← Акыда

Акыда · id 14254

منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (777 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويُدخلنا الجنة، ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئاً أحبَّ إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة) (١). - وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ المطففين: ١٥. وغير ذلك من الآيات. وجه الاستدلال: أن الله تعالى إذا احتجب عن الكافرين في السخط، كان هذا دليلاً على أن أولياءه يرونه في الرضا، وبهذا احتج جمع من أئمة السلف (٢). - الأدلة من السنة المطهرة: وكما ثبتت الرؤية من كتاب الله ؛ ثبتت كذلك في السنة النبوية بالأحاديث الصحيحة المشهورة المتواترة (٣)، كما ذكر شيخ الإسلام ﵀ (٤)، وجمعها غير واحد من أهل العلم في مصنفات مستقلة (٥)، وتتبعها العلامة ابن القيم في كتابه حادي الأرواح وساقها معزوة إلى مخرجيها فبلغت ثلاثين حديثاً (٦). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " إن الأحاديث والآثار في هذا كثيرة مشهورة، قد دون العلماء فيها كتباً، مثل كتاب الرؤية للدارقطني ولأبي نعيم وللآجري، وذكرها المصنفون في السنة كابن بطة، واللاكائي، وابن شاهين، وقبلهم عبد الله بن أحمد بن حنبل، وحنبل بن

стр. 492

إسحاق، والخلال، والطبراني، وغيرهم، وخرجها أصحاب الصحيح والمسانيد والسنن وغيرهم" (١). ونذكر بعض الأدلة من السنة المطهرة: - فمما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أناس: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: (هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: (فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقون (٢)، فيأتيهم الله في غير الصورة (٣)، التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه) (٤) الحديث. - وقال ﷺ : (تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت) (٥).

стр. 493

- وأما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات الرؤية في الآخرة، وسؤال الله الكريم حصولها، وحكى إجماعهم غير واحد من أهل العلم (١). رابعاً: الجنة والنار: ١ - خلق الجنة والنار ووجودهما الآن: قال الشيخ ﵀: " إن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وأنهما باقيتان لا تفنيان. وفيما يلي بيان مذهب أهل السنة والجماعة: اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار موجودتان في الدنيا. ولم يعرف لهم مخالف في صدر الإسلام، واستدلوا على ذلك بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة" (٢). ودلل الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع، فقال: " الأدلة من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ آل عمران: ١٣٣، وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ الحديد: ٢١، فدل التعبير عن إعداد الجنة للمؤمنين بالفعل الماضي على أنها موجودة بالفعل في الدنيا. وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ البقرة: ٢٤، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ آل عمران: ١٣١، وقال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢)﴾ النبأ: ٢١ - ٢٢، فدل التعبير بالماضي على أن النار وجدت فعلاً.

стр. 494

وأما من السنة: فالأحاديث الدالة على وجودهما الآن كثيرة، منها ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة) (١)، وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة، فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزتك، لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بالجنة فحفت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها ثم رجع، فقال: وعزتك، لقد خشيت ألا يدخلها أحد، قال: ثم أرسله إلى النار، قال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر فإذا هي يركب بعضها بعضا، ثم رجع فقال: وعزتك، لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر بها فحفت بالشهوات، ثم قال: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها، فرجع فقال: وعزتك لقد خشيت ألا ينجو منها أحد إلا دخلها) (٢). فهذان الحديثان صريحان في إعداد كل من الجنة والنار لأهلها، وروى مالك في الموطأ وأصحاب السنن من حديث كعب بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما نسمة المؤمن طير تعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة) (٣)، وجاء في حديث خسوف الشمس أن النبي ﷺ رأى الجنة والنار وهو يخطب أصحابه وأنه حدثهم عنهما، وثبت أن الله أسكن آدم وحواء الجنة قبل أن يهبطهما إلى الأرض من أجل مخالفتهما لله بأكلهما من الشجرة التي نهاهما عن الأكل منها.

стр. 495

وأما الإجماع: فإن صدر هذه الأمة لم يزالوا على القول بوجودهما في الدنيا حتى نبتت نابتة من القدرية والمعتزلة فأنكرت ذلك وهم يحتجون بالنصوص، وبإجماع الأمة قبل وجودهم" (١). إن من الإيمان باليوم الآخر: الاعتقاد الجازم والتصديق التام بالجنة والنار، فأهل السنة والجماعة يعتقدون: أ- أن الجنة والنار موجودتان معدّتان لأهلهما ولا تفنيان، فالجنة دار كرامة الله أعدها لأوليائه المقربين والأبرار، والنار دار عذابه أعدّها دار هوان لأعدائه المشركين والمنافقين والكفار. ب- أن أهلهما لا يموتون كما جاء النص فيه، يقال لأهل كل منهما: خلود ولا موت، وكما قال سبحانه عن أهل كل منهما: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ البقرة: ٣٩، وقد سبق ذكر بعض الأدلة في كلام الشيخ عبد الرزاق ﵀ السابق. ج- أن أهل الجنة في نعيم أبدي متجدد، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ البقرة: ٢٥، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ النساء: ٥٧. وقال تعالى في نعيمهم: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ هود: ١٠٨، وأهل النار في عذاب أبدي سرمدي دائم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ النساء: ٥٦، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ الجن: ٢٣ (٢).

стр. 496

- شبهة من أنكروا وجود الجنة والنار الآن: قال الشيخ ﵀: " أولاً: خلق الجنة والنار قبل يوم الجزاء عبث، لأن كلاً منهما تبقى معطلة مدة طويلة دون أن يجزى بها أحد، والعبث محال على الله. وأجيب أولاً: بأنه معارضة للنصوص الصحيحة بالعقل في أمر غيبي لا يعرف إلا بالنقل، وثانياً: بأن وجودهما في الدنيا فيه فائدة، لأن المؤمنين ينعمون في قبورهم، وأرواحهم نسمات تعلق في شجر الجنة، والكفار يعذبون في قبورهم بالعرض على النار ورؤية كل منهم مقعده فيها إلى أن يبعثه الله كما تقدم بيانه، فوجودهما ليس بعبث. استدلوا ثانياً: بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ القصص: ٨٨، وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ آل عمران: ١٨٥، قالوا: فلو كانتا موجودة الآن لهلكتا وذاق كل من فيهما الموت عند النفخة الأول في الصور من أجل إنهاء الدنيا وتخريبها. وأجيب أن كلا من الجنة والنار مستثنى مما يصيبه الهلاك والفناء، عند النفخة الأولى، لأنهما خلقتا للبقاء، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الزمر: ٦٨، أدخلتا في عموم من شاء الله بقاءه جمعاً بين الأدلة، وأيضاً المعنى كل شيء كتب الله عليه الهلاك أو ذوق الموت هالك، والجنة والنار ليستا مما كتب عليه الهلاك، لأنهما خلقتا للجزاء، وأيضاً معنى كل شيء هالك إلا وجهه كل عمل حابط إلا ما أريد به وجه الله، بدليل قوله في صدر الآية: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ القصص: ٨٨. استدلوا ثالثاً: بما ذكره الله عن امرأة فرعون من قولها: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ التحريم: ١١، وبقول الرسول ﷺ : (لقيت إبراهيم ليلة أسرى بي، فقال يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم بأن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر) (١)، وقوله ﷺ : (من قال: سبحان الله وبحمده غرست له

