← Акыда

Акыда · id 14254

منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (777 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

عليه إذا بلغته الملائكة ذلك، ولو فرضنا سماعه سلام المسلم لم يلزم منه أن يلحق به غيره من الدعاء والنداء" (١). وقال: كذلك: "سماع الأصوات من خواص الأحياء، فإذا مات الإنسان ذهب سمعه فلا يدرك أصوات من في الدنيا ولا يسمع حديثهم، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ فاطر: ٢٢، فأكد تعالى لرسوله ﷺ عدم سماع من يدعوهم إلى الإسلام بتشبيههم بالموتى، والأصل في المشبه به أنه أقوى من المشبه في الاتصاف، بوجه الشبه، وإذًا فالموتى أدخل في عدم السماع وأولى بعدم الاستجابة من المعاندين الذين صموا آذانهم عن دعوة الرسول ﵊ وعموا عنها، وقالوا: قلوبنا غلف، وفي هذا يقول تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ فاطر: ١٣ - ١٤، وأما سماع قتلى الكفار الذين قبروا في القليب يوم بدر نداء رسول الله ﷺ إياهم وقوله لهم: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا، فإنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا) وقوله لأصحابه: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) (٢) حينما استنكروا نداءه أهل القليب فذلك من خصوصياته التي خصه الله بها فاستثنيت من الأصل العام بالدليل، وهكذا سماع الميت قرع نعال مشيعي جنازته مستثنى من هذا الأصل، وهكذا قوله ﷺ : (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ (٣) مستثنى من هذا الأصل" (٤).

стр. 422

ومن المعلوم أن الاعتقاد بأن الموتى يسمعون هو السبب الأقوى لوقوع كثير من المسلمين اليوم في الشرك الأكبر، ألا وهو دعاء الأولياء والصالحين وعبادتهم من دون الله ... فإذا تبين أن الصواب بأن الموتى لا يسمعون لم يبق حينئذ معنى لدعاء الموتى من دون الله تعالى (١). قال ابن عبد الهادي (٢) في معنى رد الروح للسلام في حديث: (ما من أحد يسلم علي ...): " ... فإن قوله: (إلا ردَّ الله عليَّ روحي) بعد قوله: (ما من أحد يسلم علي ...) يقضي ردّ الروح بعد السلام، ولا يقتضي استمرارها في الجسد، وليعلم أن رد الروح في البدن وعودها إلى الجسد بعد الموت لا يقتضي استمرارها فيه، ولا يستلزم حياة أخرى قبل يوم النشور نظير الحياة المعهودة، بل إعادة الروح إلى الجسد في البرزخ إعادة لا تزيل عن الميت اسم الموت ... بل هي نوع حياة برزخية، والحياة جنس تحتها أنواع، وكذلك الموت، فإثبات بعض أنواع الموت لا ينافي الحياة، كما في الحديث الصحيح أنه ﷺ إذا استيقظ من النوم قال: (الحمد الله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور) (٣) " (٤). عن ابن عمر م: أن النبي ﷺ وقف على قليب بدر فقال: (هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً) وقال: (إنهم ليسمعون الآن ما أقول)، فذكر ذلك لعائشة فقالت: وهم ابن عمر إنما قال رسول الله ﷺ : (إنهم ليعلمون الآن أن الذي قلت هو الحق)، ثم قرأت قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ النمل: ٨٠، حتى قرأت الآية.

стр. 423

قال القرطبي ﵀: " اعلم رحمك الله أن عائشة ﵂ قد أنكرت هذا المعنى واستدلت بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ النمل: ٨٠، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ فاطر: ٢٢، ولا تعارض بينهما، لأنه جائز أن يكونوا يسمعون في وقت ما أو في حال ما، فإن تخصيص العموم ممكن وصحيح إذا وجد المخصص، وقد وجد هنا بدليل ما ذكرناه (١)، وبقوله ﵊: (إنه ليسمع قرع نعالهم) (٢)، وبالمعلوم من سؤال الملكين للميت في قبره وجوابه لهما وغير ذلك مما لا ينكر" (٣). وقال الشيخ محمد الشنقيطي ﵀: "والحاصل أن تأوّل عائشة ك بعض آيات القرآن لا تردّ به روايات الصحابة العدول الصحيحة الصريحة عنه ﷺ ويتأكّد ذلك بثلاثة أمور: الأول: أن رواية العدل لا تردّ بالتأويل. الثاني: أن عائشة ﵂ لما أنكرت رواية ابن عمر عن النبيّ ﷺ إنهم ليسمعون الآن ما أقول قالت: إن الذي قاله ﷺ (إنهم ليعلمون الآن أن الذي كنت أقول لهم هو الحق) فأنكرت السماع ونفته عنهم وأثبتت لهم العلم، ومعلوم أن من ثبت له العلم صحّ منه السماع كما نبّه عليه بعضهم. الثالث: هو ما جاء عنها مما يقتضي رجوعها عن تأويلها إلى الروايات الصحيحة. قال ابن حجر ﵀: ومن الغريب أن في المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير (٤) بإسناد جيّد عن عائشة مثل حديث أبي طلحة وفيه (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)

стр. 424

وأخرجه أحمد بإسناد حسن فإن كان محفوظاً فكأنها رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة لكونها لم تشهد القصّة انتهى منه (١). واحتمال رجوعها لما ذكر قوي لأن ما يقتضي رجوعها ثبت بإسنادين. قال ابن حجر ﵀: إن أحدهما جيّد والآخر حسن ثم قال ابن حجر قال الإسماعيلي (٢) كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه لكن لا سبيل إلى ردّ رواية الثقة إلا بنصّ مثله يدلّ على نسخه أو تخصيصه أو استحالته (٣) " (٤). وقال العيني ﵀: " قال ابن التين (٥): لا معارضة بين حديث ابن عمر والآية، لأن الموتى لا يسمعون لا شك، لكن إذا أراد الله إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع كقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الأحزاب: ٧٢، وقوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ فصلت: ١١، وأن النار اشتكت إلى ربها، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ النمل: ٨٠، مثل قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ القصص: ٥٦، ثم قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ النمل: ٨٠، وقبله: قال تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ النمل: ٧٩ - ٨٠، قال أبو الليث السمرقندي (٦) ﵀: هذا مثل ضربه للكفار، فكما أنك لا تسمع الموتى فكذلك لا تفقه

стр. 425

كفار مكة، ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ قرأ ابن كثير: ﴿ولا يسمع الصم (٨٠)﴾ بفتح الياء وبضم "الصمُ" على أنه فاعل "لا يسمع" والباقون "ولا تُسمع" بالخطاب ونصب "الصمَ" على المفعولية، قوله: قال تعالى: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ النمل: ٨٠، يعني إذا أعرضوا عن الحق مكذبين" (١). وقال الزمخشري (٢) ﵀ عند قول الله تعالى: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ النمل: ٨٠ - : " تأكيد لحال الأصم لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن تولى عنه مدبراً كان أبعد عن إدراك صوته" (٣). وقال الشوكاني ﵀ عند قول الله تعالى: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ النمل: ٨٠ - : " ظاهر نفي إسماع الموتى العموم، فلا يخص منه إلا ما ورد بدليل كما ثبت في الصحيح أنه ﷺ خاطب القتلى في قليب بدر فقيل له: يا رسول الله إنما تكلم أجساداً لا أرواح لها، وكذلك ما ورد من أن الميت يسمع خفق نعال المشيعين له إذا انصرفوا (٤) " (٥).

