← Акыда

Акыда · id 14254

منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (777 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وغير ذلك، بل حياته ﷺ حياة برزخية، وروحه في الرفيق الأعلى وكذلك أرواح الأنبياء، والأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت، فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وهم متفاوتون في منازلهم كما رآهم النبي ﷺ ليلة الإسراء، ونبينا في المنزلة العليا التي هي الوسيلة" (١). قال الألباني معلقاً على حديث: (الأنبياء أحياء في قبورهم) (٢): "الذي يجب أن يتخذه المؤمن في هذا الصدد: الإيمان بما جاء في الحديث دون الزيادة عليه بالأقيسة والآراء كما يفعل أهل البدع الذين وصل الأمر ببعضهم إلى ادّعاء أن حياته ﷺ في قبره حقيقية يأكل ويشرب ويجامع النساء، وإنما هي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله " (٣). ٦ - هل سحر النبي ﷺ وهل نفذ فيه السحر ؟ قال الشيخ ﵀: " الرسول ﷺ من البشر، فيجوز أن يصيبه ما يصيب البشر من الأوجاع والأمراض وتعدي الخلق عليه وظلمهم إياه كسائر البشر إلى أمثال ذلك مما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها، فغير بعيد أن يصاب بمرض أو اعتداء أحد عليه بسحر ونحوه يخيل إليه بسببه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، كأن يخيل إليه أنه وطئ زوجاته وهو لم يطأهن، أو أنه يقوى على وطئهن حتى إذا جاء إحداهن فتر ولم يقو على ذلك، لكن الإصابة أو المرض أو السحر لا يتجاوز ذلك إلى تلقي الوحي عن الله تعالى ولا إلى البلاغ عن ربه إلى العالمين؛ لقيام الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على عصمته ﷺ في تلقي الوحي وبلاغه وسائر ما يتعلق بشؤون الدين، والسحر نوع من الأمراض التي أصيب بها النبي ﷺ ، فقد ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: (سحر رسول الله ﷺ رجل من بني زريق يقال له: لبيد بن الأعصم حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة دعا

стр. 457

رسول الله ﷺ ثم دعا ثم دعا ثم قال: (يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، فجاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل، قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، قال: وجف طلعة ذكر، قال: أين هو؟ قال: في بئر ذي أروان) قالت: فأتاها رسول الله ﷺ في أناس من أصحابه، ثم قال: (يا عائشة، كأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين) قالت: فقلت: يا رسول الله، أفلا أحرقته؟ قال: (لا، أما أنا فقد عافاني الله فكرهت أن أثير على الناس شرًا) فأمر بها فدفنت) (١). ومن أنكر وقوع ذلك فقد خالف الأدلة وإجماع الصحابة وسلف الأمة متشبثًا بشبه وأوهام لا أساس لها من الصحة فلا يعول عليها" (٢). والذي وقع للرسول ﷺ من السحر هو نوع من المرض الذي يتعلق بالصفات والعوارض البشرية والذي لا علاقة له بالوحي وبالرسالة التي كُلف بإبلاغها، لذلك يظن البعض أن ما أصاب الرسول ﷺ من السحر هو نقصٌ وعيبٌ وليس الأمر كما يظنون لأن ما وقع له هو من جنس ما كان يعتريه من الأعراض البشرية كأنواع الأمراض والآلام ونحو ذلك، فالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يعتريهم من ذلك ما يعتري البشر كما قال الله : ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ إبراهيم: ١١، واستدل ابن القصار (٣) على أن الذي أصابه كان من جنس المرض يقول الرسول في حديث آخر: (أما أنا فقد شفاني الله) (٤).

стр. 458

قال القاضي عياض ﵀: " قد نزه الله الشرع والنبي عما يدخل في أمره لبساً، وإنما السحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته. وأما ما ورد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه وشريعته، أو يقدح في صدقه لقيام الدليل، والإجماع على عصمته من هذا، أما ما طرأ عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها، ولا فُضل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان" (١). رابعاً: بعض الأقوال الكفرية والبدع في نبينا ﷺ -. ١ - الأقوال الكفرية . -القول بوحدة الوجود. يرد الشيخ ﵀ على من قال: إن حقيقة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ النجم: ٨، هي: أن رسول الله ﷺ ليس مغاير لله تعالى فلا تزعم أنه كان هناك وجودان فما رأى ﷺ إلا نفسه. فيقول الشيخ ﵀: " الصواب أن الذي دنا فتدلى جبريل ﵊ حتى رآه الرسول الله ﷺ ، كما صح بذلك الخبر عن النبي ﷺ ، ومن زعم أن الذي دنا فتدلى هو الله تعالى فقد أخطأ خطأً فاحشاً، ثم القول بأنه ليس هناك وجودان، وأن محمداً ﷺ ما رأى في ذلك الوقت إلا نفسه (قول بوحدة الوجود) وذلك كفر صريح. ويتبين أن من قال بهذا القول ليس على الحق، بل على الباطل، وأنه ليس بمؤمن فضلاً عن أن

стр. 459

يكون من أهل السنة والجماعة، بل كافر مرتد عن ملة الإسلام إن كان قد زعم أنه مسلم" (١). وآثرت الحديث مفصلاً عن هذه المسألة في الفصل الثاني من الباب الثاني من هذه الرسالة والذي هو بعنوان جهوده في بيان الفرق والمذاهب المعاصرة، خشية التكرار والإطالة. ٢ - البدع . - التردد على قبر النبي ﷺ -. بين الشيخ عبد الرزاق: الحكم في التردد على قبر النبي ﷺ ، فقال: "ولا يشرع للمسلم كلما دخل المسجد النبوي التردد إلى قبر النبي ﷺ والدعاء عنده ولا اتخاذه عيداً يعود إليه المرة بعد المرة؛ لما رواه أبو داود بإسناد حسن رواته ثقات عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) (٢)، ولما روي عن علي بن الحسين (أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه، وقال: "ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: (لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم) (٣) وإسناده جيد، وكان الصحابة ﵃ أحرص على الخير منا وأحب لرسول الله ﷺ وأعرف بحقه على الأمة وبآداب زيارته منا، ومع ذلك لم ينقل عن أحد منهم أنه كان يتردد على قبره ﷺ والدعاء عنده، لكن ثبت عن ابن عمر م أنه كان إذا حضر إلى المدينة من سفر فقط جاء إلى قبر النبي ﷺ فقال: (السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه)، ثم ينصرف،

стр. 460

ولهذا كره مالك بن أنس ﵀ لأهل المدينة أن يأتي أحدهم إلى قبر النبي ﷺ كلما دخل المسجد، وقال: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها) " (١). (ولا تجعلوا قبري عيداً) قال الإمام بن تيمية ﵀: " العيد اسم ما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائدا ما يعود السنة أو يعود الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك" (٢). وقال بن القيم ﵀: العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان مأخوذ من المعاودة والاعتياد فإذا كان اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد فيه الاجتماع الانتساب بالعبادة وبغيرها كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله تعالى عيداً للحنفاء ومثابة للناس كما جعل أيام العيد منها عيدا وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بكعبة ومنى ومزدلفة وسائر المشاعر انتهى (٣). وقيل العيد: ما يعاد إليه أي لا تجعلوا قبري عيدا تعودون إليه متى أردتم أن تصلوا علي فظاهره منهي عن المعاودة والمراد المنع عما يوجبه وهو ظنهم بأن دعاء الغائب لا يصل إليه ويؤيده قوله وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم أي لا تتكلفوا المعاودة إلي فقد استغنيتم بالصلاة علي (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الحديث يشير إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم عنه فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدا" انتهى (٥).