стр. 497

نخلة في الجنة) (١) رواهما الترمذي في سننه. قالوا: فلو كانت الجنة غير مخلوقة مفروغاً منها لما طلبت امرأة فرعون من ربها أن يبني لها بيتاً فيها، ولما قال ﷺ : (أنها قيعان، وأنها لا تزال يغرس فيها كلما كان التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير من العابدين) (٢). وأجيب بأن ما ذكرتم دليل على وجود الجنة الآن لا على عدمها إلا أنها لا تزال يخلق الله فيها أنواعاً من النعيم ما ذكره الذاكرون، بل يجدد الله فيها يوم القيامة أنواعا من النعيم فالإنشاء فيها مستمر اليوم ويوم القيامة، والنعيم فيها متجدد أبد الآبدين" (٣). القول بخلق الجنة والنار ووجودهما الآن مذهب أهل السنة والجماعة قاطبة سلفاً وخلفاً (٤) ومن وافقهم من الأشاعرة (٥) والماتريدية (٦)، وخالف في ذلك الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم (٧) فقالوا بنفي خلقهما ووجودهما الآن. يقول العلامة ابن أبي العز ﵀: "اتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل على ذلك أهل السنة، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية، فأنكرت ذلك وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة ... وحرفوا النصوص عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم" (٨).

стр. 498

٢ - دوام الجنة والنار: قال الشيخ ﵀: " اتفق أهل السنة على أن الجنة لا تفنى، وذهب الجمهور منهم إلى أن النار أيضاً لا تفنى وقالت طائفة قليلة منهم بفناء النار. والدليل على بقاء الجنة من الكتاب: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ الرعد: ٣٥، وقال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ الحجر: ٤٨، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ ص: ٥٤، وقال تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦)﴾ الدخان: ٥٦، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ هود: ١٠٨. واختلف السلف في الاستثناء من خلود المؤمنين في الجنة بقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ هود: ١٠٨، فقيل: إنه استثناء للمدة التي يمكثها عصاة المؤمنين في النار قبل دخولهم الجنة من مدة خلودهم في الجنة، فالمعنى يخلد المؤمنون في الجنة ما دامت السموات والأرض إلا مدة شاء ربك أن يقضيها عصاة المؤمنين في النار وقيل دخولهم الجنة. وقيل: إنه استثناء الرب ولا يفعله، كقولك: والله لا أكرمن إلا أن أرى غير ذلك، وأنت لا ترى إلا إكرامه. وقريب منه قيل: من أن الاستثناء لإعلامهم بأنهم مع خلودهم في مشيئة الله، لا أنهم باستقرارهم في الجنة وتمكنهم منها خرجوا من مشيئة الله، ولا ينافي ذلك إرادته إرادة كونية أن يخلدوا فيها، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦)﴾ الإسراء: ٨٦، وهو سبحانه بقاء ما أوحى به إلى رسوله، وقوله: قال تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ الشورى: ٢٤، وهو سبحانه لا يشاء الختم على قلب رسوله، بل أراد له استمرار الهداية والإمداد بالنور وصفاء البصيرة، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ يونس: ١٦، وقد شاء سبحانه إعلامهم به،

стр. 499

وتلاوة رسوله القرآن عليهم، إلى غير هذا من النظائر التي يقصد بذكر المشيئة فيها إثبات كمال الاختيار، وأن الأمور لما تخرج من دائرة تقديره سبحانه وتصريفه. واختار ابن جرير أن "لا" بمعنى "لكن"، وعليه يكون الاستثناء منقطعاً، والمعنى خالدين فيها سوى ما شاء ربك من زيادة النعيم، أو لكن هنا من زيادة النعيم والإكرام على الخلود ما لا يقدر قدره إلا الله، فليس المراد قطع أمد الخلود ولكن المراد زيادة نعيم إلى جانب خلودهم في الجنة بدليل ما ختمت به الآية من قوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ هود: ١٠٨. الدليل من السنة: - على أبدية الجنة قوله ﷺ : (من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت) (١) وقوله: (ينادي مناد يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وأن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وأن تحيوا فلا تموتوا أبدا) (٢)، وقوله: (يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت) (٣) " (٤). بين الشيخ ﵀ الآراء في أبدية النار، فقال: " أما أبدية النار: ففيها آراء كثيرة للسلف منها رأيان: الأول: رأي جمهور السلف، قالوا: إن النار باقية لا تفنى، ومن دخل بقي مخلدا فيها أبدا إلا من دخلها من عصاة المؤمنين فإنهم يخرجون منها. واستدلوا على بقائها ومن بها من الكافرين بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ البقرة: ١٦٧، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ

стр. 500

مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾ المائدة: ٣٦، وقوله: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ الزخرف: ٧٥، قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ فاطر: ٣٦، وقوله: قال تعالى: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ الإسراء: ٩٧، وغيرها من الآيات. الرأي الثاني: أن النار تفنى بعد أن يستوفي الكفار نصيبهم من العذاب فيها، ونسب هذا القول إلى عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة من الصحابة (١)، وابن تيمية وابن القيم (٢) وجماعة، واستدل لهذا الرأي بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ الأنعام: ١٢٨، وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ هود: ١٠٦ - ١٠٧، قالوا: استثنى من الخلود في الآيتين بقوله في الآية الأولى ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ وبقوله في الآية الثانية ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ولم يأتِ بعد الاستثناءين ما يدل على عدم الانقطاع وانتهاء العذاب كما جاء عقب الاستثناء من الخلود في نعيم الجنة، فإن الآية ختمت بقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾

стр. 501

هود: ١٠٨، وهو دال على دوام النعيم واستمراره فكان قرينة على أن الاستثناء الذي قبله لا يراد به الإخراج، إنما يراد به إثبات كمال الاختيار واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾ النبأ: ٢٣، تجعل اللبث في النار مدة محدودة، فدل على انتهاء العذاب، واستدلوا أيضاً بأن النار موجب غضبه، والجنة موجب رحمته، وقد روى البخاري في صحيحة عن النبي ﷺ أنه قال: (لما قضى الله الخلق كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي سبقت غضبي) (١) وفي رواية (تغلب غضبي) قالوا فلو بقي الكافر في النار، ولم تفن النار لكان غضبه قد سبق رحمته، وفي هذا خلف لخبر الصادق ﷺ عن ربه، وخلف خبر مستحيل. قالوا وما ورد من النصوص الدالة على خلود الكفار فيها أبداً وعدم خروجهم منها فلا نزاع فيه، لكنه يعني البقاء في العذاب ما دامت النار باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد، وهناك فرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس قائم، وبين من ينهدم حبسه وينقض بناؤه، فيبطل حبسه وينتهي سجنه بانتقاض البناء، وقد يناقش هذا بأنه وإن صلح جواباً عن أدلة الخلود فلا يصلح جواباً عن النصوص الصريحة في أن عذابها مقيم، وأنه كان غراماً، وأن النار كلما هبت وأدها الله سعيراً، وأنهم لا يفتر عنهم العذاب ولا يخفف بل يزيدهم الله عذاباً، وأنهم لكما نضجت جلودهم بدلهم الله جلود غيرها ليذوقوا العذاب، اللهم إلا أن قال: إن الاستثناء بالمشيئة في الآيتين السابقتين مسلط على جميع النصوص التي دلت على دوام العذاب واستمراره، وعلى كل حال فالموضوع من شئون الله فليترك إلى الله سبحانه والله أعلم" (٢). أجمع أهل السنة والجماعة (٣) ومن وافقهم (٤) على القول ببقاء الجنة، ودوام نعيمها، وخلود أهلها، وخالف في ذلك الجهمية فقالوا بفنائها وأهلها.