стр. 426

- اختصاصه ﷺ بأنه خاتم (١) النبيين. قال الشيخ ﵀: "في معناه ما رواه الإمام أحمد والترمذي والحاكم من طريق أنس، قال ﷺ : (إن الرسالة والنبوة قد انقطعت؛ فلا رسول بعدي ولا نبي) (٢) الحديث، وفي آخر عند أحمد بلفظ: (لا نبوة بعدي إلا المبشرات) (٣) الحديث، وقد صح في ذلك المعنى أحاديث بلغت درجة التواتر" (٤). قال ابن كثير ﵀: " وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ الأحزاب: ٤٠، كقوله ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ الأنعام: ١٢٤، فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بالطريق الأولى والأحرى لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة فإن كل رسول نبي ولا ينعكس وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ من حديث جماعة من الصحابة ن فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي قال فشق ذلك على الناس فقال ولكن المبشرات قالوا يا رسول الله وما المبشرات قال رؤيا الرجل المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة) (٥) وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثلي ومثل النبيين كمثل رجل بنى دارا فأتمها إلا لبنة واحدة فجئت أنا فأتممت

стр. 427

تلك اللبنة) (١) وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : (قال فضلت على الأنبياء بست أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون) (٢)، وعن العرباض بن سارية ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : (إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته) (٣)، وعن جبير بن مطعم ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ : (يقول إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي) (٤)؛ فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد ﷺ إليهم ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به وإكمال الدين الحنيف له وقد أخبر الله ﵎ في كتابه ورسوله ﷺ في السنة المتواترة عنه أنه لا نبي بعده ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل ولو تخرق وشعبذ وأتى بأنواع السحر والطلاسم فكلها محال وضلال عند أولي الألباب كما أجرى الله على يد الأسود العنسي (٥) باليمن ومسيلمة الكذاب (٦) باليمامة من الأحوال الفاسدة والأقوال الباردة ما علم كل ذي لب وفهم وحجى أنهما كاذبان ضالان لعنهما الله وكذلك كل مدع لذلك إلى يوم القيامة حتى يختموا بالمسيح الدجال فكل واحد من هؤلاء الكذابين يخلق الله

стр. 428

تعالى معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها وهذا من تمام لطف الله تعالى بخلقه فإنهم بضرورة الواقع لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر إلا على سبيل الاتفاق أو لما لهم فيه من المقاصد إلى غيره ويكون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١)﴾ الشعراء: ٢٢١ الآيات، وهذا بخلاف حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنهم في غاية البر والصدق والرشد والاستقامة والعدل فيما يقولونه ويفعلونه ويأمرون به وينهون عنه مع ما يؤيدون به من الخوارق للعادات والأدلة الواضحات والبراهين الباهرات فصلوات الله وسلامه عليهم دائما مستمرا مادامت الأرض والسموات" (١).

стр. 429

- اختصاصه ﷺ بأن الشيطان لا يتمثل عليه . يفسر الشيخ ﵀ قوله ﷺ من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، فيقول: " معنى الحديث على هذه الرواية: أن من رأى النبي ﷺ في المنام على صورته التي كان عليها في الدنيا فسيرى تأويل رؤياه ووقوع ما أشارت إليه من الخبر في دنياه؛ لأن رؤياه على صورته حق؛ لما دل عليه قوله آخر الحديث: (فإن الشيطان لا يتمثل بي) (١). وليس المراد أنه يرى ذات الرسول ﷺ بيقظته فعن أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ بلفظ: (من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي ...) (٢) الحديث، ومعناه: من رأى النبي ﷺ على صورته التي كان عليها في الدنيا فرؤياه حق، فإن الشيطان لا يتمثل بصورته، وروى مسلم في صحيحه هذا الحديث بلفظ: (من رآني في المنام فسيراني، أو فكأنما رآني) (٣) على الشك، ولم يذكر كلمة اليقظة، ومعناه: صدق الرؤيا وأن تأويلها سيتحقق" (٤). وقال الشيخ ﵀ كذلك: "مضت سنة الله أن جعل الناس أحياء في الدنيا بعد أن كانوا أمواتاً؛ ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، ثم يميتهم فيها عند انتهاء آجالهم ثم يبعثهم يوم القيامة للحساب والجزاء، قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ البقرة: ٢٨، وقال سبحانه في سورة المؤمنون: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ المؤمنون: ١٥ - ١٦، وجعل سبحانه تلك السنة الكونية عامة للأنبياء والمرسلين حتى نبينا محمد ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

стр. 430

عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ الزمر: ٣٠ - ٣١، فتوفي رسول الله ﷺ بعدما بلغ الرسالة وأكمل الله به دينه وأقام به الحجة على خلقه، وصلى عليه أصحابه ﵃ صلاة الجنازة، ودفنوه حيث مات في حجرة عائشة ك، وقام من بعده الخلفاء الراشدون، وقد جرى في أيامهم أحداث ووقائع فعالجوا ذلك باجتهادهم ولم يرجعوا في شيء منها إلى رسول الله ﷺ ، فمن زعم بعد ذلك أنه رآه في اليقظة حيًا وكلمه أو سمع منه شيئًا قبل يوم البعث والنشور فزعمه باطل؛ لمخالفته النصوص والمشاهدة وسنة الله في خلقه، وليس في هذا الحديث دلالة على أنه سيرى ذاته في اليقظة في الحياة الدنيا؛ لأنه يحتمل أن المراد بأنه: فسيراني يوم القيامة، ويحتمل أن المراد: فسيرى تأويل رؤياه؛ لأن هذه الرؤيا صادقة بدليل ما جاء في الروايات الأخرى من قوله ﷺ : (فقد رآني) (١) الحديث. وقد يراه المؤمن في منامه رؤيا صادقة على صفته التي كان ﷺ عليها أيام حياته الدنيوية" (٢). وما ذكره الشيخ ﵀ من أن النبي ﷺ لا يرى في اليقظة هو القول الراجح؛ أما من قال بجواز رؤيته ﷺ يقظة بعد وفاته فيرد عليهم من وجوه: ١ - أن القول بذلك معارض بالأدلة النقلية والعقلية والحسية الدالة على وفاة النبي ﷺ ، ولا يرد على ذلك حياته في قبره إذ حياته فيه حياة برزخية (٣). ٢ - أن رؤيته ﷺ يقظة بعد وفاته لو كانت، ممكنة، لكان أولى الناس بها أصحابه ﷺ ، ولا سيما مع قيام المقتضي لهذه الرؤية، فإنه قد جرى بين الصحابة من النزاع في كثير من المسائل ما يستدعي ظهوره لهم وفصله بينهم (٤).

