للأرض كونها هباء منبثا كالعهن المنفوش تطيرها الرياح فتمر مر السحاب بعد أن كانت أحجارا صلبة متماسكة مستقره على الأرض أوتادا لها. فكيف يجعل الخطأ في بيان المراد من الآية معجزة يثبت بها أن محمداً ﷺ رسول الله، وأن القرآن تَنَزل من رب العالمين" (١).
هناك قاعدة عظيمة لأهل العلم وهي: أن قطعي الوحي وقطعي العقل لا يتعارضان، فقطعي العقل يؤيد قطعي الوحي، ولذا ألف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه العظيم (درء تعارض العقل والنقل) في أحد عشر مجلداً، فإن حدث تعارض بين العقل والنقل فالقطعي منهما يقضي على الظني، وإن حدث تعارض بين ظني الوحي وظني العقل فظني الوحي مقدم، حتى يثبت العقلي أو ينهار.
ودوران الأرض من الأمور التي لم يرد فيها نفي ولا إثبات لا في الكتاب ولا في السنة.
стр. 352
وأسوق الأقوال في هذه المسألة:
القول الأول: أن الشمس هي التي تدور على الأرض.
ووجه الدلالة أن إبراهيم ﵇، قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾ البقرة: ٢٥٨؛ إذاً الله أتى بها من المشرق؛ وهم يقولون: إن الله لم يأت بها من المشرق؛ ولكن الأرض بدورتها اطلعت عليها.
والله لم يقل: إن الله يدير الأرض حتى تُرى الشمس من المشرق؛ فأدرها حتى تُرى من المغرب! ويجب علينا أن نأخذ في هذا الأمر بظاهر القرآن، وألا نلتفت لقول أحد مخالف لظاهر القرآن؛ لأننا متعبدون بما يدل عليه القرآن؛ هذا من جهة؛ ولأن الذي أنزل القرآن أعلم بما خلق قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ الملك: ١٤؛ فإذا كان يقول في كلامه إن الشمس: «تأتي»، و «تطلع»، و «تغرب»، و «تزول»، و «تتوارى»؛ كل هذه الأفعال يضيفها إلى الشمس؛ لماذا نحن نجعلها على العكس من ذلك، ونضيفها إلى الأرض!!!
وعلى هذا نقول: إنَّ الشمس هي التي بدورانها يكون الليل والنهار، لأن الله أضاف الأفعال إليها، والنبي ﷺ حينما غربت الشمس قال لأبي ذر ﵁: (أتدري أين تذهب؟) (١) فأسند الذَّهاب إليها، ونحن نعلم علم اليقين أن الله تعالى أعلم بخلقه ولا نقبل حدْساً ولا ظناً، ولكن لو تيقنا يقيناً أن الشمس ثابتة في مكانها وأن الأرض تدور حولها، ويكون الليل والنهار، فحينئذ تأويل الآيات واجب حتى لا يخالف القرآن الشيء المقطوع به.
ومن الآيات الدالة على هذا المعنى قول الله ﵎: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ النمل: ٨٨.
بعض الناس قال إنَّ هذه الآية تعني دوران الأرض، فإنك ترى الجبال فتظنها ثابتة ولكنها تسير، وهذا غلط وقول على الله تعالى بلا علم لأن سياق الآية يأبى ذلك كما قال تعالى:
стр. 353
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩)﴾ النمل: ٨٧ - ٨٩.
فالآية واضحة أنها يوم القيامة، وأما من زعم بأن يوم القيامة تكون الأمور حقائق وهنا يقول: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ فلا حسبان في الآخرة، فهذا غلط أيضاً لأنه إذا كان الله أثبت هذا فيجب أن نؤمن به ولا نحرفه بعقولنا، ثم إن الله يقول: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ الحج: ٢، فإذا قلنا إن زلزلة الساعة هي قيامها، فقد بيَّن الله أن الناس يراهم الرائي فيظنهم سكارى وما هم بسكارى، وعلى كل حال فإن الواجب علينا جميعاً أن نجري الآيات على ظاهرها وأن نعرف السياق لأنه يعين المعنى، فكم من جملة في سياق يكون لها معنى ولو كانت في غير هذا السياق، لكان لها معنى آخر، ولكنها في هذا السياق يكون لها المعنى المناسب لهذا السياق (١).
стр. 354
القول الثاني: أن الأرض هي التي تدور حول نفسها وحول الشمس.
ومن أدلة هذا القول، قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ النمل: ٨٨، ووجه الاستدلال في هذه الآية الكريمة، أنه تعالى عرضها في مساق التذكير والتنبيه على قدرته الباهرة في هذا الكون.
فإن الخطاب للبشر هنا في الدنيا، لأن الآية وردت بصيغة الخطاب: قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ ...﴾ الآية، بنصب الجبال بالبناء للمعلوم، فهو تعالى يخاطب البشر، يخاطب كل ناظرٍ وكل عاقل، يرى بعينيه شيئاً يدعوه إلى التفكر والتأمل.
وقد يقول قائل: إن الآية وردت في سياق حديث الآخرة، وليست حكاية عن أحوال الدنيا؟
فيجاب بأن هذا القول بعيد، للأسباب التالية:
أولاً: اختلاف الصيغة عن سابقاتها في التعبير، فهناك قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ النمل: ٨٧، بالبناء للمجهول، وهنا وردت العبارة بلفظ الخطاب، ولو كان الحديث عن الآخرة لجاء التعبير (وتُرى الجبالُ) بالبناء للمجهول، على النسق السابق، أي تُرى في ذلك اليوم الجبالُ، برفع الجبال لا بنصبها، لأنه يصبح خبراً لا خطاباً، فهذه المغايرة تدل على أن الأمر هنا في الدنيا.
ثانياً: لفت القرآن أنظار المتأملين في آياته البينات، لفتة بديعة رائعة في قوله سبحانه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ النمل: ٨٨،فبين أن هذه الغرائب المدهشة في الدنيا هي أثر صنع الله وتدبيره لهذا الكون، والخراب والدمار لا يسمى صنعاً، ولا يدخل في حيز الإتقان، فعند قيام الساعة تتزلزل الجبال وتتطاير، ومثلُ هذا لا يقال له: صنعٌ، ولا يوصف بالإتقان.
ثالثاً: أخبرنا النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق أن الناس يحشرون يوم القيامة على أرض بيضاء مستوية كما في الصحيحين: (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء، عفراء، كقُرصة النَقِيِّ، ليس فيها عَلَمٌ لأحدٍ) (١)،أي مثل قرص الخبز الأبيض، الخالص البياض، فأين هي
стр. 355
الجبال حتى ينظر الناس إليها يوم القيامة؟ فهذا نص قاطع على أنه ليس في الآخرة جبال ولا وهاد، ولا قصور ولا بناء.
ومن الآيات الدالة أيضاً قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ الأنبياء: ٣٣، فقد أشارت الآية الكريمة، إشارة دقيقة لطيفة، إلى حركة الأرض ودورانها، للمتمعن في النص القرآني المعجز.
ووجه الاستدلال بالآية الكريمة من طريقين:
الأول: إطلاق الظرف الزماني وإرادة المظروف، فإن كلا من الليل والنهار ظرف زمان، ولا بد لهما من مكان، والمكان الذي يظهر فيه نور الليل والنهار هو الأرض؛ وإطلاق ظرف الزمان، وإرادة المحل والمكان، معروف في اللغة ومشهور، كإطلاق الصفة وإرادة الموصوف، والقرآن نزل بلغة العرب، وبالأساليب التي يتخاطبون بها.
