← Акыда

Акыда · id 14254

منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (777 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ الفتح: ٢٩. وأما من السنة: فأحاديث كثيرة كذلك فيها بيان خيريتهم وأفضليتهم منها: حديث عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) (١). وغير ذلك من الأحاديث. أما الإجماع: فقد أجمع أهل السنة على عدالتهم. قال صلاح الدين العلائي (٢) ﵀: " الذي ذهب إليه جمهور السلف والخلف أن العدالة ثابتة لجميع الصحابة ﵃ وهي الأصل المستصحب فيهم إلا أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد منهم لِما يوجب الفسق مع علمه، وذلك مما لم يثبت صريحاً عن أحد منهم - بحمد الله- فلا حاجة إلى البحث عن عدالة من ثبت له الصحبة ولا الفحص عنها بخلاف من بعدهم" (٣). فيتضح مما سبق أن من أصول معتقد أهل السنة والجماعة أن الصحابة ﵃ عدول، ولم يترك أمر عدالتهم للناس بل ثبت ذلك في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وإجماع أهل السنة قاطبة، ولم يخالف في ذلك إلا جماعات شاذة متبعة لهواها لا يعتد بخلافها (٤).

стр. 527

وعدالتهم لا تعني عصمتهم من الذنوب والمعاصي (١). يقول ابن تيمية ﵀ مبيناً عقيدة السلف في الصحابة ﵃: هم (٢) لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم (٣). ثالثاً: سب الصحابة . قال الشيخ ﵀ في من سب الصحابة ﵃: " وحذر ﷺ من سب الصحابة، فقال: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) (٤).فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو شتمهم وخاصة الثلاثة أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ ... فقد خالف كتاب الله وسنة رسوله وعارضهما بذمه إياهم، وكان محروماً من المغفرة التي وعدها الله من جاء بعدهم واستغفر لهم ودعا الله ألا يجعل في قلبه غلاً على المؤمنين" (٥). سبق بيان عدالة الصحابة ﵃ وما لهم من فضل وسبق في هذه الأمة، ولهذا فإن سبهم حرام بالكتاب والسنة، والإجماع. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ الأحزاب: ٥٧.

стр. 528

ومن أذية النبي ﷺ سب أصحابه وقد أخبر أن إيذاءهم إيذاء له، ومن آذاه فقد آذى الله (١) وأي أذية للصحابة أبلغ من سبهم. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ الأحزاب: ٥٨. ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ الفتح: ٢٩. ووجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة ﵃ أنه لا يسبهم شخص إلا لما وجد في قلبه من الغيظ عليهم، وقد بين تعالى في هذه الآية إنما يغاظ بهم الكفار، فدلت على تحريم سبهم، والتعرض لهم بما وقع بينهم على وجه العيب لهم (٢). وقد جاءت الإشارة إلى تحريم سبهم في غير ما آية من كتاب الله تعالى. ومن السنة: فقد جاءت النصوص القطعية الدالة على تحريم سبهم وتجريحهم أو الطعن فيهم والحطّ من قدرهم، ومن ذلك: قوله ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه) (٣).

стр. 529

وأما الإجماع: فقد أجمع أهل العلم على تحريم سبهم والطعن في عدالتهم إجماعاً قطعياً (١)؛ يقول الإمام محي الدين أبو زكريا يحي النووي ﵀: " باب تحريم سب الصحابة، ثم قال: اعلم أن سب الصحابة ﵃ حرام من فواحش المحرمات سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون ... قال القاضي عياض: وسب أحدهم من المعاصي الكبائر" (٢). يقول العلامة الألوسي ﵀: " حرمة سب الصحابة ﵃ مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان، أو يتنازع فيه اثنان" (٣). قال الذهبي ﵀: " فمن طعن فيهم أو سبهم فقد خرج من الدين ومرق من ملة المسلمين لأن الطعن لا يكون إلا عن اعتقاد مساويهم، وإضمار الحقد فيهم، وإنكار ما ذكره الله تعالى في كتابه من ثنائه عليهم، وما لرسول الله ﷺ من ثنائه عليهم، وبيان فضائلهم ومناقبهم وحبهم ... ، والطعن في الوسائط طعن في الأصل، والازدراء بالناقل ازدراء بالمنقول، هذا ظاهر لمن تدبره، وسلم من النفاق، ومن الزندقة والإلحاد في عقيدته" (٤). والساب للصحابة ﵃ على أصناف، فمنهم من لا ريب في كفره، ومنهم من لا يحكم بكفره، ومنهم من يتردد فيه وكلام شيخ الإسلام الآتي يبين ذلك: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " من سبهم سباً لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم، مثل وصف بعضهم بالبخل، أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد، ونحو ذلك،

стр. 530

فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير (١)، ولا يحكم بكفره بمجردّ ذلك، وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفر من العلماء. وأما من لعن وقبَّح مطلقاً فهذا محل الخلاف فيهم، لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد. وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب في كفره؛ فإنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق ... " (٢). عليه فحكم الساب يختلف باختلاف اعتقاده، ومن سبه، ومتعلق سبه. وليعلم أن سب الصحابة ﵃ باب للزندقة، وعلامة وأمارة لأهل الأهواء والبدع، يقول الإمام أحمد بن حنبل: " ومن انتقص واحداً من أصحاب رسول الله ﷺ أو أبغضه لحدث كان منه، أو ذكر مساوئه، كان مبتدعاً حتى يترحم عليهم جميعاً، ويكون قلبه لهم سليماً" (٣).