стр. 431

٣ - أن القول بذلك يلزم منه لوازم باطلة، منها: القول باستمرار التشريع، وأن يخلو القبر من جسده ﷺ فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب، وأن يكون من رآه صحابياً وغيرها (١). ٤ - أن القائلين بذلك اضطربوا في رؤيته ﷺ هل هي رؤية لذاته على الحقيقة أو رؤية مثال لها، وهل تكون بالقلب أو بالبصر (٢)، وهذا محسوس والاختلاف فيها على هذا الوجه يدل على عدم تحققها. ٥ - أن القائلين بذلك لم يذكروا على قولهم هذا دليلاً يُعتمد عليه، وما ذكروه أمران: • حديث: (من رآني في المنام، فسيراني في اليقظة) (٣): والحديث أخرجه البخاري من طريق عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن محمد بن شهاب الزهري، عن أبي هريرة ﵁ به. والجواب عنه من وجهين: أ- أن أهل العلم اختلفوا في المراد بالحديث على أقوال (٤)، أصحها أن المراد به التشبيه والتمثيل، ويدل لذلك روايات الحديث الأخرى فقد رواه بقية أصحاب الزهري بلفظ: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو فكأنما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي) (٥).

стр. 432

ب- أن حمل الحديث على رؤيته ﷺ يقظة بعد وفاته وإن كان أحد الأقوال في المراد بالحديث إلا أنه قول ضعيف؛ إذ إن جماعة رأوه في المنام ولم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة، ومعلوم أن خبر الصادق لا يتخلف (١). • وأما الحكايات التي يذكرها المصنفون في الكرامات أو يتناقلها العامة من رؤية النبي ﷺ يقظة بعد وفاته: فهذه الحكايات ليست حجة شرعية يجب المصير إليها؛ إذ هي كذب مختلق، أو تزوير شيطان مرق؛ ولهذا لم يقع مثل هذا لأحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان (٢). - اختصاصه ﷺ بشفاعته لعمه أبي طالب . قال الشيخ ﵀: " أبو طالب هو أخف أهل النار عذاباً يوم القيامة، بسبب شفاعة النبي ﷺ له في ذلك، وإنما يخفف الله عنه ما هو فيه من العذاب بشفاعة النبي ﷺ ؛ لما رواه مسلم في ذلك عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، وهو ينتعل بنعلين يغلي منهما دماغه) (٣). ولما رواه مسلم وغيره عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: (يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: (نعم، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) (٤)، وفي رواية عن العباس: (قلت: يا رسول الله، إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: (نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح) (٥)، وروى مسلم أيضًا، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ ذكر عنده عمه أبو طالب، فقال: (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه) (٦).

стр. 433

وكل من مات كافرًا فهو مخلد في النار، سواء كان من أقارب النبي ﷺ أم من غيرهم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾ التغابن: ١٠، وما جاء في معناها من الآيات" (١). وهذه الشفاعة خاصة بالنبي ﷺ لعمه أبي طالب ودليلها ما سبق ذكره من كلام الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀، ومما سبق يظهر أن سبب شفاعة الرسول ﷺ لعمه في تخفيف العذاب هو دفاعه عن الرسول ﷺ ونصرته له، حتى ورد أنه أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة. وينبغي أن نعلم هنا أن هذه الشفاعة التي نفعت أبا طالب، مع كونه كافراً، شفاعة تخفيف فقط، لا شفاعة إخراج من النار (٢).

стр. 434

- اختصاصه ﷺ بتعدد أسمائه . قال الشيخ ﵀: " لم يصح تسمية النبي ﷺ نفسه بشيء منه إلا خمسة أسماء أو ستة فقط" (١). عن جبير بن مطعم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب) (٢). قال الخطابي: " قوله: (لي خمسة أسماء) معناه أن هذه الأسماء مذكورة في كتب الله تعالى (٣)، فأي اسم وجد منها فهو اسمه وصفته. وأما محمد وأحمد فهما مشهوران، فـ (محمد) قدمه لأنه أشرفها، و (أحمد) أي أحمد الحامدين، فالأنبياء حمادون، وهو أحدهم، وأما (الحاشر) فقد ذكر تفسيره في الحديث؛ وهو الذي يحشر الناس على أثره، كقوله: (أنا أول من تنشق عنه الأرض) (٤)، و (العاقب): الآخر، يريد: أني خاتم الأنبياء، جاء عقبهم، يقال: عقبت القوم أعقبهم إذا جئت آخرهم" (٥) " (٦). قال ابن القيم ﵀: " أسماء النبي ﷺ كلها نعوت ليست أعلاما محضة لمجرد التعريف بل أسماء مشتقة من صفات قائمة به توجب له المدح والكمال فمنها محمد وهو أشهرها وبه سمي في التوراة صريحاً ... بما يوافق عليه كل عالم من مؤمني أهل الكتاب، ومنها أحمد وهو الاسم

стр. 435

الذي سماه به المسيح ... ، ومنها المتوكل ومنها الماحي والحاشر والعاقب والمقفي ونبي التوبة ونبي الرحمة ونبي الملحمة والفاتح والأمين، ويلحق بهذه الأسماء: الشاهد والمبشر والبشير والنذير والقاسم والضحوك والقتال وعبد الله والسراج المنير وسيد ولد آدم وصاحب لواء الحمد وصاحب المقام المحمود وغير ذلك من الأسماء لأن أسماءه إذا كانت أوصاف مدح فله من كل وصف اسم لكن ينبغي أن يفرق بين الوصف المختص به أو الغالب عليه ويشتق له منه اسم وبين الوصف المشترك فلا يكون له منه اسم يخصه ... ؛ وأسماؤه ﷺ نوعان: أحدهما: خاص لا يشاركه فيه غيره من الرسل كمحمد وأحمد والعاقب والحاشر والمقفي ونبي الملحمة. والثاني: ما يشاركه في معناه غيره من الرسل ولكن له منه كماله فهو مختص بكماله دون أصله كرسول الله ونبيه وعبده والشاهد والمبشر والنذير ونبي الرحمة ونبي التوبة. وأما إن جعل له من كل وصف من أوصافه اسم تجاوزت أسماؤه المائتين كالصادق والمصدوق والرؤوف الرحيم إلى أمثال ذلك وفي هذا قال من قال من الناس: إن لله ألف اسم (١) وللنبي ﷺ ألف اسم ومقصوده الأوصاف" (٢).