الثاني: إن الله تعالى عبر عن هذه الأفلاك بصيغة الجمع فقال: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ الأنبياء: ٣٣، ولو كان الكلام عن الشمس والقمر فحسب، لذكرهما بلفظ التثنية، فقال: (يسبحان) فدل على أن الليل والنهار يسبحان أيضاً، ولما كان المراد بالليل والنهار الأرض فإن المعنى يصبح: إن الله خلق الأرض، والشمس، والقمر، كل من هذه الثلاثة، يسبح في ملكوت الله الواسع، ويكون في ذلك إشارة دقيقة، ولفتة عجيبة بارعة، على دوران الأرض وحركتها (١).
ومعنى قوله تعالى: ﴿يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ الأنبياء: ٣٣: أي يدورون كما نقله الحافظ ابن كثير عن ابن عباس قال: يدورون كما يدور الغزل في الفلكة، وكذا قال مجاهد (٢): فلا يدور المغزل
стр. 356
إلا بالفلكة، ولا الفلكة إلا بالمغزل، كذلك النجوم والشمس والقمر، لا يدورون إلا به، ولا يدور إلا بهن، كما قال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ الأنعام: ٩٦ (١).
ونستطيع أن نقول:
١ - أن العلم والقرآن لا يمكن -عقلا- أن يتعارضا؛ وذلك لأن مصدرهما واحد وغايتهما واحدة، فمصدرهما هو الله ، فالله هو الذي خلق هذا الكون وما فيه من معارف وعلوم، وهو الذي شرع هذا الدين وما فيه من أخبار وأحكام، وما كان من الله فإنه لا يتناقض.
٢ - السبب في عدم قول العلماء -ومنهم الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ بدوران الأرض هو عدم صحة الدليل النقلي عندهم في ذلك بالإضافة إلى ظنهم أن إثبات دوران الأرض مجرد نظريات قابلة للنقض. ولا شك أن دوران الأرض حول نفسها ثم حول المجموعة الشمسية بأكملها وحول المجرة أصبح حقيقة علمية ثابتة.
٣ - والعلماء يقولون (٢) إذا ثبت لدينا بالدليل القاطع أن اختلاف الليل والنهار بسبب دوران الأرض فليس في القرآن ما ينفي ذلك.
٤ - لقد أصبح دوران الأرض حقيقة علمية مقطوعاً بها (٣)، مشاهدة بالصور التي بثتها الأقمار الصناعية، ولم تعد نظرية تحتمل النقاش والجدل .. رآها رواد الفضاء وهم في
стр. 357
مركبتهم الفضائية تسبح في هذا الكون الرحب الفسيح، تشرق عليهم وتغرب شأنها كشأن سائر الكواكب، فصوروها حالة الإشراق وحال المغيب، ولا يمكن للعاقل أن يكذب ما يراه بالبصر، لأن إنكار المحسوسات ضرب من الخَبَل؛ وما ظاهرة الخسوف والكسوف، وظاهرة الليل والنهار، وتعاقب الفصول الأربعة، إلا دليل واضح على دوران الأرض.
ب- يرد الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ كذلك على رشاد خليفة: في استدلاله على أن نور القمر مستفاد من الشمس، فيقول: " إن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا ...﴾ يونس: ٥، وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ الفرقان: ٦١،دليل على أن نور القمر مستفاد من نور الشمس، وذلك دليل على إعجاز القرآن وهذا استنباط باطل، فإنه ليس في الآيتين دليل على ذلك ولا فهم العرب منهما هذه النظرية العلمية وهم أهل العربية وأعرف باللغة التي بها نزل القرآن. وإعجاز القرآن لا يحتاج في إثباته إلى ما ذكر المحاضر وكون نور القمر مستفاداً من نور الشمس لا يتوقف ثبوته على القرآن، بل عرف من طريق آخر كحادث خسوف القمر المتكرر على مر الزمان ومعرفة ذلك في متناول البشر ... فيعرف من له دراية بعلم الفلك، فكيف يجعل ذلك دليلاً تثبت به الرسالة وإعجاز القرآن" (١).
"إن كثراً ممن كتب في الإعجاز العلمي ليس ممن له قدم في العلم الشرعي فضلاً عن علم التفسير، وكان من أخطار ذلك أن جُعلت الأبحاث في العلوم التجريبية أصلاً يُحتكمون إليه، كما وقع لغيرهم من الطوائف المنحرفة. والذي يدل على وقوع الانحراف في هذا الاتجاه الحرص الزائد على إثبات حديث القرآن عن كثير من القضايا التي ناقشها الباحثون التجريبيون ...
وإن كتاب الله أعلى وأجل من أن يجعل عرضة لهذه العقول التي لم تتأصل في علم التفسير، فأين هم من قول القائل: "اتقوا التفسير، فإنما هو الرواية عن الله"؟ ...
стр. 358
وإن إشارة القرآن إلى بعض هذه المسائل المرتبطة بالعلوم التجريبية لم يكن هو المقصد الأول، ولم ينزل القرآن من أجلها، وإذا وازنت بين المعلومات العقدية والشرعية، ظهر لك أن المعلومات العقدية الشرعية -أي: كيف يعرفون ربهم، وكيف يعبدونه- هي الأصل المراد بإنزال القرآن، وهي التي تكفل الله ببيانها للناس، أما المعلومات الدنيوية بما فيها العلوم التجريبية فهي موكولة للناس، وإن جاءت فإنها تجيء مرتبطة بالدلالة على حكم عقدي أو شرعي، فهي جاءت تبعاً وليس أصالةً؛ أي أن القرآن لم يقصد أن يذكرها على أنها حقيقة علمية مجردة، بل ليستدل بها مثلاً: على توحيد الله وأحقيته للعبادة، أو على حكم تشريعي، أو على إثبات اليوم الآخر" (١).
وقد تكون بعض القضايا العلمية صحيحة في ذاتها، لكن الخطأ يقع في كون الآية تدل عليه، وتفسر بها، كما في هذه المسألة فحقيقة أن نور القمر مستفاد من نور الشمس حقيقة علمية ثابتة (٢)، إلا أن الاستدلال عليها بهذه الآيتين، فيه نوع من تفسيرهما بغير المراد منهما، والله أعلم.
стр. 359
المبحث الثالث
جهوده في تقرير الإيمان بالرسل .
تمهيد
في تعريف النبي والفرق بينه وبين الرسول والحكمة من إرسال الرسل .
يعرف الشيخ ﵀ النبيّ فيقول: "النبيّ: مشتق من النبأ، بمعنى: الخبر، فإن كان المراد أنه يخبر أمته بما أوْحى الله إليه، فهو فعيل، بمعنى: فاعل، وإن كان المراد أن الله يخبره بما يوحي إليه، فهو فعيل، بمعنى: مفعول، ويصحّ أن يكون مأخوذاً من النَّبء (بالهمزة وسكون الباء)، أو النبوة، أو النباوة (بالواو)، وكلها بمعنى: الارتفاع والظهور، وذلك لرفعة قدر النبي، وظهور شأنه، وعلوّ منزلته" (١).
