← Акыда

Акыда · id 14254

منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (777 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الأول: أن آدم أرسل لزوجه وذريته في الجنة ونوح أول رسول أرسل في الأرض ويدل لهذا الجمع ما ثبت في الصحيحين وغيرهما ويقول: (ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض) (١) الحديث. فقوله: (إلى أهل الأرض) لو لم يرد به الاحتراز عن رسول بعث لغير أهل الأرض لكان ذلك الكلام حشوا بل يفهم من مفهوم مخالفته ما ذكرنا. الوجه الثاني: أن آدم أرسل إلى ذريته وهم على الفطرة لم يصدر منهم كفر فأطاعوه ونوح هو أول رسول أرسل لقوم كافرين ينهاهم عن الإشراك بالله تعالى ويأمرهم بإخلاص العبادة له وحده ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يونس: ١٩. أي: على الدين الحنيف أي حتى كفر قوم نوح وقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ البقرة: ٢١٣. والله تعالى أعلم " (٢).

стр. 387

٢ - نوح ﵇ -: قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: "نوح أول الرسل إلى أهل الأرض؛ لما ثبت في الصحيحين في حديث الشفاعة الطويل: (أن المؤمنين أتوا نوحاً فقالوا: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، فاشفع إلى ربنا) (١) " (٢). كان نوح ﵇ رسولاً يُوحى إليه، وهو ما جاء في قوله تعالى لخاتم النبيين ﷺ ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ النساء: ١٦٣، وكما جاء في قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ هود: ٣٦ - ٣٧، وفي قوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ المؤمنون: ٢٧، وكان أول شيء أرسل به نوح ﵇ هو الدعوة إلى توحيد الخالق، والتعريف بالله، وأنه هو الذي تجب له العبادة دون سواه، وترك عبادة غيره مما يتخذونه للعبادة مثل التماثيل والأوثان والأصنام، وما ترمز إليه من المخلوقات أياً كانت هذه المخلوقات، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣)﴾ المؤمنون: ٢٣ (٣).

стр. 388

٣ - إبراهيم ﵇ -: قال الشيخ ﵀: "ذكر الله سبحانه في سورة الأنعام والأنبياء والشعراء والعنكبوت دعوة إبراهيم ﵇ أباه وقومه إلى التوحيد وإنكاره عليهم عبادة غير الله وتحطيمه أصنامهم وما دار بينه وبينهم من المحاجة، وختمها بإلقائهم إياه في النار، وإنجائه منها، فقال سبحانه: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)﴾ الأنبياء: ٦٨ - ٧١، فالمقصود هو بيان أن إبراهيم ﵇ بلغ البلاغ المبين وأقام الحجة على الكافرين، وأنه ابتلي البلاء العظيم فصبر ابتغاء وجه الله الكريم فأنجاه الله من النار وأبطل كيد الكفار وقد تم كل ذلك بفضل الله ورحمته" (١). ويرد الشيخ ﵀ على من أنكر إلقاء إبراهيم ﵇ في النار، بقوله: " دلت النصوص على أن أعداء إبراهيم ﵇ أرادوا به كيدا وأخبر سبحانه عنهم أنهم قالوا: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)﴾ الصافات: ٩٧،وأنهم قالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾ الأنبياء: ٦٨،ودل قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ الأنبياء: ٦٩،على أنهم نفذوا مخططهم الذي كادوا به لإبراهيم ﵇ وألقوه في النار فجعلها سبحانه بردا وسلاما عليه كما دلت السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ على تفصيل ذلك، فمن أنكر إلقاء إبراهيم ﵇ في النار وتأول النصوص الواردة في ذلك على مجرد الكيد والتخطيط لذلك فهو كافر مكذب للقرآن والسنة الصحيحة قائل على الله بغير علم ملحد في آيات الله وسنة رسوله ﷺ ومخالف لما علم من الدين بالضرورة وأجمعت عليه الأمة" (٢). أوحي إلى إبراهيم أن يدعو قومه إلى ما أمر الله به من تعاليم الدين، كما أوحي إلى خاتم النبيين ﷺ ونوح والنبيين بينهما، وهو قوله تعالى لمحمد الرسول الكريم ﷺ : قال تعالى:

стр. 389

﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾ النساء: ١٦٣، ومنهم إبراهيم، وذكر الله الوحي في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ الأنبياء: ٧٣، ومعنى قوله تعالى: ﴿أَئِمَّةً﴾: أي رسلاً. وغيرها من الآيات الدالة على نبوته ﵇. وكان أول شيء تضمنته رسالة إبراهيم، الدعوة إلى الإيمان بالله ووحدانيته قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)﴾ الصافات: ٨٥ - ٨٦، قال تعالى: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ الممتحنة: ٤، ولقد فعل ما يثبت لهم فساد عقيدتهم في عبادة الأصنام ... ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ الصافات: ٩٥ - ٩٦، وبين لقومه أن الله هو الخالق وهو الهادي، وهو الذي يطعمهم ويسقيهم ... ، وأنه لا حجة لهم في قولهم: إنهم يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم من عبادة هذه الأصنام، فإنه من سوء الرأي، وفساده، أن يتبع المرء آباءه في فعل الباطل ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ الشعراء: ٧٥ - ٨٠، ثم ابتلي إبراهيم بعد أن حطم على قومه الأصنام، وحكموا عليه بأن يلقوه في النار فنجاه الله منها قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ الأنبياء: ٦٨ - ٧٠، وقال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ

стр. 390

إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)﴾ العنكبوت: ٢٤ (١). ويتضح من هذا أن إبراهيم ﵇ بلغ البلاغ المبين وأقام الحجة على الكافرين، وأنه ابتلي البلاء العظيم فصبر ابتغاء وجه الله الكريم فأنجاه الله من النار وأبطل كيد الكفار وقد تم كل ذلك بفضل الله ورحمته.

стр. 391

٤ - عيسى ﵇ -: أ- سبب تسمية عيسى ﵇ بالمسيح. يبين الشيخ ﵀ سبب تسمية عيسى ﵇ بالمسيح، فيقول: " سمي عيسى ابن مريم بالمسيح لأنه ما مسح على ذي عاهة إلاَّ برأ بإذن الله، وقال بعض السلف: سمي مسيحاً لمسحه الأرض وكثرة سياحته فيها للدعوة إلى الدين، وعلى هذين القولين يكون المسيح بمعنى ما سح، وقيل: سمي مسيحاً؛ لأنه كان ممسوح القدمين لا أخمص له، وقيل: لأنه مسح بالبركة أو طهر من الذنوب فكان مباركاً، وعلى هذين القولين يكون مسيح -بمعنى ممسوح-، والأظهر الأول، والله أعلم" (١). قال بعض السلف: سمين بالمسيح لكثرة سياحته، وقيل: لأنه كان مسيح القدمين لا أخمص لهما، وقيل: لأنه كان إذا مسح أحداً من ذوي العاهات برئ بإذن الله تعالى، وقيل لمسح زكريا إياه، وقيل: لمسحه الأرض أي قطعها، وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن، وقيل: لأنه مسح بالبركة حين ولد، وقيل: لأن الله تعالى مسحه أي خلقه خلقاً حسناً، وقيل غير ذلك (٢). ب- خلق الله نبيه عيسى ﵇ من أم بلا أب. يقول الشيخ ﵀: "خلق الله نبيه عيسى ﵇ من أم بلا أب، كما قال تعالى: ﴿... قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) ...﴾ مريم: ١٦ - ٢٧.

