١ - التعريف:
أ- تعريف الجن:
في اللغة:
الجِنُّ بالكسر: اسم جنس جمعيّ (١)
واحده جنيّ، وهو مأخوذ من الاجتنان، وهو التسترُّ والاختفاء. وقد سمّوا بذلك لاجتنانهم من الناس فلا يُرون، والجمع جِنَّان وهم الجِنَّة (٢).
في الاصطلاح:
نوع من الأرواح العاقلة المريدة المكلفة على نحو ما عليه الإنسان، وهي ليست أجساماً ولا جسيمات بل هي موجودات روحانية مخلوقة من عنصر ناري، ولها حياة وإدراك خاص بها لا يدرى مداه، مستترون عن الحواس، لا يُرون على طبيعتهم ولا بصورتهم الحقيقية، ولهم قدرة على التشكل، يأكلون ويشربون ويتناكحون ولهم ذرية، محاسبون على أعمالهم في الآخرة (٣).
стр. 317
ب- تعريف الشياطين:
يعرف الشيخ ﵀ الشياطين، فيقول: "الشياطين كلمة عامة تشمل كل متمرد من شياطين الإنس والجن" (١).
يقول ابن منظور (٢):
"كل متمرد من الجن والإنس والدواب شيطان" (٣).
ومن هذا يتضح أن لفظ (شيطان) يطلق على إبليس، ويطلق على جنس من الجن وهم المردة من ذرية إبليس، ويطلق على المتمرد من الإنس على أوامر ربه.
فأما إطلاقه على إبليس ففي مثل قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ البقرة: ٣٦، وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ الأعراف: ٢٠، وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ الأعراف: ٢٧، وهذا غالب إطلاقه، فالشيطان علم في الغالب على إبليس.
وأما إطلاقه على جنس من الجن ففي مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠)﴾ الشعراء: ٢١٠، وقوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١)﴾ الشعراء: ٢٢١، ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ ص: ٣٧، ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ الملك: ٥، وهو هاهنا وصف لهم.
стр. 318
وأما إطلاقه على متمردي الإنس ففي مثل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ الأنعام: ١١٢، وهو هنا وصف لهم أيضا.
٢ - الأدلة على وجود الجن:
الدليل السمعي:
أفاض القرآن الكريم والسنة النبوية في الحديث عن الجن وأحوالهم في مواضع كثيرة، فقد ورد ذكرهم في القرآن في مواضع متعددة تقرب من أربعين موضعاً، عدا الآيات التي تحدثت عن الشيطان، وهي كثيرة، وانفردت سورة كاملة للحديث عن أحوال النفر الذين استمعوا للقرآن من الرسول ﵊ وهو بمكة، وهي سورة الجن، إذ ورد في مطلعها إخبار الله لنبيه باستماع هذا النفر للقرآن، قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ الجن: ١ - ٢، واعتبرهم القرآن نوعاً آخر يشترك مع الإنسان في التكليف، ورتب القرآن الجزاء لهم حسب أعمالهم في الدنيا فقال: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ السجدة: ١٣، واستنكر القرآن المزاعم التي تقول بأن الجن يعلمون الغيب فقال- في معرض الحديث عن موت سليمان ﵇: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾ سبأ: ١٤. وغير ذلك من الآيات التي تحدثت عن أحوال هذا المخلوق (١).
قال الدميري (٢): " واعلم أن الأحاديث في وجود الجن والشياطين لا تحصى، وكذلك أشعار العرب وأخبارها، فالنزاع في ذلك مكابرة فيما هو معلوم بالتواتر" (٣).
стр. 319
الدليل العقلي:
قال محمد رشيد رضا (١): "ولو كان الاستدلال بعدم رؤية الشيء على عدم وجوده صحيحاً وأصلاً ينبغي للعقلاء الاعتماد عليه، لما بحث عاقل في الدنيا عما في الوجود من المواد والقوى المجهولة، ولما كُشفت هذه الميكروبات التي ارتقت بها علوم الطب والجراحة إلى الدرجة التي وصلت إليها، ولا تزال قابلة للارتقاء بكشف أمثالها، ولما عرفت الكهرباء التي أحدث كشفها هذا التأثير العظيم في الحضارة، ولو لم تكشف الميكروبات - وأخبر أمثالهم بها في القرون الخالية - لعدُّوه مجنوناً، وجزموا باستحالة وجود أحياء لا ترى، إذ يوجد في نقطة الماء ألوف الألوف منها، وأنها تدخل في الأبدان من خرطوم البعوضة أو البرغوث .. الخ، كما أن ما يجزم به علماء الكهرباء من تأثير في تكوين العوالم، وما تعرفه الشعوب الكثيرة الآن من تخاطب الناس بها من البلاد البعيدة بآلات التلغرف والتليفون اللاسلكية - كله مما لم يكن يتصوره عقل، وقد وقع بالفعل" (٢).
ومما تقدم وغيره من الأدلة الكثيرة يدل على أن وجود الجن ليس بمستبعد في ميزان العقل، في الوقت الذي ثبت فيه وجود أشياء كثيرة في هذا الكون غائبة عن حواسنا، وجهل بعض الناس بهذا المخلوق ليس مبرراً لإنكار وجوده، فعلم الإنسان محدود جداً.
стр. 320
٣ - بعض من صفات الجن:
¤أن الجن مكلفون، ولهم إرادة واختيار.
يقرر الشيخ ﵀، هذه المسألة، بقوله: " ثبت بالأدلة أن رسالة النبي ﷺ عامة للثقلين الإنس والجن، قال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ يس: ٧٠، والجن من عقلاء الأحياء، وقال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾ يوسف: ١٠٤،والجن من العالمين، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ الأنبياء: ١٠٧،والجن كذلك من العالمين، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ الأنعام: ١٩، والجن ممن بلغتهم رسالة محمد ﷺ ، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ الفرقان: ١، والجن من العالمين، وبعد أن بين سبحانه خلقه الإنس والجن وأصل كل منهما الذي منه خلق وذكر كثيرا من نعمه على عباده أنكر في القرآن - الذي هو شريعة لمحمد ﵊ ولأمته عامة - على الإنس والجن عدم شكرهما نعمه فقال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨)﴾ الرحمن: ١٨، إحدى وثلاثون مرات عقب النعم الكونية الشاملة لهما وبعد أنواع الجزاء حملاً لهما على شكر الله بتوحيده وطاعته وتحذيرا لهما من عواقب كفر نعمه تعالى عليهم؛ فهذه الآيات وما جاء في معناها دالة على عموم رسالته ﷺ للإنس والجن، وأن شريعة الجن هي الشريعة الإسلامية. وأما كونهم خلقوا قبل الإنس أو بعدهم فلا أثر له بالنسبة لتكليفهم بالشريعة الإسلامية. وأما كونهم قد أرسل إليهم رسول خاص بهم فلا نعلم ذلك" (١).