النبي لغة: مأخوذ من (النبأ) بمعنى الخبر، أو (النَّبَاوَة) أو (النَّبْوَة) بمعنى العلو والرفعة (٢).
والربط بين النبي والمعنى اللغوي واضح ذلك أن النبي ذو رفعة وقدر عظيم في الدنيا والآخرة، فالأنبياء كما هو معلوم أشرف خلق الله وهم الأعلام التي يهتدي بها العباد فيما يكون فيه صلاح دينهم ودنياهم (٣).
والرسول لغة: مأخوذ من (الإرسال) بمعنى البعث والتوجيه، يقال، أرسلت فلاناً في رسالة: أي بعثته، فهو مرسل ورسول؛ ويجمع الرسول على أرْسُل، ورُسُل ورُسْل، ورُسَلاَءَ، وسُمُّوا الرُّسُل بذلك لأنهم مبعوثون وموجهون من قبل الله ، لتبليغ الخلق أمر الله ووحْيه (٤).
стр. 360
ويعرف الشيخ ﵀ الوحي بقوله: "الوحي لغة: الإعلام في خفاء بإشارة، أو كتابة، أو إلهام، أو مناجاة، أو نحو ذلك.
وشرعاً: هو إعلام الله نبيه بحكم شرعي، ونحوه، بواسطة، أو بغير واسطة" (١).
ووحي التشريع من خصائص الأنبياء والرسل، قال ﵀: " لا نعلم أن الله أوحى إلى أحد غير الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وحي تشريع؛ أما وحي الإلهام فقد أوحى الله إلى أم موسى وإلى النحل، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ القصص: ٧، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾ النحل: ٦٨" (٢).
الوحي الكِتاب وجمعه وحِيٌّ. وهو أيضاً الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفيِّ وكل ما ألقَيْتَه إلى غيرك يقال وَحَى إليه الكلام يحِيهِ وحياً وأَوْحَى أيضاً وهو أَن يكلّمه بكلام يخفيه. ووَحَى وأَوْحَى أيضاً أي كتَبَ. وأَوْحَى اللهُ إلى أنبيائه. وأَوْحَى أشار قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ مريم: ١١ (٣).
стр. 361
أما أنواع الوحي بالمعنى اللغوي (١):
١ - إلهام الخواطر أو الإلهام الفطري للإنسان وهو ما يلقيه الله في روع الإنسان السليم الفطرة، الطاهر الروح، كالوحي إلى أم موسى، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ القصص: ٧. ومنه الوحي إلى الحواريين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾ المائدة: ١١١.
٢ - الإلهام الغريزي للحيوان، كالوحي إلى النحل، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾ النحل: ٦٨.
٣ - الأمر الكوني للجمادات، ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ الزلزلة: ١ - ٥، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ فصلت: ١٢.
٤ - ما يلقيه الله إلى الملائكة من أمر ليفعلوه، ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الأنفال: ١٢، وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ النجم: ١٠، فالإيحاء الأول من الله سبحانه إلى جبريل ﵇ والثاني من جبريل إلى محمد ﷺ .
стр. 362
٥ - الإشارة السريعة بجارحة من الجوارح كإيحاء زكريا ﵇ إلى قومه ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾ مريم: ١١.
٦ - وسوسة الشيطان، ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ الأنعام: ١٢١، و ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ الأنعام:١١٢.
وأما أنواع الوحي بالمعنى الشرعي (١)، فهي:
١ - أن يأتي الملك الرسول كصلصة جرس في شدة الصوت، وهو أشده على النبي ﷺ ، فقد جاءه مرة وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقل على زيد حتى كاد يرض فخذه (٢)، وهذا النوع من أشهر الأنواع وأكثرها، ووحي القرآن كله من هذا القبيل ولم ينزل شيء من القرآن على الرسول ﷺ بغير هذا النوع، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥، وقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ النحل: ١٠٢.
٢ - أن يتمثل له الملك رجلاً فيكلمه (٣)، وهو أخف عليه.
٣ - الرؤيا المنامية (٤)، وهو أول مراتب الوحي كما جاء في حديث عائشة ﵂: (أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة - وعند مسلم
стр. 363
الصادقة- في النوم وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ... الحديث) (١)، ووقع الوحي لإبراهيم ﵇ في المنام كما جاء عنه في القرآن قوله: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾ الصافات: ١٠٢ - ١٠٥.
٤ - الإلقاء في القلب أو الإلهام أو النفث، ومنه حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن روح القدس نفث في روعي (٢) أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها، ألا فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب) (٣).
٥ - أن يأتيه الملك على صورته الحقيقية. كما أتى جبريل النبي ﷺ على صورته الحقيقية (٤).
٦ - أن يكلمه الله سبحانه، كما كلمه في ليلة الإسراء والمعراج، وهو أسمى درجاته.
стр. 364
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ الشورى: ٥١، ومنه تكليم الله لنبينا محمد ﷺ في المعراج حيث قال: (فأوحى الله إلي ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة) (١).
والوحي بجميع أنواعه بالمعنى الشرعي يصحبه علم يقيني ضروري من النبي بأن ما ألقي إليه حق من عند الله ليس من خطرات النفس ولا وسوسة الشياطين وهذا العلم اليقيني لا يحتاج إلى مقدمات وإنما هو من قبيل إدراك الأمور الوجدانية كالجوع والعطش (٢).
- الفرق بين النبي والرسول:
بين الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ الفرق بينهما، فيقول: "إن الرسول من بعثه الله إلى قوم، وأنزل عليه كتاباً، أو لم ينزّل عليه كتاباً لكن أوحى إليه بحكم لم يكن في شريعة من قبله؛ والنبيّ من أمره الله أن يدعو إلى شريعة سابقة دون أن ينزل عليه كتاباً، أو يوحي إليه بحكم جديد ناسخ أو غير ناسخ، وعلى ذلك، فكل رسول نبي، ولا عكس، وقيل: هما مترادفان، والأول أصح" (٣).
اختلف الناس في تعريف النبي والرسول، والفرق بينهما على قولين كما بينهما الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀:
أحدهما: أنهما بمعنى واحد، ولا فرق بينهما (٤).
ثانيهما: أنهما متغايران (٥).
стр. 365
والقول بالمغايرة بينهما، وثبوت الفرق فيهما هو قول الجمهور، وإن اختلفوا في تحديد وجهه (١).
وهو ما قرره الشيخ ﵀.
وقد فرق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بين النبي والرسول، بقوله: " النبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة، فهو نبي وليس برسول قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الحج: ٥٢، وقوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الحج: ٥٢، فذكر إرسالاً يعمّ النوعين، وقد خص أحدهما بأنه رسول، فإن هذا هو الرسول المطلق الذي أمره بتبليغ رسالته إلى من خالف الله كنوح ﵇، وقد كان قبله أنبياء كشيث وإدريس وقبلهما آدم كان نبيا مكلماً، فأولئك الأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين لكونهم مؤمنين بهم، وكذلك أنبياء بني إسرائيل يأمرون بشريعة التوراة وقد يوحى إلى أحدهم وحي خاص في قصة معينة ولكن كانوا في شرع التوراة فإن أرسلوا إلى كفار يدعونهم إلى توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له فهم رسل، وليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة فإن يوسف كان رسولا وكان على ملة إبراهيم وداود وسليمان كانا رسولين وكانا على شريعة التوراة" (٢).