стр. 392

فدل ذلك على أنه من أمه مريم فقط بإذن الله وكلمته لا من أب ليكون آية للناس، ومع ذلك اتهمها اليهود بأنها جاءت به من الزنا فأنطق الله تعالى ابنها عيسى وهو في المهد ببراءتها، قال تعالى: ﴿... فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)﴾ مريم: ٢٧ - ٣٥. فبرأه الله بهذه المعجزة أن يكون له أب من الزنا، ونزه سبحانه نفسه أن يكون له ولد، وإذن فليس عيسى ولد الله، وأخبرت مريم عن نفسها أنها لم يمسسها بشر، وصدقها الله في ذلك، ونسبه سبحانه إلى أمه في أكثر من موضع في القرآن، ولو كان من أب لنسبه إلى أبيه، كما هي سنته تعالى في كلامه، فدل ذلك على أنه من أم فقط، وهو نبي الله ورسوله، كما دلت عليه الآيات السابقة وغيرها" (١). قال ابن كثير: "يقول جل وعلا: قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ آل عمران: ٥٩، أي في قدرة الله حيث خلقه من غير أب قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ آل عمران: ٥٩،حيث خلقه من غير أب ولا أم، قال تعالى: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ آل عمران: ٥٩، فالذي خلق آدم من غير أب ولا أم قادر على أن يخلق عيسى من غير أب بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء الألوهية في عيسى لكونه مخلوقاً من غير أب فجواز ذلك في آدم بطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل فدعواه في عيسى أشد بطلاناً وأظهر فساداً، ولكن الرب ﷻ أراد أن يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى وخلق حواء من ذكر بلا أنثى وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى" (٢).

стр. 393

ج- الرد على من زعم أن عيسى ﵇ له أب. قال الشيخ ﵀: " إن زعم أن عيسى ﵇ له أب مناقض لنصوص القرآن الدالة على أن أم عيسى ﵇ قد أحصنت فرجها وأنها لم يمسها بشر وأنه كلمة الله وأن الله جعله آية للناس، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾ آل عمران: ٤٥، ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾ آل عمران: ٤٦، قال تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ آل عمران: ٤٧، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢)﴾ مريم: ١٦ - ٢٢، وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ التحريم: ١٢، فهذه الآيات قررت حصانتها وبراءتها من الزنا وصّدقتها في أنها لم يمسها بشر، وصرحت بأن عيسى ﵇ كلمة الله وآيته ألقاها إلى مريم ودلت على أن حمل مريم بعيسى إنما كان من نفخ جبريل فيها بإذن الله وأمره فمن أنكر ذلك وزعم أن عيسى كان من أب وأم فهو كافر ملحد في آيات الله متهم لمريم بالزنا كاليهود، أو مدع أن عيسى ﵇ ابن لله كالنصارى" (١).

стр. 394

قال القرطبي عند قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ المائدة: ١٧: "عيسى من أم بلا أب آية لعباده" (١). وقيل كذلك: " يعني من غير اعتراض عليه فيما يخلق لأنه خلق آدم من غير أب وأم وخلق عيسى من أم بلا أب وخلق سائر الخلق من أب وأم ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ المائدة: ١٧، يعني أن الله تعالى لا يعجزه شيء أراده فلا اعتراض لأحد من خلقه عليه" (٢). وقيل عند قول الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ آل عمران: ٥٩، فليس خلق عيسى من أم دون أب بموجب كونه ابن الله تعالى" (٣). د- رفع الله لعيسى ﵇. يقرر الشيخ معتقد أهل السنة والجماعة في رفع عيسى ﵇، فيقول: "ذهب أهل السنة والجماعة إلى أن المسيح عيسى ابن مريم ﵊ لم يمت وإنما رفع إلى السماء وسينزل في آخر الزمان حكماً عدلاً في هذه الأمة ثم يموت، وعلى ذلك دلت نصوص القرآن والأحاديث الصحيحة، قال الله تعالى في فرية اليهود والرد عليها: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ النساء: ١٥٧ - ١٥٨، فأنكر سبحانه على اليهود زعمهم أنهم قتلوه أو صلبوه، وأخبر أنه رفعه إليه رحمة به وتكريماً له، وجعل ذلك آية من آياته التي يؤتيها من شاء من رسله، وما أكثر آيات الله في عيسى ابن مريم، ومقتضى الإضراب في قوله تعالى: ﴿بَلْ

стр. 395

رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ النساء: ١٥٨، أن يكون الله قد رفع عيسى بدناً وروحاً حتى يتحقق به الرد على زعم اليهود أنهم قتلوه أو صلبوه؛ لأن القتل والصلب إنما يكون للبدن أصالة؛ ولأن رفع الروح وحدها لا ينافي دعواهم الصلب والقتل فلا يكون رفعها وحدها رداً عليهم؛ لأن ذلك مقتضى كمال عزته وقوته وتكريمه ونصره من شاء من رسله حسبما قضى به قوله تعالى في ختام الآية: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ النساء: ١٥٨، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ النساء: ١٥٩، فأخبر سبحانه بأن جميع أهل الكتاب سوف يؤمنون بعيسى قبل موته، أي: موت عيسى، وذلك عند نزوله آخر الزمان حكماً عدلاً داعياً إلى الإسلام، كما سيجيء بيانه في حديث نزوله، وهذا المعنى هو المتعين فإن الكلام سيق لبيان موقف اليهود من عيسى وصنيعهم معه ولبيان سنة الله في إنجائه ورد كيد أعدائه، فيتعين رجوع الضميرين المجرورين إلى عيسى رعاية لسياق الكلام، وتوحيداً لمرجع الضميرين، وثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) (١) قال أبو هريرة: (اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ...﴾ النساء: ١٥٩. وفي رواية عنه عن النبي ﷺ قال: (كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وإمامكم منكم) (٢)، وثبت في الصحيح أيضاً: أن جابر بن عبد الله سمع النبي ﷺ يقول: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة) قال: (فينزل عيسى ابن مريم ﷺ فيقول أميرهم: تعال صل بنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة) (٣)، فدلت الأحاديث على نزوله آخر الزمان، وعلى أنه يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ ، وعلى أن إمام هذه الأمة في الصلاة وغيرها أيام نزول عيسى من هذه الأمة، وعلى ذلك لا تكون