وقد سبق في تعريف الجن أنهم أمة مكلفة كالإنس، ولهم إرادة واختيار، وهذا هو الذي تشهد له الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦، وقال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ
стр. 321
مِنْكُمْ﴾ الأنعام: ١٣٠، وغير ذلك من الآيات التي توعدت الكافرين من الجن والإنس بالتعذيب في النار، كقوله تعالى ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)﴾ فصلت: ٢٥. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (فُضِّلْتُ على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلتُ إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون) (١).
قال السبكي (٢): "ومحل الاستدلال قوله: (وأرسلت إلى الخلق كافة) فإنه يشمل الجن والإنس، وحمله على الإنس خاصة تخصيص بغير دليل، فلا يجوز. ثم يقول: وحديث مسلم الذي استدللنا به أصرح الأحاديث الدالة على شمول الرسالة للجن والإنس" (٣).
إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على تكليف الجن، وفي هذا دلالة على أن لهم إرادة واختياراً، وإلا لما طولبوا بالإيمان وترك الكفر.
¤أن الجن يتشكلون ويرون.
قال الشيخ عبد الرزاق ﵀: " عالم الجن وأحوالهم غيبي بالنسبة للإنس لا يعلمون منهما إلاَّ ما جاء في كتاب الله تعالى أو صح من سنة رسول الله ﷺ ، فيجب الإيمان بما ثبت في ذلك بالكتاب والسنة دون استغراب أو استنكار والسكوت عما عداه" (٤).
والذي تشير إليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أن الجن يتشكلون بالصور المختلفة. قال ابن تيمية ﵀: "والجن يتصورون في صور الإنس والبهائم، فيتصورون في صور
стр. 322
الحيات والعقارب وغيرها، وفي صور الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير، وفي صور الطير، وفي صور بني آدم" (١).
ولا يمنع خلقهم من النار تشكلهم في الصور المختلفة، يقول الباقلاني: "لسنا ننكر مع كون أصلهم النار أن الله تعالى يكثف أجسامهم ويغلظها، ويخلق لهم أعراضاً تزيد على ما في النار، فيخرجون عن كونهم ناراً، ويخلق لهم صوراً وأشكالاً مختلفة" (٢).
- الأدلة على تشكل الجن ورؤيتهم:
أما من القرآن فقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ الأنفال: ٤٨.
قال الطبري (٣)
في تفسير هذه الآية: " عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين، معه رايته، في صورة رجل من بني مدْلج في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ الأنفال: ٤٨، فلما اصطف الناس أخذ رسول الله ﷺ قبضة من التراب، فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبرين، وأقبل جبريل إلى إبليس، فلما رآه - وكانت يده في يد رجل من المشركين - انتزع إبليس يده، فولى مدبراً هو وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة: تزعم أنك جار لنا؟ قال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾ الأنفال: ٤٨، وذلك حين رأى الملائكة" (٤).
стр. 323
ومن الأدلة ما ورد أن الشيطان تصور في صورة شيخ نجدي، عندما اجتمعت قريش بدار الندوة، لتمكر بالرسول ﷺ (١)، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ الأنفال: ٣٠.
وأما في السنة المطهرة فقد وردت أحاديث عديدة تدل على تشكل الجن ورؤيتهم، نجتزئ بعضها للاستدلال على ذلك:
١ - ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إنَّ عفريتاً من الجن تفلت عليَّ البارحة، ليقطع عليَّ الصلاة، وإن الله أمكنني منه فذعته (٢)، فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد، حتى تنظرون إليه أجمعون (أو كلكم) ثم ذكرت قول أخي سليمان: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ ص: ٣٥، فرده الله خاسئاً) (٣).
وقد جاء في روايات أن الشيطان جاء بشعلة من نار ليحرق بها وجه الرسول ﷺ ، فأخذه حتى وجد برد لسانه على يده الشريفة (٤).
قال النووي: " فيه دليل على أن الجن موجودون، وأنهم قد يراهم بعض الآدميين. وأما قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ الأعراف: ٢٧؛ فمحمول على الغالب،
стр. 324
فلو كانت رؤيتهم محالاً؛ لما قال النبي ﷺ ما قال من رؤيته إياه، ومن أنه كان يربطه؛ لينظروا كلهم إليه، ويلعب به وِلْداَنُ أهل المدينة.
قال القاضي: وقيل: إن رؤيتهم على خلقهم وصورهم الأصلية ممتنعة؛ لظاهر الآية، إلا للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومن خُرِقَتْ له العادة، وإنما يراهم بنو آدم في صور غير صورهم؛ كما جاء في الآثار.
قلت: هذه دعوى مجردة؛ فإن لم يصح لها مستند؛ فهي مردودة " أ. هـ (١).
٢ - ما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: (وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ قال: إني محتاج وعلَّي عيال، ولي حاجه شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت. فقال النبي ﷺ : (يا أبا هريرة: ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته، فخليت سبيله، فقال: أما إنه قد كذبك وسيعود، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ إنه سيعود، فرصدته، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ . قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله. فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : يا أبا هريرة: ما فعل أسيرك؟ قلت يا رسول الله: شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته فخليت سبيله. قال: أما إنه قد كذبك وسيعود. فرصدته الثالثة، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت، لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ وهذا آخر ثلاث مرات، إنك تزعم لا تعود ثم تعود. قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قلت: ما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ البقرة: ٢٥٥، حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله.
فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : (ما فعل أسيرك البارحة؟ فلت يا رسول الله: زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: ما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
стр. 325
الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبي ﷺ : (أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قال: لا، قال: ذاك شيطان) (١).
وهذه الرواية وغيرها تدل على تشكل الجن ورؤيتهم في صورهم التي تشكلوا بها.
٣ - روى مسلم في صحيحه: أن أبا السائب (٢) دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال: فوجدته يصلي، قال: فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكاً في عراجين (٣)
في ناحية البيت، فالتفتُّ فإذا حية، فوثبت لأقتلها، فأشار إلي أن أجلس، فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم. قال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس. قال: فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يوماً، فقال له رسول الله ﷺ : (خذ عليك سلاحك، فإني أخشى عليك قريظة، فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به، وأصابته غيرة، فقالت له: اكفف عليك رمحك، وأدخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار، فاضطربت عليه، فما يُدرى أيهما كان أسرع موتاً: الحية أم الفتى؟ قال: فجئنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له، وقلنا: ادعُ الله يحييه لنا، فقال: استغفروا لصاحبكم، ثم قال: إن بالمدينة جناً قد أسلموا،
стр. 326
فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه (١) ثلاثة أيام، فان بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان) (٢).
ففي هذا الحديث دلالة على أن الجن يتشكلون في صورة الحيات، وقد كانت تلك الحية التي دخلت البيت عبارة عن جن في صورة حية، صُرِع الفتى بسببها.