وعليه فالنبي والرسول بينهما عموم وخصوص مطلق، وكذا النبوة والرسالة، فالرسالة أعم من جهة نفسها؛ إذ النبوة داخلة في الرسالة، كما أنها أخص من جهة أهلها؛ إذ كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً، والرسالة أفضل من النبوة، والرسول أفضل من النبي (٣).
стр. 366
المطلب الأول
الإيمان بالأنبياء والرسل عموماً:
- الإيمان برسالة الأنبياء:
يقول الشيخ عبد الرزاق ﵀: "يجب الإيمان برسالة كل من ثبتت رسالته بالقرآن أو السنة الصحيحة فمن آمن ببعضهم وكفر ببعض فقد كفر؛ لقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ البقرة: ٢٨٥، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ النساء: ١٥٠ - ١٥٢" (١).
ويقول الشيخ ﵀ كذلك: "وجوب تكليف العباد بما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام .. عقيدة وعملاً" (٢).
الإيمان بأنبياء الله ورسله ركنٌ من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، وهذا الركن لا بد له من أربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى.
الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه، ومن لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالاً فإن لله رسلاً وأنبياء لا يعلم عددهم وأسماءهم إلا هو سبحانه.
الثالث: تصديق ما صح عنهم من أخبارهم.
стр. 367
الرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم محمد ﷺ المرسل إلى جميع الناس (١).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وبالجملة فينبغي للعاقل أن يعلم أن قيام دين الله في الأرض إنما هو بواسطة المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فلولا الرسل لما عبد الله وحده لا شريك له، ولما علم الناس أكثر ما يستحقه سبحانه من الأسماء الحسنى والصفات العُلى، ولا كانت له شريعة في الأرض" (٢).
قال ابن كثير ﵀: " ... والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيماناً شرعياً، إنما هو عن غرض وهوى وعصبية" (٣). فمن آمن ببعض الرسل وكفر ببعضهم أو كلهم لا غبار على وضوح كفره لأن كفره بالرسل كفر بالله تعالى.
ويحكي ابن تيمية ﵀ الإجماع على كفر ساب نبي من الأنبياء أو إنكار رسالته، فيقول: "من خصائص الأنبياء أن من سب نبياً من الأنبياء قتل باتفاق الأئمة، وكان مرتداً، كما أن من كفر به وبما جاء به كان مرتداً، فإن الإيمان لا يتم إلا بالإيمان بالله وملائكته ورسله" (٤).
ويقول أيضاً: "والمسلمون آمنوا بالأنبياء كلهم ولم يفرقوا بين أحد منهم، فإن الإيمان بجميع النبيين فرض واجب، ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم كلهم، ومن سبّ نبياً من الأنبياء فهو كافر يجب قتله باتفاق العلماء" (٥).
стр. 368
ويقول ابن تيمية ﵀: " وسبهم -أي الأنبياء- كفر وردة إن كان من مسلم، ومحاربة إن كان من ذمي" (١).
- حاجة البشر إلى الرُسل:
يبين الشيخ ﵀ حاجة البشر إلى الرسل، فيقول: "لا يليق بعاقل رشيد عرف كمال حكمة الله وسعة رحمته، وعرف واقع الناس وما هم فيه من هرج ومرج وفساد وضلال؛ أن ينكر حاجة البشر إلى قيادة رشيدة، عمادها وحي الله وشريعته، تعتصم به، وتدعو الناس إليه، وتهديهم إلى سواء السبيل. فإن الإنسان قد يقصر عقله في كثير من أحواله وشؤونه ... وقد يعجز عن العلم بما يجب عليه عمله ... فكان في ضرورة إلى معين يساعده في ما قصر عنه إدراكه أو عجز عنه فهمه، ويهديه الطريق في أصول دينه ... ومن أجل ذلك أرسل الله الرسل وأنزل الكتب" (٢).
وقال كذلك - في حديثه عن حاجة البشر للرسل-: "بل في أشد الضرورة إليهم؛ لأن عقول الناس مختلفة أعظم اختلاف، ولا تستطيع أن تستقل بمعرفة ما يرضي الله سبحانه أو يسخطه من الأقوال والأعمال والعقائد، ومن أجل ذلك أرسل الله رسله من نوح ﵊ إلى أن ختموا بنبينا محمد ﷺ الذي بعثه الله بدين شامل كامل باق عام للبشرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين" (٣).
ويبين الشيخ ﵀ بعض الحكم من إرسال الرسل، فيقول: "اقتضت حكمة الله أن يرسل رسله بالهدى ودين الحق رحمة منه بعباده، وإقامة للعدل بينهم، وتبصيراً لهم بما يجب عليهم من حقوق خالقهم وحقوق أنفسهم وإخوانهم، وإعانةً لهم على أنفسهم، وإعذاراً إليهم؛ فإنه لا أحد أحب إليه من العذر من الله، فمن أجل ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب .. بل إن الله أرسلهم لمصالح البشر وسعادتهم في الدنيا والآخرة .. " (٤).
стр. 369
وما أروع كلام ابن تيمية عندما يتحدث عن حاجة البشر إلى الرسالات، فيقول: " والرسالة ضرورية للعباد لابدّ لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟ والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة، ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة، وهو من الأموات، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ الأنعام: ١٢٢. فهذا وصف المؤمن كان ميتاً في ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان، وجعل له نورا يمشى به في الناس وأما الكافر فميت القلب في الظلمات" (١).
ويؤكد ابن القيم على ضرورة وأهمية الإيمان بالأنبياء ﵈، فيقول: "لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا، ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا يُنال رضا الله ألبته إلا على أيديهم، فالطيّب من الأعمال والأقوال والأخلاق، ليس إلا هديهم وما جاؤوا به، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأعمال والأخلاق، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير، وما ظنك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين، فسد قلبك، وصار كالحوت إذا فارق الماء ووضع في المقلاة، فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال، بل أعظم، ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي وما لجرح بميت إيلام" (٢).
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: "قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦ ... ولهذا أعطى الله البشر عقولاً، وأرسل إليهم رسلاً، وأنزل عليهم كتباً، ولو كان الغرض من خلقهم كالغرض من خلق البهائم؛ لضاعت الحكمة من
стр. 370
إرسال الرسل، وإنزال الكتب؛ لأنه في النهاية يكون كشجرة نبتت، ونمت، وتحطمت، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ القصص: ٨٥، فلابد أن يردك إلى معادٍ تجازى على عملك إن خيراً فخير، وإن شراً فشر" (١).
- سبب جعل الرسل من البشر:
يبين الشيخ ﵀ سبب ذلك، فيقول: " أما إرسالهم من البشر؛ فلأن ذلك أكمل في إقامة الحجة؛ لكونهم من جنسهم يستطيعون التفاهم معهم وسؤالهم عما يهمهم ويتمكنون من فهم كلامهم؛ لقول الله : ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾ الإسراء: ٩٤ - ٩٥، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ إبراهيم: ٤" (٢).