стр. 436

- اختصاصه ﷺ برؤية من وراءه . قال الشيخ عبد الرزاق ﵀: " ثبت عنه ﷺ أنه قال لأصحابه: (إنه لا يخفى علي ركوعكم ولا خشوعكم، إني أراكم من وراء ظهري) (١) والأصل: أنه كسائر البشر لا يرى من وراء الحجاب الذي لا تخترقه الأبصار إلا ما خصه الدليل" (٢). قال ابن حجر ﵀: والصواب المختار أنه محمول على ظاهره، وأن هذا الإبصار، إدراك حقيقي، خاص به ﷺ ، انخرقت فيه العادة، على هذا عمل المصنف (٣)، فأخرج هذا الحديث في علامات النبوة، وكذا نقل عن الإمام أحمد وغيره (٤)، وحكاه القاضي عياض عن جمهور العلماء (٥). وقال الإمام العيني ﵀: " قوله ﷺ : (من وراء ظهري) أي من خلف ظهري ... والعلماء اختلفوا في معنى هذه الرؤية فقال قوم: - المراد بها العلم، إما بطريق أنه كان يوحى إليه بيان كيفية فعلهم، وإما بطريق الإلهام، وهذا ليس بشيء لأنه لو كان ذلك بطريق العلم ما كانت فائدة في التقييد بقوله ﷺ : (من وراء ظهري). - وقال قوم المراد به أنه يرى من عن يمينه ومن عن يساره ممن تدركه عينه مع التفات يسير في بعض الأحوال، وهذا أيضاً ليس بشيء وهو ظاهر وأنكر ذلك الإمام أحمد: إنكارا شديدا. - وقال الجمهور وهو الصواب إنه من خصائصه ﷺ وإن إبصاره إدراك حقيقي انخرقت له فيه العادة ولهذا أخرجه البخاري هذا الحديث في علامات النبوة.

стр. 437

واختلف العلماء كذلك في كيفية رؤية النبي ﷺ من خلف ظهره:- - فقيل كانت له عين خلف ظهره يرى بها من وراءه دائماً. - وقيل كانت له بين كتفيه عينان مثل سم الخياط يعني مثل خرق الإبرة يبصر بهما لا يحجبهما ثوب ولا غيره. - وقيل بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته كما تنطبع في المرآة أمثلتهم فيها فيشاهد بذلك أفعالهم" (١). وكل هذه الأقوال في كيفية الرؤية تفتقر للدليل الصحيح والله أعلم. والخصائص الثابتة لنبينا ﷺ كثيرة، وما ذكره الشيخ عبد الرزاق: طرف منها، وقد أفردها غير واحد من أهل العلم بمصنفات خاصة (٢).

стр. 438

٢ - ما عد من خصائصه ﷺ وهو غير ثابت . - اختصاصه ﷺ بأنه المقصود من خلق الخلق . سُئل الشيخ ﵀ عن هذا الحديث (لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك) فأجاب بقوله: " ذكره العجلوني (١)، وقال: قال الصغاني (٢): إنه موضوع، ثم قال: وأقول: لكنه معناه صحيح وإن لم يكن حديثًا. نقول: بل هو باطل لفظًا ومعنى؛ فإن الله تعالى إنما خلق الخلق ليعبدوه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦، ولم يثبت حديث عن النبي ﷺ يدل على أن الخلق خلقوا من أجله لا الأفلاك ولا غيرها من المخلوقات، وذكره محمد بن علي الشوكاني (٣) وقال: قال الصغاني: موضوع، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ الطلاق: ١٢" (٤). ويبين الشيخ ﵀ الحكمة من خلق السماوات والأرض، فقال: "لم تخلق السموات والأرض من أجله ﷺ ، بل خلق لما ذكره الله سبحانه من قوله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ

стр. 439

أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ الطلاق: ١٢، أما الحديث المذكور (١) فهو مكذوب على النبي ﷺ لا أساس له من الصحة" (٢). والقول بأنه ﷺ المقصود من الخلق قول باطل من وجوه: ١ - أن القول بذلك يعارض النصوص الشرعية الدالة على أن المقصود من الخلق ابتلاؤهم بالعبادة كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦، وقوله سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ الملك: ٢، وأن الله تعالى هو الممد للمخلوقات والمتصرف فيها كيف يشاء كقوله سبحانه: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ البقرة: ٢٨٤، وقوله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ المائدة: ١٧. ٢ - أن القول بذلك ينافي بشرية الرسول ﷺ وما أخبر الله به عنه وأخبر هو عن نفسه كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ الكهف: ١١٠، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ الأعراف: ١٨٨، وقوله ﷺ : (يا معشر قريش أو كلمة نحوها اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً) (٣). ٣ - أن هذا القول مأخوذ من بعض الفلسفات الفاسدة، والعقائد الباطلة كالفلسفة الهندية، والعقيدة النصرانية.

стр. 440

٤ - أن غاية ما استدلوا به أحاديث موضوعة لا تقوم بها الحجة (١). ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ما يذكرون أن النبي ﷺ كان كوكباً، أو أن العالم كله خلق منه، أو أنه كان موجوداً قبل أن يخلق أبواه، أو أنه كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه به جبريل، وأمثال هذه الأمور، فكل ذلك كذب مفترى باتفاق أهل العلم بسيرته. والأنبياء كلهم لم يخلقوا من النبي ﷺ ، بل خلق كل واحد من أبويه، ونفخ الله فيه الروح. ولا كان كلما يعلم الله لرسله وأنبيائه يوحيه يأخذونه بواسطة سوى جبريل، بل تارة يكلمهم الله وحياً يوحيه إليهم، وتارة يكلمهم من وراء حجاب كما كلم موسى بن عمران وتارة يبعث ملكاً فيوحي بإذنه ما يشاء، ومن الأنبياء من يكون على شريعة غيره، كما كان بني إسرائيل على شريعة التوراة. وأما كونهم كلهم يأخذون من واحد فهذا يقوله ونحوه أهل الاتحاد من أهل الوحدة والاتحاد كابن عربي صاحب الفتوحات المكية والفصوص وأمثالهما" (٢).

стр. 441

- اختصاصه ﷺ بأنه خلق من نور . قال الشيخ مبيناً هذه العبارة: "وصف الرسول ﷺ بأنه نور من نور الله إن أريد به أنه نور ذاتي من نور الله فهو مخالف للقرآن الدال على بشريته، وإن أريد بأنه نور باعتبار ما جاء به من الوحي الذي صار سببًا لهداية من شاء من الخلق فهذا صحيح، وللنبي ﷺ نور هو نور الرسالة والهداية التي هدى الله بها بصائر من شاء من عباده، ولا شك أن نور الرسالة والهداية من الله، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ الشورى: ٥١. وليس هذا النور مكتسبًا من خاتم الأولياء كما يزعمه بعض الملاحدة، أما جسمه ﷺ فهو دم ولحم وعظم ... إلخ، خُلق من أب وأم ولم يسبق له خلق قبل ولادته، وما يروى أن أول ما خلق الله نور النبي محمد ﷺ ، أو أن الله قبض قبضة من نور وجهه وأن هذه القبضة هي محمد ﷺ ونظر إليها فتقاطرت فيها قطرات فخلق من كل قطرة نبيًا، أو خلق الخلق كلهم من نوره ﷺ ، فهذا وأمثاله لم يصح منه شيء عن النبي ﷺ " (١). وقال الشيخ عبد الرزاق: كذلك: "النبي ﷺ نور هدى ورشاد، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ الشورى: ٥٢، و ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ الأحزاب: ٤٥ - ٤٦، وليس بدنه نورًا وليس هو من نور الله الذي هو وصفه، بل هو لحم وعظم وما خالطهما، خلق من أب وأم كغيره كما مضت بذلك سنة الله تعالى في البشر، وكان يأكل ويشرب ويقضي من شأنه، وله ظل إذا مشى في شمس أو نحوها، وأما قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ المائدة: ١٥ - ١٦، فالمراد بالنور في ذلك: ما بعثه الله به من الوحي، من