стр. 396

هناك منافاة بين نزوله وبين ختم النبوة بنبينا محمد ﷺ حيث لم يأت عيسى برسالة جديدة، ولله الحكم أولاً وآخراً يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا معقب لحكمه، وهو العزيز الحكيم ... قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) بعد أن ذكر أحاديث رفع عيسى ﵇ ونزوله آخر الزمان من طرق كثيرة: (فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله ﷺ من رواية أبي هريرة وابن مسعود وعثمان بن أبي العاص وأبي أمامة والنواس بن سمعان وعبدالله بن عمرو بن العاص ومجمع بن جارية وحذيفة بن أسيد ﵃، وفيها دلالة على صفة نزوله ومكانه ... إلخ" (٢). ومما سبق من كلام الشيخ عبد الرزاق ﵀ يتضح منهج أهل السنة والجماعة في ذلك؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وعيسى حي في السماء لم يمت بعد وإذا نزل من السماء لم يحكم إلا بالكتاب والسنة لا بشيء يخالف ذلك والله اعلم" (٣). هـ - حكم من زعم أن عيسى ﵇ صلب ودفن. يبين الشيخ ﵀ أن: "من زعم أن عيسى ﵇ صلب أو قتل فهو كافر؛ لمخالفته لصريح القرآن، ولما ثبت من الأحاديث عن النبي ﷺ " (٤). قال الشيخ عبدالعزيز بن باز ﵀: "من زعم أنه قُتل أو صلب فصريح القرآن يرد قوله ويبطله وهكذا قول من قال: إنه لم يرفع إلى السماء ... فقوله ظاهر البطلان بل هو من أعظم الفرية على الله تعالى، والكذب عليه، وعلى رسوله ﷺ . فإن المسيح ﵇ لم ينزل إلى وقتنا هذا، وسوف ينزل في مستقبل الزمان كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ . وما تقدم يعلم أن من قال: إن المسيح قتل أو صلب ... فقد أعظم على الله الفرية بل هو مكذب لله ولرسوله ﷺ ومن كذب الله ورسوله فقد كفر، والواجب

стр. 397

أن يستتاب من قال مثل هذه الأقوال وأن توضح له الأدلة من الكتاب والسنة فإن تاب ورجع إلى الحق وإلا قتل كافراً" (١). و- الرد على من فسر التوفي بالإماتة، ولازم هذا القول. يجلي الشيخ ﵀ الفهم الخاطئ لمن فسر التوفي بالإماتة، فيقول: "ومن قال من المسلمين: إن الله تعالى أمات عيسى ﵇ موتاً حقيقياً، ثم رفعه إليه حينما كاد له اليهود وعزموا على صلبه وقتله، فقد شذ عن جماعة المسلمين وضل عن سواء السبيل؛ لمخالفته ظواهر نصوص القرآن والسنة الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ . والذي حداهم إلى هذا فهمهم الخاطئ لقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ آل عمران: ٥٥، حيث فسر التوفي بالإماتة فخالف بذلك ما صح عن السلف من تفسيره بقبض الله إياه من الأرض ورفعه إليه حيا وتخليصه بذلك من الذين كفروا، جمعا بين نصوص الكتاب والسنة الصحيحة الدالة على رفعه حيا وعلى نزوله آخر الزمان وعلى إيمان أهل الكتاب جميعا وغيرهم به حين نزوله، أما ما روي عن ابن عباس ﵄ من تفسير التوفي هنا بالإماتة (٢) فلم يصح سنده لانقطاعه، إذ هو من رواية علي بن أبي طلحة (٣) عنه

стр. 398

وعلي لم يسمع منه ولم يره ولم يصح أيضا ما روي عن وهب بن منبه اليماني (١) من تفسير التوفي بالإماتة؛ لأنه من رواية محمد بن إسحاق (٢) عمن لم يسمعهم عن وهب بن منبه، وابن إسحاق مدلس وفيه مجهول، ثم هذا التفسير لا يزيد عن كونه احتمالا في معنى التوفي، فإنه قد فسر بمعان: - ففسر بأن الله قد قبضه من الأرض بدنا وروحا ورفعه إليه حيا. - وفسر بأنه أنامه ثم رفعه. - وبأنه يميته بعد رفعه ونزوله آخر الزمان، وهو ما صح عن السلف. إذ الواو لا تقتضي الترتيب وإنما تقتضي جمع الأمرين له فقط، وإذا اختلفت الأقوال في معنى الآية وجب المصير إلى القول الذي يوافق ظواهر الأدلة الأخرى، جمعا بين الأدلة، وردا للمتشابه منها إلى المحكم، كما هو شأن الراسخين في العلم دون أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه من التنزيل ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وقانا الله شرهم" (٣). جزم القرآن الكريم بأن عيسى ﵇ لم يقتل كما زعم النصارى، بل رفعه الله تعالى إليه، قال تعالى: ((... وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَل رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ ...)).

стр. 399

ولم يرد في القرآن الكريم نص يدل على موت عيسى ﵇ الموتة النهائية، وإنَّما الذي ورد لفظ الوفاة والتوفي في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ آل عمران: ٥٥، وهذه ألفاظ لا ينحصر معناها في الموت، بل تحتمل معاني أخرى، ومن هذه المعاني: أولاً: أن المراد بذلك وفاة الموت لأنه الظاهر من الآية بالنسبة إلى من لم يتأمل بقية الأدلة، ولأن ذلك قد تكرر قي القرآن بهذا المعنى (١) وعلى هذا المعنى يكون في الآية تقديم وتأخير. القول الثاني: معناه القبض، نقل ذلك ابن جرير في تفسيره (٢) عن جماعة من السلف واختاره ورجحه على ما سواه وعليه فيكون معنى الآية: إني قابضاتهما من عالم الأرض إلى عالم السماء وأنت حي ورافعك إليّ. ومن هذا المعنى قول العرب: توفيت مالي من فلان أي قبضته كله وافياً. القول الثالث: أن المراد بذلك وفاة النوم، لأن النوم يسمى وفاة، وقد دلت الأدلة على عدم موته ﵇، فوجب حمل الآية على وفاة النوم جمعاً بين الأدلة، ولأن النوم يصدق عليه أنه وفاة أي شبيه بها كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ...﴾ الزمر: ٤٢، أي يتوفى الأحياء في المنام بحيث تفارقهم أرواحهم فراقاً خاصاً يفقدون فيه الإحساس والصوت والحركة الاختيارية ثم تعود إليهم أرواحهم عند اليقظة، وقد ورد عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول عند القيام من النوم: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور) (٣). فعلى هذا يكون المعنى: إني متوفيك وفاة نوم بحيث لا

стр. 400

تشعر بالرفع إلى السماء، أي أنه رقد نوماً عميقاً ثم في حال نومه رفعه الله كما شاء فلم يستيقظ إلا بعد ما رفع إلى السماء (١). والقولان الأخيران أرجح من القول الأول، وبكل فالحق الذي دلت عليه الأدلة البينة وتظاهرت عليه البراهين أنه ﵇ رفع إلى السماء حياً وأنه لم يمت بل لم يزل حياً في السماء إلى أن ينزل في آخر الزمان، ويقوم بأداء المهمة التي أسندت إليه المبينة في أحاديث صحيحة عن محمد ﷺ ، ثم يموت بعد ذلك الموتة التي كتبها الله عليه، ومن هنا يعلم أن تفسير التوفي بالموت قول ضعيف مرجوح وعلى فرض صحته فالمراد بذلك: التوفي الذي يكون بعد نزوله في آخر الزمان، فيكون ذكره في الآية قبل الرفع من باب المقدم ومعناه التأخير، لأن الواو لا تقتضي الترتيب، كما نبه عليه أهل العلم (٢). لوازم القول بموت عيسى: ذكر الشيخ ﵀ اللوازم التي تلزم من يقول بأن الله أمات عيسى حين كاد له اليهود، فقال: " إن من يقول بإماتة الله لعيسى حين كاد له اليهود إما أن يعترف بنزول عيسى ﵇ آخر الزمان عملاً بما ورد من الأحاديث الصحيحة في ذلك وإما أن ينكر نزوله. فإن اعترف به لزمه أن يثبت لعيسى موتاً ثم حياة في الدنيا ثم موتاً عند الكيد والرفع ثم حياة ثم موتاً بعد النزول ثم حياة عند البعث، وهذا مخالف بلا دليل لقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ البقرة: ٢٨، ولقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾ غافر: ١١.

стр. 401

وإن أنكر نزوله بعد رفعه كان راداً للأحاديث الصحيحة المتلقاة بالقبول عند علماء المسلمين الشاهدة شهادة صريحة بنزوله ودعوته إلى الحق وحكمه به وقتله الخنزير وكسره الصليب .. إلخ ما ثبت من أحواله بعد نزوله. وكلا الأمرين لا مخلص منه إلاَّ بالقول بما قال به أهل السنة والجماعة من إنجاء الله عيسى من كيد اليهود ورفعه إليه بدناً ورحاً، وإنزاله آخر الزمان حكماً عدلاً" (١). سبق إثبات أن عيسى ﵇ لم يمت بل رفعه الله إليه، وقد دلت الآيات القرآنية على نزوله إلى الأرض في آخر الزمان، وذلك في ثلاثة مواضع من القرآن: "الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ النساء: ١٥٩، فقد دلت الآية على أنه ليس أحد من أهل الكتاب إلا وسيؤمن بعيسى ﵇ عبداً لله ورسولاً من عنده، وذلك سيكون قبل موت عيسى، ومعلوم أن هذا لم يقع حتى الآن، مما يعني أنه مما سوف يقع فيما نستقبله من الزمان، لأن الآية جاءت في سياق تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه وتسليمه. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ الزخرف: ٦١، فإن الآيات قبلها كانت تتحدث عن عيسى ﵇، ولذا فإن الضمير في هذه الآية يعود إليه، فيكون خروجه من علامات الساعة وأماراتها، لأنه ينزل قبيل قيامها، ومما يدل على ذلك القراءة الأخرى ﴿وإنه لَعَلَمٌ للساعة﴾ بفتح العين واللام أي: علامة وأمارة، وهي مروية عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أئمة التفسير. الثالث: قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ آل عمران: ٤٦، وفي هذا الآية عدد الله تعالى بعض خصائص عيسى ودلائل نبوته، فكان منها كلامه في المهد وهو رضيع، وكلام الرضيع من الخوارق الدالة على النبوة ولا شك، وذكر منها كلامه وهو كهل، والكهولة سن بداية ظهور الشيب، فما هو وجه كون كلامه وهو كهل من الآيات، والكلام من الكهل أمر مألوف معتاد؟! وكيف يحسن الإخبار به لا سيما في مقام البشارة؟! لا بد أن يكون المراد بهذا الخبر أن كلامه كهلاً سيكون آية ككلامه طفلاً، وهذه الحالة

стр. 402

لم تقع فيما مضى من حياته التي كان فيها بين الناس لأنه رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فلم يبق إلا أن هذه الخصيصة ستتحقق فيما يستقبل من الزمان، ويكون المعنى أنه سيرفع إلى السماء قبل أن يكتهل، ثم ينزل فيبقى في الأرض أربعين سنة - كما ثبت في الحديث - إلى أن يكتهل، فيكلم الناس كهلاً كما كلمهم طفلاً، وتتحقق له هذه الآية والمعجزة التي أخبر الله عنها في كتابه" (١). وعليه فمن قال بموت عيسى فيكون مخالفاً للآيات الواضحات وراداً للأحاديث الصحيحة المتلقاة بالقبول عند علماء المسلمين الشاهدة شهادة صريحة بنزوله ودعوته إلى الحق وحكمه به وقتله الخنزير وكسره الصليب .. إلى آخر ما ثبت من أحواله بعد نزوله. وعليه فلا بُدّ أن يقر بما قال به أهل السنة والجماعة من إنجاء الله عيسى من كيد اليهود ورفعه إليه بدناً ورحاً، وإنزاله آخر الزمان حكماً عدلاً، أما من كُتب عليه الشقاء فلا ينفعه ما ذُكر من آيات الكتاب العزيز والسنة الصحيحة ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ البقرة: ٢٦٩. ز- الدلالة على موت عيسى ﵇ بعد نزوله من السماء. يقول الشيخ ﵀: " وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨)﴾ الأنبياء: ٨، الحكم بأن الأنبياء والمرسلين لا يخلدون في الدنيا، وأهل السنة يؤمنون بذلك، وأن عيسى كغيره من المرسلين يأتي عليه الموت كغيره، إلا أن الكتاب والسنة دلا على أن ذلك بالنسبة له لا يكون إلا بعد نزوله من السماء حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير. لو شاء الله أن يهلكه وأمه ومن في الأرض جميعا من المخلوقات لفعل ولكنه لم يعمهم بالهلاك، بل أجرى فيهم سنته بالإهلاك في مواقيت محدودة اقتضتها حكمته سبحانه، وكان من حكمته أنه لم يهلك عيسى ﵇ حينما تآمر عليه اليهود ولا بعد رفعه" (٢).

стр. 403

عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الأنبياء إخوة لعلات (١) أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة ثم يتوفى ويصلى عليه المسلمون" (٢). لم يرد عن الشارع نص يبين لنا مكان موت عيسى ﵇، ولكن ذكر بعض العلماء أنه يموت ﵇ في المدينة النبوية، وقيل إنه يدفن مع رسول الله ﷺ وصاحبيه ﵄. قال القرطبي ﵀: " واختلف حيث يدفن فقيل: بالأرض المقدسة ذكره الحليمي، وقيل: يدفن مع النبي ﷺ على ما ذكرناه من الأخبار" (٣). ط - بعض معجزات عيسى ﵇. يبين الشيخ ﵀ بعض هذه المعجزات، فيقول: " ومن الآيات والمعجزات التي أجراها الله على أيدي رسله وكانت حجة لهم على أممهم في إثبات الرسالة؛ ... إبراء عيسى الأكمه والأبرص وإحياؤه الموتى بإذن الله إلى غير هذا مما هو كثير معلوم، فرفع عيسى حيا وإبقاؤه

стр. 404

قرونا ونزوله بعد ذلك مما استثني من هذا العموم (١) كغيره من خوارق العادات التي هي سنة الله مع رسله ولا غرابة في ذلك" (٢). قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ...﴾ آل عمران: ٤٩. ومن جنس الآيات والمعجزات لعيسى ﵇ خلق الطير والنفخ فيه آية ومعجزة، وإبراء الأكمه-وهو من يولد أعمى- والأبرص الذي في جلده بياض فيمسحه حتى يبرأ هو أيضاً معجزة وآية من ربه، وكذا إخبارهم بما يدخرون في بيوتهم وما يخفونه من أسرارهم، وكذا إحياء الموتى بإذن الله ونحو ذلك من الآيات التي تدل على أنه مرسل من ربه، والتي لأجلها زعم النصارى لعنهم الله أنه هو الله فكفروا بذلك كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ...﴾ المائدة: ٧٢، إنما هذه الآيات للدلالة على صدقه وأنه مرسل من ربه. (٣) ي - عبودية عيسى ﵇. قال الشيخ ﵀ مبيناً هذه العبودية: " قوله سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ الزخرف: ٥٩.يثبت العبودية لعيسى ﵇، وأن الله أنعم عليه بالرسالة وليس ربا ولا إلها، وأنه آية على كمال قدرة الله، ومثل أعلى في الخير يقتدى به ويهتدى بهديه؛ .. وأن عيسى وأمه عبدان ضعيفان كسائر خلق الله " (٤).