стр. 502

وأما النار فقد اختلف الناس في بقائها، ودوام عذابها، وخلود أهلها على ثمانية أقوال (١)، أهمها ثلاثة: الأول: أن النار كالجنة باقية لا تفنى، وأن الله تعالى يخرج منها من يشاء، ويبقى فيها الكفار بقاءً أبدياً لا انقضاء له. والثاني: أن النار تفنى، وأن الله تعالى يخرج منها من يشاء، ثم يبقيها ما يشاء، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمداً تنتهي إليه. والثالث: الإمساك عن ذلك كله، والوقوف عند قوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ هود: ١٠٧. والقول الصحيح -والله أعلم- أن النار كالجنة باقية لا تفنى، وهو قول جمهور أهل السنة والجماعة (٢)،وحكاه بعضهم إجماعاً (٣). والأدلة متظافرة من الكتاب والسنة وقد ذكر الشيخ ﵀ أدلة من الكتاب أما من السنة: فقوله ﷺ : (يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، كل خالد فيما هو فيه) (٤).

стр. 503

وقوله ﷺ : (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم -أو قال بخطاياهم- فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة ...) (١). والقولان الآخران لا تقوى أدلتهما على معارضة هذه الأدلة الصريحة، والجواب عنهما يطول المقام بتسطيره، وما ذكره الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ في كلامه السابق يغني عن إعادته.

стр. 504

المبحث الخامس جهود الشيخ في تقرير الإيمان بالقضاء والقدر . تمهيد في تعريف القضاء والقدر . أورد الشيخ ﵀ معنى القدر في الشرع، فقال: " معناه: أن الله علم الأشياء كلها قبل وجودها وكتبها عنده وشاء ما وجد منها وخلق ما أراد خلقه، وهذه هي مراتب القدر الأربع التي يجب الإيمان بها، ولا يكون العبد مؤمناً بالقدر على الكمال حتى يكون مؤمناً بها، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه أجاب جبريل لما سأله عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) (١)، وثبت عنه ﷺ في حديث عبادة بن الصامت أنه قال له: (إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تؤمن بالقدر وتعلم أنما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك) (٢) الحديث، وقد أوضح هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة الواسطية (٣) " (٤). التعريف: ١ - معنى القضاء لغة: هو بالمدّ، ويقصر، أصله: قَضَايٌ؛ لأنّه من قضيت، إلا أنّ الياء لَمّا جاءت بعد الألف همزت. يقول ابن فارس: " القاف والضّاد والحرف المعتلّ أصل صحيح يدلٌ على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه" (٥).

стр. 505

ويتبين مما تقدم أن معنى القضاء في اللغة هو إحكام الشيء وإتمام الأمر، وهذا هو أصل معنى القضاء الواردة في اللغة، وقد يأتي بمعنى القدر (١). ويطلق القضاء على معان عدّة منها: الأمر، والأداء، والحكم، والفراغ، والإعلام، والموت (٢)؛ وهذه هي أهم معاني (القضاء) في اللغة، وهناك اشتقاقات أخرى ذكرَتها كتب اللغة (٣). ٢ - معنى القدر لغة: والقدر في اللغة: مصدر قَدَرَ يَقدر قَدَراً. يقول ابن فارس: "القاف والدّال والرّاء أصل صحيح يدلّ على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته" (٤). ويطلق القدر على معان عدّة منها: الحكم، والقضاء، والطّاقة، والتّضييق، والتّقدير (٥). ٣ - معنى القضاء والقدر شرعاً: والمراد بالقضاء والقدر في الشرع: علم الله بالأشياء قبل كونها، وكتابته لها في اللوح المحفوظ، ومشيئته سبحانه لوقوعها، وخلقه سدد خطاكم لها على ما سبق به علمه وكتابته ومشيئته (٦). ومراتب القدر أربع، وهي إجمالاً: أ- العلم: أي أن الله علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم. ب- الكتابة: أن الله كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ.

стр. 506

ت- المشيئة: أي أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن ليس في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئته سبحانه ولا يكون في ملكه إلا يريد. ث- الخلق والتكوين: أن الله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد كما دلت على ذلك النصوص (١). ويتبين مما سبق ما بين المعنى اللغوي لكل من القضاء والقدر والمعنى الشرعي من ربط قوي، فكل منهما يأتي بمعنى الآخر، ومعاني القضاء ترجع إلى إحكام الأمر وإتقانه وإنفاذه، كما أن معاني القدر ترجع إلى التقدير، والله قدر مقادير الخلق، فعلمها وكتبها وشاءها وخلقها، وهي مقتضية ومقدرة فتقع حسب أقدارها، ويتبين من خلال ذلك ما بين معنى القضاء والقدر في اللغة والشرع من ترابط (٢). وقد اختلف أهل العلم في لفظي القضاء والقدر هل هما بمعنى واحد أم معان متغايرة، واختلف القائلون بالتغاير بينهما في تحديد وجهه (٣). والراجح -والله أعلم- في هذه المسألة أنّ لفظي القضاء والقدر بينهما عموم وخصوص، فإذا أطلق القضاء مفرداً شمل القدر، وإذا أطلق القدر مفرداً شمل القضاء. وأمّا إذا اجتمعا فالمراد بالقضاء ما يقضيه الله تعالى في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير، والمراد بالقدر ما قدّره الله تعالى في الأزل، فالقدر سابق والقضاء لاحق (٤).