стр. 442

عطف الخاص على العام ولم يثبت في القرآن ولا في السنة الصحيحة أنه نور عرش الله، أما ما يروى من أن النبي ﷺ خلق من نور الله فهو حديث موضوع" (١). ومن قال بأن نبينا محمد ﷺ خلق من نور؛ فلا بد من أن يبين مراده وإلا فقوله هذا باطل من وجوه: ١ - أن القول بذلك ينافي بشرية نبينا محمد ﷺ ، فإن البشر مخلوقون من التراب لا من النور، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ الروم: ٢٠. وقال ﷺ : (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم) (٢). فهذا خبر عام في جميع البشر، فتخصيص نبينا محمد ﷺ بأنه خلق من نور يحتاج إلى مخصص، ولا مخصص (٣). ٢ - أن القول بذلك يفضي إلى بعض العقائد الفاسدة كاعتقاد أن النبي ﷺ مخلوق من نور الله تعالى، وأن العالم كله خلق من نوره، وأنه أول المخلوقات، وأن خلقه متقدم على العرش والقلم، وقد التزم جماعة من القائلين بذلك بهذه العقائد (٤). ٣ - أن القول بذلك مأخوذ من بعض الفلسفات القديمة، والنظريات الفاسدة (٥).

стр. 443

- اختصاصه ﷺ بأنه رأى ربه . قال الشيخ ﵀ مبيناً: "لم ير نبينا محمد ﷺ ربه في الدنيا بعيني رأسه على الصحيح من قولي العلماء في ذلك وإنما رأى جبريل ﵇ على صورته معترضا الأفق، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ النجم: ٥ - ١٧" (١). هذه المسألة من المسائل الخلافية بين أهل السنة والجماعة والخلاف فيها قد وقع بين الصحابة ﵃ وغيرهم، قال ابن أبي العز- بعد تفصيله فيها وحكايته للأقوال، وترجيحه لنفي الرؤية البصرية-: ونحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى، وإن كانت رؤية الرب تعالى أعظم وأعلى، فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها ألبته (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "قد اتفق أئمة المسلمين على أن أحداً من المؤمنين لا يرى الله بعينه في الدنيا، ولم يتنازعوا إلا في النبي ﷺ خاصة مع أن جماهير الأمة اتفقوا على أنه لم يره بعينه في الدنيا، وعلى هذا دلت الآثار الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ والصحابة وأئمة المسلمين. ولم يثبت عن ابن عباس ولا عن الإمام أحمد وأمثالهم أنهم قالوا: إن محمداً رأى ربه بعينه، بل الثابت عنهما: إما إطلاق الرؤية، وإما تقييدها بالفؤاد، وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة أنه رآه بعينه" (٣).

стр. 444

والأدلة متضافرة نقلاً وعقلاً: فمن الأدلة النقلية: - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ الأعراف: ١٤٣. - قوله ﷺ : (تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت) (١). وجه الاستدلال به: أن الحديث صريح في نفي رؤية الله تعالى في الدنيا، وقد خاطب به رسول الله ﷺ أصحابه، فإذا كانت الرؤية الدنيوية منتفية في حقهم فغيرهم من باب أولى (٢). وأما الأدلة العقلية: " ... لم نر الله في الدنيا لعجزنا عن ذلك وضعفنا كما لا نستطيع التحديق في شعاع الشمس، بل كما لا تطيق الخفاش أن تراها، لا لامتناع رؤيتها، بل لضعف بصره وعجزه ... " (٣). أما رؤية النبي ﷺ لله ليلة المعراج: فقد اختلفت أقوال السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم في رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج، وهي في مجملها على ثلاثة أضرب: الأول: أقوال تثبت الرؤية مطلقاً. الثاني: أقوال تنفي الرؤية مطلقاً. الثالث: أقوال تقيد الرؤية القلبية لا البصرية.

стр. 445

ومن ثم اختلف أهل العلم بعدهم في تحرير أقوالهم على مذهبين: المذهب الأول: من يرى أن الاختلاف بين أقوالهم اختلاف تضاد لا تنوع يوجب الترجيح بينهما لا الجمع، واختلف القائلون بذلك في القول الراجح منها ووجهه. والمذهب الثاني: من يرى أن الاختلاف بين أقوالهم اختلاف تنوع لا تضاد يوجب الجمع لا الترجيح (١). والمذهب الثاني هو الصحيح -والله أعلم - واختاره جمع من المحققين منهم شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وتلميذه ابن القيم (٣)، وابن كثير (٤)، وابن أبي العز (٥)، والسفاريني (٦)، والشنقيطي (٧)، وغيرهم؛ وهو اختيار الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وأما الرؤية فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين"، وعائشة أنكرت الرؤية. فمن الناس من جمع بينهما فقال: عائشة أنكرت رؤية العين وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد، والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة، أو مقيدة بالفؤاد، تارة يقول: "رأى محمد ربه"، وتارة يقول: "رآه محمد" ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح أنه رآه بعينه ... وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل: كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ فقال: (نور أنى أراه) (٨).

стр. 446

وقد قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ الإسراء: ١، ولو كان قد رآه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى. وكذا قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢)﴾ النجم: ١٢، ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ النجم: ١٨، ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى. وفي الصحيحين عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ الإسراء: ٦٠، قال: "هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به" (١) وهذه رؤيا الآيات؛ لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم، حيث صدقه قوم وكذبه قوم، ولم يخبرهم أنه رأى ربه بعينه، وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه" (٢).

стр. 447

ثالثاً: بشريته ﷺ -. ١ - النبي ﷺ كسائر البشر . يبين الشيخ عبد الرزاق: أن نبينا محمد ﷺ كسائر بني آدم، فيقول: " نبينا محمد ﷺ هو كسائر بني آدم خلقه الله من ذكر وأنثى بالنص من الكتاب والسنة وبشهادة الواقع الحسي، ثم توفاه عند انتهاء أجله، فوجوده ممكن كسائر المخلوقات إلا أن الله تعالى ميزه بالرسالة فاصطفاه رسولاً إلى الناس كافة وخاتماً للأنبياء ﵈ " (١). ولا ريب أن الرسول ﷺ من جنس البشر لقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ الكهف: ١١٠، وقال تعالى: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣)﴾ المؤمنون: ٣٣، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦)﴾ فصلت: ٦. ولقوله ﷺ : (أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) (٢). قال ابن عباس بعد قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الكهف: ١١٠، علم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه فأمره الله أن يقر فيقول أنا آدمي مثلكم إلا إني خصصت بالوحي وأكرمني الله به يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد لا شريك له (٣). وقال الشوكاني ﵀: أمر سبحانه نبيه ﷺ أن يسلك مسلك التواضع فقال ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي إن حالي مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية ومن كان هكذا