والجن تتصور بصورة الكلاب كذلك، قال ابن تيمية ﵀: "والجن تتصور بصورة الكلب الأسود، وكذلك بصورة القط الأسود، لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره، وفيه قوة الحرارة" (٣).
وعن جابر بن عبد الله قال: (أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله، ثم نهى النبي ﷺ عن قتلها وقال: عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين (٤) فإنه شيطان) (٥).
وقد أخبر ﵊ أن مرور الكلب الأسود يقطع الصلاة، فعن عبد الله ابن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قام أحدكم يصلي، فانه يستره إذا كان بين يده مثل آخر الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود؟ قلت يا أبا ذر: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ فقال يا ابن أخي سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال (الكلب الأسود شيطان) (٦).
стр. 327
وهكذا يظهر لنا مما تقدم أن الجن يتشكلون في الصور المختلفة، وعندئذ يمكن رؤيتهم، وهذا هو الذي عليه جمهور الفقهاء من المسلمين، لما ورد من الآثار الكثيرة في تشكلهم ورؤيتهم، وقد مر قسم منها.
والجن إذا حصل منهم التشكل في أجسام إنسية أو حيوانية فإنهم يصبحون أسرى هذا التشكل، ويحصل لهم من التأثر بالعوارض مثلما يحصل للجنس الذي تشكلوا به، كما في هذه القصة.
٤ - الجن حسب الإيمان والكفر والصلاح والفساد (١):
قال تعالى: إخباراً عنهم ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١)﴾ الجن: ١١.يقول القرطبي (٢): " هذا من قول الجن، أي قال بعضهم لبعض لما دعوا إلى الإيمان بمحمد ﷺ : وأنا كنا قبل استماع القرآن منا الصالحون ومنا الكافرون، وقيل: " ومنا دون ذلك" أي ومن دون الصالحين في الصلاح" (٣).
يقول ابن القيم ﵀ تعليقاً على قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ الجن: ١٤ - ١٥: "وقد تضمنت هذه الآيات انقسامهم إلى ثلاث طبقات: صالحين، ودون الصالحين، وكفار. وهذه الطبقات بإزاء طبقات بني آدم، فإنها ثلاثة: أبرار، مقتصدون، وكفار، فالصالحون بإزاء الأبرار ومن دونهم بإزاء المقتصدون، والقاسطون بإزاء الكفار، وهذا كما قسم سبحانه بني إسرائيل إلى هذه الأقسام الثلاثة في قوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ الأعراف: ١٦٨، فهؤلاء الناجون منهم، ثم ذكر
стр. 328
الظالمين وهو خَلَف السوء الذين خلفوا بعدهم (١). ولما كان الإنس أكمل من الجن وأتم عقولاً، ازدادوا عليهم بثلاثة أصناف أُخر، ليس شيء منها للجن وهم: الرسل والأنبياء والمقربون، فليس في الجن صنف من هؤلاء بل حليتهم الصلاح" (٢).
٥ - تأثير الجنّ على أجسام الإنس وعقولهم (٣):
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وجود الجن ثابت بالكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة، وكذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة، وهو أمر مشهود محسوس لمن تدبره، يدخل في المصروع ويتكلم بكلام لا يعرفه، بل ولا يدري به، بل يضرب ضرباً لو ضرب به جمل لمات، ولا يحس به المصروع، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ البقرة: ٢٧٥، وقوله ﷺ : (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم) (٤) وغير ذلك، يصدقه. وقال في موضع آخر: "وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجني في بدن المصروع وغيره، ومن أنكر وادّعى أن الشرع يكذب ذلك فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك" (٥).
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: " قلت لأبي: إن أقواماً يزعمون أن الجني لا يدخل في بدن الإنسي فقال: يابني: يكذبون، هو ذا يتكلم على لسانه" (٦).
стр. 329
٦ - هل إبليس من الجن أم من الملائكة:
يبين الشيخ ﵀ خلاف العلماء في هذه المسألة، فيقول: "اختلف العلماء في إبليس هل هو من الملائكة أو من الجن؟ فقال جماعة: لا يخفى أن الملائكة جنس من مخلوقات الله خلقهم الله من نور، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وأما إبليس فقد ذكر الله تعالى أنه من الجن قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ الكهف: ٥٠،وذكر تعالى عنه قوله في تبرير امتناعه في السجود لآدم ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ الأعراف: ١٢،أما وجه الاستثناء في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾ الحجر: ٣٠ - ٣١، فهو استثناء منقطع، كقول القائل: جاء القوم إلا حمارا؛ ولأنه خلق من نار السموم والملائكة خلقت من نور؛ ولأن له ذرية تتوالد والملائكة لا تتوالد، وقال ﷺ : (خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم) (١)، وقال الحسن البصري (٢):
ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وإنه لأصل الجن، كما أن آدم ﵇ أصل البشر (٣)، ولكن خان إبليس الطبع، وذلك أنه كان مع الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك معهم فلهذا دخل في خطابهم وعصى بمخالفة أمر الله بالسجود.
стр. 330
وقال آخرون من أهل العلم: إن إبليس لعنه الله من جنس الملائكة، لأنه من نوع من الملائكة خلقوا من نار السموم، وخُلق غيرهم من الملائكة من نور، استدلوا على ذلك بأنه لو لم يكن من الملائكة لما كان مأمورا بالسجود لآدم، ولا أنكر عليه عدم سجوده له، وبأن الأصل في الاستثناء الاتصال؛ بأن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، وقد قال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ ص: ٧٣ - ٧٤، فاستثنى إبليس بعد الملائكة فدل على أنه منهم. إلا أنه عصى الله تعالى وأصر على التمرد والعصيان فحقت عليه لعنة الله إلى يوم القيامة، واختار ابن جرير الطبري (١)
هذا القول، وأجاب عما استدل به أصحاب القول الأول: بأن الملائكة منهم من خلق من نور، ومنهم من خلق من نار السموم، وإبليس من صنف الملائكة الذين خلقوا من نار السموم، وبأنه لا دليل على أن الصنف الذي خلق من نار السموم لا يتوالد، وبأن الله إنما قال فيه: ﴿إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾ الحجر: ٣١، من أجل أنه من قبيلة من الملائكة تسمى الجن، أو قيل له جان لاختفائه كما سمى غيره من الملائكة جنة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ الصافات: ١٥٨، لاختفائهم، وعلى القول بأنه من الجن يكون دخوله في أمر الله ملائكته بالسجود لآدم من أجل كونه مختلطا بهم، وعلى كل حال هذه مسألة لا تترتب عليها فائدة عملية والنزاع فيها لا طائل تحته" (٢).
اختلف العلماء في جنس إبليس هل هو من الملائكة أم من الجن؟ وذلك لورود الآيات القرآنية باستثنائه من الملائكة في مواضع من القرآن عند التعرض لسجود الملائكة لآدم ﵇ وقد سبق ذكرها.
стр. 331
وقد جاءت آية سورة الكهف مصرحة بأن إبليس من الجن، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ الكهف: ٥٠.