стр. 507

المطلب الأول معنى الإيمان بالقضاء والقدر وما يتضمنه . قال الشيخ عبد الرزاق ﵀: " عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علماً، وأنه كتب في اللوح المحفوظ كل ما سيكون وأن كل ما علمه وكتبه فهو كائن لا محالة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ الأنفال: ٧٥، ... إلى غير ذلك من الآيات ... وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ لما سأله جبرائيل عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) (١) ... " (٢). وقال الشيخ ﵀: " ثبت أن الله تعالى وسع كل شيء رحمة وعلماً، وكتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة، وعمت مشيئته وقدرته كل شيء، بيده الأمر كله لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا راد لما قضى وهو على كل شيء قدير. وقد دل على ذلك وما في معناه نصوص الكتاب والسنة، وهي كثيرة معروفة، عند أهل العلم، ومن طلبها من القرآن ودواوين السنة وجدها، من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾ العنكبوت: ٦٢، وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ القمر: ٤٩، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ السجدة: ١٣، ومما ثبت عن النبي ﷺ في ذلك ما حث على الذكر به عقب الصلاة من قوله: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) (٣)، وكذا ما جاء في حديث عمر ﵁ من سؤال جبريل رسول الله ﷺ عن الإيمان فأجاب النبي ﷺ بقوله: (الإيمان: أن

стр. 508

تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) (١)، فهذه النصوص وما في معناها تدل على كمال علمه تعالى بما كان وما هو كائن على تقديره كل شؤون خلقه، وعلى عموم مشيئته وقدرته، ما شاءه سبحانه كان وما لم يشأ لم يكن" (٢). الإيمان بالقضاء والقدر هو الرّكن السادس من أركان الإيمان التي لا يصح إيمان العبد إلا بها، وهو يتضمّن أربعة أمور: الأول: الإيمان بأن الله تعالى علم بكلّ شيء جملة وتفصيلاً، أزلاً وأبداً، سواء كان ذلك مِمّا يتعلّق بأفعاله أو بأفعال عباده. الثاني: الإيمان بأنّ الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ. وفي هذين الأمرين يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ الحج: ٧٠. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السّماوات والأرض بخمسين ألف سنة) (٣). الثالث: الإيمان بأن جميع الكائنات لا تكون إلا بمشيئة الله تعالى، سواء كانت مما يتعلّق بفعله أم مما يتعلّق بفعل المخلوقين. قال الله تعالى فيما يتعلّق بفعله: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ القصص: ٦٨، وقال ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ إبراهيم: ٢٧، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ آل عمران: ٦. وقال تعالى فيما يتعلق بفعل المخلوقين: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ النساء: ٩٠، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾ الأنعام: ١٣٧. الرابع: الإيمان بأنّ جميع الكائنات مخلوقة لله تعالى بذواتها، وصفاتها، وحركتها.

стр. 509

قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ الزمر: ٦٢، وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ الفرقان: ٢. وللإيمان بالقدر أهمية كبرى بين أركان الإيمان، يدركها كل من له إلمام ولو يسير بقضايا العقيدة الإسلامية وأركان الإيمان؛ ولذلك ورد التنصيص في السنة النبوية على وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره. "وترجع أهمية هذا الركن ومنزلته بين بقية أركان الإيمان إلى عدة أمور: الأول: ارتباطه مباشرة بالإيمان بالله تعالى، وكونه مبنياً على المعرفة الصحيحة بذاته تعالى وأسمائه الحسنى، وصفاته الكاملة والواجبة له تعالى، وقد جاء في صفاته سبحانه صفة العلم، والإرادة، والقدرة، والخلق، ومعلوم أن القدر إنما يقوم على هذه الأسس، "وعلى هذا الأساس قامت عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، فكان الإيمان بهما متمماً للإيمان بالله تعالى، وبصفاته، وعنصراً من حقيقته المشرقة" (١). ولا شك أن الإقرار بتوحيد الله وربوبيته لا يتم إلا بالإيمان بصفاته تعالى، فمن زعم أن هناك خالقاً غير الله تعالى فقد أشرك، والله تعالى خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد (٢). ولهذا السبب -والله أعلم- لم يذكر ركن الإيمان بالقدر في كتاب الله تعالى مع بقية أركان الإيمان كما ورد في السنة، لأن الإيمان بالقدر هو إيمان بربوبيته وأسمائه وصفاته، ومراتب القدر الأربع هي صفات الله تعالى. الثاني: حين ننظر إلى هذا الكون، ونشأته، وخلق الكائنات فيه، ومنها هذا الإنسان، نجد أن كل ذلك مرتبط بالإيمان بالقدر، فـ (أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) (٣)، والإنسان يوجد على هذه الأرض، وينشأ تلك النشأة الخاصة، ويعيش ما شاء الله في حياة متغيرة، فيها الصحة

стр. 510

والسقم، والغنى والفقر، والقوة والضعف، والنعم والمصائب، والفرح والحزن ... وينظر الإنسان من حوله فيرى تفرق هذه الصفات على الناس، وعلى الجماعات والدول ... ، ينظر إلى كل ذلك فلا يجد المخرج إلا في العقيدة الصحيحة، وعلى رأسها الإيمان بالقدر. الثالث: والإيمان بالقدر هو المحك الحقيقي لمدى الإيمان بالله تعالى على الوجه الصحيح، وهو الاختيار القوي لمدى معرفة الإنسان بربه تعالى، وما يترتب على هذه المعرفة من يقين صادق بالله، وبما يجب له من صفات الجلال والكمال، وذلك لأن القدر فيه من التساؤلات والاستفهامات الكثيرة لمن أطلق لعقله المحدود العنان فيها. وقد كثر الاختلاف حول القدر، وتوسع الناس في الجدل والتأويل لآيات القرآن الواردة بذكره، بل وأصبح أعداء الإسلام في كل زمن يثيرون البلبلة في عقيدة المسلمين عن طريق الكلام في القدر، ودس الشبهات حوله، ومن ثم أصبح لا يثبت على الإيمان الصحيح واليقين القاطع إلا من عرف الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، مسلماً الأمر لله، مطمئن النفس، واثقاً بربه تعالى، فلا تجد الشكوك والشبهات إلى نفسه سبيلاً، وهذا ولا شك أكبر دليل على أهمية الإيمان به بين بقية الأركان" (١).

стр. 511

المطلب الثاني أفعال العباد . قال الشيخ ﵀: " مذهب أهل السنة أن أفعال العباد الاختيارية مخلوقة لله مكسوبة للعبد، فخلقه إياها لا ينافي كسب العبد لها " (١). ورد الشيخ على من قال في أفعال العبادة أنها كسب لهم على معنى تعلق قدرتهم بمباشرتهم التي هي أكسابهم، ووقوع هذه الأفعال أو بعضها على وجوه تخالف قصد مكتسبها يدل على موقع أوقعها كما أراد غير مكتسبها والله ربنا، خلقنا وخلق أفعالنا .. ، فقال: " وهذا إلى القول بالجبر أقرب منه إلى القول بإثبات الاختيار للعبد في أفعاله" (٢). قال الشيخ ﵀: " لا يريد الله كوناً ولا شرعاً أن يظلم عباده لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ النساء: ٤٠، ولقوله في الحديث: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي) (٣) وإن كان يريد كوناً لا شرعاً أن يظلم بعض العباد بعضاً لوقوعه منهم، ولو لم يرده لم يقع" (٤). أفعال العباد قسمان: اضطراريّة واختياريّة. فالاضطراريّة: كحركات المرتعش ونبضات العروق ونحو ذلك، وهذه لا خلاف بين النّاس في كونها خارجة عن قدرة العبد. والاختياريّة: ما سوى ذلك (٥) -وهي محلّ البحث هنا- وقد اختلف الناس فيها، وتعدّدت مذاهبهم تجاهها، وحاصل الكلام عليها ما يلي: أفعال العباد الاختيارية لها متعلقان:

стр. 512

الأول: تعلّقها بالله من حيث خلقه لها وعدمه. والثاني: تعلّقها بالعباد من حيث قدرتهم عليها وعدمها. فأهل السنة والجماعة قالوا: بأنّ أفعال العباد كلّها من طاعة ومعصية، وخير وشرّ، مخلوقة لله تعالى، وأنّ العباد لهم قدرة على أفعالهم، وهم فاعلون لها على الحقيقة، وهي قائمة بهم، ومنسوبة إليهم، ومن ثم فإنهم يستحقّون عليها المدح والذّمّ والثواب والعقاب. فجمعوا في قولهم بين المتعلقين، وقالوا بِكلا الجهتين، لدلالة نصوص الوحيين. فمن الأدلة على خلق الله لأفعال العباد: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ الصافات: ٩٦ وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ القمر: ٤٩ ومن الأدلة على قدرة العباد على أفعالهم ونسبتها لهم حقيقة. قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)﴾ المؤمنون: ٦٣ وقوله سبحانه: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ السجدة: ١٧ وجمع الله بين الأمرين في قوله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ الشمس: ٧ - ١٠ (١).

стр. 513

وقد خالف أهل السنة والجماعة في ذلك أهل الطّوائف والفرق: فالجهمية الجبرية ومن وافقهم قالوا بالمتعلق الأول دون الثاني فأثبتوا خلق الله لأفعال العباد ونفوا قدرة العباد عليها، وسووا بين أفعالهم الاختيارية وأفعالهم الاضطرارية (١). والمعتزلة القدرية ومن وافقهم قالوا بالمتعلق الثاني دون الأول فنفوا خلق الله لأفعال العباد، وقالوا بأن العباد هم الذين خلقوا أفعالهم، وأثبتوا قدرة العباد المطلقة على أفعالهم (٢). ورامت الأشعرية التوسط بين الجبرية والقدرية فأحدثت نظرية الكسب، وحارت أفهامهم في تصورها، واضطربت أقوالهم في التعبير عنها (٣). وحاصلها أن الكسب هو الاقتران العادي بين قدرة العبد الحادثة وفعله الواقع بقدرة الله وحدها (٤). وبناء على ذلك قالوا: إنّ أفعال العباد خلق لله وكسب للعباد، وليس لقدرة العبد المخلوقة فيه أثر في فعله، ولكن الفعل يحدث عندها لا بها (٥). والرد على الكسب الأشعري، وبيان بطلانه يطول، فأكتفي بطرف منه: ١ - أن النصوص الشرعية قد دلت على خلق الله لأفعال العباد وإثبات القدرة لهم عليها، ونسبتها لهم حقيقة، واستحقاقهم المدح والذم والثواب والعقاب وفقاً لها، وقد تقدم ذكر بعضها.

стр. 514

٢ - أن القول بالكسب بهذا المعنى قول حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة المفضلة فلم يعرف القول به إلا في زمن الأشعري. ٣ - أن القول بالكسب بهذا المعنى قول متناقض؛ إذ القائل به لا يستطيع أن يوجد فرقاً بين الفعل الذي نفاه عن العبد، والكسب الذي أثبته له، ولهذا فإن حقيقته القول بالجبر (١) وهذا ما قاله الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀. ٤ - أن القول بالكسب بهذا المعنى قول غير معقول؛ إذ لا حقيقة له ولا حاصل تحته، ولذا شنع أعداء الأشاعرة به عليهم، وعده بعض الأشاعرة عقدة تورّط فيها أصحاب الأشعري (٢). ٥ - أن القول بالكسب بهذا المعنى مبني على أصلين باطلين، قال بهما الأشعري وجمهور أصحابه والتزموا ما يراد عليهما، وهما: القول بأنّ الفعل هو المفعول والخلق هو المخلوق، وأن قدرة العبد لا يكون مقدورها إلا مقارناً للفعل لا خارجاً عنه (٣). ٦ - أن كبار أعلام الأشاعرة اضطربت أقوالهم في الكسب، وذهب كلّ منهم إلى رأي، وفرّ إلى قول، فمنهم من نحا إلى التّصريح بحقيقة المذهب وهو الجبر، ومنهم من اقترب إلى القول بمذهب أهل السنة والجماعة في ذلك، ومنهم من سعى إلى النهوض بالمذهب الأشعري من عثرته وتوجيه قول إمامه بما لا يوافقه عليه أصحابه الأشاعرة فضلاً عن غيرهم (٤).

стр. 515

المطلب الثالث التحسين والتقبيح . قال الشيخ ﵀: " والقول بالتحسين والتقبيح العقليين، أصل فاسد" (١). ويبين الشيخ ﵀ أقوال بعض الفرق في التحسين والتقبيح، فيقول: " الصحيح أن محل النزاع الحسن والقبح، بمعنى اشتمال الفعل على مصلحة كان بها حسناً أو على مفسدة كان بها قبيحاً، ثم نشأ عن ذلك خلاف آخر: هل تثبت الأحكام بما في الأفعال من حسن أو قبح ولو لم يرد شرع أم يتوقف ذلك على ورود الشرع؟ فذهب الجبرية: ومن في حكمهم إلى نفي الحسن والقبح بهذا المعنى وجعلوهما تابعين لأمر الشرع ونهيه، لذلك جعلوا العلل في باب القياس أمارات، وذهب المعتزلة: إلى إثباتهما وبناء الحكم عليهما ولو لم يرد شرع؛ فأثبتوا لزوم الأحكام لها فإذا أدرك العقل الحسن في فعل قضى بطلبه، وإذا أدرك القبح في فعل حكم بمنعه، ولذلك جعلوا العلل في باب القياس بواعث ودواعي لبناء الحكم، وذهب جماعة: إلى إثبات الحسن والقبح العقليين ونفوا التلازم بينهما وبين الأحكام، وقالوا: لا يثبت حكم إلا بالشرع. وأثبتوا بأدلة الفطرة والعقل والنقل ما ذكر من الحسن والقبح وأنها لا تستلزم الحكم بل تنفيه حتى يثبته الشرع، وجعلوا أدلة المعتزلة في إثباتهما رداً على الجبرية في نفيهم لهما، وجعلوا أدلة الجبرية رداً على المعتزلة في إثبات أحكام الشرع بهما؛ فأخذوا الحق من قول الفريقين، وردوا باطل كل منهما بما مع الآخر من أدلة الحق" (٢). وقال الشيخ ﵀: " الحق أن في الأفعال صفات هي منشأ حسنها أو قبحها، وقد دل على ذلك الحس أو الفطرة والعقل والشرع، والمخالف يعترف بذلك في تعليله الأحكام