ويقول الشيخ ﵀ كذلك: " وإرسال الله الرسل ليس مستحيلاً في نفسه، ولا عبثاً حتى يجافي حكمة الله؛ بل هو جائز عقلاً، داخل في نطاق قدرة الله الشاملة وإرادته النافذة .. وإن الفطر السليمة التي فطر الله عليها الناس لا تستبعد أيضاً ما مضت به سنة الله في عباده، وقضت به حكمته وعدله في خلقه من إرساله سبحانه رسلاً مبشرين ومنذرين .. وليس بدعاً أن يختار الله نبياً من البشر، ويبعث في الناس رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، بل ذلك مقتضى الحكمة وموجب العقل وما جرت به سنة الله في أنبيائه .. وشاء الله أن يكون سكان الأرض من البشر؛ فاقتضت حكمته أن يكون رسوله إليهم من جنسهم، بل اقتضت حكمته ما هو أخص من ذلك وأقرب إلى الوصول للغاية وتحصيل المقصود من الرسالة .. ومن نظر في آيات القرآن، وعرف تاريخ الأمم؛ تبين له أن سنة الله في عباده أن يرسل إليهم رسلاً من أنفسهم" (٣).
стр. 371
ويبين الشيخ ﵀ معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ الفرقان: ٢٠، قائلاً: " القصد من الآية الرد على من كفر برسالة محمد ﷺ لزعمه أن الرسول إنما يكون من الملائكة لا من البشر، فرد الله عليهم زعمهم ببيان أن سننه سبحانه في إرسال رسل إلى البشر أن يصطفيهم من البشر، وأنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق شأنهم في ذلك شأن البشر" (١).
شاء الله الحكيم الخبير أن يكون الرسل الذين يرسلهم إلى البشر من البشر أنفسهم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ الكهف: ١١٠، ولم يكونوا من الملائكة لعدة أسباب منها:
-أن الله اختارهم بشراً لا ملائكة لأنه أعظم في الابتلاء والاختبار، ففي الحديث القدسي الذي يرويه مسلم في صحيحه: (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك) (٢).
-أن في هذا إكراماً لمن سبقت لهم منه الحسنى، فإن اختيار الله لبعض عباده ليكونوا رسلاً تفضيلاً لهم، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾ مريم: ٥٨.
-أن البشر أقدر على القيام والتوجيه، وهم الذين يصلحون قدوة وأسوة.
-صعوبة رؤية الملائكة، فالكفار عندما يقترحون رؤية الملائكة، وأن يكون الرسل إليهم ملائكة لا يدركون طبيعة الملائكة، ولا يعلمون مدى المشقة والعناء الذي سيلحق بهم من جراء ذلك.
فالاتصال بالملائكة ورؤيتهم أمر ليس بسهل، فالرسول ﷺ مع كونه أفضل الخلق، وهو على جانب عظيم من القوة الجسمية والنفسية عندما رأى جبريل على صورته أصابه هول عظيم ورجع إلى منزله يرجف فؤاده، وقد كان ﷺ يعاني من اتصال الوحي به شدّة، ولذلك قال تعالى في الرد عليهم: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ
стр. 372
لِلْمُجْرِمِينَ﴾ الفرقان: ٢٢، ذلك أنّ الكفار لا يرون الملائكة إلا حين الموت أو حين نزول العذاب، فلو قُدِّر أنهم رأوا الملائكة لكان ذلك اليوم يوم هلاكهم.
فكان إرسال الرسل من البشر ضرورياً كي يتمكنوا من مخاطبتهم والفقه عنهم، والفهم منهم، ولو بعث الله رسله إليهم من الملائكة لما أمكنهم ذلك. قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾ الإسراء: ٩٤ - ٩٥، فلو كان سكان الأرض ملائكة لأرسل الله إليهم رسولاً من جنسهم، أما وأن الذين يسكنون الأرض بشر فرحمة الله وحكمته تقتضي أن يكون رسولهم من جنسهم قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ آل عمران: ١٦٤، وإذا كان البشر لا يستطيعون رؤية الملائكة والتلقي عنهم بيسر وسهوله فيقتضي هذا -لو شاء الله أن يرسل مَلكاً رسولاً إلى البشر- أن يجعله رجلاً قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ الأنعام: ٩، فالله يخبر أنه" لو بعث رسولاً ملكياً، لكان على هيئة رجل، ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس الأمر عليهم" (١).
والتباس الأمر عليهم بسبب كونه في صورة رجل، فلا يستطيعون أن يتحققوا من كونه ملكاً، وإذا كان الأمر كذلك فلا فائدة من إرسال الرسل من الملائكة على هذا النحو، بل إرسالهم من الملائكة على هذا النحو لا يحقق الغرض المطلوب، لكونه الرسول الملك لا يستطيع أن يحس بإحساس البشر وعواطفهم وانفعالاتهم وإن تشكل بأشكالهم (٢).
стр. 373
- الفرق بين الرسل:
يقول الشيخ ﵀: "وأما الفرق بين الرسل في المكانة والمنزلة والتفاوت بينهم في الفضل والدرجة فهذا صحيح ورد به النص الشرعي، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ البقرة: ٢٥٣،وأفضلهم أولو العزم، وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وأفضل هؤلاء الخمسة الخليلان إبراهيم ومحمد لاختصاصهما بالخلة وهي كمال المحبة عليهم الصلاة والسلام، وأفضل الرسل على الإطلاق خاتم النبيين محمد عليهم الصلاة والسلام؛ لحديث: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع) (١)، وحديث: (أنا قائد المرسلين ولا فخر، وأنا خاتم النبيين ولا فخر ...) (٢)، وحديث: (أنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة) (٣)، وأحاديث اختصاصه بالشفاعة العظمى وإقدامه عليها بعد اعتذار الأنبياء عنها، وإنقاذ الناس من هول الموقف بشفاعته لهم (٤)
وغير ذلك من الأحاديث التي وردت في تفضيله، وإجماع الأمة على ذلك" (٥).
ثم بين الشيخ ﵀ الأدب عند المفاضلة بينهم، فقال: " إلاَّ أنه ينبغي للمسلم أن يتأدب مع الأنبياء فلا يخوض في التفضيل بينهم إلاَّ في مقام التعليم والإرشاد ونحو ذلك، خشية أن يجر ذلك إلى الجدل والتفاخر، وأن يكون ذريعة إلى انتقاص بعضهم، فعن أبي هريرة ﵁ أنه
стр. 374
قال: (استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال اليهودي في قسم يقسمه: (والذي اصطفى موسى على العالمين) فرفع المسلم يده فلطم وجه اليهودي، فقال: (أي خبيث وعلى محمد ﷺ )، فجاء اليهودي إلى النبي ﷺ فاشتكى المسلم، فقال رسول الله ﷺ : (لا تفضلوني على الأنبياء ...) (١) الحديث، فنهى عن الدخول في المفاضلة بينه وبين الأنبياء في مثل هذه الحالة؛ خشية أن يجر إلى ما لا تحمد عقباه، وإن كان تفضيل بعضهم على بعض ثابتاً في القرآن والسنة، وتعين من هو أفضل ثابتاً بالنص الصريح" (٢).
أخبر الله ﵎ في كتابه الكريم أنه فضلّ بعض النبيين على بعض، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾ الإسراء: ٥٥.
وقد أجمعت الأمة على أن الرسل أفضل من الأنبياء، والرسل بعد ذلك متفاضلون فيما بينهم كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ البقرة: ٢٥٣.
وأفضل الرسل والأنبياء خمسة هم أولو العزم، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ الشورى: ١٣.