стр. 531

رابعاً: فضل الصحابة والمفاضلة فيما بينهم . قال الشيخ ﵀: " صحابة رسول الله ﷺ خير هذه الأمة وقد أثنى الله عليهم في كتابه، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ التوبة: ١٠٠، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ الفتح: ١٨، إلى غير ذلك من الآيات التي أثنى الله فيها على الصحابة ووعدهم بدخول الجنة، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي من هؤلاء السابقين، وممن بايع تحت الشجرة، فقد بايع النبي ﷺ نفسه لعثمان فكانت شهادة له وثقة منه به، وكانت أقوى من بيعة غيره للنبي ﷺ ، وقد أثنى عليهم النبي ﷺ في أحاديث كثيرة إجمالاً وتفصيلاً وخاصة أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وبشر هؤلاء بالجنة في جماعة آخرين من الصحابة" (١). وقال الشيخ ﵀: " وهم يتفاوتون فيما بينهم، فبعضهم فوق بعض درجات، فأعلاهم درجة أهل بيعة الرضوان وكل من آمن قبل فتح مكة وأنفق في سبيل الله وقاتل إعلاء لكلمة الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ الحديد: ١٠، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه كان بين عبد الرحمن بن عوف وبين خالد بن الوليد شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله ﷺ : (لا تسبوا أحداً من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) (٢)، فدل الحديث على أن من أسلم قبل فتح مكة وقبل صلح الحديبية كعبد الرحمن بن عوف أفضل ممن أسلم بعدهما كخالد بن الوليد، وإذا كان

стр. 532

حال خالد بن الوليد ومن أسلم معه أو بعده من الصحابة بالنسبة لعبد الرحمن بن عوف والسابقين معه إلى الإسلام هو ما ذكر في الحديث فكيف بحال من جاء بعد الصحابة بالنسبة إلى الصحابة ﵃، وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) (١)، وفي حديث عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (٢) قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة" (٣). " أثنى الله ﵎ على أصحاب رسول الله ﷺ في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله ﷺ من الفضل ما ليس لأحد بعدهم" (٤). والقول بمقتضى ذلك من معاقد العقائد التي أجمع عليها أهل السنة والجماعة (٥)، وصنفوا فيها المصنفات، وأفردوا في تقريرها المؤلفات (٦). وما أجمل ما قاله السفاريني في منظومته: وليس في الأمة كالصحابة ... في الفضل والمعروف والإصابة فإنهم قد شاهدوا المختارا ... وعاينوا ... الأسرار ... والأنوار وجاهدوا في الله حتى بانا ... دين الهدى وقد سما الأديانا وقد أتى في محكم التنزيل ... من فضلهم ما يشفي من غليل وفي الأحاديث وفي الآثار ... وفي كلام القوم ... والأشعار

стр. 533

ما قد ربا من أن يحيط نظمي ... عن بعضه فاقنع وخذ عن علم (١) وقد اختلف الناس في الكلام في المفاضلة بين الصحابة ﵃: - فمنهم من أمسك عن الخوض فيها. - ومنهم من تكلم بمقتضى النصوص. والذي عليه إجماع أهل السنة والجماعة قاطبة القول بأفضلية أبي بكر ثم عمر ﵄ (٢). يقول الإمام الشافعي ﵀: " ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة، وإنما اختلف من اختلف منهم في علي وعثمان" (٣). قال البيهقي ﵀ بعد ذكره قول الشافعي هذا بسنده: " وروينا عن جماعة من التابعين وأتباعهم نحو هذا" (٤). وقال يحيى بن سعيد القطان (٥) ﵀: " من أدركت من أصحاب النبي والتابعين لم يختلفوا في أبي بكر وعمر وفضلهما، وإنما كان الاختلاف في علي وعثمان" (٦). وجملة أقوال السلف ﵏ في المفاضلة بين عثمان وعلي ثلاثة: الأول: تفضيل عثمان على علي، هو قول جمهورهم (٧). الثاني: تفضيل علي على عثمان، وهو قول أكثر أهل الكوفة" (٨).

стр. 534

والثالث: التوقف عن المفاضلة بينهما، وهو قول بعض أهل المدينة، ورواية عن الإمام مالك ﵀ (١). وقد استقر إجماع أهل السنة والجماعة بَعْدُ على تقديم عثمان على علي (٢). وأفضل الصحابة بعدهم بقية العشرة المبشرين بالجنة؛ ثم أهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر؛ ثم أهل بيعة الرضوان؛ على الصحيح؛ ثم أهل أحد؛ ثم بقية المهاجرين؛ ثم بقية الأنصار (٣). وقد دل الكتاب والسنة على أوجه التفاضل بين الصحابة ﵃، وجماع هذه الأوجه هو ما سلف من كل واحد منهم من أعمال البر والطاعات التي تتفاضل منزلتها عند الله تعالى. فمن أوجه التفاضل بينهم: * السبق إلى الإسلام: فالسابق إلى الإسلام أفضل من المسبوق، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ التوبة: ١٠٠. * الإنفاق والجهاد قبل الفتح: فمن أنفق قبل الفتح وقاتل أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعده وقاتلوا، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾ الحديد: ١٠. * شهود بدر: فقد قال ﷺ : (لعل الله أن يكون اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) (٤).

стр. 535

* شهادة رسول الله ﷺ بالجنة: فمن شهد له بها أفضل، كشهادته للعشرة بالجنة. * شهود بيعة الرضوان: فمن شهدها أفضل، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ الفتح: ١٠، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الفتح: ١٨ (١). خامساً: مذهب أهل السنة والجماعة فيما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ -. علق الشيخ على قول الرسول ﷺ : (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) فقيل: هذا القاتل فما بال المقتول؟ فقال: (كان حريصاً على قتل صاحبه) (٢) وبيان كيفية الحكم بهذا الحديث في الفتنة الكبرى أيام الخلافة الرشيدة: فقال الشيخ ﵀: " مذهب أهل السنة والجماعة الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ والترضي عنهم جميعاً، واعتقاد أنهم كانوا مجتهدين فيما عملوا، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر وخطؤه مغفور، والحديث المذكور إنما هو في المسلمين اللذين يقتتلان ظلماً وعدواناً لا باجتهاد شرعي" (٣). قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: " من السنة الواضحة الثابتة البينة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين، والكف عن ذكر ما شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو واحداً منهم أو انتقصه أو طعن عليه أو عرض بعيبهم أو عاب أحداً منهم فهو مبتدع رافضي خبيث مخالف لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة" (٤).