стр. 516

وبيان حكمها وأسرارها وخاصة في القياس وبيان ميزة الشريعة الإسلامية على غيرها، والممنوع استلزامها للأحكام الشرعية وإثباتها بهما دون شرع" (١). يقصد بالتحسين والتقبيح هنا معرفة ما إذا كان حسن الشيء وقبحه ذاتياً في الشيء نفسه، ومدركاً بالعقل، أم أنه اعتباري ونسبي، وليست الأشياء في ذاتها حسنة ولا قبيحة. وقد اختلف أهل الكلام في ذلك على قولين رئيسيين: الأول: قول المعتزلة، وهو أن الحسن والقبح في الأشياء ذاتي، ويمكن إدراكه بالعقل. الثاني: قول الأشاعرة، وهو أن الحسن والقبح في الأشياء اعتباري، ونسبي، أي: أنه ليس صفة لازمة وذاتية في الشيء، وإنما يعرف حسن الأشياء وقبحها باعتبارات إضافية. وقبل هذا أرى من المهم بيان معاني الحسن والقبح، وتحديد محل النزاع، فأقول: يطلق الحسن والقبح على عدة معان، بعضها متفق عليه بين أهل الكلام وغيرهم، وبعضها مختلف فيه. والمعاني التي تراد بالحسن والقبح هي: الأول: يطلق الحسن والقبح ويراد به ما يوافق غرض الفاعل من الأفعال وما يخالفه، فما يوافق غرضه يسمى حسناً، وما يخالفه يسمى قبيحاً، ويعبر عنه بموافقة وملائمة الطبع، ومنافرته، وقد يعبر عنه بالمصلحة والمفسدة، فيقال: الحسن ما فيه مصلحة، والقبح ما فيه مفسدة، وما خلا منهما فليس شيئاً منهما، بل هو عبث. والحسن والقبح بهذا المعنى اعتباري ونسبي، وليس ذاتياً، فإن (قُتِل زيدٌ) مثلاً مصلحة لأعدائه، ومفسدة لأوليائه (٢).

стр. 517

الثاني: كون الشيء صفة كمال، أو صفة نقص، كالعلم والجهل (١). ويرى شيخ الإسلام ﵀ أن هذا المعنى راجع إلى المعنى الأول: لأنه عائد إلى الموافقة والمخالفة، وهو اللذة والألم، فالنفس تلتذ بما هو كمال لها، وتتألم بالنقص، فيعود الكمال والنقص إلى الملائم والمنافي (٢). وهذان المعنيان لا نزاع بين أهل الكلام أنهما عقليان يستقل العقل بإدراكهما (٣). الثالث: كون الفعل يتعلق به المدح والثواب، أو الذم والعقاب (٤). فما تعلق به المدح والثواب في الدنيا والآخرة كان حسناً، وما تعلق به الذم والعقاب في الدنيا والآخرة كان قبيحاً. وهذا المعنى هو الذي وقع فيه النزاع بين أهل الكلام. وبالجملة فإن الجميع متفقون على أن من الأشياء ما لا يدرك إلا بالشرع، وذلك كبعض تفاصيل الشرائع والعبادات. كما أن الجميع متفقون على أن الحسن والقبح بمعنى الملاءمة والمنافرة للإنسان معلوم بالعقل. يقول شيخ الإسلام ﵀: " والعقلاء متفقون على أن كون بعض الأفعال ملائماً للإنسان، وبعضها منافياً له، إذا قيل هذا حسن وهذا قبيح، فهذا الحسن والقبح مما يعلم بالعقل باتفاق العقلاء ... ولا ريب أن من أنواعه ما لا يعلم إلا بالشرع، ولكن النزاع فيما قبحه معلوم لعموم الخلق كالظلم والكذب ونحو ذلك" (٥). وباستعراض أقوال الطائفتين: المعتزلة والأشاعرة في هذه المسألة، يظهر جلياً أن كل طائفة أصابت من جهة، وأخطأت من جهة أخرى.

стр. 518

فالمعتزلة أصابوا في أن لتلك الأفعال حسناً وقبحاً ذاتياً يمكن إدراكه بالعقل، وأخطؤوا في ترتيب التكليف والعقاب على ذلك. كما أن الأشاعرة أخطؤوا في زعمهم أن تلك الأفعال لم تثبت لها صفة الحسن والقبح إلا بخطاب الشرع، وأنها في ذاتها ليست حسنة ولا قبيحة، وأصابوا في قولهم بأن التكليف والعقاب موقوف على خطاب الشرع، وفي إثباتهم للحسن والقبح الشرعيين (١). ومن أبرز من رد على الأشاعرة وبين فساد قولهم ابن القيم ﵀ في أكثر من ستين وجهاً (٢). وقد دل على فساد هذا المذهب الشرع والعقل والفطرة (٣).

стр. 519

هل الإنسان مخير أم مسير؟ يجيب على هذا الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀، قائلاً: "الإنسان مخير ومسير، أما كونه مخيراً فلأن الله سبحانه أعطاه عقلاً وسمعاً وبصراً وإرادة فهو يعرف بذلك الخير من الشر، والنافع من الضار ويختار ما يناسبه، وبذلك تعلقت به التكاليف من الأمر والنهي، واستحق الثواب على طاعة الله ورسوله، والعقاب على معصية الله ورسوله؛ وأما كونه مسيراً فلأنه لا يخرج بأفعاله وأقواله عن قدر الله ومشيئته، كما قال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ الحديد: ٢٢، وقال سبحانه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ التكوير: ٢٨ - ٢٩، وقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يونس: ٢٢ الآية، وفي الباب آيات كثيرة وأحاديث صحيحة كلها تدل على ما ذكرنا لمن تأمل الكتاب والسنة" (١). وقال الشيخ ﵀ مبيناً حكمة الله وأنه لا يظلم: " إن الله حكم عدل علي حكيم لا يظلم مثقال ذرة جواد كريم يضاعف الحسنات ويعفو عن السيئات، ثبت ذلك بالفعل الصريح والنقل الصحيح فلا يتأتى مع كمال حكمته ورحمته وواسع مغفرته أن يكلف عباده دون أن يكون لديهم إرادة واختيار لما يأتون وما يذرون وقدرة على ما يفعلون، ومحال في قضائه العادل وحكمته البالغة أن يعذبهم على ما هم إلى فعله ملجئون وعليه مكرهون. وإذاً فقدر الله المحكم العادل وقضاؤه المبرم النافذ من عقائد الإيمان الثابتة التي يجب الإذعان لها وثبوت الاختيار للمكلفين وقدرتهم على تحقيق ما كلفوا به من القضايا التي صرح بها الشرع وقضى بها العقل، فلا مناص من التسليم بها والرضوخ لها، فإذا اتسع عقل الإنسان لإدراك السر في ذلك فليحمد الله على توفيقه، وإن عجز عن ذلك فليفوض أمره لله، وليتهم