стр. 461

"والحديث دليل على منع السفر لزيارته ﷺ لأن المقصود منها هو الصلاة والسلام عليه والدعاء له ﷺ وهذا يمكن استحصاله من بعد كما يمكن من قرب وأن من سافر إليه وحضر من ناس آخرين فقد اتخذه عيدا وهو منهي عنه بنص الحديث فثبت منع شد الرحل لأجل ذلك بإشارة النص كما ثبت النهي عن جعله عيدا بدلالة النص وهاتان الدلالتان معمول بهما عند علماء الأصول ووجه هذه الدلالة على المراد قوله تبلغني حيث كنتم فإنه يشير إلى البعد والبعيد عنه ﷺ لا يحصل له القرب إلا باختيار السفر إليه والسفر يصدق على أقل مسافة من يوم فكيف بمسافة ففيه النهي عن السفر لأجل الزيارة والله أعلم" (١). وقد روي أن الحسن بن الحسن بن علي (٢) رأى رجلا ينتاب القبر فقال يا هذا ما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء أي الجميع يبلغه صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين (٣). والرسول سدّ الطريق المُفضية إلى الشرك، بنهيه عن اتخاذ قبره عيداً، لأن هذا من وسائل الشرك، ومن الطرق الموصلة إلى الشرك. وفي الحديث النهي عن التردّد على قبر الرسول ﷺ من أجل الصلاة عليه والسلام عليه، لأن هذا وسيلة إلى الشرك، ومن اتخاذه عيداً، ولهذا ما كان الصحابة ﵃ كلما دخلوا المسجد يذهبون إلى قبر الرسول ليسلموا عليه أو يصلوا عليه، أبداً، إنما يفعلون هذا إذا جاءوا من سفر فقط، لأنك إذا أكثرت التردّد عليه صار من اتخاذه عيداً (٤).

стр. 462

- التوسل بجاه النبي ﷺ -. قال الشيخ ﵀: "من توسل إلى الله في دعائه بجاه النبي ﷺ أو حرمته أو بركته أو بجاه غيره من الصالحين أو حرمته أو بركته فقال: (اللهم بجاه نبيك أو حرمته أو بركته أعطني مالاً وولداً أو أدخلني الجنة وقني عذاب النار) مثلاً فليس بمشرك شركاً يخرج عن الإسلام، لكنه ممنوع؛ سداً لذريعة الشرك، وإبعاداً للمسلم من فعل شيء يفضي إلى الشرك، ولا شك أن التوسل بجاه الأنبياء والصالحين وسيلة من وسائل الشرك التي تفضي إليه على مر الأيام، على ما دلت عليه التجارب وشهد له الواقع، وقد جاءت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة تدل دلالة قاطعه على أن سد الذرائع إلى الشرك والمحرمات من مقاصد الشريعة، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ الأنعام: ١٠٨، فنهى سبحانه المسلمين عن سب آلهة المشركين التي يعبدونها من دون الله مع أنها باطلة؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى سب المشركين الإله الحق سبحانه انتصارًا لآلهتهم الباطلة جهلًا منهم وعدوانًا، ومنها: نهيه ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد؛ خشية أن تعبد، ومنها: تحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، وتحريم إبداء المرأة زينتها للرجال الأجانب، وتحريم خروجها من بيتها متعطرة، وأمر الرجال بغض البصر عن زينة النساء، وأمر النساء أن يغضضن من أبصارهن؛ لأن ذلك كله ذريعة إلى الافتتان بها ووسيلة إلى الوقوع في الفاحشة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ النور: ٣٠ - ٣١ الآية. وثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (١)؛ ولأن التوسل بالجاه والحرمة ونحوهما في الدعاء عبادة، والعبادة توقيفية، ولم يرد في الكتاب ولا في

стр. 463

سنة الرسول ﷺ ولا عن أصحابه ما يدل على هذا التوسل، فعلم أنه بدعة، وقد قال ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) (١) " (٢). وقال الشيخ ﵀: " فإن الله تعالى أكرم ويكرم شخصاً مثلاً بجاه غيره عنده سبحانه كما أكرم الصغيرين بصلاح أبيهما رحمة من ربك -قصة موسى والخضر في سورة الكهف وغيرها- والمحظور أن يدعو الإنسان ربه بشخص أو بجاه شخص فهذا هو الذي لم يشرع" (٣). وقد سبق الحديث عن هذا في فصل نواقض التوحيد والقوادح فيه المبحث الثاني نواقض توحيد الألوهية والقوادح فيه في مسألة التوسل، وآثرت الإحالة له خشية التكرار (٤).

стр. 464

- الاحتفال بالمولد . قال الشيخ ﵀: "في نظري ونظر الكثيرين من أهل السنة والجماعة أن الاحتفال بمولد الرسول ﷺ بدعة منكرة ... ويجب التسليم من كل منصف أن النبي ﷺ لم يحتفل بمولد نفسه ولا بمولد غيره من الرسل والصحابة مع امتداد حياته بعد الرسالة ولا احتفل بمولده أحد من الصحابة وهم خير القرون المشهود لهم بالخير، ورسول الله ﷺ أكرم الخلق على نفوسهم وأحب العالمين إلى قلوبهم ولو احتفلوا بمولده لنقل لتوفر الدواعي على نقله؛ فيكفي في الاستشهاد على أن ترك الاحتفال بمولده سنة وأن فعله بدعة لعدم نقلهم لفعله .. أما ما ذكر عن حسان بن ثابت وعلي بن أبي طالب والبراء بن عازب وأنس بن مالك ن من الثناء على النبي ﷺ فإنهم لم يلتزموا فيه وقتاً معيناً يتخذونه موسماً ومجتمعاً وهذا متفق عليه ومندوب إليه لشرح سيرة النبي ﷺ تدريساً أو دفاعاً عنه عند وجود الدواعي لذلك دون التزام حال معينة أو زمان أو مكان معين وإنما البدعة التزام زمن أو مكان بعينه يعتبر موسماً ويعتاد الناس الاجتماع فيه شأنهم فيه كشأنهم في الأعياد بل هذا ربما أدى إلى الغلو في إعظام النبي ﷺ وإطرائه وقد نهى عن ذلك فقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) (١) " (٢). قال شيخ الإسلام ﵀: " اتخاذ هذا اليوم عيداً محدث لا أصل له فلم يكن في السلف لا من أهل البيت ولا من غيرهم من اتخذ ذلك عيدا حتى يحدث فيه أعمالا إذ الأعياد شريعة من الشرائع فيجب فيها الاتباع لا الابتداع وللنبي ﷺ خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة ووقت هجرته ودخوله المدينة وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ مثال تلك الأيام أعيادا وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى ﵇ أعيادا أو اليهود وإنما العيد شريعة فما شرعه الله اتبع وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه وكذلك ما يحدثه بعض