стр. 405

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ مريم: ٣٠: "فخاطبهم بوصفه بالعبودية، وأنه ليس فيه صفة يستحق بها أن يكون إلهاً، أو ابناً للإله، تعالى الله عن قول النصارى المخالفين لعيسى في قوله ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ مريم: ٣٠، والمدعين موافقته. قال تعالى: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ مريم: ٣٠، أي: قضى أن يؤتيني الكتب، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ مريم: ٣٠، فأخبرهم بأنه عبد الله، وأن الله علمه الكتاب، وجعله من جملة أنبيائه، فهذا من كماله لنفسه" (١). ٥ - سليمان ﵇ -: يقرر الشيخ ﵀ بعض ما خص الله به سليمان ﵇، فيقول: " جعل الله تعالى تسخيره الشياطين لسليمان ﵇ آية خارقة للعادة، كإلانة الحديد وإسالة عين القطر وتسخير الريح والطيور وتعليمه لغة الطير ونحو ذلك من خوارق العادات التي خص الله بها سليمان استجابة لدعائه: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾ ص: ٣٥، ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ ص: ٣٦ - ٣٧" (٢). وقد أوحي إلى سليمان ﵇ كما جاء في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾ النمل: ٢٩ - ٣١، فكانت الدعوة إلى الإيمان بالوحدانية هي أساس دعوة سليمان، ولا شك أن رسالة سليمان ﵇ هي أبرز الرسالات التي وضحت فيها عقيدة

стр. 406

وجود الشياطين وضوحاً تاماً، وأن الله أعطاه من الملك ما لم يعطِ غيره من معرفة منطق الطير، وخدمة الجن والإنس له، والريح تجري بأمره، وإسالة عين القطر، وإلانة الحديد ونحوها من خوارق العادات استجابة له: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ ص: ٣٦ - ٣٧ (١). قال شيخ الإسلام ﵀: " فإنه لا ريب أن الله خص الأنبياء بخصائص لا توجد لغيرهم، ولا ريب أن من آياتهم ما لا يقدر أن يأتي به غير الأنبياء، بل النبي الواحد له آيات لم يأت بها غيره من الأنبياء، كالعصا واليد لموسى، وفرق البحر فإن هذا لم يكن لغير موسى، وكانشقاق القمر والقرآن وتفجير الماء من بين الأصابع وغير ذلك من الآيات التي لم تكن لغير محمد ﷺ من الأنبياء، وكالناقة التي لصالح فإن تلك الآية لم يكن مثلها لغيره، وهو خروج ناقة من الأرض بخلاف إحياء الموتى، فإنه اشترك فيه كثير من الأنبياء بل ومن الصالحين، وملك سليمان لم يكن لغيره كما قال، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾ ص: ٣٥، فطاعة الجن والطير وتسخير الريح تحمله من مكان إلى مكان له ولمن معه، لم يكن مثل هذه الآية لغير سليمان، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) (٢)، وهو من حين أتى بالقرآن وهو بمكة يقرأ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ الإسراء: ٨٨، فقد ظهر أن من آيات الأنبياء ما يختص به النبي، ومنها ما يأتي به عدد من الأنبياء، ومنها ما يشترك فيه الأنبياء كلهم ويختصون به، وهو الإخبار عن الله بغيبه الذي لا يعلمه إلا الله قال، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ

стр. 407

ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ الجن: ٢٦ - ٢٨ " (١). ٦ - الخضر ﵇ -: يقول الشيخ ﵀ في تعمير الخضر: "الصحيح من أقوال العلماء أن الخضر ﵇ توفي قبل إرسال الله لنبيه محمد ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ الأنبياء: ٣٤، وعلى تقدير أنه بقي حياً حتى لقي نبينا محمداً ﷺ فقد دلت السنة على وفاته بعد وفاة نبينا محمد ﷺ بمدة محدودة، بينها ﷺ بقوله فيما ثبت عنه: (أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد) (٢)، وعلى هذا يكون شأنه شأن الأموات لا يسمع نداء من ناداه ولا يجيب من دعاه ولا يهدي من ضل عن الطريق إذا استهداه وعلى تقدير أنه حي إلى اليوم فهو غائب، شأنه شأن غيره من الغائبين لا يجوز دعاؤه ولا الاستنجاد به في شدة أو رخاء؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ الجن: ١٨، وما جاء في معناه من الآيات؛ ثم هذا هو الأصل الغالب في سنة الله في بني آدم فيجب البقاء معه حتى يثبت ما ينقل عنه من الأدلة، ولم يثبت فيما نعلم ما يدل على استثناء الخضر ﵇" (٣). ثم يبين الشيخ ﵀ القول الصحيح في نبوته، فيقول: "والصحيح أن الخضر نبي لما ذكره الله تعالى في سورة الكهف من قصته مع موسى ﵉ فإن فيها أنه خرق سفينة كانت لمساكين يعملون في البحر، وقتل غلاماً لم يرتكب جريمة، وأقام جداراً ليتيمين

стр. 408

بلا أجر في قرية أبى أهلها إطعامهما، وأنكر موسى كل ذلك عليه فبين له السبب أخيراً، ثم ختمت القصة بأن كل ذلك كان منه بوحي من الله وذلك فيما أخبر الله عنه من قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ الكهف: ٨٢ " (١). الخضر بفتح أوله وكسر ثانيه، أو بكسر أوله وإسكان ثانيه، عبد من عباد الله، ذكرت قصته مع نبي الله موسى ﵇ في القرآن الكريم مجملة، وفصلت بعض أحواله في السنة النبوية، وقد اختلف الناس حوله اختلافاً كثيراً (٢). يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "الخضر اختلف في اسمه، وفي اسم أبيه، وفي نسبه، وفي نبوته، وفي تعميره" (٣). وقد اختلف أهل العلم في نبوته على أقوال أشهرها قولان: الأول: أنه نبي وهو قول الجمهور، واختلف القائلون به في كونه نبياً رسولاً أو نبياً فقط، وأكثرهم على القول بنبوته دون رسالته (٤). والثاني: أنه ولي لا نبي، وهو قول بعض الصوفية ومن وافقهم (٥). والصحيح قول الجمهور بأنه نبي لا ولي، وقول من قال منهم بنبوته دون رسالته، والأدلة على ذلك كثيرة، وقد ذكرها غير واحد من أهل العلم. يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "والذي لا يتوقف فيه الجزم بنبوته" (٦).

стр. 409

ويقول العلامة الألوسي (١) ﵀: " ... والمشهور ما عليه الجمهور -يعني القول بنبوته- وشواهده من الآيات والأخبار كثيرة، وبمجموعها يكاد يحصل اليقين" (٢). وقال القرطبي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ الكهف: ٦٥: " الرحمة في هذه الآية النبوة. وقيل: النعمة ... قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ الكهف: ٦٥، أي علم الغيب" (٣). وقد اختلف العلماء كذلك فيما يتعلق بحياته وتعميره على قولين: الأول: القول بوفاته، وهو ما عليه المحققون من أهل العلم (٤). والثاني: القول بتعميره، وهو قول لبعض الصوفية ومن وافقهم (٥). الأدلة من الكتاب والسنة على قول من قال بوفاته: من الكتاب: - قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ الأنبياء: ٣٤، فالخضر إن كان بشراً فقد دخل في هذا العموم لا محالة، ولا يجوز تخصيصه منه إلا بدليل صحيح (٦).