стр. 536

"الإمساك عن ذكر أصحاب رسول الله ﷺ وذكر زلاتهم، ونشر محاسنهم ومناقبهم، وصرف أمورهم إلى أجمل الوجوه، من أمارات المؤمنين المتبعين لهم بإحسان الذين مدحهم الله بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الحشر: ١٠" (١). والقول بذلك هو ما عليه أهل السنة والجماعة قاطبة قولاً وعملاً (٢). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تقرير عقيدتهم: " ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساويهم: منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه. والصحيح منه: هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون ... " (٣). والذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة أن علياً ﵁ هو أولى بالحق في قتاله مع معاوية، وفي قتاله مع عائشة وطلحة والزبير ﵃ أجمعين (٤). قال الإمام أحمد ﵀ بعد أن قيل له: ما تقول فيما كان بين علي ومعاوية، قال: "ما أقول فيهم إلاّ الحسنى" (٥).

стр. 537

سادساً: حجية قول الصحابي . قال الشيخ ﵀: " لا فرق بين الصحابي والتابعي - في أن قول الصحابي حجة على قول التابعي-؛ فإن التفاوت بينهما في العلم والتقوى لا يوجب أن يكون قول الأعلم الأتقى حجة على من دونه، لأن الصحابي من أهل الاجتهاد، والخطأ ممكن عليه؛ فلا يجب على التابع المجتهد العمل بمذهبه كالصحابيين والتابعيين ... " (١). وقال الشيخ ﵀: " لا شك أن الصحابة أهل للاجتهاد ولا يتهم مثلهم في التقصير، وقد خطأ بعضهم بعضاً فيما اختلفوا فيه؛ بل جوز كلٌ الخطأ على نفسه في اجتهاده" (٢). وقال ﵀: " كان الصحابة أعرف بالله تعالى وأبعد نظراً وأدق فهماً في نصوص الشريعة ممن جاء بعدهم لصفاء أذهانهم ومكانهم من النبي ﷺ ، ونزول الوحي عليه، ولم يكن بينهم اختلاف في التوحيد، ولا مناظرات في مسائله لرجوعهم إلى الفطرة السليمة، والأدلة العقلية الصريحة، ونصوص الشريعة الصحيحة، وبعدهم عن موارد الشبه ومنازع الأهواء ... وإنما تكلموا في تفاصيل الفروع لوقوعها، وضرورة الناس إلى معرفة أحكامها، واختلفوا في مسائل منها؛ للإجمال في الأدلة، وللتفاوت في البلاغ والفهم، ونحو ذلك من الأسباب، واتفقوا في مسائل لم يوجد فيها المقتضي للخلاف" (٣). يفصل المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فيقول: " من قال من العلماء قول الصحابي حجة فإن كان لم يخالفه غيره من الصحابة ولا عرف نص يخالفه ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقراراً على القول فقد يقال إجماع إقراري أنهم أقروه لم ينكره أحد منهم وهم لا يقرون على باطل. وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عرف أن غيره لم يخالفه فقد يقال هو حجة وأما إذا عرف أنه خالفه فليس بحجة بالاتفاق.

стр. 538

وأما إذا لم يعرف هل وافقه غيره أو خالفه لم يجزم بأحدهما. ومتى كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة في سنة رسول الله ﷺ لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم" (١). سابعاً: محبة الصحابة . قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀: " أهل السنة والجماعة يحبون أصحاب رسول الله ﷺ ويثنون عليهم ويترضون عنهم كما أثنى الله عليهم وترضى عنهم، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ التوبة: ١٠٠، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ الفتح: ٢٩إلى آخر السورة، إلى غير ذلك من الآيات التي وردت فيها ثناء الله عليهم وترغيب المؤمنين في حبهم والدعاء لهم ولمن تبعهم بإحسان ... ويرى أهل السنة أن حب الصحابة دين وإيمان وإحسان لكونه امتثالاً للنصوص الواردة في فضلهم، وأن بغضهم نفاق وضلال لكونه معارضاً لذلك، ومع ذلك فهم لا يتجاوزون الحد في حبهم أو في حب أحد منهم لقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ النساء: ١٧١، ولا يجفون أحداً منهم، ولا يتبرءون منه" (٢). الصحابة هم خير القرون، وصفوة هذه الأمة وأفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ، ويجب علينا أن نتولاهم ونحبهم ونترضى عنهم وننزلهم منازلهم، فإن محبتهم واجبة على كل مسلم، وحبهم دين وإيمان وقربى إلى الرحمن، وبغضهم كفر وطغيان. فهم حملة هذا الدين، فالطعن فيهم طعن في الدين كله لأنه وصلنا عن طريقهم بعد أن تلقوه غضًّا طريًّا

стр. 539

عن رسول الله ﷺ مشافهة ونقلوه لنا بكل أمانة وإخلاص ونشروا الدين في كافة ربوع الأرض في أقل من ربع قرن وفتح الله على أيديهم بلاد الدنيا فدخل الناس في دين الله أفواجاً (١). وقد دل الكتاب والسنة على وجوب موالاة الصحابة ومحبتهم وأنها دليل صدق إيمان الرجل. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ التوبة: ٧١. وإذا كان أصحاب النبي ﷺ مقطوعاً بإيمانهم بل هم أفضل المؤمنين لتزكية الله ورسوله لهم فإن موالاتهم ومحبتهم دليل إيمان من قامت به هذه الصفة. ومن السنة حديث أنس عن النبي ﷺ أنه قال: (آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار) (٢). والنصوص في هذا كثيرة جداً لا يسع المقام ذكرها على أنه يحسن التنبيه هنا على ما يترتب على موالاة الصحابة رضوان الله عليهم من الآثار الطيبة في الدنيا والآخرة مما يشحذ الهمم على تحقيق موالاتهم. فمن آثار موالاتهم الطيبة في الدنيا الفلاح والغلبة والنصر كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ المائدة: ٥٦. قال ابن كثير: "كل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين فهو مفلح في الدنيا والآخرة ومنصور في الدنيا والآخرة" (٣). ومن ثمار محبتهم في الآخرة ما يُرجى لمُحبّهم من الحشر معهم لقول النبي ﷺ كما في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله

стр. 540

كيف تقول في رجل أحب قوماً ولم يلحق بهم، فقال رسول الله ﷺ : (المرء مع من أحب) (١) (٢). ثامناً: علم الصحابة . يبين الشيخ أن الصحابة لا يجوز في حقهم جميعاً أن يجهلوا أمراً من أمور القرآن أو لفظة من ألفاظه؛ فقال ﵀: " لا يجوز أن يجهل الصحابة جميعاً أمراً من أمور القرآن التشريعية أو يخطئوا فيه جميعاً؛ لأن ذلك ينافي نصوص الكتاب والسنة الدالة على ثبوت عصمة الأمة في إجماعها. ويجوز أن يجهل بعضهم الحكم القرآني أو يخطئ فيه ويعلمه غيره، أما إجماعهم على الخطأ فغير جائز ولا واقع" (٣). لقد كان الصحابة ﵃ أعلم الناس وأفقههم في دين الله، وهذا من خيريتهم فهم كما في الحديث: (خير القرون ...) (٤)، وخيريتهم وفضلهم جاء من وجود رسول الله ﷺ بين أظهرهم يعلمهم ويرشدهم مع ما صاحب ذلك من إيمان صادق وذهن وقاد لتلقي العلم، قال الحسن البصري ﵀ وقد ذُكر الصحابة عنده قال: أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا أبرّ هذه الأمة قلوباً وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم (٥). وقد نزل القرآن الكريم موافقاً لرأي أحدهم؛ فإذا علمت آراءهم وعلمهم وفقههم علمت بحق أنهم علماء، يقول مجاهد ﵀: العلماء أصحاب رسول الله ﷺ ، وقال قتادة

стр. 541

في قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾ سبأ: ٦، قال: هم أصحاب محمد ﷺ (١). وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ البقرة: ١٢١، قال: يتبعونه حق اتباعه، يحلُون حلاله ويحرمون حرامه ولا يحرفونه عن مواضعه. وقال قتادة (٢): " هؤلاء أصحاب محمد ﷺ آمنوا بكتاب الله فصدقوا به وأحلوا حلاله وحرموا حرامه وعملوا بما فيه: وقال مجاهد: يعملون به حق علمه (٣). إن العلم الحقيقي والعلم النافع هو العلم الذي يعمل به صاحبه، وهذا كان حال الصحابة ﵃ وهكذا كان يربيهم نبيهم ﷺ ، ويصف ابن عمر ﵄ ذلك فيقول: لقد لبثنا برهة من دهر وأحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، تنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها، وأمرها وزجرها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها، كما يتعلم أحدكم السورة، ولقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، يقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يعرف حلاله ولا حرامه، ولا أمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، وينثره نثر الدقل" (٤). ومن تتبع أقوال الصحابة علم عمق فهمهم، وسعة علمهم ﵃ وأرضاهم، كيف لا وهم خير القرون (٥)، وقد أوصانا رسول الله ﷺ أن نتمسك بسنتهم في قوله ﷺ : (... فإنه من يعش منكم يرى اختلافاً كثيراً، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها

стр. 542

بالنواجذ) (١)؛ فلعلمهم ﵃ ولفقههم ومعرفتهم بقول الله وقول رسوله ﷺ صارت سنة الخلفاء منهم متبوعة، وطريقتهم هي طريق النجاة عند حصول الفتن. وقد أمرنا رسول الله ﷺ بالاقتداء بهم والاهتداء بهديهم والتمسك بعهدهم، فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي، أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن مسعود) (٢). هذا هو فضل الصحابة وهذا هو فقههم وعلمهم، فما حقهم علينا؟ لقد فرّط أناس في حق الصحابة وأفرط آخرون، والحق هو قول أهل الحق أهل السنة والجماعة، وهذا ما سيتضح في المبحث التالي إن شاء الله. تاسعاً: موقف أهل البدع وأهل السنة من الصحابة . قال الشيخ ﵀: " أما الخوارج فقد أبغضوا عثمان وعليا وعمرو بن العاص ومعاوية وكثيراً من الصحابة وتبرءوا منهم، ولهذا سموا النواصب لمناصبتهم عليا ومن والاه العداوة والبغضاء، وبراءتهم من كثير من الصحابة. وأما الروافض فقد أبغضوا أبا بكر وعمر وعثمان وكثيراً من الصحابة وتبرءوا منهم، وقالوا لا ولاء إلا ببراء، أي لا يصح من أحد ولاء لآل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر وعثمان ومن تبعهم، وسموا رافضة، لأنهم رفضوا مجلس زيد بن علي زين العابدين من أجل موالاته أبا بكر وعمر، فسماهم رافضة.

стр. 543

وبهذا يعلم أن أهل السنة والجماعة وسط في موالاة الصحابة ومن تبعهم بين الخوارج والروافض. وقد رد أهل السنة مذهب الخوارج والروافض بما تقدم من النصوص العامة في فضل الصحابة وبالنصوص الخاصة في فضل واحد أو جملة منهم" (١). روى أصحاب السنن من طريق حذيفة بن اليمان عن النبي ﷺ أنه قال: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) (٢)، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من طريق عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال في شأن عثمان وتكريمه: (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة) (٣) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ قال لعلي بن أبي طالب: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) (٤) إلى غير هذا من الأحاديث الدالة على فضل الصحابة إجمالاً أو تفصيلا. صار الناس مع صحابة رسول الله ﷺ طرفين ووسطاً (٥). فالخوارج جفت بعض الصحابة، وفرطت في حقهم، وكفرت علياً وعثمان ﵄، والحكمين ومن رضي بالتحكيم، وتبرأت منهم (٦). أما المعتزلة فلم تجرؤ على القول بالتكفير وقالت بالتفسيق، وأن أحد الفريقين: فريق علي ابن أبي طالب أو معاوية بن أبي سفيان فاسق غير مقبول الشهادة، وزاد بعض المعتزلة بالتبرؤ من معاوية وعمرو بن العاص ﵄، والتجرؤ على سب الصحابة جملة (٧).