وإزاء هذه الآيات فقد انقسم العلماء في هذه المسألة إلى فريقين ساق أقوالهما الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀.
وقد ذهب ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله إلى أنه لا منافاة بين القولين المتقدمين، بل الخلاف لفظي.
قال ابن تيمية ﵀: "والتحقيق أنه -أي إبليس- كان منهم باعتبار صورته وليس منهم باعتبار أصله ولا باعتبار مثاله، ولم يخرج من السجود لآدم أحد من الملائكة لا جبرائيل ولا ميكائيل ولا غيرهما" (١).
وقال ابن القيم ﵀: "الصواب التفصيل في هذه المسألة، وأن القولين في الحقيقة قول واحد، فإن إبليس كان مع الملائكة في صورته وليس منهم بمادته وأصله، وكان أصله من نار وأصل الملائكة من نور، فالنافي كونه من الملائكة والمثبت لم يتواردا على محل واحد" (٢).
ما ذكره ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله فهو ترجيح لقول القائلين بأن إبليس من الجن لا من الملائكة.
стр. 332
المبحث الثاني
جهوده في تقرير الإيمان بالكتب .
تمهيد
في تعريف الكتب .
الكتب في اللغة: جمع كتاب، بمعنى مكتوب.
يقول ابن فارس: " الكاف والتاء والباء أصل صحيح واحد يدل على جمع شيء إلى شيء، من ذلك الكتاب والكتابة، يقال: كتبت الكتاب أكتبه كتباً" (١).
والمراد بالكتب هنا- التي يجب الإيمان بها-: "هي الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله، رحمة للخلق، وهداية لهم، ليصلوا بها إلى سعادة الدنيا والآخرة" (٢).
في تعريف القرآن الكريم.
القرآن في اللغة:
يعرف الشيخ عبد الرزاق ﵀ القرآن في اللغة، فيقول: " القرآن في الأصل مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآناً، ومعناه في اللغة: الجمع والضم قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ القيامة: ١٨، أي جمعناه لك في صدرك فاتبع ذلك الذي جمع تلاوة وبلاغا وعملا وقد صار علماً بالغلبة على الكتاب العزيز في عرف علماء الشرع" (٣)(٤).
стр. 333
القرآن في الاصطلاح:
يعرف الشيخ ﵀ القرآن، فيقول: "القرآن كلام الله حقاً لفظه ومعناه، تكلم به رب العالمين وسمعه منه جبريل ﵇ وبلَّغه جبريل إلى محمد عليهما الصلاة والسلام دون تغيير ولا تبديل، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥، وقد تكفل الله بحفظه وجمعه في قلب محمد ﷺ وبيانه له قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣)﴾ الإنسان: ٢٣، وقال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ القيامة: ١٦ - ١٩، وليس كلامه مثل كلام الإنس أو الجن أو الملائكة، بل بصفة وكيفية مختصة به تعالى لا يعلم حقيقتها إلاَّ الله سبحانه لا يشابه فيها خلقه، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١،وكما أن ذاته تعالى لا تشبه الذوات فصفاته لا تشبه صفات أحد من المخلوقات، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً" (١).
وهذا التعريف موافق لتعريف أهل السنة؛ بأن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدا، وإليه يعود، وأن كلام الله صفة لله، قائمة بذاته، على ما يليق بجلاله وعظمته، وأنه تعالى لم يزل متكلماً، إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو متكلم بحرف وصوت يُسمع (٢).
стр. 334
ولقد اختص القرآن الكريم بخصائص كثيرة، ولعل هذه الخصائص سبب الاختلاف في تعريف القرآن بين العلماء، فكل تعريف يذكر خاصية للقرآن يعرفه بها لا يذكرها الآخر، ولهذا تعددت التعريفات.
- سبب تسمية القرآن بهذا الاسم:
يبين الشيخ ﵀ سبب تسمية القرآن، فيقول: " وسمي قرآناً لجمعة ما تحتاج إليه الأمة في سعادتها وصلاحها عاجلاً وآجلاً من عقائد وعبادات وأخلاق ونظم المعاملات قال تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ يوسف: ١١١، وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ النحل:٨٩، ولما فيه من الجمع بين السور والآيات" (١).
وسمي القرآن قرآناً لأن القارئ يظهره ويبينه ويلفظه من فيه، وقيل سمِّي القرآن لأنه يجمع السور فيضمها، وقيل سمي القرآن قرآناً لأنه جمع القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد والآيات والسور بعضها إلى بعض (٢).
وهناك إشارة دقيقة استنبطها بعض العلماء من تسميته بالقرآن والكتاب فقال: روعي في تسميته قرآناً كونه متلواً بالألسن كما روعي في تسميته كتاباً كونه مدوناً بالأقلام فكلتا التسميتين من تسمية شيء بالمعنى الواقع وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور، والسطور جميعاً. أن تضل إحداهما فتذكر الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب المنقول إلينا جيلاً بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر. وبهذه
стр. 335
العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية اقتداءً بنبيها بقي القرآن محفوظاً في حرز حريز (١).
- الفرق بين القرآن وبين الحديث والكتب الأولى:
يبين الشيخ ﵀ الفرق بينهما، فيقول: " لا تسمى الأحاديث النبوية قرآناً لأن ألفاظها من الرسول وإن كان معناها وحياً. ولا تسمى الكتب الأولى كالتوراة قرآناً لنزولها على غيره من الأنبياء ولا يسمى الحديث القدسي قرآناً لأنه ليس مما يتعبد بتلاوته" (٢).
هناك فروق كثيرة ذكرها العلماء منها:
-أن القرآن أوحيت ألفاظه من الله اتفاقا، وأن الحديث القدسي أوحيت ألفاظه من الله على المشهور، والحديث النبوي أوحيت معانيه في غير ما اجتهد فيه الرسول والألفاظ من الرسول ﷺ .
-وأن القرآن له خصائصه من الإعجاز والتعبد به ووجوب المحافظة على أدائه بلفظه ونحو ذلك، وليس للحديث القدسي والنبوي شيء من هذه الخصائص؛ والحكمة في هذا التفريق أن الإعجاز منوط بألفاظ القرآن، فلو أبيح أداؤه بالمعنى لذهب إعجازه، وكان مظنة للتغيير والتبديل واختلاف الناس في أصل التشريع والتنزيل، أما الحديث القدسي والحديث النبوي فليست ألفاظهما مناط إعجاز، ولهذا أباح الله روايتهما بالمعنى، ولم يمنحهما تلك الخصائص والقداسة الممتازة التي منحها القرآن الكريم، تخفيفا على الأمة ورعاية لمصالح الخلق في الحالين من منح ومنع.
- أن ثواب تلاوة القرآن ثواب عظيم كما جاء في حديث ابن مسعود ﵁: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف
стр. 336
ولام حرف وميم حرف) (١)، والحديث القدسي والنبوي ليس في تلاوتهما الثواب الوارد لتلاوة القرآن (٢).