стр. 410

- قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ آل عمران: ٨١، قال ابن عباس ﵁: "ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء، ليؤمن به وينصرنه" (١). فالخضر إن كان نبياً أو ولياً فقد دخل في هذا الميثاق، فلو كان حياً في زمن النبي ﷺ لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه يؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه، ولم يثبت أن الخضر اجتمع مع النبي ﷺ فدل ذلك على موته (٢). ومن السنة: قوله ﷺ : (أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة لا يبقى على ظهر الأرض أحد) (٣). وقوله ﷺ عن الساعة-: (وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله، ما على الأرض نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة) (٤). قال ابن الجوزي: "فهذه الأحاديث الصحاح تقطع دابر دعوى حياة الخضر" (٥). وبمجموع هذه الأدلة فإن الراجح -والله أعلم- القطع بموته.

стр. 411

المطلب الثاني الإيمان بنبينا محمد ﷺ - تمهيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. يفسر الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ الشهادة، فيقول: "شهادة (أن لا إله إلا الله) و (أن محمداً رسول الله) هي الركن الأول من أركان الإسلام، ومعنى (لا إله إلا الله): لا معبود بحق إلا الله، وهي نفي وإثبات. (لا إله) نافياً جميع العبادة لغير الله، (إلا الله) مثبتاً جميع العبادة لله وحده لا شريك له، وأما كلمة (محمد رسول الله) فمعناها: الإقرار برسالة محمد ﷺ والإيمان بها والانقياد لها قولاً وفعلاً واعتقاداً، واجتناب كل ما ينافيها من الأقوال والأعمال والمقاصد والتروك، وبعبارة أخرى معناها: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر وأن لا يعبد الله إلا بما شرع" (١). لا إله إلا الله هي كلمة الإخلاص وعنوان التوحيد، ولا يتم إسلام عبد دون تحقيق معناها، والعمل بمدلولها. وهي تعني إفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له، والبراءة من كل معبود سواه، فمعنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله (٢). ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، وأن تعلم وتعتقد بأن محمد بن عبد الله القرشي

стр. 412

الهاشمي رسول الله ﷺ إلى جميع الخلق من الجن والإنس، وأنه عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب، بل يطاع ويتبع، من أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، وأن تعلم وتعتقد بأن تلقي التشريع سواء في العقيدة، أم في شعائر العبادات التي أمر الله بها، أم في نظام الحكم والتشريع، أم في مجال الأخلاق، أو في مجال بناء الأسرة، أو في مجال التحليل والتحريم. . لا يكون إلا عن طريق هذا الرسول الكريم محمد ﷺ لأنه رسول الله المبلغ عنه شريعته، فلا يتحقق معنى شهادة أن محمداً رسول الله إلا بتمام الاتباع وكمال الاقتداء، بهدي النبي الكريم ﷺ (١). وجوب اتباعه: قال الشيخ ﵀: "الأدلة متضافرة على وجوب اتباعه ﵊ في كل ما جاء به من التشريع فعلاً كان أو قولاً، أمراً أو نهياً، إيماناً به وتسليماً له وعملاً بمقتضاه؛ إلاّ أن المتبع فيه من التشريع ليس على وزن واحد في حكمه، بل جزيئاته متفاوتة في الرتبة؛ فمنه المطلوب والممنوع والمباح، فكان واجباً اتباعه ﵊ في كل ذلك على الوجه الذي بينته الأدلة التفصيلية بإيجاب الواجب وندب المندوب والعمل بكل منهما في درجته، والتوسع في المباح بفعله تارة وتركه أخرى، ومنع المحرم والمكروه وتجنب كل منهما حسب درجته. وبالجملة الأمر ظاهر في وجوب الاتباع والإجمال إنما هو في المتبع فيه فيرجع في بيان

стр. 413

درجته إلى الأدلة التفصيلية لينزل على ضوئها كل فعل أو قول منزلته، وهو شبيه في الجملة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ...﴾ النحل: ٩٠ الآية" (١). وبين الشيخ ﵀ عودة الضمير في قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ...﴾ النور: ٦٣، فيقول: " جملة ﴿... قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ ...﴾ النور: ٦٣، جاءت تابعة لقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ...﴾ النور: ٦٣، تقريراً للنهي وتهديداً لمن خالف؛ فكان الواجب رجوع الضمير إلى الرسول؛ فإنه المقصود في الآية بالتحذير من مخالفة أمره على أن نصوص الشريعة قررت التلازم بين طاعة الله وطاعة رسوله ومعصية الله ومعصية رسوله ﷺ " (٢). ويقول كذلك الشيخ ﵀: " بين مشاقة الرسول ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين تلازمٌ كالتلازم بين معصية الله ومعصية رسوله، فكل ما كان مشاقة للرسول؛ فهو اتباع لغير سبيل المؤمنين، وكذا العكس، كما أن كل معصية لله معصية لرسوله وكل طاعة لله أو لقضائه طاعة لرسوله ولقضائه، وكذا العكس، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ النساء: ١٣ - ١٤، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ الأحزاب: ٣٦، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ ...﴾ النساء: ٦٩. وفي الحديث:

стр. 414

(من أطاعني؛ فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله ...) (١) إلخ. فلم يكتف بأحدهما عن الآخر ولم ينفك عنه" (٢). ما ذكره الشيخ عبد الرزاق ﵀ وساقه من نصوص شرعية محكمة يبين وجوب الإيمان بنبوة نبينا محمد ﷺ ومحبته وتصديقه وطاعته والانقياد له، يعد من أصول الإيمان الذي لا يتم إيمان العبد إلا به، ولا يستقيم له أمر إلا باعتقاده، بل إنه لا يقبل للمرء صرف ولا عدل إلا بتوحيد متابعته ونهج طريقه؛ إذ جميع السبل غير سبيله مسدودة، وكل الأعمال على غير هديه مردودة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ آل عمران: ٣١ - ٣٢، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ النساء: ٦٩، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ النساء: ١١٥، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ النور: ٦٣. وهكذا في كثير من النصوص القرآنية الكريمة. وقد قال ﷺ : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: (من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) (٣). وقال: (إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العُريان فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على

стр. 415

مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثلُ من عصاني وكذب بما جئت به من الحق) (١). وقال ﷺ : (بعثت بالسيف حتى يعُبد الله لا شريك له، وجُعل رزقي تحت ظل رمُحي، وجعُل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم) (٢). قال الإمام أحمد: "نظرت في المصحف فوجدت فيه طاعة رسول الله ﷺ في ثلاثة وثلاثين موضعاً" (٣). وقال العلامة ابن القيم ﵀: "والمقصود أن بحسب متابعة الرسول تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أن بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاة؛ فالله سبحانه علق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن والفلاح والعزة والكفاية والنصرة والولاية والتأييد وطيب العيش في الدنيا والآخرة، وقد أقسم ﷺ بأن (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هو أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) (٤)، وأقسم الله سبحانه بقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ النساء: ٦٥.