стр. 465

الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى ﵇ وإما محبة للنبي ﷺ وتعظيما له والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع من اتخاذ مولد النبي ﷺ عيدا مع اختلاف الناس في مولده فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له وعدم المانع منه ولو كان هذا خيرا محضا أو راجحا لكان السلف ﵃ أحق به منا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيما له منا وهم على الخير أحرص وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطنا وظاهرا ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان" (١).

стр. 466

مسألة: الإقسام بالنبي ﷺ هل ينعقد يمينا أو لا . قال الشيخ ﵀: " إن أئمة الفقهاء؛ كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي ﵏ قالوا: إن الحلف بغير الله مطلقاً منهي عنه سواء كان المحلوف به نبياً أم غيره ولا ينعقد ذلك يميناً، وهو القول الصحيح عن أحمد ﵀، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: إنه هو الصواب؛ والقول الآخر عنه أن الحلف بنبينا محمد ﷺ يجوز، وينعقد يميناً، وبعض الحنابلة عمم ذلك في الأنبياء، وينبني على القول بجواز ذلك وانعقاده جواز الإقسام على الله بالنبي أو الأنبياء، وعليه يخرج حديث توسل الأعمى بالنبي ﷺ ، وقد ذكر ابن تيمية أن القول بجواز الحلف بالنبي وانعقاده قول ضعيف شاذ، وكذا ما بني عليه من جواز الإقسام على الله به وما يناسبه من التوسل به كذلك، وما قاله شيخ الإسلام هو الصواب وهو قول جمهور أهل العلم، وهو مقتضى الأدلة الشرعية" (١). اختلف العلماء في حكم الحلف بغير الله: ١ - الأحناف: يرى بعض الأحناف أن الحلف بغير الله لا يجوز، بل هو منهي عنه، وفي ذلك يقول الإمام أبو حنيفة ﵀: "لا يحلف إلا بالله متجرداً بالتوحيد والإخلاص" (٢). بينما الكثير من الأحناف لا سيما المتأخرين منهم يذهبون إلى جواز ذلك وبعضهم يرى كراهيته (٣). ٢ - المالكية: جاء في الشرح الصغير: " لا يجوز الحلف بالنبي والكعبة من ما عظمه الله تعالى ... وفي حرمة الحلف بذلك وكراهيته قولان ... وإن قصد بحلفه بكالعزى من كل ما عبد من دون الله

стр. 467

التعظيم من حيث أنه معبود فكفر وارتداد عن دين الإسلام ... وإن لم يقصده فحرام قطعاً بلا ردة" (١). وجاء في مقدمات ابن رشد (٢): " والأيمان تنقسم على ثلاثة أقسام: مباحة ومكروهة ومحظورة، فالمباحة الحلف بالله تعالى، أو باسم من أسمائه الحسنى، وبصفة من صفاته تعالى ... والمكروهة الحلف بغير الله تعالى ... والمحظورة أن يحلف باللات والعزى والطواغيت أو بشيء مما يعبد من دون الله تعالى، لأن الحلف بالشيء تعظيم له والتعظيم لهذه الأشياء كفر بالله تعالى" (٣). ٣ - الشافعية: قال الشافعي ﵀: " وكل يمين بغير الله فهي مكروهة منهي عنها من قبل قول رسول الله ﷺ : (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ومن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) (٤) " (٥). وقال: " فكل من حلف بغير الله كرهت له وخشيت أن تكون يمينه معصية" (٦). وقال النووي ﵀: " الحلف بالمخلوق مكروه، كالنبي والكعبة وجبريل والصحابة والآل، وقال الشافعي ﵀: أخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية. قال الأصحاب أي حراماً أو إثماً، فأشار إلى تردد فيه، قال الإمام: " والمذهب القطع بأنه ليس بحرام بل مكروه ... قال الأصحاب فلو اعتقد الحالف في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله تعالى كفر ... " (٧).

стр. 468

٤ - الحنابلة: قال ابن قدامه ﵀: " ولا يجوز الحلف بغير الله وصفاته نحو أن يحلف بأبيه أو الكعبة أو صحابي أو إمام ... قال ابن عبد البر: وهذا أصل مجموع عليه ... ثم إن لم يكن الحلف بغير الله محرماً فهو مكروه، فإن حلف فليستغفر الله تعالى، وليذكر الله تعالى ... " (١). وجاء في كشاف القناع: " ويحرم الحلف بغير الله وغير صفاته ولو كان الحلف بنبي لأنه شرك في تعظيم الله ... " (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وقد ثبت أنه لا يجوز القسم بغير الله لا بالأنبياء ولا بغيرهم ... والحلف بالمخلوقات لا تنعقد به اليمين ولا كفارة فيه حتى لو حلف بالنبي لم تنعقد يمينه ولم يجب عليه كفارة عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأبى حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين بل نهى عن الحلف بهذه اليمين فإذا لم يجز أن يحلف بها الرجل ولا يقسم بها على مخلوق فكيف يقسم بها على الخالق ﷻ " (٣).

стр. 469

المطلب الثالث خوارق العادات (١). تحدث الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ عن خوارق العادات وذكر منها، المعجزة والسحر والكرامة، وفرق بين المعجزة والسحر، وفيما يلي بيان ذلك: ١ - المعجزة: قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: " كل ما لم تبلغه طاقة البشر، ولم يقع في دائرة قدرتهم، فهو معجزة، وقد تطلق المعجزة على ما خرج عن طاقة العامة من الخلق دون الخاصّة، كبعض المسائل العلمية، واختراع بعض الآلات، والأجهزة الحديثة، وغيرها مما لا يقوى عليه إلا خواص الناس، وكالغوص، والسباحة، وحمل الأثقال، وهذا عجز نسبي يكون في مخلوق دون آخر" (٢). يعرف الشيخ ﵀ المعجزة بقوله: "والمراد بالمعجزة: هي الأمر الخارق للعادة الخارج عن سنة الله في خلقه، الذي يظهره الله على يد مدعي النبوة تصديقاً له في دعواه، وتأييداً له في رسالته، مقروناً بالتحدي لأمته، ومطالبتهم أن يأتوا بمثله، فإذا عجزوا كان ذلك آية من الله تعالى على اختياره إيّاه، وإرساله إليهم بشريعته" (٣) (٤).

