقال: (يا عائشة، أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله) فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين) (٦)، وحديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة، وليس بنافخ) (٧)، وحديثه أيضاً عن النبي ﷺ قال: (كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفساً فتعذبه في

стр. 258

جهنم) (١)، قال ابن عباس ﵄: (فإن كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له) (٢)؛ فدل عموم هذه الأحاديث على تحريم تصوير كل ما فيه روح مطلقاً، أما ما لا روح فيه من الشجر والبحار والجبال ونحوها فيجوز تصويرها كما ذكره ابن عباس ﵄، ولم يعرف من الصحابة من أنكر عليه " (٣). من قواعد العقيدة الإسلامية سد كل باب يوصل إلى الشرك، والحث على إفراد الله تعالى بالألوهية والربوبية والأسماء والصفات، والمنع من كل قول أو فعل فيه تنقص لجانب رب العالمين أو مضاهاة لأفعاله. لذا فقد تضافرت الأحاديث على تحريم التصوير وبيان الوعيد الشديد على من ارتكبه؛ لما فيه من مضاهاة لخلق الله ولأنه ذريعة إلى الشرك. "وقد ذكر النبي ﷺ علة عظم عقوبة الله لهم، وهي: المضاهاة بخلق الله، لأن الله تعالى له الخلق والأمر، فهو رب كل شيء ومليكه، وهو خالق كل شيء، وهو الذي صور جميع المخلوقات، وجعل فيها الأرواح التي تحصل بها الحياة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ السجدة: ٧ - ٩، فالمصور كما صور الصورة على شكل ما خلقه الله تعالى من إنسان أو بهيمة، صار مضاهياً خلق الله، فصار ما صوره عذاباً له يوم القيامة، وكلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ، فكان أشد الناس عذاباً، لأن ذنبه من أكبر الذنوب" (٤). ويمكن القول بأن من أبرز علل النهي عن التصوير علتين وهما:

стр. 259

١ - لما فيه من مضاهاة خلق الله. ٢ - لأنه ذريعة إلى الشرك (١). فلهذا حرم الإسلام التصوير لذوات الأرواح بجميع أنواعه سواء كان لها ظل أو لا ظل لها. قال النووي ﵀: " قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صور الحيوان شديد التحريم، وهو من الكبائر، لأنه متوعد بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه بما يمتهن أو يغيره فصنعته حرام بكل حال، لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى. وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها. وأما تصوير صورة الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام" (٢). وقد قال ابن عباس ﵄ للرجل الذي استفتاه عن التصوير: " ... إن كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له" (٣). ويدل عليه قوله في الحديث السابق: (كلف أن ينفخ فيها الروح ...) فهذا يدل على أن الوعيد خاص بما له روح. والله أعلم. ١١ - الرياء اليسير في أفعال العبادات وأقوالها: يقرر الشيخ ﵀: " بأن الرياء اليسير في أفعال العبادات وأقوالها، شرك أصغر -الذي هو ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه-، وذلك كأن يطيل في الصلاة أحياناً ليراه الناس، أو يرفع صوته بالقراءة أو الذكر أحياناً ليسمعه الناس فيحمدوه؛ روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن محمود بن لبيد (٤) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر: الرياء) (٥). أما إذا كان لا يأتي بأصل العبادة إلاَّ رياء ولولا ذلك

стр. 260

ما صلى ولا صام ولا ذكر الله ولا قرأ القرآن فهو مشرك شركاً أكبر، وهو من المنافقين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ النساء: ١٤٢ - ١٤٦، وصدق فيهم قوله تعالى في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه) (١) " (٢). الرياء في اللغة: مشتق من الرؤية، وهي النظر، يقال: راءيته، مراءاة، ورياء، إذا أريته على خلاف ما أنا عليه (٣). وأما في الاصطلاح: فقد ذكر أهل العلم له تعريفات متعددة، إلا أنه وإن اختلفت عباراتهم فيها، فإن مدارها على أمرين: الأول: إرادة غير الله من دون الله. والثاني: إرادة غير الله مع الله (٤).

стр. 261

"والفرق بينه وبين السُّمعة: أن الرياء لما يُرى من العمل، كالصلاة، والسُّمعة لما يسمع؛ كالقراءة والوعظ والذكر. ويدخل في ذلك التحدُّثُ بما عمله" (١). قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ الكهف: ١١٠، أي ليس لي من الربوبية ولا الإلهية شيء، بل ذلك كله وحده لا شريك له، أوحاه إليّ ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي يخافه: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ قوله ﴿أَحَدًا﴾ نكرة في سياق النهي تعُمّ، وهذا العموم يتناول الأنبياء والملائكة والصالحين والأولياء وغيرهم (٢). قال ابن القيم ﵀ في الآية: " أي كما أن الله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده لا شريك له، فكما تفرِّد بالإلهية يجب أن تفرَّد بالعبودية، فالعمل الصالح: هو الخالص من الرياء المُقيَّدُ بالسنَّة" (٣). قال ابن رجب ﵀: " واعلم أنَّ العمل لغير الله أقسام: فتارةً يكون رياءً محضاً كحال المنافقين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ النساء: ١٤٢. وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام. وقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، أو التي يتعدَّى نفعُها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقتَ من الله والعقوبة. وتارةً يكون العملُ لله، ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدلُّ على بطلانه منها حديث شدَّاد بن أوس ﵁ مرفوعاً: (من صلَّى يُرائي فقد أشرك، ومن صام يُرائي فقد أشرك، ومن تصدَّق يُرائي فقد أشرك، وإن الله