стр. 416

وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ الأحزاب: ٣٦، فقطع التخيير بعد أمره وأمر رسوله، فليس لمؤمن أن يختار شيئاً بعد أمره ﷺ ... " (١). - بعض المسائل المتعلقة بالإيمان بنبينا محمد ﷺ . عرض الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ لبعض المسائل المتعلقة بالإيمان بنبينا محمد ﷺ على وجه الخصوص، وهي فيما يلي: أولاً: بيان بعض معجزاته ﷺ -. الطريق المشهورة عند أهل الكلام والنظر: تقرير النبوة بالمعجزات ... ، ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح، ولكن الدليل غير محصور في المعجزات، فإن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا إلا على أجهل الجاهلين (٢). ١ - ثبوت معجزاته ﷺ -. قال الشيخ ﵀: "الأمور التي تتصل بنبوة محمد ﷺ أنواع: -منها ما نقل تواتراً من إخباره عن نفسه أنه نبي ودعوته الناس لاتباعه والإيمان به. -ومنها ما نقل تواتراً من معجزاته ﷺ . -ومنها دلالة ما شوهد أو نقل من معجزاته على ما ادعاه من الرسالة. فأما الأول والثاني فالأخبار فيهما متواترة عن محسات ومشاهدات، وهي أقوى نقلاً وآكد إثباتاً لصدور ما تضمنته عنه ﷺ ونسبته إليه من الخبر عن البلاد النائية، والخلفاء والملوك والوجهاء في العصور الماضية، ومن الإخبار عن شجاعة علي وكرم حاتم، ونحوها من

стр. 417

الأمور التي يضرب بها المثل في الاستفاضة والتواتر، فمن أنكر ذلك فهو إما مجنون أو مكابر لا تصح مناظرته. أما الثالث: فيكفي بعض ما نقل من معجزاته في إثبات رسالته يقيناً ولو بطريق النظر؛ وإلاّ ما قامت بذلك الحجة على من أرسله الله إليهم ولا سقطت به معاذيرهم ولا استبيحت به دماء المخالفين وأموالهم ولا كان ثواب ولا عقاب، وذلك باطل بنصوص القرآن والسنة القولية والعملية المستفيضة بل المتواترة، فمن أنكر رسالته بعد مشاهدة الآيات أو البلاغ الصحيح فهو أيضاً إما مجنون وإما مكابر حسود أو مقلد مخدوع غلبه على أمره من هم في نظره من كبراء قومه" (١). ولقد اقتضت حكمة الله تأييد الأنبياء والرسل بالدلائل والحجج والبراهين التي تبين صدقهم فيما يدعون الناس إليه من عبادة الله وحده لا شريك له والكفر بما سواه حتى تقوم الحجة على الناس، ولا يبقى لأحد عذر في عدم تصديقهم وطاعتهم. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الحديد: ٢٥، أي بالدلائل والآيات البينات والحجج الباهرات التي تدل على صدقهم (٢). وذكر أهل العلم أن أعلام نبوة محمد ﷺ تبلغ ألفاً، بل قد قال بعضهم إن ما في القرآن من الآيات التي تدل على نبوة نبينا محمد ﷺ لا يمكن لبشر الإحاطة بها (٣).

стр. 418

٢ - ذكر بعض معجزاته ﷺ -. - الإخبار عن الغيب بإخبار الله له. بين الشيخ عبد الرزاق ﵀ أقسام الغيب، فقال: "من الغيب: ١ - ما استأثر الله بعلمه فلم يطلع عليه ملكاً مقرباً ولا نبيّاً مرسلاً كتحديد الوقت الذي يقوم فيه الخلق لله رب العالمين للحساب، فإنه لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ الأعراف: ١٨٧، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ الأحزاب: ٦٣، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ النازعات: ٤٢ - ٤٥، وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما الحديث الطويل المشهور «أن جبريل سأل رسول الله ﷺ "متى الساعة؟ " قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل!) (١) .. ٢ - ومن الغيب ما أعلمه الله بعض عباده كالأمور المستقبلة التي أخبر بها رسول الله ﷺ فكانت معجزة له وآية من آيات الله خص الله بها رسوله، وهي داخلة في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الجن: ٢٦ - ٢٧، وفي قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ آل عمران: ١٧٩، وبهذا يتبين أن النبي ﷺ لم يكن يعلم الغيب علماً كلياً، وإنما كان يعلمه علماً جزئياً في حدود ما أطلعه الله عليه، شأنه في ذلك شأن إخوانه النبيين، والمقصود الإيضاح بالمثال لا للاستقصاء" (٢).

стр. 419

علم الغيب من الأمور التي استأثر الله تعالى بها، واختص بها نفسه جل وعلا، دون من سواه من ملك مقرب أو نبي مرسل، وهو يطلع من يرتضيه من رسله على بعض الغيب متى شاء وإذا شاء (١). قال القاضي عياض ﵀: "وتجرى أحكامه ﵇ على الظاهر، ولو شاء الله لأطلعه على سرائر عباده ومخبآت ضمائر أمته ... وكل ذلك من علم الغيب الذي استأثر به عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فيعلمه منه ما شاء ويستأثر بما شاء، ولا يقدح هذا في نبوته، ولا يفصم عروة من عصمته، وخفي عليه ﷺ حال أهل الإفك حتى جاءه الخبر من الله، ويخفى عليه ﷺ أمور كثيرة يطول عدها، حتى يأتيه الوحي بخبرها" (٢). ثانياً: خصائص النبي ﷺ -. الخصائص النبوية هي الفضائل والأمور التي انفرد بها النبي ﷺ وامتاز بها إما عن إخوانه الأنبياء، وإما عن سائر البشر. وهي ضربان: الأول: خصائص تشريعية: وهي ما اختص به النبي ﷺ من التشريعات الإلهية. والثاني: خصائص تفضيلية: وهي الفضائل والتشريفات التي كرم الله بها نبينا ﷺ دون غيره (٣).

стр. 420

ويمكن تقسيم ما أورده الشيخ عبد الرزاق ﵀ من الخصائص إلى قسمين: ١ - ما عد من خصائصه ﷺ وهو ثابت . - اختصاصه ﷺ بالسماع في قبره . قال الشيخ ﵀: "الأصل: أن الأموات عموماً لا يسمعون نداء الأحياء من بني آدم ولا دعاءهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ فاطر: ٢٢، ولم يثبت في الكتاب ولا في السنة الصحيحة ما يدل على أن النبي ﷺ يسمع كل دعاء أو نداء من البشر حتى يكون ذلك خصوصية له، وإنما ثبت عنه ﷺ أنه يبلغه صلاة وسلام من يصلي ويسلم عليه فقط، سواء كان من يصلي عليه عند قبره أو بعيداً عنه كلاهما سواء في ذلك؛ لما ثبت عن علي بن الحسين بن علي ن: (أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم) (١). أما حديث: (من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي بعيداً بلغته) فهو حديث ضعيف عند أهل العلم (٢). وأما حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ (٣). فليس بصريح أنه يسمع سلام المسلم، بل يحتمل أنه يرد