стр. 470

ويبين الشيخ ﵀ ضرورة المعجزة للأنبياء والرسل: فيقول: "فإن خبر الإنسان عن نبوة نفسه بلا معجزة، دعوى شيء غير مألوف في سنة الله مع خلقه، فلا تقبل حتى تؤيد بما يجعلها جارية على سنته سبحانه، وما عهده البشر في إرساله رسله، بخلاف إخبار إنسان عدل عن مثله " (١). ويقول ﵀: "فإن دعواه النبوة بلا معجزة على خلاف سنة الله في إرساله رسله" (٢). وقال الشيخ ﵀: "الأنبياء ليسوا كغيرهم في المعجزات، وقياس غيرهم عليهم في المعجزات باطل " (٣). قال شيخ الإسلام: "آيات الأنبياء وبراهينهم هي الأدلة، والعلامات المستلزمة لصدقهم، فمعجزات الأنبياء هي آياتهم وبراهينهم كما سماهم الله بذلك، لأن الدليل لا يكون إلا مستلزماً، للمدلول عليه، مختصاً به، ولا يكون مشتركاً بينه وبين غيره، بل إما أن يكون مساوياً له في العموم والخصوص، أو يكون أخص منه (٤). حينئذ فإن جنس الأنبياء، متميزون عن غيرهم بالآيات والدلائل الدالة على صدقهم، التي يعلم العقلاء أنها لم توجد لغيرهم، بل إذا عبر عنها بأنها خرق عادة، فالمراد بذلك: أنها خارجة عن الأمر المعتاد لغير الأنبياء، وأنها من العجائب الخارجة عن النظائر، فلا يوجد نظيرها لغير الأنبياء (٥).

стр. 471

٢ - السحر: يعرف الشيخ ﵀ السحر بقوله: " أما السحر: فهو في اللغة: كل ما دقّ، ولطف، وخفي سببه؛ فيشمل قوة البيان، وفصاحة اللسان، لما في ذلك من لطف العبارة، ودقة المسلك، ويشمل النميمة لما فيها من خفاء أمر النمام، وتلطفه في خداع من نمّ بينهما ليتم له ما يريد من الوقيعة، ويشمل العزائم العقد التي يعقدها الساحر، وينفث فيها مستعيناً بالأرواح الخبيثة من الجنّ، فيصل بذلك في زعمه إلى ما يريد من الأحداث والمكاسب" (١). والسحر كما بين الشيخ ﵀: كل ما دق، ولطف، وخفي سببه (٢). وقد عُرف بتعاريف متعددة، منها: - صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره (٣). - كل أمر يخفى سببه، ويتخيل على غير حقيقته ويجري مجرى التمويه والخداع (٤). - هو إخراج الباطل في صورة الحق (٥). وغير ذلك. أما التعريف الاصطلاحي للسحر فهو: عزائم (٦) ورقى (٧) وعقد (٨) تؤثر في الأبدان والقلوب، فيُمرض ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن الآخر (٩).

стр. 472

الفرق بين المعجزة والسحر: ويبين الشيخ ﵀ الفرق بينهما، فيقول: " وبذلك يتبين الفرق بين المعجزة والسحر: ١ - فالمعجزة ليست من عمل النبي، وكسبه. إنما هي خلق محض من الله تعالى على خلاف سنته في الكائنات. وأما السحر: فمن عمل الساحر، وكسبه سواء أكان تعويذات، أم بياناً، أم نميمة، أم غير ذلك، وله أسبابه ووسائله التي قد تنتهي بمن عرفها ومهر فيها، واستعملها إلى مسبباتها، فليس خارقاً للعادة، ولا مخالفاً لنظام الكون في ربط الأسباب بمسبباتها، والوسائل بمقاصدها. ٢ - والمعجزة: تظهر على يد مدَّعي النبوة لتكون آية على صدقه في رسالته التي بها هداية الناس من الضلالة، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، والأخذ بأيديهم إلى ما ينفعهم في عقائدهم, وأخلاقهم، وأبدانهم، وأموالهم. أما السحر: فهو خلق ذميم، أو خرافة، أو صناعة يموه بها الساحر على الناس، ويضللهم، ويخدعهم بها عن أنفسهم، وما ملكت أيديهم، ويتخذها وسيلة لكسب العيش من غير حله، ويفرق بها بين المرء وزوجه، والصديق وصديقه، وبالجملة يفسد بها أحوال الأمة بخفاء، والناس عنه غافلون. ٣ - سيرة من ظهرت على يده المعجزة حميدة، وعاقبته مأمونة، فهو صريح في القول والفعل، صادق اللهجة، حسن العشرة، سخي، كريم، عفيف عما في أيدي الناس، يدعو إلى الحق، وينافح دونه بقوة وشجاعة.

стр. 473

أما الساحر: فسيرته ذميمة، ومغبته وخيمة، خائن خداع سيئ العشرة، يأخذ ولا يُعطي، يدعو إلى الباطل، ويسعى جهده في ستره، خشية أن يفتضح أمره، وينكشف سره، فلا يتم ما أراد من الشرّ والفساد. ٤ - من ظهرت على يده المعجزة يقود الأمم والشعوب إلى الوحدة والسعادة، ويهديها طريق الخير، وعلى يده يسود الأمن والسلام، ويفتح البلاد، ويكون العمران. أما الساحر: فهو آفة الوحدة، ونذير الفرقة، والتخريب والفوضى، والاضطراب" (١). قد أتى الشيخ ﵀ على أهم الفروق بين المعجزة والسحر (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن جميع ما يختص بالسحر هو مناقض للنبوة، فوجود ذلك يدل على أن صاحبه ليس بنبي، ويمتنع أن يكون دليلاً على النبوة، فإنما استلزم عدم الشيء لا يستلزم وجوده، وكذلك ما يأتي به أهل الطلاسم (٣) وعبادة الكواكب (٤) مناقض للنبوة (٥) ولهذا قال الله تعالى عن من شبه النبي بالساحر: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾ الإسراء: ٤٨.