стр. 375
تواترت نصوص الكتاب والسنة نصاً وظاهراً في الدلالة على أفضليته ﷺ على غيره من الأنبياء والرسل، وأوردها غير واحد من أهل العلم ممن كتبوا في خصائصه ﷺ (١)، وأجمعت الأمة على القول بمقتضاها (٢).
يقول القاضي عياض ﵀: "لا خلاف أنه أكرم البشر، وسيد ولد آدم، وأفضل الناس منزلة، عند الله، وأعلاهم درجة، وأقربهم زلفى، واعلم أن الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جداً" (٣).
وقرر السلف ذلك في عقائدهم، وعدوه من معاقد العقائد، التي يجب الإيمان بها، فقد عقد الإمام الآجري (٤) في كتاب الشريعة باباً بعنوان: "باب ما فضل الله به نبينا ﷺ في الدنيا من الكرامات على جميع الأنبياء ﵈" (٥)، وقال الحافظ عبد الغني المقدسي (٦) في عقيدته: "فصل: ونعتقد أن محمداً المصطفى خير الخلائق، وأفضلهم وأكرمهم على الله ، وأعلاهم درجة، وأقربهم إلى الله وسيلة" (٧).
стр. 376
والعبد الرسول أفضل عند الله من النبي الملك، ولهذا كان أمر نوح وإبراهيم وموسى وعيسى أفضل عند الله من داود وسليمان ويوسف (١).
ويبين ابن أبي العز ﵀ أوجه الجواب عما ورد من النهي عن التفضيل بين الأنبياء مع ثبوته في الكتاب والسنة، فأجاب على هذا بما يلي: "
١ - أن النبي ﷺ إنما نهى عن تفضيله على موسى لسبب، ما وقع بين المسلم واليهودي (٢).
فنهى النبي ﷺ عن هذا التفضيل لأنه على وجه الحميَّة والعصبية وهوى النفس وهو أمر مذموم، بل حتى الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام يكون مذموماً حابطاً إذا كان على وجه الحمية والعصبية وليس لإعلاء كلمة الله.
٢ - أن النبي ﷺ نهى عن التفضيل الذي يؤدي إلى تنقص المفضول، ومعلوم أن هذا لا يجوز، فلا يحل تنقص الأنبياء ﵈.
٣ - أن النبي ﷺ إنما نهى عن التفضيل الخاص، كقول" محمد ﷺ أفضل من موسى"، أما التفضيل العام بدون ذكر عين المفضول المقابل فلا بأس به، كما دلت عليه الأحاديث.
٤ - أما حديث: (لا ينبغي لأحد أن يفضل نفسه على يونس بن متى) (٣). فهذا يدل على العموم، أي لا ينبغي لأحد أن يفضل نفسه على يونس بن متى ﵇، وليس فيه نهي
стр. 377
المسلمين أن يفضلوا محمداً ﷺ على يونس، لأن التفضيل هنا يكون خاصاً بمحمد ﷺ وهو مستثنى من العموم" (١).
وزاد النووي: "أنه ﷺ قاله قبل أن يعلم أنه سيدّ ولد آدم، فلما علم أخبر به؛ وأنه قال ذلك أدباً وتواضعاً ... " (٢).
وقال البيهقي ﵀: " حديث ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) (٣) ونسبه إلى أمه، فمن تكلم في التخيير والتفضيل ذهب إلى أنه أراد به: ليس لأحد أن يفضل نفسه على يونس، وإن كان قد أبق وذهب مغاضبا ولم يصبر على ما ظن أنه يصيبه من قومه.
ومنم من ذهب إلى الإمساك عن الكلام في التخيير بين الأنبياء جملة.
وذكر بعضهم أن معنى النهي عن التخيير بين الأنبياء ترك التخيير بينهم من وجه الإزراء ببعضهم، فإنه ربما أدى ذلك إلى فساد الاعتقاد فيهم والإخلال بالواجب من حقوقهم، وبغرض الإيمان بهم، وليس معناه أن يعتقد التسوية بينهم في درجاتهم، فإن الله قد أخبر أنه قد فاضل بينهم فقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ البقرة: ٢٥٣، وحديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : (أنا سيد ولد آدم) (٤) وحديث ابن عباس ﵁، عن النبي ﷺ في يونس بن متى، قد يتوهم كثير من الناس أن بين الحديثين خلافاً، وذلك أنه أخبر في حديث أبي هريرة أنه سيد ولد آدم، والسيد أفضل من المسود، وقال في حديث ابن عباس: (ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) والأمر في ذلك بين ووجه التوفيق بين الحديثين واضح، وذلك أن قوله: (أنا سيد ولد آدم) إنما هو إخبار عما أكرمه الله تعالى به من الفضل والسؤدد، وتحدث بنعمة الله
стр. 378
تعالى عليه، وإعلام لأمته وأهل دعوته علو مكانه عند ربه ومحله من خصوصيته ليكون إيمانهم بنبوته واعتقادهم لطاعته على حسب ذلك، وكان بيان هذا لأمته وإظهاره لهم من اللازم له والمفروض عليه.
وأما قوله في يونس ﵇، فإنه يتأول على وجهين:-
أحدهما: أن يكون قوله: (ما ينبغي لعبد) إنما أراد به من سواه من الناس دون نفسه.
والوجه الآخر: أن يكون ذلك عاما مطلقا فيه وفي غيره من الناس، ويكون هذا القول منه على سبيل الهضم من نفسه، وإظهار التواضع لربه يقول: لا ينبغي لي أن أقول أنا خير منه، لأن الفضيلة التي نلتها كرامة من الله وخصوصية منه، لم أنلها من قبل نفسي، ولا بلغتها بحولي وقوتي، فليس لي أن أفتخر بها، وإنما خص يونس بالذكر فيما نرى والله أعلم لما قد قص الله علينا من شأنه وما كان من قلة صبره على أذى قومه، وخرج مغاضبا له ولم يصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ... وهذا أولى الوجهين وأشبههما بمعنى الحديث، فقد جاء من غير هذا الطريق أنه قال ﷺ : (ما ينبغي لنبي أن يقول إني خير من يونس بن متى) (١) فعم به الأنبياء كلهم، فدخل هو في جملتهم " (٢).
стр. 379
- هل يكون في حق الأنبياء والرسل الخطأ ؟
يقول الشيخ ﵀: "نعم، الأنبياء والرسل قد يخطئون، ولكن الله تعالى لا يقرهم على خطئهم، بل يبين لهم خطأهم؛ رحمة بهم وبأممهم، ويعفو عن زلتهم، ويقبل توبتهم؛ فضلاً منه ورحمة، والله غفور رحيم" (١).
قال شيخ الإسلام ﵀: " القول بأن الأنبياء معصومون من الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف حتى إنه قول أكثر أهل الكلام كما ذكر أبو الحسن الآمدي (٢)
أن هذا القول قول أكثر الأشعرية (٣) وهو أيضاً قول أهل التفسير والحديث والفقهاء بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول ... " (٤).
واستدل أهل السنة والجماعة على قولهم بأدلة من الكتاب والسنة:
من الكتاب
- قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ طه: ١٢١.
- وقوله عن موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ القصص: ١٦.
- وقوله عن يونس ﵇: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ الأنبياء: ٨٧.
- وقوله تعالى عن نبيه محمد ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ الفتح:١
стр. 380
ومن السنة
-حديث الشفاعة واعتذار الأنبياء عنها حتى تصل إلى نبينا ﷺ فيشفع (١).