стр. 262

يقول: أنا خيرُ قسيم لمن أشرك بي، فمَن أشرك بي شيئاً فإن حشدَّه عمله قليلهِ وكثيره لشريكه الذي أشرك به. وأنا عنه غني) (١)، ثم قال: وأما إن كان أصل العمل لله، ثم طرأ عليه نية الرياء: فإن كان خاطراً ثم دفعه، فلا يضرُّه بغير خلاف، وإن استرسل معه فهل يُحبِط عملَه أم لا، ويُجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلافٌ بين العلماء من السلف، قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير، ورجَّحا أن عمله لا يبطل بذلك، أنه يُجازى بنيَّته الأولى، وهو مروي عن الحسن وغيره. فأما إذا عمل العمل لله خالصاً ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك، لم يضره بذلك. وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ أنه سُئل عن الرجل يعمل العمل من الخير يحمدُه الناس عليه، فقال: (تلك عاجِلُ بشرى المؤمن) (٢) " (٣). قال ابن القيم ﵀: " وأما الشرك الأصغر؛ فكيسير الرياء، والتصنُّع للمخلوق، والحلف بغير الله، وقولِ الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك. وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا الله وأنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركاً أكبر بحسب حال قائله ومقصده" (٤).

стр. 263

ثانياً: ما يناقض توحيد الألوهية أو يقدح فيه من الأقوال: ١ - الاستغاثة ودعاء غير الله تعالى: يقرر الشيخ ﵀: " أنه لا تجوز الاستغاثة بالأموات ولا دعاؤهم من دون الله أو مع الله، سواء كان المستغاث به نبياً أم غير نبي، وكذلك الاستغاثة بالغائبين، وأن كل ذلك شرك أكبر مخرج من ملة الإسلام، وأنه لا تصح الصلاة خلفهم لشركهم ولا عشرتهم ولا موالاتهم. وأما من استغاث بالله وسأله سبحانه وحده متوسلاً بجاههم أو طاف حول قبورهم دون أن يعتقد فيهم تأثيراً وإنما رجا أن تكون منزلتهم عند الله سبباً في استجابة الله له فهو مبتدع آثم مرتكب لوسيلة من وسائل الشرك، ويخشى عليه أن يكون ذلك منه ذريعة إلى وقوعه في الشرك الأكبر" (١). الاستغاثة: هي طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار: طلبُ النصر؛ والاستعانة: طلب العون. والفرق بين الاستغاثة والدعاء: أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب، والدعاء أعم من الاستغاثة؛ لأنه يكون من المكروب وغيره؛ فكل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة (٢). والاستغاثة أقسام (٣):- الأول: الاستغاثة بالله- -وهذا من أفضل الأعمال وأكملها وهو دأب الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم ودليله قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ الأنفال: ٩.

стр. 264

قال حافظ حكمي (١) ﵀: " ومن أنواع العبادة الاستغاثة بالله وهي طلب الغوث منه تعالى من جلب خير أو دفع شر قال الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ الأنفال: ٩، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ النمل: ٦٢ الآيات ... ، ومن دعاء النبي ﷺ : (يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام يا بديع السموات والأرض برحمتك (٢) أستغيث) (٣)، وفي الطبراني بإسناده من حديث ثابت بن الضحاك أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق فقال ﷺ : (إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله) (٤) (٥) ... وغير ذلك من

стр. 265

الأحاديث" (١). الثاني: الاستغاثة بالأموات أو بالأحياء القادرين على الإغاثة ولكنهم غير حاضرين فهذا شرك؛ لأنه لا يفعله إلا من يعتقد أن لهؤلاء تصرفا خفيا في الكون فيجعل لهم حظاً من الربوبية، قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ النمل: ٦٢. قال ابن القيم ﵀: " ومن أنواع الشرك طلبُ الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فضلاً عمن استغاث به أو سأله أن يشفع إلى الله، وهذا ممن جهله بالشافع والمشفوع له عنده" (٢). وبين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حقيقة خداع الشيطان لمن يستغيثون بغير الله، فيقول: " ومن هؤلاء من يستغيث بمخلوق إما حي أو ميت، سواء كان ذلك المخلوق مسلماً أو نصرانياً أو مشركاً، فيتصور الشيطان بصورة ذلك المستغاث به، ويقضي حاجة ذلك المستغيث فيظن أنه ذلك الشخص، أو هو ملَك تصور على صورته، وإنما هو شيطان أضله لما أشرك بالله، كما كانت الشياطين تدخل في الأصنام وتكلم المشركين" (٣). الثالث: الاستغاثة بالأحياء العالمين القادرين على الإغاثة فهذا جائز كالاستعانة بهم، قال الله تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى

стр. 266

فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ القصص: ١٥. وفي بحديث الشفاعة الطويل في يوم القيامة وأن الناس يستغيثون بالنبي ﷺ ليشفع لهم عند الله (١). فالاستغاثة بغير الله إذا كانت فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهي شرك أكبر، وإذا كانت فيما يقدر عليه المخلوق، فهي جائزة كما حصل من صاحب موسى إذ استغاث بموسى ﵇ (٢). قال شيخ الإسلام: "وقد مضت السُّنة أن الحي يُطلب منه الدعاء كما يطلب سائر ما يقدر عليه، وأما المخلوق والغائب والميت فلا يطلب منه شيء " (٣). قال الشوكاني ﵀: "طلب الحوائج من الأحياء جائز إذا كانوا يقدرون عليها .. " (٤). وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀: " .. استغاثة المخلوق الحي الحاضر فيما يقدر عليه من نصره على عدوه .. هذا جائز لا نزاع فيه " (٥). وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " وإذا طلبت من أحد الغوث وهو قادر عليه، فإنه يجب عليك تصحيحاً لتوحيدك أن تعتقد أنه مجرد سبب وأنه لا تأثير له بذاته في إزالة الشدة، لأنك ربما تعتمد عليه وتنسى خالق السبب، وهذا قادح في كمال التوحيد؛ ... وقد نهى الله سبحانه نبيه محمداً ﷺ أن يدعو أحداً من دونه من سائر المخلوقين العاجزين عن إيصال النفع ودفع الضر، والنهي عام لجميع الأمة" (٦).

стр. 267

الرابع: الاستغاثة بحي غير قادر من غير أن يعتقد أن له قوة خفية مثل أن يستغيث بمشلول على دفع عدو صائل. فهذا لغو وسخرية بالمستغاث به فيمنع لهذه العلة ولعلة أخرى، وهي أنه ربما اغتر بذلك غيره فتوهَّم أن لهذا المستغاث به وهو عاجز أن له قوة خفية ينقذ بها من الشدة (١). وسبق القول بأن الدعاء أعم من الاستغاثة؛ لأنه يكون من المكروب وغيره؛ فكل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة (٢)، والدعاء على نوعين دعاء عبادة ودعاء مسألة: "فدعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، كما أن دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، وقد قال تعالى عن خليله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾ مريم: ٤٨ - ٤٩، وهذا هو دعاء المسألة المتضمن للعبادة، فصار الدعاء من أنواع العبادة؛ وكل أمرٍ شرعه الله لعباده وأمرهم به، ففعلُه لله عبادة، فإذا صرف من تلك العبادة شيئاً لغير الله فهو مشرك، مصادم لما بعث الله به رسوله من قوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤)﴾ الزمر: ١٤، ومن جعل بينه وبين الله وسائط، يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم كفر إجماعاً" (٣). "ومن ثم فإن صرف دعاء المسألة للأموات إلحاد في توحيد الأسماء والصفات من جهة ومن جهة أخرى شرك ظاهر في العبادة، فالذي يستغيث ويطلب المدد من غير الله يثبت له بدلالة اللزوم صفة الحياة؛ لأنه لو اعتقد أنه ميت ما توجه إليه بالنداء والدعاء

стр. 268

ويثبت أيضا أنه يسمع ويبصر ويعلم ويقدر، ويثبت أيضا أنه قوي غني، فالفقير الضعيف لا يدعى ولا يقصد، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ فاطر: ١٣ - ١٤، فنفى الله عنهم أوصاف الكمال التي انفرد بها عمن سواه، و ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ الحج: ٧٣. فمن السميع لما ذهب المشرك إلى أصم أبكم؟ ومن البصير لما استغاث بعاجز أعمى؟ ومن الغني لما توجه إلي فقير معدم؟ ومن القدير لما عكف على ضريح ميت ضعيف فقير؟ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ فاطر: ١٩ - ٢٢، فدعاء المسألة وكذلك دعاء العبادة توجه لله بأسمائه وصفاته، وإفراده سبحانه بالتعظيم والدعاء والحب الخوف والرجاء، فإذا صرف شيئا من ذلك لغير الله فإنه إلحاد وميل وشرك" (١). ٢ - الحلف بغير الله: يقرر الشيخ ﵀: "بأن الحلف بغير الله من ملك أو نبي أو ولي أو مخلوق ما من المخلوقات محرم، لما ثبت عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وعمر يحلف بأبيه فناداهم رسول الله ﷺ : (ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) (٢)، وفي رواية أخرى عنه أن رسول الله ﷺ قال: " من كان حالفاً فلا يحلف إلاَّ بالله" (٣)، وكانت قريش تحلف

стр. 269

بآبائها فقال: (لا تحلفوا بآبائكم) (١)، رواهما مسلم وغيره، فنهى النبي ﷺ عن الحلف بغير الله، والأصل في النهي التحريم، بل ثبت عنه ﷺ أنه سماه: شركاً، روى عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من حلف بشيء دون الله فقد أشرك) (٢)، وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) (٣)، وقد حمل العلماء ذلك على الشرك الأصغر، وقالوا: إنه كفر دون الكفر الأكبر المخرج من الملة والعياذ بالله فهو من أكبر الكبائر، ولهذا قال ابن مسعود ﵁: " لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً" ويؤيد ذلك ما رواه أبو هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من حلف منكم فقال في حلفه: باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لأخيه: تعال أقامرك فليتصدق) (٤)، فأمر ﷺ من حلف من المسلمين باللات والعزى أن يقول بعد ذلك: لا إله إلا الله، لمنافاة الحلف بغير الله كمال التوحيد الواجب؛ وذلك لما فيه من إعظام غير الله بما هو مختص بالله وهو الحلف به، وما ورد في بعض الأحاديث من الحلف بالآباء فهو قبل النهي عن ذلك جرياً على ما كان معتاداً في العرب الجاهلية، والحلف بغير الله قد يكون شركاً أكبر وقد يكون شركاً أصغر على حسب ما يقوم بقلب الحالف" (٥). ويقرر الشيخ كذلك ﵀: "أن الفقهاء؛ كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي ﵏ قالوا: إن الحلف بغير الله مطلقاً منهي عنه سواء كان المحلوف به نبياً أم غيره ولا ينعقد

