وكذلك لو كان الأعمى توسل به ولم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى، لكان عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى، فعدولهم عن هذا إلى هذا- مع أنهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فإنهم أعلم منا بالله ورسوله وبحقوق الله ورسوله وما يشرع من الدعاء وينفع وما لم يشرع ولا ينفع وما يكون أنفع من غيره، وهم في وقت الضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات وتيسير العسير وإنزال الغيث بكل طريق ممكن- دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه" (١).
وهذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب، وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه ﷺ ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره (٢).
стр. 282
والتوسل بالنبي ﷺ ينقسم إلى قسمين:
أولاً: التوسل بالإيمان برسول الله ﷺ وطاعته. وهذا فرض عين على كل مسلم في كل حال، ولا يسقط عن أحد من الخلق بعد قيام الحجة عليه، ولا يعذر فيه بأي عذر. وقد جعل الله الإيمان بالرسول ﷺ وطاعته وسيلة إلى كل خير ورحمة في الدنيا والآخرة.
ويقع التوسل بهذا النوع على وجهين:
- فتارة يتوسل المسلم بالإيمان بالرسول وطاعته ومحبته إلى ثواب الله وجنته.
- وتارة يتوسل بذلك في الدعاء فيقول مثلا: اللهم بإيماني بنبيك وطاعتي له وحبي إياه اغفر لي.
ثانياً: التوسل بدعائه ﷺ وشفاعته، وذلك في حياته. كما كان الصحابة يفعلونه مع النبي ﷺ من طلب الدعاء منه - كما في حديث الأعمى-، والاستغفار لهم، وطلب السقيا لهم.
كما يكون في الآخرة بطلب الخلق منه أن يشفع لهم عند ربهم للقضاء بين العباد وهذا هو المقام المحمود الذي يغبطه عليه الأولون والآخرون.
وهذا النوع من التوسل يقع على وجهين أيضاً:
الأول: أن يطلب من الرسول ﷺ الدعاء والشفاعة فيدعو ويشفع كما كان الصحابة يطلبون منه فيدعو لهم. وكما يطلب الخلق منه ذلك في يوم القيامة. وأحاديث الاستسقاء وغيرها توضح ذلك أتم توضيح.
الثاني: أن يضيف إلى ذلك سؤال الله تعالى بشفاعة نبيه ودعائه وذلك كما في حديث الأعمى فإنه طلب من الرسول ﷺ الدعاء والشفاعة، فدعا له الرسول وشفع فيه وأمره أن يدعو الله فيقول: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليه بنبيك محمد نبي الرحمة) الحديث. وفيه: (اللهم فشفعه في) فأمره أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه.
وهذا النوع من التوسل لا يجوز إلا في حياته ﷺ أما بعد مماته فلا يجوز بحال من الأحوال فلا يطلب منه الدعاء لا عند قبره، ولا في أي مكان آخر. ولم يفعل ذلك الصحابة والتابعون ولا من بعدهم. ولم ينقل عنهم بوجه صحيح أن ذلك جائز (١).
стр. 283
٥ - قول ما شاء الله وشئت وما في معناه:
يقرر الشيخ ﵀ خطر هذه الأقوال؛ فيقول: "يجري على ألسنة كثير من المسلمين من قولهم: ما شاء الله وشئت، لولا الله وأنت، ونحو ذلك، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، وأرشد من قاله إلى أن يقول: (ما شاء الله وحده- أو- ما شاء الله ثم شئت)؛سداً لذريعة الشرك الأكبر من اعتقاد شريك لله في إرادة حدوث الكونيات ووقوعها، وفي معنى ذلك قولهم: توكلت على الله وعليك، وقولهم: لولا صياح الديك أو البط لسرق المتاع" (١).
عن قتيلة (٢) ﵂: أن يهودياً أتى النبي ﷺ ، فقال: إنكم تُشركون؛ تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. (فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أنْ يحلفوا، أنْ يقولوا: ورب الكعبة، ويقولوا: ما شاء الله ثم شئت) (٣).
"والعبد وإن كان له مشيئةٌ فمشيئته تابعة لمشيئة الله، ولا قدرة له على أن يشاء شيئاً إلا إذا كان الله قد شاءه، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ التكوير: ٢٨ - ٢٩، وقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ الإنسان: ٢٩ - ٣٠.
وفي هذه الآيات والحديث: الردُّ على القدرية والمعتزلة نفاة القدر، الذين يُثبتون للعبد مشيئةً تخالف ما أراده الله تعالى من العبد وشاءه.
стр. 284
وأما أهل السنَّة والجماعة فتمسكوا بالكتاب والسنَّة في هذا الباب وغيره واعتقدوا أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى في كل شيء مما يوافق ما شرعه الله وما يخالفه: من أفعال العباد وأقوالهم. فالكلُّ بمشيئة الله وإرادته. فما وافق ما شرعه رضيه وأحبه، وما خالفه كرهه من العبد، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ الزمر: ٧.وعن ابن عباس ﵄: أن رجلاً قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، قال: (أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده) (١).
وهذا يقرر ما تقدَّم من أن هذا شرك؛ قال: (أجعلتني لله نداً؟) فيه: بيان أن من سوَّى العبد بالله ولو في الشرك الأصغر فقد جعله نداً لله، شاء أم أبى، خلافاً لما يقوله الجاهلون، مما يختص بالله تعالى من عبادة، وما يجب النهي عنه من الشرك بنوعيه. و (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) (٢) " (٣).
قال الشيخ الألباني (٤)
﵀: "وفي هذه الأحاديث أن قول الرجل لغيره (ما شاء الله وشئت) يعتبر شركا في نظر الشارع، وهو من شرك الألفاظ، لأنه يوهم أن مشيئة العبد في درجة مشيئة الرب ، وسببه القرن بين المشيئتين ... " (٥)
стр. 285
المبحث الثالث
نواقض توحيد الأسماء والصفات
توحيد الله في أسمائه وصفاته يتضمن إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من صفات الكمال والجلال، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ من صفات النقصان، وعلى ذلك يكون من نفى شيئًا مما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ كمن نفى قدرة الله، أو قيوميته أو بصره أو استواءه أو علمه أو كلامه، وغير ذلك مما هو ثابت لله في القرآن وفي السنة- فقد كفر، ويدخل في ذلك من أنقص كمال صفات الله ، كمن قال -مثلاً-: إن الله عليم، ولكنه علم إجمالي، وأنه سبحانه لا يعلم بالجزئيات والتفصيلات.