стр. 520

نفسه بالقصور في إدراك الحقائق فذلك شأنه في كثير من الشؤون، ولا يتهم ربه في قدره وقضائه وتشريعه وجزائه فإنه سبحانه هو العلي القدير الحكيم الخبير" (١). يقول الشيخ ﵀ في توفيق الله العبد للإيمان: " بعث الله سبحانه الرسل وأنزل عليهم الكتب مبشرين ومنذرين إلى جميع الأمم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ووفق من شاء من عباده إلى الإيمان فضلاً منه ورحمة، وخذل من شاء منهم فلم يوفقه للإيمان حكمة منه وعدلاً، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ يونس: ٢٥، كما علم سبحانه في علمه السابق قبل خلق الخلق أن من عباده مؤمنين سيدخلهم الجنة وأن منهم كافرين سيدخلهم النار" (٢). القول في معنى "الظلم" مبني على مسألة التحسين والتقبيح، وقد وقع الخلاف في معنى الظلم على ثلاثة أقوال: ١. قول الجهمية والأشاعرة، وهؤلاء قالوا في تعريف الظلم: إما أنه التصرف في ملك الغير، أو أنه مخالفة الآمر الذي تجب طاعته، وهؤلاء يقولون: الظلم بالنسبة لله غير ممكن الوجود، بل كل ممكن إذا قدر وجوده فإنه عدل، والظلم منه ممتنع غير مقدور، وهو محال لذاته كالجمع بن الضدين، وكون الشيء موجوداً معدوما. وهؤلاء يقولون لو عذب الله المطيعين ونعّم العاصين لم يكن ظالماً، لأن الظلم عندهم إنما هو التصرف في ملك الغير، والله تعالى مالك الملك، فأي فعل فعله ولو كان تعذيب أنبيائه وملائكته وأهل طاعته، وتكريم أعدائه من الكفار والشياطين لم يكن ظالماً، لأنه لم يتصرف إلا في ملكه، وكذلك فليس هناك آمر فوقه حتى يخالفه. وهذا قول جمهور الأشاعرة، وهو قول كثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد (٣).

стр. 521

٢. قول المعتزلة، وهؤلاء يقولون: إن الظلم مقدور لله تعالى، ولكنه منزه عنه، وهذا حق، ولكنهم يجعلون الظلم الذي حرمه الله وتنزه عنه نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض، وشبهوه في الأفعال ما يحسن منها ومالا يحسن بعباده، فضربوا له من أنفسهم الأمثال، ولذلك فهم يسمون مشبهة الأفعال (١). وبناء على هذا قالوا: " إذا أمر العبد ولم يعنه بجميع ما يقدر عليه من وجوه الإعانة كان ظالما له، والتزموا أنه لا يقدر أن يهدي ضالا كما قالوا: إنه لا يقدر أن يضل مهتديا، وقالوا عن هذا: إذا أمر اثنين بأمر واحد، وخص أحدهما بإعانته على فعل المأمور كان ظالماً إلى أمثال ذلك من الأمور التي هي من باب الفضل والإحسان، جعلوا تركه لها ظلماً، وكذلك ظنوا أن التعذيب لمن كان فعله مقدرا ظلم له، ولم يفرقوا بين التعذيب لمن قام به سبب استحقاق ذلك ومن لم يقم" (٢). فالله عند المعتزلة عدل لا يظلم لأنه لم يرد وجود شيء من الذنوب، لا الكفر ولا الفسوق ولا العصيان، بل العباد يفعلون ذلك بغير مشيئته، والله لم يخلق شيئا من أفعال العباد لا خيراً لا شراً، لأنه لو كان خالقاً لها ثم عاقب العاصين لكان ظالماً لهم (٣). ٣. قول أهل السنة، قالوا: الظلم وضع الشيء في غير موضعه وهذا معناه في اللغة، يقال: من أشبه أباه فما ظلم، ومن استرعى الذئب فقد ظلم (٤)، وعلى هذا المعنى بنى أهل السنة تعريفهم للظلم الذي نزه الله نفسه عنه فقالوا: إن الله تعالى حكم عدل يضع الأشياء في مواضعها، فلا يضع شيئاً إلا في موضعه الذي يناسبه، ولا يفرق بين متماثلين، ولا يسوي بين مختلفين (٥). وعلى هذا فالظلم الذي حرمه الله على نفسه، وتنزه عنه فعلاً وإرادة هو ما فسره به سلف الأمة وأئمتها أنه لا يحمل المرء سيئات غيره، ولا يعذب بما لم تكسب يداه، وأنه لا ينقص من حسناته فلا يجازي بها أو ببعضها، وهذا الظلم الذي نفى الله خوفه عن

стр. 522

العبد بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ طه: ١١٢، قال المفسرون: لا يخاف أن يحمل عليه من سيئات غيره ولا ينقص من حسناته، وقيل: يظلم بأن يؤاخذ بما لم يعمل (١). ويتلخص مذهب أهل السنة فقولهم هو الوسط، ولم ينتج عنه إلا ما هو حق فيما قالوه حول القدر (٢) حيث إنهم أثبتوا الشرع والقدر، وجعلوا للعبد إرادة وقدرة بها يفعل فعله، وعليها مدار التكليف بعد قيام الحجة الرسالية، وأهل السنة لم ينفوا قدرة العبد كما فعلت الأشعرية بناء على قولهم في التحسين والتقبيح، كما أنهم لم ينفوا قدرة الله على أفعال العباد كما فعلت المعتزلة بناء على مذهبهم في التحسين والتقبيح (٣).

стр. 523

[الفصل الخامس: جهود الشيخ عبد الرزاق في مسائل الصحابة، والإمامة، والأسماء والأحكام، والولاء والبراء] المبحث الأول جهوده في الصحابة والإمامة ، وفيه مطلبان. المطلب الأول الصحابة . تمهيد تعريف الصحابة . الصحابة: جمع صحابي. وهو في اللغة: مشتق من الصحبة، والصحبة مصدر صحب فهو صاحب (١). يقول ابن فارس: " الصّاد والحاء والباء أصل واحد يدل على مقارنة الشيء ومقاربته، ومن ذلك الصّاحب، والجمع صحب ... " (٢). وأما في الاصطلاح: فقد اختلف أهل العلم فيمن يصدق عليه اسم الصحابي، وتعددت تعريفاتهم له (٣). ونختار منها ما قاله الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: " أصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي: من لقي النبي ﷺ مؤمناً به، ومات على الإسلام؛ ... وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري (٤) وشيخه أحمد بن حنبل (٥) ومن تبعهما، ووراء ذلك أقوال أخرى شاذة ... " (٦).

стр. 524

أولاً: أصول أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله ﷺ -. يبين الشيخ ﵀ أن من أصول أهل السنة والجماعة في أصحاب رسول الله ﷺ ؛ معاقبة من يقوم بلعن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ وأن الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغيّر عن وجهه، والصحيح منها هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون فلهم أجران وإما مجتهدون مخطئون لهم أجر واحد، والخطأ مغفور لهم وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره؛ وأن أهل السنة والجماعة قلوبهم وألسنتهم سليمة على أصحاب رسول الله؛ وأنهم يمسكون عما شجر بين الصحابة فلا يقال بالعصمة لطائفة والتأثيم لأخرى وأن كل واحدة من الطائفتين مؤمنة وقد شهد لها القرآن بأن قتال المؤمنين لا يخرجهم عن الإيمان فقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الحجرات: ٩ (١). إذن فمذهب أهل السنة والجماعة في الصحابة هو محبتهم، واعتقاد عدالتهم، وأنه يجب تعظيمهم سيما المهاجرين والأنصار؛ واعتقاد فضلهم؛ والإمساك والكف عن الخوض فيما شجر بين الصحابة من حروب ومنازعات؛ وألا يتعرض لواحد منهم بسب أو تعريض، فلهم من الفضائل وحسن الشمائل الكثير؛ كنصرة الإسلام والذب عن الدين، والمعاونة والتبليغ؛ فهم من حاز قصب السبق في مضمار المآثر، وتبرزهم على من سواهم في اقتناء المناقب والمفاخر (٢)، وقد قيل في مدحهم: جبال الحجى أسد الوغا غصص العدا ... شموس العلا سحب الندا بالمواهب (٣).