стр. 337
المطلب الأول
معنى الإيمان بالكتب وما يتضمنه .
بَيّن الشيخ ﵀ الإيمان بالكتب، وأن ذلك يتضمن التصديق بها، فيقول: "أخبر سبحانه بأنه أنزل القرآن مصدقا لما قبله من الكتب السماوية ومهيمنا عليها، يثبت منها ما شاء الله إثباته وينسخ منها ما شاء سبحانه" (١).
والإيمان بالكتب هو الركن الثالث من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، والكتب المنزلة من عند الله تعالى قسمان:
الأول: ما لم يرد تسميته في القرآن والسنة، وهي أكثرها، فهذه يجب الإيمان بها إجمالاً.
الثاني: ما ورد تسميته في القرآن والسنة، وهي:
١ - التوراة: المنزل على موسى ﵇.
٢ - الإنجيل: المنزل على عيسى ﵇.
٣ - الزبور: المنزل على داوود ﵇.
٤ - صحف إبراهيم وموسى ﵉.
٥ - القرآن العظيم المنزل على نبينا محمد ﷺ ، وهو آخرها.
فهذه يجب الإيمان بها على التعيين، ويزيد القرآن عليها -خاصة- بعد نزوله ونسخه لها بوجوب تصديقه والعمل بما فيه (٢).
стр. 338
- شرع من قبلنا:
وقال الشيخ عبد الرزاق ﵀: "بأن القرآن ذكر كثيراً مما اشتملت عليه التوراة؛ .. وأن الأدلة إنما دلت على وقوع التحريف فيهما، والنسخ إنما كان لبعض ما فيهما من أحكام فقط" (١).
قال شيخ الإسلام ﵀: " والذي عليه الأئمة وأكثر العلماء أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وهذا إنما هو فيما ثبت أنه شرع لمن قبلنا من نقل ثابت عن نبينا ﷺ ، أو بما تواتر عنهم، لا بما يروى فإن هذا لا يجوز أن يحتج به في شرع المسلمين أحد من المسلمين" (٢).
قال الشنقيطي ﵀: " وكون شرع من قبلنا الثابت بشرعنا شرعا لنا إلا بدليل على النسخ هو مذهب الجمهور منهم مالك وأبو حنيفة وأحمد في أشهر الروايتين، وخالف الإمام الشافعي ﵀ في أصح الروايات عنه فقال: إن شرع من قبلنا الثابت بشرعنا ليس شرعا لنا إلا بنص من شرعنا على أنه مشروع لنا وخالف أيضا في الصحيح عنه في أن الخطاب الخاص بالرسول ﷺ يشمل حكمه الأمة. واستدل للأول بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ المائدة: ٤٨، وللثاني: بأن الصيغة الخاصة بالرسول لا تشمل الأمة وضعا فإدخالها فيها صرف للفظ عن ظاهره فيحتاج إلى دليل منفصل وحمل الهدى في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ الأنعام: ٩٠، والدين في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ الشورى: ١٣، على خصوص الأصول التي هي التوحيد دون الفروع العملية لأنه تعالى قال في العقائد: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ الأنبياء: ٢٥،
стр. 339
وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ النحل: ٣٦، وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ الزخرف: ٤٥.
وقال في الفروع العملية: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ المائدة: ٤٨، فدل ذلك على اتفاقهم في الأصول واختلافهم في الفروع كما قال ﷺ : (إنا معشر الأنبياء إخوة لعلات ديننا واحد) (١) أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله" (٢).
стр. 340
المطلب الثاني
معنى الإيمان بالقرآن وما يتضمنه .
يسوق الشيخ ﵀ حديث زيد بن الأرقم في صحيح مسلم (١): (قال: قام رسول الله ﷺ يوماً فينا خطيباً بمكان يدعى خماً بين مكة والمدينة؛ فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: (أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به) فحث على كتاب الله ورغب فيه" (٢).
ويقول الشيخ ﵀: "القرآن منزل مقروء على الرسول ﷺ ، وهو مأمور بالاستماع له، واعتقاده، والعمل به" (٣).
وبين الشيخ ﵀ أن القرآن آخر الكتب السماوية، فيقول: "أنزل الله القرآن وجعله خاتم الكتب السماوية كما جعل نبيه محمداً ﷺ خاتم الأنبياء وجعل إليه بيان القرآن وتفضيل آياته وأحكامه بقوله وعمله وسيرته قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ النحل: ٤٤" (٤).
стр. 341
- خصائص القرآن:
١ - القرآن معجز:
بين الشيخ عبد الرزاق ﵀ كمال القرآن في تعليقه على قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ النساء: ٨٢،
فيقول: "الآية ظاهرة في نفي اختلاف التناقض عموماً عن القرآن؛ فلا تناقض في أخباره بل يصدق بعضها بعضاً ولا في أحكامه بل هي محض الحكمة البالغة والعدالة التامة، ولا ضعف في أسلوبه وعباراته؛ فإنه في ذروة الكمال فصاحة وبلاغة؛ فكان بذلك معجزاً في أخباره وأحكامه وحججه في براعة أسلوبه. وقد يكون التناقض بين آراء المجتهدين لاختلاف مداركهم ومع ذلك فمخطئهم معذور مأجور" (١).
وبين الشيخ عبد الرزاق ﵀ بأن القرآن مستغني عن غيره، فيقول: "القرآن مستغنٍ في بيانه عن غيره، فإن انضم إلى ذلك دليل العقل كان من تضافر النقل والعقل" (٢).
ويقول الشيخ ﵀: "والقرآن معجز برسالته" (٣).
القول بإعجاز القرآن مما اتفق عليه أهل القبلة في الجملة (٤)، وأقروا بكونه أظهر معجزات النبي ﷺ ، وأبينها وأعلاها، وأشرفها، ولأن هذه الشريعة -باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة- خصت بالمعجزة العقلية الباقية؛ ليراها ذوو البصائر، كما قال ﷺ : (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر؛ وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليَّ، فأَرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) (٥).
стр. 342
"قيل: إن معناه أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم، فلم يشاهدها إلا من حضرها. ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، وخرقُه العادةَ في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات، فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون، يدل على صحة دعواه.
وقيل: المعنى أن المعجزات الواضحة الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار؛ كناقة صالح وعصا موسى، ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة، فيكون من يتبعه لأجلها أكثر، لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده، والذي يشاهد بعين العقل باقٍ، يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمراً" (١).
قال ابن حجر ﵀: ويمكن نظم القولين في كلام واحد؛ فإن محصلهما لا ينافي بعضه بعضاً.
ولا خلاف بين العقلاء: أن كتاب الله تعالى معجز، لم يقدر واحد على معارضته بعد تحديهم بذلك، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ التوبة: ٦، فلولا أن سماعه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه، ولا يكون حجة إلا وهو معجزة (٢).