وكذلك من شبه صفات الله بصفات المخلوقين، كمن ادعى أن الله يبصر كما يبصر البشر، أو يسمع كسمع البشر، أو يتكلم ككلام البشر، وفي ذلك قدح فيما نفاه الله- عن نفسه من صفات النقصان، وكذلك يكفر من أثبت لله أية صفة نفاها سبحانه عن نفسه أو نفاها عنه الرسول ﷺ ، كمن أثبت لله الصاحبة أو الولد أو البنات، أو من أثبت لله النوم أو الموت أو الغفلة، وكل هذه النواقص لا تجوز في حق الله تعالى، وكذلك يكفر كل من ادعى لنفسه صفة من صفات الله، أو أثبت هذه الصفة لأي مخلوق، كقول من قال: عندي من الحكمة كما عند الله. أو قال: أنا أعلم كعلم الله. فيكفر من قال ذلك، وكذلك يكفر من يصدقه في دعواه (١).
стр. 286
وعليه فقد بين الشيخ عبد الرزاق ﵀ بأنه لا بد من: "الاقتداء بسلف هذه الأمة في خير قرونها، بأن تمر نصوص الأسماء والصفات كما جاءت وتفسر بمعانيها التي تدل عليها حقيقة في لغة العرب التي بها نزل القرآن وكانت لسان النبي ﷺ ، مع تفويض العلم بكيفيتها إلى الله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١،ولا يلزم من ذلك تشبيه الله بعباده؛ ونؤمن بذات لله تعالى على الحقيقة، مع الكف عن الخوض في كنهها.
وذلك لأن الله أعلم بنفسه من خلقه وأرحم بهم منهم بأنفسهم وكلامه أبلغ كلام وأبينه، وله سبحانه الحكمة البالغة فيستحيل أن تتوارد النصوص وتتتابع الآيات والأحاديث على إثبات أسماء الله وصفاته بطريقة ظاهرة واضحة والمراد غير ما دلت عليه حقيقة، ويقصد الله منها أو يقصد رسوله ﵊ إلى معان مجازية من غير أن ينصب من كلامه دليلاً على ما أراد من المعاني المجازية اعتماداً على ما أودع عباده من العقل وقوة الفكر، فإن ذلك لا يتفق مع كمال علمه تعالى وسعة رحمته وفصاحة كلامه وقوة بيانه وبالغ حكمته، ولأن يتركهم الله دون أن يعرفهم ويعرفهم به رسوله ﷺ بوحيه، خير لهم وأيسر سبيلا، لعدم وجود المعارض للشبه الباطلة التي زعموها أدلة وبراهين وما هي إلا الخيالات ووساوس الشيطان، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً فمن جحد شيئاً من هذه النصوص أو تأولها على معان من غير دليل يرشد إلى ما تأولها عليه فقد ألحد في آيات الله وأسمائه وصفاته وحق عليه ما توعد الله به الملحدين في ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ فصلت: ٤٠، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ الأعراف: ١٨٠.
وقد زادت السنة عن نصوص الكتاب في إثبات الأسماء والصفات توكيداً وبياناً فقضت على قول كل متأول يحرف كلام الله عن مواضعه، كما فعلت اليهود في تحريفها لكتاب ربها وتلاعبها بشريعة نبيها" (١).
стр. 287
وذكر الشيخ عبد الرزاق ﵀ بطلان تأويل الصفات فقال: "ومن تأمل كيفية ورود آيات الصفات في القرآن والسنة علم قطعاً بطلان تأويلها بما يخرجها عن حقائقها فإنها وردت على وجه لا يحتمل معه التأويل بوجه" (١).
ومثل على هذا بقوله: " وانظر إلى قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الأنعام: ١٥٨، هل يحتمل هذا التقسيم والتنويع تأويل إتيان الله ﷻ بإتيان ملائكته أو آياته وهل يبقى مع هذا السياق شبهة أصلاً أنه إتيانه بنفسه. وكذلك قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ النساء: ١٦٣ - ١٦٤، ففرق بين الإيحاء العام والتكلم الخاص وجعلهما نوعين ثم أكد فعل التكلم بالمصدر الرافع لتوهم ما يقوله المحرفون.
وكذلك قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ الشورى: ٥١، فنوع تكليمه إلى تكليم بواسطة وتكليم بغير واسطة وكذلك قوله لموسى ﵇: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ الأعراف: ١٤٤، ففرق بين الرسالة والكلام وإنما تكون الرسالة بكلامه وكذلك قول النبي ﵊: (إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون القمر ليلة البدر في الصحو ليس دونه سحاب وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب) (٢)، والاحتراز ينافي إرادة التأويل. ولا يرتاب في هذا من له عقل ودين" (٣).
стр. 288
قال شيخ الإسلام ﵀: " ومذهب سلف الأمة وأئمتها أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ فلا يجوز نفي صفات الله التي وصف بها نفسه، ولا يجوز تمثيلها بصفات المخلوقين؛ بل هو سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ " (١) والشواهد في هذا الباب كثيرة (٢).
وقال شيخ الإسلام ﵀: " وأما السلف والأئمة فلم يدخلوا مع طائفة من الطوائف فيما ابتدعوه من نفي وإثبات؛ بل اعتصموا بالكتاب والسنة ورأوا ذلك هو الموافق لصريح العقل؛ فجعلوا كل لفظ جاء به الكتاب والسنة من أسمائه وصفاته حقاً يجب الإيمان به وإن لم تعرف حقيقة معناه، وكل لفظ أحدثه الناس فأثبته قوم ونفاه آخرون فليس علينا أن نطلق إثباته ولا نفيه حتى نفهم مراد المتكلم. فإن كان مراده حقاً موافقاً لما جاءت به الرسل والكتاب والسنة من نفي وإثبات قلنا به، وإن كان باطلاً مخالفاً لما جاء به الرسل والكتاب والسنة من نفي وإثبات منعنا القول به، ورأوا أن الطريقة التي جاء بها القرآن هي الطريقة الموافقة لصريح المعقول وصحيح المنقول، وهي طريقة الأنبياء والمرسلين" (٣).
стр. 289
المطلب الأول
الإلحاد في أسماء الله وصفاته
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: "ومن الشرك الأكبر أن يجعل الإنسان لله نداً؛ في أسمائه وصفاته، فيسميه بأسماء الله ويصفه بصفاته، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ الأعراف: ١٨٠، ومن الإلحاد في أسمائه تسمية غيره باسمه المختص به أو وصفه بصفته كذلك" (١).