стр. 474

٣ - الكرامة: قال الشيخ ﵀: "الكرامة: أمر خارق للعادة يظهره الله تعالى على يد عبد من عباده الصالحين حياً أو ميتاً إكراماً له فيدفع به عنه ضراً أو يحقق له نفعاً أو ينصر به حقاً، وذلك الأمر لا يملك العبد الصالح أن يأتي به إذا أراد كما أن النبي لا يملك أن يأتي بالمعجزة من عند نفسه، بل كل ذلك إلى الله وحده" (١). فالمعجزة في اللغة: "تعم كل خارق للعادة وكذلك الكرامة في عرف أئمة أهل العلم المتقدمين ولكن كثير من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما فيجعلون المعجزة للنبي والكرامة للولي وجماعها الأمر الخارق للعادة" (٢). وتعريف الكرامة: "بأنها ظهور أمر خارق للعادة من قبل شخص غير مقارن لدعوى النبوة، فما لا يكون مقرونا بالإيمان والعمل الصالح يكون استدراجا، وما كان مقرونا بدعواها يكون معجزة" (٣). يقول ابن أبي العز ﵀: " إنما الكرامة لزوم الاستقامة، وأن الله تعالى لم يكرم عبدا بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه وهو طاعته وطاعة رسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وهؤلاء هم أولياء الله الذين قال الله فيهم ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ يونس: ٦٢. وأما ما يبتلي الله به عبده من السر بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه بل قد سعد بها قوم إذا أطاعوه وشقي بها قوم إذا عصوه

стр. 475

كما قال تعالى ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥)﴾ الفجر: ١٥. ولهذا كان الناس في هذه الأمور ثلاثة أقسام: قسم ترتفع درجتهم بخرق العادة، وقسم يتعرضون بها لعذاب الله، وقسم يكون في حقهم بمنزلة المباحات" (١). والكرامة شيء من عند الله يكرم بها أولياءه، لا قصد لهم فيه ولا تحدي ولا قدرة ولا علم، كما في قصة مريم بنت عمران ﵍، وأسيد بن حضير، وأبي مسلم الخولاني، وقصة أصحاب الكهف، فإنها خصت بكرامات (٢).

стр. 476

المبحث الرابع جهود الشيخ في تقرير اليوم الآخر . تمهيد في تعريف اليوم الآخر اليوم: واحد الأيام. يقول ابن فارس: "الياء والواو والميم كلمة واحدة، وهي اليوم: الواحد من الأيام ... " (١). والآخر: نقيض المتقدم. يقول ابن فارس":الهمزة والخاء والراء أصل واحد صحيح، إليه ترجع فروعه، وهو خلاف التقدم" (٢). والمراد باليوم الآخر هنا: يوم القيامة، ويدخل فيه كل ما كان مقدمة إليه كالحياة البرزخية، وأشراط الساعة (٣). وسمي بذلك" لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة" (٤)، ويطلق عليه أسماء أخرى ذكرها أهل العلم، وأوردوا أدلتها، وبينّوا معانيها في كتبهم بما يغني عن تسطيره (٥).

стр. 477

والإيمان باليوم الآخر هو الركن الخامس من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، وهو يتضمن أربعة أمور: الأول: الإيمان بما يكون قبله مما هو مقدمة له كالموت، وعذاب القبر، وأشراط ... الساعة. والثاني: الإيمان بالبعث. والثالث: الإيمان بالحساب والجزاء، وأحوال اليوم الآخر. والرابع: الإيمان بالجنة والنار (١). والأمور الغيبية لا مجال للاجتهاد فيها، إلا ما ثبت عن المعصوم، كما بين ذلك الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ (٢). ومعنى الإيمان باليوم الآخر: هو الإيمان بكل ما أخبر الله في كتابه وأخبر به رسوله ﷺ مما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه ونعيمه وأحوال يوم القيامة وما فيها من البعث والحشر والصحف والميزان والحساب والحوض والصراط والجنة والنار، وغيرها من الأمور الثابتة في الكتاب أو السنة وسمي باليوم الآخر لتأخره عن الدنيا (٣). والحياة في التصور الإسلامي ليست هي الحياة الدُّنيا القصيرة المحدودة، وليست هي عمر الإنسان القصير المحدود.

стр. 478

إنما الحياة في التصور الإسلامي تمتد طولاً في الزمان إلى أبد الآباد، وتمتد في المكان إلى دار أخرى في جنة عرضها السماوات والأرض، أو نار تتسع لكثير من الأجيال التي عمرت وجه الأرض أحقاباً من السنين أعاذنا الله وإياكم منها (١).

стр. 479

المطلب الأول الحياة البرزخية . تحدث الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ عن عذاب القبر ونعيمه، وهل يرى أهل البرزخ بعضهم بعضا، وفيما يلي ذكر ذلك. والبرزخ في اللغة: كل حاجز بين شيئين، فالبرزخ بين الدنيا والآخرة (١). واصطلاحاً: هو مدة احتباسهم -أي البشر- عن الجنة أو النار ما بين الموت والبعث (٢). أولاً: ثبوت عذاب القبر ونعيمه: قال الشيخ ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ غافر: ٤٥ - ٤٦: "فيه دليل على إثبات عذاب القبر كما يقول أهل السنة، وذلك لأن عرضهم على النار غدواً وعشياً بعد الموت وقبل الساعة، بدليل قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ غافر: ٤٦" (٣). وقال الشيخ ﵀: " وثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ : (كان يستعيذ في صلاته من عذاب القبر ويأمر أصحابه بذلك) (٤)، واستعاذ بالله من عذاب القبر ثلاث مرات في بقيع الغرقد حينما كان يلحد لميت من أصحابه (٥)، ولو لم يكن عذاب القبر ثابتاً لم يستعذ بالله ولا أمر أصحابه به" (٦).

стр. 480

وقال ﵀: " وقد بين النبي ﷺ أن قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ إبراهيم: ٢٧، يدخل فيه تثبيت المؤمن وخذلان الكافر عند سؤال كل منهما في قبره، وأن المؤمن يوفق في الإجابة وينعم في قبره، وأن الكافر يخذل ويتردد في الإجابة ويعذب في قبره، وسيجيء ذلك في حديث البراء بن عازب ﵁، ومن أدلة عذاب القبر أيضاً ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس م أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) فدعا بجريدة رطبة فشقها نصفين وغرز على كل قبر واحدة وقال: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) (١). وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ثبوت سؤال الميت في قبره وثبوت نعيمه فيه أو عذابه حسب عقيدته وعمله بما لا يدع مجالاً للشك في ذلك، ولم يعرف عن الصحابة ن في ثبوت ذلك خلاف؛ ولذا قال بثبوته أهل السنة والجماعة، ومما ورد في ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، والحاكم في صحيحه عن البراء بن عازب ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله ﷺ ، فقعد وقعدنا حوله كأن على رؤوسنا الطير وهو يلحد له، فقال: (أعوذ بالله من عذاب القبر) ثلاث مرات، ثم قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا ... الحديث) (٢) " (٣). وقد ثبت عذاب القبر ونعيمه بالكتاب والسنة والإجماع وقد ذكر جزءاً منها الشيخ ﵀ في حديثه السابق؛ والأحاديث تواترت عن النبي ﷺ في هذه الفتنة من حديث البراء ابن عازب، وأنس بن مالك، وأبي هريرة وغيرهم ﵃ (٤).