٢ - حفظ الله لكتابه:
وبين الشيخ ﵀ ذلك، فيقول: "وعد سبحانه الأمة بحفظ كتابه، وتكفل لها ببقاء دينه لتقوم به الحجة دائماً وتسقط المعاذير، حيث لا نبي بعد محمد ﷺ ولا تشريع بعد تشريعه، حتى يرث الله الأرض ومن عليها قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ الحجر: ٩، فقيض سبحانه لهذا الكتاب المبين من يحفظه من الزيادة فيه والنقص منه، ومن التقديم والتأخير في آياته أو كلماته، وتحريف ألفاظه أو معانيه بسوء فهمها وبيانها بغير ما قصد منها وأريد بها من التأويلات الباطلة والآراء الزائفة قصداً أو عن غير قصد، فما من عصر من العصور إلا وفيه من أئمة الدين وأهل البصيرة فيه من ينفي عن كتاب الله، ويدفع
стр. 343
عن سنة رسوله ﷺ ، ما كاد به أعداء الإسلام لهذا الدين الحنيف من تأويلات أدخلوا بها الريب والشكوك على من يستهويهم زخرف القول، ومن شبهات موهوها على ضعفاء العقول، إنجازاً من الله لوعيده في كتابه وتصديقاً لقول نبيه ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون ..) الحديث (١)، وإبقاءً للحجة على الخلق وحفاظاً لهذا النور وهذه الهداية رحمة بالعباد" (٢).
تكفل الله بحفظ القرآن لقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ الحجر: ٩، ووكل حفظ الكتب السابقة إلى من أنزلها إليهم، فوقع فيها التحريف والتبديل.
وهنا يقرر الشيخ ﵀ ما وقع في الكتب السماوية السابقة، فيقول: "الكتب السماوية السابقة وقع فيها كثير من التحريف والزيادة والنقص كما ذكر الله ذلك، فلا يجوز للمسلم أن يقدم على قراءتها والاطلاع عليها إلاَّ إذا كان من الراسخين في العلم ويريد بيان ما ورد فيها من التحريفات والتضارب بينها" (٣).
يعلق الشيخ ﵀ على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ القيامة: ١٩ فيقول: " والذي يظهر لي أن البيان عام لأنه اسم جنس مضاف؛ فالله تكفل لرسوله ﷺ بحفظ القرآن ونشره وإشهاره وتيسير تلاوته، وتكفل بإيضاح متشابهه بمحكمه، والدلالة على المراد بعامه ومطلقه" (٤).
وقد ضمن الله حفظ كتابه بأن لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه (٥)، ووعده الحق. ومن الأدلة الواضحة على حفظ الله لكتابه، عدد الذين أخذوا القرآن في الأمصار وفي
стр. 344
البوادي وفي الأسفار والحضر، وضبطوه حفظاً من بين صغير وكبير، وعرفوه حتى صار لا يشتبه على أحد منهم حرف، ولو زادوا ونقصوا أو غيروا لظهر (١).
الموانع التي تمنع شرعاً كتابة المصحف بغير العربية:
بين الشيخ ﵀ الموانع التي تمنع شرعاً كتابة المصحف بحروف لاتينية ونحوها وبيان ما فيها من الخطر، فيقول: " أولاً: ثبت أن كتابة المصحف في عهد النبي ﷺ وفي جمعه في عهد أبي بكر وجمعه في عهد عثمان ﵄ كانت بالحروف العربية، بل قصد عثمان ﵁ رسما معينا أمر بكتابته به عند اختلاف كتبة المصحف من الأنصار والقرشيين في رسم الحروف، ووافقه على ذلك الصحابة ﵃، وأجمع عليه التابعون ومن بعدهم إلى عصرنا، رغم وجود لغات وحروف غير عربية ووجود كتبة مسلمين من غير العرب ووجود من يحتاج إلى تسهيل القراءة من المصحف بحروف غير العربية، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) (٢)، فكانت المحافظة على كتابة المصحف بالحروف العربية واجبة عملاً بما كان في عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، وسائر الصحابة ﵃ والقرون المشهورة لها بالخير وعملاً بإجماع الأمة.
ثانياً: أن الحروف اللاتينية نوع من الحروف المصطلح على الكتابة بها عند أهلها، فهي قابلة للتغير والتبديل بحروف لغة أخرى بل حروف لغات أخرى مرة بعد مرة، فإذا فتح هذا الباب تسهيلا للقراءة فقد يفضي ذلك إلى التغيير كلما تغيرت اللغة، واختلف الاصطلاح في الكتابة لنفس العلة، وقد يؤدي ذلك إلى تحريف القرآن بتبديل بعض الحروف من بعض والزيادة عليها والنقص منها، ويخشى أن تختلف القراءة تبعاً لذلك ويقع فيها التخليط على مر الأيام والسنين، ويجد عدو الإسلام مدخلاً للطعن في القرآن بالاختلاف والاضطراب بين نسخه
стр. 345
وهذا من جنس البلاء الذي أصيبت به الكتب الإلهية الأولى حينما عبثت بها الأيدي والأفكار وقد جاءت شريعة الإسلام بسد ذرائع الشر والقضاء عليها محافظة على الدين، ومنعاً للشر والفساد.
ثالثاً: يخشى إذا رخص في ذلك أو أقر أن يصير كتاب الله- القرآن- ألعوبة بأيدي الناس، كلما عنّ لإنسان فكرة في كتابة القرآن اقترح تطبيقها فيه، فيقترح بعضهم كتابته بالعبرية وآخرون كتابته بالسريانية وهكذا مستندين في ذلك إلى ما استند إليه من كتبه بالحروف اللاتينية من التيسير ورفع الحرج والتوسع في الاطلاع والبلاغ وإقامة الحجة، وفي هذا ما فيه من الخطر العظيم. وقد نصح مالك بن أنس الرشيد (١)
أو جده المنصور (٢) ألا يهدم بناء الكعبة الذي أقامه عبد الملك بن مروان (٣) ليعيدها إلى بنائها الذي بناه عبد الله بن الزبير ﵁ على قواعد إبراهيم الخليل ﵇، خشية أن تصير الكعبة ألعوبة بأيدي الولاة" (٤).
стр. 346
والعلماء ﵏ حظروا كتابة القرآن بحروف غير عربية، وعلى هذا يجب عند ترجمة القرآن بهذا المعنى إلى أية لغة أن تكتب الآيات القرآنية إذا كتبت بالحروف العربية، كيلا يقع إخلال وتحريف في لفظه؛ فيتبعها تغير وفساد في معناه (١).