اللفظ الجامع لأنواع المخالفات في توحيد الأسماء والصفات هو الإلحاد ولذا ختم به ابن القيم ﵀ القول في المسائل العشرين في باب الأسماء والصفات التي ساقها في بدائع الفوائد وقال بأن معرفته هي الجامعة للوجوه المتقدمة كلها ... وأنه لا بد من معرفة الإلحاد في أسمائه ليحذر من الوقوع فيه (٢).
والإلحاد في اللغة: هو الميل والعدول عن الشيء، ومنه اللحد في القبر لانحرافه إلى جهة القبلة، ومنه الملحد في الدين المائل عن الحق إلى الباطل (٣).
وفي الاصطلاح: هو العدول بأسماء الله وصفاته وآياته عن الحق الثابت (٤) وعليه فالإلحاد يقع في أمرين؛ الأول: في الأسماء والصفات؛ والثاني: في الآيات.
أنواع الإلحاد:
ولا يُعرف الإلحاد إلا بمعرفة الاستقامة؛ لأنه كما قيل: بضدها تتبين الأشياء. فالاستقامة في باب أسماء الله وصفاته أن نجري هذه الأسماء والصفات على حقيقتها اللائقة بالله ، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، على القاعدة التي يمشي عليها أهل السنة والجماعة في هذا الباب، فإذا عرفنا الاستقامة في هذا الباب فإن
стр. 290
خلاف الاستقامة هو الإلحاد، وقد ذكر أهل العلم للإلحاد في أسماء الله تعالى أنواعاً يجمعها أن نقول: هو الميل بها عما يجب اعتقاده فيها. وهو على أنواع:
النوع الأول: إنكار شيء من الأسماء، أو مما دلت عليه من الصفات، ومثاله:- من ينكر أن اسم الرحمن من أسماء الله تعالى كما فعل أهل الجاهلية.
أو يثبت الأسماء، ولكن ينكر ما تضمنته من الصفات، كما يقول بعض المبتدعة (١): إن الله تعالى رحيم بلا رحمة، وسميع بلا سمع.
يقول الشيخ محمد بن عثيمين: "إنكار شيء من أسماء الله أو صفاته نوعان:
أ- إنكار تكذيب، وهذا كفر بلا شك فلو أن أحداً أنكر أسماً من أسماء الله، أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة مثل: أن يقول ليس لله يد، فهو كافر بإجماع المسلمين؛ لأن تكذيب خبر الله ورسوله كفرٌ مخرج عن الملة.
ب- إنكار تأويل، وهو أن يجحدها، ولكن يؤولها، وهذا نوعان:
١ - أن يكون لهذا التأويل مسوغ في اللغة العربية فهذا لا يوجب الكفر.
٢ - أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية، فهذا موجب للكفر، لأنه نفاها نفياً مطلقاً فهو مكذّب حقيقة، ولو قال في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ المائدة: ٦٤، المراد بيديه السماوات والأرض فهو كافر، لأنه لا يصح في اللغة العربية، ولا هو مقتضى الحقيقة الشرعية فهو منكر مكذب، لكن إن قال المراد باليد النعمة أو القوة، فلا يكفر؛ لأن اليد في اللغة تطلق على النعمة" (٢).
стр. 291
النوع الثاني: أن يسمى الله بما لم يسم نفسه.
ووجه كونه إلحاداً: أن أسماء الله توقيفية، فلا يحل لأحد أن يسمي الله تعالى باسم لم يسم به نفسه؛ لأن هذا من القول على الله بلا عِلْم، ومن العدوان في حق الله ، وذلك كما فعل بعض الفلاسفة فسموا الإله بالعلة الفاعلة، وكما فعل النصارى فسموا الله تعالى باسم الأب ونحو ذلك.
النوع الثالث: أن يعتقد أن هذه الأسماء دالة على أوصاف المخلوقين فيجعلها دالة على التمثيل.
ووجه كونه إلحاداً: أن من اعتقد أن أسماء الله دالة على تمثيل الله بخلقه. فقد أخرجها عن مدلولها ومال بها عن الاستقامة، وجعل كلام الله وكلام رسوله ﷺ دالاً على الكفر، لأن تمثيل الله بخلقه كفر، لكونه تكذيباً لقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١، ولقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ مريم: ٦٥. قال نعيم بن حماد الخزاعي (١)
شيخ البخاري رحمها الله: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه تشبيه" (٢).
النوع الرابع: أنه يشتق من أسماء الله تعالى أسماء الأصنام، كاشتقاق اللات من الإله، والعُزَّى من العزيز، ومَنَاة من المّنَّان (٣).
стр. 292
المطلب الثاني
التحريف في أسماء الله وصفاته
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: "يبعد أن تتوارد النصوص على إثبات أمر في أصول الدين، والمراد خلافه من غير دليل يرشد إلى ذلك اعتماداً على ما أودعه الله عبادة من العقول" (١). ويقول كذلك ﵀: "الأصل الحقيقة حتى يكون دليل من العقل أو النقل" (٢).
ويبين ﵀ بأنه: "يجب الإيمان بالصفات جميعها دون إرجاع بعضها إلى الآخر" (٣).
التحريف: لغة: هو التغيير والإمالة (٤)، وقيل: تحريف الكلام: العدول به عن وجهته (٥).
وفي الاصطلاح: هو تغيير النص لفظاً أو معنى، وبعضهم يقول: تغيير ألفاظ الأسماء والصفات، أو تغيير معانيها (٦).
أقسامه وأمثلته: التحريف قسمان:
١ - تحريف اللفظ: كمحاولة بعض المبتدعة قراءة قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ النساء: ١٦٤، بنصب لفظ الجلالة؛ وذلك لنفي صفة الكلام عن الله سبحانه وجعل الكلام لموسى.
ويروى أن جهمياً طلب من أبي عمرو بن العلاء أحد القراء أن يقرأ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾، بنصب لفظ الجلالة فقال له: هبني فعلت ذلك فما تصنع بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ الأعراف: ١٤٣، فبهت الجهمي (٧).
стр. 293
٢ - تحريف المعنى: وهو إبقاء اللفظ كما كان وصرف معناه عن المراد به؛ مثل تأويل الاستواء بالاستيلاء، واليد بالنعمة (١)؛ كتأويلات الأشاعرة الذين ساروا في تأويلاتهم عبر طريقين:
الأول: تأويل الصفات التي ينفونها بصفة يثبتونها؛ كتأويل الرضا بالإرادة.