стр. 270

ذلك يميناً، وهو القول الصحيح عن أحمد ﵀، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀ وقال: إنه هو الصواب" (٢). والحلف بغير الله شرك؛ لحديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن رسول الله ﷺ ؛ أنه قال: (من حلف بغير الله؛ فقد كفر أو أشرك) (٣) وقوله: (فقد كفر أو أشرك): يحتمل أن يكون هذا شكاً من الراوي، ويحتمل أن يكون (أو) بمعنى الواو، فيكون قد كفر وأشرك، ويكون من الكفر الذي هو دون الكفر الأكبر؛ كما أنه من الشرك الأصغر. وقد كثر من الناس اليوم من يحلف بغير الله؛ كمن يحلف بالأمانة، أو يحلف بالنبي ﷺ ، أو يقول: وحياتي وحياتك يا فلان ... وما أشبه هذه الألفاظ، وقد سمعنا ما ورد في الأحاديث من النهي عن الحلف بغير الله ، واعتباره كفراً أو شركاً؛ لأن الحلف بالشيء تعظيم له، والذي يجب أن يعظم ويحلف به هو الله ، والحلف بغيره شرك وجريمة عظمى. والشرك الأصغر ينقض التوحيد ويخلُّ به، وهناك أشياء من الشرك الأصغر حذرنا منها الله ورسوله؛ صيانة للعقيدة، وحماية للتوحيد؛ لأنها تنقض التوحيد، وربما تجر إلى الشرك الأكبر (٤). قال أبو جعفر الطحاوي: "لم يرد به الشرك الذي يخرج من الإسلام حتى يكون به صاحبه خارجاً عن الإسلام، ولكنه أراد أنه لا ينبغي أن يحلف بغير الله تعالى، لأن من حلف بغير الله تعالى فقد جعل ما حلف به محلوفا به، كما جعل الله تعالى محلوفا به، وبذلك جعل من حلف به أو ما حلف به شريكا فيما يحلف به، وذلك أعظم، فجعله شركا بذلك شركا غير الشرك الذي يكون به كافرا بالله تعالى خارجا عن الإسلام" (٥).

стр. 271

قال الشيخ الألباني ﵀ بعد نقله للكلام السابق-: "يعنى - والله أعلم - أنه شرك لفظي وليس شركا اعتقادياً، والأول تحريمه من باب سد الذرائع، والآخر محرم لذاته، وهو كلام وجيه متين" (١). وما ورد في بعض الأحاديث من الحلف بالآباء كما جاء في بعض الأحاديث، كقول النبي ﷺ : (أَفْلحَ وأبيه إنْ صدَق) (٢)، وقد أجاب عن ذلك العلماء بأقوال: الجواب الأوّل: أن هذا وأمثاله لا يُقصد به اليمين، وإنما يجري على الألسنة من غير قصد اليمين. والجواب الثاني: أن بعض العلماء أنكر هذه اللفظة، وقال: إنها لم تثبت في الحديث; لأنها مناقضة للتوحيد، وما كان كذلك; فلا تصح نسبته إلى رسول الله ﷺ ، فيكون باطلا. الجواب الثالث: أنها تصحيف من الرواة، والأصل: (أفلح إن صدق) (٣). وكانوا في السابق لا يشكلون الكلمات، و (أبيه) تشبه، (الله) إذا حذفت النقط السفلى. الجواب الرابع: أنّ هذا كان قبل النّهي، فكان في الأوّل يجوز الحلِف بغير الله، وبعد ذلك نُهي عن الحلِف بغير الله، فقوله: (أفلح وأبيه) وأمثاله يكون منسوخاً بالنّهي عن الحلف بغير الله، وهذا هو الراجح. والشاهد: أن الحلف بغير الله من اتّخاذ الأنداد لله ، لأنّ النّد معناه: النّظير والشّبيه، فالذي يحلف بغير الله يجعل المحلوف به نِدًّا لله وشبيهاً لله (٤).