стр. 544

أما الشيعة فقد جمعوا بين الغلو والجفاء؛ فغلوا في حب عليّ بن أبي طالب حتى ألّهه بعضهم، وفضله آخرون على أبي بكر وعمر ﵄.وجفوا مع بعض الصحابة وسبوهم ورموهم بالجهل، واستطالوا في شتمهم خاصة أبا بكر وعمر، حتى صار ذلك من علامات الروافض ووصفهم، ولم يكتفوا بالسب والشتم للصحابة الكرام حتى جاوزوه إلى القول بالتبرؤ من أفاضلهم كأبي بكر وعمر وكثير من الصحابة، وتجميع الشيعة على القول بالتبري والتولي قولاً وفعلاً وعقداً (١)، وقالوا: لا ولاء إلا ببراء، أي لا ولاء لعلي بن أبي طالب واعتقاد إمامته إلا بالبراءة من أبي بكر وعمر وعثمان (٢)، بل من الشيعة من يكفر أكثر الصحابة نعوذ بالله من الضلال (٣). هؤلاء هم الذين فرطوا أو أفرطوا في حق الصحابة ﵃، والحق مع أهل الوسط أهل السنة والجماعة، ويتلخص معتقدهم في الصحابة ﵃ في أمور نعددها: ١ - عدالة الصحابة: الصحابة كلهم عدول ثقات. ٢ - وجوب محبة الصحابة وتوقيرهم من غير إفراط ولا تفريط، ومن غير تفريق. ٣ - وجوب ذكر محاسنهم، والترضي عنهم والدعاء لهم، وعدم الخوض فيما شجر بينهم إلا بالحق. ٤ - النهي عن سب الصحابة ن، أو ذكر أحدهم بما يسوء. وقد تقدم الحديث عن كل واحد مما سبق.

стр. 545

المطلب الثاني الإمامة . تمهيد تعريف الإمامة الإمامة في اللغة: مصدر من الفعل أمَّ، يقال: "أمَّهم وأمّ بهم: تقدَّمهم ... " (١). "والإمام: كل من اقتدي به وقدم في الأمور، والنبي ﷺ إمام الأئمة، والخليفة إمام الرعية، والقرآن إمام المسلمين" (٢). وأما في الاصطلاح: فقد عرّفها أهل العلم بتعريفات عدّة، وهي وإن اختلفت في الألفاظ فهي متقاربة في المعاني (٣)، ومن أشهرها تعريفا الماوردي (٤) وابن خلدون رحمهما الله. يقول الماوردي: " الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به" (٥). ويقول ابن خلدون: " الإمامة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به" (٦).

стр. 546

وليس هناك فرق بين لفظتي الإمامة والخلافة، إذ عامة النصوص الواردة في هذا الباب تدل على إطلاق إحدى الكلمتين على الأخرى ولم يرد في شيء منها ما ينبئ على تغاير معنييهما أو الفرق بينهما، وهذا ما أفاده جمع من أهل العلم أيضاً ووجد في منصوص كلامهم. قال النووي: " يجوز أن يقال للإمام الخليفة والإمام وأمير المؤمنين" (١). والإمامة عند أهل السنة والجماعة من أعظم واجبات الدين؛ لأنه لا قيام للدين إلا بها، فإن الله تعالى أوجب على الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ... ، ولا يتم ذلك إلا بالقوة والإمارة. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: " لا بد للناس من إمارة برة كانت أو فاجرة، قيل له: هذه البرة قد عرفناها فما بال الفاجرة؟ قال: يؤمن بها السبيل ويقام بها الحدود ويجاهد بها العدو ويقسم بها الفيء" (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين؛ لأنه لا قيام للدين إلاًّ بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس ... ؛ لأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلاَّ بقوة وإمارة، وكذلك ما أوجبه الله من الجهاد، والعدل، وإقامة الحج والجمع والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود لا تتم إلاَّ بالقوة والإمارة ... " (٣).

стр. 547

أولاً: حكم الإمامة . قال الشيخ ﵀: " إنابة ولي أمر عام للمسلمين يتولى شئونهم وتنتظم به أمورهم ويجتمع شملهم واجب على المسلمين، ويجب عليهم أن يختاروا من بينهم من يصلح للقيام بواجب الأمة، وإن لم يكن في الأمة من يصلح لذلك إلا واحد تبين عليهم أن يقيموه والياً عاماً عليهم، وتعين عليه أن يتقبل تولي هذا المنصب، حفاظاً لكيانها، وتحقيقاً لما ينهض بها سياسة وتدبيراً، وثقافة وعلماً، وإنتاجا وكسباً ... والحكمة في ذلك رعاية مصلحة الأمة، ... وقد شهدت الفطرة بضرورة إقامة ولي عام على المسلمين على مصالحهم ... ويبذل وسعه في توحيد كلمتهم ولم شعثهم، بل عرف الإنسان أن اتخاذ القيادة وضرورتها أمر جبلت عليه الحيوانات العجماوات، فإنا لا نكاد نجد طائفة من الحيوانات على اختلاف أنواعها ... إلا اتخذت لنفسها قيادة تنظم مسيرها وعملها ... وتنصيب الولاة والأئمة أمر معروف طبعت عليه القبائل والأمم، وكما دل العمل المستمر من النبي ﷺ في بعث السرايا أنه ما بعث سرية إلا وقد أمر عليها أميراً وأوصاها بطاعته، ودل عمله في البلاد الإسلامية أنه لم يترك بلداً دون أن يؤمر على أهلها أميراً ولم يسافر عن المدينة إلا وقد أمر عليها أميراً، فإذا كان هذا شأنه في الولايات الخاصة، فالولايات العامة ألزم، والعناية بها أتم وأوجب، ولا تكون ولاية خاصة في أمة إلا عن طريق الولاية عامة" (١). نصب الإمام واجب بدلالة الكتاب، والسنة، والإجماع، والقواعد الشرعية (٢). فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ النساء: ٥٩. فالله سبحانه أوجب على المسلمين طاعة أولي الأمر منهم، وهم العلماء والأمراء، والأمر بالطاعة دليل على وجوب نصب ولي الأمر؛ لأن الله تعالى لا يأمر بطاعة من لا وجود