стр. 525

ثانياً: عدالة الصحابة . قال الشيخ ﵀: " والصحابة عدول" (١). العدالة في اللغة: مصدر عَدُل، يقال: عَدُل يعدِلُ عدولة وعدالة (٢). يقول ابن فارس: "العين والدال واللام أصلان صحيحان، لكنهما متقابلان كالمتضادين: أحدهما يدل على استواء، والآخر يدل على اعوجاج" (٣). أما في الاصطلاح: فقد اختلف أهل العلم في تعريفها اختلافاً كثيراً (٤)، وأجمعها قول الحافظ السيوطي (٥) ﵀ فإنه عرفها بقوله: "هي ملكة - أي: هيئة راسخة في النفس- تمنع من اقتراف كبيرة، أو صغيرة دالة على الخسة، أو مباح يخل بالمروءة". ثم أعقب ذلك بقوله: " وهذه أحسنُ عبارة، أحسنَ في حدها" (٦). الأدلة على عدالة الصحابة ﵃: الأدلة على عدالتهم كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع. أما من الكتاب: فقد أثنى الله عليهم في آيات كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي

стр. 526

الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ الفتح: ٢٩. وأما من السنة: فأحاديث كثيرة كذلك فيها بيان خيريتهم وأفضليتهم منها: حديث عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) (١). وغير ذلك من الأحاديث. أما الإجماع: فقد أجمع أهل السنة على عدالتهم. قال صلاح الدين العلائي (٢) ﵀: " الذي ذهب إليه جمهور السلف والخلف أن العدالة ثابتة لجميع الصحابة ﵃ وهي الأصل المستصحب فيهم إلا أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد منهم لِما يوجب الفسق مع علمه، وذلك مما لم يثبت صريحاً عن أحد منهم - بحمد الله- فلا حاجة إلى البحث عن عدالة من ثبت له الصحبة ولا الفحص عنها بخلاف من بعدهم" (٣). فيتضح مما سبق أن من أصول معتقد أهل السنة والجماعة أن الصحابة ﵃ عدول، ولم يترك أمر عدالتهم للناس بل ثبت ذلك في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وإجماع أهل السنة قاطبة، ولم يخالف في ذلك إلا جماعات شاذة متبعة لهواها لا يعتد بخلافها (٤).

стр. 527

وعدالتهم لا تعني عصمتهم من الذنوب والمعاصي (١). يقول ابن تيمية ﵀ مبيناً عقيدة السلف في الصحابة ﵃: هم (٢) لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم (٣). ثالثاً: سب الصحابة . قال الشيخ ﵀ في من سب الصحابة ﵃: " وحذر ﷺ من سب الصحابة، فقال: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) (٤).فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو شتمهم وخاصة الثلاثة أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ ... فقد خالف كتاب الله وسنة رسوله وعارضهما بذمه إياهم، وكان محروماً من المغفرة التي وعدها الله من جاء بعدهم واستغفر لهم ودعا الله ألا يجعل في قلبه غلاً على المؤمنين" (٥). سبق بيان عدالة الصحابة ﵃ وما لهم من فضل وسبق في هذه الأمة، ولهذا فإن سبهم حرام بالكتاب والسنة، والإجماع. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ الأحزاب: ٥٧.

стр. 528

ومن أذية النبي ﷺ سب أصحابه وقد أخبر أن إيذاءهم إيذاء له، ومن آذاه فقد آذى الله (١) وأي أذية للصحابة أبلغ من سبهم. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ الأحزاب: ٥٨. ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ الفتح: ٢٩. ووجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة ﵃ أنه لا يسبهم شخص إلا لما وجد في قلبه من الغيظ عليهم، وقد بين تعالى في هذه الآية إنما يغاظ بهم الكفار، فدلت على تحريم سبهم، والتعرض لهم بما وقع بينهم على وجه العيب لهم (٢). وقد جاءت الإشارة إلى تحريم سبهم في غير ما آية من كتاب الله تعالى. ومن السنة: فقد جاءت النصوص القطعية الدالة على تحريم سبهم وتجريحهم أو الطعن فيهم والحطّ من قدرهم، ومن ذلك: قوله ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه) (٣).

стр. 529

وأما الإجماع: فقد أجمع أهل العلم على تحريم سبهم والطعن في عدالتهم إجماعاً قطعياً (١)؛ يقول الإمام محي الدين أبو زكريا يحي النووي ﵀: " باب تحريم سب الصحابة، ثم قال: اعلم أن سب الصحابة ﵃ حرام من فواحش المحرمات سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون ... قال القاضي عياض: وسب أحدهم من المعاصي الكبائر" (٢). يقول العلامة الألوسي ﵀: " حرمة سب الصحابة ﵃ مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان، أو يتنازع فيه اثنان" (٣). قال الذهبي ﵀: " فمن طعن فيهم أو سبهم فقد خرج من الدين ومرق من ملة المسلمين لأن الطعن لا يكون إلا عن اعتقاد مساويهم، وإضمار الحقد فيهم، وإنكار ما ذكره الله تعالى في كتابه من ثنائه عليهم، وما لرسول الله ﷺ من ثنائه عليهم، وبيان فضائلهم ومناقبهم وحبهم ... ، والطعن في الوسائط طعن في الأصل، والازدراء بالناقل ازدراء بالمنقول، هذا ظاهر لمن تدبره، وسلم من النفاق، ومن الزندقة والإلحاد في عقيدته" (٤). والساب للصحابة ﵃ على أصناف، فمنهم من لا ريب في كفره، ومنهم من لا يحكم بكفره، ومنهم من يتردد فيه وكلام شيخ الإسلام الآتي يبين ذلك: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " من سبهم سباً لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم، مثل وصف بعضهم بالبخل، أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد، ونحو ذلك،

стр. 530

فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير (١)، ولا يحكم بكفره بمجردّ ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفر من العلماء. وأما من لعن وقبَّح مطلقاً فهذا محل الخلاف فيهم، لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد. وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب في كفره؛ فإنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق ... " (٢). عليه فحكم الساب يختلف باختلاف اعتقاده، ومن سبه، ومتعلق سبه. وليعلم أن سب الصحابة ﵃ باب للزندقة، وعلامة وأمارة لأهل الأهواء والبدع، يقول الإمام أحمد بن حنبل: " ومن انتقص واحداً من أصحاب رسول الله ﷺ أو أبغضه لحدث كان منه، أو ذكر مساوئه، كان مبتدعاً حتى يترحم عليهم جميعاً، ويكون قلبه لهم سليماً" (٣).
следующие страницы →