стр. 448

فهو لا يدعي الإحاطة بكلمات الله إلا أنه امتاز عنهم بالوحي إليه من الله سبحانه قال يوحى إلي وكفى بهذا الوصف فارقا بينه وبين سائر أنواع البشر (١). ٢ - الرسول ﷺ ليس بشراً مثلنا . يبين الشيخ ﵀ أن مثل هذا العبارة تحتمل حقاً وباطلاً، فقال: "هذه الكلمة مجملة تحتمل حقاً وباطلاً، فإن أريد بها إثبات البشرية للنبي ﷺ أنه ليس مماثلاً للبشر من كل وجه، بل يشاركهم في جنس صفاتهم فيأكل ويشرب ويصح ويمرض ويذكر وينسى ويحيا ويموت ويتزوج النساء ونحو ذلك ويختص بما حباه الله به من الإيحاء إليه وإرساله إلى الناس بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً - فهذا حق، وهو الذي شهد به الواقع وأخبر به القرآن، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ الكهف: ١١٠، فأمره أن يخبر أمته بأنه بشر مثلهم إلا أن الله اصطفاه لتحمل أعباء الرسالة وأوحى إليه بشريعة التوحيد والهداية، وقال تعالى في بيان ما جرى من الحوار بين الرسل وأممهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾ إبراهيم: ١٠ - ١١، فأقر الرسل بأنهم بشر مثلنا ولكن الله منّ عليهم بالرسالة فإن الله سبحانه يمنّ على من يشاء من عباده بما شاء ويصطفي منهم من أراد؛ ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، ومثل هذا في القرآن كثير.

стр. 449

وإن أريد به أن الرسول ليس بشراً أصلاً أو أنه بشر لكنه لا يماثل البشر في جنس صفاتهم بوجه ما من الوجوه، بل يختلف عنهم اختلافاً كلياً في كل صفة من صفاتهم؛ فهذا باطل يكذبه الواقع، وكفر صريح لمناقضته لما صرح به القرآن من إثبات بشريتهم ومماثلتهم للبشر فيما عدا ما اختصهم الله به من الوحي والنبوة والرسالة والمعجزات. وإن أريد أنه ليس مثل البشر من جهة أنه يعلم الغيب أو كامل القدرة فيجيء الكلام عليه في الجواب عن الأمر الثاني والثالث (١). وإن أريد غير ذلك فعلى من يتكلم بمثل هذه الكلمات أن يعرب عن مراده ويبين قصده ليبحث معه فيه. وعلى كل حال لا يصح إطلاق هذه الكلمة نفياً ولا إثباتاً إلا مع التفصيل والبيان؛ لما فيها من اللبس والإجمال، ولذا لم يطلقها القرآن إثباتًا إلا مع بيان ما خص به رسله، كما في الآيات المتقدمة وكما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾ فصلت: ٦ - ٧. وكما يخشى من التعبير بمماثلتهم للبشر بإطلاق: انتقاص الرسل، والتذرع إلى إنكار رسالتهم؛ يخشى من نفي المماثلة بإطلاق: الغلو في الرسل، وتجاوز الحد بهم إلى ما ليس من شأنهم، بل من شؤون الله سبحانه. فالذي ينبغي للمسلم التفصيل والبيان؛ ليتميز الحق من الباطل والهدى من الضلال" (٢). وقد سبق الحديث عن بشرية الرسول ﷺ في العنصر السابق.

стр. 450

٣ - الرسول ﷺ كامل القدرة . يبن الشيخ أن مثل هذه العبارة تحتملاً حقاً وباطلاً، فقال: "إن أريد بكمال قدرة الرسول ﷺ الكمال النسبي بالنظر إلى بني جنسه من البشر فهو مسلم به، وإن أريد به الكمال المطلق فهو باطل، وغلو في الرسول ﷺ وتشبيه للمخلوق بالخالق؛ لأن الكمال المطلق في القدرة ونحوها من اختصاص الله جل شأنه، أما الرسول ﷺ فقدرته محدودة مستمدة من الله وليست له من ذاته؛ ولذا تفاوتت قوة وضعفًا في صحته ومرضه، وأمره الله أن يقول للكفار حين طلبوا منه الآيات ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ العنكبوت: ٥٠، وأمره الله أن يقول لهم حينما استعجلوا العذاب: قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ الأنعام: ٥٨، إلى غير ذلك مما يدل على أنه ﵊ ليس له الكمال المطلق قوة واقتدارًا وإنما ذلك إلى الله وحده، ومن ذلك الحديث الصحيح الذي فيه: إنه سقط عن فرسه وجحش شقه حتى صلى بالناس جالساً (١)، وحديث إصابته في غزوة أحد (٢)، وفي ذهابه للطائف قبل الهجرة للدعوة إلى التوحيد، فعن ابن عباس ن أن النبي ﷺ قال: (اشتد غضب الله على قوم أدموا وجه نبي الله ﷺ ) (٣)، وفيه عن سهل بن سعد وهو يسأل عن جرح رسول الله ﷺ فقال: (أما والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله ﷺ ومن كان يسكب الماء وبما دووي، قال: كانت فاطمة ﵍ بنت رسول الله ﷺ تغسله وعلي يسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها فاستمسك الدم) (٤). وكسرت رباعيته يومئذٍ وجرح وجهه وكسرت البيضة على رأسه، فلو كان له ﷺ كمال القدرة لما قدر أحد من أعدائه على إيذائه بجرح وجهه وكسر رباعيته وكسر البيضة على رأسه" (٥).

стр. 451

النبي ﷺ كامل كمالاً بشرياً, وأما الكمال المطلق فهو لله وحده لا يشاركه فيه مخلوق من مخلوقاته كائناً من كان لا ملكا مقربا ولا نبياً مرسلاً, كما ذكر ذلك الشيخ عبد الرزاق:، وجميع المخلوقات يلحقها النقص. وقد حذر النبي ﷺ أن يطرى فيرفع فوق منزلته، أو يعطى بعض خصائص الألوهية، فقال ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) (١). أي لا تمدحوني بالباطل ولا تجاوزوا الحد في مدحي كما عملت النصارى مع عيسى فمدحوه حتى جعلوه إلها. وروى أحمد والنسائي أن أناسا قالوا له: يا رسول الله؛ يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا، فقال رسول الله ﷺ : (يا أيها الناس: قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله (٢). ولا يخفى على عاقل أن الموجودات منقسمة إلى كاملة وناقصة، والكامل أشرف من الناقص، ومهما تفاوتت درجات الكمال واقتصر منتهى الكمال على واحد حتى لم يكن الكمال المطلق إلا له، وكل ما سواه عاجز لا قدرة له، إلا بما أقدره متصف بجميع صفات الكمال، وكل ما سواه فلازمه النقص وليس الكمال المطلق إلا له وهو الله (٣).