стр. 548

له، ولا يفرض طاعة من وجوده مندوب، فالأمر بطاعته يقتضي الأمر بإيجاده (١). وغير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى، والتي يطول ذكرها وإيضاح وجه المراد منها وبيان معانيها، ويكفي أن جميع آيات الحدود والقصاص والأحكام التي لا يستطيع القيام بها وتنفيذها إلا الإمام دالة على وجوب وجوده وإقامة منصبه. ومن السنة: قوله ﷺ : (من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) (٢). وفعله ﷺ حيث تولّى زعامة الدولة الإسلامية الأولى. أما الإجماع: فقد اتفق السواد الأعظم من المسلمين على اختلاف طوائفهم على وجوب نصب الإمام، ولم يشذ عن ذلك إلا النجدات، من الخوارج ونفر من المعتزلة (٣). يقول العلامة ابن حزم ﵀: " اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل، يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله ﷺ حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم" (٤). ولهذا أجمع الصحابة ﵃ على الاشتغال بها قبل دفن النبي ﷺ ، وقد حكى هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم (٥).

стр. 549

ثانياً: الواجب نحو الأئمة . قال الشيخ ﵀: "وقد دلت عناية الكتاب والسنة بالحث الكثير على طاعة ولاة الأمور، والتحذير الشديد من الخروج عليهم ومنازعتهم مكتفية في تقبل الولاية بالخبر عنها وانتظام الأمر بها " (١). ١ - السمع والطاعة لهم: دلت النصوص الشرعية على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر وأئمة المسلمين ما لم يأمروا بمعصية، منها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ النساء: ٥٩ وقوله ﷺ : (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) (٢). فأهل السنة والجماعة يرون السمع والطاعة للإمام في غير معصية الله، فمن ولي من أمورهم شيئاً عن رضى واختيار أو غلبة وقهر، فإن طاعته واجبة براً كان أو فاجراً ما لم يأمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة له في ذلك الأمر، ولا يرون الخروج عليهم وإن جاروا، كما يرون الجهاد معهم والدعاء لهم، ودفع الصدقات إليهم إذا طلبوها، والصلاة خلفهم؛ لأن طاعتهم في معروف طاعة لله تعالى وامتثالاً لأمره حيث قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ النساء: ٥٩. يقول العلامة ابن أبي العز ﵀: " دل الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر، ما لم يأمروا بمعصية، فتأمل قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ النساء: ٥٩، كيف

стр. 550

قال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم؟ لأن أولي الأمر لا يفردون بالطاعة، بل يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله، وأعاد الفعل مع الرسول؛ لأنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، فإن الرسول لا يأمر بغير طاعة الله، بل هو معصوم في ذلك، وأما ولي الأمر، فقد يأمر بغير طاعة الله، فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله. وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا، فلأنه يترتب على الخروج عن طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور، فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل" (١). ويقول ابن تيمية متحدثاً عن مذهب أهل السنة والجماعة: " إنهم لا يوجبون طاعة الإمام في كل ما يأمر به، بل لا يوجبون طاعته إلا فيما تسوغ طاعته فيه في الشريعة، فلا يجوزون طاعته في معصية الله وإن كان إماماً عادلاً، فإذا أمرهم بطاعة الله فأطاعوه، مثل أن يأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصدق والعدل والحج والجهاد في سبيل الله، فهم في الحقيقة إنما أطاعوا الله ... فأهل السنة لا يطيعون ولاة الأمور مطلقاً، إنما يطيعونهم في ضمن طاعة الرسول ﷺ " (٢). ٢ - عدم الخروج عليهم: دلّت النصوص الشرعية على تحريم الخروج على ولاة الأمور وأئمة المسلمين، منها: قوله ﷺ : (من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، فميتته جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برّها وفاجرها، ولا يفي بذي عهدها، فليس مني) (٣). وقال ﷺ : (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله:

стр. 551

أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ومن ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنَّ يداً من طاعة) (١). فمن أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة، وترك قتال الأئمة والخروج عليهم وإن جاروا. قال الإمام أحمد ﵀: " ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه، وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان الرضا والغلبة، فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله ﷺ ، فإن مات الخارج عليه مات ميتةً جاهلية، ولا يحلُّ قتال السلطان، والخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق ... " (٢). قال النووي: " لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكراً محققاً تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق ... " (٣).

стр. 552

المبحث الثاني جهوده في تقرير مسائل الأسماء والأحكام: تمهيد في تعريف مسائل الأسماء والأحكام، وأهميتها: المراد بالأسماء: أسماء الدين، مثل: مؤمن، ومسلم، وكافر، وفاسق. والمراد بالأحكام: أحكام هؤلاء في الدنيا والآخرة، أي: أحكام أصحاب هذه الأسماء (١). يقول الحافظ ابن رجب ﵀: " هذه المسائل أعني: مسائل الإسلام والإيمان، والكفر والنفاق مسائل عظيمة جداً، فإن الله علق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة، واستحقاق الجنة والنار، والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة ... وقد صنف العلماء قديماً وحديثاً في هذه المسائل تصانيف متعددة، وممن صنف في الإيمان من أئمة السلف: الإمام أحمد، وأبو عبيد القاسم بن سلام (٢)، وأبو بكر بن أبي شيبة (٣)، ومحمد بن أسلم الطوسي (٤) ﵏ وكثرت فيه التصانيف بعدهم من جميع الطوائف" (٥). وقد أشار الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀ إلى أهمية هذه المسائل، وضرورة العناية بها وفيما يلي عرض لكلامه ﵀.