الثاني: تأويل الصفات التي ينفونها ببعض المخلوقات من النعم أو العقوبات؛ كتأويل الرضا بالثواب أو الجنة، والغضب بالعقاب أو النار. وفوق ذلك غلو تحريف الجهمية الذي قادها للتعطيل الكلي، وأشد منه كفراً تحريفات الباطنية وغلاة الصوفية (٢).
والتحريف محرم لأنه تغيير لكلام الله سبحانه، وقول على الله بلا علم. وقد ذم الله الذين يحرفون الكلم عن مواضعه من بني إسرائيل وغيرهم. والمحرفون فيهم شبه من اليهود والنصارى.
وقد يصل التحريف إلى حد الكفر؛ وهذا إذا كان تكذيباً، أما إن كان التحريف تأويلاً فهذا منه ما قد يكون خطأً معفواً عنه (٣)؛ ولهذا قال شارح الطحاوية: "وكل من التحريف والانحراف على مراتب؛ فقد يكون كفراً، وقد يكون فسقاً، وقد يكون معصية، وقد يكون خطأ" (٤).
أما وجه ذلك فكما بينه الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ بقوله: إن كان هذا التأويل باعثه الهوى والتعصب وليس عليه دليل فهو كفر لأن حقيقته التكذيب، وإن كان باعثه الهوى والتعصب وله وجهه في لغة العرب فهو فسق، إلا إذا تضمن عيباً في حق الله فهو كفر، وإن صدر هذا التحريف عن اجتهاد وحسن نية وله وجه في اللغة العربية فهو خطأ، لأن الله سبحانه لا يكلف نفساً إلا وسعها (٥).
стр. 294
المطلب الثالث
التعطيل في أسماء الله وصفاته (١)
التعطيل في اللغة: مأخوذ من العطل الذي هو الخلو والفراغ والترك؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ الحج: ٤٥، أي تركها أهلها وأهملوا ورودها، ومنه: "جيد عاطل" أي خال من الزينة (٢).
وفي الاصطلاح: هو تخلية الله من صفاته؛ أي نفي صفاته سبحانه وإنكار قيامها بذاته جل شأنه (٣).
أقسام التعطيل:
من أهل العلم من قسم التعطيل إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: إنكار الأسماء والصفات كمذهب جهم.
القسم الثاني: إنكار الصفات وإثبات الأسماء كطريقة أهل الاعتزال.
القسم الثالث: إثبات الأسماء وبعض الصفات كمذهب الكلابية والأشاعرة.
القسم الرابع: وصف الله بسلب النقيضين وهو مذهب الباطنية الملاحدة الذين قالوا: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت (٤).
ولابن القيم ﵀ تقسيم آخر ينظر فيه إلى لفظ التعطيل نظرة شمولية لا تقتصر على توحيد الأسماء والصفات بل تشمل التعطيل في أنواع التوحيد كلها، قال ﵀:
التعطيل ثلاثة أقسام:
الأول: تعطيل المصنوع من صانعه، كتعطيل الفلاسفة الذين زعموا قدم هذه المخلوقات وأنها تتصرف بطبيعتها، وكتعطيل الدهرية القائلين: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ الجاثية: ٢٤، وتعطيل الشيوعين القائلين لا إله والحياة مادة.
الثاني: تعطيل الصانع من كماله المقدس بتعطيله من أسمائه وصفاته؛ كتعطيل الجهمية.
стр. 295
الثالث: تعطيل حق معاملته بترك عبادته كفعل الكافرين أو عبادة غيره معه كفعل المشركين (١).
ويتضح مما سبق أنه تناول توحيد الربوبية والأسماء والصفات والألوهية في تقسيمه ﵀.
حكم التعطيل:
أما حكم التعطيل فقد يكون ناقضاً لأصل التوحيد أو لكماله؛ أي أنه قد يكون كفراً، وقد يكون دون ذلك؛ فإن كان تكذيباً فهو كفر، وإن كان تأويلاً فيجري فيه حكم التأويل، ومن التعطيل ما هو شرٌ من الشرك، قال ابن القيم ﵀: " والتعطيل شرٌ من الشرك، فإن المعطل جاحد للذات أو لكمالها وهو جحد لحقيقة الألوهية ... والمشرك مقر بالله لكن عبد معه غيره؛ فهو خير من المعطل للذات والصفات" (٢).
ومن العلماء من كفر المعطلة فيقول: " من شبَّه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر؛ فليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه" (٣).
стр. 296
المطلب الرابع
التكييف في أسماء الله وصفاته (١)
التكييف (٢) في اللغة: هو اسم معناه الاستفهام، وتعيين كنه الصفة، أي الحال التي عليها الشيء (٣).
وشرعاً: حكاية كيفية الصفة؛ كقول القائل: كيفية يد الله أو نزوله إلى السماء الدنيا كذا وكذا (٤).
طريقة أهل السنة في جواب من سأل عن كيفية صفة من صفات الله:
الطريقة الأولى: جواب الإمام مالك (٥)
وشيخه ربيعة (٦) وغيرهما (٧)؛ جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ طه: ٥، كيف استوى؟ قال
стр. 297
-الراوي-: فما رأيت مالكاً وجد من شيء كما وجد من مقالته، وعلاه الرحضاء (١) يعني العرق. قال: وأطرق القوم وجعلوا ينظرون ما يأتي منه فيه. قال: فسري عن مالك فقال: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالاً، وأمر به فأخرج.
الطريقة الثانية: أن القول في الصفات كالقول في الذات؛ فإن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله؛ فكما أن ذاته لا تماثل الذوات فكذلك صفاته سبحانه لا تماثل صفات سائر الذوات (٢).
حكم التكييف:
التكييف حرام لأنه من القول على الله بلا علم؛ لأن الله أخبرنا عن صفاته ولم يخبرنا عن كيفيتها؛ أخبرنا أنه استوى على العرش ولم يخبر كيف استوى وهكذا.
والقول على الله بلا علم حرام؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ الأعراف: ٣٣.
قال ابن القيم ﵀: " ورتب هذه المحرمات -يعني في الآية المتقدمة- أربع مراتب وبدأ بأسهلها وهو الفواحش (٣)، ثم ثنى بما هو أشد تحريماً منه وهو الإثم والظلم، ثم ثلث بما هو
стр. 298
أعظم تحريماً منهما وهو الشرك به سبحانه، ثم ربع بما هو أشد تحريماً من ذلك كله؛ وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه" (١).