стр. 452

٤ - وفاته ﷺ -. قال الشيخ ﵀: "دل القرآن على أن الرسول ﷺ ميت، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ الزمر: ٣٠، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ العنكبوت: ٥٧، وهو ﷺ داخل في هذا العموم، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ الأنبياء: ٣٤، وقال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ الرحمن: ٢٦ - ٢٧، ... إلى أمثال ذلك من الآيات الدالة على أن الله قد توفاه إليه؛ ولأن الصحابة ن قد غسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه، ولو كان حياً حياته الدنيوية ما فعلوا به ما يفعل بغيره من الأموات، ولأن فاطمة ك قد طلبت إرثها من أبيها ﷺ لاعتقادها بموته، ولم يخالفها في ذلك الاعتقاد أحد من الصحابة، بل أجابها أبو بكر ﵁: بأن الأنبياء لا يورثون ولأن الصحابة ن قد اجتمعوا لاختيار خليفة للمسلمين يخلفه، وتم ذلك بعقد الخلافة لأبي بكر ﵁، ولو كان حياً كحياته في دنياه لما فعلوا ذلك، فهو إجماع منهم على موته، ولأن الفتن والمشاكل لما كثرت في عهد عثمان وعلي م، وقبل ذلك وبعده لم يذهبوا إلى قبره لاستشارته أو سؤاله في المخرج من تلك الفتن والمشكلات وطريقة حلها، ولو كان حياً كحياته في دنياه لما أهملوا ذلك وهم في ضرورة إلى من ينقذهم مما أحاط بهم من البلاء، أما روحه فهي في أعلى عليين؛ لكونه أفضل الخلق، وأعطاه الله الوسيلة وهي أعلى منزلة في الجنة ﵊" (١). عن أبي هريرة ﵁ قال: (لما توفي رسول الله ﷺ قام عمر. فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ قد توفي، وإن رسول الله ﷺ والله ما مات، ولكنه قد ذهب إلى ربه، كما ذهب موسى بن عمران. فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه قد مات. قال: وأقبل أبو بكر، حتى نزل على باب المسجد. حين بلغه الخبر-وعمر يكلم الناس- فلم يلتفت إلى شيء، حتى دخل

стр. 453

على رسول الله ﷺ في بيت عائشة، ورسول الله ﷺ مسجى في ناحية البيت، عليه برد حِبَرة، فأقبل حتى كشف عن وجهه، ثم أقبل عليه فقبله ثم قال: بأبي أنت وأمي، أما الموتة التي كتبها الله عليك: فقد ذُقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً. ثم رد البرد على وجهه. وخرج -وعمر يكلم الناس- فقال: على رسلك يا عمر، أنصت. فأبى إلا أن يتكلم. فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس. فلما سمع الناس كلام أبي بكر أقبلوا عليه، وتركوا عمر. فحمد الله تعالى، وأثنى عليه. ثم قال: أيها الناس، إنه من كان يعبد محمداً. فإن محمداً قد مات. ومن كان يعبد الله تعالى، فإن الله حي لا يموت. قال: ثم تلا هذه الآية: قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ آل عمران: ١٤٤، قال: فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت، حتى تلاها أبو بكر يومئذ، قال: وأخذها الناس عن أبي بكر، فإنما هي في أفواههم. قال أبو هريرة فقال عمر: فو الله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها. فعثرت حتى وقعتُ إلى الأرض، ما تحملني رجلاي، فاحتملني رجلان، وعرفت أن رسول الله قد مات) (١). ولا نقول إلا كما قال أبو بكر وعمر م حينما دخلوا عليه وهو ميت وهما في الصف الأول حيال رسول الله ﷺ اللهم إنا نشهد إنك قد بلغت ما أنزل إليك ونصحت لأمتك وجاهدت في سبيل الله حتى أعز الله تعالى دينه وتمت كلمته، ونؤمن بك وحدك لا شريك لك فاجعلنا إلهنا ممن يتبع القول الذي أنزل معه واجمع بيننا وبينه حتى يعرفه بنا وتعرفنا به فإنك كنت بالمؤمنين رؤوفاً رحيما لا نبغي بالإيمان بدلاً ولا نشتري به ثمناً أبداً (٢).

стр. 454

٥ - الحياة البرزخية لنبينا محمد ﷺ وإثبات موته: يقرر الشيخ ﵀ هذا بقوله: "إن نبينا محمداً ﷺ حي في قبره حياة برزخية يحصل له بها التنعم في قبره بما أعده الله له من النعيم جزاء له على أعماله العظيمة الطيبة التي قام بها في دنياه، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام، ولم تعد إليه روحه ليصير حيًا كما كان في دنياه ولم تتصل به وهو في قبره اتصالاً يجعله حياً كحياته يوم القيامة، بل هي حياة برزخية وسط بين حياته في الدنيا وحياته في الآخرة، وبذلك يعلم أنه قد مات، كما مات غيره ممن سبقه من الأنبياء وغيرهم" (١). ويبين الشيخ ﵀ أن تفاصيل الحياة البرزخية الأصل فيها أنها من الغيب، فيقول: " والأصل في الأمور الغيبية: اختصاص الله بعلمها، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ الأنعام: ٥٩، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ النمل: ٦٥، لكن الله تعالى يطلع من ارتضى من رسله على شيء من الغيب، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ الجن: ٢٦ - ٢٧، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾ الأحقاف: ٩، وثبت في حديث طويل من طريق أم العلاء أنها قالت: (لما توفي عثمان بن مظعون أدرجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله ﷺ ، فقلت رحمة الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك فقد أكرمك الله ، فقال رسول الله ﷺ : (وما يدريك أن الله أكرمه) فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي، فقال رسول الله ﷺ : (أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري

стр. 455

وأنا رسول الله ما يفعل بي) فقلت: والله لا أزكي بعده أحدًا أبدًا) (١)، وفي رواية له: (ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به)، وقد ثبت في أحاديث كثيرة أن النبي ﷺ قد أعلمه الله بعواقب بعض أصحابه فبشرهم بالجنة، وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁، أن جبريل سأل النبي ﷺ عن الساعة، فقال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) (٢) ثم لم يزد على أن أخبره بأماراتها، فدل على أنه علم من الغيب ما أعلمه الله به دونما سواه من المغيبات، وأخبره به عند الحاجة. كما أن الله سبحانه أخبر نبيه ﷺ أنه مغفور له في سورة الفتح. وصح عنه ﷺ أنه قال: (النبي في الجنة وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة - وهو ابن أبي وقاص - وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة) (٣) ﵃ جميعًا، وهذا كله من علم الغيب الذي أطلع الله نبيه عليه." (٤). فلا نثبت من الحياة البرزخية إلا ما ورد به الدليل لأنها من الأمور الغيبية، فإن كان الرسول ﷺ لا يعلم الغيب إلا ما أعلمه الله فغيره من البشر لا يعلمون من باب أولى. والحياة البرزخية تختلف عن الحياة المعروفة في الدنيا، يقول الشيخ سليمان ابن سحمان ﵀: "ومن المعلوم أنه لم يكن ﷺ حياً في قبره كالحياة الدنيوية المعهودة، التي تقوم فيها الروح بالبدن، وتدبره وتصرفه، ويحتاج معها إلى الطعام والشراب واللباس والنكاح،