стр. 272

وعلق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على كلام ابن مسعود المتقدم، فقال: "لأن الحلف بالله كاذباً فيه توحيد، والحلف بغير الله صادقاً شرك، وحسنة التّوحيد أعظم من حسنة الصّدق وسيِّئة الشرك أشدّ من سيِّئة الكذب" (١). ٣ - الاستهزاء بشيء فيه ذكر الله: يقرر الشيخ ﵀: "أن سب الدين والاستهزاء بشيء من القرآن والسنة والاستهزاء بالمتمسك بهما نظراً لما تمسك به كإعفاء اللحية وتحجب المسلمة؛ هذا كفر إذا صدر من مكلف، وينبغي أن يبين له أن هذا كفر فإن أصر بعد العلم فهو كافر، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ التوبة: ٦٥ - ٦٦" (٢). "من استهزأ بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول أو بشيء من السنة؛ فقد كفر بالله لاستخفافه بالربوبية والرسالة، وذلك مناف للتوحيد، وكفر بإجماع أهل العلم. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ التوبة: ٦٥ - ٦٦، وقد جاء بيان سبب نزول هاتين الآيتين الكريمتين؛ أنه ما حصل من المنافقين في بعض الغزوات من سخرية بالرسول ﷺ وأصحابه؛ فقد روى ابن عمر، محمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة (٣)؛ (أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا

стр. 273

أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء _ يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء _. فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ . فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق). قال ابن عمر: " كأني أنظر إليه متعلقاً بنسعة (١) ناقة رسول الله ﷺ وأن الحجارة تنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب. فيقول له رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ التوبة: ٦٥ - ٦٦، وما يلتفت إليه وما يزيده عليه" (٢). ففي هذه الآيتين الكريمتين مع بيان سبب نزولهما دليل واضح على كفر من استهزأ بالله أو رسوله أو آيات الله أو سنة رسوله أو بصحابة رسول الله؛ لأن من فعل ذلك، فهو مستخف بالربوبية والرسالة، وذلك مناف للتوحيد والعقيدة، ولو لم يقصد حقيقة الاستهزاء. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٣) ﵀: "القول الصريح في الاستهزاء هذا وما شابهه، وأما الفعل الصريح؛ فمثل مد الشفة وإخراج اللسان ورمز العين وما يفعله كثير من الناس عند الأمر بالصلاة والزكاة؛ فكيف بالتوحيد؟! " (٤).

стр. 274

"ومثل هذا الاستهزاء بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ ؛ كالذي يستهزىء بإعفاء اللحى وقص الشوارب، أو يستهزىء بالسواك ... أو غير ذلك، وكالاستهزاء بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبه يعلم كفر من يتنقصون الشريعة الإسلامية، ويصفونها بأنها لا تصلح لهذا الوقت الحاضر، وأن الحدود الشرعية فيها قسوة ووحشية، وأن الإسلام ظلم المرأة ... إلى غير ذلك من مقالات الكفر والإلحاد؛ نسأل الله العافية والسلامة" (١). ٤ - التوسل (٢): أ_ التوسل إلى الله بأوليائه. يقرر الشيخ ﵀: "بأن التوسل إلى الله بأوليائه أنواع: الأول: أن يطلب إنسان من الولي الحي أن يدعو الله له بسعة رزق أو شفاء من مرض أو هداية وتوفيق ونحو ذلك - فهذا جائز، ومنه طلب بعض الصحابة من النبي ﷺ حينما تأخر عليهم المطر أن يستسقي لهم، فسأل ﷺ ربه أن ينزل المطر، فاستجاب دعاءه وأنزل عليهم المطر، ومنه استسقاء الصحابة بالعباس في خلافة عمر ﵃ وطلبهم منه أن يدعو الله بنزول المطر فدعا العباس ربه وأمن الصحابة على دعائه ... إلى غير هذا مما حصل زمن النبي ﷺ وبعده من طلب مسلم من أخيه المسلم أن يدعو له ربه لجلب نفع أو كشف ضر. الثاني: أن ينادي الله متوسلاً إليه بحب نبيه واتباعه إياه وبحبه لأولياء الله بأن يقول: اللهم إني أسألك بحبي لنبيك واتباعي له وبحبي لأوليائك أن تعطيني كذا - فهذا جائز؛ لأنه توسل من العبد إلى ربه بعمله الصالح، ومن هذا ما ثبت من توسل أصحاب الغار الثلاثة بأعمالهم الصالحة (٣).

стр. 275

الثالث: أن يسأل الله بجاه أنبيائه أو ولي من أوليائه بأن يقول: (اللهم إني أسألك بجاه نبيك أو بجاه الحسين) مثلاً- فهذا لا يجوز؛ لأن جاه أولياء الله وإن كان عظيماً عند الله وخاصة حبيبنا محمد ﷺ غير أنه ليس سبباً شرعياً ولا عادياً لاستجابة الدعاء؛ ولهذا عدل الصحابة حينما أجدبوا عن التوسل بجاهه ﷺ في دعاء الاستسقاء إلى التوسل بدعاء عمه العباس مع أن جاهه ﵊ فوق كل جاه، ولم يعرف عن الصحابة ﵃ أنهم توسلوا به ﷺ بعد وفاته وهم خير القرون وأعرف الناس بحقه وأحبهم له. الرابع: أن يسأل العبد ربه حاجته مقسماً بوليه أو نبيه أو بحق نبيه أو بحق أوليائه بأن يقول: (اللهم إني أسألك كذا بوليك فلان أو بحق نبيك فلان)، فهذا لا يجوز، فإن القسم بالمخلوق على المخلوق ممنوع، وهو على الله الخالق أشد منعاً، ثم لا حقّ لمخلوق على الخالق بمجرد طاعته له سبحانه حتى يقسم به على الله أو يتوسل به. هذا هو الذي تشهد له الأدلة، وهو الذي تصان به العقيدة الإسلامية وتسد به ذرائع الشرك" (١). وأقسام التوسل عند أهل السنة والجماعة قسمان (٢): ١ - توسل مشروع. ٢ - توسل ممنوع. أولاً- التوسل المشروع: كل توسل جاءت به الشريعة، ووضحه الرسول ﷺ أو حثنا عليه وفعله الصحابة عليهم رضوان الله؛ وهو أنواع:

стр. 276

١ - التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته (١)، كما في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الأعراف: ١٨٠، أي أن السائل يسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى كما جاء في السنة عن عبد الله بن بريدة: (أن الرسول ﷺ سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلاَّ أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. قال: فقال: والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم) (٢). وعليه فالشيخ ﵀ يقرر جواز التوسل بالقرآن الكريم، فيقول: "يجوز التوسل بالقرآن؛ لأنه كلام الله لفظاً ومعنى، وكلامه تعالى صفة من صفاته، فالتوسل به توسل إلى الله بصفة من صفاته، وهذا لا ينافي التوحيد وليس ذريعة من ذرائع الشرك، وكذلك التوسل إلى الله ببركة القرآن" (٣). وإن أعلى أنواع التوسل إلى الله تعالى وأقربها إجابة، التوسل إليه بذاته العلية وأسمائه الحسنى وصفاته العلى. لأنه تمجيد وتقديس وثناء على الله تعالى وهو كما أثنى على نفسه، والقرآن والسنة مكتظة بالأمثلة على الحض على التوسل إليه تعالى. ٢ - التوسل بالأعمال الصالحة (٤): ويكون ذلك على وجهين: الأول: أن يتوسل بالعمل الصالح إلى إجابة الدعاء كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ البقرة: ١٢٧، وحديث الثلاثة الذين أووا إلى غار فانحدرت صخرة من جبل فسدت

стр. 277

عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلاَّ أن تدعوا الله بصالح أعالكم. فدعى كل واحد منهم الله وتوسل بعمل صالح فعله ابتغاء وجه الله، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون (١).وكذلك التوسل إلى الله بذكر حال الداعي المبينة لاضطراره وحاجته (٢) كقول موسى ﵇: قال تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ القصص: ٢٤. والثاني: التوسل بالعمل الصالح من أجل الحصول على ثواب الله وجنته ورضوانه؛ لأن الأعمال الصالحة التي أمرنا الرسول ﷺ بها هي الوسيلة التامة لله والدار الآخرة. ومثل هذا كقول المؤمنين عند قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣)﴾ آل عمران: ١٩٣، وأصل العمل الصالح بل أصل الإيمان والإسلام هو الإيمان بالرسول ﷺ وطاعته، لذا كان التوسل بالإيمان به وطاعته توسلاً مشروعاً. ٣ - التوسل بدعاء الغير: إن طلب الدعاء مشروع من كل مؤمن لكل مؤمن (٣) كما في قول الرسول ﷺ عن أويس (٤): (فمن لقيه منكم فليستغفر لكم) (٥) كذلك فإن الصحابة عليهم رضوان الله كانوا يطلبون من الرسول ﷺ أن يدعو لهم كما في الصحيحين (٦)، عن أنس ﵁ قال: دخل رجل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﷺ

стр. 278

قائم يخطب، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا، فرفع رسول الله؛ يديه ثم قال: (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا ...). وهذا في حال حياته فقط ﵊. ثانياً: التوسل الممنوع: هو توسل العبد إلى الله بوسيلة لم ترد بالكتاب والسنة، كالتوسل إلى الله بذوات الأنبياء والملائكة والصالحين والعرش والكرسي والكعبة (١). ولهذا التوسل ثلاثة أوجه هي: ١ - التوسل بوسيلة سكت عنها الشرع، وهو في الواقع محرم، وفيه نوع من الشرك ويتلخص في التوسل بذوات الأموات: كأن يقول المتوسل: اللهم إني أتوسل إليك بالنبي أن تقضي حاجتي (٢). وهذا النوع لم يرد في الكتاب والسنة ما يدل على صحة التوسل به، بل إن السنة الصحيحة عن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين ترده ففي حديث الاستسقاء قال عمر ﵁: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا) (٣). فهذا يدل على أنهم كانوا يتوسلون بدعاء النبي ﷺ وليس بذاته؛ لأنه لو كان التوسل بالذات لتوسلوا به بعد موته؛ لأن الرسول ﷺ أعظم من ذات العباس، ولكن التوسل كان بالدعاء وليس بالذات وهذا في حياته، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة غيره. فعلم أن المشروع عند الصحابة التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته (٤). ٢ - التوسل إلى الله بجاه أحد الخلائق أو حقه أو حرمته: كأن يقول المتوسل: اللهم إني أتوسل إليك يجاه فلان أو بحق فلان عندك أن تقضي حاجتي. وهذا الوجه من التوسل يقضي أن المتوسل به من الأنبياء والصالحين وغيرهم لهم جاه عند الله وهذا صحيح؛ فإن هؤلاء لهم عند الله منزلة وجاه وحرمة تقضي أن يرفع الله درجاتهم ويعظم أقدارهم