стр. 299
المطلب الخامس
التمثيل في أسماء الله وصفاته
التمثيل في اللغة: هو إثبات مثيل للشيء، أو هو التشبيه (١).
واصطلاحاً: هو إثبات مثيل لله في ذاته أو صفاته (٢).
أقسام التمثيل:
القسم الأول: تمثيل المخلوق بالخالق؛ وهو إثبات شيء للمخلوق مما يختص به الخالق من الصفات أو الأفعال أو الحقوق (٣).
القسم الثاني: تمثيل الخالق بالمخلوق (٤).
стр. 300
حكم التمثيل:
التمثيل كفر؛ لأنه تكذيب لقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الشورى: ١١، قال إسحاق بن راهويه: " من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم ... " (١).
والعقل لا يمكن أن يفرض لله مثيلاً؛ لظهور التباين بين الخالق والمخلوق ببداهة العقول، لكن لفظ التشبيه الذي يستعمل بمعنى التمثيل صار في كلام الناس لفظاً مجملاً، يراد به المعنى الحق وهو ما نفاه القرآن بقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١، ويراد به باطل وهو ما عناه الجهمية وأضرابهم؛ فالمثبت للأسماء والصفات هو عند الجهمي ممثل؛ والمثبت للصفات هو عند المعتزلي ممثل؛ والمثبت لجميع ما أثبته الله ورسوله في كتابه وسنة رسوله من الأسماء والصفات هو عند الأشاعرة والكلابية والماتريدية ممثل، ولذلك لا بد من التفصيل والبيان عند الحكم (٢).
نفي التمثيل أولى من نفي التشبيه:
وذلك لثلاثة أوجه:
أولاً: أن التمثيل هو الذي ورد بنفيه القرآن، "والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية الإلهية هو سبيل أهل السنة والجماعة" (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تقرير ذلك: " ذكرت في النفي التمثيل ولم أذكر التشبيه لأن التمثيل نفاه الله بنص كتابه حيث قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الشورى: ١١، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ مريم: ٦٥، وكان أحب إلي من لفظ ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ " (٤).
стр. 301
الثاني: أن نفي التشبيه مطلقاً يؤدي للتعطيل؛ ذلك أنه ما من موجودين إلا وبينهما قدر مشترك يتشابهان فيه؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وعلم أيضاً بالعقل أن كل موجودين قائمين بأنفسهما فلابد بينهما من قدر مشترك؛ كاتفاقهما في مسمى الوجود، والقيام بالنفس، والذات ونحو ذلك؛ فإن نفي ذلك يفضي إلى التعطيل المحض" (١).
الثالث: أن لفظ التشبيه استعمل فيما بعد في غير ما وضع له حتى صار من الألفاظ المجملة التي تحتاج إلى بيان؛ فقد ينفي التشبيه ويراد به نفي الحق الذي وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ ، لذا فإن استعمال اللفظ الشرعي وهو التمثيل أولى لأنه أدل على المعنى، ولأن من طريقة أهل السنة التعبير بالألفاظ الشرعية البينة دون الألفاظ المحدثة المجملة.
قال شيخ الإسلام ﵀: " ثم إن الجهمية والمعتزلة أدرجوا نفي الصفات في مسمى التوحيد؛ فصار من قال إن لله علماً أو قدرة، أو أنه يُرى في الآخرة، أو أن كلام الله منزل غير مخلوق؛ يقولون: إنه مشبه وليس بموحد" (٢).
стр. 302
الفصل الرابع: جهود الشيخ في تقرير بقية أركان الإيمان
وفيه خمسة مباحث:
стр. 303
المبحث الأول
جهوده في تقرير الإيمان بالملائكة .
تمهيد
في تعريف الملائكة:
المَلَكُ من الملائكة: واحد وجمع، قال الكسائي (١): "أصله مألك بتقديم الهمزة من الألوك، وهي الرسالة ثم قلبت وقدمت اللام فقيل ملأك ... ثم تركت همزته لكثرة الاستعمال فقيل مَلكَ فلما جمعوه ردّوها إليه فقالوا ملائكة وملائك ... " (٢).
قال شيخ الإسلام ﵀: "والملك في اللغة: حامل الألوكة وهي الرسالة" (٣).
أما التعريف الاصطلاحي:
فالملائكة هي: " أجسام لطيفة أعطيت قدرة على التشكُّل بأشكالٍ مختلفة مسكنها السموات خلقت من النور" (٤).
وقد ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ما يبين حقيقة الملائكة، ويوضح أوصافهم، آيات كثيرة، وأحاديث متعددة.
فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ الحج: ٧٥.
стр. 304
وقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ فاطر: ١.
ومن السنة: قوله ﷺ : (خلقت الملائكة من نور) (١).
فالملائكة خلق من خلق الله تعالى، خلقهم لعبادته، واصطفاهم لقربه، واختصهم بتدبير أمره، وجعلهم سفراءه ورسله إلى خلقه.
وقد بين الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ حقيقة الملائكة، بقوله: " لا يخفى أن الملائكة جنس من مخلوقات الله خلقهم الله من نور، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون" (٢).
стр. 305
المطلب الأول
معنى الإيمان بالملائكة وما يتضمنه:
يقرر الشيخ ﵀ الإيمان بالملائكة عند حديثه عن علم التوحيد، قال: " وعلم التوحيد يبحث عما يجب لله من صفات الجلال والكمال، وعما يجب للرسل والأنبياء، وما يستحيل عليهم، وما يجوز في حقهم، وما يتصل بذلك من الإيمان بالكتب المنزلة، والملائكة الأطهار، ويوم البعث والجزاء، والقدر والقضاء" (١).
ويذكر ﵀ كذلك أن: "الملائكة يؤمنون بالله وبكل ما له من صفات الجلال والكمال، ويقدسونه عما لا يليق به" (٢).
الملائكة مخلوقة من نور، خلقها الله تعالى لعبادته وطاعته، يقول النبي ﷺ : (خُلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم) (٣)، وهذا يبين أن خلق الملائكة مغاير لخلق الآدمي وخلق الجانّ، في أصله الذي هو النور، وفي صفاته التي خصم الله تعالى بها، والإيمان بهم هو الركن الثاني من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، وهو ينتظم أموراً أربعة:
الأول: الإيمان بوجودهم.
الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه كجبريل، وميكال، ومالك، فقد أخبر الله عنهم، وسماهم بأسمائهم في كتابه فقال: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ البقرة: ٩٨، وقال: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ الزخرف: ٧٧؛ ومن لم نعلم أسماءهم نؤمن بهم إجمالاً.
الثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم.
стр. 306
الرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم (١).
يقول العلامة ابن القيم ﵀: " قد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات ... تتنزل بالأمر من عند الله في أقطار العالم، وتصعد إليه بالأمر، قد أطت (٢) السماء بهم ... ويدخل البيت المعمور كل يوم منهم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه (٣) ...
والقرآن مملوء بذكرهم، وأصنافهم، وأعمالهم، ومراتبهم ... بل لا تخلو سورة من سور القرآن عن ذكر الملائكة تصريحاً، أو تلويحاً، أو إشارة؛ وأما ذكرهم في الأحاديث النبوية فأكثر وأشهر من أن يذكر، ولهذا كان الإيمان بالملائكة ﵈ أحد الأصول الخمسة التي هي أركان الإيمان" (٤).
وإجابة النبي ﷺ على سؤال جبريل عن الإيمان ببيان أركانه الستة، وإخباره بأن الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان، دليل واضح على أن وجود الملائكة ثابت بالدليل القطعي الذي لا يمكن أن يتطرق إليه شك.
ومن هنا كان إنكار وجود الملائكة كفر، لمخالفته نص كتاب الله الكريم وسنة رسوله الأمين، فمن كفر بهم أو حاول التشكيك في وجودهم فهو كاذب كافر لا حظ له في الإسلام لتكذيبه لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين.
стр. 307
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ بعد أن ذكر جملة من الأحاديث الواردة في شأن الملائكة وصفاتهم-: "وفي هذا وما ورد من القرآن رد على من أنكر وجود الملائكة من الملاحدة" (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وما تواتر عن الأنبياء من وصف الملائكة هو مما يوجب العلم اليقين بوجودهم في الخارج ... " (٢).
стр. 308
المطلب الثاني
أعمال الملائكة:
يبين الشيخ ﵀ أعمال بعض الملائكة، فيقول: " قد أخبر الله سبحانه عن الملائكة بأنهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ الأنبياء: ٢٦ - ٢٧، فهم محل كرامته وإحسانه وتحت تصرفه وأمره. فمنهم الموكل بأهل الجنة، ومنهم الموكل بأهل النار، ومنهم حملة العرش، ومنهم الحافون بالعرش، والله أعلم بتفاصيل أعمال بقيتهم" (١).
بالنسبة إلى الأعمال التي كلف الله بها الملائكة وأمرهم بالقيام بها، فهي على قسمين:
أ- أعمال عامة يشتركون جميعاً فيها، وتتمثل في عبادة الله سبحانه، وتسبيحه ليلاً ونهاراً، بلا ملل ولا فتور، قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ الأنبياء: ٢٠.
ب- أعمال خاصة لبعض الملائكة، أمرهم الله بالقيام بها.
والأعمال الخاصة بالملائكة كثيرة، دلّ القرآن الكريم، والسنة الشريفة المطهرة على بعضٍ منها (٢)، وهي ممّا يجب على المؤمن الإيمان بها طبقاً لما بيّنه الله ورسوله؛ والملائكة بالنسبة إلى الأعمال التي يقومون بها أصناف (٣):-
١ - فمنهم حَمَلةُ العرش، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ غافر: ٧، وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ الحاقة: ١٧.
стр. 309
٢ - ومنهم الموكلون بالجنان وإعداد الكرامة لأهلها.
٣ - ومنهم الموكلون بالنارِ وتعذيبِ أهلها، وهم الزبانية، ومُقَدَّموهم تسعة عشر، وخازنها مالك، وهو مُقَدَّم الخزنة، كما قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ المدثر: ٣٠، وقوله: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ الزخرف: ٧٧، وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)﴾ غافر: ٤٩، وقال تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ التحريم: ٦.
٤ - ومنهم الموكلون بحفظ بني آدم في الدنيا، قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ الرعد: ١١، أي معه ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله تعالى: تخلّوا عنه (١).
٥ - ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد وكتابتها، قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ الرعد: ١١ قال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ ق: ١٧ - ١٨، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ الانفطار: ١٠ - ١١، وقال ﷺ : (يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكة بالنهار) (٢)،فمع الإنسان ملائكة يحفظونه من المؤذيات، وملائكة يحفظون عليه أعماله وما يصدر منه.
٦ - ومن الملائكة من هو موكلٌ بالرحم وشأن النطفة، كما في حديث ابن مسعود ﵁: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة
стр. 310
مثل ذلك، ثم يبعث الله ملَكاً فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقيٌّ أو سعيد) (١).
٧ - ومنهم ملائكة موكلون بقبض الأرواح، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ الأنعام: ٦١، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ السجدة: ١١،وملَكُ الموت له أعوانٌ من الملائكة، يستخرجون روحَ العبد من جسمه حتى تبلغ الحلقوم، فيتناولها ملك الموت (٢).
فيدبر الله سبحانه بالملائكة أمر السموات والأرض (٣)، فهم الذين يحركون الهواء ويجرون السحاب، وهم المدبرات أمراً، والمقسمات أمراً، التي أقسم الله تعالى بها في كتابه الكريم (٤).
قال ابن القيم ﵀: " ... فكل حركة في السموات والأرض من حركات الأفلاك، والنجوم، والشمس، والقمر، والرياح، والسحاب، والنبات، والحيوان، فهي ناشئة عن الملائكة الموكلين بالسموات والأرض ... وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكلّ بالجبال ملائكة، ووكلّ بالسحاب والمطر ملائكة، ووكلّ بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها ... " (٥).
стр. 311
- هل الملائكة الموكلون بالإنسان يموتون بموته ؟
يبين الشيخ ﵀ الإجابة، وأن مثل هذا السؤال ليس مما كلفنا الله باعتقاده، فيقول: " أحوال الملائكة وشؤونهم من الغيبيات، ولا تعرف إلا من قبل السمع، ولم يرد نص في موت كتبة الحسنات والسيئات عند موت من تولوا كتابة حسناته وسيئاته، ولا نص ببقاء حياتهم ولا عن مصيرهم، وذلك إلى الله وليس ما سئل عنه مما كلفنا اعتقاده، ولا يتعلق به عمل، فالسؤال عن ذلك دخول فيما لا يعني؛ لذا ننصح السائل أن لا يدخل فيما لا يعنيه، ويبذل جهده في السؤال عما يعود عليه وعلى المسلمين بالنفع في دينهم ودنياهم" (١).