وأما قولهم إن الذنوب تنافي الكمال، فهذا صحيح مع عدم التوبة ولكن مع التوبة فغير صحيح لأن التوبة تغفر الحوبة، ولا تنافي الكمال، ولا يتوجه إلى صاحبها الذم واللوم، بل إنه في أحيان كثيرة يكون العبد بعد توبته خيراً منه قبل وقوع الذنب، وذلك لما يقوم في قلب العبد من الإنابة والخوف والخشية من الله ، يدفعه إلى كثرة الاستغفار وبذل الجهد في العمل الصالح لمحو السيئات. وقد قال تعالى في فضل التوبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ البقرة: ٢٢٢، وقال ﵊: (لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة) (٢).
فالأنبياء -صلوات الله عليهم- لا يقرون على الذنب، ولا يؤخرون التوبة، فالله عصمهم من ذلك وهم بعد التوبة أكمل منهم قبلها (٣).
قال ابن قتيبة (٤) ﵀: "يستوحش كثير من الناس من أن يلحقوا بالأنبياء ذنوباً، ويحملهم التنزيه لهم -صلوات الله عليهم- على مخالفة كتاب الله جل ذكره، واستكراه التأويل، وعلى أن يلتمسوا لألفاظه المخارج البعيدة بالحيل الضعيفة" (٥).
стр. 381
- عدد الأنبياء والرسل:
يقول الشيخ ﵀: "لا يعلم عدد الأنبياء والرسل إلا الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ غافر: ٧٨، والمعروف منهم من ذكروا في القرآن أو صحت بخبره السنة" (١).
فيجب الإيمان بما سمى الله تعالى في كتابه منهم، والإيمان بأن لله تعالى سواهم رسلاً وأنبياء لا يعلم أسماءهم إلا هو سبحانه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وأما قوله (ورسله) فأن تؤمن بما سمى الله في كتابه من رسله، وتؤمن بأن لله سواهم رسلاً وأنبياء، لا يعلم أسماءهم إلا الذي أرسلهم، وتؤمن بمحمد ﷺ وإيمانك به غير إيمانك بسائر الرسل. إيمانك بسائر الرسل إقرارك بهم، وإيمانك بمحمد إقرارك به وتصديقك إياه دائباً على ما جاء به، فإذا اتبعت ما جاء به أديت الفرائض، وأحللت الحلال، وحرّمت الحرام، ووقفت عند الشبهات، وسارعت في الخيرات" (٢).
وقد ورد في تحديد عدد الأنبياء والرسل أحاديث مختلف في ثبوتها، منها ما ذكر في سؤال أبي ذر للنبي ﷺ ، عن عدد الأنبياء، فقال: (مائة ألف وعشرون ألف)، وفي رواية: (مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، وفي رواية: ثلاثمائة وخمسة عشر) (٣).
стр. 382
- حياتهم في قبورهم وأن الأرض لا تأكل أجسادهم:
يقرر الشيخ ﵀ بعض خصائصهم، فيقول: "إذا مات الإنسان ولياً أو غير ولي، فإن جسمه لا يرفع إلى السماء، وإنما تصعد روح المؤمن إلى السماء وأما الأجساد فإنها تبقى في الأرض؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ طه: ٥٥، كما أن الأجساد تفنى ويأكلها الدود حاشا أجساد الأنبياء فقد ثبت من حديث أوس بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علىَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي) فقالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ قال: يقولون: بليت، قال: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) (١) " (٢).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "وكونه ﷺ قد ذاق الموتة الأولى التي هي موتة الدنيا لا ينافي حياته البرزخية حيث أخبرنا الله تعالى في كتابه بأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ولم ينالوا ذلك إلا بمتابعتهم وإيمانهم بهم الإيمان الصادق، وحياة الأنبياء البرزخية تفوق حياة الشهداء إذ هم أفضل الخلق على الإطلاق" (٣).
قال الشيخ سليمان بن سحمان (٤) ﵀: " ومن المعلوم أنه لم يكن ﷺ حياً في قبره كالحياة الدنيوية المعهودة، التي تقوم فيها الروح بالبدن، وتدبره وتصرفه، ويحتاج معها إلى
стр. 383
الطعام والشراب واللباس والنكاح، وغير ذلك، بل حياته ﷺ حياة برزخية، وروحه في الرفيق الأعلى وكذلك أرواح الأنبياء، والأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت، فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وهم متفاوتون في منازلهم كما رآهم النبي ﷺ ليلة الإسراء، ونبينا في المنزلة العليا التي هي الوسيلة" (١).
وقال ابن القيم ﵀ مبيناً الفرق بين الروح وبين ما يعهد من الأجساد المخلوقة، وموضحاً منازلها بعد موتها وعلاقتها بأبدانها التي فارقتها، والمكانة الخاصة لأرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام-: " ... وقد بّينا أن عرض مقعد الميت عليه من الجنة والنار لا يدل على أن الروح في القبر، ولا على فنائه دائماً من جميع الوجوه، بل لها إشراف واتصال بالقبر وفنائه، وذلك القدر منها يعرض عليه مقعده، فإن للروح شأناً آخر تكون في الرفيق الأعلى في أعلى عليين، ولها اتصال بالبدن، بحيث إذا سلّم المسلم على الميت ردّ الله عليه روحه فيرد ﵇ وهي في الملأ الأعلى، وإنما يغلط أكثر الناس في هذا الموضع، حيث يعتقد أن الروح من جنس ما يعهد من الأجسام، التي إذا شغلت مكانا لم يمكن أن تكون في غيره، وهذا غلط محض، بل الروح تكون فوق السموات في أعلى عليين وترد إلى القبر فترد السلام وتعلم بالمسلم وهي في مكانها، وروح رسول الله ﷺ في الرفيق الأعلى دائماً، ويردها الله سبحانه إلى القبر فترد السلام على من سلم عليه، وتسمع كلامه وقد رأى رسول الله ﷺ موسى قائما يصلى في قبره، ورآه في السماء السادسة والسابعة، فإما أن تكون سريعة الحركة والانتقال كلمح البصر، وإما أن يكون المتصل منها بالقبر وفنائه بمنزلة شعاع الشمس وجرمها في السماء" (٢).
وإذا ماتت الأجساد تفنى ويأكلها الدود، حاشا أجساد الأنبياء فمقابرهم لا تنتن، بل إنهم لا يبلون، وتراب قبورهم طاهر (٣).
стр. 384
- ما ورد في أفراد الأنبياء والرسل:
يقول الشيخ ﵀: "ولا يبعد في نظر العاقل، ولا يستحيل في تقدير الفكر، أن يختص واهب النعم، ومفيض الخير بعض عباده: بسعة في الفكر، ورحابة في الصدر، وكمال صبر، وحسن قيادة، وسلامة في الأخلاق، ليعدّهم بذلك لتحمل أعباء الرسالة، ويكشف لهم عما أخفاه عن غيرهم، ويوحي إليهم بما فيه سعادة الخلق، وصلاح الكون، رحمةً للعالمين، وإعذاراً إلى الكافرين، وإقامة للحجة على الناس أجمعين، فإنه-سبحانه- بيده ملكوت كل شيء، وهو الفاعل المختار، لا مانع لما أَعطى، ولا مُعطي لما منع، ولا رادّ لما قَضى، وهو على كل شيء قدير" (١).