стр. 421

عليه إذا بلغته الملائكة ذلك، ولو فرضنا سماعه سلام المسلم لم يلزم منه أن يلحق به غيره من الدعاء والنداء" (١). وقال: كذلك: "سماع الأصوات من خواص الأحياء، فإذا مات الإنسان ذهب سمعه فلا يدرك أصوات من في الدنيا ولا يسمع حديثهم، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ فاطر: ٢٢، فأكد تعالى لرسوله ﷺ عدم سماع من يدعوهم إلى الإسلام بتشبيههم بالموتى، والأصل في المشبه به أنه أقوى من المشبه في الاتصاف، بوجه الشبه، وإذًا فالموتى أدخل في عدم السماع وأولى بعدم الاستجابة من المعاندين الذين صموا آذانهم عن دعوة الرسول ﵊ وعموا عنها، وقالوا: قلوبنا غلف، وفي هذا يقول تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ فاطر: ١٣ - ١٤، وأما سماع قتلى الكفار الذين قبروا في القليب يوم بدر نداء رسول الله ﷺ إياهم وقوله لهم: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا، فإنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا) وقوله لأصحابه: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) (٢) حينما استنكروا نداءه أهل القليب فذلك من خصوصياته التي خصه الله بها فاستثنيت من الأصل العام بالدليل، وهكذا سماع الميت قرع نعال مشيعي جنازته مستثنى من هذا الأصل، وهكذا قوله ﷺ : (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ (٣) مستثنى من هذا الأصل" (٤).

стр. 422

ومن المعلوم أن الاعتقاد بأن الموتى يسمعون هو السبب الأقوى لوقوع كثير من المسلمين اليوم في الشرك الأكبر، ألا وهو دعاء الأولياء والصالحين وعبادتهم من دون الله ... فإذا تبين أن الصواب بأن الموتى لا يسمعون لم يبق حينئذ معنى لدعاء الموتى من دون الله تعالى (١). قال ابن عبد الهادي (٢) في معنى رد الروح للسلام في حديث: (ما من أحد يسلم علي ...): " ... فإن قوله: (إلا ردَّ الله عليَّ روحي) بعد قوله: (ما من أحد يسلم علي ...) يقضي ردّ الروح بعد السلام، ولا يقتضي استمرارها في الجسد، وليعلم أن رد الروح في البدن وعودها إلى الجسد بعد الموت لا يقتضي استمرارها فيه، ولا يستلزم حياة أخرى قبل يوم النشور نظير الحياة المعهودة، بل إعادة الروح إلى الجسد في البرزخ إعادة لا تزيل عن الميت اسم الموت ... بل هي نوع حياة برزخية، والحياة جنس تحتها أنواع، وكذلك الموت، فإثبات بعض أنواع الموت لا ينافي الحياة، كما في الحديث الصحيح أنه ﷺ إذا استيقظ من النوم قال: (الحمد الله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور) (٣) " (٤). عن ابن عمر م: أن النبي ﷺ وقف على قليب بدر فقال: (هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً) وقال: (إنهم ليسمعون الآن ما أقول)، فذكر ذلك لعائشة فقالت: وهم ابن عمر إنما قال رسول الله ﷺ : (إنهم ليعلمون الآن أن الذي قلت هو الحق)، ثم قرأت قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ النمل: ٨٠، حتى قرأت الآية.

стр. 423

قال القرطبي ﵀: " اعلم رحمك الله أن عائشة ﵂ قد أنكرت هذا المعنى واستدلت بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ النمل: ٨٠، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ فاطر: ٢٢، ولا تعارض بينهما، لأنه جائز أن يكونوا يسمعون في وقت ما أو في حال ما، فإن تخصيص العموم ممكن وصحيح إذا وجد المخصص، وقد وجد هنا بدليل ما ذكرناه (١)، وبقوله ﵊: (إنه ليسمع قرع نعالهم) (٢)، وبالمعلوم من سؤال الملكين للميت في قبره وجوابه لهما وغير ذلك مما لا ينكر" (٣). وقال الشيخ محمد الشنقيطي ﵀: "والحاصل أن تأوّل عائشة ك بعض آيات القرآن لا تردّ به روايات الصحابة العدول الصحيحة الصريحة عنه ﷺ ويتأكّد ذلك بثلاثة أمور: الأول: أن رواية العدل لا تردّ بالتأويل. الثاني: أن عائشة ﵂ لما أنكرت رواية ابن عمر عن النبيّ ﷺ إنهم ليسمعون الآن ما أقول قالت: إن الذي قاله ﷺ (إنهم ليعلمون الآن أن الذي كنت أقول لهم هو الحق) فأنكرت السماع ونفته عنهم وأثبتت لهم العلم، ومعلوم أن من ثبت له العلم صحّ منه السماع كما نبّه عليه بعضهم. الثالث: هو ما جاء عنها مما يقتضي رجوعها عن تأويلها إلى الروايات الصحيحة. قال ابن حجر ﵀: ومن الغريب أن في المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير (٤) بإسناد جيّد عن عائشة مثل حديث أبي طلحة وفيه (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)

стр. 424

وأخرجه أحمد بإسناد حسن فإن كان محفوظاً فكأنها رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة لكونها لم تشهد القصّة انتهى منه (١). واحتمال رجوعها لما ذكر قوي لأن ما يقتضي رجوعها ثبت بإسنادين. قال ابن حجر ﵀: إن أحدهما جيّد والآخر حسن ثم قال ابن حجر قال الإسماعيلي (٢) كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه لكن لا سبيل إلى ردّ رواية الثقة إلا بنصّ مثله يدلّ على نسخه أو تخصيصه أو استحالته (٣) " (٤). وقال العيني ﵀: " قال ابن التين (٥): لا معارضة بين حديث ابن عمر والآية، لأن الموتى لا يسمعون لا شك، لكن إذا أراد الله إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع كقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الأحزاب: ٧٢، وقوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ فصلت: ١١، وأن النار اشتكت إلى ربها، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ النمل: ٨٠، مثل قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ القصص: ٥٦، ثم قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ النمل: ٨٠، وقبله: قال تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ النمل: ٧٩ - ٨٠، قال أبو الليث السمرقندي (٦) ﵀: هذا مثل ضربه للكفار، فكما أنك لا تسمع الموتى فكذلك لا تفقه

стр. 425

كفار مكة، ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ قرأ ابن كثير: ﴿ولا يسمع الصم (٨٠)﴾ بفتح الياء وبضم "الصمُ" على أنه فاعل "لا يسمع" والباقون "ولا تُسمع" بالخطاب ونصب "الصمَ" على المفعولية، قوله: قال تعالى: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ النمل: ٨٠، يعني إذا أعرضوا عن الحق مكذبين" (١). وقال الزمخشري (٢) ﵀ عند قول الله تعالى: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ النمل: ٨٠ - : " تأكيد لحال الأصم لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن تولى عنه مدبراً كان أبعد عن إدراك صوته" (٣). وقال الشوكاني ﵀ عند قول الله تعالى: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ النمل: ٨٠ - : " ظاهر نفي إسماع الموتى العموم، فلا يخص منه إلا ما ورد بدليل كما ثبت في الصحيح أنه ﷺ خاطب القتلى في قليب بدر فقيل له: يا رسول الله إنما تكلم أجساداً لا أرواح لها، وكذلك ما ورد من أن الميت يسمع خفق نعال المشيعين له إذا انصرفوا (٤) " (٥).
следующие страницы →