سئلت لجنة الفتوى في الأزهر (٢)
عن كتابة القرآن بالحروف اللاتينية، فأجابت بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسوله، بقولهم: "لا شك أن الحروف اللاتينية المعروفة خالية من عدة حروف توافق العربية، فلا تؤدي جميع ما تؤديه الحروف العربية فلو كتب القرآن الكريم بها على طريقة النظم العربي - كما يفهم من الاستفتاء- لوقع الإخلال والتحريف في لفظه، ويتبعهما تغير المعنى وفساده، وقد قضت نصوص الشريعة بأن يصان القرآن الكريم من كل ما يعرضه للتبديل والتحريف، وأجمع علماء الإسلام سلفاً وخلفاً على أن كل تصرف في القرآن يؤدي إلى تحريف في لفظه أو تغيير في معناه ممنوع منعاً باتاً، ومحرم تحريماً قاطعاً، وقد التزم الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم إلى يومنا هذا كتابة القرآن بالحروف العربية" (٣).
لأن الترجمة للقرآن الكريم بهذا المفهوم مستحيلة, وذلك لاعتبارات متعددة منها: طبيعة القرآن, ورسمه, وإعجازه, وأسلوبه, ومعانيه, ومبانيه, وبلاغته, وفصاحته, وقراءته، وتجويده, وغير ذلك.
стр. 347
تكاد كلمة الأئمة والفقهاء ومجتهدي المذاهب تتفق على حظر ترجمة القرآن الكريم، وسواء أكانت هذه الترجمة في الصلاة أو في غير الصلاة (١)، لولا الخلاف والاضطراب فيما نقل عن الإمام أبي حنيفة وصاحبيه من جواز قراءة القرآن بالفارسية في خصوص الصلاة للعاجز عن القراءة بالعربية (٢)، ولكن اتفق الحنفية جميعًا في كتاباتهم على أن أبا حنيفة رجع عن رأيه ولا يخفى أن المجتهد إذا رجع عن قوله لا يعد ذلك المرجوع عنه قولاً له.
جواز تفسير القرآن الكريم بغير العربية:
بين الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ جواز تفسير القرآن الكريم بغير العربية، فيقول: "آيات القرآن وإن لم يفهمها العجم، ومن في حكمهم من النصوص مباشرة، يمكن أن يفهموهما بتفسيرها لهم بلغتهم، وإذن لا يكون العيب فيها ولكن في تصورها" (٣).
إن عالمية الإسلام, وانتشاره يحتم ترجمة (٤) تفسير للقرآن الكريم إلى شتى لغات العالم, لئلا يحرم من ثمراته وفوائده أي مسلم على وجه البسيطة.
стр. 348
وتعدُّ الترجمة وسيلة من وسائل الدعوة, ومظهراً من مظاهر حوار الحضارات, قديماً وحديثاً ومستقبلاً. خاصة وأن ترجمة تفسير القرآن الكريم لها فوائد عظيمة منها: تبليغ معاني القرآن الكريم بتفسيره للأمة الإسلامية جمعاء, كل أمة بلسانها, ودفع الشبهات والأباطيل التي ألصقها أعداء الإسلام بالقرآن الكريم وتفسيره, وكشف النقاب عن جمال القرآن الكريم ومحاسنه, وإحياء لغة العرب, وتعريب الأعاجم.
ولا ريب في أن تفسير القرآن بلسان أعجمي لمن لا يحسن العربية، يجري في حكمه مجرى تفسيره بلسان عربي لمن يحسن العربية. فكلاهما عرض لما يفهمه المفسر من كتاب الله بلغة يفهمها مخاطبه، لا عرض لترجمة القرآن نفسه، وكلاهما لما يستطاع من المعاني والمقاصد، لا حكاية لجميع المقاصد. وتفسير القرآن الكريم يكفي في تحققه أن يكون بياناً لمراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية ولو جاء على احتمال واحد؛ لأن التفسير في اللغة هو الإيضاح والبيان، وهما يتحققان ببيان المعنى ولو من وجه ولأن التفسير في الاصطلاح علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله بقدر الطاقة البشرية وهذا يتحقق أيضاً بعرض معنى واحد من جملة معان يحتملها التنزيل. وإذا كان تفسير القرآن بياناً لمراد الله بقدر الطاقة البشرية، فهذا البيان يستوي فيه ما كان بلغة العرب وما ليس بلغة العرب، لأن كلاً منهما مقدور للبشر، وكلاً منهما يحتاجه البشر، بيد أنه لابد من أمرين: أن يستوفي هذا النوع شروط التفسير باعتبار أنه تفسير، وأن يستوفي شروط الترجمة باعتبار أنه نقل لما يمكن من معاني اللفظ العربي بلغة غير عربية (١).
أ- يرد الشيخ ﵀ على رشاد خليفة (١)
في الاستدلال على مسألة: دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، فيقول: " إن قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ النمل: ٨٨، دليل على دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس وجعل إثبات ذلك بالقرآن معجزة خالدة، وهذا خطأ بل تحريف للقرآن عن مواضعه وتفسير له بغير ما قصد منه ودل عليه وسياق الكلام، فإن الآية نزلت بيانا لأهوال يوم القيامة عند النفخ في الصور، بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ النمل: ٨٧، ثم قال بعدها: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً ...﴾، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ الواقعة: ٤ - ٦، فتفسيرها بدوران الأرض لتكون معجزة مخالف لسياق الكلام وخروج بها عن نظائرها من آيات القرآن الواردة في نفس الموضوع بل مخالف لظاهر الآية نفسها فإن الدوران لا يقابل الجمود بل الذي يقابل جمود الجبال وجعلها رواسي
стр. 351
للأرض كونها هباء منبثا كالعهن المنفوش تطيرها الرياح فتمر مر السحاب بعد أن كانت أحجارا صلبة متماسكة مستقره على الأرض أوتادا لها. فكيف يجعل الخطأ في بيان المراد من الآية معجزة يثبت بها أن محمداً ﷺ رسول الله، وأن القرآن تَنَزل من رب العالمين" (١).
هناك قاعدة عظيمة لأهل العلم وهي: أن قطعي الوحي وقطعي العقل لا يتعارضان، فقطعي العقل يؤيد قطعي الوحي، ولذا ألف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه العظيم (درء تعارض العقل والنقل) في أحد عشر مجلداً، فإن حدث تعارض بين العقل والنقل فالقطعي منهما يقضي على الظني، وإن حدث تعارض بين ظني الوحي وظني العقل فظني الوحي مقدم، حتى يثبت العقلي أو ينهار.
ودوران الأرض من الأمور التي لم يرد فيها نفي ولا إثبات لا في الكتاب ولا في السنة.
стр. 352
وأسوق الأقوال في هذه المسألة:
القول الأول: أن الشمس هي التي تدور على الأرض.
ووجه الدلالة أن إبراهيم ﵇، قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾ البقرة: ٢٥٨؛ إذاً الله أتى بها من المشرق؛ وهم يقولون: إن الله لم يأت بها من المشرق؛ ولكن الأرض بدورتها اطلعت عليها.