стр. 553

المطلب الأول جهوده في مسائل الإيمان . ١ - تعريف الإيمان: الإيمان في اللغة: مصدر آمن يؤمن إيماناً فهو مؤمن (١)، وهو بمعنى الإقرار لا مجرد التصديق؛ فإن الإيمان يتضمن أمرين: أحدهما: الإخبار. ثانيهما: الالتزام. والتصديق إنما يتضمن الأول دون الثاني، بخلاف الإقرار فإنه يتضمنهما جميعاً (٢). ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " معلوم أن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق، والإقرار يتضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد" (٣). وأما الإيمان في الشرع: فهو حقيقة مركبة من اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح. كما عرفة الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀، بقوله: " قول أهل السنة والجماعة: أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان وتصديق بالجنان" (٤).

стр. 554

والأدلة على ذلك متظافرة من الكتاب والسنة والإجماع: فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ المائدة: ٤١ "كان الرسول محمد ﷺ من شدة حرصه على الخلق يشتد حزنه لمن يظهر الإيمان، ثم يرجع إلى الكفر. فأرشده الله تعالى، إلى أنه لا يأسى ولا يحزن على أمثال هؤلاء. فإن هؤلاء، لا في العير ولا في النفير. إن حضروا لم ينفعوا، وإن غابوا لم يفقدوا. ولهذا قال مبينا للسبب الموجب لعدم الحزن عليهم ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ فإن الذين يؤسى ويحزن عليهم، من كان معدودا من المؤمنين، ظاهراً وباطناً. وحاشا لله، أن يرجع هؤلاء عن دينهم، ويرتدوا، فإن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لم يعدل به صاحبه غيره، ولم يبغ به بدلا" (١)؛ فالمعنى ووجه الاستدلال من حقق الإيمان ظاهراً وباطناً. ومن السنة: قوله ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) (٢). "فهذه الشعب تتفرع من أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن" (٣)، وقد عني جمع من أهل العلم بعدها وفقاً لذلك (٤).

стр. 555

أما الإجماع: فقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل (١). وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم: وكيع بن الجراح (٢) (٣) وأبو عبيد القاسم بن سلام (٤)، والبخاري (٥)، والبغوي (٦)، وابن عبد البر (٧) ﵏ جميعاً. وقد خالف أهل السنة والجماعة في ذلك عامةُ الطوائف والفرق (٨)، ومنهم الأشاعرة فإنهم اتفقوا على أن الإيمان هو تصديق القلب، وأن أعمال الجوارح غير داخلة في مسماه، واختلفوا في إقرار اللسان على قولين (٩).

стр. 556

والذي عليه جمهورهم أن الإيمان هو مجرد التصديق القلبي، وأما إقرار اللسان وعمل الجوارح فهي خارجة عن مسماه (١). وهذا قول باطل لأن الإيمان ليس في اللغة مجرد التصديق ولو فرضنا أنه كذلك في اللغة فإن الأعمال داخلة في مسماه (٢). ٢ - زيادة الإيمان ونقصانه: قال الشيخ ﵀: " مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص" (٣). قال الشيخ ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ محمد: ١٧: " في ذلك دليل على ما ذهب إليه أهل السنة من زيادة إيمان المهتمين باستماعهم للقرآن استماع تدبر واعتبار" (٤). تواترت نصوص الوحيين في الدلالة على زيادة الإيمان ونقصانه. فمن الكتاب: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ الأنفال: ٢. ومن السنة: قوله ﷺ : (يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير) (٥). والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

стр. 557

وكل دليل يدل على زيادة الإيمان فهو دليل على نقصه والعكس بالعكس، إذ ما قبل الزيادة قبل النقصان (١). والقول بمقتضى ذلك هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة (٢)، وانعقد عليه إجماعهم (٣). واتفق الصحابة ﵃ والتابعون ومن بعدهم من علماء أهل السنة على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية (٤). قال أبو هريرة ﵁: " الإيمان يزداد وينقص" (٥). وقال عمير بن حبيب ﵁: " الإيمان يزيد وينقص، قيل له: ما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وخشيناه فذلك زيادته، فإذا غفلنا وضيعنا فذلك نقصانه" (٦). وروى اللالكائي بسنده عن البخاري أنه قال: " لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" (٧).

стр. 558

وممن قال بزيادته ونقصانه (١): الإمام مالك، والشافعي، وأحمد، والثوري (٢)، وابن عيينة (٣)، وابن جريج (٤)، ووكيع (٥)، والبخاري كما في صحيحه (٦). ٣ - الفرق بين الإيمان والإسلام: قال الشيخ ﵀: " كلٌّ من الإيمان والإسلام يطلق عند الانفراد على جميع أحكام الشريعة عقيدة وعملاً وقولاً وخلقاً، وإذا اجتمعا كما في حديث سؤال جبريل النبي عليهما الصلاة والسلام كان الإسلام للأحكام الظاهرة والإيمان للأحكام الباطنة، مع استلزام كل منهما إذا صح للآخر؛ فكل إيمان صحيح يستلزم إسلاماً صحيحاً، وكل إسلام صحيح لا يكون إلا عن إيمان صحيح" (٧). اختلف أهل العلم ﵏ في الإيمان والإسلام هل هما بمعنى واحد، أم معان متغايرة؟ والخلاف جار بين أهل السنة والجماعة على قولين:

стр. 559

أحدهما: أن الإيمان والإسلام بمعنى واحد، وممن قال بهذا القول: البخاري (١)، ومحمد ابن نصر (٢) (٣)، وابن مندة (٤)، وابن عبد البر (٥) ﵏ جميعاً. وثانيهما: أن الإيمان والإسلام مفترقان، وهو قول كثير من السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم (٦)، واختاره الخلال (٧) (٨)، وابن بطة (٩)، والخطابي (١٠)، واللالكائي (١١) (١٢)، وأبو يعلى (١٣)، وأبو القاسم الأصبهاني (١٤) (١٥)،

стр. 560

والبغوي (١)، وابن الصلاح (٢)، وابن تيمية (٣)، وابن كثير (٤)، وابن رجب (٥) رحم الله الجميع. واختلف القائلون بالتفريق بينهما في تحديد وجهه، والأكثر على أنه إذا قرن بينهما فإن الإسلام يفسر بالأعمال الظاهرة والإيمان يفسر بالأعمال الباطنة، كما في حديث جبريل وغيره من الآيات والأحاديث التي قرنت بينهما. وأما إذا أفرد أحدهما فيدخل فيه الآخر، كما في حديث وفد عبد القيس (٦) حيث فسر الإيمان بما فسر به الإسلام، وكما في حديث عمرو بن عبسة (٧) حيث فسر الإسلام بما فسر به الإيمان. يقول الحافظ ابن رجب ﵀: " اسم الإسلام والإيمان إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه الآخر بانفراده ودل الآخر على الباقي، وقد صرح بهذا جماعة من الأئمة" (٨). وهذا ما قرره واختاره الشيخ عبد الرزاق عفيفي ﵀.