стр. 481

وأجمعت الأمة على وقوعها، والتعوذ بالله منها (١). وهي عامة لكل ميت مقبور وغير مقبور، وإضافتها للقبر للغالب (٢). ثانياً: هل يرى أهل البرزخ بعضهم بعضاً: ويقول الشيخ عبد الرزاق ﵀: " ولا نعلم عن النبي ﷺ حديثاً يعتمد عليه، في أن أهل البرزخ يرى بعضهم بعضاً ويتحدث بعضهم مع بعض" (٣). المسألة من مسائل الغيب التي لا مجال للعقل فيها، ولا حكم إلا للنصوص، وقد وردت الأحاديث في تزاور المؤمنين في قبورهم، والأمر بتحسين الأكفان لموتاهم، لأجل ذلك، وهذا يقتضي أنه يحصل لهم تزاور في قبورهم على هيئة وكيفية، لا علم لنا بها، إنما ذلك في علم الغيب، وأمور البرزخ وأحواله لا تقاس بأحوال الدنيا (٤). والأرواح - كما بين ابن القيم- قسمان: أرواح معذبة، وأرواح منعمة، فالمعذبة في شغل بما هي فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي، والأرواح المنعمة المرسلة غير المحبوسة، فتتلاقى، وتتزاور، وتتذكر ما كان منها في الدنيا، وما يكون من أهل الدنيا (٥). "وكل روح تكون مع رفيقها الذي، هو على مثل عملها، فروح نبينا محمد ﷺ في الرفيق الأعلى، والدليل على تزاورها، وتلاقيها قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ڑ﴾

стр. 482

النساء: ٦٩، وهذه المعية ثابتة في الدنيا، وفي دار البرزخ، وفي دار الجزاء، والمرء مع من أحب في هذه الدور الثلاث. وقد أخبر الله عن الشهداء بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وأنهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، وأنهم يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وهذا يدل على تلاقيهم، وأما تلاقي أرواح الأحياء وأرواح الأموات، فشواهد هذه المسألة وأدلتها أكثر من أن تحصر، والحس والواقع شاهد بذلك، وتلتقي أرواح الأحياء والأموات كما تلتقي أرواح الأحياء، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الزمر: ٤٢، فعن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية قال: بلغني أن أرواح الأحياء والأموات، تلتقي في المنام، فيتساءلون بينهم، فيمسك الله أرواح الموتى، ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها (١)، ويدل على ذلك -أيضا- أن الحي يرى الميت في منامه فيستخبره، ويخبره الميت بما لا يعلم الحي، فيصادف خبره كما أخبر في الماضي والمستقبل، وربما أخبره بمال دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه، وربما أخبره بدَيْن عليه " (٢). قال الحكيم الترمذي (٣): الأرواح تجول في البرزخ فتبصر أحوال الدنيا وأحوال الملائكة تتحدث في السماء عن أحوال الآدميين وأرواح تحت العرش وأرواح طيارة إلى الجنان إلى حيث شاءت على أقدارهم من السعي إلى الله أيام الحياة (٤).

стр. 483

المطلب الثاني الحياة الآخرة، وما تتضمنها . تحدث الشيخ عبد الرزاق: عن الحياة الآخرة، وفصل في بعض مواقفها، فيما يلي: أولاً: البعث: البعث في اللغة: يختلف تعريف البعث في اللغة باختلاف ما علق به (١)، فقد يطلق ويراد به: ١ - الإرسال: يقال بعثت فلاناً أو ابتعثته أي أرسلته. ٢ - البعث من النوم: يقال: بعثه من منامه إذا أيقظه. ٣ - الإثارة: وهو أصل البعث، ومنه قيل للناقة: بعثتها إذا أثرتها وكانت قبل باركة. والبعث في الشرع: البعث في الشرع يراد به: إحياء الله الموتى وإخراجهم من قبورهم أحياء للحساب والجزاء (٢). المقارنة بين المعنى الشرعي واللغوي لكلمة "البعث": نجد ترابطاً ظاهراً، وذلك أن من معاني البعث في اللغة الإثارة لما كان ساكناً من قبل، وكذا الإرسال كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ النحل: ٣٦، وهذا ما جاء في كلمة البعث مراداً بها معناها الشرعي الذي هو إرسال الحياة إلى الأموات وإثارتها من جديد لتتهيأ لما يراد منها من الانطلاقة إلى الموقف للحساب (٣).

стр. 484

والبعث ثابت بالأدلة النقلية والعقلية، بأوجه متعددة، وطرق متنوعة، توجب القطع به، والإيمان بحصوله (١)، ولهذا " أجمع أهل الملل عن آخرهم على جوازه ووقوعه" (٢)، ولم يشذ منهم إلا طوائف لا عبرة بها (٣). قال السفاريني (٤): " اعلم أنه يجب الجزم شرعاً أن الله تعالى يبعث جميع العباد ويعيدهم بجميع أجزائهم الأصلية وهي التي شأنها البقاء من أول العمر إلى آخره، ويسوقهم إلى محشرهم لفصل القضاء، فإن هذا حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة " (٥). قال الشيخ ﵀ معلقاً على قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ الواقعة: ٥٨ - ٦٢، "فهذه الآيات، ذكرت لتنزيه الله تعالى وتقديسه عما ظنه به منكرو البعث، وسيقت لإثبات قدرته على المعاد، كما يرشد إليه ما قبلها من الآيات " (٦). قال الشيخ ﵀: " يعيد الله سبحانه خلق الناس يوم القيامة من عجب الذنب فينبتون منه سوياً كما ينبت الزرع من الحب، والنخل من النوى، ثم يخرجون من قبورهم حفاة عراة