стр. 456

وغير ذلك، بل حياته ﷺ حياة برزخية، وروحه في الرفيق الأعلى وكذلك أرواح الأنبياء، والأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت، فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وهم متفاوتون في منازلهم كما رآهم النبي ﷺ ليلة الإسراء، ونبينا في المنزلة العليا التي هي الوسيلة" (١). قال الألباني معلقاً على حديث: (الأنبياء أحياء في قبورهم) (٢): "الذي يجب أن يتخذه المؤمن في هذا الصدد: الإيمان بما جاء في الحديث دون الزيادة عليه بالأقيسة والآراء كما يفعل أهل البدع الذين وصل الأمر ببعضهم إلى ادّعاء أن حياته ﷺ في قبره حقيقية يأكل ويشرب ويجامع النساء، وإنما هي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله " (٣). ٦ - هل سحر النبي ﷺ وهل نفذ فيه السحر ؟ قال الشيخ ﵀: " الرسول ﷺ من البشر، فيجوز أن يصيبه ما يصيب البشر من الأوجاع والأمراض وتعدي الخلق عليه وظلمهم إياه كسائر البشر إلى أمثال ذلك مما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها، فغير بعيد أن يصاب بمرض أو اعتداء أحد عليه بسحر ونحوه يخيل إليه بسببه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، كأن يخيل إليه أنه وطئ زوجاته وهو لم يطأهن، أو أنه يقوى على وطئهن حتى إذا جاء إحداهن فتر ولم يقو على ذلك، لكن الإصابة أو المرض أو السحر لا يتجاوز ذلك إلى تلقي الوحي عن الله تعالى ولا إلى البلاغ عن ربه إلى العالمين؛ لقيام الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على عصمته ﷺ في تلقي الوحي وبلاغه وسائر ما يتعلق بشؤون الدين، والسحر نوع من الأمراض التي أصيب بها النبي ﷺ ، فقد ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: (سحر رسول الله ﷺ رجل من بني زريق يقال له: لبيد بن الأعصم حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة دعا

стр. 457

رسول الله ﷺ ثم دعا ثم دعا ثم قال: (يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، فجاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل، قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، قال: وجف طلعة ذكر، قال: أين هو؟ قال: في بئر ذي أروان) قالت: فأتاها رسول الله ﷺ في أناس من أصحابه، ثم قال: (يا عائشة، كأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين) قالت: فقلت: يا رسول الله، أفلا أحرقته؟ قال: (لا، أما أنا فقد عافاني الله فكرهت أن أثير على الناس شرًا) فأمر بها فدفنت) (١). ومن أنكر وقوع ذلك فقد خالف الأدلة وإجماع الصحابة وسلف الأمة متشبثًا بشبه وأوهام لا أساس لها من الصحة فلا يعول عليها" (٢). والذي وقع للرسول ﷺ من السحر هو نوع من المرض الذي يتعلق بالصفات والعوارض البشرية والذي لا علاقة له بالوحي وبالرسالة التي كُلف بإبلاغها، لذلك يظن البعض أن ما أصاب الرسول ﷺ من السحر هو نقصٌ وعيبٌ وليس الأمر كما يظنون لأن ما وقع له هو من جنس ما كان يعتريه من الأعراض البشرية كأنواع الأمراض والآلام ونحو ذلك، فالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يعتريهم من ذلك ما يعتري البشر كما قال الله : ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ إبراهيم: ١١، واستدل ابن القصار (٣) على أن الذي أصابه كان من جنس المرض يقول الرسول في حديث آخر: (أما أنا فقد شفاني الله) (٤).

стр. 458

قال القاضي عياض ﵀: " قد نزه الله الشرع والنبي عما يدخل في أمره لبساً، وإنما السحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته. وأما ما ورد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه وشريعته، أو يقدح في صدقه لقيام الدليل، والإجماع على عصمته من هذا، أما ما طرأ عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها، ولا فُضل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان" (١). رابعاً: بعض الأقوال الكفرية والبدع في نبينا ﷺ -. ١ - الأقوال الكفرية . -القول بوحدة الوجود. يرد الشيخ ﵀ على من قال: إن حقيقة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ النجم: ٨، هي: أن رسول الله ﷺ ليس مغاير لله تعالى فلا تزعم أنه كان هناك وجودان فما رأى ﷺ إلا نفسه. فيقول الشيخ ﵀: " الصواب أن الذي دنا فتدلى جبريل ﵊ حتى رآه الرسول الله ﷺ ، كما صح بذلك الخبر عن النبي ﷺ ، ومن زعم أن الذي دنا فتدلى هو الله تعالى فقد أخطأ خطأً فاحشاً، ثم القول بأنه ليس هناك وجودان، وأن محمداً ﷺ ما رأى في ذلك الوقت إلا نفسه (قول بوحدة الوجود) وذلك كفر صريح. ويتبين أن من قال بهذا القول ليس على الحق، بل على الباطل، وأنه ليس بمؤمن فضلاً عن أن

стр. 459

يكون من أهل السنة والجماعة، بل كافر مرتد عن ملة الإسلام إن كان قد زعم أنه مسلم" (١). وآثرت الحديث مفصلاً عن هذه المسألة في الفصل الثاني من الباب الثاني من هذه الرسالة والذي هو بعنوان جهوده في بيان الفرق والمذاهب المعاصرة، خشية التكرار والإطالة. ٢ - البدع . - التردد على قبر النبي ﷺ -. بين الشيخ عبد الرزاق: الحكم في التردد على قبر النبي ﷺ ، فقال: "ولا يشرع للمسلم كلما دخل المسجد النبوي التردد إلى قبر النبي ﷺ والدعاء عنده ولا اتخاذه عيداً يعود إليه المرة بعد المرة؛ لما رواه أبو داود بإسناد حسن رواته ثقات عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) (٢)، ولما روي عن علي بن الحسين (أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه، وقال: "ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: (لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم) (٣) وإسناده جيد، وكان الصحابة ﵃ أحرص على الخير منا وأحب لرسول الله ﷺ وأعرف بحقه على الأمة وبآداب زيارته منا، ومع ذلك لم ينقل عن أحد منهم أنه كان يتردد على قبره ﷺ والدعاء عنده، لكن ثبت عن ابن عمر م أنه كان إذا حضر إلى المدينة من سفر فقط جاء إلى قبر النبي ﷺ فقال: (السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه)، ثم ينصرف،

стр. 460

ولهذا كره مالك بن أنس ﵀ لأهل المدينة أن يأتي أحدهم إلى قبر النبي ﷺ كلما دخل المسجد، وقال: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها) " (١). (ولا تجعلوا قبري عيداً) قال الإمام بن تيمية ﵀: " العيد اسم ما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائدا ما يعود السنة أو يعود الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك" (٢). وقال بن القيم ﵀: العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان مأخوذ من المعاودة والاعتياد فإذا كان اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد فيه الاجتماع الانتساب بالعبادة وبغيرها كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله تعالى عيداً للحنفاء ومثابة للناس كما جعل أيام العيد منها عيدا وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بكعبة ومنى ومزدلفة وسائر المشاعر انتهى (٣). وقيل العيد: ما يعاد إليه أي لا تجعلوا قبري عيدا تعودون إليه متى أردتم أن تصلوا علي فظاهره منهي عن المعاودة والمراد المنع عما يوجبه وهو ظنهم بأن دعاء الغائب لا يصل إليه ويؤيده قوله وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم أي لا تتكلفوا المعاودة إلي فقد استغنيتم بالصلاة علي (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الحديث يشير إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم عنه فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدا" انتهى (٥).
следующие страницы →