стр. 561

المطلب الثاني جهوده في مسائل الكبائر أولاً: تعريف الكبيرة: الكبيرة في اللغة: ضد الصغيرة. يقول ابن فارس: " الكاف والباء والراء أصل صحيح يدل على خلاف الصغيرة" (١). وهي مشتقة من الكُبْرِ وهو لا يخرج عن معنيين: أحدهما: العظمة. وثانيهما: الإثم الكبير (٢). وأما في الاصطلاح: فقد اختلف أهل العلم في تعريفها اختلافاً كثيراً، وتعددت أقوالهم فيها، حتى زادت على العشرين (٣). يقول ابن القيم ﵀: "وأما الكبائر فقد اختلف السلف فيها اختلافاً لا يرجع إلى تباين وتضاد، وأقوالهم متقاربة" (٤). وجملة هذه الأقوال ترجع إلى أحد أمرين: أحدهما: تعريفها بالعد؛ وقد اختلفوا في عدها. ثانيهما: تعريفها بالحد؛ وقد اختلفوا في حدها (٥).

стр. 562

وأولى الأقوال بالصواب تعريف الكبيرة بالحد، وحدها: بأنها كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب. وما قاربه في المعنى (١). ثانياً: حكم مرتكب الكبيرة: يبين الشيخ عبد الرزاق ﵀ عقيدة أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة، فيقول: " عقيدة أهل السنة والجماعة أن من مات من المسلمين مصراً على كبيرة من كبائر الذنوب كالزنى والقذف والسرقة يكون تحت مشيئة الله سبحانه إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه على الكبيرة التي مات مصراً عليها، ومآله إلى الجنة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ النساء: ٤٨، وللأحاديث الصحيحة المتواترة الدالة على إخراج عصاة الموحدين من النار، ولحديث عبادة بن الصامت ﵁: كنا عند النبي ﷺ فقال: (أتبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تسرقوا) وقرآ آية النساء (٢) - يعني الآية المذكورة، وأكثر لفظ سفيان قرأ الآية: (فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب في ذلك شيئاً فعوقب فهو كفارة له، ومن أصاب منها شيئاً من ذلك فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) (٣) " (٤). اختلف الناس في مرتكب الكبيرة من جهتين: الأولى: اسمه. والثانية: حكمه.

стр. 563

فذهب الخوارج (١) والمعتزلة (٢) إلى أنه في الآخرة خالدٌ في النار، واختلفوا في اسمه في الدنيا وحكمه فيها، فكفره الخوارج، وقال المعتزلة أنه في منزلة بين المنزلتين. وذهبت المرجئة إلى أن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، وأنه في الآخرة من أهل الجنة إذا مات موحداً مؤمناً وإن زنى وسرق وقتل (٣). وتوسط أهل السنة والجماعة، فقالوا: إن مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وأن حكمه في الدنيا حكم بقية المسلمين، وهو في الآخرة إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له (٤).

стр. 564

المطلب الثالث جهوده في مسائل الكفر والتكفير أولاً: تعريف الكفر: الكفر لغة: مصدر كَفَرَ يَكْفُرُ كُفْراً (١). يقول ابن فارس: " الكاف والفاء والراء أصل صحيح يدل على معنى واحد، وهو الستر والتغطية ... والكفر: ضد الإيمان، سمي بذلك تغطية الحق" (٢). وأما في الشرع: فالكفر ضد الإيمان (٣)،وقيل: " جحد ما لا يتم الإسلام بدونه" (٤). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الكفر عدم الإيمان باتفاق المسلمين" (٥). قال أهل السنة والجماعة بأن الكفر يكون بالاعتقاد، أو القول، أو العمل، أو بها جميعاً، وأن الكفر بالقول والعمل يقع بمجرده، دون اشتراط اقترانه بالتكذيب أو عدم الانقياد، أو كونهما علامة أو دليلاً عليهما (٦).

стр. 565

ثانياً: التحذير من التكفير بغير حق، وضرورة الاحتياط في الحكم به: قال الشيخ ﵀: " لا يجوز نفي الإيمان عن المسلم، بل هو حرام؛ لما ورد عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال وإلاَّ رجعت عليه) (١)، وعن أبي ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (من دعا رجلاً بالكفر، أو يا عدو الله وليس كذلك إلاَّ حار (٢) عليه) (٣) " (٤). وقال الشيخ ﵀ معلقاً على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الحجرات: ٩ الآية: " دل ذلك على أن المؤمن لا يكفر بالذنب ضرورة، لأن الله سمى المقتتلين مؤمنين، وأخبر أنهم إخوة لمن يصلح بينهم ممن لم يشاركهم في القتال" (٥). قال الشيخ ﵀: " تختلف كبائر الذنوب في فحشها وعظم جرمها: فمنها ما هو شرك، ومنها ما ليس بشرك، ومذهب أهل السنة والجماعة: أنهم لا يكفرون مسلماً بما كان منها دون الشرك ... ، أما ما كان من الكبائر مثل الاستعانة بغير الله كدعاء الأموات لتفريج الكربات والنذر للأموات والذبح لهم فهذه الكبائر وأمثالها كفر أكبر يجب البيان لمن ارتكبها وإقامة الحجة عليه، فإن تاب بعد البيان قبلت توبته وإلا قتله ولي أمر المسلمين لردته" (٦).
следующие страницы →