من عظمة الله تعالى وكمال ربوبيته سبحانه تفرده سدد خطاكم بالبقاء قال سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ القصص: ٨٨، وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ الرحمن: ٢٦ - ٢٧.
قال ابن كثير ﵀: " يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السماوات إلا ما شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم؛ فإن الرب تعالى لا يموت، بل هو الحي الذي لا يموت أبداً" (٢).
وقد اختُلِفَ في الملائكة هل يموتون أم هم ممن استثنى الله؟
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ في شرحه لحديث ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقول: (أعوذ بعزتك، الذي لا إله إلا أنت، الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون) (٣):قوله (والجن والإنس يموتون) استدل به على أن الملائكة لا تموت، ولا حجة فيه ... ولا اعتبار له، وعلى تقديره فيعارضه ما هو أقوى منه، وهو عموم قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا
стр. 312
وَجْهَهُ﴾ القصص: ٨٨، مع أنه لا مانع من دخولهم في مسمى الجن؛ لجامع ما بينهم من الاستتار عن عيون الإنس" (١).
والملائكة من مخلوقات الله، يجوز عليهم الموت والهلاك، شأنهم شأن سائر المخلوقات "ولكن جعل الله لهم أمدا بعيدا، فلا يتوفاهم حتى يبلغوه" (٢).
والقول بموت الملائكة هو الذي عليه أكثر الناس.
سُئل شيخ الإسلام ﵀: هل جميع الخلق حتى الملائكة يموتون، فأجاب: " الذي عليه أكثر الناس أن جميع الخلق يموتون حتى الملائكة وحتى عزرائيل (٣)
ملك الموت ... والمسلمون واليهود والنصارى متفقون على إمكان ذلك وقدرة الله عليه ... والله سبحانه قادر على أن يميتهم ثم يحييهم كما هو قادر على إماتة البشر والجن ثم إحيائهم وقد قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ الروم: ٢٧، وقد ثبت
стр. 313
عن النبي ﷺ من غير وجه وعن غير واحد من الصحابة أنه قال: (إن الله إذا تكلم بالوحي أخذ الملائكة مثل الغشي)، وفى رواية: (إذا سمعت الملائكة كلامه صعقوا) (١)، وفى رواية: (سمعت الملائكة كجر السلسلة على الصفوان فيصعقون فإذا فزع عن قلوبهم - أي أزيل الفزع عن قلوبهم- قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق فينادون الحق الحق) (٢)، فقد أخبر في هذه الأحاديث الصحيحة أنهم يصعقون صعق الغشي فإذا جاز عليهم صعق الغشي جاز صعق الموت ...
وصعق الغشي هو مثل صعق موسى ﵇ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ الأعراف: ١٤٣، والقرآن قد أخبر بثلاث نفخات نفخة الفزع ذكرها في سورة النمل في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ النمل: ٨٧.
ونفخة الصعق والقيام ذكرهما في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ الزمر: ٦٨، وأما الاستثناء فهو متناول لمن دخل في الجنة من الحور العين فإن الجنة ليس فيها موت ومتناول لغيرهم ولا يمكن الجزم بكل من استثناه الله فإن الله أطلق في كتابه، وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى آخذا بساق العرش فلا أدرى هل أفاق قبلي أم كان ممن استثناه الله) (٣)، وهذه الصعقة قد قيل إنها رابعة وقيل إنها من المذكورات في القرآن.
стр. 314
وبكل حال النبي ﷺ قد توقف في موسى وهل هو داخل في الاستثناء فيمن استثناه أم لا فإذا كان النبي لم يخبر بكل من استثنى الله لم يمكنا نحن أن نجزم بذلك وصار هذا مثل العلم بوقت الساعة وأعيان الأنبياء وأمثال مما لم يخبر به وهذا العلم لا ينال إلا بالخبر؛ والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم" (١).
стр. 315
المطلب الثالث
تعريف الجن وتأثيرهم (١):
يقرر الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: "أن الجن صنف من مخلوقات الله ورد ذكرهم في القرآن والسنة وهم مكلفون، مؤمنهم في الجنة وكافرهم في النار، ومس الجن للإنس أمر معلوم من الواقع - والإنسي قد يؤذي الجني وهو يعلم أو لا يعلم، والجني قد يؤذي الإنسي ويصرعه أو يقتله، كما أن الإنسي قد يؤذي الإنسي ويضره، والجني قد يؤذي الجني - ومن نفى ذلك عن الجن وهو لم يحط علماً بأحوالهم فقد قفا ما ليس له به علم وخالف ما ورد فيهم من آيات القرآن، فقد قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ الرحمن: ١٤ - ١٥، واقرأ الآيات من سورة الجن في تفصيل أحوالهم وأعمالهم وجزاء من آمن منهم ومن كفر، فلا عجب أن يتمكن جني من إنسي وأن يصيبه بأذى، كما يتمكن الإنسي من الجني ويصيبه بما يضره إذا تمثل الجني بصورة حيوان مثلاً، وبالجملة فكل من الجن والإنس إما مؤمن وإما كافر، وطيب أو خبيث، ونافع لغيره أو مؤذ له ضار به كل بإذن الله .
فعالم الجن وأحوالهم غيبي بالنسبة للإنس لا يعلمون منهما إلاَّ ما جاء في كتاب الله تعالى أو صح من سنة رسول الله ﷺ ، فيجب الإيمان بما ثبت في ذلك بالكتاب والسنة دون استغراب أو استنكار والسكوت عما عداه؛ لأن الخوض نفياً أو إثباتاً قول بغير علم، وقد نهى الله تعالى عن ذلك بقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ الإسراء: ٣٦ " (٢).
стр. 316
١ - التعريف:
أ- تعريف الجن:
في اللغة:
الجِنُّ بالكسر: اسم جنس جمعيّ (١)
واحده جنيّ، وهو مأخوذ من الاجتنان، وهو التسترُّ والاختفاء. وقد سمّوا بذلك لاجتنانهم من الناس فلا يُرون، والجمع جِنَّان وهم الجِنَّة (٢).