стр. 279

ويقبل شفاعتهم إذا شفعوا بعد إذنه لقوله تعالى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ البقرة: ٢٥٥، ولكن هذا الجاه والحرمة سبب أجنبي عن المتوسل ولا علاقة بينه وبين إجابة الدعاء، بل هذا من الاعتداء بالدعاء. وهذا الجاه والحرمة ينفع المتوسل إذا دعوا له وشفعوا فيه. فأما إذا لم يكن منهم دعاء ولا شفاعة، لم يكن سؤاله بجاههم نافعاً له؛ لأن الله لم يجعله سبباً لإجابة الدعاء (١). وعليه فالشيخ ﵀ يقرر عدم جواز التوسل بيوم من الأيام، فيقول: "أما التوسل بيوم من الأيام مثل (أدعوك ربي بحق يوم عرفه) وما شابهه، فلا يجوز، لأنه توسل بمخلوق فهو ذريعة إلى الشرك، ولأن ذلك مخالف للأدلة الشريعة، مثل قوله ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) (٢) " (٣). ٣ - الإقسام على الله بالمتوسل به: ومثاله أن يقول المتوسل اللهم إني أقسم عليك بفلان أن تقضي حاجتي، وهذا لا يجوز لأن الأصل في القسم والحلف أن يكون بالله تعالى لقوله ﷺ : (من كان حالفاً فليحلف بالله، أو ليصمت) (٤)، وقوله ﷺ : (من حلف بغير الله فقد أشرك) (٥)، فيتعين أنه لا يجوز القسم بمخلوق على مخلوق؛ فكيف يجوز الحلف بالمخلوقات على الخالق الذي هو أجل وأعظم من أن يقسم عليه بمخلوقاته، بل هو الذي يقسم به على مخلوقاته (٦).

стр. 280

ب- التوسل بالنبي ﷺ : يقرر الشيخ ﵀ المعنى الصحيح لحديث توسل الأعمى بالنبي ﷺ واستشفاعه به أن يرد الله تعالى بصره (١)؛ فيقول: "بيّن ابن تيمية (٢) ﵀ أنه على تقدير صحته فليس فيه دليل على التوسل بذات النبي ﷺ ، بل فيه التوسل إلى الله بدعائه ﷺ ربه أن يرد إلى هذا الأعمى بصره" (٣). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا الأعمى شفع له النبي ﷺ ؛ فلهذا قال في دعائه: (اللهم فشفعه في) فعلم أنه شفيع فيه، ولفظه: (إن شئت صبرت، وإن شئت دعوت لك) فقال: ادع لي، فهو طلب من النبي ﷺ أن يدعو له، فأمره النبي ﷺ أن يصلي ويدعو هو أيضاً لنفسه ويقول في دعائه: (اللهم شفعه في)، فدل ذلك على أن معنى قوله: (أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد) أي: بدعائه وشفاعته، كما قال عمر ﵁: (اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبيك فتسقينا). فالحديثان معناهما واحد: فهو ﷺ علم رجلاً أن يتوسل به في حياته كما ذكر عمر ﵁ أنهم كانوا يتوسلون به إذا أجدبوا ثم إنهم بعد موته إنما كانوا يتوسلون بغيره بدلاً عنه. فلو كان التوسل به حياً وميتاً سواء، والمتوسل به الذي دعا له الرسول كمن لم يدع له الرسول، لم يعدلوا عن التوسل به وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه وأقربهم إليهم وسيلة- إلى أن يتوسلوا بغيره ممن ليس مثله.

стр. 281

وكذلك لو كان الأعمى توسل به ولم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى، لكان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى، فعدولهم عن هذا إلى هذا- مع أنهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فإنهم أعلم منا بالله ورسوله وبحقوق الله ورسوله وما يشرع من الدعاء وينفع وما لم يشرع ولا ينفع وما يكون أنفع من غيره، وهم في وقت الضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير وإنزال الغيث بكل طريق ممكن- دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه" (١). وهذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب، وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه ﷺ ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره (٢).

стр. 282

والتوسل بالنبي ﷺ ينقسم إلى قسمين: أولاً: التوسل بالإيمان برسول الله ﷺ وطاعته. وهذا فرض عين على كل مسلم في كل حال، ولا يسقط عن أحد من الخلق بعد قيام الحجة عليه، ولا يعذر فيه بأي عذر. وقد جعل الله الإيمان بالرسول ﷺ وطاعته وسيلة إلى كل خير ورحمة في الدنيا والآخرة. ويقع التوسل بهذا النوع على وجهين: - فتارة يتوسل المسلم بالإيمان بالرسول وطاعته ومحبته إلى ثواب الله وجنته. - وتارة يتوسل بذلك في الدعاء فيقول مثلا: اللهم بإيماني بنبيك وطاعتي له وحبي إياه اغفر لي. ثانياً: التوسل بدعائه ﷺ وشفاعته، وذلك في حياته. كما كان الصحابة يفعلونه مع النبي ﷺ من طلب الدعاء منه - كما في حديث الأعمى-، والاستغفار لهم، وطلب السقيا لهم. كما يكون في الآخرة بطلب الخلق منه أن يشفع لهم عند ربهم للقضاء بين العباد وهذا هو المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون. وهذا النوع من التوسل يقع على وجهين أيضاً: الأول: أن يطلب من الرسول ﷺ الدعاء والشفاعة فيدعو ويشفع كما كان الصحابة يطلبون منه فيدعو لهم. وكما يطلب الخلق منه ذلك في يوم القيامة. وأحاديث الاستسقاء وغيرها توضح ذلك أتم توضيح. الثاني: أن يضيف إلى ذلك سؤال الله تعالى بشفاعة نبيه ودعائه وذلك كما في حديث الأعمى فإنه طلب من الرسول ﷺ الدعاء والشفاعة، فدعا له الرسول وشفع فيه وأمره أن يدعو الله فيقول: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليه بنبيك محمد نبي الرحمة) الحديث. وفيه: (اللهم فشفعه في) فأمره أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه. وهذا النوع من التوسل لا يجوز إلا في حياته ﷺ أما بعد مماته فلا يجوز بحال من الأحوال فلا يطلب منه الدعاء لا عند قبره، ولا في أي مكان آخر. ولم يفعل ذلك الصحابة والتابعون ولا من بعدهم. ولم ينقل عنهم بوجه صحيح أن ذلك جائز (١).