قال القرطبي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ الأنعام: ١٢٤، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ البقرة: ٢١٣، إلى غير ذلك من الآيات: " وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعي، واليقين الضروري وإجماع السلف والخلف على أن لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل، فمن قال: إن هناك طريقا آخر يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل بحيث يستغنى عن الرسل فهو كافر يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب، ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا ﵊، الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده ولا رسول" (٢).
стр. 385
١ - آدم ﵇ -:
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: " وأما آدم فقيل: إنه نبي، وعلى ذلك يكون أول الأنبياء بدليل قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ البقرة: ٣٧، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ طه: ١١٥، وغير ذلك من الآيات التي فيها إيحاء الله إليه، ولا نعلم دليلاً صحيحاً صريحاً يدل على أنه رسول ﵊" (١).
من المعتقد أن آدم ﵇ كان أول نبي، وقد روي عن أبي أمامة ﵁ أن رجلاً قال: (يا رسول الله، أنبياً كان آدم؟ قال: نعم، مكلمٌ) (٢)(٣).
قال القرطبي: " كان رسولاً إلى ولده، وكانوا، أربعين ولداً في عشرين بطناً، في كل بطن ذكر وأنثى، وتوالدوا حتى كثروا، كما قال الله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ النساء: ١" (٤).
قال الشنقيطي ﵀: " القول بأن آدم رسول مشكل مع ما ثبت في حديث الشفاعة المتفق عليه من أن نوحا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أول الرسل ويشهد له قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ النساء: ١٦٣، والظاهر أنه لا طريق للجمع إلا من وجهين:
стр. 386
الأول: أن آدم أرسل لزوجه وذريته في الجنة ونوح أول رسول أرسل في الأرض ويدل لهذا الجمع ما ثبت في الصحيحين وغيرهما ويقول: (ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض) (١) الحديث. فقوله: (إلى أهل الأرض) لو لم يرد به الاحتراز عن رسول بعث لغير أهل الأرض لكان ذلك الكلام حشوا بل يفهم من مفهوم مخالفته ما ذكرنا.
الوجه الثاني: أن آدم أرسل إلى ذريته وهم على الفطرة لم يصدر منهم كفر فأطاعوه ونوح هو أول رسول أرسل لقوم كافرين ينهاهم عن الإشراك بالله تعالى ويأمرهم بإخلاص العبادة له وحده ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يونس: ١٩. أي: على الدين الحنيف أي حتى كفر قوم نوح وقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ البقرة: ٢١٣. والله تعالى أعلم " (٢).
стр. 387
٢ - نوح ﵇ -:
قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: "نوح أول الرسل إلى أهل الأرض؛ لما ثبت في الصحيحين في حديث الشفاعة الطويل: (أن المؤمنين أتوا نوحاً فقالوا: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، فاشفع إلى ربنا) (١) " (٢).
كان نوح ﵇ رسولاً يُوحى إليه، وهو ما جاء في قوله تعالى لخاتم النبيين ﷺ ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ النساء: ١٦٣، وكما جاء في قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ هود: ٣٦ - ٣٧، وفي قوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ المؤمنون: ٢٧، وكان أول شيء أرسل به نوح ﵇ هو الدعوة إلى توحيد الخالق، والتعريف بالله، وأنه هو الذي تجب له العبادة دون سواه، وترك عبادة غيره مما يتخذونه للعبادة مثل التماثيل والأوثان والأصنام، وما ترمز إليه من المخلوقات أياً كانت هذه المخلوقات، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣)﴾ المؤمنون: ٢٣ (٣).
стр. 388
٣ - إبراهيم ﵇ -:
قال الشيخ ﵀: "ذكر الله سبحانه في سورة الأنعام والأنبياء والشعراء والعنكبوت دعوة إبراهيم ﵇ أباه وقومه إلى التوحيد وإنكاره عليهم عبادة غير الله وتحطيمه أصنامهم وما دار بينه وبينهم من المحاجة، وختمها بإلقائهم إياه في النار، وإنجائه منها، فقال سبحانه: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)﴾ الأنبياء: ٦٨ - ٧١، فالمقصود هو بيان أن إبراهيم ﵇ بلغ البلاغ المبين وأقام الحجة على الكافرين، وأنه ابتلي البلاء العظيم فصبر ابتغاء وجه الله الكريم فأنجاه الله من النار وأبطل كيد الكفار وقد تم كل ذلك بفضل الله ورحمته" (١).
ويرد الشيخ ﵀ على من أنكر إلقاء إبراهيم ﵇ في النار، بقوله: " دلت النصوص على أن أعداء إبراهيم ﵇ أرادوا به كيدا وأخبر سبحانه عنهم أنهم قالوا: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)﴾ الصافات: ٩٧،وأنهم قالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾ الأنبياء: ٦٨،ودل قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ الأنبياء: ٦٩،على أنهم نفذوا مخططهم الذي كادوا به لإبراهيم ﵇ وألقوه في النار فجعلها سبحانه بردا وسلاما عليه كما دلت السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ على تفصيل ذلك، فمن أنكر إلقاء إبراهيم ﵇ في النار وتأول النصوص الواردة في ذلك على مجرد الكيد والتخطيط لذلك فهو كافر مكذب للقرآن والسنة الصحيحة قائل على الله بغير علم ملحد في آيات الله وسنة رسوله ﷺ ومخالف لما علم من الدين بالضرورة وأجمعت عليه الأمة" (٢).
أوحي إلى إبراهيم أن يدعو قومه إلى ما أمر الله به من تعاليم الدين، كما أوحي إلى خاتم النبيين ﷺ ونوح والنبيين بينهما، وهو قوله تعالى لمحمد الرسول الكريم ﷺ : قال تعالى:
стр. 389
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾ النساء: ١٦٣، ومنهم إبراهيم، وذكر الله الوحي في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ الأنبياء: ٧٣، ومعنى قوله تعالى: ﴿أَئِمَّةً﴾: أي رسلاً. وغيرها من الآيات الدالة على نبوته ﵇.
وكان أول شيء تضمنته رسالة إبراهيم، الدعوة إلى الإيمان بالله ووحدانيته قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)﴾ الصافات: ٨٥ - ٨٦، قال تعالى: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ الممتحنة: ٤، ولقد فعل ما يثبت لهم فساد عقيدتهم في عبادة الأصنام ... ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ الصافات: ٩٥ - ٩٦، وبين لقومه أن الله هو الخالق وهو الهادي، وهو الذي يطعمهم ويسقيهم ... ،
وأنه لا حجة لهم في قولهم: إنهم يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم من عبادة هذه الأصنام، فإنه من سوء الرأي، وفساده، أن يتبع المرء آباءه في فعل الباطل ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ الشعراء: ٧٥ - ٨٠، ثم ابتلي إبراهيم بعد أن حطم على قومه الأصنام، وحكموا عليه بأن يلقوه في النار فنجاه الله منها قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ الأنبياء: ٦٨ - ٧٠، وقال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ
стр. 390
إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)﴾ العنكبوت: ٢٤ (١).
ويتضح من هذا أن إبراهيم ﵇ بلغ البلاغ المبين وأقام الحجة على الكافرين، وأنه ابتلي البلاء العظيم فصبر ابتغاء وجه الله الكريم فأنجاه الله من النار وأبطل كيد الكفار وقد تم كل ذلك بفضل الله ورحمته.