والله لم يقل: إن الله يدير الأرض حتى تُرى الشمس من المشرق؛ فأدرها حتى تُرى من المغرب! ويجب علينا أن نأخذ في هذا الأمر بظاهر القرآن، وألا نلتفت لقول أحد مخالف لظاهر القرآن؛ لأننا متعبدون بما يدل عليه القرآن؛ هذا من جهة؛ ولأن الذي أنزل القرآن أعلم بما خلق قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ الملك: ١٤؛ فإذا كان يقول في كلامه إن الشمس: «تأتي»، و «تطلع»، و «تغرب»، و «تزول»، و «تتوارى»؛ كل هذه الأفعال يضيفها إلى الشمس؛ لماذا نحن نجعلها على العكس من ذلك، ونضيفها إلى الأرض!!!
وعلى هذا نقول: إنَّ الشمس هي التي بدورانها يكون الليل والنهار، لأن الله أضاف الأفعال إليها، والنبي ﷺ حينما غربت الشمس قال لأبي ذر ﵁: (أتدري أين تذهب؟) (١) فأسند الذَّهاب إليها، ونحن نعلم علم اليقين أن الله تعالى أعلم بخلقه ولا نقبل حدْساً ولا ظناً، ولكن لو تيقنا يقيناً أن الشمس ثابتة في مكانها وأن الأرض تدور حولها، ويكون الليل والنهار، فحينئذ تأويل الآيات واجب حتى لا يخالف القرآن الشيء المقطوع به.
ومن الآيات الدالة على هذا المعنى قول الله ﵎: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ النمل: ٨٨.
بعض الناس قال إنَّ هذه الآية تعني دوران الأرض، فإنك ترى الجبال فتظنها ثابتة ولكنها تسير، وهذا غلط وقول على الله تعالى بلا علم لأن سياق الآية يأبى ذلك كما قال تعالى:
стр. 353
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩)﴾ النمل: ٨٧ - ٨٩.
فالآية واضحة أنها يوم القيامة، وأما من زعم بأن يوم القيامة تكون الأمور حقائق وهنا يقول: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ فلا حسبان في الآخرة، فهذا غلط أيضاً لأنه إذا كان الله أثبت هذا فيجب أن نؤمن به ولا نحرفه بعقولنا، ثم إن الله يقول: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ الحج: ٢، فإذا قلنا إن زلزلة الساعة هي قيامها، فقد بيَّن الله أن الناس يراهم الرائي فيظنهم سكارى وما هم بسكارى، وعلى كل حال فإن الواجب علينا جميعاً أن نجري الآيات على ظاهرها وأن نعرف السياق لأنه يعين المعنى، فكم من جملة في سياق يكون لها معنى ولو كانت في غير هذا السياق، لكان لها معنى آخر، ولكنها في هذا السياق يكون لها المعنى المناسب لهذا السياق (١).
стр. 354
القول الثاني: أن الأرض هي التي تدور حول نفسها وحول الشمس.
ومن أدلة هذا القول، قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ النمل: ٨٨، ووجه الاستدلال في هذه الآية الكريمة، أنه تعالى عرضها في مساق التذكير والتنبيه على قدرته الباهرة في هذا الكون.
فإن الخطاب للبشر هنا في الدنيا، لأن الآية وردت بصيغة الخطاب: قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ ...﴾ الآية، بنصب الجبال بالبناء للمعلوم، فهو تعالى يخاطب البشر، يخاطب كل ناظرٍ وكل عاقل، يرى بعينيه شيئاً يدعوه إلى التفكر والتأمل.
وقد يقول قائل: إن الآية وردت في سياق حديث الآخرة، وليست حكاية عن أحوال الدنيا؟
فيجاب بأن هذا القول بعيد، للأسباب التالية:
أولاً: اختلاف الصيغة عن سابقاتها في التعبير، فهناك قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ النمل: ٨٧، بالبناء للمجهول، وهنا وردت العبارة بلفظ الخطاب، ولو كان الحديث عن الآخرة لجاء التعبير (وتُرى الجبالُ) بالبناء للمجهول، على النسق السابق، أي تُرى في ذلك اليوم الجبالُ، برفع الجبال لا بنصبها، لأنه يصبح خبراً لا خطاباً، فهذه المغايرة تدل على أن الأمر هنا في الدنيا.
ثانياً: لفت القرآن أنظار المتأملين في آياته البينات، لفتة بديعة رائعة في قوله سبحانه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ النمل: ٨٨،فبين أن هذه الغرائب المدهشة في الدنيا هي أثر صنع الله وتدبيره لهذا الكون، والخراب والدمار لا يسمى صنعاً، ولا يدخل في حيز الإتقان، فعند قيام الساعة تتزلزل الجبال وتتطاير، ومثلُ هذا لا يقال له: صنعٌ، ولا يوصف بالإتقان.
ثالثاً: أخبرنا النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق أن الناس يحشرون يوم القيامة على أرض بيضاء مستوية كما في الصحيحين: (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء، عفراء، كقُرصة النَقِيِّ، ليس فيها عَلَمٌ لأحدٍ) (١)،أي مثل قرص الخبز الأبيض، الخالص البياض، فأين هي
стр. 355
الجبال حتى ينظر الناس إليها يوم القيامة؟ فهذا نص قاطع على أنه ليس في الآخرة جبال ولا وهاد، ولا قصور ولا بناء.
ومن الآيات الدالة أيضاً قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ الأنبياء: ٣٣، فقد أشارت الآية الكريمة، إشارة دقيقة لطيفة، إلى حركة الأرض ودورانها، للمتمعن في النص القرآني المعجز.
ووجه الاستدلال بالآية الكريمة من طريقين:
الأول: إطلاق الظرف الزماني وإرادة المظروف، فإن كلا من الليل والنهار ظرف زمان، ولا بد لهما من مكان، والمكان الذي يظهر فيه نور الليل والنهار هو الأرض؛ وإطلاق ظرف الزمان، وإرادة المحل والمكان، معروف في اللغة ومشهور، كإطلاق الصفة وإرادة الموصوف، والقرآن نزل بلغة العرب، وبالأساليب التي يتخاطبون بها.
الثاني: إن الله تعالى عبر عن هذه الأفلاك بصيغة الجمع فقال: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ الأنبياء: ٣٣، ولو كان الكلام عن الشمس والقمر فحسب، لذكرهما بلفظ التثنية، فقال: (يسبحان) فدل على أن الليل والنهار يسبحان أيضاً، ولما كان المراد بالليل والنهار الأرض فإن المعنى يصبح: إن الله خلق الأرض، والشمس، والقمر، كل من هذه الثلاثة، يسبح في ملكوت الله الواسع، ويكون في ذلك إشارة دقيقة، ولفتة عجيبة بارعة، على دوران الأرض وحركتها (١).
ومعنى قوله تعالى: ﴿يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ الأنبياء: ٣٣: أي يدورون كما نقله الحافظ ابن كثير عن ابن عباس قال: يدورون كما يدور الغزل في الفلكة، وكذا قال مجاهد (٢): فلا يدور المغزل