стр. 485

غرلاً (١)، سراعاً، كأنهم جراد منتشر أو فراش مبثوث لا يضلون طريق الموقف، بل هم أهدى إليه من القطا (٢)، كأنهم إلى نصب يوفضون ... ومن قرأ آيات البعث من سورة القمر والمعارج والقارعة وأمثالها يتبين له الكثير مما تقدم، وثبت في الصحيحين: أن النبي ﷺ قال: (إنكم محشورون حفاة عراة غرلاً) ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ الأنبياء: ١٠٤" (٣). إن الإيمان بالبعث أمر معلوم من الدين بالضرورة، ومنكره خارج عن الإسلام. ولقد خص ذكر اليوم الآخر بمزيد من العناية والتعظيم لشأنه في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه ﷺ ، وقد أجمع على ذلك المسلمون؛ فإن المتتبع لطريقة القرآن الكريم في مجادلة خصوم العقيدة، يجد أن الاهتمام باليوم الآخر أخذ قسطاً واسعاً من تلك الحجج والبراهين الدامغة لمنكري اليوم الآخر، وكذا في السنة المطهرة (٤). قال علي بن أبي العز الحنفي ﵀: " القول الذي عليه السلف وجمهور العقلاء: أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال فتستحيل تراباً، ثم ينشئها الله نشأة أخرى كما استحال في النشأة الأولى، فإنه كان نطفة ثم صار علقة ثم صار مضغة ثم صار عظاماً ولحماً ثم أنشأه خلقاً سوياً، كذلك الإعادة: يعيده الله بعد أن يبلى كله إلا عجب الذنب" (٥). ويقول ابن حزم: " اتفق أهل القبلة على تنابذ فرقهم على القول بالبعث في القيامة وعلى تكفير من أنكر ذلك، ومعنى هذا القول: أن لمكث الناس وتناسلهم في دار الابتلاء التي هي الدنيا أمداً يعلمه الله تعالى، فإذا انتهى ذلك الأمد مات كل من في الأرض، ثم يحيي الله عز

стр. 486

وجل كل من مات منذ خلق الله الحيوان إلى انقضاء الأمد المذكور، ورد أرواحهم التي كانت بأعيانها، وجمعهم في موقف واحد وحاسبهم عن جميع أعمالهم ووفاهم جزاءهم، ففريق من الجن والإنس في الجنة وفريق في السعير، وبهذا جاء القرآن والسنن" (١). ثانياً: الشفاعة: الشفاعة لغة: خلاف الوتر، وهي الوسيلة والطلب. قال ابن فارس: (الشين والفاء والعين، أصل صحيح يدل على مقارنة الشيئين، والشفع خلاف الوتر .. وشَفَعَ فلانٌ لفلانٍ إذا جاء ثانِيه ملتمساً مطلبه ومُعِيناً له) (٢). والشفاعة في الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة (٣). قال الشيخ ﵀ معلقاً على قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ المدثر: ٤٨: "لأن الله لم يرض عنهم لكفرهم فلا يقبل فيهم شفاعة، ولو تكلم شافع في شأن كافر ككلام إبراهيم الخليل مع ربه في شأن أبيه لم يقبل" (٤). قال الشيخ ﵀: "شفاعة النبي ﷺ وشفاعة الصالحين يوم القيامة ثابتة في القرآن، وقد وردت فيها أحاديث صحيحة تفسر ما جاء في القرآن، ومنها قوله ﷺ : (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) (٥)، والشفاعة أنواع. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن (٦) ﵀: "وذكر -يعني ابن القيم-: أن الشفاعة ستة أنواع:

стр. 487

الأول: الشفاعة الكبرى التي يتأخر عنها أولو العزم عليهم الصلاة والسلام حتى تنتهي إليه ﷺ فيقول: (أنا لها)، وذلك حين يرغب الخلائق إلى الأنبياء ليتشفعوا لهم إلى ربهم حتى يريحهم من مقامهم في الموقف، وهذه شفاعة يختص بها لا يشركه فيها أحد. الثاني: شفاعته لأهل الجنة في دخولها، وقد ذكرها أبو هريرة في حديثه الطويل المتفق عليه. الثالث: شفاعته لقوم من العصاة من أمته قد استوجبوا النار بذنوبهم فيشفع لهم ألا يدخلوها. اهـ. الرابع: شفاعته في العصاة من أهل التوحيد الذين يدخلون النار بذنوبهم، والأحاديث بها متواترة عن النبي ﷺ ، وقد أجمع عليها الصحابة وأهل السنة قاطبة وبدّعوا من أنكرها، وصاحوا به كل جانب، ونادوا عليه بالضلال. الخامس: شفاعته لقوم من أهل الجنة في زيادة ثوابهم ورفعة درجاتهم، وهذه مما لم ينازع فيها أحد وكلها مختصة بأهل الإخلاص الذين لم يتخذوا من دون الله ولياً ولا شفيعاً، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ الأنعام: ٥١. السادس: شفاعته في بعض أهله الكفار من أهل النار حتى يخفف عذابه، وهذه خاصة بأبي طالب وحده. اهـ. (١) " (٢). قال الشيخ ﵀: " من أنكر حديث الشفاعة العظمى أو أحاديث الشفاعة الأخرى التي رواها البخاري في صحيحه وغيره من أئمة الحديث فهو مخالف لأهل السنة والجماعة وسلف الأمة ذاهب مذهب أهل الزيغ والضلال" (٣). قال الشيخ ﵀: " لا يموت الكفار ولا المؤمنون ولا عصاة المؤمنين بعد موتتهم التي ماتوها عند انتهاء أجلهم في الحياة الدنيا لا موتاً حقيقياً ولا موتاً غير حقيقي كالنوم، لكن ناس من عصاة المؤمنين أصابتهم النار بذنوبهم فأماتتهم إماتة حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة

стр. 488

فيهم، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم-أو قال: بخطاياهم- فأماتتهم إماتة حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة، أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل) فقال رجل من القوم: كأن رسول الله ﷺ قد كان في البادية (١) " (٢). الشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ طه: ١٠٩.وغيرها من الآيات الدالة. وأما من السنة: فقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ في إثبات الشفاعة (٣) وقد أورد الشيخ ﵀ هذا في كلامه السابق. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أحاديث الشفاعة كثيرة متواترة، منها في الصحيحين أحاديث متعددة، وفي السنن والمسانيد مما يكثر عدده" (٤). وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات الشفاعة، وعدها من معاقد العقائد التي يجب الإيمان بها، والرد على من أنكرها (٥).

стр. 489

يقول أبو حاتم وأبو زرعة رحمهما الله: " أدركنا العلماء في جميع الأمصار ... فكان مذهبهم ... الشفاعة حق" (١). والشفاعة المثبتة: هي الشفاعة التي استجمعت شروطها، وانتفت موانعها (٢). يقول العلامة ابن القيم ﵀: " الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله ... وهو لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد واتباع الرسول. فهذه ثلاثة أصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها" (٣). والشفاعة قسمان: أحدها: الشفاعة العامة الثابتة للنبي ﷺ ولغيره كالملائكة والنبيين والمؤمنين. ثانيهما: الشفاعة الخاصة بالنبي ﷺ ، والتي لا يشاركه فيها أحد. والشفاعة بقسميها أنواع، اختلف أهل العلم في عدها تبعاً لاختلافهم في أدلتها من حيث الصحة والدلالة، وجملتها عندهم ثمانية أنواع، وقد ساق الشيخ عبد الرزاق: جملة منها في كلامه السابق. وأدلة هذه الأنواع، والكلام في ثبوتها ودلالتها مبسوط في مواضعه من كتب أهل العلم (٤).