في الاصطلاح:
نوع من الأرواح العاقلة المريدة المكلفة على نحو ما عليه الإنسان، وهي ليست أجساماً ولا جسيمات بل هي موجودات روحانية مخلوقة من عنصر ناري، ولها حياة وإدراك خاص بها لا يدرى مداه، مستترون عن الحواس، لا يُرون على طبيعتهم ولا بصورتهم الحقيقية، ولهم قدرة على التشكل، يأكلون ويشربون ويتناكحون ولهم ذرية، محاسبون على أعمالهم في الآخرة (٣).
стр. 317
ب- تعريف الشياطين:
يعرف الشيخ ﵀ الشياطين، فيقول: "الشياطين كلمة عامة تشمل كل متمرد من شياطين الإنس والجن" (١).
يقول ابن منظور (٢):
"كل متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان" (٣).
ومن هذا يتضح أن لفظ (شيطان) يطلق على إبليس، ويطلق على جنس من الجن وهم المردة من ذرية إبليس، ويطلق على المتمرد من الإنس على أوامر ربه.
فأما إطلاقه على إبليس ففي مثل قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ البقرة: ٣٦، وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ الأعراف: ٢٠، وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ الأعراف: ٢٧، وهذا غالب إطلاقه، فالشيطان علم في الغالب على إبليس.
وأما إطلاقه على جنس من الجن ففي مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠)﴾ الشعراء: ٢١٠، وقوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١)﴾ الشعراء: ٢٢١، ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ ص: ٣٧، ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ الملك: ٥، وهو هاهنا وصف لهم.
стр. 318
وأما إطلاقه على متمردي الإنس ففي مثل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ الأنعام: ١١٢، وهو هنا وصف لهم أيضا.
٢ - الأدلة على وجود الجن:
الدليل السمعي:
أفاض القرآن الكريم والسنة النبوية في الحديث عن الجن وأحوالهم في مواضع كثيرة، فقد ورد ذكرهم في القرآن في مواضع متعددة تقرب من أربعين موضعاً، عدا الآيات التي تحدثت عن الشيطان، وهي كثيرة، وانفردت سورة كاملة للحديث عن أحوال النفر الذين استمعوا للقرآن من الرسول ﵊ وهو بمكة، وهي سورة الجن، إذ ورد في مطلعها إخبار الله لنبيه باستماع هذا النفر للقرآن، قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ الجن: ١ - ٢، واعتبرهم القرآن نوعاً آخر يشترك مع الإنسان في التكليف، ورتب القرآن الجزاء لهم حسب أعمالهم في الدنيا فقال: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ السجدة: ١٣، واستنكر القرآن المزاعم التي تقول بأن الجن يعلمون الغيب فقال- في معرض الحديث عن موت سليمان ﵇: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾ سبأ: ١٤. وغير ذلك من الآيات التي تحدثت عن أحوال هذا المخلوق (١).
قال الدميري (٢): " واعلم أن الأحاديث في وجود الجن والشياطين لا تحصى، وكذلك أشعار العرب وأخبارها، فالنزاع في ذلك مكابرة فيما هو معلوم بالتواتر" (٣).
стр. 319
الدليل العقلي:
قال محمد رشيد رضا (١): "ولو كان الاستدلال بعدم رؤية الشيء على عدم وجوده صحيحاً وأصلاً ينبغي للعقلاء الاعتماد عليه، لما بحث عاقل في الدنيا عما في الوجود من المواد والقوى المجهولة، ولما كُشفت هذه الميكروبات التي ارتقت بها علوم الطب والجراحة إلى الدرجة التي وصلت إليها، ولا تزال قابلة للارتقاء بكشف أمثالها، ولما عرفت الكهرباء التي أحدث كشفها هذا التأثير العظيم في الحضارة، ولو لم تكشف الميكروبات - وأخبر أمثالهم بها في القرون الخالية - لعدُّوه مجنوناً، وجزموا باستحالة وجود أحياء لا ترى، إذ يوجد في نقطة الماء ألوف الألوف منها، وأنها تدخل في الأبدان من خرطوم البعوضة أو البرغوث .. الخ، كما أن ما يجزم به علماء الكهرباء من تأثير في تكوين العوالم، وما تعرفه الشعوب الكثيرة الآن من تخاطب الناس بها من البلاد البعيدة بآلات التلغرف والتليفون اللاسلكية - كله مما لم يكن يتصوره عقل، وقد وقع بالفعل" (٢).
ومما تقدم وغيره من الأدلة الكثيرة يدل على أن وجود الجن ليس بمستبعد في ميزان العقل، في الوقت الذي ثبت فيه وجود أشياء كثيرة في هذا الكون غائبة عن حواسنا، وجهل بعض الناس بهذا المخلوق ليس مبرراً لإنكار وجوده، فعلم الإنسان محدود جداً.
стр. 320
٣ - بعض من صفات الجن:
¤أن الجن مكلفون، ولهم إرادة واختيار.
يقرر الشيخ ﵀، هذه المسألة، بقوله: " ثبت بالأدلة أن رسالة النبي ﷺ عامة للثقلين الإنس والجن، قال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ يس: ٧٠، والجن من عقلاء الأحياء، وقال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾ يوسف: ١٠٤،والجن من العالمين، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ الأنبياء: ١٠٧،والجن كذلك من العالمين، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ الأنعام: ١٩، والجن ممن بلغتهم رسالة محمد ﷺ ، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ الفرقان: ١، والجن من العالمين، وبعد أن بين سبحانه خلقه الإنس والجن وأصل كل منهما الذي منه خلق وذكر كثيرا من نعمه على عباده أنكر في القرآن - الذي هو شريعة لمحمد ﵊ ولأمته عامة - على الإنس والجن عدم شكرهما نعمه فقال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨)﴾ الرحمن: ١٨، إحدى وثلاثون مرات عقب النعم الكونية الشاملة لهما وبعد أنواع الجزاء حملاً لهما على شكر الله بتوحيده وطاعته وتحذيرا لهما من عواقب كفر نعمه تعالى عليهم؛ فهذه الآيات وما جاء في معناها دالة على عموم رسالته ﷺ للإنس والجن، وأن شريعة الجن هي الشريعة الإسلامية. وأما كونهم خلقوا قبل الإنس أو بعدهم فلا أثر له بالنسبة لتكليفهم بالشريعة الإسلامية. وأما كونهم قد أرسل إليهم رسول خاص بهم فلا نعلم ذلك" (١).
وقد سبق في تعريف الجن أنهم أمة مكلفة كالإنس، ولهم إرادة واختيار، وهذا هو الذي تشهد له الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦، وقال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