стр. 283

٥ - قول ما شاء الله وشئت وما في معناه: يقرر الشيخ ﵀ خطر هذه الأقوال؛ فيقول: "يجري على ألسنة كثير من المسلمين من قولهم: ما شاء الله وشئت، لولا الله وأنت، ونحو ذلك، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، وأرشد من قاله إلى أن يقول: (ما شاء الله وحده- أو- ما شاء الله ثم شئت)؛سداً لذريعة الشرك الأكبر من اعتقاد شريك لله في إرادة حدوث الكونيات ووقوعها، وفي معنى ذلك قولهم: توكلت على الله وعليك، وقولهم: لولا صياح الديك أو البط لسرق المتاع" (١). عن قتيلة (٢) ﵂: أن يهودياً أتى النبي ﷺ ، فقال: إنكم تُشركون؛ تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. (فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أنْ يحلفوا، أنْ يقولوا: ورب الكعبة، ويقولوا: ما شاء الله ثم شئت) (٣). "والعبد وإن كان له مشيئةٌ فمشيئته تابعة لمشيئة الله، ولا قدرة له على أن يشاء شيئاً إلا إذا كان الله قد شاءه، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ التكوير: ٢٨ - ٢٩، وقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ الإنسان: ٢٩ - ٣٠. وفي هذه الآيات والحديث: الردُّ على القدرية والمعتزلة نفاة القدر، الذين يُثبتون للعبد مشيئةً تخالف ما أراده الله تعالى من العبد وشاءه.

стр. 284

وأما أهل السنَّة والجماعة فتمسكوا بالكتاب والسنَّة في هذا الباب وغيره واعتقدوا أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى في كل شيء مما يوافق ما شرعه الله وما يخالفه: من أفعال العباد وأقوالهم. فالكلُّ بمشيئة الله وإرادته. فما وافق ما شرعه رضيه وأحبه، وما خالفه كرهه من العبد، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ الزمر: ٧.وعن ابن عباس ﵄: أن رجلاً قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، قال: (أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده) (١). وهذا يقرر ما تقدَّم من أن هذا شرك؛ قال: (أجعلتني لله نداً؟) فيه: بيان أن من سوَّى العبد بالله ولو في الشرك الأصغر فقد جعله نداً لله، شاء أم أبى، خلافاً لما يقوله الجاهلون، مما يختص بالله تعالى من عبادة، وما يجب النهي عنه من الشرك بنوعيه. و (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) (٢) " (٣). قال الشيخ الألباني (٤) ﵀: "وفي هذه الأحاديث أن قول الرجل لغيره (ما شاء الله وشئت) يعتبر شركا في نظر الشارع، وهو من شرك الألفاظ، لأنه يوهم أن مشيئة العبد في درجة مشيئة الرب ، وسببه القرن بين المشيئتين ... " (٥)

стр. 285

المبحث الثالث نواقض توحيد الأسماء والصفات توحيد الله في أسمائه وصفاته يتضمن إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من صفات الكمال والجلال، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ من صفات النقصان، وعلى ذلك يكون من نفى شيئًا مما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ كمن نفى قدرة الله، أو قيوميته أو بصره أو استواءه أو علمه أو كلامه، وغير ذلك مما هو ثابت لله في القرآن وفي السنة- فقد كفر، ويدخل في ذلك من أنقص كمال صفات الله ، كمن قال -مثلاً-: إن الله عليم، ولكنه علم إجمالي، وأنه سبحانه لا يعلم بالجزئيات والتفصيلات. وكذلك من شبه صفات الله بصفات المخلوقين، كمن ادعى أن الله يبصر كما يبصر البشر، أو يسمع كسمع البشر، أو يتكلم ككلام البشر، وفي ذلك قدح فيما نفاه الله- عن نفسه من صفات النقصان، وكذلك يكفر من أثبت لله أية صفة نفاها سبحانه عن نفسه أو نفاها عنه الرسول ﷺ ، كمن أثبت لله الصاحبة أو الولد أو البنات، أو من أثبت لله النوم أو الموت أو الغفلة، وكل هذه النواقص لا تجوز في حق الله تعالى، وكذلك يكفر كل من ادعى لنفسه صفة من صفات الله، أو أثبت هذه الصفة لأي مخلوق، كقول من قال: عندي من الحكمة كما عند الله. أو قال: أنا أعلم كعلم الله. فيكفر من قال ذلك، وكذلك يكفر من يصدقه في دعواه (١).
следующие страницы →