стр. 490

ثالثاً: الرؤية (١): قال الشيخ ﵀ معلقاً على قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ المطففين: ١٥: "فيه إثبات رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، فإنه إذا حجب الكافرين عن رؤيته تعذيباً لهم فقد منحها المؤمنين نعيماً لهم" (٢). لقد ثبتت رؤية الله تعالى بنص الكتاب والسنة والإجماع (٣)، وسنذكر بعضها فيما يلي: - الأدلة من القرآن الكريم: يستدل أهل السنة والجماعة على رؤية الله تعالى بأدلة من كتاب الله ظاهرة الدلالة على ثبوت الرؤية له، وإذا ثبتت رؤيته تعالى سواء كان ذلك في الجنة أو في الموقف كان ذلك إبطالاً لمن خرج عن الحق فنفى إمكان وقوعها. ومن الأدلة التي يستدل بها أهل الحق: - قال سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ يونس: ٢٦ وجه الاستدلال: أن الحسنى: هي الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم كما فسرها بذلك الرسول ﷺ (٤)، فقد روى مسلم في صحيحه عن صهيب قال: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى منادٍ: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعداً ويريد أن ينجزكموه،

стр. 491

فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويُدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئاً أحبَّ إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة) (١). - وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ المطففين: ١٥. وغير ذلك من الآيات. وجه الاستدلال: أن الله تعالى إذا احتجب عن الكافرين في السخط، كان هذا دليلاً على أن أولياءه يرونه في الرضا، وبهذا احتج جمع من أئمة السلف (٢). - الأدلة من السنة المطهرة: وكما ثبتت الرؤية من كتاب الله ؛ ثبتت كذلك في السنة النبوية بالأحاديث الصحيحة المشهورة المتواترة (٣)، كما ذكر شيخ الإسلام ﵀ (٤)، وجمعها غير واحد من أهل العلم في مصنفات مستقلة (٥)، وتتبعها العلامة ابن القيم في كتابه حادي الأرواح وساقها معزوة إلى مخرجيها فبلغت ثلاثين حديثاً (٦). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " إن الأحاديث والآثار في هذا كثيرة مشهورة، قد دون العلماء فيها كتباً، مثل كتاب الرؤية للدارقطني ولأبي نعيم وللآجري، وذكرها المصنفون في السنة كابن بطة، واللاكائي، وابن شاهين، وقبلهم عبد الله بن أحمد بن حنبل، وحنبل بن

стр. 492

إسحاق، والخلال، والطبراني، وغيرهم، وخرجها أصحاب الصحيح والمسانيد والسنن وغيرهم" (١). ونذكر بعض الأدلة من السنة المطهرة: - فمما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أناس: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: (هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: (فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقون (٢)، فيأتيهم الله في غير الصورة (٣)، التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه) (٤) الحديث. - وقال ﷺ : (تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت) (٥).

стр. 493

- وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات الرؤية في الآخرة، وسؤال الله الكريم حصولها، وحكى إجماعهم غير واحد من أهل العلم (١). رابعاً: الجنة والنار: ١ - خلق الجنة والنار ووجودهما الآن: قال الشيخ ﵀: " إن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وأنهما باقيتان لا تفنيان. وفيما يلي بيان مذهب أهل السنة والجماعة: اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار موجودتان في الدنيا. ولم يعرف لهم مخالف في صدر الإسلام، واستدلوا على ذلك بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة" (٢). ودلل الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع، فقال: " الأدلة من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ آل عمران: ١٣٣، وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ الحديد: ٢١، فدل التعبير عن إعداد الجنة للمؤمنين بالفعل الماضي على أنها موجودة بالفعل في الدنيا. وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ البقرة: ٢٤، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ آل عمران: ١٣١، وقال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢)﴾ النبأ: ٢١ - ٢٢، فدل التعبير بالماضي على أن النار وجدت فعلاً.

стр. 494

وأما من السنة: فالأحاديث الدالة على وجودهما الآن كثيرة، منها ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة) (١)، وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة، فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزتك، لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بالجنة فحفت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها ثم رجع، فقال: وعزتك، لقد خشيت ألا يدخلها أحد، قال: ثم أرسله إلى النار، قال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر فإذا هي يركب بعضها بعضا، ثم رجع فقال: وعزتك، لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر بها فحفت بالشهوات، ثم قال: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها، فرجع فقال: وعزتك لقد خشيت ألا ينجو منها أحد إلا دخلها) (٢). فهذان الحديثان صريحان في إعداد كل من الجنة والنار لأهلها، وروى مالك في الموطأ وأصحاب السنن من حديث كعب بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما نسمة المؤمن طير تعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة) (٣)، وجاء في حديث خسوف الشمس أن النبي ﷺ رأى الجنة والنار وهو يخطب أصحابه وأنه حدثهم عنهما، وثبت أن الله أسكن آدم وحواء الجنة قبل أن يهبطهما إلى الأرض من أجل مخالفتهما لله بأكلهما من الشجرة التي نهاهما عن الأكل منها.

стр. 495

وأما الإجماع: فإن صدر هذه الأمة لم يزالوا على القول بوجودهما في الدنيا حتى نبتت نابتة من القدرية والمعتزلة فأنكرت ذلك وهم يحتجون بالنصوص، وبإجماع الأمة قبل وجودهم" (١). إن من الإيمان باليوم الآخر: الاعتقاد الجازم والتصديق التام بالجنة والنار، فأهل السنة والجماعة يعتقدون: أ- أن الجنة والنار موجودتان معدّتان لأهلهما ولا تفنيان، فالجنة دار كرامة الله أعدها لأوليائه المقربين والأبرار، والنار دار عذابه أعدّها دار هوان لأعدائه المشركين والمنافقين والكفار. ب- أن أهلهما لا يموتون كما جاء النص فيه، يقال لأهل كل منهما: خلود ولا موت، وكما قال سبحانه عن أهل كل منهما: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ البقرة: ٣٩، وقد سبق ذكر بعض الأدلة في كلام الشيخ عبد الرزاق ﵀ السابق. ج- أن أهل الجنة في نعيم أبدي متجدد، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ البقرة: ٢٥، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ النساء: ٥٧. وقال تعالى في نعيمهم: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ هود: ١٠٨، وأهل النار في عذاب أبدي سرمدي دائم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ النساء: ٥٦، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ الجن: ٢٣ (٢).
следующие страницы →